فتاوى
وأحكام
س : ما قولكم فيمن حج عن نفسه وأراد أن يستأجر
حجة عن شخص آخر وهو غير عالم بأمور الحج فهل يجوز له ذلك ؟
ج : لا يجوز له أن يستأجر حجة عن الغير حتى يكون عارفاً بمناسك الحج
معرفة تمكنه من أدائها على الوجه المشروع وإلا كان مخاطراً بنفسه
معرضاً لها للتلف والله أعلم .
س : ما رأيكم في رجل أمي أراد أن يستأجر حجة علماً أن هذا الرجل
يجالس العلماء والحجاج ويعرف شروط الحج والعمرة وقد حج عن نفسه وأهله
فهل يصح له الاستئجار على هذه الحالة ؟
ج : نعم بشرط أن يسأل عن كل مالا يعلم حكمه حتى لا يقدم على شيء
بجهل والله أعلم.
س : ما قولكم فيمن أراد أن يؤجر بالحج فهل يصح أن يؤجر بها من عليه
ديون ربوية لأحد البنوك ؟
ج : الوافد إلى الله يجب عليه أن يتطهر من جميع الأرجاس ومنها رجس
الربا حتى يحسن الوفادة إلى الله يطلب ممن أراد أن ينيب أحداً في
الحج أن يختار البر التقي والله أعلم .
س : في مستأجر حجة عن الغير وفي الرمي يذكر نفسه ولم يذكر الغير
هل يجزيه ذلك ؟
ج : إن كان نوى ذلك بقلبه أجزاه والله أعلم .
س : هل يصح للرجل أن يحج عن والديه إن كانا كبيرين في السن ولا يستطيعان
تأدية المناسك ؟
ج : لا مانع من ذلك والله أعلم
س : حجت امرأة في العام الماضي وأرادت أن تحج عن أمها العاجزة في
العام القادم مع العلم أنها أمية هل يجوز لها ذلك ؟
ج : لا مانع من نيابتها عن والدتها العاجزة في الحج إن توفر كل ما
يجب توفره في السفر إلى هناك مع استنادها إلى أهل المعرفة فيما تأتيه
من الأعمال والله أعلم.
س : إذا مات الوالدان ولم يؤديا فريضة الحج فهل يجوز أن أنيب عنهما
أحداً في تأدية هذه الفريضة أم لا يجوز ؟
ج : لا مانع من نيابة أحد عن الميت أو العاجز في الحج لا سيما القريب
كالولد عن والده ولا فرق في ذلك بين أن يكون النائب والمنوب عنه
ذكرين أو اثنين أو أحدهما ذكراً والآخر أنثى والدليل عليه حديث الخثعمية
التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : يا رسول
الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا
يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه ؟ فقال لها (أرأيت أن لو كان
على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً ؟) قالت نعم قال (فذاك ذاك) وحديث
الرجل الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وسأله عن أخته
التي نذرت أن تحج ولم تحج فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن
يحج عنها والله أعلم.
س : هل يجوز النيابة في رمي الجمار عن السائقين والطباخين المشتغلين
بمصالح الحجاج وهم أصحاء .
ج : إن لم يتمكنوا من الرمي بأنفسهم لانشغالهم بمصالح إخوانهم الحجاج
فلا بأس بالنيابة عنهم وإن تمكنوا من ذلك فليرموا بأنفسهم ولو ليلاً
في أيام التشريق والله أعلم.
س : ما تقولون في إنابة شخص عن امرأة لديها السمع والبصر ولكنها
لأسباب صحية لا تستطيع المشي لمسافة طويلة أو لمدة ؟
ج : إن كان مرادك النيابة في الحج فلا مانع من ذلك والله أعلم .
س : ما قولكم في امرأة فوق الثمانين لا تستطيع تحمل مشقة السفر لأداء
فريضة الحج هل يجوز لها أن تؤجر على ذلك ؟
ج : لا مانع من ذلك والله أعلم .
س : ما قولكم في رجل استأجر حجة عن رجل متوفى والمستأجر من سكان
عُمان الداخل والمؤجر من مسقط هل على المستأجر أن يصلي الركعتين
في بيت المؤجر أم يصلي في المسجد حيث يشاء وإذا كان يجب عليه أداء
الركعتين في بيت المؤجر هل الصلاة قبل سفره إلى الحج بأيام أم عليه
الصلاة في وقت السفر ؟ أفدنا جزاك الله خيراً .
ج : يبدأ السفر بصلاة ركعتين في بيته أي بيت الميت أو في المسجد
الذي كان يصلي فيه والله أعلم .
س : هل يجوز للمرأة المسلمة أن تحج عن أختها المسلمة ؟
ج : إن كانت المحجوج عنها عاجزة عن السفر إلى الحج لمرض أو هرم فلا
مانع من ذلك والله أعلم .
س : هل يجوز للمستأجر أن يؤجر أحداً في رمي الجمار مثلاً أو غيره
دون أن يتفق مع من أجره ؟
ج : نعم إن اضطر إلى ذلك والله اعلم.
س : ماذا ترى فيمن أستأجر حجة وهو لا يفقه من الحج شيئاً ؟
ج : هو مخاطر بدينه والله أعلم .
س : ما هي الشروط الواجب توافرها في المستأجر للحج ؟
ج : الأمانة والفقه والقدرة على أداء المناسك على الوجه المرضي والله
أعلم.
س : ما قولكم في رجل أراد أن يستأجر حجة عن رجل هالك وهو لا يفهم
شيئاً من مناسك الحج وأركانه وأحكامه فهل يجوز أن يستأجر أم لا وهل
على المأجور ذنباً في ذلك ؟ أفتنا آجرك الله .
ج : إن الله يعبد بالعلم ولا يعبد بالجهل والحج ليس تجارة كما يظن
كثير من الناس فيسابقون إليه ولا يجوز لمن كان بمثل هذه الحالة أن
ينوب عن غيره في الحج بأجرة والله أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيح احمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
الموجهات الأسلامية للتربية البيئية
آيات الكتاب تلفت نظر الإنسان للكون والبيئة
نعمة الماء هي أساس الحياة وفوائدها ظاهرة جلية
ورد ذكر النبات في القرآن في مواضع كثيرة
ربط القرآن العلاقة بين كافة المخلوقات البيئية
ان الوعي بأبعاد البيئة ومن ثم المحافظة عليها
كان ولا يزال من اهم الامور التي يوليها الاسلام عناية خاصة وتتسع
دوائر هذه البيئة ومكوناتها من البيئة القريبة المتصلة بالانسان
الى الكون كله بما فيه ومن فيه، ويحمل الاسلام مسئولية المحافظة
على البيئة، يظهر ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مثل
القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم على سفينة البحر..)
والانسان لا يهتم ببيئة دون اخرى بل يهتم بالبيئة الانسانية العامة
والخاصة على حد سواء وذلك تمشيا مع روحه الشاملة، والعالمية بل والكونية
على مرور الزمان. ويمكن استعراض الموجهات الاسلامية للتربية البيئية
كما يأتي
تنمية الوعي البيئي وأبعادها المحيطة بالإنسان
تشير تحليلات النصوص الشرعية الى ان الاسلام يهدف الى تعريف الانسان
بمقومات وابعاد بيئية وموقعه منها، ليضع الانسان يده على ما فيها
من منافع بالفكر والتأمل والدراسة (ان في خلق السماوات والارض واختلاف
الليل والنهار لأيات لأولي الالباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا
وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا
سبحانك فقنا عذاب النار)
وهناك الكثير من آيات القرآن الكريم تلفت نظر الانسان للبيئة الكونية
وللارض ومكونات البيئة القريبة من ضوء وبحار وانهار ونبات وحيوان
وجماد (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى الى السماء فسواهن
سبع سماوات وهو بكل شيء عليم) اي ان الله خلق جميع ما في الارض من
الاشياء ومنافعها فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال،
ومنها ما يتصل بضروب الحرف والامور التي استنبطها العقلاء وبين تعالى
انما خلقها لينتفع بها. فقوله تعالى: (ألم تروا ان الله سخر لكم
ما في السماوات وما في الارض واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه ومن
الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) وقال (واسبغ
عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) اشارة الى النعم الانفسية اي النعم التي
بالنفس كما يقول الامام الرازي وفي هذا الخط تأتي آيات كثيرة توضح
ان هذه النعم من الله تعالى لا دخل للانسان في ايجادها، ومن هنا
فلا بد من استخدامها بشروط ومنهج المنعم العظيم قال الله تعالى (وسخر
لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ان في ذلك
لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الارض مختلفا ألوانه إن في ذلك
لآية لقوم يذكرون) (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا
منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم
تشكرون* وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وانهارا وسبلا لعلكم تهتدون*
وعلامات وبالنجم هم يهتدون)
ويلفت القرآن نظر الانسان وفكره الى ابعاد البيئة والمنافع المختلفة
فيها، والى مصادر تلك المنافع، ونتيجة التفاعل الانساني معها ومن
هذه الابعاد:
1 ـ الارض والمعادن: يقول الله تبارك وتعالى (ألم ترى ان الله أنزل
من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض
وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود* ومن الناس والدواب والانعام مختلف
الوانه كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء ان الله عزيز غفور)
فالثمرات مختلف الوانها وكذلك الجبال والناس والدواب وكأن القرآن
يلفت النظر هنا الى دراسة الارض وما عليها من حياة وغير حياة وكذا
دراسة طبقات الارض وصخورها والتعرف على كنوزها ومحتوياتها وكذا الطبقات
الفضائية المحيطة بها.
وقول الله تعالى : ( وآية لهم الارض الميتة أحييناها واخرجنا منها
حبا فمنه يأكلون* وجعلنا فيها جنات من نخيل واعناب وفجرنا فيها من
العيون* ليأكلوا من ثمره وما عملته ايديهم أفلا يشكرون * سبحان الذي
خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن انفسهم ومما لا يعلمون* وآية
لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون* والشمس تجري لمستقر لها
ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم*
لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في
فلك يسبحون)
منظومة بيئية متكاملة، تكامل بين الارض والسماء وفعل الانسان المتوازن
كل في نظام واحد متماسك متكامل مساعد للانسان على اداء رسالته على
الارض ومع دعوته للانسان ادراك وظيفة هذه الاشياء واستغلالها استغلالا
وظيفيا والتسليم بأن هذا كله من خلق الله تعالى وتقديره وهو العزيز
العليم فالارض وما فيها هي مستقر الانسان ومنها وما فيها تنشأ كافة
نشاطاته، ولذا يجب ان يضعها في موضعها الصحيح السليم من الفكر والتأمل
والدراسة والنظر، والتسخير والانتفاع ليرقى بعد ذلك الى سمو القدرة
الالهية فيعيها ويدرك ابعادها
2 ـ الماء (البحار والانهار): ان اهمية الماء لا تخفى ويلفت القرآن
الانسان وقلبه وكيانه وكله الى اهمية الماء ووظيفته للحياة واستمرارها
كما يدعوه للدراسة والتأمل فيه وتسخيره. قال الله تعالى (أو لم يرى
الذين كفروا ان السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من
الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) وقال الله تعالى:( والله خلق كل دابة
من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من
يمشي على اربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شيء قدير) وقال
(الله الذي خلق السماوات والارض وانزل من السماء ماء فاخرج به من
الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم
الانهار) وقال (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات
بأمره ان في ذلك لايات لقوم يعقلون* وما ذرأ لكم في الارض مختلفا
ألوانه ان في ذلك لآية لقوم يذكرون*)(وهو الذي سخر البحر لتأكلوا
منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه
ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * والقى في الارض رواسي ان تميد
بكم وانهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون) وقال
(وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وانزلنا من السماء ماء
طهورا* لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا انعاما واناسي كثيرا)
ان هذه الايات وغيرها توحي وتدل على نعمة الماء فيها من الفوائد
مالا يحصى، فالماء العذب له فوائده وفيه من الفوائد والمنافع الكثير،
وهذا مالفت القرآن نظر الانسان الى نعمة الماء من اجل ذاتها بل لما
فيها من الفوائد والمنافع وكيفية تسخيرها واتخاذ الوسائل المناسبة،
من اجل هذا التسخير المناسب طبقا لمنهج الاسلام واهدافه
3 ـ النبات: ان التأمل والتفكير والتدبر في انواع النبات واشكاله
واختلاف طعمه ولونه ورائحته وما توحي به دورة النبات يعطي الانسان
إيماءات عديدة وكبير عبر، الانسان وكونها دورة كدورة هذا النبات،
حيث تتشابه البداية والنهاية، حياة ثم موت ثم فناء ثم بعث بعد الموت.
والقرآن يلفت نظر الانسان الى النبات للتفكير والتدبر والتسخير ثم
الاستدلال على وحدانية الخالق عز وجل يقول الله تعالى: (وهو الذي
مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين
اثنين يغشى الليل النهار ان في ذلك لآيات لقوة يتفكرون*وفي الارض
قطع متجاورات وجنات من اعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء
واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل ان في ذلك لايات لقوم يعقلون)
ويقول عز وجل (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر
فيه تسيمون* ينبت لكم به الزرع والنخيل والاعناب ومن كل الثمرات
ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون) ويقول (أفرآيتم ما تحرثون* أأنتم تزرعونه
ام نحن الزارعون* لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون* انا لمغرمون)
فالنبات سواء كان طبيعيا او مستزرعا من اهم مصادر البيئة في النبات
واستغلاله الاستغلال المناسبه يقول الله تعالى ( فلينظر الانسان
الى طعامه* انا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الارض شقا* فأنبتنا فيها
حبا* وعنبا وقضبا* وزيتونا ونخلا* وحدائق غلبا* وفاكهة وابا* متاعا
لكم ولانعامكم)
4 ـ الحيوان: ويعتبر الحيوان من عناصر البيئة التي لا يمكن الاستغناء
عنها ويستخدمه الانسان استخدامات شتى وعرض القرآن لعالم الحيوان
فوائد في مجموعة من الآيات منها على سبيل المثال (والانعام خلقها
لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون* ولكم فيها جمال حين تريحون وحين
تسرحون* وتحمل اثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس
ان ربكم لرؤوف رحيم)
ومنها قوله تعالى: ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على
بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على اربع يخلق الله
ما يشاء ان الله على كل شيء قدير ) وقوله تعالى (وما من دابة في
الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم ما فرطنا في الكتاب
من شيء ثم الى ربهم يحشرون) وقوله تعالى (وان لكم في الانعام لعبرة
نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين)
ان هذه الايات وغيرها توجه النظر الانساني الى اهمية الحيوان في
حياة الانسان والى اهمية استخدامه وتربيته بالاضافة الى بعد هام
جدا وهو ادراك الجمال فيها وكأن الامر لا يقتصر على مجرد الحصول
على منافع الحيوان بل يمتد الى الاستمتاع بتذوق الجمال وموطنه فيها،
وهذه اللفتة الى الاهتمام الجمالي تخدم المعرفة عن طريق تميزها بخاصية
التجول وراء حدود المعرفة فمملكة الخيال هي حقل الاختراع الانساني
الذي لا حد له انه يوسع المجال للامكانات البشرية ويتجه نحو خصوبة
الافكار وغني التجربة الحسية ونحو مضاعفة التبديلات والتراكيب التي
نختار من بينها معرفتنا وتطبيقاتها العلمية ما نريده
ان القرآن الكريم حين يعرض لابعاد البيئة يشملها كلها لا يقصد لفت
نظر الانسان الى المنافع التي يمكن ان يحصله منها لاستفياء متطلبات
حياته الضرورية فقط ان الامر كله يخضع للتصور الاسلامي عن طبيعة
العلاقات الحاكمة للانسان حين يتصل بالاشياء التي من حوله والتي
اظهرت في مكان سابق من البحث وهذا كله مما يتصل بتكوين الوعي البيئي
للتجاوز من الوقفة الحسية الى الوقفة الفكرية الى ادراك فعل القدرة
الالهية وحينئذ يتحقق الانضباط في الاستخدام والتسخير.
وكأن القرآن الكريم يلفت الانظار الى قضية بالغة الاهمية وهي ان
لا يقع الانسان فيما يشوه جمال الحياة بتشويه مكونات البيئة والاستغراق
في الملذات والركض وراء اشباع الشهوات الى الحد الذي يهلك الانسان
نفسه ومشاعره وجسمه وفكره والا يصبح الانسان عبدا لماديه قاتلة تؤله
الاشياء فتعتبرها وسيلة وغاية مما يسبب الصراع والتناحر المادي
ان ضبط الاستخدام بتنبيه الوعي البيئي امر يضبط الصراع فيجعله دفعا
وفرق بين الصراع والدفع باحترام الحياة ومكونات البيئة ثم بالاستمداد
من الحق فيما اوحاه فلا يقف الانسان موقف الخنوع تجاه هذه الاشياء
ولا يقف موقف المتجبر المترف ازاءها ايضا وصدق الله حين قال ( أولم
يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد
منهم قوة واثاروا الارض وعمروها اكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات
فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون)
تكوين وتنمية المعتقدات الصحيحة المتصلة بالبيئة
ان تكون معتقدات صحيحة لدى الانسان عن البيئة تكون مدعاة لنشاطه
تجاهه، وقد جاء الاسلام فصحح الكثير من عقائد العرب الاسطورية عن
عناصر البيئة، والتي كانت كثيرا ما تعوق الاستخدام الصحيح لمصادر
البيئة وبطريقة فعالة
(ولقد كان هذا الانحراف في الاستخدام نتيجة لانحراف فكري ناتج عن
انحراف عقدي فقد كانوا يعتقدون بالزجر والفأل والتطير والاستقسام
بالازلام والطرق والكهانة والعرافة وغير ذلك مما جرى مجرى الاوابد
عندهم ولحق بهذا اعتقادات تتصل بالسحر والجن والارواح وغير ذلك من
عقائد وتصورات لا معقولة)
وجاء الاسلام ليقيم تفكير الانسان على اساس صحيح من عقيدة صحيحة
سليمة في الالوهية ومكوناتها على اساس سليم وعرف الانسان الهدف الصحيح
لوجوده وعلاقاته الممكنة مع ما حوله ومن سبيل تحقيق الانسجام معها
وبالتالي نفي الكثير من جهالاته التي كان يؤمن بها ومن الملامح البارزة
في هذا المجال:
1 ـ تخليص الانسان من الاوهام والخرافات والتقاليد البالية ومن الهوى
والذاتية المنحرفة بحيث يجعل لكل شيء مكانة ومرتبتة بالفعل ومن ذلك
مثلا منعه من امور ما كلف بها حيث كان الكفار يحرمون على انفسهم
الانتفاع ببعض الحيوان تعلق به تصور خاطئ وان كانوا في غاية الاحتياج
الى الانتفاع بمنافعه. وقد اوضح القرآن ان هذا باطل (ما جعل الله
من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على
الله الكذب واكثرهم لا يعقلون)
2 ـ تأكيد مبدأ السببية فكل مخلوق وكل ظاهرة طبيعية لها سبب يعرف
الله من خلاله بصفة عامة من صفاته او فعل من أفعاله وواجب الانسان
التعرف على تلك الاسباب الفاعلة باذن الله وقدرته ومشيئته والا نسبها
الى غير اسبابها مما يوقعها في حرج عقدي ومادي
لقد حدد الاسلام للانسان منهج التعامل مع عالم الشهادة واوضح ان
الاساس في ذلك هو العقل وادراك مبدأ السببية أما عالم الغيب وان
كان للعقل دور في الايمان به، فان الاسلام جعل امر الايمان به اكبر
القدر، باعتبار ان هناك امورا تستقصي على العقل، وكان في هذا راحة
لفطرة الانسان الذي يميل دوما الى اكتشاف المجهول وهنا تمتلئ النفس
الانسانية بالايمان الصحيح، فيسعى جهده الى وسائل حياته فيما ينفعها
ويحفظها.
3ـ تأكيد التعامل مع الاشياء على اساس المعاينة والمشاهدة والتجربة
وعدم الاعتماد على الظن والوهم والذاتية يقول الله تعالى (قل هاتو
برهانكم ان كنتم صادقين).
4ـ الحرص على تكوين الاتجاهات العلمية ومحاربة الخرافات والاوهام
من الفكر والسلوك مثل الاعتقاد بالتعاويذ والاوهام والتمائم والطب
السحري وكرامات الاولياء في شفاء الامراض والاعتماد على السحر وهو
خداع وتخيلات لا حقيقة.
تكوين وتنمية الاتجاهات الكفيلة بالمحافظة على التوازن البيئي
تؤكد الدراسات العلمية ان البيئة تنتظم في أنظمة معقدة تتفاعل مع
بعضها وعناصر البيئة المشتركة في التفاعل على نسب واشكال مناسبة
تعمل على حفظ التوازن بين هذه الانظمة.
ويتحدث علماء البيئة عن دورات ممثلة لهذا التوازن كدورة ثاني اكسيد
الكربون والاكسجين والنتروجين والحياة وغير ذلك ويذكرون ان هذه الدورات
عبارة عن سلاسل من العمليات وثيقة الارتباط ببعضها البعض لدرجة انه
لا يمكن لدروة عنصر ان تبدأ او تستمر في غياب دورات العناصر الأخرى.
ويقرر القرآن ان كل شيء مخلوت بدقة متناهية وبقدر معلوم قال الله
تعالى (انا كل شيء خلقناه بقدر) وقال (بالغ امره قد جعل الله لكل
شيء قدرا) ويقول (وان من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر
معلوم) انها نظرة عامة وقانون صحيح شامل لكل المخلوقات كل شيء موجود
بمقدار معين، وكل شيء موزون معتدل في وجوده وقدرته على التأثير والتفاعل
الملائم لايجاد التوازن الملائم والاعتدال الضرورين الانتظام البيئة.
ولا نريد ان نطيل في الحديث عن الموجهات الإسلامية في التربية البيئية.
إلا اننا نختصر الحديث في النقاط التالية:
* المحافظة على الثروة المائية كمصدر للحياة، وكمخزن طبيعي لغذاء
الانسان، بدلا من تلويثه ورمي الفضلات الضارة به والتي تضر بحياة
الانسان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يبولن احدكم في الماء
الدائم الذي لا يجري ثم يفسل فيه).
* مراعاة حق الله في الزراعة فلا تنهك الأرض الزراعية ولا تهمل وانما
تزرع ويخرج حق الله من الزكاة والصدقة منها.
* استصلاح الاراضي وزراعتها وامتلاكها وفي الحديث (من اعمر ارضا
ليست لأحد فهو احق بها).
* المحافظة على الثروة الحيوانية وتنميتها واستخدامها بشكل نافع
وعدم اتلافها او اتلاف البيئة الصالحة لها.
خالد بن عبدالله الخروصي
أعلى
من وجوه الإعجاز القرآني
اللون الأخضر في القرآن
ما أكثر ما يرد لفظ الخضرة في آيات القرآن الكريم و التي تصف حال
أهل الجنة أو ما يحيط بهم من النعيم في جو رفيع من البهجة و المتعة
و الاطمئنان النفسي ،فنجد في سورة الرحمن : ( متكئين على رفرفٍ خضرٍ
و عبقريٍ حسان ) 76 .
و في سورة الإنسان ( عاليهم ثياب سندسٍ خضر وإستبرق و حُلوا أساور
من فضةٍ و سقاهم ربهم شراباً طهوراً ) 21 .و في سورة الكهف ( و يلبسون
ثياباً خضراً من سندس و إستبرق ) 31 .
يقول أحد علماء النفس و هو أردتشام : ( إن تأثير اللون في الإنسان
بعيد الغور و قد أجريت تجارب متعددة بينت أن اللون يؤثر في إقدامنا
و إحجامنا و يشعر بالحرارة أو البرودة ،و بالسرور أو الكآبة ، بل
يؤثر في شخصية الرجل و في نظرته إلى الحياة ).
و يسبب تأثير اللون في أعماق النفس الإنسانية فقد أصبحت المستشفيات
تستدعي الاختصاصيين لاقتراح لون الجدران الذي يساعد أكثر في شفاء
المرضى و كذلك الملابس ذات الألوان المناسبة و قد بينت التجارب أن
اللون الأصفر يبعث النشاط في الجهاز العصبي ، أما اللون الأرجواني
فيدعو إلى الاستقرار و اللون الأزرق يشعر الإنسان بالبرودة عكس الأحمر
الذي يشعره بالدفء ووصل العلماء إلى أن اللون الذي يبعث السرور و
البهجة و حب الحياة هو اللون الأخضر .
لذلك أصبح اللون المفضل في غرف العمليات الجراحية لثياب الجراحين
و الممرضات . ومن الطريف أن نذكر هنا تلك التجربة التي تمت في لندن
على جسر ( بلاك فرايار) الذي يعرف بجسر الانتحار لأن اغلب حوادث
الانتحار تتم من فوقه حيث تم تغيير لونه الأغبر القاتم إلى اللون
الأخضر الجميل مما سبب انخفاض حوادث الانتحار بشكل ملحوظ و اللون
الأخضر يريح البصر ذلك لأن الساحة البصرية له أصغر من الساحات البصرية
لباقي الألوان كما أن طول موجته وسطي فليست بالطويلة كاللون الأحمر
و ليست بالقصيرة كالأزرق .
المرجع :
مع الطب في القرآن الكريم : الدكتور عبد الحميد دياب - الدكتور أحمد
قرقوز
أعلى
هل للحياة مقياس؟
خطر هذا السؤال في بالي أول مرة وأنا أستعرض
في خيالي حياة حارس المنارة.
أهو حي؟
ذلك الرجل المنقطع عن الحياة والأحياء. هناك في عرض البحر. وحده.
وحده من كل نأمة وكل حركة إلا أصوات الموج المصطخب أحياناً، الهادىء
الرتيب أحياناً أخرى. وصوت الريح المزمجرة في غضب عنيف تارة، المرسلة
رخاء تارة أخرى. وهذا الشعاع من النور الذي يرسله في الفضاء لتراه
السفن من مكان بعيد.
أهو حي؟ ذلك الرجل المنقطع عن الحياة والأحياء. الصامت لا يتحدث.
الساكن لا يتحرك. الذي يعيش في بقعة محدودة لا يملك أن يزيد عليها
شيئاً في الفضاء الواسع الممتد حوله لغير نهاية؟
أو حي؟ وحتى الماء والطعام لا يصلان إليه إلا مرة كل أسبوع أو مرة
كل أربعين يوماً. وهو معلق بمرور السفينة التي تحمل إليه هذا الطعام،
كأنها القدر الذي يحمل الحياة.. أو الفناء.
أهو حي؟ هل يحس أن بينه وبين الحياة رابطة؟
أهو حقيقة؟
أم هو شخص أسطوري.. شبح يلمحه الإنسان في خياله، ولا وجود له في
عالم الحقيقة؟
***
واتسع السؤال في خيالي، واتخذ طريقاً آخر...
هل للحياة مقياس يمكن أن نقيس به حياة هؤلاء الأشخاص، فنعرف أحياء
هم أم غير أحياء؟
مقياس مدرج يمكن ان يقول لنا: هذا حي في درجة الصفر، وذلك حي في
درجة المائة.
وإذا وجد هذا المقياس فما مفرداته؟ أو درجاته التي يقيس بها الأحياء؟
وهل نستطيع أن نعرف به (درجة) الحياة عند حارس المنارة وساكن الواحة
وساكن الريف؟
ثم أيها الحي بهذا المقياس ـ إن وجد ـ الرجل الأميركي المتوفز ـ
في ظاهر العين ـ حياة وحركة، أم الرجل الصيني الذي يبدو ـ لظاهر
العين ـ بليدا بطيئاً لا يتحرك ولا يعيش؟
واستبد السؤال بنفسي حتى أحدث لي أزمة حقيقية! أزمة عاطفية وفكرية.
أزمة تملأ أعماق نفسي وتصل إلى أغوارها.
هل للحياة مقياس؟!
نعم. ما مقياس الحياة؟!
هذا الفتى الغارق في لذائذ الحس، لا يدع لحظة تمر إلا أن يكون فيها
متعة تشبع رغبة جامحة في كيانه. أو تستثير رغبة أخرى..
الخمر والنساء.. والملبس والطعام.. والفراش الوثير.. والمسكن الأنيق..
في كل شيء متاع، وفي كل شيء لذة. فما الذي يمكن أن يحتجز الإنسان
عن ذلك المتاع؟
التفكير؟ وما قيمة التفكير؟ وفيم يفكر الإنسان، إلا في الطريقة التي
يزيد بها نصيبه من متعة اللحظة الحاضرة؟ وما المستقبل الذي يمكن
أن يفكر فيه؟ أليس هو لحظات كالتي يعيش فيها الآن، تسمى المستقبل
لأنها لم تجىء بعد، ولكنها حين تجيئ تصبح كاللحظة التي يعيش فيها
اليوم، وكاللحظة التي مرت أمس.
كيف عاش هذه وتلك؟ عاشها. استمتع فيها بما كان في يده من متاع. فلماذا
إذن يفكر؟ وفي أي شيء؟!
وهذا الفتى الذي حرم نفسه من كل لذائذ ذلك المفتون، لأن له في الحياة
(هدفا) يريد تحقيقه ويجاهد في سبيله.
هدفا أعلى من لذائذ الجسد ومتعة اللحظة الحاضرة.
هدفا يحقق الخير لمجموعة من الناس.. ولو على حساب راحته وأعصابه
ونصيبه من الحياة.
يقوم في الصباح.. لا موعد مع فتاة.. لا موعد على كأس.. لا وقت لنزهة.
لا جلسة للسمر بلا هدف.. لا فراغ من الوقت يسعى (لقتله) على نحو
من الأنحاء.
صراع يملأ وقته وحياته. ولا يلفته إلى نفسه وإلى نصيبه من المتاع..
وهذا الفتى الثالث الذي لا يعرف لذائذ الجسد، ولكنه كذلك لا يصارع
في خضم الحياة..
الفتى الغارق في أحلام من المثل العليا الرفيعة المشرقة.. أحلام
تملأ نفسه فلا تترك فيها فراغا للجسد، ولا اتجاها لممارسة الحياة
في الواقع..
فتى مرهف الحس رقيق الشعور.. لا يرتكس في الشر ولا يهبط إلى حيوانية
الغريزة. ولكنه منعزل كذلك عن الناس. لا يكرههم ولا يتمنى لهم الشر.
بل هو شديد العطف عليهم والحب لهم. ولكنه يكره جهد الواقع ويعيش
في الأحلام.
أيهم حي؟
وما مقياس الحياة؟!
لو أخذنا مقاييسهم الشخصية فكل واحد من هؤلاء حي في نظر نفسه، وحياته
هي الحياة. وأغلب الظن أنه ينظر إلى حيوات الآخرين نظرة السخرية
والرثاء!
والفتى الغارق في لذائذ الجسد يرى كل شيء عدا ذلك عبثا وإضاعة وقت.
ويرى أنه هو وحده الذي يفهم الحياة حق فهمها، ويعيشها على أصولها.
بينما الفتى المكافح لا يرى فيه أكثر من حيوان هابط يأكل ويشرب ويستمتع
ولكنه لا يعيش. وإنه هو الذي يعيش حقاً. يعيش الحياة في أعلى مستوياتها.
أما الفتى الحالم فقد يحترم المكافحين ويقدرهم. ولكنه ـ في غالب
الظن ـ مغتبط بحياته كما هي. يراها ـ على خوائها من كل واقع ملموس
ـ غنية بالمشاعر والأفكار، غنية بالسبحات العليا التي تمثل في نظره
لباب الحياة!
وتظل الحيرة كما هي. وتظل الحياة بلا مقياس! المقاييس الشخصية إذن
لا تصلح لقياس الحياة. وتظل الحيرة كما هي. وتظل الحياة بلا مقياس!
فهل هناك مقياس موضوعي نقيس به هذه المتناقضات، ونضعها في مكانها
الحق بعضها بالنسبة لبعض، وبالنسبة لحقيقة الحياة؟
وتمتد الحيرة بي أياما وأسابيع.. وسنين!
ثم أفكر في فكرة.. لعلها تفتح الطريق..
ما عيب كل واحد من النماذج السالفة؟
وهل هناك نفس (نموذجية) نقيس بها انحراف هذه النفوس؟
وتعود إليّ حيرتي القديمة.. وفجأة.. في وسط هذه الحيرة الشاملة،
تبرز إلى خاطري صورة، وتبزغ أمامي شخصية فذة..
تبزغ شخصية محمد بن عبد الله.
محمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ هو النفس النموذجية!
انظر إلى جوانبه المتعددة جميعاً.. إنه يجمع في كل منها نفسا كاملة!
يتحرك في واقع الأرض.. فتنتج حركته بناء أمة فريدة البناء.. غير
مسبوقة في الزمن كله منذ بدء الخليقة.
ويسكن إلى ربه في لحظات المتعة الروحية المرفرفة الطليقة.. ولا ينسى
نصيبه من الدنيا.
ذلك هو الإنسان الحق. النفس النموذجية الكاملة.
وهي النفس التي تتمثل فيها الفكرة الإسلامية الكاملة. فكرة التوازن
بين القوى جميعا والاتجاهات جميعا والمتع جميعا..
وقد استطاعت هذه النفس أن تجتذب إليها بدافع الحب وحده، وبدافع الاحترام
البالغ الذي لا يمنعه أن يكون تقديسا إلا خوف الله الواحد المعبود..
استطاعت أن تجتذب إليها ملايين وملايين من البشر على مدار التاريخ.
في النفس البشرية إذن رصيد تتجاوب به مع تلك النفس الكاملة.
وليس معنى ذلك أن يصبح الناس كلهم ـ أو أحدهم ـ محمد بن عبد الله.
وإنما معناه ـ كما يقول القرآن ـ أن في رسول الله للناس أسوة حسنة.
أسوة يحاولون الاقتداء به، كل على قدر طاقته ـ لا يكلف الله نفساً
إلا وسعها ـ ويقتدون به في فكرته الشاملة عن الحياة، التي هي حقيقة
الفكرة الإسلامية. فيأخذون بنصيب من متعة الروح، ومتعة الفكر، ومتعة
الجسد.
يتحركون في عالم الواقع، ويسكنون إلى الله، ولا ينسون نصيبهم من
الدنيا. ذلك هو المقياس الذي يقدمه الإسلام للحياة. وهو لا يفرضه
على الناس فرضاً، فقد انجذبوا إليه مختارين حين رأوه يتمثل في شخص
بشر، وأحبوه كما لم يحب أحد أحداً في التاريخ.
في صميم النفس الإنسانية استجابة لهذا المقياس، حين تنكشف بصيرتها.
وتزيح عنها غشاوة (الواقع) المنحرف الذي تعيش فيه.
حدث ذلك مرة في الجزيرة العربية. حين فتح العرب عيونهم على النور
الجديد، ووضعوا حياتهم على هذا المقياس فرأوا ما كان فيها من انحراف،
فانطلقوا يصححون نفوسهم.. بل لقد أبصروا فإذا نفوسهم المنحرفة تصح
وحدها بفعل كفعل السحر، لا يدرون من أين أتى، ولا كيف أخذ بمجامع
قلوبهم.. إلا أنه من عند الله، وعلى يدي رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
وحدث في كل مرة انفتحت فيها بصيرة شخص على هدى الإسلام. ويمكن أن
يحدث مرة ومرة...
ويلتقي البشر على هذا المقياس الذي يكشف عن مدى انحراف الناس، ويلهمهم
كيف يثوبون إلى التوازن الصحيح.
ولكن ... هل يستجيب البشر؟
أحسب أن الحيرة التي يقع فيها العالم اليوم.. حيرة المشاعر والأفكار
والنفوس. حيرة الأعصاب القلقة والأوضاع المضطربة. حيرة الفزع من
الدمار الرهيب.
أحسب أن هذه الحيرة كفيلة أن تجعلهم يثوبون إلى مقياس الحياة الصحيح.
محمد قطب
أعلى
حذيفة بن اليمان
عدوّ النفاق وصديق الوضوح
خرج أهل المدائن أفواجا يستقبلون واليهم الجديد
الذي اختاره لهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه..
خرجوا تسبقهم أشواقهم إلى هذا الصحابي الجليل الذي سمعوا الكثير
عن ورعه وتقاه.. وسمعوا أكثر عن بلائه العظيم في فتوحات العراق..
واذ هم ينتظرون الموكب الوافد، أبصروا أمامهم رجلا مضيئا، يركب حمارا
على ظهره اكاف قديم، وقد أسدل الرجل ساقيه، وأمسك بكلتا يديه رغيفا
وملحا، وهو يأكل ويمضغ طعامه..!
وحين توسط جمعهم، وعرفوا أنه حذيفة بن اليمان الوالي الذي ينتظرون،
كاد صوابهم يطير..!!
ولكن فيم العجب..؟!
وماذا كانوا يتوقعون أن يجئ في اختيار عمر..؟!
الحق أنهم معذورون، فما عهدت بلادهم أيام فارس، ولا قبل فارس ولاة
من هذا الطراز الجليل.!!
**
وسار حذيفة، والناس محتشدون حوله، وحافون به..
وحين رآهم يحدّقون فيه كأنهم ينتظرون منه حديثا، ألقى على وجوههم
نظرة فاحصة ثم قال:
اياكم ومواقف الفتن..!!
قالوا:
وما مواقف الفتن يا أبا عبدالله..!!
قال:
أبواب الأمراء..
يدخل أحدكم على الوالي أو الأمير، فيصدّقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس
فيه..!
وكان استهلالا بارعا، بقدر ما هو عجيب..!!
واستعاد الانس موفورهم ما سمعوه عن واليهم الجديد، من أنه لا يمقت
في الدنيا كلها ولا يحتقر من نقائصها شيئا أكثر مما يمقت النفاق
ويحتقره.
وكان هذا الاستهلال أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد، وعن منهجه
في الحكم والولاية..
**
فـ (حذيفة بن اليمان) رجل جاء الحياة مزودا بطبيعة فريدة تتسم ببغض
النفاق، وبالقدرة الخارقة على رؤيته في مكامنه البعيدة.
ومنذ جاء هو وأخوه صفوان في صحبة أبيهما الى رسول الله صلى الله
عليه وسلم واعتنق ثلاثتهم الاسلام، والاسلام يزيد موهبته هذه مضاء
وصقلا..
فلقد عانق دينا قويا، نظيفا، شجاعا قويما.. يحتقر الجبن والنفاق،
والكذب...
وتأدّب على يدي رسول الله واضح كفلق الصبح، لا تخفى عليهم من حياته،
ولا من أعماق نفسه خافية.. صادق وأمين..يحب الأقوياء في الحق، ويمقت
الملتوين والمرائين والمخادعين..!!
فلم يكن ثمة مجال ترعرع فيه موهبة حذيفة وتزدهر مثل هذا المجال،
في رحاب هذا الدين، وبين يدي هذا الرسول، ووسط هذا الرعيل العظيم
من الأصحاب..!!
ولقد نمت موهبته فعلا أعظم نماء.. وتخصص في قراءة الوجوه والسرائر..
يقرأ الوجوه في نظرة.. ويبلو كنه الأعماق المستترة، والدخائل المخبوءة.
في غير عناء..
ولقد بلغ من ذلك ما يريد، حتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه،
وهو الملهم الفطن الأريب، يستدل برأي حذيفة، وببصيرته في اختيار
الرجال ومعرفتهم.
ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة
واضح لمن يريده.. وانما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على
الأريب أن يعنى بدراسة الشر في مآتيه، ومظانه..
وهكذا عكف حذيفة رضي الله عنه على دراسة الشر والأشرار، والنفاق
والمؤمنين..
يقول:
كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله
عن الشر مخافة أن يدركني..
قلت: يا رسول الله فهل بعد هذا الخير من شر؟
قال: نعم..
قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟
قال: نعم، وفيه دخن..
قلت: وما طخنه..؟
قال: قوم يستنون بغير سنتي.. ويهتدون يغير هديي، وتعرف منهم وتنكر..
قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر..؟
قال: نعم! دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم اليها قذفوه فيها..
قلت: يا رسول الله، فما تأمرني ان أدركني ذلك..؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وامامهم..
قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا امام..؟؟
قال: تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت
وأنت على ذلك..!!
أرأيتم قوله: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني..؟؟
لقد عاش حذيفة بن اليمان مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن، مسالك
الشرور ليتيقها، وليحذر الناس منها. ولقد أفاء عليه هذا بصرا بالدنيا،
وخبرة بالانس، ومعرفة بالزمن.. وكلن يدير المسائل في فكره وعقله
بأسلوب فيلسوف، وحصانة حكيم...
ويقول رضي الله عنه:
ان الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، فدعا الانس من الضلالة
الى الهدى، ومن الكفر الى الايمان، فاستجاب له من استجاب، فحيي بالحق
من كان ميتا...
ومات بالباطل من كان حيا..
ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على مناهجها..
ثم يكون ملكا عضوضا..!!
فمن الانس من ينكر بقلبه، ويده ولسانه.. أولئك استجابوا لحق..
ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه، كافا يده، فهذا ترك شعبة من الحق..
ومنهم من ينكر بقلبه، كافا يده ولسانه، فهذا ترك شعبتين من الحق..
ومنهم من لا ينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه، فذلك ميّت الأحياء...!
ويتحدّث عن القلوب وعن حياة الهدى والضلال فيها فيقول:
القلوب أربعة:
قلب أغلف، فذلك قلب الكافر..
وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق..
وقلب أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن..
وقلب فيه نفاق وايمان، فمثل الايمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب.. ومثل
النفاق كقرحة يمدّها قيح ودم: فأيهما غلب، غلب...!!
وخبرة حذيفة بالشر، واصراره على مقاومته وتحدّيه، أكسبا لسانه وكلماته
شيئا من الحدّة، وينبأ هو بهذا في شجاعة نبيلة:
فيقول:
جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ان لي لسانا ذربا
على أهلي، وأخشى أن يدخلني النار..
فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام: فأين أنت من الاستغفار..؟؟ اني
لأستغفر الله في اليوم مائة مرة...
**
هذا هو حذيفة عدو النفاق، صديق الوضوح..
ورجل من هذا الطراز، لا يكون ايمانه الا وثيقا.. ولا يكون ولاؤه
الا عميقا.. وكذلكم كان حذيفة في ايمانه وولائه..
لقد رأى أباه المسلم يصرع يوم أحد..وبأيد مسلمة، قتلته خطأ وهي تحسبه
واحدا من المشريكن..!!
وكان حذيفة يتلفت مصادفة، فرأى السيوف تنوشه، فصاح في ضاربيه: أبي...
أبي.. انه أبي..!!
لكن القضاء كان قد حم..
وحين عرف المسلمون، تولاهم الحزن والوجوم.. لكنه نظر اليهم نظرة
اشفاق ومغفرة، وقال:
يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين..
ثم انطلق بسيفه صوب المعركة المشبوبة يبلي فيها بلاءه، ويؤدي واجبه..
وتنتهي المعركة، ويبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر
بالدية عن والد حذيفة (حسيل بن جابر) رضي الله عنه، ويتصدّق بها
على المسلمين، فيزداد الرسول حبا له وتقديرا...
**
وايمان حذيفة وولاؤه، لا يعترفان
بالعجز، ولا بالضعف..بل ولا بالمستحيل....
في غزوة الحندق..وبعد أن دبّ الفشل في صفوف كفار قريش وحلفائهم من
اليهود، أراد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يقف على آخر تطوّرات
الموقف هناك في معسكر أعدائه.
كان الليل مظلما ورهيبا.. وكانت العواصف تزأر وتصطخب، كأنما تريد
أن تقتلع جبال الصحراء الراسيات من مكانها.. وكان الموقف كله بما
فيه من حصار وعناد واصرار يبعث على الخوف والجزع، وكان الجوع المضني
قد بلغ مبلغا وعرا بين اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم..
فمن يملك آنئذ القوة،وأي قوة ليذهب وسط مخاطر حالكة الى معسكر الأعداء
ويقتحمه، أو يتسلل داخله ثم يبلو أمرهم ويعرف أخبارهم..؟؟
ان الرسول هو الذي سيختار من أصحابه من يقوم بهذه المهمة البالغة
العسر..
ترى من يكون البطل..؟
انه هو..حذيفة بن اليمان..!
دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فلبى، ومن صدقه العظيم يخبرنا وهو
يروي النبأ أنه لم يكن يملك الا أن يلبي.. مشيرا بهذا الى أنه كان
يرهب المهمة الموكولة اليه، ويخشى عواقبها، والقيام بها تحت وطأة
الجوع، والصقيع، والاعياء الجديد الذي خلفهم فيه حصار المشركين شهرا
أو يزيد..!
وكان أمر حذيفة تلك الليلة عجيبا...
فقد قطع المسافة بين المعسكرين، واخترق الحصار.. وتسلل الى معسكر
قريش، وكانت الريح العاتية قد أطفأت نيران المعسكر، فخيّم عليه الظلام،
واتخذ حذيفة رضي الله عنه مكانه وسط صفوف المحاربين.
وخشي أبوسفيان قائد قريش، أن يفجأهم الظلام بمتسللين من المسلمين،
فقام يحذر جيشه، وسمعه حذيفة يقول بصوته المرتفع:
يا معشر قريش، لينظر كل منكم جليسه، وليأخذ بيده، وليعرف اسمه.
يقول حذيفة
فسارعت الى يد الرجل الذي بجواري، وقلت له من أنت..؟ قال: فلان بن
فلان؟...
وهكذا أمّن وجوده بين الجيش في سلام..!
واستأنف أبو سفيان نداءه الى الجيش قائلا: يا معشر قريش.. انكم والله
ما أصبحتم بدار مقام.. لقد هلكت الكراع _ أي الخيل_ والخف_ أي الابل
، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح،
ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا
فاني مرتحل..
ثم نهض فوق جمله، وبدأ المسير فتبعه المحاربون..
يقول حذيفة:
لولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليّ ألا تحدث شيئا حتى تأتيني،
لقتلته بسهم..
وعاد حذيفة الى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبره الخبر، وزف البشرى
اليه...
**
ومع هذا فان حذيفة يخلف في هذا المجال كل الظنون..
ورجل الصومعة العابد، المتأمل لا يكاد يحمل سيفه ويقابل جيوش الوثنية
والضلال حتى يكشف لنا عن عبقرية تبهر الأبصار..
وحسبنا أن نعلم، أنه كان ثالث ثلاثة، أو خامس خمسة كانوا أصحاب السبق
العظيم في فتوح العراق جميعها..!
وفي همدان والري والدينور تم الفتح على يديه..
وفي معركة نهاوند العظمى، حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين
الفا.. اختار عمر لقيادة الجيوش المسلمة النعمان بن مقرّن ثم كتب
الى حذيفة أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة..
وأرسل عمر الى المقاتلين كتابه يقول:
اذا اجتمع المسلمون فليكن على كل أمير جيشه.. وليكن أمير الجيوش
جميعها النعمان بن مقرّن..
فاذا استشهد النعمان، فليأخذ الراية حذيفة، فاذا استشهد فجرير بن
عدالله..
وهكذا مضى أمير المؤمنين يختار قوّاد المعركة حتى سمّى منهم سبع...
والتقى الجيشان..
الفرس في مائة ألف وخمسين ألفا..
والمسلمون في ثلاثين ألفا لاغير...
وينشب قتال يفوق كل تصور ونظير ودارت معركة من أشد معارك التاريخ
فدائية وعنفا..
وسقط قائد المسلمين قتيلا، سقط النعمان بن مقرّن، وقبل أن تهوي الراية
المسلمة الى الأرض كان القائد الجديد قد تسلمها بيمينه، وساق بها
رياح النصر في عنفوان لجب واستبسال عظيم... ولم يكن هذا القائد سوى
حذيفة بن اليمان.
حمل الراية من فوره، وأوصى بألا ندع نبأ موت النعمان حتى تنجلي المعركة..
ودعا نعيم بن مقرن فجعله مكان أخيه النعمان تكريما له..
أنجزت المهمة في لحظات والقتال يدور، بديهيته المشرقة.. ثم انثنى
كالاعصار المدمدم على صفوف الفرس صائحا:
الله أكبر صدق وعده!!
الله أكبر نصر جنده!!"
ثم لوى زمام فرسه صوب المقاتلين في جيوشه ونادى: يا أتباع محمد..
هاهي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم فلا تطيلوا عليها الانتظار..
هيا يا رجال بدر..
تقدموا يا ابطال الخندق وأحد وتبوك..
لقد احتفظ حذيفة بكل حماسة المعركة وأشواقها، ان لم يكن قد زاد منها
وفيها..
وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس.. هزيمة لا نكاد نجد لها نظيرا..!!
**
هذا العبقري في حكمته، حين تضمّه صومعته..
والعبقري في فدائيته، حين يقف فوق أرض القتال..
هو كذلك العبقري في كل مهمة توكل اليه، ومشورة تطلب منه.. فحين انتقل
سعد بن أبي وقاص والمسلمون معه من المدائن الى الكوفة واستوطنوها..
وذلك بعد أن أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا.
مما جعل عمر يكتب الى سعد كي يغادرها فورا بعد أن يبحث عن أكثر البقاع
ملاءمة، فينتقل بالمسلمين اليها..
يومئذ من الذي وكل اليه أمر اختيار البقعة والمكان..؟
انه حذيفة بن اليمان.. ذهب ومعه سلمان بن زياد، يرتادان للمسلمين
المكان الملائم..
فلما بلغا أرض الكوفة، وكانت حصباء جرداء مرملة. شمّ حذيفة عليها
أنسام العافية، فقال لصاحبه: هنا المنزل ان شاء الله..
وهكذا خططت الكوفة وأحالتها يد التعمير الى مدينة عامرة...
وما كاد المسلمون ينتقلون اليها، حتى شفي سقيمهم. وقوي ضعيفهم. ونبضت
بالعافية عروقهم..!!
لقد كان حذيفة واسع الذكاء، متنوع الخبرة، وكان يقول للمسلمين دائما:
ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة.. ولا الذين يتركون الآخرة
للدنيا.. ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه...
**
وذات يوم من أيام العام الهجري السادس والثلاثين..دعي للقاء الله..
واذ هو يتهيأ للرحلة الأخيرة دخل عليه بعض أصحابه، فسألهم:
أجئتم معكم بأكفان..؟؟
قالوا: نعم..
قال: أرونيها..
فلما رآها، وجدها جديدة فارهة..
فارتسمت على شفتيه آخر بسماته الساخرة، وقال لهم:
ما هذا لي بكفن.. انما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص..
فاني لن أترك في القبر الا قليلا، حتى أبدّل خيرا منهما... أو شرّ
منهما..!!
وتمتم بكلمات، ألقى الجالسون أسماعهم فسمعوها:
مرحبا بالموت..
حبيب جاء على شوق..
لا أفلح من ندم..
وصعدت الى الله روح من أعظم أرواح البشر، ومن أكثرها تقى، وتآلقا،
وإخباتا...
رجال حول الرسول - خالد محمد خالد
أعلى
مفاهيم حضارية
الإنسان قيمة
إنّ القضية المحورية في منهج القرآن هي إنسانية
الانسان واحترامها، وتعريفه حقّه تجاه ربّه وبني نوعه ، والحفاظ
على تلك الحقـوق من خلال تعامل خالق الوجود في هذا الوجود والمجتمع
والسلطة معه ، ونظرته إلى ذاته .
فالذي لا يفهم قيمته الانسانية في هذا الوجود لا يستطيع أن يحقِّق
لذاته قيمة لدى الآخرين في الأسرة والمجتمع والدّولة .
ويحدِّد القرآن هذه القيمة الانسانية من خلال حديثه عن كيفـيّة تعامل
خالق الوجود معه ، قال تعالى :
(وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُم فِي البَرِّ وَالبَحْرِ
وَرَزَقْناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُم عَلَى كَثِير مِمَّن
خَلَقْنا تَفْضِيلاً ). ( الإسراء / 70 )
والقرآن حين يتحدّث عن الانسان يتحدّث عنه كقيمة إنسانية ، وليس
أجهزة ماديّة تُمارِس عملها بالطّرق البيولوجية والفسيولوجية، وإن
أعطى هذا الجانب حقّه .
فهو تعامل مع الانسان بانسانيّته ، الإنسان العاقل المُدرِك ، الإنسان
المُريد المختار، الإنسان الأخلاقي الذي يستحسن الخير والحبّ والجمال،
ويستقبح القبح والشرّ في سلوكه والموضوعات من حوله ، ويستشعر قيمتها
في وعيه ووجدانه .
وحينما يتصرّف الانسان كعقل وشعور وجداني ، وإرادة ومشاعر ، ويتحرّك
ويعمل من حول قيم الحق والخير والجمال ، يكون قد تحرّك من خلال إنسانيّته
..
فهو يستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يُحقّ الحقّ ويُبطِل الباطل
.
ويستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يرفض الظّلم والعدوان على الآخرين
، ويميِّز بين العدل والظّلم ، فينصر المظلوم ويردع الظّالم ..
ويستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يتصرّف كعاقل مُدرِك مع الأشياء
والوقائع ، وما يواجهه من مواقف وأفكار واطروحات تعاملاً عقليّاً
..
ويستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يواجه آلام الآخرين فيتحسّس تلك
الآلام ، ويشاركهم محنتهم..
ويستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يستعمل إرادته وعقله ، عندما يواجه
إثارات تقوده فيها الغريزة والشّهوة والإنفعال ، ليتحرّك من غير
إرادة ولا إختيار ، ثمّ يعود له وعيه .
فعندما تتوارى المشاعر والأحاسيس الانسانية من نفسه ، ويغيب العقل
والإرادة فلا يُفرِّق بين الحقّ والباطل، ولا يميِّز بين الحَسن
والقبيح في فعله وقوله . ولا يقف إلى جانب المظلوم
والمضطهد ، ولا تتحرّك في وجدانه مشاعر الرّحمة تجاه المعذّب والمحروم،
ولاتعيش في نفسه مشاعر الحبّ والخير للآخرين، ولايقابل الإحسان بالإحسان.
عندما تتكاثف تلك الحالات الظّلاميّة في نفس هذا الكائن ، يفقد إنسانيّته
فيتحوّل في مفهوم القرآن إلى حيوان، لايستحقّ إسم الانسان.
(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ
إِنْ هُمْ إلاّ كالأنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ). ( الفرقان
/ 44 )
(وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ
لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَيُبْصِرُونَ
بِها وَلَهُمْ آذَانٌ لاَيَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كالأَنْعامِ
بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الغافِلُونَ * وَللهِِ الأَسْماءُ
الحُسْنى فَادْعُـوهُ بِها وَذَرُوا الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُون ).
(الأعراف / 179 ـ 180 )
والقرآن في هاتين الآيتين يوحي لنا بأنّ انسانيّة الانسان لاتتكامل
إلاّ عندما يؤمن أنّ هناك أسماءً من الحقّ والعدل والعفو والرّحمة
والإحسان والحبّ والخير والجمال ... هي أسماء الله التي سُمِّيت
بها ذاته وصفاته وأفعاله ، فيتّجه نحوها ويجسِّد مفاهيمها قيماً
سلوكيّة في حياته .
فيصنع الحياة بوحي من تلك القيم ، وبذا تتسامى ذات الانسان نحو الربّانيّة
وتكتمل في الربّانيِّين الّذين اتّبعوا الدِّين، لذا يدعونا الرّسول
الكريم (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) أن نحقِّق إنسانيتنا بالتخلّق
بتلك الصِّفات التي سمّاها القرآن الحُسنى،فقال: (تخلّقوا بأخلاق
الله).
ويأتي البيان النبويّ ليوضِّح العلاقة بين الإيمان والالتزام بالقيم
الأخلاقيّة ، فيقول : (أكملكم إيماناً أحسنكم خلقاً).
وعندما يسود المعمورة الحبّ والسّلام ، وتشرق شمس العدل في كل أفق
من ربوع الأرض، ويلتزم الانسان بقيم الحق والعدل، ويتعامل الناس
بالصِّدق والرّحمة، ويتسامون نحو الرّبّ ومبدأ الوجود ، يستطيع هذا
الكائن أن يقول أنا إنسان .
أمّا الأسلحة والصّواريح والقنابل النووية والأسلحة الكيماوية والجرثومية
التي صنعها الانسان،وقدرات الانتاج المحتكرة التي تجلب على البشرية
الظّلم والاسـتعباد والحرمان،فإنّها ومع غياب القِيَم الانسانية
لاتصنع من هذا الكائن إنساناً،بل وتقترب به من الشيطانية والبهيميّة.
وتلك صورة الانسان عندما يتجرّد من إنسـانيته كما يرسمها لنا القرآن
:
إِنْ هُمْ إلاّ كالأنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ).
وهكذا تتجسّد لنا صورتان متقابلتان تعرضهما الآيتان ; صورة الانسان
الأضلّ من البهيمة، إنسان الظّلم والكفر والحقد والشرّ والفساد والشحّ
، وصورة الإنسان المتمثِّل للأسماء الحسنى، إنسان الحقّ والعدل والحبّ
والإيمان والإصلاح .
والإنسان الحضاري هو الانسان الذي يسعى القرآن لصـنعه هو إنسان الحقّ
والعدل والحب والرحمة .
وكم حشّد القرآن من وسائل التوعية والتربية للخروج بالانسان من الارتكاس
في وحل البهيميّة إلى سموّ القيم،وإنسانيّة الانسان.وهو يتحدّث عن
الانسان كمحور في هذه الحياة،فهو الخليفة المخاطَب بالعهد والأمانة
والخلافة،وكان الحق سبحانه إلى جنبه في معركته مع الشيطان منذ انطلقت
كلمة القدر،وخلق الانسان على هذه الأرض،وبدأت المعركة بينه وبين
الشيطان،قوّة الشرّ،ومصدر العذاب والشّقاء.. إنّه العدوّ الأكبر
للإنسان.
والقرآن يخاطب الانسان بأنّه الخليفة في الأرض ، ويشرح قصّة الخلق
والصِّراع وخضوع القوى كلّها للإنسان عدا نزعة الشّرّ ، ثمّ يتحدّث
عن الخطيئة والتوبة والعيش على هذه الأرض ، ثمّ الهدى والرِّسالة
.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ
خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فيها ويُسْفِكُ
الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ
إِنِّي أَعْلَمُ ما لاَ تَعْلَمُون). (البقرة/30)
وفي هذا النص تصوير لممارسة الانسان الشرِّيرة على هذه الأرض،جريمة
الفساد وسفك الدِّماء،ونكوص عن محتوى العهد والميثاق..والملائكة،عالم
الطّهر والخير والنّقاء،ترى الوجود على الأرض تسبيحاً وتقديساً لخالق
الوجود،وتجسيد الخير والسّلام،والإنسان يمارس جريمة القتل والإفساد
في الأرض.لذا كان مجيئ هذا المولود الجديد يثير التساؤل والاستفهام.
إنّ هذه المحاورة تشرح لنا رؤية القرآن للحياة على هذه الأرض إنّها
رؤية الخير والسّلام، ورفض الجريمة، جريمة القتل والإفساد في الأرض
، فقد خلق الانسان ليعمر الأرض بالعمل الصالح ، والإنتاج والعطاء
:
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ، قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا
اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ
وَاسْتَعْمَرَكُم فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
إِنَّ رَبِّي قَريبٌ مُجيب ). ( هود / 61 )
ويتحدّث القرآن عن الخلافة والإنسان الخليفة في الأرض، الإنسان الذي
تحمّل كلّ هذه المسؤولية ، تحمّل الأمانة الكبرى :
(إِنّا عَرَضْنا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَـالِ
فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ، وَحَمَلَها الإِنْسانُ
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ).
(الأحزاب / 72 )
وهو أيضاً صاحب عهد ومسؤوليّة وميثاق :
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ
لَهُ عَزْما ). (طه / 115 )
(فَلْنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ
المُرْسَلِين ).( الأعراف / 6 )
وكلّ تلك القيم تجعل من الإنسان كائناً حضاريّاً تقوده قيم الخير
، وترتقي بإنسانيّته نحو السّعادة والسّلام .
المصدر : مفاهيم حضارية ( بتصرف )
محمد بن عبدالله الحارثي
أعلى
احذرو المهلكات
(49) التسمع على الناس وما يسرون
قال الله تعالى: (ولا
تجسسوا) وقرأ أبو زيد والحسن والضحاك وابن سيرين بالحاء (ولاتحسسوا).
قال أبو عبيدة: التجسس والتحسس واحد وهو البحث، وقال يحيى بن أبي
كثير: التجسس بالجيم عن عورات الناس، وبالحاء الاستماع لحديث القوم.
قال المفسرون: التجسس: البحث عن عيوب المسلمين وعوراتهم. فالمعنى
كلا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذا ستره الله. وقيل لابن
مسعود: هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا، قال: إنا نهينا عن التجسس
فإن يظهر لنا شيء نأخذ به. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من
استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة).
والآنك: الرصاص المذاب. نعوذ بالله منه، ونسأله التوفيق لما يحب
ويرضى.
(موعظة) عباد الله: إن المنايا قد دقت واقتربت، فالنفوس رهينة قد
جمعت وتعبت، كأنكم بأكف الردى قد أخذت وسلبت، رب شمس طالعة على القبر
قد غربت، يا فراخ الفنا افخاخ البلى قد نصبت، عباد الله: المعاصي
قد سطرت وكتبت، والنفس رهينة بما جنت واكتسبت، لها ما كسبت وعليها
ما اكتسبت، يا من يغتر بالأماني والآمال الكواذب، ومبارز بالقبائح
وما يدري من يحارب، يا حاضر البدن غير أن القلب غائب، أرضيت أن تفوتك
الخيرات والرغائب؟ يا من عمره يفنى في ممره ويسري كالنجائب، يا من
شاب وما تاب هذا من العجائب، يا عجبا كيف نام المطلوب وما غفل الطالب؟!
علي بن عوض الشيباني
أعلى