
باختصار
(سوا) و(الحرة)
ليس جديدا ان يكون الإعلام سلاح معركة إقناع
وتأثير ولكن الاعلام منذ الاهتمام به ومعرفة مؤثراته بات النافذة
التي يتحقق منها غرض المعركة السياسية او معركة اثبات الاحتلال.
عندما تخطو الولايات المتحدة لاطلاق اذاعة مسموعة دعيت (سوا) ومحطة
قضائية هي (الحرة) وهما تبثان باللغة العربية اي للعرب وحدهم في
ظروف يتخبط فيها العرب بتداعيات الوضع العراقي وتتخبط فيه اميركا
بافرازات احتلالها للعراق، فإن مفهوم الاعلام هنا سيكون له عنوان
مختلف وطريقة مختلفة.
فهو إعلام ينهي عهد الاعلام بالواسطة بعدما ثبت للولايات المتحدة
ان الصحف التي اعتمدت عليها في تقديم صورتها للعربي ولغيره لم تخرج
عن دائرة الاحساس الشعبي العام الذي يعرض الوجود الاميركي في العراق
ويدعو الى استئصاله.
وهو إعلام اراد ان ان يضع حدا لطموحات المرئي العربي في كسب ود الشارع
العربي الذي مازال يشعر بالاهانة جراء ذلك الاحتلال الاميركي للعراق
.. وحيث لم يتمكن الاعلام العربي من ان يكون محايدا فإن الادارة
الاميركية وجدت الفرصة لتقديم موضوعها بشكل مباشر على أنه عامل حيادي
في المنطقة لاهدف له في العراق سوى ترتيبات تخرج بعدها القوات العسكرية
كما دخلت غير طامعة بشيء.
في وقت واحد اذن نفذت اذاعة (سوا) والمحطة الفضائية التليفزيونية،
(الحرة) بثأ اشبه بغارات مستمرة من المواقف او بصابون يريد غسل السائد
من المواقف او التساؤل غير القانع.
استيقظ الاميركيون بشكل سريع على اهمية ان يكون لهم محطات خاصة تسوق
وتدحض وتغير ان استطاعت تقدم الخبر بما لا يعظم دور العراقيين ولا
يقلل من اهمية الاحتلال، كما يحاول (التوازن) بين ما هو قائم وما
قد يستجد ولعل ما عجل في التنفيذ الأميركي هو الوقوف أمام احتمالين:
1ـ تعاظم الثورة الشعبية في العراق وسلوكها معنى شموليا يعرض فعليا
الاحتلال الاميركي لمخاطر جمة.
2ـ ان يكون للمحطتين نفوذ لا إستقلالية، وأن يتمكنا في عصر جورج
بوش الابن من التبعية له في وقت يخوض فيه معركة التجديد المصيرية
بالنسبة اليه.
وهكذا تخترع أميركا بديلين اعلاميين تريدهما ان يكونا سلاح معركة
إقناع وتأثير وسيكون على هذين البديلين منذ اللحظات الاولى لبثهما
ان يكونا الى جانب الاحتلال في معركته على الارض وفي معاركه السياسية
المستقبلية بل سيكون عليهما ان يشكلا قبل فوات الاوان فرصة فريدة
لغسل دماغ المشاهد العربي وتأسيس مفهوم جديد للاحتلال الاميركي في
العراق.
الواضح ان العرب اكتشفوا منذ بداية انطلاقة المحطتين الدور الخفي
لهما .. وبقدر ما سعت (الحرة) الى الاختفاء خلف هذا الاسم وما يعنيه
من عنوان، كانت (سوا) تقدم نفسها كمحطة تتغذى من (أطايب) ما تقدمه
للمستمع وللمتتبع هذه التجربة على ما فيها من مال وإغراء إعلامي
مازالت تسبح عكس التيار، وسيثبت كل يوم ان الاعلام ودوره لا يمكنه
تغيير معادلة الاحتلال بـ(المساعدة) أو نسف مفهوم التحرر عند العراقي.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

الشراع الآخر
علماء على الهواء
في الماضي القريب كانت السرية والتكتم هي عماد
العمل في المجال النووي العربي نظرا لأن اسرائيل كانت تعمد الى استهداف
حياة العلماء العرب بالقتل في إطار مساعيها لعرقلة حصول العرب على
رادع نووي ، لكن الآن وبعد ذيوع شأن العالم النووي الباكستاني عبدالقدير
خان ، وافتضاح شأن البرنامج النووي الليبي يبدو ان التوجه العربي
قد اختلف ، أو هذا على الاقل ما فهمته من خلال مشاهدتي لحديث أحد
علماء الذرة وهو يتحدث على قناة فضائية عربية بالتفصيل عن حياته
العلمية ومصادر ثقافته وانجازاته العملية في مجال الهندسة الذرية
في اكثر من بلد عربي ، وحاولت ان افهم الغرض من وراء بث مثل هذه
البرامج التي تقدم معلومات عن علمائنا المهمين لأجهزة المخابرات
المعادية وهم جالسون على الأرائك، في البداية انتابتني المخاوف وانا
أشاهد البرنامج ،لكن اذا صدق حدسي وكانت هناك خطط لنقل الانشطة النووية
وقادتها وعلمائها من السرية الى العلنية، فينبغي ان يكون ذلك في
اطار تنسيقي عام مع كافة دول العالم الصغيرة التي تجد من حقها ان
تحفظ امنها القومي بالحصول على رادع قوي بعد ان راحت الادارة الأميركية
بعيدا في سبيل قمع رغبة العرب وغيرهم في الحصول على ذلك الرادع،
فضلا عن الاستفادة بالمخرجات السلمية للدراسات والبرامج النووية
، ولعل الأمر يكون اسهل على الراغبين في تأكيد حقهم في تنمية برامجهم
النووية اذا ماجرى تنسيق أوسع بين مختلف الدول المعنية ،بل وربما
كان الأجدى لها اللجوء الى محكمة العدل الدولية لاستصدار حكم يعطى
هذه الدول الحق في حماية امنها وتحقيق ديمومة تطورها امام محاولات
المنع والتهديد التي تمارسها اميركا واسرائيل. ان لدي قناعة داخلية
بان مساعي اميركا ستفشل حتما في تطويق رغبة الدول في الحصول على
رادع نووي، فالمسألة مسألة حياة أو موت بالنسبة لهذه الدول ، خاصة
بعد غزو العراق وبعد الترويج لحملة من الأكاذيب حول برامجها المزعومة
لاسلحة الدمار الشامل، بل ومن حق علماء العراق مقاضاة الإدارة الاميركية
وإعلامها الذين سخروا من كرامة اولئك العلماء الشرفاء الذين حاولوا
خدمة وطنهم بإخلاص، وقد بلغت السخرية بهم في اميركا حدودا غير مقبولة
مثل اطلاق اسم (الدكتورة جرثومة) على احد الرموز العلمية في العراق
وهي فيما نعلم رهن الاعتقال بيد القوات الاميركية الآن وهو ما يعمق
الشعور بأن اميركا لم تعد تقيم وزنا لمفاهيم العدالة في سعيها للقضاء
على الجهود العلمية والسعي لتطوير العلم والتكنولوجيا وبخاصة التكنولوجيا
النووية المهمة في ظل تضاؤل مخزونات الطاقة وارتفاع كلفتها في العالم
الآن.
انها معركة جانبية غير واضحة المعالم لكنها شديدة الخطورة والأهمية
ولكن معالم النصر تبدو في صالح الدول المظلومة في ظل هذه الفوضى
التي اثارتها الادارة الاميركية محفوفة بأنانية وقصور نظر ظاهرين
، وما دام لدى اميركا واسرائيل برامج نووية خطيرة تهدد امن وسلامة
العالم بأسره، فان هذا حق اصيل لكل الخائفين والقلقين على مستقبلهم
العلمي والأمني الذين يحاولون الهروب الى الأمام بالخروج الى العلانية
بأسرارهم الوطنية كمحاولة لتأصيل مشروعيتها.
محمد عبدالخالق
jawaber@hotmail.com
أعلى

أصداف
دعاية أميركية مفضوحة!!
يقود البنتاغون حملة علاقات عامة، لتحسين صورة
الجنود الأميركيين الذين يستعدون للذهاب إلى العراق، ضمن عملية استبدال
واسعة لقوات الاحتلال، التي يبلغ عددها أكثر من مائة وثلاثين ألف
جندي وضابط.
حملة العلاقات العامة، تذكرنا بتلك الحملة الواسعة، التي سبقت غزو
العراق، العام الماضي بعدة أشهر، ليس ثمة اختلاف جوهري بين الحملتين،
ففي الأولى، تحدث الأعلام الأميركي، عن شراء البنتاغون لنصف مليون
نسخة من فيلم (الرسالة) الذي يتحدث عن الإسلام، وقالوا، إن قادة
البنتاغون يحرصون على أن يتعلم الجندي الأميركي كل شيء عن المجتمع
الإسلامي، لكي يتصرف بطريقة تتلاءم والتقاليد والقيم في مجتمع عربي
مسلم، أي في العراق.
قالوا أيضاً، أن هناك العديد من الدورات التثقيفية، تم إجراؤها،
ودخل فيها الآلاف من الجنود والضباط، الذين كانوا يتهيئون للذهاب
إلى حرب العراق.
هذا الكلام، أعطى بعض الطمأنينة لكل من كان يتخوف من أن يسلك بعض
الجنود سلوكيات منافية لتقاليدنا وأخلاقنا، لكن سرعان ما تبين، بأن
ما تحدثت عنه وسائل الإعلام الأميركية، ليس بأكثر من حلقة من بين
سلسلة الدعاية، والتي تأتي ضمن حملة العلاقات العامة، التي أهتم
بها البنتاغون، في حربه النفسية الواسعة، التي سبقت غزو العراق.
في هذه الأيام، يجري الحديث، وتروج وسائل الاعلام الأميركية، وبعض
الفضائيات العربية، لحملة علاقات عامة جديدة، ويتم الحديث عن محاضرات
ودورس ألقيت على الكثير من الجنود الذين يتوجهون إلى العراق.
من بين ما يجري الحديث عنه، الدروس والممارسات، التي تؤكد على طريقة
التعامل مع العراقيين، والتفاوض مع وجهاء العشائر.
لكن الذي لا تدركه دوائر البيت الأبيض، وخبراء البنتاغون من المختصين
في الحرب النفسية، أن هذا الكلام، قد ينطلي على البعض في إرجاء الوطن
العربي والعالم، إلا أن العراقيين، سرعان ما يسخرون من هذه الأحاديث
والكلمات، لأنهم عاشوا بحق مرارة الاحتلال، وتحصل أمام أعينهم الممارسات
البشعة والمقيتة لجنود الاحتلال، هؤلاء الذين قالوا إنهم شاهدوا
فيلم (الرسالة)، وتلقوا دروساً ومحاضرات عن العادات والتقاليد في
المجتمع العراقي.
إن الدعاية المبكرة، لن تحسن الأجواء التي سيدخلها جنود الاحتلال،
لكن الجديد في الأمر، أن الجنود أنفسهم يدركون أن الكذب لن ينطلي
على العراقيين، كما يعلمون أنهم يدخلون في اتون الجحيم العراقي.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

كل يوم
الديموقراطية حاجة أساسية عربيا
يبدو ان هناك من يتعمد الخلط بين الحاجة الماسة
الى الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية
وبين المشروع الاميركي لـ(الشرق الأوسط الكبير) والاملاءات والرغبات
الاميركية لنشر (ديموقراطية) خاصة في المنطقة.
واحسب ان هذا الخلط يقصد به التأثير السلبي على الجهود الحثيثة والحقيقية
للإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي المنشود والذي يشكل مطلبا
شعبيا واسعا ، حتى لا يتحقق ذلك ، وحتى تبقى شعوب المنطقة ترزح تحت
الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ ، وانظمة الحكم المطلق ، غير الدستورية
أو البرلمانية.
واذا كانت بعض الدول العربية تجرأت على رفض الإملاءات الأميركية
في مجال الديموقراطية والإصلاح ، فان هذا لا يعني ان تلك الدول وغيرها
ليست في حاجة الى تحقيق إصلاحات ، بل انها تؤكد انها ستنفذ الإصلاحات
التي يطلبها الناس ، ووفقا للمصلحة الوطنية لكل دولة وليس انصياعا
للرغبات الاميركية ولا قبولا بشروطها أو شروط الصناديق الدولية والمنظمات
الأجنبية.
وهذا التمييز بين النهجين والخطين والاتجاهين نحو الديموقراطية والإصلاح
وحقوق الإنسان ينبغي النظر اليه باهتمام وتلمسه بوضوح حتى تتحقق
رغبات شعوبنا وطموحاتها دون ان يكون ما نصل اليه نتيجة لرغبات وإملاءات
خارجية ، على الرغم من شدة ثقتنا بان السياسات الأميركية في المنطقة
، وخصوصا إزاء السلام والأمن والاستقرار فيها ، وانحيازها الدائم
لإسرائيل ضد العرب والمسلمين وحربها المعلنة عليهم ، تلك السياسات
لا تتوافق مع ادعاءات الحرص على الديموقراطية ، ولا نداءات الإدارة
الاميركية بشأن حقوق الانسان وكرامته ، فالذي يعتدي على حقوق الانسان
ويصادرها ويمتهن كرامته في منطقتنا العربية هم المحتلون الإسرائيليون
والأميركيون أولا وأخيرا.
واذا كنا من المطالبين بالديموقراطية والحرية وحقوق الانسان فاننا
نميز بين ما يطالب به الناس وهو الحق ، وما تدعو اليه واشنطن هو
(كلمة حق يراد بها باطل).
على ان هذا كله يجعلنا نشدد التذكير على من ينتهكون حقوق الإنسان
العربي وكرامته في وطنه ، من انظمة سياسية ظالمة او اجهزة قمعية
أو جهات متسلطة أو قوانين وتشريعات خاطئة أو قيود عى الحريات العامة
أو فساد مالي أو اداري أو انتماءات طائفية وعرقية وسياسية تؤكد على
التمييز الطائفي او العرقي او الجنسي او السياسي وتنطلق منه وتسعى
اليه.
وهذا وحده لايكفي اذ لابد ان نساند جهود الجهات والهيئات والمنظمات
والقوى السياسية والجمعيات ذات الانتماء الشعبي والجماهيري لتعزيز
الديموقراطية في الأقطار التي يمكن القول انها خطت خطوات ايجابية
ولو ضئيلة باتجاهها من حيث وجود الدستور او النظام الأساسي والتشريعات
الناظمة للحياة السياسية والاجتماعية او تشكيل الأحزاب السياسية
والنقابات المهنية والتنظيمات الشعبية وانشاء المجالس النيابية المنتخبة
او اجراء انتخابات للمواقع الاساسية في الدولة.
بينما علينا ان ننهض الى المطالبة الحثيثة وبصوت عال بايجاد مثل
تلك التنظيمات والتشريعات والهيئات والمؤسسات في الدول التي تفتقر
اليها.
ونحن هنا لا يفوتنا ان نشير الى اننا نتطلع الى تنظيمات وتشريعات
وهيئات حقيقية وفاعلة ونطالب بان تكون الجهات الرسمية في البلدان
العربية جادة في توجهاتها وألا تحاول ركوب الموجة او الاستجابة المؤقتة
للمطالب الشعبية . او الانصياع للاملاءات الأميركية الى ان تتلاشى
الموجة وتموت!.
ثمة حاجة حقيقية الى ديموقراطية حقيقية في أقطار الوطن العربي كافة..وهي
تعبر عن نفسها كل يوم في التعبير عن الحاجة الى تخفيف كثير من المعاناة
التي تشعر بها شعوبنا على تفاوت فيما بينها ، وان كنا نقول دائما
ان الديموقراطية نهج حياة ولكنها ليست الوصفة السحرية التي يعتقد
بعضنا انها ستخلصنا من كل معاناتنا ومتاعبنا ومشكلاتنا..إنها المظلة
التي تشكل بدايات الحل ، او بيئته وحاضنة النهوض الوطني والقومي
ومشكاته.
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

في الموضوع
فريق فريد
هناك انجاز عربي انساني رائع في بريطانيا،
لم يعرف احد عنه شيئا، لان الأبعاد الانسانية لم يعد لها في حياتنا
وزن كبير، اللهم عندما يتطرق الامر الى الاحوال المأساوية، سواء
كان ذلك على الصعيد الشخصي او الصعيد العام ولكي نستطيع تحقيق انجازات
كبيرة، على مستوى تحسين الاوضاع في بلادنا كلها، فإنه يتعين علينا
الاحتفال بانجازاتنا على الصعيد الشخصي، والصعيد الجماعي، وان تقدر
للانسان قيمته التي يستحقها والاحتفال بالانجاز والتقدير لمن يحققه،
يدفعنا الى العمل الايجابي لتحقيق الانجازات في كل مجال وبذلك يتجمع
لدينا زخم بناء يدفعنا الى المزيد من العمل والاجتهاد، بدلا من التقليل
من شأن انجازات الاخرين، والتقاعس من جانبنا نحن عن انجاز اي شيء،
فتتحول الى آلة هدم، بدلا من ان تكون كيانا بناء.
والامر المثير للسخرية، هو ان مظاهر كثيرة في حياتنا توضح اننا لا
نهتم بكرامة الانسان، وانما بإهانته واهدار كرامته، ابتداء من استغلال
بعض اصحاب العمل للعامل الذي يشتغل عنده، واجتهاد البعض للاستفادة
من حاجة الناس اليهم، فيحولونهم الى خدم لديهم، ويصبح القوي مسيطرا
على الضعيف في مجتمعنا بدلا من ان يكون سندا له، حتى يقوى ساعده
ويحين عليه الدور لتقديم المساندة ومن ثم فإن حالنا يتحول من سيء
الى اسوأ ونقطة السخرية هنا، هي اننا لا نجد ذكرا للحفاظ على كرامة
البشر، الا فيما يتعلق بوضع الموتى، عندما يلاحظ الواحد منا سيارة
لنقل الموتى في الشارع العام، وقد كتب عليها عبارة (سيارة تكريم
الانسان).
ويتفرع عن ذلك اننا ـ بوجه عام ـ لا نتحدث كثيرا عن شخص بخير في
حياته، وانما نعمل لتوجيه الانتقادات اليه والانتفاص من شأنه ومن
انجازاته، وكأننا نخشى ان تكون انجازاته على حسابنا، او اخلالا بالتوازن
في المجتمع لصالحه وعلى حسابنا وبذلك فإننا نتحول الى جهاز للتخريب
المتبادل، وهذه النظرة الضيقة تضرنا كثيرا، لان توجيه طاقاتنا الى
التقليل من انجازات الاخرين، يحرمنا من استخدام هذه الطاقات في عملية
البناء المشترك، ولا يتحدث الناس عن احد بخير الا بعد وفاته انطلاقا
من مبدأ (اذكروا محاسن موتاكم) وليس بالضرورة لانه كانت لمثل ذلك
الانسان المتوفي اشياء حسنة في حياته، لانه كان عضوا في (جهاز التخريب
المتبادل) وحتى اذا كانت له حسنات معروفة لنا، فإننا نجتهد لحرمانه
من التقدير في حياته، حتى لا نشهد له ـ ولو ضمنا ـ بأنه افضل منا
في شيء، وما نتحدث عنه به بعد وفاته، يكون في الاساس تعبيرا عن الارتياح
لذهابه، وليس بالضرورة تقديرا له، لاننا حرمناه من التقدير في حياته
ولم توفر له السعادة التي كان يمكن ان تتحقق من ذلك.
بعد هذا التقديم المستفيض، الذي تظهر ضرورته لوضع الحدث في اطاره
الاجتماعي، يمكن التطرق الى ان شابا مصريا اسمه محمد نصر فريد، هاجر
الى بريطانيا قبل فترة، ونجح في تأسيس فريق رياضي تفوق في لعبة (كرة
اليد)، ضم لاعبين من المغرب والجزائر وفرنسا، وقال فريد ـ كما هو
معروف للانكليز ـ فريقه، الذي يلعب في (نادي هيثرو الرياضي)، بالمنطقة
التي اخذ المطار الدولي الشهير اسمه منها ـ بالقرب من العاصمة لندن
ـ ليفوز بكأس انكلترا عام 2003، ويأتي في الترتيب الثاني من دوري
فرق كرة اليد هناك في نفس العام. وكذلك فإنه صعد الى الدور النهائي
ـ مع خمسة فرق انكليزية اخرى ـ هذا العام، وينعقد الامل بشكل كبير
على ان يفوز (فريق فريد) بالدوري والكأس الانكليزيين معا هذا العام،
بعد اجراء التصفيات النهائية خلال شهري ابريل ومايو القادمين.
الشيء الطريف هنا، هو ان محمد فريد ليس لاعب كرة يد محترفا، ولا
يتقاضي مئات الالوف من الجنيهات الاسترلينية عن نشاطه الكبير في
هذا المجال، وانما هو متخصص في المحاسبة وادارة الاعمال،ويهتم بأجهزة
الحاسوب، ويحصل على دخله لاعالة اسرته من عمله في هذا النشاط، لكنه
ـ مع حياته في المجتمع البريطاني ـ يحافظ على تقاليده العربية والاسلامية،
ويجتهد لاضافة اسهام ايجابي بناء في ذلك المجتمع، من خلال التعددية
الثقافية والعرقية والعقائدية المعترف بها هناك، في اطار السياسة
البريطانية.
وكان (فريد المصري) يلعب كرة اليد هاويا في نادي (رايسليب) الذي
يحمل اسم (صقور رايسليب) ـ في ضاحية تقع شمال غرب لندن، عندما اكتشف
ان هناك اكثر من لاعب عربي في اي فريق بريطاني بالمنطقة، وخطرت له
فكرة تشكيل فريق عربي من هؤلاء اللاعبين، ونجحت الفكرة على النحو
الذي حدث.
ما يمكن قوله عن محمد نصر فريد، وزملائه اعضاء الفريق ـ هو انهم
رفعوا رأس العرب والمسلمين في بريطانيا، في وقت يريد كثيرون ان يبعدوهم
من الساحة، حتى وان كان ذلك بالضربة القاضية السياسية، ان لم يكن
بأساليب امنية اخرى، وحقق هؤلاء الشباب انجازاتهم بطريقة مشروعة
تحظى بالاحترام والتقدير، فسمح لهم المجتمع البريطاني المنفتح باحتلال
المكانة التي يستحقونها، ولم تهتم اجهزة الاعلام العربية التي تتابع
عملية السلام المتعثرة، او الحرب الدولية الاميركية على الارهاب،
بأخبار انتصاراتهم العظيمة وحتى مراسلي الصحف التي تصدر في بلادهم
ببريطانيا لا يعرفون عنهم شيئا، ولا يعبرون عن التقدير الواجب تجاه
هذا الانتصار والانجاز، ومن ثم فإن واجبنا هنا ان ننوه به، لان هذا
النصر الفريد جيد بالنسبة لنا، ويتعين علينا ان نستفيد به ونبني
عليه في مجالات اخرى، لكي نقدم اضافة ايجابية، ولا نكون في موقف
المتلقي للآثار السلبية من نتاج المجتمعات الغربية، ويكون شبابنا
ابطالا في ساحات العمل والرياضة، بدلا من تحقيق الانجازات في صالات
(الديسكو) وقاعات النوادي الليلية.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى

نافذة من موسكو
مشــروع بــوتين
عندما وقع اختيار يلتسين وحاشيته على فلاديمير
بوتين لاستخلاف النظام الذي تشكل في روسيا على انقاض الاتحاد السوفيتي
السابق ، أحيط الخليفة بالكثير من الشروط والتي كان من أهمها عدم
المساس بالرئيس السابق وعائلته وأسس النظام الذي شكله . وإذا كان
بوتين لا يزال يلتزم بشرط عدم المساس بيلتسين شخصيا ، إلا أنه شرع
تدريجيا في تقويض أركان نظامه بالتخلص من الرموز البارزة في عهد
الرئيس السابق . فبدأ الرئيس الجديد بكسر تأثير طواغيت المال أو
الأوليغارشية ( كبار رجال المال والأعمال ) على القرارين السياسي
والاقتصادي في روسيا. فكان التخلص من الملياردير اليهودي الروسي
فلاديمير غوسينسكي وإمبراطوريته الإعلامية ، فلم يجد غوسينسكي من
مخرج إلا الهرب إلى إسرائيل حيث يتمتع بجنسية هذا الكيان بجانب جنسيته
الروسية . وجاء الدور على ملياردير يهودي روسي آخر هو بوريس بيريزوفسكي
الذي هرب أيضا إلى لندن ليحصل على الجنسية البريطانية في سبتمبر
الماضي . وبعد غوسينسكي وبيريزوفسكي ُ أعتقل الملياردير اليهودي
الروسي أيضا ميخائيل خودوركوفسكي ، الرئيس السابق لشركة (يوكوس)
النفطية . ووجهت النيابة الروسية لهؤلاء وغيرهم من رموز طواغيت المال
من عهد يلتسين تهما تتعلق بنهب ثروات الدولة والاستيلاء على ممتلكاتها
بشكل غير شرعي والتهرب من دفع الضرائب . وبعد تقليم أظافر بعض رموز
الأوليغارشية وإجهاض محاولاتهم للسيطرة على القرارات السياسية والاقتصادية
للكرملين على غرار ما اعتادوا عليه في عهد الرئيس السابق ، بدأ بوتين
في التخلص من الرموز السياسية للعهد السابق والمرتبطة عضويا بهذه
الأوليغارشية . فأقال الرئيس الروسي الكسندر فالوشين مدير ديوان
الرئاسة في نهاية العام المنصرم ، واستغنى مؤخرا عن خدمات ميخائيل
كاسيانوف رئيس الحكومة والذي يعتبر أحد أهم رموز العهد اليلتسيني
السابق . ورغم أن كاسيانوف ، المفروض على بوتين من قبل يلتسين وحاشيته
، جرى تعيينه في منصب رئيس الحكومة باعتباره شخصية فنية بحته لا
تتدخل في الشؤون السياسية ، إلا أنه خرج عن هذا الدور في الفترة
الأخيرة عندما انتقد اعتقال خودوركوفسكي وذلك في تعارض واضح مع سياسة
بوتين . في نفس الوقت عرف عن كاسيانوف ارتباطه الوثيق بطواغيت المال
والدفاع عن مصالحهم داخل السلطة العليا في روسيا . هذا بالإضافة
إلى أن كاسيانوف تهكم عمليا أمام نواب مجلس الدوما السابق على خطة
بوتين الرامية لمضاعفة الناتج المحلي الإجمالي لروسيا في غضون عشر
سنوات.
إن إقالة كاسيانوف وحكومته كانت من الأمور المحسومة سلفا ولكن لم
يتوقع أحد أن يعلنها بوتين قبل الانتخابات الرئاسية بل أن جميع المراقبين
تكهنوا بوقوعها بعد تولي الرئيس الروسي للولاية الثانية . وهذا التبكير
بإقالة أحد أكبر رموز عهد يلتسين يعكس بدرجة أو بأخرى نوايا بوتين
في تبني نهج جديد على الأقل في المجال الاقتصادي . فمنذ تولي زعيم
الكرملين الحالي للسلطة في مايو 2000 وهو يتحدث عن بناء دولة قوية
يسودها الاستقرار والأمن وتتمتع بوزن وثقل هام على الساحة الدولية
. وبعبارة أخرى فإن مشروع بوتين للولاية الثانية يعني بدرجة ما استعادة
وزن ودور روسيا السابق ولكن في ظل الإمكانيات المتاحة وفي ظل التغيرات
العالمية التي حدثت منذ انهيار الدولة السوفيتية . وهذا المشروع
يعتمد بشكل أساسي على تقوية دور المركز الفيدرالي في روسيا ، أي
دور الكرملين وهيئات السلطة المركزية ، مقابل الفوضى والضعف الشديد
الذي أصاب هذا المركز في العهد السابق . كما يقوم مشروع بوتين على
استعادة قوة المؤسسة العسكرية وتطوير الجيش ومده بأحدث الأسلحة حتى
يتمكن من مواجهة التحديات والأخطار التي يمكن أن تهدد الأمن القومي
الروسي . ولأن الرئيس الروسي يدرك جيدا أهمية العامل الاقتصادي في
تحقيق هذا المشروع ، فلم يكن أمامه إلا أن يطرح فكرة مضاعفة الناتج
المحلي الإجمالي خلال السنوات العشر المقبلة . غير أن أهم ما يغيب
عن مشروع بوتين حتى الآن هو الجانب الاجتماعي للنهج الاقتصادي الجديد
والذي على ما يبدو أنه سوف يتبلور بشكل واضح بعد توليه الولاية الثانية.
ويمكن القول أن مشروع بوتين هو مشروع لتحديث روسيا بعد فترة انهيار
قاسية على يد يلتسين وفريقه من الليبراليين الراديكاليين من خلال
الاعتماد على سياسة ليبرالية معتدلة ومغايرة تأخذ في الحسبان مصالح
روسيا الوطنية وتتجسد في نموذج لرأسمالية الدولة . بدون شك إن هذا
المشروع سوف يهاجم داخليا من قبل اليمين الراديكالي الروسي الذي
غربت عنه الشمس عمليا بعد أن أنهك روسيا وفرط في الكثير من مصالحها
، وسيهاجم أيضا من الخارج بحجة التخلي عن الديمقراطية وإصلاحات السوق.
وفي الغالب سوف تتزايد وتيرة هذا الهجوم في حال ما تحققت توقعات
الكثير من المراقبين بأن الولاية الثانية لبوتين سوف تشهد ميلا شديدا
نحو التعاون مع الشرق .
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى

أقول لكم
تجسس
حكومة توني بلير تواجه مأزقا صعبا بسبب اتهامات
وجهت اليها بالتنصت على اتصالات الأمين العام للأمم المتحدة كوفي
أنان..والدكتور هانز بليكس الرئيس السابق لفريق المفتشين الدوليين
عن اسلحة الدمار الشامل في العراق اكد ان اربع دول كبرى على الأقل
كانت تتنصت على اتصالاته لم يحددها بالاسم لكنها ـ بالقطع ـ ليس
من بينها بوركينافاسو وجمهورية الدومينيكان..وما يدفع هؤلاء الى
شحذ آذانهم الألكترونية شديدة الحساسية هذه الرغبة في الحصول على
معلومات قد تفيد في تحديد مواقفها وسياساتها ازاء قضايا معينة وما
خفى كان أعظم ، فبريطانيا لديها اكبر مركز في العالم للتنصت على
الاتصالات بكل أنواعها.
اما في الولايات المتحدة فقد اصبح التنصت والتجسس على الاتصالات
جزءا من البنية السياسية لأميركا منذ فضيحة ووترغيت في عهد ريتشارد
نيكسون ، وحتى الاتصالات الجنسية الفاضحة التي كان يجريها بيل كلينتون
مع مونيكا لوينسكي..واذا كان فعل التنصت والتجسس له أهداف يسعى لتحقيقها
فان اكتشاف هذه العمليات وفي توقيت محدد كان بهدف استثمارها سياسيا
لاسقاط رئيس ووضع آخر مكانه..وما يطفو على السطح هو القليل فقط ،
اما سبعة اثمان جبل الثلج العائم فمازالت مطمورة في بحور التجسس
والجاسوسية.
والكاتب البريطاني جورج أورويل سبق كل البصاصين والمتنصتين والجواسيس
بخيال علمي جميل في روايته الشهيرة 1984، وفيها تخيل ان الأخ الأكبر
(يقصد الولايات المتحدة) لديه معلومات استخباراتية حول العلاقات
التجارية للملابس الداخلية التي يرتديها زعماء العالم ، واذا تخيل
جورج أورويل هذه الكفاءة المهنية العالية في التجسس ، فلن نندهش
اذا اكد سياسي أميركي ان اسامة بن لادن لديه خلايا نائمة في واشنطن
تتنصت على مايدور في غرفة نوم الرئيس!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى
قمة الاستحقاقات العربية
تبدو صورة مؤتمر القمة العربية التي يفترض
أن يضم الملوك والرؤساء العرب في تونس وكأنها قد حكم عليها بالفشل
قبل انعقادها، ولعل مصدر التشاؤم او الحكم المسبق في المعاناة التي
أضاعت فيها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية الوقت والجهد لإقناع
الدولة المضيفة اولا، باستضافة القمة وترئسها، وقد بدأ الوصول الى
هذه النتيجة وكأنه من مستحيلات القرن خاصة أن القمة قد تاهت على
أبواب العواصم العربية ولم تجد من يستضيفها فعادت الى حيث يجب أن
تكون، ولكن؟؟، أما التحدي الثاني أمام القمة هي بالحضور على المستوى
السياسي الأول أي أصحاب القرار، وهذا الذي لا يمكن ضمانه او التأكيد
عليه لغاية الآن، فبعض الدول العربية ذهب في مناكفة ومشاكسة الأمين
العام لجامعة الدول العربية الى درجة قد تبرر له الغياب او التغيب،
والبعض الآخر لا يرى في انعقاد القمة من أساسه وفي هذا الظرف بالذات
ضرورة ملحة ويذهب الى التأكيد على أهمية المحاور الإقليمية التي
تعززت بعد غزو العراق واحتلاله، وهو يتستر بذلك على الضغوط الاميركية
المباشرة وغير المباشرة لفرط عقد القمة قبل أن تبدأ.
لقد كانت الوحدة العربية ذات يوم هدف العرب الأسمى، ثم تراجع الطموح
وهبط سقفه إلى تحقيق الحد الأدنى من التضامن العربي. وأما اليوم
فقد أصبح التطلع أكثر تواضعاً إذ انحصر بالسعي إلى تجنب الخلافات
الداخلية العربية في حين تهتم كل دولة بوسائل الدفاع عن نفسها والبحث
عن حماية مصالحها وضمان أمنها واستقرارها وحدها. بيد انه يمكن النظر
بالنسبة الى قمة على هذا المستوى العالي والمأزق الذي هي فيه ما
يدلل بالملموس إلى ضعف وتفكك النظام الإقليمي الرسمي العربي بل إن
لم نقل انهياره. ذلك أن الضربات التي تلقاها العرب من القوى الخارجية،
إضافة إلى الخلافات المستعرة فيما بينهم أفقدتهم القدرة على التحكم
بمصيرهم هذا على فرض امتلاكهم هذه القدرة في المرحلة الراهنة.
أمام هذا الوضع المتفاقم من حق المواطن العادي أن يتساءل هل تستطيع
القمة المقبلة أن عقدت في مكانها وزمانها المحددين من أن تتجاوز
التحديات التي تنتصب أمامها، وفي المقدمة منها الأزمة التي تولدت
ما بعد الحرب على العراق واحتلاله والخلافات البارزة اتجاه هذا الحدث
الذي ولد شرخا في العلاقات العربية- العربية اتجاه الأمن القومي
المشترك، خصوصا وان البعض شارك في الحملة والبعض الآخر مابين مؤيد
ومؤيد بتحفظ، والبعض الآخر رافض ويشعر بالتهديد المباشر لأمنه الوطني
بعد هذه العملية، وقد تتولد أزمة أخرى ارتباطا بهذه الأزمة من سيحتل
مقعد العراق في القمة العربية وهل سيقبل أو سيحتمل القادة العرب
القبول بحضور بممثل لسلطة احتلال لاجتماع على هذا المستوى وكيف سيواجهون
هذا الموقف.
والتحدي الثاني هل بإمكان العرب مواجهة دعوات ومبادرات الإصلاح المفروضة
والمطروحة عليهم من كل حد وصوب، وهل من الممكن أن تكون الإصلاحات
تعبيرا عن رغبة عربية وتلبية لحاجة داخلية بدلا من أن تكون فرضا
من فروض الاستحقاقات الخارجية، وهل نضج الوضع العربي للتعامل مع
المشاريع الخارجية وخصوصا المشروع الاميركي للشرق الأوسط الكبير
باعتباره تغييرا نوعيا في الموقف الاميركي ويهدف الى تغيير في البنى
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وان يجيبوا عليه بموقف
يسد الطريق أمام هكذا تداخلات ويضعوا مشروعا عربيا لإعادة البناء
والتجديد في بلادهم. وهل نضج الوضع العربي الرسمي أيضا لعملية الإصلاح
في جامعة الدول العربية وهو المشروع المطروح على القمة وهل من الممكن
أن يصبح هذا المشروع أداة لتفعيل العمل العربي المشترك وتطويره،
أم انه قد يفتح الباب أمام المزيد من الخلافات والتحلل من الالتزامات
العربية الرسمية.
والتحدي الأخير هو كيف يمكن أن تتعامل القمة العربية مع استحقاق
السلام الفلسطيني- الإسرائيلي خاصة في ظل هذه الفوضى العارمة والتضارب
بالمبادرات والمشاريع المطروحة، وهنا من حق المواطن أن يتساءل مرة
أخرى ألم يحن الوقت كي يأخذ العرب زمام المبادرة ويطرحوا مبادرات
وأفكارا كما فعلوا سابقا. لقد كانت آخر المبادرات الهامة التي اتخذها
القادة العرب في قمة بيروت عام 2002 حين أيدوا بالإجماع خطة السلام
التي طرحها، ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، حين
عرض على إسرائيل سلاماً شاملاً وعلاقات طبيعية مقابل انسحابها إلى
حدود 4 يونيو 1967 وقيام دولة فلسطينية وفقا لقرارات الشرعية الدولية.
ولئن رفضت إسرائيل العرض العربي ولم تهتم به الإدارة الاميركية وسارع
الرئيس بوش بعد عدة اشهر بطرح رؤيته للحل في الشرق الأوسط، فإن العرب
أخفقوا في تعبئة الرأي العام الدولي لدعم خطتهم، وتركوها تغيب نهائياً
عن الأنظار والأذهان. بسبب افتقادها لآليات التعبئة والتطبيق. والآن
عشية القمة العربية تنهال الدعوات على القادة العرب وخصوصا من بعض
الدول الأوروبية تحثهم للعودة إلى هذا المشروع مع إضافة تفاصيل عن
مسألة اللاجئين والحدود، ومسألة القدس، والأمن، بل وتشير بعض هذه
الدعوات إلى امكان اقتباس بعض الحلول التي توصل إليها بعض الفلسطينيين
والإسرائيليين غير الرسميين فيما سمي بـ(مبادرة جنيف).
إن ما ينتظره الفلسطينيون وهم أكثر الناس حاجة الى القمة أن يستطيع
العرب من تجديد طرح مشروع الأمير عبد الله مع الأخذ بعين الاعتبار
الإطار الدولي الجديد أي خطة خارطة الطريق بعد إن أصبحت قرارا دوليا
من مجلس الأمن تحت رقم 1515، واتخذ شكلاً محسوساً وعمليا يفضي في
نهايته الى تطبيق قرارات الشرعية الدولية وقيام الدولة الفلسطينية
المستقلة. كما أن الفلسطينيين يأملون أن يضع العرب آليات عملية وملموسة
ويستفيدوا من الدرس السابق لتسويق مبادرتهم على المجتمع الدولي وكسب
تأييده لها، ولكن الأهم هو ما يمكن أن تتخذه القمة من قرارات قابلة
للتنفيذ بالدعم المادي لتعزيز الصمود الشعبي والرسمي الفلسطيني وهو
اضعف الإيمان بالنسبة للعرب.
إن هكذا خطوة يطلبها الفلسطينيون من القمة بقدرما هي حاجة فلسطينية
فإنها احتياج عربي ضروري لإعادة الاعتبار ما أمكن لدور مفقود، وحل
مشرف وعادل يفتح الأبواب لمعالجات لقضايا صراعية أخرى في المنطقة
قد تقف في مقدمتها التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ترى
هل أن مثل هذا الاقتراح عملي أم أن الوقت قد فات؟
د.أحمد مجدلاني
كاتب فلسطيني ـ رام الله المحتلة
أعلى

نحـن و(الغـرب)
يعكس الكلام عن الوعي العربي بالغرب (عنواناً
عاماً) تحجيمية لإشكالية متناهية التعقيد، ذلك أن التحدث عن الغرب
من قبلنا يعكس قبولاً عربياً ـ إسلامياً وانضواءً متصاغراً تحت مظلة
المعايير الغربية ذاتها. وقد كان هذا المعيار الاعتباطي متناهي الشمولية
واحداً من أهم أعمدة نقد الاستشراق الذي بدأ حملته المفكر الراحل
إدوارد سعيد، والأدب. في كتابه، الاستشراق، كما هي الحال في بقية
كتبه، تغطية الإسلام والثقافة والإمبريالية وسواها، ذهب سعيد إلى
أن مفهوم التناقض أو التنافر بين كيانين، الأول غربي مسيحي، والثاني
شرقي ( مسلم على نحو خاص )، هو من معطيات التفكير الغربي المتجذر
في الارتطام التاريخي القديم بين الإمبراطوريتين الإغريقية والفارسية
، ذلك الارتطام الشرقي ـ الغربي الذي وجد ذروته الحقيقية في الفتوحات
الإسلامية المبكرة التي هزت ما يسمى بـالعالم المسيحي بعد انطلاقها
بأعوام قليلة. المهم في هذه المداخلة البسيطة هو التكهن بأننا -
حتى عندما نتحسس الكيان الآخر - فأننا نضطر إلى التسليم بمبادئ ومنطلقات
كنا قد استعرناها واستقيناها من ثـقافة الآخر المغايرة والتي ندعي
بقدرتنا على التحاور معها ( أو مقاومتها ) على نحو ندّى متماد بالتـفاؤل.
ثمة ملاحظات عامة يتوجب عدم التغاضي عنها ضمن هذا السياق من المداخلات.
إن التشبث المندفع بمفهوم شرق - غرب من قبل المفكر العربي المعاصر
يضمن للفكر الغربي ولأجهزته الثـقافية والحواسية (التي تراقب ثـقافتنا
عن كثب) الاطمئنان إلى أن الثـقافة العربية لم تزل متمسكة بتصنيفات
لم تعد واقعية على نحو تام. فنحن لم نزل متشبثين بمفهوم الغرب التحجيمي،
بوصفه النقيض أو القطب المتنافر ضد تطلعاتنا، وفي أحيان كثيرة، بوصفه
العدو الذي لا همّ له سوى التفكير بنا (وليس ببقية الأمم الشرقية
كالصين أو الهند أو اليابان). ولكن على الرغم من أن هذا المفهوم
لم يعد موجوداً فعلاً بسبب التناقضات الغربية ذاتها، فان المفكر
العربي المعاصر، متمثلاً بما يسمى بالانتلجنسيا العربية التي تعاني
من إشكاليات عدم الاتساق والتجانس، يعبر من آن لآخر عن عجز في التمييز
بين كيانات ثـقافية وحضارية أخرى نميل إلى وضعها في سلة الغرب حباً
بالتبسيط، وهو تبسيط تحجيمي مُخل في هذه الحال. ويمكن لجيلنا الاستفهام
من الجيل السابق له للتأكد من أن الغرب كان يوحي بأوروبا الغربية
الإمبراطورية حتى ما بعد أواسط القرن الماضي،إذ دخلت الولايات المتحدة
الأميركية كجزء منه، فاصلةً الاتحاد السوفييتي السابق وكتلته الاشتراكية
بوصفهما شيئاً آخر.
وعلى الرغم من حديثنا عن الانتلجنسيا العربية بوصفها كياناً ثـقافياً
واحداً، فإننا في حقيقية الحال نغض الطرف عن عدد لا بأس به من التناقضات
والاختلافات، وهي اختلافات تتجاوز المعتـقد الإيديولوجي نحو زوايا
النظر إلى ما نطلق عليه لفظ الغرب. ويتجسد واحد من هذه الاختلافات
في أن الشعور الوسواسي بالاضطهاد والقهر الأجنبي قد أدى بنا إلى
ارتباك الرؤية بناءً على تنوع النفوذ والسطوة الإمبراطورية تجاه
بقاع البلدان العربية المختلفة. ففي الجزائر وتونس، مثلاً، تعني
كلمة الغرب فرنسا على نحو خاص. بينما توحي الكلمة ذاتها بـبريطانيا
تخصيصاً في أجزاء كثيرة من المشرق العربي. ويزداد الأمر تعقيداً
إذا ما لاحظنا انه حتى الستينيات من القرن الماضي كان الغرب بالنسبة
لليبيين هو إيطاليا، وإسبانيا بالنسبة للمراكشيين، وهكذا. وعندما
تعلن إسرائيل عن وجودها بدعم أوروبي ومن ثم أميركي، يسارع عدد من
المفكرين العرب إلى اعتبارها غرباً كذلك. ويزداد الارتباك على نحو
ملموس عندما تبرز حضارات لا غربية جغرافياً ولكنها قادرة على منافسة
أو بز المنتج الغربي (الثـقافي أو الصناعي). وهكذا يحتار المفكر
العربي كثيراً عندما يأتي الأمر إلى التصنيفات، ويحاول أن يطبق معاييره
القديمة المحدودة على اليابان وعلى أنموذجها الثـقافي والتقني المتسرب
إلينا عبر ما نستورده منها من تـقنيات وأدوات ومكائن وحتى أفلام
وصور متحركة، بدرجة انك تخفق في تعداد هذه المنتجات اليابانية المتطورة
والتي تحتاجها يومياً في بيتك. وتنطبق ذات الحال على كيانات جديدة
تعلن عن نفسها ومنتجها في صراعات التجارة والتنافس الثـقافي، خذ
مثلاً استراليا ونيوزيلندا وكندا وجنوب أفريقيا وغيرها.
ولكن على الرغم من محاولات التعميم التي يمارسها المفكر العربي من
حين لآخر، واعتماداً على المعيار الديني المتجذر في العصر الوسيط،
فانه يخفق كثيراً عندما يضع الثـقافة الفرنسية في ذات السلة مع الأميركية،
متناسياً الصراع القوي المحتدم بين الثـقافتين وغاضاً النظر عن أن
الثـقافة الفرنسية أو الألمانية نفسها تخشى وتقاوم الغزو الثـقافي
الأميركي. وهذا الميل إلى الارتكان إلى تصنيف (غرب - شرق) يتعامى
عن هذه الاختلافات الكبيرة بين الثـقافات التي نطلق عليها عنوان
(غربية) بعجالة وتعميمية متناهية. التاريخ يحدثنا عن ثـقافة قومية
شوفينية ألمانية تختلف تماماً عن بقية ثـقافات اوروبا الغربية، وهو
اختلاف أدى باوروبا إلى حربين كونيتين لم يشهد لهما التاريخ مثيلاً.
إذن، كيف يمكن أن نقول إن ألمانيا هي (غرب) بنفس الدلالة التي نعمم
بها كلمة غرب على بريطانيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة الأميركية
؟
لا ريب في أن الثـقافة العربية المعاصرة بحاجة ماسة إلى التمييز
بين تنوعات ومتغيرات الثـقافات في سبيل فهمها ورصدها، بل كذلك كإجراء
يرنو إلى المناورة من خلال استثمار الخلافات الثـقافية والمادية
والمنافسات الغربية ذاتها. وهذا أمر مهم في حيوية ثـقافتنا ذلك أننا
يجب أن لا نحول كلمة (غرب) إلى عقدة نفسية وسواسية، بقدر ما ينبغي
أن نحاول الاستفادة من الأوجه المختلفة للثـقافات الغربية المتنوعة.
لا تخفق أية نظرة متعمقة من نقطة مرتـفعة على السطح العام لتضاريس
الفكر العربي المعاصر وتياراته السياسية الفاعلة في تلمس إخفاق الرؤية
هذا، وفي مسألة تباين المواقف من الغرب، بوصفه محكاً من محكات المناظرات
والمداخلات والجدل الساخن الذي يجري كل يوم هنا وهناك عبر بقاع وطننا
العربي الكبير. ذلك أن المسألة بالنسبة إلى الفكر العربي المعاصر
( في أغلب اتجاهاته الفاعلة ) تختلف كثيراً: فقضية الموقف من الغرب
(كما نتخيله) أصبحت جزءاً من هوية بعض الاتجاهات الفكرية المعاصرة
لهذا السبب لا يبارح المرء الحقيقة عندما يذهب إلى الفصل بين اتجاهين
رئيسيين في خارطة الفكر العربي المعاصر (استنادا إلى قضية الموقف
من الغرب )، وهما: الاتجاه الانغماسي والاتجاه الانكماشي . ولكن
الأستاذ الدجاني يفوته التمييز بين هذين الاتجاهين واتجاه ثالث تتمثله
بعض الحركات الفكرية والسياسية العربية، وهو الاتجاه الانتقائي المتحرر
نسبياً من عقدة الغرب الشائكة.
إن هناك من الأفراد ( وأحياناً الجماعات الفاعلة ) من يؤمنون بان
التـفوق الغربي المذهل هو الذروة الأخيرة للحضارة البشرية، بسبب
ما قدمته هذه الحضارة من مبتكرات مادية ساهمت في جعل الحياة أسهل
وأكثر رفاهاً، متناسين الأثمان الباهظة التي يتوجب على الأمة دفعها
من تطورها ومستقبلها مقابل هذا الإذعان والانجراف نحو كل ما هو غربي.
إن هذه العبودية العمياء للفردوس الغربي لها مضار عميقة، ذلك إن
انطلاقها من التيقن بان الحضارة الغربية إنما هي الذروة التي لا
يمكن أن تُبز تفرض على الإنسان العربي حالة من النكوص واستلاب الإرادة
على نحو ينذر بالخطر. ومن ناحية ثانية، يعبّد هذا التيقن الطريق
أمام الأجيال العربية إلى التخلي عن تراث الأمة على نحو تام، بوصفه
أثراً طللياً لا مجدياً وغير مّولِد.
وكانت من أخطر وأسوأ نتائج التمادي بعبودية المنجز الغربي المادي
- النفعي أن برز على سطح الثـقافة والسياسة العربية المعاصرة التيار
الانكماشي الذي كانت استجابته لمعطيات الحضارة والفكر الغربي استجابة
معقدة متحسسة ترتكن إلى كره كل ما هو غربي وغير محلي. وبرغم إيجابيات
هذا التيار في مقاومة الغزو التجاري والثـقافي للموروث وللمحلي وللأصولي
بغض النظر عن السلبيات وبدون انتقاء واستلال للإيجابي من هذا التراث
الثر الغائر في القدم، فان هذا التيار يرنو - على المدى البعيد -
إلى أن يعيش العرب في جزيرة منفصلة عن العالم، جزيرة لا تغسل جرفها
وهواءها تيارات التقدم والتغير التي تعصف ببقية أجزاء العالم. وهذا
حلم غير مجد. وبدلاً من تقديس آلهة الغرب، ذهب هؤلاء إلى تقديس الموروث
والماضي على نحو متعام بغض النظر عن السلبي والضار في هذا الموروث.
وهكذا أخذ هذا التقديس المستكين لكل ما هو قديم يعيد الحياة للسالب
وللتشرذم الطائفي والإقليمي والقبلي؛ وهذه نتائج لا تخدمنا ونحن
في الألفية الثالثة. لقد حبس هذا التيار نفسه في صومعة لا تطل على
عالم اليوم، ولا تستشرف المستقبل في عالم المنافسات والمسابقات والحوارات
التي تعصف بالأمم المتشبثة في أن تجد لنفسها موطئ قدم في بناء عالم
جديد وهوية ثـقافية خاصة. وهكذا ظهرت دعوات ساذجة ( برغم تقديسها
للمحلية ) تستدعي التندر والأسف أحيانا، وهي دعوات إلى إحياء كل
ما هو قديم حتى وإن كان من إفرازات تراجع ونكوص الأمة. وهكذا كان
رد الفعل نحو الاندفاع إلى الغرب معاكساً في الاتجاه ومساوياً في
القوة، في تقديس المتوارث إلى حد تمجيد السالب منه وإحياء العادات
والتقاليد البالية.
وهنا لا ينبغي أن يفوتنا ذكر التيار العقلاني الذي يرتكن إلى عدم
إغلاق الأبواب أمام التقدم الحضاري والتقني في ذات الوقت الذي يحاول
فيه اعتصار الإرث الثـقافي القومي والروحي على سبيل إستحصال الإيجابي
المفيد منه لإضاءة المستقبل من خبرة التاريخ. وهو بذلك أكثر انتقائية
من التيارين الآنف ذكرهما. هذا هو التيار الذي تتوجس منه الإمبراطوريات
الغربية لسببين: أولهما: عدم سكونيته ورضوخه الذيلي لمعطيات التقدم
المادي والتقني الغربي وثانيهما: رفضه لزنزانة التقليد المتعامي
وغير الموِلد مستقبلياً. التجربة وليس التعامي هي المعيار والأنموذج
الفكري الذي يحدد مسارات هذا التيار الفكري القومي الذي يرنو إلى
أن لا تتخلى الأمة عن إرثها التاريخي المفيد في ذات الوقت الذي تحاول
فيه تعريف دورها في عالم اليوم كأمة تستحق الوجود والحياة. وعلاقة
هذا التيار بالماضي علاقة لا سكونية لأنها تحاول تحويل الماضي إلى
درس، درس فلسفي وتربوي ومستقبلي. كما أن علاقة التيار الانتقائي
العقلاني بالمستقبل هي علاقة ذكية متوهجة تحاول كنه سر التقدم المادي
والعلمي الغربي على سبيل الإفادة منه وتجنب سلبياته ومنزلقاته المهلكة.
إن محاولة استيراد أدوات الإنتاج من الغرب هي فكرة ذكية لأنها لا
ترنو إلى مجتمع استهلاكي يكتفي بالتمتع قصير النظر بالثروات القومية
الناضبة، كما أن محاولة استيراد أدوات إنتاج وسائل الإنتاج ذاتها
هي عملية صعبة محفوفة بالمخاطر لان الإمبراطوريات الغربية ترقبها
بدقة ولا تسمح بها، فهي سر التقدم والتحول من عالم التخلف إلى مصاف
العالم المتقدم.
هذا، برأيي، هو التيار الفكري القومي الذي تخشاه الإمبراطوريات الغربية،
لأنها ترى من خلال أجهزتها الحواسية ومراقب الرصد فيها انه التيار
الذي، إذا ما ساد في الأمة، يمكن أن يحقق لها نقلة نوعية تنتشلها
من الاستهلاكية الذيلية لتحيلها إلى حافة المبادرة التقدمية. ولا
تتردد الإمبراطوريات الصناعية المتفوقة قط في إعاقة هذا التيار الفكري
فكراً وجهازاً إدارياً إذا ما حقق السيادة في الأقطار العربية.
أ.د. محمد الدعمي
باحث عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى

الشرق الأوسط الكبير
كان الإرهابي شمعون بيريز، صاحب مجزرة قانا،
وأسلحة الدمار الشامل الصهيونية، وجائزة نوبل للسلام في الوقت ذاته؟؟!
ممن دعوا إلى إقامة شرق أوسط جديد يكون الكيان الصهيوني مؤسساً فيه
وجزءاً عضوياً منه، وذلك على أنقاض جامعة الدول العربية التي سماها
جامعة الكراهية وطالب بتدميرها.. لكن مشروعه ذاك لم ينجح، وسُحِبت
الشرق أوسطية من التداول مدة من الزمن لأن أهل المنطقة لم يرحبوا
بها وعرّوا أهدافها. واليوم بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق
والتخطيط لاستمرار التدخل والتوسع في بلدان عربية وإسلامية أخرى
على صُعد ومستويات، شتى نقف على عودة ذلك المشروع الإمبريالي ـ الصهيوني
باسم: الشرق الأوسط الكبير وفق أحدث الطبعات الأميركية له، وقد غدا
معتمَداً من واشنطن بعد تطوير استراتيجي له وتوسيع لمداه الجغرافي
ليشمل دول المنطقة العربية وبعض الدول الإسلامية: تركيا وباكستان
وإيران وأفغانستان.
وقد أدرجته الدولة الإمبريالية الأولى على جدول أعمال الدول الثماني
الصناعية الكبرى، مستبعدة الأمم المتحدة، لتناقشه في سي أيلاند بالولايات
المتحدة يوليو 2004 بوصفه فرصة استثمارية لتلك الدول من جهة وقضية
أمنية خطيرة من جهة أخرى. وربما يصبح المشروع مشروعاً لتلك الدول
جميعاً إذا تمكنت الولايات المتحدة من زجها في مشروع إمبريالي بهذا
الحجم، وإلا فهو مشروع استعماري أميركي خاص لن يعيق تنفيذه أحد.
ومن الطبيعي ألا يكون المشروع مطروحاً على العرب والمسلمين للمناقشة
أو لتحديد موقف منه وإبداء رأي فيه، لأنه يستهدفهم بالكامل في إطار
حرص الذئب على الحَمَل وهو برنامج إنقاذ على الطريقة الأميركية يهدف
إلى المحافظة على مصالح الولايات المتحدة الأميركية وأمنها القومي،
وواشنطن لا تستشير عرباً ومسلمين في شؤونهم ومصيرهم فهم مستباحون
بسبب الضعف والعجز والتمزق، وقاصرون من وجهة نظرها يجب أن يخضعوا
للوصاية على نحو ما، ومعوَّقون لأسباب كثيرة، ومتخلفون لا يعرفون
سوى الكراهية؟! ولذا تعاملهم بوصفهم أعداء للحضارة والدول المتقدمة
ولما تراه مصلحتها ومصلحة حليفها العضوي الكيان الصهيوني، وتفرض
عليهم ما تريد بالقوة إذا لم يفلح الترهيب والترغيب؟!
مشروع الشرق الأوسط الكبير هذا يرمي إلى إعادة استعمار المنطقة بذريعة
النهوض بها والقضاء على الإرهاب الذي يعشش فيها، ووقف تهديد الدول
الصناعية المتقدمة بالهجرة غير المشروعة القادمة منها، والمحافظة
على الأمن والمصالح الحيوية للولايات المتحدة وحلفائها الذي يهدده
الوضع غير الديموقراطي في الدول العربية والإسلامية كما تقول.. فالديموقراطية
ضمانة لعدم الاعتداء ؟! أما العدوان الأميركي المستمر والاحتلال
الصهيوني المدمر فهما نتاج ديموقراطية من نوع أبوي فوقي متعال رحيم
لا يقوم إلا بالإبادة الروحية والخلقية والجسدية ولا يفرض إلا التبعية
ولا يرمي إلا إلى محو الشخصية وايجاد الفوضى العارمة لمن يحل بأرضهم؟!.
والطريق التي ترسمها الولايات المتحدة الأميركية لتحقيق مشروعها
الإمبريالي الضخم تمر عبر: إعادة ترتيب الشؤون الثقافية والاقتصادية
والسياسية والاجتماعية والجغرافية والدينية للعرب والمسلمين بما
يعزز الاحتلال المباشر وغير المباشر لأرضهم وعقولهم وإرادتهم، ويجعل
الكيان الصهيوني جزءاً عضوياً أبدياً في المنطقة، وشريكاً مهيمناً
عليها، ورائداً في رسم مستقبلها والسيطرة على مصيرها ونهب ثرواتها
ومنعها من التقدم في أي مجال.
إن عودة هذا المشروع اليوم على عكاكيز عربية منها تقرير التنمية
الإنسانية لعام 2002 الذي وضعه باحثون عرب في إطار الأمم المتحدة،
لا يعني على الإطلاق أن الوطن العربي بساسته ومفكريه وباحثيه ومثقفيه
وقواه الحية كلها قد عجز تماماً عن الرؤية والإدراك السليمين لأوضاعه
واحتياجاته وسبل الخروج من أزماته، وسلم بالمنطق الإمبريالي الأميركي
و حلوله وذرائعه أو استسلم له وللفكر الصهيوني الشرير اللذين يتهمان
الإسلام بتفريخ الإرهابيين، كما يتهمان أتباعه بالإرهاب والكراهية
وغير ذلك من التهم التي يحفل بها القاموس الأميركي الصهيوني الذي
يفيض حقداً وكراهية ويتهم الآخرين بالحقد والكراهية. يقول الميزان
تروبLA Misanthrope جورج بوش: .. ذلك أنه في الشرق الأوسط يجد المرء
الكراهية والعنف الذي يمكن العداء من تجنيد القتلة، ولا يرى الرئيس
القتلة الصهاينة المحتلين الذين يداهمون الناس في أماكن سكناهم وهم
نيام ويدمرون البيوت على من فيها في غزة وسواها من المدن والقرى
الفلسطينية، وقد أطلق الرئيس فضائية بالعربية في 14 فبراير 2004
ورصد لها 62 مليون دولار في السنة الأولى لترد على ما سماه رئيس
مجلس محافظيها كينيث توم لينسون: أصوات الكراهية ؟! وما أصوات الكراهية
في الواقع سوى أصوات أميركية صهيونية عنصرية تنطلق من رؤية مرضيّة
متعالية معلنة ضد العرب والمسلمين، وتقوم باستهداف تام لهم ولثقافتهم
ومصالحهم وعقيدتهم الدينية الإسلام، الذي تتهمه الولايات المتحدة
الأميركية بتفريخ الإرهابيين وتتهم أتباعه بالإرهاب والكراهية وغير
ذلك مما يحفل به قاموسها البغيض الذي ينبع من قوة تعميها الغطرسة
كما يعميها الادعاء المضحك بتكليف إلهي هو أسوأ ما يقدمه عقل مشوش
للعالم في القرن الحادي والعشرين من ادعاءات فارغة من أي مضمون وعامرة
بكذب وعدوان يقومان بالإرهاب والقتل والاحتلال والتدمير وتشويه الوقائع
والحقائق ويتهمان الآخرين بتلك الأعمال؟!
واللافت للنظر أن طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير يتواكب من جديد
مع دعوة تجر الصهيونية اوروبا إليها وتجعل ساستها يتسابقون على الندب
واتهام الذات تحت ما يسمى العداء للسامية مع إعادة تفسير وتصدير
لهذا المصطلح، وحشد ثقافي وإعلامي وسياسي خلفه في عملية استنفار
بدأها المؤتمر اليهودي في القدس عام 2003 حين خرج على العالم بمقولة:
إن من يعادي إسرائيل يعادي اليهود ومن ثم يعادي السامية؟ من أجل
دعم المجرم شارون والتغطية على ممارساته النازية، وقد أصبح ذلك اليوم
نهجاً عاماً يحاولون تصديره من اوروبا ضد الوطن العربي والعالم الإسلامي،
لأن المقاومة للاحتلال الصهيوني أصبحت، من وجهة نظرهم: معاداة للسامية
وفق مقولات آخر مؤتمر عقد في اوروبا لهذا الغرض وتحدث فيه رومانو
برودي ممثل الاتحاد الاوروبي عن شكل جديد من العداء للسامية هو معاداة
إسرائيل وتهديدها، ويعني بذلك المقاومة الفلسطينية واللبنانية للاحتلال
بكل أشكالها.. وذهب صهيوني فرنسي في مؤتمر مثقفين يهود، هو مويزي،
إلى أن القنابل البشرية الجديدة التي تعتبر من أكثر الأسلحة فتكاً.؟!
وعلينا ألا نستغرب مطلقاً اتهام العرب والمسلمين بحيازة أسلحة أشد
خطورة من أسلحة الدمار الشامل هي القنابل البشرية التي تستوجب استخدام
أسلحة الدمار الشامل الأميركية والإسرائيلية لمواجهتها وإقامة توازن
استراتيجي معها؟!. منطق عجيب!!.
لم يأخذ أحد من الذين يروجون للشرق الأوسط الكبير وللشكل الجديد
من معاداة السامية بالمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ ست
وخمسين سنة تحت النفي والاحتلال والإبادة والتشرد، ولا ما عانت وتعاني
منها الأمة العربية من استنزاف جراء العدوان الصهيوني ـ الأميركي
المستمر، ولم يفكر أحد بطرح أسباب المحنة والتخلف والعنف في الوطن
العربي من زوايا تتعلق بالظلم والاحتلال والقهر الناتج عن استمرار
هذا الوضع والاتجار به حتى سياسياً، ولا بالأسباب التي جعلت نتائج
استطلاع الاتحاد الاوروبي عام 2003 تشير إلى أن إسرائيل هي التي
تشكل الخطر الأول على السلام العالمي وتليها الولايات المتحدة الأميركية..
لم يقل ذلك أحد ولن يقوله أحد لأن فن قلب الحقائق وتحميل الآخرين
مسؤولية الكوارث التي يُلحِقُها أبناءُ الرب وشعبه المختار!؟؟ بالبشرية
يجب أن تقع على الغوييم لأنهم يعكرون صفو أبناء الرب باختلافهم عنهم
ويستثيرونهم بذلك الاختلاف إلى الحد الذي يضطرون معه إلى إبادتهم.؟!.
فأبناء الرب وشعبه المختار لا يخطئون؟!. وهذا ما يجعل العرب والمسلمين
هدفاً الآن وفي المستقبل لأن أبناء الرب وشعبه المختار يريدون هدفاً
ويريدون شريراً فينسون أنفسهم ويتهمون الآخرين. والدعوة مستمرة ومتصاعدة
لتحميل المسلمين والإسلام مسؤولية جرائم شارون وبوش؟! فالصهيوني
المثقف غلوكسمان، الذي شارك في مؤتمر للمفكرين اليهود عقد في فرنسا
لبحث عودة ظاهرة العداء للسامية يدافع بحماسة عن ضرورة قيام العالم
الغربي بمعالجة سريعة لما يسميه موجة العدمية التي أصابت الإسلام؟!
وفي رأيه: حتى لو أعاد شارون كل المناطق، الضفة الغربية وقطاع غزة،
وحتى لو قامت دولة فلسطينية، فالغضب والعدمية الإسلامية لن يزولا.
وهي دعوة مستمرة لتسويغ العدوان الصهيوني اليومي على الشعب الفلسطيني،
وحشد التدخل الواسع لمصلحة الكيان الصهيوني ضد العرب والمسلمين،
وتسويغ احتلال العراق وتدميره، والمضي باتجاه ما ينادي اليمين الأميركي
المتطرف ومعه الصهاينة بالقيام به ضمن المخطط الصهيوني الأميركي
ضد بلدان أخرى مثل سوريا وإيران، في نطاق الاستراتيجية الأميركي
الجديدة التي منها الشرق الأوسط الكبير..
وهكذا يجسد اليهودي الشرير نهاية العالم إلى جانب الاميركي الشرير.
ولا معنى عندهم لحقائق على الأرض يأخذ بها بعض الأوروبيين وهي التي
كانت وراء نتائج استفتاء الاتحاد الأوروبي الذي أشرنا إليه وتساهم
في تشكّيُل نظرة الكثيرين في أوروبا، وفق رأي بعض المثقفين اليهود
الذين يرون: أن ما حدث في 11 سبتمبر هو بسبب بوش، لذا فشارون هو
مثل هتلر.. الأوروبيون يكرهون اليهود والأميركيين لأنهم يظهرون أقوياء
ومتغطرسين ولديهم شعور بالتفوق. وحتى اليوم يعتبر الرئيس بوش ورئيس
الحكومة شارون حملة للنبأ السيئ، وقد يتسببان بنهاية العالم. هذا
بالنص قول فريق منهم.. وتتساءل اليهودية سوزان نيمان مديرة معهد
أينشتاين في برلين: كيف سيساعد الإسرائيليون اليهود في وقت رئيس
حكومتهم هو الذي أثار العداء للسامية في أنحاء اوروبا، وهو المسؤول
عن رياح الشر التي تهب فيها خلال السنوات الثلاث الأخيرة ؟. هذا
ليس من عندنا هذا من عندهم.. ولا يقولون هذا من أجلنا ولكن من أجلهم،
إنه يتم في داخل البيت الصهيوني المغلق في إطار مصارحة ترمي إلى
وضع خطة لقلب الأوضاع رأساً على عقب. إنهم مع شارون في الهدف ويختلفون
معه في الوسيلة أحياناً.. بنظر شارون، هذه هي المرحلة الحاسمة في
نشر الصهيونية كما يفهمها هو. ستضم دولة إسرائيل 90 في المائة من
الأراضي الواقعة بين البحر المتوسط والأردن. وبالنسبة إلى العشرة
في المائة الأخرى، الله كبير. وبنظرهم لا بد من الحصول على هذا وعدم
التنازل عن أي شيء، ولكن بطريقة تجعل العرب وليس اليهود مسؤولين
أمام العالم وأمام أنفسهم عن الأسباب والأثمان والمآسي التي تؤدي
إلى هذه النتيجة المطلوبة.!؟
وعلينا ألا نستغرب على الإطلاق إذا انعكس الأمر تماماًً، وفق التخطيط
القائم، وانطلقت أصوات صاروخية عربية لتكيل لأمتها التهم وتحملها
المسؤولية، من منطلقات مضادة لما قاله اليهود الصهاينة، وذلك حين
يصدر التكليف لا سيما بعد المؤتمر الاوروبي الأخير الذي تبارى فيه
الساسة الاوروبيون في الإعلان عن دعم اليهود، وبعد آخر توعد قدمه
الرئيس بوش للمقاومة التي يسميها إرهاباً بأنه يعرف كيف يتغلب عليها
من خلال الرد على أصوات الكراهية، وبعد آخر طبعة أميركية لمشروع
الشرق الأوسط الكبير، وآخر معارضات عربية تتشكل في الإيباك لجنة
الشؤون الأميركية اليهودية في واشنطن؟!
ويبقى السؤال: ماذا نعمل لنواجه الاستهداف المتنامي والمشروع الذي
يرمي إلى إعادة استعمار وطننا وتدمير مقومات شخصيتنا ومصالحنا ونهب
ثرواتنا ووضعنا تحت الوصاية من جديد؟! لا بد من أن نبدأ بأنفسنا
وننظف أيدينا وعقولنا وبيوتنا ومجتمعنا من الفساد والخلل والعملاء
ومن هم أخطر منهم على الوطن والأمة: أولئك الذين لا يعملون ويسؤهم
أن يعمل الآخرون، والذين يحلبون الوطن صباح مساء ويضعون قيمة ما
يحلبون في مصارف الأعداء ويصبحون رهائن لهم يقدمون لهم الوطن وما
فيه ومن فيه. فهل نحن فاعلون قبل فوات الأوان.. والشرق الأوسط الكبير
على الأبواب بأعلامه الأميركية وعلاماته الصهيونية؟! آمل ذلك وأدعو
إلى العمل من أجله.
علي عقلة عرسان
الامين العام لاتحاد الادباء والكتاب العرب
alorsn@net.sy
أعلى
إلى أين تتجه أميركا؟
تدفع سلوكيات وتصرفات الإدارة الاميركية الحالية
على الصعيد الخارجي نحو مزيد من التساؤلات والاستفسارات حول طبيعة
توجهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة ومآربها، وإن كانت جميع
هذه السلوكيات تصب في منحى واحد وهو حدوث تغير ملموس (وربما انقلاب)
في مفهوم السياسة الخارجية وأدواتها لدى الإدارة الحالية. وذلك سواء
مقارنة بالسياسة الخارجية للإدارة السابقة أو بالخط العام الذي حكم
التوجهات الخارجية للولايات المتحدة على مدار أكثر من نصف قرن من
الزمان.
وإذا كانت الخبرة التاريخية الاميركية بشكل عام تفضي إلى ملاحظة
عدم ثبات وتيرة السياسة الخارجية وتعيين خط محدد لمسارها، إلا أن
ما أدخلته الإدارة الحالية ـ اليمينية ـ من تقلبات وانحرافات على
هذه السياسة قد فاق ما هو معهود عنها، وبدا جلياً أن هناك ثمة تحول
مفصلي في الحركة الخارجية للولايات المتحدة، يتطلب معه ضرورة التمحيص
أملاً في استنتاج ما قد تؤول إليه هذه الحركة مستقبلاً. وحقيقة الأمر
فقد يصبح لتقلبات السياسة الخارجية الاميركية منطقها -وليس مبررها-باعتبارها
تتناغم مع حقيقة التفرد الاميركي ـ غير المسبوق ـ بصنع القرار السياسي
العالمي، أو على الأقل التأثير فيه بشكل أكثر قوة عن ذي قبل، ما
يتطلب ضمناً ضرورة تغير أدوات ومفردات هذه السياسة عما كانت عليه
إبان الفترات والمراحل التاريخية السابقة. بيد أن هذا قد لا يعني
بالضرورة أن تتخطى هذه السياسة الخارجية كل الحواجز والمصدات التي
تفرضها قواعد الشرعية الدولية وتقوم عليها الأعراف والتقاليد المعهودة،
على الأقل من وجهة نظر العالم الخارجي. وإذا كانت أحداث سبتمبر قد
شكلت -في وقعها وتأثيرها- لحظة فاصلة وقوة دافعة للتقلبات الحادة
في المزاج الخارجي للولايات المتحدة، فإن ما حدث للعراق كان بمثابة
الإعلان الفعلي عن واقعية هذه التقلبات وثبوتها. وربما يصبح التعاطي
مع سوريا وإيران مثلاً يحتذى به كدليل على حالات التغير المفاجئ
في هذا المزاج بشكل عام.
بيد أن ما يمكن استخلاصه من هذه التقلبات أمرين: أولهما أن درجة
التقلب والتغير في الحركة الخارجية للولايات المتحدة قد لا ترتبط
بدافع معين، أو على الأقل أن تصبح رد فعل لمؤثر خارجي، بل إنها في
الأغلب باتت تأتي بمبادرة ذاتية، وهو ما قد ينسجم مع فكرة الوقائية
التي جدد بريقها صقور الإدارة الحالية، كما سيرد شرحه لاحقاً. والأمر
الثاني هو أن هذه التقلبات وإن كانت تجعل من الصعب الإمساك بخط محدد-توجه
عام يمكن البناء عليه- للسياسة الخارجية الاميركية، خاصة إذا ما
اختلط مفهوم المصلحة الوطنية مع مفاهيم أخرى فكرية وثقافية -وأحياناً
دينية- إلا أن تقلبها في حد ذاته دليل افتقارِ لرؤية عامة تخدم تحقيق
المصلحة الاميركية وتزيد من ضبابية أبعادها، ما قد يعني ضمناً صعوبة
التوقع باستمرار هذا التقلب، ويجبر على العودة للحالة الطبيعية للسياسة
الخارجية. وبادئ ذي بدء فقد انقسم الرأي حول حقيقة التغيرات في السياسة
الخارجية للولايات المتحدة، ففي حين يراها البعض بأنها لا تعدو أن
تكون مجرد تعبيرِ ـ عن تخبط آني في الرؤى والأفكار، وبالتالي في
الأدوات، ناجم -في الغالب- عن تطرف الفكر المسيطر على عملية صنع
القرار الاميركي في الفترة الحالية، وسرعان ما سيزول بخروج الإدارة
الحالية من البيت الأبيض. يراها البعض الأخر بمثابة نهج جديد وحقيقة
واقعة ستضطر أي إدارة تحل بالبيت الأبيض مستقبلاً -حتي ولو كانت
غير يمينية- للاعتراف بها والتكيف مع متطلباتها، ما يعني ضمناً استمرار
حال التقلب وعدم الثبات في الحركة الخارجية الاميركية باعتبار أن
ذلك يشكل في حد ذاته أداة جيدة لتحقيق المصلحة الاميركية كما يعتقد
أنصار هذا الرأي. وبغض النظر عن صواب هذا الرأي أو ذاك فإن ما يهمنا
هو تلك الحقائق التي كشف عنها تعرج الخط العام للسياسة الخارجية
الاميركية، والذي عبر في مجمله عن حدوث خروقات هامة في طبيعة التوجهات
والقيم والمفاهيم التي تحكم هذه السياسة وبالتالي الأدوات المحققة
لها. وباستقراء الواقع نجد أنه منذ أن وطأت أقدام الإدارة الحالية
البيت الأبيض وهناك جنوح ملحوظ في سياستها الخارجية ينبئ بالدخول
في مرحلة جديدة مختلفة كلياً عما كان عليه الوضع من قبل، وذلك بغض
النظر عن وقوع أحداث سبتمبر من عدمه، يدعم هذا القول ما أفرزته خبرة
الأعوام الثلاث الماضية، وما هو متوقع إذا استمرت الإدارة الحالية
في الحكم لفترة رئاسية ثانية. وإذا كان البعض قد يرجع هذا التحول
إلى طبيعة الطاقم الفكري المهيمن على عملية صنع القرار السياسي في
الولايات المتحدة، إلا أن ما أحدثه هؤلاء فاق المتوقع بكثير، يؤكده
تلك المقارنة التي قد تحدث مع آخر تجربة للمحافظين في الحكم والتي
انتهت بإدارة الرئيس بوش الأب، والتي التزمت إلي حد بعيد بالقوالب
الثابتة (نسبياً) للسياسة الخارجية الاميركية. وعليه لم يكن صعباً
أن يستشف البعض أو يتوقع حدوث تغيرات جوهرية في التوجهات الخارجية
للولايات المتحدة، فإن لم يكن نتيجة لتطورات الأحداث العالمية وتواترها
والتي شكلت أحداث سبتمبر وهجها المتلألأ، فنتيجة لحال الانفرادية
والانعزال (الإرادي) الذي أفرزته البيئة الفكرية لطاقم بوش.
وتبقى هناك أهمية قصوى للتعرف على ما أفرزته الطبيعة الفكرية لطاقم
الوزراء ومساعديهم وجوقة المستشارين الذين اختارهم بوش لمساندته
في حكم أميركا، باعتبارها نقطة هامة في التعرف -والتنبؤ- بمصير ومستقبل
السياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال المرحلة القادمة خاصة إذا
ما استمر هؤلاء لفترة ولاية جديدة كما هو متوقع. ولكن قبل الخوض
في ذلك تجدر الإشارة سريعاً إلى أن الإطار العام الذي يحكم توجهات
الإدارة الحالية، ويحدد بالتالي حركتها الخارجي، يصطبغ بالطابع الواحدي
في التفكير، وذلك دون النظر لأي مؤثرات داخلية (كالرأي العام) أو
خارجية (كالمجتمع الدولي)، ما قد يبرره البعض من صقور الإدارة بكونه
أولى ضرائب تدشين فكرة القرن الاميركي الجديد التي خطفت ألباب هذه
الإدارة، وما زالت تسيطر على تفكيرهم.
وبالمنطق التحليلي فقد أفضت تلك الطبيعة الفكرية إلي بروز ثلاثة
مبادئ أساسية اعتنقتها الإدارة الحالية أصبحت بمثابة قاعدة انطلاق
رئيسية لأي تحرك خارجي أميركي آني، ومستقبلي. لعل أولها هو الإيمان
القوي بسمو المصلحة الاميركية على ما سواها، وإذا كان هذا مبدأ ثابتاً
في السياسة الخارجية لأي دولة، إلا أن حدته تزداد وضوحاً في الحالة
الاميركية باعتباره يضيق من مفهوم المصلحة لدرجة تجعل من أي تبرم
أو تجهم من هذه المصلحة بمثابة جرم لا يُغتفر، فضلاً عن ضعف وضبابية
الحجج المقنعة اللازمة لتبرير هذه المصلحة.
وإذا كان هذا النهج يشكل طابعاً مميزاً للشخصية الاميركية بشكل عام،
إلا أن الإدارة الحالية أكسبته أبعاداً جديدة يتخطى التفسير المعتاد
للمصلحة القومية. فهذه الأخيرة بالنسبة للإدارة الاميركية مرادف
للانفرادية والاستعلائية Superiority وذلك بحجة تحقيق الصالح الاميركي،
حتي وإن تطلب ذلك المبادرة بالهجوم، أو ارتبط باستخدام واقعي للأداة
العسكرية بشكل قد يثمر في تحقيق هذا الصالح، وذلك إلى الحد الذي
تقدمت فيه هذه الأداة على ما سواها من الأدوات المعهودة في السياسة
الخارجية كالأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية. بكلمات أخرى
فقد انطوى تحقيق المصلحة الاميركية على التخلص من أي عائق قد يُشك
في تهديده -وليس مجرد وجوده فقط- ولو من وراء حجاب لمثل هذه المصلحة.
وعليه تصبح أرجاء الكون كلها مستهدفة أميركياً ولا يُنجي من ذلك
سوي الانصياع والتوافق مع تلك المصلحة، حتي ولو على حساب مصالح الشعوب
الأخرى. ويتمثل المبدأ الثاني الذي تستقي السياسة الخارجية للولايات
المتحدة حركتها منه في فكرة التدخلية الإجبارية Obligatory Intervention،
وهي تقوم في جوهرها على الاقتناع بأن العالم الخارجي ما هو إلى فناء
خلفي للولايات المتحدة، وكل ما يحدث فيه يخص الولايات المتحدة بشكل
أو بآخر (البقعة العربية مثالاً). ويحتم هذا المبدأ على الولايات
المتحدة التدخل في مختلف القضايا العالمية سواء بالسلب أو الإيجاب،
وذلك انطلاقاً من احتمالات تأثير هذه القضايا على المسيرة العالمية
للولايات المتحدة. وفي هذا الخصوص فقد لا تعبأ الولايات المتحدة
كثيرا بانتقادات المجتمع الدولي لها، سواء ككتلة واحدة (الأمم المتحدة)،
أو كدول فرادى. وتعد حالة العراق مثالاً قوياً على مثل هذا التوجه،
في حين يمثل التهديد الاميركي لسوريا وإيران وكوريا الشمالية حلقات
أخرى فيه. وربما يرتبط هذا المبدأ بشكل نسبي مع ما سارت عليه الإدارة
الاميركية السابقة في عهد بيل كلينتون، بيد أن الدافع في كلا الحالين
مختلف، فهو لدى الإدارة السابقة كان انطلاقاً من الإحساس بالمسئولية
الدولية -الأخلاقية- للولايات المتحدة (في المستوي المنخفض لها وبما
يخدم المصلحة الاميركية العليا)، فضلاً عن اتساقه مع الشرعية الدولية
التي تمثل الأمم المتحدة حاضنتها الأساسية، أما في حال الإدارة الحالية
فهدفه الأساسي إعلاء الصوت الاميركي واعتبار رأي الولايات المتحدة
بمثابة مرجع أساسي لحل أي معضلة دولية، وذلك بغض النظر عن موقف الأمم
المتحدة، (خريطة الطريق، وقضية السلام في السودان، ليبريا). بيد
أن هذا المبدأ يتطلب حنكة ومهارة حتي لا يأتي بعكس ما هو مأمول منه،
فهذا المبدأ فضلاً عن كونه يدفع بالولايات المتحدة باتجاه التورط
في قضايا تتعدى حدودها القومية، فإنه أيضا قد يشكل مأزقاً عملياً
لها، خاصة إذا لم يقم على حسابات دقيقة، وهو ما قد ينعكس سلباً على
المصلحة الاميركية ذاتها، والتي كانت بالأساس هي الدافع وراء هذا
التحرك (المقاومة العراقية حالة استرشادية). أما المبدأ الثالث فهو
ذلك المتمثل في اعتماد نهج السيولة الميوعة الموقفية Situational
Liquidity والتي تعني إجمالاً عدم الاتفاق على شكل محدد للعلاقة
مع الأخر، وذلك بغض النظر عن طبيعة هذا الآخر وبيئته سواء أوروبية
أو عربية أو آسيوية. فها هي العلاقات الاميركية الأوروبية تمر بأسوأ
فتراتها التاريخية فتوراً وانكماشاً، ليس لجنوح الإدارة الحالية
فحسب، وإنما أيضا لتجاهلها للرصيد التاريخي الهائل للعلاقات مع أوروبا
والاستعداد للتضحية به تحت أي ظرف دولي (كما حدث في حالة غزو العراق).
وإذا كان من الصعب الجزم بحدوث قطيعة في مثل هذه العلاقات إلا أنها
أوجدت حالة جديدة من القلق الأوروبي تجاه النوايا المحركة للولايات
المتحدة. وأفضت إلى اتساع فجوة عدم الثقة المتبادلة بين جبهتي الأطلسي.
وهو ما حدا بالبعض إلى القول بصعوبة عودة هذه العلاقات إلى سابق
عهدها. ودون الخوض فيما أسفرت عنه هذه المبادئ من نتائج وتداعيات،
تجدر الإشارة إلى أن الإدارة الحالية قد أحدثت بالفعل تغيراً ملموساً
في أدبيات السياسة الخارجية الاميركية، يختلف عما هو معهود عنها
بوجه عام.
خليل العناني
كاتب ومفكر مصري
KANANY2000@YAHOO.COM
أعلى