
باختصار
(كتائب شهداء الاقصى)
من الصعب قلب المقاييس السائدة بين المنظمات
الفلسطينية لا من حيث نشوئها ولا من حيث تركيبتها ولا بمستوى ادائها
والأهم ببقائها الذي يطيل عمرها، واذا ما درسنا جيدا قيام التنظيمات
الفلسطينية فنحن لن نكون امام تفاوت في المفاهيم والمنطلقات بقدر
ما سنكون امام تجارب يمكن تلخيصها في تجربة واحدة، اعني بها قتال
اسرائيل.
بمثل هذا الفهم نستطيع ان نتدخل في شؤون التنظيمات الفلسطينية التي
لا نشك بأن حركة (فتح) عمودها الفقري، كانت ومازالت اكبرها واكثرها
تأثيرا وحضورا اضافة الى عمرها الذي يقترب من الاربعين عاما وكان
في محصلة دورة شاملة للممارسة الوطنية الفلسطينية مهما تداخلت عناصر
سلبية في تلك الممارسة.
والتدخل في الشأن الفلسطيني لا يسمح بالوصاية عليه ففي كثير من الاحيان
تكون الايماءة وحدها خير تعبير عن موقف فيما لا يكون الصراخ حول
قضية او معنى يحمل دلالات عميقة، أو يسلط الضوء على تلك الدلالات.
ان الحديث عن انهاء وجود (كتائب شهداء الأقصى) على سبيل المثال وهو
مثار ما تفتقت عنه اجتماعات المجلس الثوري لحركة (فتح) يشبه الى
حد بعيد من يقذف النار الى بيته او من يضرم النار في ثيابه .. من
السهولة اصدار قرار من هذا النوع، بل من الاسهل الحديث عن قرار من
هذا القبيل والتفتيش عن السبل التي تؤدي الى تنفيذه واذا لم تكن
العبرة في التنفيذ فعلى الاقل في المنطلق الذي يؤسس لابشع عملية
داخل الجسم الفلسطيني قد لا يهدد (الكتائب) وحدها وانما الحركة الفلسطينية
التي تواجه اليوم ظروف ابادتها بالتقسيط.
لا نعرف من انشأ (كتائب شهداء الأقصى) مع أننا على علم بظروف انشائها
او على الاقل من خلال الاسم الذي تحمله، وفي الوقت الذي تحولت فيه
تلك (الكتائب) على عجل الى منظمة فاعلة وحاضرة في التركيبة الفلسطينية
فإنما يؤشر الى وجود قيادة مخضرمة لها اضافة الى كوادر مجربة ومدربة
وقد كان لها حضور وفعالية في الساحة الفلسطينية .. بمعنى ان (كتائب
شهداء الاقصى) ولدت من خلال افرادهم في الاصل كوادر طليعية معروفة.
واذا ما تتبعنا مسيرة تلك (الكتائب) لوجدنا الضيق الاسرائيلي منها
كمثل تلك الاشارات الاسرائيلية التي كانت تقول بأن لهذه المنظمة
قيادات خارج الاراضي الفلسطينية وانهم يصدرون الاوامر الى الداخل
عبر اتصالات دائمة ويقومون ايضا بأرسال الاحتياجات الميدانية للمقاتلين
والاستشهاديين وغيره، وكم من مرة اشارت اسرائيل الى ان بعض هذه القيادة
يتخذ من مخيمات لبنان مستقرا له او ربما من المخيمات الفلسطينية
في سوريا، وفي ذلك ما يؤكد ان القيادة الاسرائيلية لها المصلحة الاكبر
في تدمير (الكتائب) وايجاد حل لها اما بحلها أو بإعادة لصقها بالتنظيم
الأم (فتح) او غيرها.
ولكن القضية تتعدى (كتائب شهداء الأقصى) بحيث يبدو وكأن المطلوب
هو تصفية الساحة العسكرية للتنظيمات الفلسطينية من اجل تقوية المنابر
وحدها .. ونكاد نقول ان العمل الفلسطيني تحديدا يحتاج إلى الدوام
على قوى ميدانية عسكرية تحرك السياسة احيانا وبعض الاحيان تتحرك
من خلالها، لكن وجودها ضروري وحاسم ولا مجال للبحث فيه.
مرحلة تنبه هي جزء من كل المراحل الصعبة التي يحتاج فيها التأمل
بالمصير قبل اي قرار مهما كان !
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى
بلا حدود
قضية الجدار
الجدار العازل او الفاصل، يمثل احدى الترهات
او الأباطيل المبتكرة من قبل الكيان الصهيوني لفرض السيطرة، وبسط
النفوذ والتوسع قدر المستطاع قبل حلول عام 2005م والمفترض فيه قيام
دولة فلسطين كما نصت عليه خطة خارطة الطريق المفقودة، وقد بدأت الأيدي
الشارونية بنسج خيوطها التوسعية تحت شعار الدفاع عن النفس ضد العمليات
الارهابية التي يقوم بها الشعب الفلسطيني ممثلا بمنظماته المختلفة
والتي هي بالاصل من اجل الدفاع عن النفس والعرض والأرض ضد من سلبوا
الانسانية كرامتها وعزتها وشرفها في الأقصى الشريف تحت غطاء الولايات
المتحدة الاميركية، وامام المثل، والاخلاق والقوانين التي تدعيها
الامم المتحدة، وغيرها من المؤسسات العالمية الاخرى والتي اصبحت
عرضة للاستهزاء، والاستهتار من قبل من يسمون أنفسهم بسادات العالم،
ورعاة أمنه وسلامته.
هذا الجدار، والذي اصبح اليوم مثار الاهتمام من قبل مختلف دول العالم
بعد ان وصل الى دهاليز محكمة العدل الدولية بلاهاي، ودخل ضمن إطار
القضايا العالمية في مجال القانون وحماية حقوق الانسان، يعد من اخطر
المتغيرات السياسية في الساحة الفلسطينية حيث يمتد لمسافة تبلغ 600
كم واكثر ويضم معها حوالي 25% واكثر من الاراضي الفلسطينية، وهو
بذلك يساعد في زيادة اعداد الفلسطينيين الذين بدون عمل بحكم عدم
مقدرة الكثيرين من سكان هذه المناطق على الوصول الى مزارعهم، وكذلك
المساهمة في الحد من زيادة اعداد المتعلمين لصعوبة وصول التلاميذ
والطلبة الى مدارسهم وكلياتهم الامر الذي قد يؤدي بالبعض منهم مع
مرور الوقت لترك مدارسهم، بسبب ما يلاقونه من معوقات ومشاكل نفسية
وأمنية، ومعيشية وغير ذلك قد يساعد هذا السجن عند السماح به دوليا
على تجرؤ الكيان الصهيوني على الكثير من التجاوزات الخطيرة ضد الاشقاء
في فلسطين ولا نستبعد ذلك في سوريا، والأردن، ولبنان والعراق وغيرها.
اليوم القضية اصبحت في نطاق الايجاز او المنع قطعا بعد أن بدأت محكمة
العدل الدولية جلساتها لمناقشتها واذا اراد الكيان الصهيوني التحجج
بدافع الاحتماء من العمليات الارهابية، فالارهاب الذي تمثله المزعومة
اسرائيل في أراضي القدس الشريف يعد من أعظم الإعمال الاجرامية في
تاريخ البشرية، ويشهد على ذلك محطات التلفزة العالمية التي تقوم
بالتغطيات المتواصلة للأعمال العشوائية لهذا الكيان اللئيم، ومطابع
الصحف العالمية التي جفت محابرها، ونفدت أوراقها لكثرة الاقلام المعبرة
عن انتهاك هذا الكيان لحقوق الشعب الفلسطيني، وعظم التحقيقات الصحفية
التي تتمحور حول هذه الأحداث البشعة التي تجري على تراب الأراضي
العربية الطاهرة.
ومع ذلك فالدور العربي في هذه القضية مطلوب بشكل رسمي وفعال، من
خلال التواجد المستمر في جلسات المحكمة، والمشاركة الدائمة في جلسات
المرافعة، والضغط على مختلف المؤسسات العالمية الساعية لتحقيق العدل
على مستوى العالم في تحري الصدق والموضوعية والحيادية الى جانب الحق
والمتمثل في هدم هذا الجدار وإزالته وتوضيح نقاط الأمن، والسلام
التي تزعمها اسرائيل بأنها لا تمت الى هذا الجدار بأي صلة، وانما
تكمن في الكيان الصهيوني ووقفه لاعمال القتل والاغتيال والتدمير
والتخريب ضد الشعب العربي في فلسطين بمقدساته، وممتلكاته.
وبغير الجدية، والترابط والتعاون العربي على هذه القضية قد تكسب
اسرائيل القضية فيصبح الجدار مقبولا عالميا بعد أن كان مستهجنا كباقي
الاراضي الفلسطينية التي نهبتها حكومة شارون ومن قبل فلمن يكون الجدار
العازل للصهاينة فيعمر ام للفلسطينيين فيكسر ؟؟
سالم محاد جعبوب
أعلى

أصداف
معتقلون عراقيون بأعمار بين الـ13 و99 عاماً
اعترفت قوات الاحتلال الأميركي، أنها تعتقل عراقيين، من أعمار الثلاث
عشرة سنة وحتى التاسعة والتسعين..جاء هذا الاعتراف، ضمن قوائم تضم
في حدود ثمانية آلاف وأربعمائة معتقل عراقي، حسب ما جاء في قائمة الوجبة
الأولى من المعتقلين العراقيين.
ومع أن وجود معتقلين في بلد محتل، مسالة طبيعية، طالما أن هناك مقاومة
يومية، تشن هجماتها ضد القوات الأميركية، وطالما أن الذي يمسك بزمام
الملف الأمني، هو رجل الكابوي الأميركي، إلا أن هناك نقطتين رئيسيتين،
تكشف عنهما القائمة الأولى من المعتقلين العراقيين، لدى قوات الاحتلال
الأميركي، وهما:
الأولى: أن روح المقاومة عند العراقيين، تمتد على مختلف أجيال العراقيين،
فالذي يبلغ عمره تسعة وتسعين عاماً، وتعتقله القوات الأميركية، يعني
أنه شارك في ثورة العشرين، التي قام بها العراقيون ضد الإنكليز مطلع
القرن الماضي، أو على الأقل كان شاهداً على ما حصل لتلك القوات، على
أيدي أبناء جيله والجيل الذي سبقه.
كما أن ذلك، يدلل على أن الكهولة العراقية، ورغم كل آلام الحصار وأخطار
الحروب، لم تمنع الشيوخ من مقاومة الاحتلال، أما بالنسبة لمن عمره
لا يتجاوز الـ (13) عاماً، فهذا يؤكد أن هذا الطفل قد ولد مع بدء الحصار
على العراقيين الذي بدأ عام 1990، كما أنه عاش مرحلة الضخ الإعلامي
الأميركي الواسع الذي تم توجيهه بكثافة عالية على العراقيين، خلال
السنوات الماضية، لكن هذا لم يمنع الصبي العراقي من مقاومة قوات الاحتلال.
الثانية: أن الوجه الآخر للإعلان، الذي يقول ان أعمار المعتقلين تمتد
من الـ 13-99 عاماً، يشير بوضوح إلى أن حالة من الهستريا تسيطر على
قوات الاحتلال، وانعكس ذلك على اعتقال هذه الأعداد الكبيرة، ومن مختلف
الأعمار، لأن كل ما قامت به من حملات اعتقال واسعة منذ بدء الاحتلال
في أبريل الماضي، لم يقلل من الهجمات التي تشنها المقاومة العراقية،
بل ان واقع الحال يؤكد على أنها تحولت إلى هجمات نوعية، تلحق المزيد
من الخسائر بقوات الغزو الأميركي.
لا أعرف أين تقف منظمات حقوق الإنسان في العالم، من هذه الاعتقالات
التي تشمل الأطفال والشيوخ، وما لم يتطرق له التقرير أن بين هذه الاعمار
من المعتقلين النساء أيضاً، ولم توجه للغالبية العظمى من هؤلاء، أي
نوع من الاتهامات المباشرة.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

3 أبعاد
العذاب - 1
لكل الذين يكرهون أميركا أقول: لا تزال لأميركا
ولو فائدة واحدة. ما أن وصل وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد
الى طشقند هذا الأسبوع حتى افرجت السلطات في أوزبكستان عن امرأة
في الثانية والستين من عمرها كانت محبوسة لأنها بكت على موت ابنها.
ولولا زيارة رامسفيلد وضغوط الأميركان لكانت هذه الأم المكلومة فاطمة
مخاضيروفا في السجن مع الأشغال الشاقة لست سنوات، بعد إدانتها في
12 فبراير بتهمة الاحتجاج على موت ابنها مظفر أفازوف الذي تقول جماعات
حقوق الإنسان إنه قتل في السجن في أغسطس عام 2002، بعد أن القاه
حراس السجن في مياه تغلي. وأدت هذه الحادثة الى غليان الدم في شرايين
العم سام الذي تكرهه جماهير عريضة في العالمين العربي والإسلامي.
لكن هذه الجماهير التي تغلي غضبا على أميركا لم تحرك ساكنا لمنع
سلق أفازوف ولم تخرج للاحتجاج على موته ثم لم تطالب حكومة مسلمة
بالإفراج عن فاطمة مخاضيروفا. من الذي احتج ومن الذي ضغط ومن الذي
نجح في الإفراج عن الأم؟ هو نفسه العم سام الرجل السيئ والشرير في
نظر جماهير المسلمين والعرب. الأم وابنها متهمان بالانتماء الى جماعة
حزب التحرير التي تسعى لقيام دولة إسلامية في أوزبكستان. والولايات
المتحدة تعطي أوزبكستان سنويا حوالي 13 مليون دولار سنويا، وحيث
ان عدد السكان في تلك البلاد هو 25 مليون نسمة، فإن واشنطن تعطي
كل مواطن أوزبكستاني حوالي نصف مليون دولار في السنة. غير أن هذه
الأموال تأتي على شكل مساعدات عسكرية لأن أوزبكستان حليف للولايات
المتحدة في الحرب على الإرهاب، وهناك حوالي الف جندي أميركي في اوزبكستان
معظمهم في قاعدة خاناباد الجوية على بعد 125 ميلا من الحدود الأفغانية.
وهناك نوع آخر من المساعدات الأميركية تحصل عليه أوزبكستان يطلق
عليه اسم مساعدات عدم الانتشار النووي لأن أوزبكستان بلد غني برواسب
اليورانيوم. وتضمن هذه المساعدات سلامة هذه المواد النووية وعدم
تسربها الى خارج اوزبكستان. ولكن على وزارة الخارجية الأميركية أن
تصدر في شهر مارس المقبل شهادة للكونغرس الأميركي بأن أوزبكستان
تحترم حقوق الإنسان. وبدون هذه الشهادة سيقطع الكونغرس كافة المساعدات
الأميركية بما في ذلك العسكرية وغير العسكرية منها. هذه ثالث زيارة
قام بها رامسفيلد لأوزبكستان منذ 2001، وبحث الوزير الأميركي أثناء
زيارته ليس فقط المسائل العسكرية والأمنية بل أيضا حقوق الإنسان
وتجارة المخدرات. تكرهون رامسفيلد لأنه يحبس المئات في غوانتانامو
بدون تهم ومحاكمات، أم تحبونه لأنه أنقذ فاطمة مخاضيروفا وانتم مشغولون
بالتظاهر ضد حربه في العراق؟
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

في الموضوع
المنافسة بين الفاشليند
عندما يهاجر مواطن عربي من بلاده ـ مهما كان
السبب الذى يدفعه الى ذلك ـ فإنه يحتفظ في ذهنه بصورة، رومانسية
للبلد الذى غادره ومع مرور الوقت وضعف العلاقة مع الوطن الأم تتجمد
ملامح الصورة عند هذه النقطة التاريخية التي ترك عندها ذلك المواطن
بلده الى الوطن المضيف الذى تبناه لنفسه ولا يستطيع الشخص الذي ينطبق
عليه هذا الحال، ان يستوعب التغيرات التى طرأت على اوضاع المجتمع
في بلده الاصلي، وفي كثير من الاحيان، تصيبه الدهشة من هول المفاجأة
عندما يعود ليجد الاختلاف الهائل الذي حدث، ويعاني من صعوبات كبيرة
في التفاهم مع الناس ويلاحظ انه ـ وان كان يتكلم نفس المفردات اللغوية
ـ فإنه يعاني من العجز عن التفاهم مع الاخرين، الذين عاش لسنوات
طويلة، وهو يتصور انهم اقرب الناس اليه.
ويرجع السبب في ذلك، الى ان ذلك الانسان المهاجر عايش مجتمعا مختلفا
لفترة من الوقت، ومر بمرحلة تكيف مع الظروف التي استجدت عليه، وفي
الوقت نفسه فإن المجتمع الذي تركه وراءه، ظل يتسم بالحيوية والتغيير،
وطرأت عليه تحولات متوالية، خرجت به عن نطاق الحالة التي كان عليها
وقت مغادرة المهاجر له، ومع مرور السنوات، بدأت الشقة تبعد بين المهاجر
ووطنه الاصلي، حتى اصبح التفاهم بين الطرفين في حاجة الى (مترجم
ثقافي) لمعالجة الاختلاف في المفاهيم وتحقيق التواصل بين الطرفين.
ومشكلة المجتمعات العربية، بسبب الظروف الاقتصادية السائدة في الغالب
ـ والظروف السياسية ـ في بعض الاحيان ـ انها تحولت الى مجتمعات (طاردة)
لابنائها، على النحو الذي ظل طابع مجتمعات اخرى منذ قرون، كما هو
الحال بالنسبة لليونان وايرلندا وبولندا، التي تقيم جاليات كبيرة
من ابنائها في بلاد العالم الجديد، مثل الولايات المتحدة الاميركية
وكندا، وكذلك استراليا ونيوزيلندا، وجدير بالذكر ان دولا عربية مثل
سوريا ولبنان ـ ومواطنوها من ذوي الميول التجارية في التعامل ـ تركوا
بلادهم الى دول مهجر منذ منتصف القرن التاسع عشر، وتعيش جاليات كبيرة
منهم في دول اميركا الجنوبية ـ اللاتينية حاليا ـ وقارة افريقيا،
لكن موجات الهجرة العربية الى الخارج تصاعدت خلال النصف الثاني من
القرن العشرين، واستهدفت ـ الى جانب دول العالم الجديد ـ دول القارة
الاوروبية القديمة، التي كانت تحتل بلادهم وتقتسمها ـ كمناطق نفوذ
ـ في ذلك الوقت.
وتفاقمت هذه المشكلة بسبب فشل كثير من حكومات الدول العربية ـ في
عصر الاستقلال ـ في تحقيق التنمية الاقتصادية، للوفاء بالاحتياجات
الاساسية للمواطنين، والتجاوب مع طموحاتهم وكذلك فشلت في تحقيق التنمية
السياسية ايضا، والتجاوب مع المطالبة بمشاركة اكبر من جانب الشعب
في العملية السياسية، ابتداء من الحساسية للقضايا المطروحة، وانتهاء
بقبول دور ملموس للشعب في صياغة القرارات التي تنظم حياته، ومن هنا
شعر الناس ـ الذين كانوا يعانون من الاحتلال الغربي ـ بـ(الاغتراب)
في بلادهم ولم يجدوا امامهم من سبيل للتعبير عن رفضهم لهذه الاوضاع،
والبحث عن اسلوب لتلبية احتياجاتهم سوى القفز من حالة الخضوع للاحتلال
الغربي، الى الهجرة للاغتراب في داخله ورأوا ان الاغتراب في مجتمع
غريب، ربما كان اهون على النفس من الاغتراب داخل اوطانهم الأصلية.
وزاد من تفاقم هذه المشكلة، ان المجتمعات العربية الطاردة للهجرة،
تعرضت لحالة من التخريب الانساني، بدأ من مزاعم تبني نظم الحكم دعوات
الايديولوجية القومية او الاسلامية، وانتهى بالترويج لمفاهيم الحرية
والاستقلال، بينما ظلت الاوضاع السائدة تؤكد ان الحكومات مازالت
تدور في فلك الدول الكبرى التي كانت تستعمر بلادها، وتحول الاحتلال
الصريح الى احتلال باستعمال (الريموت كونترول) فاصبحت الحكومات الاستقلالية
ـ في حقيقة الامر ـ وكيلا للمستعمر، تنفذ ارادته وتتحمل اللوم من
قسوة الاجراءات، دون ان يكون هناك هدف اجنبي واضح يمكن توجيه الهجوم
اليه، واصبحت مفاهيم الحرية شعارات دون مضمون فالسجون فتحت ابوابها
ليحتجز فيها ابناء الوطن المطالبين بالتوافق بين الشعارات والواقع
في حين اقتصر دور المستعمر الاصلي، على تقديم القيود والخبرة في
استجواب السجناء، وبذلك حافظ على وضعه في الكسب، دون ان يتحمل تكلفة
ذلك من المسؤولية.
ولان المجتمعات العربية طاردة للهجرة من ناحية، واولئك الذين لم
ينجحوا في مغادرة بلادهم ـ سواء كان السبب يكمن في الافتقار الى
المؤهلات المطلوبة، او راجعا الى عدم توفر شبكة العلاقات والوسائل
المساعدة ـ يشعرون بنوع من الغيرة والضغينة تجاه اولئك الذين نجحوا
في الهجرة، فقد شكل ذلك صعوبة جديدة في التفاهم بين المواطن المهاجر
ـ اذا ما اراد الحفاظ على التواصل مع بلاده ـ وبين مواطنيه الاخرين،
لان تلك الغيرة والضغينة تمزق الاواصر، وتجعل اولئك الذين لم يستطيعوا
الهجرة، يتهمون المهاجر بالخيانة لانه ترك الوطن، رغم انهم جميعا
يتمنون ان يفعلوا ما نجح هو فيه، ويستكثرون عليه النجاح الذي انجزه
في بلد المهجر، لان الظروف التى يعيشون فيها، تدفع كلا منهم الى
تخريب اي انجاز يتمكن احدهم من تحقيقه، وتجعلهم يشعرون بالنقص تجاه
الانجازات التي حققها مواطنوهم المهاجرون.
وينتهي الحال ـ في هذه الظروف ـ الى تكريس الفرقة وبعد الشقة بين
الوطن وعدد من ابنائه الناجحين، كان يمكنه الاستفادة بانجازاتهم
ـ والخبرات التي حصلوا عليها ـ في اسهام ايجابي يعيد بناء ما خربته
المنافسة بين الفاشلين في الهدم ويحتاج الامر في هذه الحالة، الى
بحث مخلص عن اساليب التواصل والالتقاء، والتركيز على التعاون بين
كافة الاطراف، بدلا من التعلل بأي اسباب واهية لاستبعاد البعض والتشكيك
في ولائهم، او التقليل من شأن قدراتهم.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى

أطيــاف
الخروج من العراق .. حياة جديدة !
لعل كثيرين تابعوا الصور التي بثتها وكالات الأنباء لعدد من الجنود
الأميركيين الذين انتهت فترة خدمتهم بالعراق ، وبانت سعادتهم كبيرة
عبر ابتسامات عريضة تعلو الوجوه ، وهم في استراحة بإحدى القواعد
الأميركية بتركيا وأخرى بالكويت ، في طريق العودة إلى بلدهم الأم
، الولايات المتحدة الأميركية ..
ونحن كبشر أصحاب مشاعر ونفسيات نتفهم مشاعر أولئك الجنود ، بغض النظر
عن طبيعة أعمالهم في العراق ، فهم في النهاية ، بشر بملابس عسكرية
، وعقولهم مبرمجة على تنفيذ التعليمات حتى لو قلوبهم كارهة لطبيعة
تلك التعليمات .
أقول بأن من رأى صور أولئك الجنود ليشعر تلقائياً بفرحة الخروج من
خطر أكيد بل موت محقق أو موت يمكن أن يأتي من أي مكان وفي أي وقت
. ذلك أن الأمر بكل وضوح خطر كبير . أقصد الوضع في العراق الآن .
هناك الأمور متوترة جداً وخصوصاً تلك المتعلقة بالأميركان ، سياسيين
كانوا أم عسكريين أم من يتعاون معهم .
والأحداث اليومية التي تقع للأميركان ومن يتعاون معهم ، لا شك أنها
تصيبهم بالفزع والخوف ، ولابد في مواقف ولحظات مثل تلك اللحظات ،
تجعل الأميركي على وجه الخصوص يحب الحياة أكثر فأكثر ، وينتظر لحظة
الانفكاك عن المهمة . لماذا ؟ لأنه يقاتل بعيداً عن وطنه ولمهام
يعتقد أنها غير مبررة ، وأنه طالما رأس النظام السابق انتهى وولى
وراح ، فلم يعد من داع أو مبرر للبقاء أكثر ، فالموت إذن خسارة كبيرة
بعيداً عن الوطن .
من هنا يبدو الجندي الأميركي الخارج من العراق كالمولود . بدأت حياة
جديدة له . ومن حقه وهو يخرج من الجحيم أن يفرح وأن يدعو ربه ألا
يعود إلى العراق مرة أخرى ، ويتمنى من كل قلبه حظاً وفيراً لزملائه
القادمين إلى الجحيم ، التي يبدو أنها تستعر كل يوم دون مؤشرات على
إمكانية أن تتوقف أو أن تخمد .
عبدالله العمادي
emadi@atyaf.org
www.atyaf.org
أعلى

أقول لكم
حتى أنت يا بطرس !
الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالى أكد أنه ايضا كان عرضة
للتنصت على الاتصالات التي تتم في مكتبه وبيته وسيادته .. خبراء
المنظمة الدولية قاموا بالتفتيش عن أجهزة تنصت في هذه الأماكن ولم
يعثروا على شيء، لكنهم أكدوا لغالى أن هذا لا ينفي امكانية وجود
أجهزة غير مرئية تسمع ـ وربما ترى ـ كل شاردة وواردة تصدر عن الأمين
العام .. وهكذا لم يعد كوفى أنان وهانز بليكس وحدهما، ولو امتلك
آخرون شجاعة ابداء الرأي فربما نكتشف أن رؤساء البعثات الدبلوماسية
في الأمم المتحدة يخضعون أيضا لعمليات تنصت وتجسس غير مشروعة ..
أثناء فترة اقامتهم في ظلال تمثال الحرية !
ويستطيع بطرس غالى أن يشكر الظروف التى اكتفت بالتنصت عليه فقط،
بعد أن كان قد دخل في مواجهة اكتسبت بعض جوانبها بالشخصية مع مادلين
أولبرايت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ثم وزيرة خارجيتها
السابقة، تلك التى جعلته يطلق عليها اسم: الفلاحة البدينة القادمة
من أوروبا الشرقية، وجعلتها ـ في المقابل ـ تؤكد في كل مناسبة أن
أيامه في المنصب باتت معدودة .. وانتصرت ارادة المرأة البدينة على
الشيخ بطرس المسن !
واتهامات التنصت لحكومة تونى بلير على كوفى أنان ولأربع دول كبرى
على الدكتور هانز بليكس، جاءت كلها في معرض تسويق أكاذيب امتلاك
العراق لأسلحة دمار شامل .. ولجوء المتنصتين إلى هذا الأسلوب غير
الأخلاقي يجعلنا نتساءل: أين هو الخيط الرفيع الذى يربط عمليات التنصت
على أنان وبليكس وغالى ؟! ابحثوا عن المستفيد من ادانة اسرائيل في
ولاية غالى ومن غزو العراق في ولاية أنان .. ويعطيك العافية يا عم
بطرس !
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

بأيدينا نحطم آخر أسوار الفضيلة
احسنت القنوات الفضائية (العربية) حينما أكدت
على هويتها، ورسخت القيم والمبادئ التي نفتقدها، والتي تشعرنا بالغربة
في عالم لا يعترف بهوية اقليمية او فردية، ويضع الجميع موضع السواسية
في الفكر والثقافة والسلوك وينادي بعولمة كل شئ بما فيها القيم والمبادئ
والسلوكيات التي (يجب) ان تتحول في نظر العالم الجديد الى امور بالية
لا قيمة لها ولا ينبغي ان تفرق الفرد عن الجماعة والجماعة عن الجماعة
الاكبر وهي التي تمثل الجماعة الاقوى والاصلح.. وذلك حق من حقوقها
باعتبار ان احد الشعارات التي ننادي بها منذ زمن الجاهلية الاولى
واغارة القبيلة على الاخرى وتسييد الفرد او الجماعة ان البقاء للاصلح
او الاقوى.
اقول احسنت.. لأنها بما تقدمه وتغرسه فينا من سلوكيات كافية لانتشالنا
من الوهم والشعارات التي نرفعها ونرددها باستمرار ونؤكد تمسكنا بها،
ورفض الآخر الذي يحاول المس بهذه القيم والاخلاقيات، فقد تكفلت القنوات
الفضائية (العربية) وأؤكد هنا على الهوية العربية لهذه القنوات،
واؤكد على الدعم والتمويل العربي الخالص الذي لا شائبة فيه الذي
تتلقاه هذه القنوات، اذ تكفلت بما عجز عنه المستعمرون طيلة قرون
مضت وبأشكال وهيئات مختلفة لانتزاع ما نسميه الاخلاق والفضيلة من
سلوكياتنا وحياتنا، ونصبح مجتمعا لنا كيان ومكانة في العالم الجديد
الذي سنشترك جميعا في قيمه واخلاقياته التي ينادي بها الاقوى والافضل،
وسنتوقف عن صم آذان العالم بالشعارات الواهية التي ننادي بها في
كل شئ دون ان ندرك أي شئ.
احسنت اذن القنوات الفضائية العربية اذ ما برحت تتنافس في تغير الفكر
(المتخلف) و العقلية (المتحجرة) التي تغلف ذاتنا العربية الابية،
فالبرامج التي تبثها هذه القنوات والافكار التي تطرحها والرؤية المستقبلية
الحاذقة التي تحاول ايصالها لنا عبر برامجها المستنسخة من مثيلاتها
الغربية، ستسهم بلا شك في جعلنا نلحق بالركب ونصبح من دول العالم
الاول.. ذلك ان العالم الثاني دفن وتلاشت آثاره ومعالمه ولم يبق
في الوجود سوى عالمين يفصلهما زمن يمتد سنوات وقرون طويلة تمثل حقبة
من التخلف والتحجر في تاريخنا العربي والاسلامي ـ وفق المفهوم الذي
اوضحته لنا برامج هذه الفضائيات ـ .. فعالمنا الثالث ولنكن اكثر
تحديدا فمجتمعنا العربي ولنكن مرة اخرى اكثر شمولا عالمنا الاسلامي
ما برح يتمسك ويتشبث بقيمه وتقاليده واخلاقياته حتى وهو يجابه تحديات
وضغوط المجتمع الغربي ويقارع بهذه الاخلاقيات والسلوكيات هذا المجتمع
في عقر داره.. لم تثنه التقلبات والتغيرات التي شهدها العالم عن
التنازل بها والتخلي عنها.. فظلت الفضيلة والعفاف ـ مثلا ـ رمزا
لكل من الرجل والمرأة، واستطاع كل منهما ان يحكم العلاقة بين الرجل
والمرأة ويوجد مجتمع قويم سليم لا يخشى افراده من انتشار آفات الرذيلة
والانحطاط الاخلاقي، ولم ينجح المستعمرون طيلة عقود الاستعمار والاحتلال
ان يغيروا من مفاهيم المجتمعات العربية والاسلامية الا بقدر يسير
لا يقارن بكم الحشود والميزانيات الباهظة التي صرفت لاجل ذلك، والخطط
والدسائس التي حيكت لاجل احداث هذا التغيير والانسلاخ من العقيدة
والمبادئ والاخلاق التي تحكم المجتمعات العربية والاسلامية، حتى
ان بعض المستعمرين ارتدوا لباس الفضيلة في سعي منهم الى التوغل داخل
اعماق المجتمع وتظاهروا باحترامهم وتقديرهم للقيم التي غرسها الاسلام
في ابنائه ومجتمعاته، حتى اذا ما اينعت افكارهم وخططهم وحان موعد
قطاف ثمارها ظهروا على حقيقتهم وبثوا سموم افكارهم ومعتقداتهم وتنادوا
بمبادئ اقل ما توصف انها انحلالية وانحطاطية، لكنهم عادوا بعد حين
يجرون اذيال الهزيمة وينظرون في خطط وافكار اخرى تنفذهم الى نشر
ثقافتهم وتمكنهم من بث عقائدهم وافكارهم.. وكانت جل هذه المحاولات
تصطدم بحائط منيع وسد قويم هو المبادئ والاخلاق الفضيلة.
ولم تكن محاولات الخروج عن القيم والمبادئ القويمة التي ظهرت بعض
آثارها خلال سنوات مضت بذلك المؤثر الذي يمكن ان يعتبر ظاهرة فيروسية
ستؤتى على المجتمع من شرقه الى غربه ومن شماله الى جنوبه في سنوات
او ايام معدودة، اذ في الوقت الذي كانت تتعالى اصوات التغريب والتغيير
وترفع شعارات الحرية والانسلاخ من الهوية التي لا معنى لها، كانت
ثمة دعوات اكبر واكثر انتشارا ترفع شعار الارتكان الى الهوية والاخلاق
الفضيلة واعتبارها السبل والوسائل الكفيلة لتحقيق التقدم والازدهار،
وجلب الامن والرخاء للشعوب.. حيث يمكن لنا ان نتصور العلاقة التي
ستحكم افراد مجتمع ما ـ رجالا ونساء ـ كل منهما ينظر الى الآخر وفق
ما تمليه عليه اخلاقياته ومبادئه الفضيلة، ويمكن لنا ان ننظر الى
هذا المجتمع، وافراده يتعاملون فيما بينهم على مبادئ المساواة ويطبقون
العدالة، ولا تحكمهم القوة بقدر ما يحكمهم العقل والمنطق.
وعلى هذا سارت المجتمعات العربية الى بر الامان حينما تمسكت باخلاقياتها،
وهوت وردت حينما حاولت الانسلاخ من عقيدتها، وتهاوت عليها الامم
وغارت على ثرواتها وغيرت افكارها ومبادئها، وكان ما كان من بث عقدة
الذنب مما جرى ويجري في احداث العالم وتقلباته، حيث استطاعت العقلية
الغربية بكل اقتدار ان تغرس في العقلية العربية الاسلامية عقدة الذنب
من بعض الافراد الذين استغلوا عقيدة الاسلام المتسامحة والمتعاملة
مع الآخر من مبدأ (لكم دينكم ولي دين)، والذين شوهوا صورة الاسلام
والبسوا ما مكن اعدائه من التكالب عليه والفتك بافراده.. هذا الغرس
آتى بنتائجه في فترة وجيزة كما سنرى، حيث ظهرت عقدة الذنب هذه في
سلوكيات المجتمعات العربية الاسلامية التي حاولت ـ كما اشرت ـ الى
التنصل من مسئولياتها وعلاقتها مما حدث في 11 سبتمبر 2001 وما تبعه
من احداث، فتلقفت دعوات الاصلاح ونظريات التغير باعتبارها الخلاص
من تبعات الجرم وما اقترفته الايادي المحسوبة على هذه المجتمعات
فيما لو احتمت مرة اخرى بحائط الفضيلة والاخلاق، فانطلقت في القضاء
اولا او لنقل التضييق على السلوكيات والمظاهر التي غرسها الاسلام
في نفوس ابنائه، فاصبح التمسك بمبادئ الاسلام الحنيف والمجاهرة به
والمباهاة بهذه السلوكيات جرما يعاقب عليه الفرد، ولم لا ؟!.. وذلك
هو الثمن الذي يجب ان ندفعه حتى نظهر براءتنا من انصار ومرتكبي هجمات
11 سبتمبر، واصبح المظهر والسلوك الاسلامي مدانا في مجتمعاته، ومحاربا
من قبل الذين دافعوا عنه ذات يوم واستمسكوا به ايما تمسك.. ولم تكن
المعاول التي شرعت تحطم اسواره سوى معاول ابنائه وانصاره الذين وقفوا
حماته ذات يوم.
لقد اوجدت احداث 11 سبتمبر شرخا في الذات العربية والاسلامية، فرغم
البعد الجغرافي والبراءة المسبقة من الذين زعموا انهم مرتكبوا ومخططو
هذه الهجمات، الا ان الذات العربية والاسلامية ابت الا ان تدافع
عن نفسها وكأنها بذلك تلقي ظلال الاتهامات على نفسها، وتعلن عن جرمها
المشهود.
لم يكن العالم يدار ويمضي وفق احداث يوم او تصرف افراد لا يتجاوز
عددهم العشرين، واذا ما اضفنا المؤيدين لهم والمناصرين والمدافعين
وكل من تسول له نفسه الامارة بالسوء ان يبارك صنيعهم، فأن عددهم
لا يتجاوز المئات وفي اكثر الاحوال الآلاف، لم يكن العالم ليسير
وفق ارادة مجموعة صغيرة لا تمثل حتى الصفر المئوي من سكانه، ليحمل
وزر الحدث اكثر من مليار مسلم في شرق العالم وغربه.
لقد ابتغينا تصحيح الجرم الذي لفقناه على أيدينا واتهمنا فيه انفسنا
بانفسنا زورا وبهتانا، فسعينا الى مجاراة الغرب في سلوكياته وانحلاله
الاخلاقي، ورفعنا شعار الحرية التي طالما حاول الغرب جليا ان يرفعها
لنا بالنيابة عنا، فالحرية تتجلى بالصورة التي لم يكن الغرب ان يحلم
بها ترفرف على ديارنا وتعانق السماء فخرا وزهوا بما وصلنا اليه ونصل
اليه.
اقول ذلك .. واعود لحديثي المنسي عن قنواتنا الفضائية العربية المبجلة
الآبية التي استطاعت النفاد حتى لأنفاسنا ونحن نيام، ودخلت هذه القنوات
بدون استئذان حتى لغرف النوم، دون ان نتحصن او نتخوف مما ستأتي به،
أو أليست عربية في كل شئ في الهوية والمنشأ والتوجه والفكر.. لم
نتخوف لأننا دأبنا على اعطاء الثقة والثقة العمياء لبني جلدتنا،
ولم نخال يوما ان الغزو الفكري والثقافي سيأتينا من الداخل، وان
جبهتنا المحصنة ستنهار بايدينا لا بأيدي اعدائنا، او أليس هدم هذه
الجبهة الحصينة وتحطيم اسوارها العتيدة لتعفينا على الاقل من تبعات
الذنب والجرم الذي لم نقترفه؟، و أليس الاختيار لا بد ان يتم بين
اثنين لا ثالث لهما، اما ان نكون معهم في هدم اسوار المبادئ الحصينة
او ضدهم وبالتالي فنحن ـ شئنا ام ابينا ـ من ارتكب الجرم المشهود..
ونحن الذين تلوثت اياديهم بدماء الابرياء.. ونحن الموصومون ابد الدهر
بالارهاب ومقترفي جرائم الانسانية.. ولأننا لا نريد ان نكون من الصنف
الاخير، فقد كانت هجماتنا الشرسة على مبادئنا هي الدليل الدامغ الذي
لا يقبل الشك او التأويل اننا معهم نحارب جبهتنا العتيدة المؤلفة
من مبادئ وسلوكيات وفضائل توارثنها من اخلاقنا وقيمنا الاسلامية
والعربية القويمة.
ولم تكن حربنا لتكتمل لولا الاسهام الكبير والمقدر من الاعلام العربي
ولنقل تحديدا من الاعلام المرئي.. فهاهي قنواتنا الفضائية العربية
الابية تظهر عزمنا الاكيد على كل ما يمت للقيم والمبادئ بصلة، فتنسخ
برامج الانحطاط التي انتجها الغرب لتقدمها بصورة عربية خالصة، ولن
اسمي هنا فضائيات او قنوات تليفزيونية بعينها، ولن اتعرض ايضا لمسميات
البرامج التي خرجت علينا دفعة واحدة كلها تحمل ذات الهدف والمضمون،
ولن اناقش في تسمياتها التي حرصت ان تكون على ذات المسمى الغربي
لها، وكأن لغتنا العربية السامقة كانت هي الاخرى ستتهم بالارهاب
لو جادت بمصطلحات ومسميات اخرى لهذه البرامج.
رجالا ونساء من شتى الاقطار العربية يجتمعون تحت سقف واحد، يكشفون
حياتهم الانحطاطية للجميع، ويظهرون سوءاتهم لكل المشاهدين، حتى في
الكيفية التي ينامون بها، ويلبسون ويحطمون بمعاولهم اسوار الفضيلة
والعفاف، على قنوات عربية خالصة ـ كما اسلفنا ـ يرفعون شعار الحرية
والحياة الجديدة التي يجب ان تسود عالمنا العربي والاسلامي (المتحجر)
في فكره وسلوكياته، ويقدمون النموذج الذي يجب ان يسود حياتنا، وكيفية
الخلاص من عقدة الاخلاق والفضيلة التي تحول دون تعاملنا مع الجنس
الاخر، وتقيم الحواجز والسدود وتحول دون تكوين حياة راقية لا فرق
فيها بين الذكر والانثى، ويمارس كل منهم حياته بالكيفية والوضعية
التي يبتغيها، لا كبت لمشاعره واحاسيسه العاطفية تجاه الاخر، ولا
مانع او حاجز لبغيته ومراده، ولا قيود لهواه وارادته، او أليس عالم
الحيوان كذلك؟، لم لا نرتقي بذاتنا الانسانية ونصل الى مدارك عالم
الحيوان لنهنأ بالحرية التي يتمتع بها الحيوان.
لقد نجحت هذه القنوات في شد انتباه ملايين المشاهدين نحوها، واكاد
اجزم ان هذه البرامج ستدرج في موسوعة غينيس للارقام القياسية باعتبار
انها حققت الوحدة التي لم تحققها أي قضية او حادثة ما، فكم الاتصالات
الهائلة وكم العوائد المادية والارباح التي تجنيها القنوات الفضائية
من الاعلانات ـ باعتبار ان ساعة بث هذه البرامج تعتبر من ساعات الذروة
ـ وكم الارباح الهائلة التي تجنيها شركات الاتصالات، من ملايين الاتصالات
التي تنهال لتؤيد هذا الشاب او تلك الفتاة، اذ لم تستطع القضية الفلسطينية
ـ مثلا ـ وباعتبارها قضية العرب والمسلمين الاولى، ان تحوز ذات التأييد
وذات المساندة الذي حظي به احدهم وهو يخرج خاسرا من احد هذه البرامج،
حيث انهالت على المحطة التليفزيونية ملايين اتصالات الشجب والاستنكار
واتهامات بالتخطيط المسبق لهذا العمل الاجرامي ـ ترجيح كفة فتاة
على هذا الشاب ـ، هذا الكم من اتصالات الشجب والتنديد تعدى اضعاف
أضعاف الاتصالات التي استنكرت قيام سناتور اميركي بالتهكم على الاسلام
والافتراء على سيد البشر وخاتم المرسلين، اذ وصل عدد المكالمات التي
استنكرت هذا الصنيع الى بضع مئات، ولم تقارب العشر الذي حققته قنواتنا
الفضائية العربية من خلال برامجها الانحطاطية هذه.
ولذا لا غرابة حينما يئن الشعب الفلسطيني ويرزح تحت جرائم الاحتلال،
وتمارس بحقه ابشع صنوف الارهاب، ويشرد من ارضه، وتستباح دماؤه، ولا
غرابة حينما تغطى رؤوس الرجال في العراق وتركع النساء، وتستباح الحرمات،
لا غرابة ان يصفق الشعب العربي من مشرقه الى مغربه لفتاة تحمل علم
بلادها، وتدخل وسط تهليل وتكبير الى عالم الحرية.. الحرية التي حطمت
آخر اسوار الفضيلة.
خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com
أعلى
قد يكون الفيلم جاهزا للعرض
خلال الايام الماضية تحرك حوالي عشرة الاف
جندي باكستاني باتجاه الحدود الافغانية في منطقة لم تكن تجرؤ القوات
النظامية على التحرك فيها ، يقابلها في الاتجاه الافغاني المقابل
تحرك ضخم للقوات الخاصة الاميركية في خطة اطلق عليها القائد الباكستاني
انها شبيهة بالمطرقة والسندان ، القصد منها حصر مقاتلي القاعدة الموجودين
هناك والقاء القبض على زعيم التنظيم اسامة بن لادن .
اعطي زعماء القبائل في تلك المنطقة بعض الوقت لتسليم المقاتلين الاجانب
وحين انقضى الوقت المحدد قصفت القوات الباكستانية القرى الواقعة
في تلك المنطقة بالمدفعية الثقيلة قبل تحرك قوات المشاة والقوات
المحمولة لتفتيشها منزلا منزلا ، او بالاحرى حطاما حطاما .
القى القبض على اعداد كبيرة ، بعض الصحف قالت انهم تجاوزا الثلاثين
شخصا وبعضها حدد الرقم بعشرين شخصا من ضمنهم ثلاث نساء عرب ، وتمت
مصادرة اسلحة وجوازات سفر واشرطة وآلات تسجيل ، وغادرت القوات الباكستانية
المنطقة بعد ان سوتها بالارض في رسالة واضحة لزعماء المنطقة بوجوب
التعاون مع الحكومة وتسليم المقاتلين الاجانب الذين يأوونهم .
لفت نظري تعدد المصادر في الاونة الاخيرة التي تحدثت عن القاء القبض
على اسامة بن لادن ، فحاولت البحث عن مصدر الخبر فوجدت ان صحيفة
الصنداي اكسبرس هي اول من نشره وتبعها في ذلك الصنداي تلغراف ثم
غطت صحيفة ذي كرستيان سيانس مونتر الموضوع بشكل ممتاز وجارتها في
ذلك صحيفة اسيا تايمز ذات المصداقية بالاضافة الى بعض مراكز الاستخبارات
الخاصة ، ومن الواضح ان هناك امر ما يحدث في تلك المنطقة ، وقد يكون
اسامة بن لادن قد وقع اسيرا كما ورد في بعض المصادر ، وان القوات
الاميركية بانتظار اوامر البيت الابيض للاعلان عنه وعرضه .
بعد مسرحية القاء القبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين، واظهاره
بتلك الصورة على الملأ لكسر ارادة القتال لدى المقاومة انتقلت المجموعة
القتالية التي يطلق عليها Task force 121 التي كانت مكلفة بمتابعته
وتقصي اثاره الى افغانستان لاكمال مهمتها بالقاء القبض على المطلوب
رقم واحد ، ابن لادن .
بناء على مصادر الاستخبارات الخاصة من ضمنها مركز ستراتفورد ونقلا
عن صحيفة ذي كرستيان سينس مونتر فان القمر الصناعي الاستخباري التابع
لوكالة الامن القومي يتابع وعن كثب تحركات اسامة بن لادن وخمسين
من اتباعه في منطقة مرتفعة على الحدود الباكستانية الافغانية ، وتلك
المنطقة تغطيها الثلوج بشكل كثيف ولاتتحرك بها اي وسيلة للنقل سوى
الحمير ، ولهذا فان مهمة القوات الخاصة 121 ستكون صعبة جدا وليس
لها سوى وسيلة واحدة هي متابعة المطلوب بشكل سري ووثيق حتى تحديد
مكانه ومن ثم ارسال طائرات هليوكبتر باطقمها المدربة تدريبا عاليا
للنزول وقتله واحضار جثته .
هذا تقريبا وباختصار ماورد في التقارير التي نشرت حتى تاريخه ، البعض
اكد القاء القبض والبعض اشار الى قرب ذلك ، ولكن ماذا لو تم فعلا
القبض عليه ؟
تحاول ادارة الحرب النفسية في البنتاغون اظهار اعداء الولايات المتحدة
بصورة مذلة ، فقد امضت حوالي عشر ساعات تدرس الصورة التي يمكن ان
يظهر بها صدام حسين فلم تجد افضل من استسلامه الطبيعي للدكتور الفاحص
، وتم تصويره وبث اللقطات بدون ان يعلم بها ، وفي هذا انتهاك لخصوصية
الاسير وتجاوز على اتفاقيات جنيف التي تمنع تصوير الاسير وعرضه على
الملأ ، ولكن من سيحاسب اقوى قوة في العالم واكثرها انتهاكا لحقوق
الانسان ؟
قد يكون فيلم ابن لادن قد تم تصويره واخراجه ، ولم يبق سوى عرضه
على امل ان يظهر هذا الرجل بأبشع صورة امام محبيه ومناصريه حتى يفقد
هالته القيادية ويلقي اتباعه السلاح مستسلمين لتلك القوة التي اسرت
الزعيم وأذلته ، مع ما يتبع ذلك من دفع متوقع للرئيس بوش خلال حملته
الانتخابية القادمة التي هو اشد مايكون حاجة اليها في الايام القادمة
.
اما ان كان ابن لادن لايزال طليقا فان من الواضح ان الحلقة قد بدأت
تضيق عليه وانه فقد الكثير من اعوانه وهو يتحرك في منطقة معادية
ليس له فيها كثير انصار ، فهل هي بداية النهاية ؟
اكره ترك القارئ مع سؤال لايملك اجابته ، فانا لا املكها اصلا ،
ولكن لنتابع الاحداث خلال الايام القادمة محاولين على الاقل تحليل
تسلسلها حتى لايضحك احد على ذقوننا وكاننا مجموعة من الحمقى بانتظار
عرض فيلم سخيف .
عبد العزيز آل محمود
رئيس تحرير (الجزيرة نت)
Qatar877@hotmail.com
أعلى

إرادة شعب أم عاهة وراثية؟!
...أم ارتطام القوة الباطشة بحدودها القصوى؟؟؟
منذ حملة السور الواقي قبل عامين... الجيش
الإسرائيلي تحلل من كل قيد أو حاجز تقريباً. لديه حرية عمل شبه مطلقة
مع رقابة دولية شبه صفر... هذا الكلام، هو قطعاً، ليس لتيري رود
لارسن، أو أي مبعوث أو ممثل شبيه من موظفي هيئات الأمم المتحدة فاقدة
الحيلة أو الخجولة حتى الصمت في فلسطين المحتلة. ولا لواحد من سفراء
الاتحاد الأوروبي، ذاك الذي لا يتعب من مزاولة رياضة الكلام عن حقوق
الإنسان في شتى مجاهل المعمورة وحتى على سطح المريخ!
انه كلام إسرائيلي مائة في المائة، هو لصحيفة يدعوت احرونوت. لكنه
لم يأت في سياق استفظاع وحشية القمع وفعل الإبادة التي يمارسها جيش
الاحتلال ضد شعب يحتل أرضه، وإنما يأتي في مجال ندب الفشل، أو ما
يعكس اعترافاً بعجز هذه القوة المدججة الباطشة عن تحقيق السياسات
الدموية التهويدية... السياسات التي استهدفت فل إرادة المقاومة لدى
شعب اعزل يسيل دمه راهناً حيث يسير جدار الفصل العنصري ملتوياً كالأفعى
ليلتهم المزيد من الأراضي الفلسطينية، التي لم تبتلعها بعد المستعمرات...
وعندما نقول المستعمرات نعني تحديداً تلك التي تكاثرت كالفطر في
حقبة ما يدعى بالمسيرة السلمية، أو الزمن الأوسلوي وما تلى أو ترتب
عليه.
هذه الإرادة غير المسبوقة، أو هذا الصمود الأسطوري، باعتباره آخر
الخيارات أمام شعب لا يملك ترفها، أمر ليس في وارد الصهاينة محاولة
فهم سره أو معرفة كنه مرتكزاته، أو بالأحرى، ليس لديهم نية الاعتراف
به، تماماً كما لم يفعل مستعمر آخر عبر التاريخ، وربما هذا هو ما
حدا بنائب وزير الحرب الإسرائيلي إلى تعليل ظاهرة إصرار الفلسطينيين
على مقاومة الاحتلال من خلال ردّها إلى مجرد أسباب بيولوجية، تتمثل
في إصابتهم بعاهة وراثية، أو كما قال، تشويه جيني. وشاركه في اكتشافه
هذا زميله في عضوية الكنيست عن حزب الليكود يحيئيل حزان، عندما اعتبر
رغبة قتل اليهود مسألة تجري في دم العرب!
لكن هل الاصطدام بحدود القدرة الباطشة، أو مواجهة ارتطام حدودها
القصوى بتخوم العجز، هو سر هذا السعار الصهيوني، الذي بلغ حد السطو
بالدبابات على البنوك الفلسطينية في رام الله؟!!
نعم هناك من الإسرائيليين من يقول إن الجدار العازل، على أهميته
التهويدية بالنسبة لهم، قد تحوّل إلى خشبة قفز للاستشهاديين الفلسطينيين،
في إشارة إلى آخر العمليات الاستشهادية التي استهدفت حافلة مستعمري
مستعمرة هارحوما أو جبل أبو غنيم، داخل القدس، لكن ذلك لا يكفي لانفلات
الوحشية الإسرائيلية من عقالها كما هو الحال، ولا يشكل تفسيراً كافياً
لركوب حكومة شارون مركباً يشي بالتحدي الخالص لكل الأعراف والمواثيق
الدولية، بما في ذلك جملة من الشعارات الإنسانية الزائفة أو التي
تعوزها المصداقية، التي يطلقها حلفاؤه الغربيون. ومن ذلك، مثلاً،
تحدى محكمة لاهاي التي تنظر في قانونية الجدار العازل، بالإعلان
عن الشروع في بناء قسم جديد منه بطول 42 كيلومتراً مضافاً، وليت
الأمر يقف عند هذا الحد بل الإعلان عن نية بناء سياج أو سور آخر
في قطاع غزة، والتمهيد لذلك بمصادرة أراض حول مستعمرة نيتساريم،
وكل ذلك بالتوازي مع الحديث عن الانسحاب من هناك من طرف واحد...
بل بلغت الصفاقة الإسرائيلية مبلغ إرسال المبعوثين إلى القاهرة لإقناعها
بالعودة إلى تولي إدارة قطاع غزة في حال انسحاب الجيش الإسرائيلي
والمستعمرين منه، أو على الأقل القيام بعمل الاحتلال على حدودها
مع القطاع، أو ما يسميه الإسرائيليون محور فلادلفيا، أو ما يطلق
شارون عليه المحور الملعون... القاهرة رفضت... لكن، وعودة إلى السؤال،
ما هو سر هذا السعار وتلك الوحشية، وهذه الصفاقة؟!
انه، يرد ضمناً فيما قالته يديعوت احرونوت، وأشرنا إليه بدايةً،
وتحديداً في عبارة مع رقابة دولية شبه صفر، والتي يمكن ملاحظته أن
وجهها الآخر يعني ببساطة تواطؤاً دولياً شبه مائة بالمائة، يطلق
يد شارون وجنرالاته وجرافات مستعمريه، بحيث ما الذي يمنع أو يحول
دون أن تتحلل السياسات الإسرائيلية، كما تحلل الجيش الإسرائيلي في
الميدان، من كل العوائق والقيود والحواجز، وفق تعبير الصحيفة إياها؟
وأي عوائق وقيود وحواجز أمام فعل الإبادة الصهيوني في فلسطين يمكن
توقع وجودها ونحن إزاء ظاهرتين تدمغان المرحلة، وتوفران بيئةً، ولا
أنسب، لعتو البلطجة الإسرائيلية وبلوغها مداها الحالي دونما الحاجة
إلى كوابح؟!
الأولى: البوشية، المبشرة بحقبة حبلى بالحروب الكونية الاستباقية
الاميركية اللامتناهية، تعم أربع جنبات الأرض، ولا تضع أوزارها في
أية بقعة مرشحة لأن تكون ملائمة للمصالح الاميركية، أو قد تصلها
حدود المجالات الحيوية التي لا تعرف حدوداً لاستراتيجيات الهيمنة
المصاحبة للإحساس الإمبراطوري بوحدانية القطبية، أو حمى نزوع التفرد
بالنسبة للقوة العظمى الوحيدة في العالم. وأي فرصة أفضل لشارون لكي
يزاول التهويد والمناورة السلامية معاً من هذه المتوفرة له تحت مظلة
رجل حملته هذه الحقبة الاستباقية إلى سدة الحكم في البيت الأبيض،
حيث يحاول مجدداً الفوز بفترة رئاسية ثانية، عبر الحديث لشعبه بلغة
رسولية، لا تصدر إلا عن رجل يعتبر نفسه مفوضاً سامياً ينوب عن السماء
للتصرف بشؤون الأرض وما عليها؟!
...وعليه، وحيث ان بلادنا العربية وجوارها الإسلامي صرة هذه الأرض
ومستودع ثرواتها وأوسع أسواقها وأهم مواقعها الجغرافية استراتيجيةً،
وفي قلبها زرع الغرب إسرائيل أو محظية الولايات المتحدة المدللة
المعصومة، جاءت شرق أوسطية بوش الموسّعة لإعادة صياغتها سياسياً
وثقافياً، والتي بلغت حدود التبشير بسايكس بيكو حديثة، والشروع عملياً
في ترتيبات تبديل مزمع لهويتها، الأمر الذي تعرضنا له في مقال سابق.
...من هنا، يكثر الكلام الإسرائيلي همساً وتسريباً حول صفقة بين
تل أبيب وواشنطن، تحكي عن موافقة أميركية على خطة شارون المسماة
الانفصال من طرف واحد، مقابل تعديلات طفيفة على جدار العزل العنصري،
قد لا تختلف كثيراً عن التعديل الذي تم بين الباقتين، قرية باقة
الغربية وباقة الشرقية، والذي لم يطل إلا ما لم يتجاوز الثمانية
كيلومترات... باقة منهما تقع في المناطق المحتلة عام 1948، والأخرى
عام 1967، بل وحتى إزالة هذه الكيلومترات الثمانية من الأسلاك الشائكة
لم يتم، كما ورد في المصادر الإسرائيلية نفسها، إلا بعد بناء ما
يعاد لها من جدران مسلحة في موقع مقابل، وأكثر أهمية... على أية
حال استبقت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إعلان الصفقة أو إنجازها بنشر
اهم بنودها، عبر قولها بأن شارون رافع شعار عمق المقابل كعمق الانسحاب
ينوي مطالبة واشنطن بالخط الأمني في المناطق كتسوية انتقالية طويلة
المدى. ويطالبهم أيضاً بالاعتراف بالكتل الاستعمارية الرئيسية في
الضفة الغربية مثل: معاليه ادوميم، أريئيل، وغوش عتسيون، ومنع قيام
دولة فلسطينية بعد انسحابه المزمع أو المفترض وفق خطته للانفصال
من طرف واحد... والأهم أن كل ذلك يجب التعهد به في رسالة ضمانات
خطية! ...التسريبات الإسرائيلية تقول ان الإدارة الاميركية شرعت
فعلاً في محاولة إقناع العواصم العربية بتأييد خطة شارون... وزادت
صحيفتا الواشنطن بوست والنيويورك تايمز فتحدثتا عن تأييد الإدارة
الاميركية للخطة، وحتى أنها، أي الإدارة، تعتبرها تغييراً هائلاً
وتاريخياً في العلاقات الإسرائيلية ـ العربية!
الثانية: تفاقم التردي واستشراء حالة العجز في المواقف العربية،
الأمر الذي نحن في غنى عن توصيفه، وأقل ما يقال فيه انه مزيد من
الإمعان في الانسحابات القطرية من الهموم القومية، ومواصلة إدارة
الظهر لقضية قضايا الأمة العربية في فلسطين. وربما لا أدلّ على حالة
الوهن العربية المتفاقمة هبوطاً من ما شهدناه وسمعناه من التغني
الذي عمّ أغلب الفضائيات وأجهزة الإعلام العربية بالمتوقع أو المأمول
من محكمة لاهاي حيال مناقشتها قضية جدار الفصل العنصري، والإشادات
المبالغ فيها بالمداخلات القانونية التي شهدتها قاعتها، مع تجاهل
أمرين:
الأول، أن ما يصدر عن تلك المحكمة هو لا يعدو رأياً لا أكثر، هو
على أهميته المعنوية، يظل استشارياً لا حكماً ولا قراراً أممياً
ملزماً... ومهما كان نوعه فلن يعدو بعضا من إضافةٍ ضئيلة لأرشيف
يحفل بملف مثقل، هو في حد ذاته خير شاهد على انتفاء العدالة الدولية
وسيادة الجور في هذا العالم...
والثاني: هو أن مثل هذا الرأي الاستشاري يظل مع وقف التنفيذ وعدم
الأخذ به، لسبب بسيط هو أن الغرب جميعاً ومعه روسيا، أي ما يعني
موضوعياً ووفق موازين القوى الكونية الراهنة، تسعة وتسعين وتسعة
أعشار الرأي العام الدولي، هو ليس مع عرض الموضوع أصلاً على المحكمة،
وذلك بالطبع إكراماً للعيون الإسرائيلية، واستجابة للإيحاءات الاميركية.
لكن الأسوأ هو إدانة بعض الأقلام العربية للعملية الاستشهادية الأخيرة
في القدس، متذرعة بسوء توقيتها، والخشية من انعكاسها سلباً على رأي
محكمة لاهاي الاستشاري، وأصحاب هذه الإدانة يتجاهلون حقيقتين:
وإحداها، أن المحكمة تخوض في أمور قانونية بيّنة متوافق عليها كونياً،
بحيث لا يمكنها في هذه الحالة ألا تحكم بعدم قانونية جدار يبنيه
مُحتل على أرض محتلة، هذا إذا تم توخي الحرص على تلك المعايير والقوانين
التي كانت وراء إنشاء هذه المحكمة وأوجدت أصلاً من أجل خدمتها.
وثانيتها: إن الشعب الفلسطيني، وفي لجة معاناته الطويلة، بلغ حداً
من الوعي والإدراك الدقيق للواقع الدولي وموازين القوى فيه، بحيث
لم يعد ينتظر الكثير من الهيئات الدولية إجمالاً، لا سيما وهو يسمع
تيري رود لارسن الصامت ما غيره، يسارع لإدانة العملية مع من أدان،
باعتبارها جريمة حرب، ولا ينبس ببنت شفة حيال جرائم الحرب الإسرائيلية
المتواصلة والمستمرة على مدار أكثر من قرن، أولم يضطر لارسن نفسه
ذات يوم إلى ابتلاع كلامه المتسرع بسرعة قياسية، بعيد مذبحة جنين؟!
...إذن، كل الظروف والمعطيات، والموازين الدولية والإقليمية تحض
الإسرائيليين على المضي قدماً في إسالة الدم الفلسطيني، على جنبات
الجدران العازلة، وفي أزقة المخيمات، وساحة المسجد الأقصى، ومواصلة
تهويد الأرض الفلسطينية تحت ستار المناورات أحادية الجانب المتلفعة
بالتوافق الأميركي الإسرائيلي، وتحت مظلة استباقية الإدارة الاميركية،
وشرق أوسطية بوش الموسّعة، وتحت طائلة حملة الانتخابات الرئاسية
المحتدمة... مع ملاحظة أمرين:
الأول، أنه، وحتى من أكثر أطراف النظام العربي قرباً من الولايات
المتحدة، بدأنا نسمع رفضاً معلناً وصريحاً لشرق أوسطية بوش اتسعت
أم ضاقت... بحيث نكاد نتذكر كلاماً كان يقال في الستينيات، ويعدّ
اليوم من شعاراتها البائدة، يقول: إن مستقبل المنطقة رهن بإرادة
أهلها... والثاني، أن الإرادة الفلسطينية، التي هي انعكاس لروح أمة،
وتعبير ينوب عن تلك الروح، لم يكسرها بطش تحلل من كل قيد أو حاجز،
فبلغ حدوده القصوى، حيث لا مناص، طال الوقت أو قصر، من انكفائه مرغماً
نحو الاعتراف بالفشل.
عبد اللطيف مهنا
كاتب فلسطيني
أعلى
عصابة مافيا عنصرية في ثوب دولة
قامت اسرائيل بالسطو على بنوك عربية في مدينتي
رام الله والبيرة وسرقت حوالي تسعة ملايين دولار منها، وعبثت بموجوداتها
: فقد صادرت اجهزة الحاسب الآلي فيها، وسرقت سجلاتها وراجعت حسابات
عملائها في خطوة غير مسبوقة في تاريخ العمل المصرفي وفي تاريخ الدول
ايضا.
لم تراع اسرائيل أي قوانين دولية ولا اتفاقيات جنيف لحقوق الانسان
ولاحقوق المودعين والمتعاملين مع هذه البنوك.
اسرائيل ادعت في تبرير اقتحامها للبنوك، بأن اموالها تستعمل (في
تغذية أعمال ارهابية) ! هذه التهمة الجاهزة دوما في تبرير مجازرها
اليومية ضد الشعب الفلسطيني.
البنوك في الاراضي المحتلة هي مؤسسات مدنية مصرفية لا علاقة لها
بالسياسة او المقاومة، اسرائيل تدرك هذه الحقيقة، لكنها وفي سبيل
التنكيل بالفلسطينيين بمختلف الوسائل والسبل، تحاول تضييق الخناق
عليهم بمصادرة تحويلات أبنائهم العاملين في الخارج، والتي تتم بشكل
شهري لمساعدة عائلاتهم التي تعيش حصارا اسرائيليا خانقا منذ سنوات
: فلا عمل، والارض التي تصادر منها مساحات شاسعة يوميا لاتنتج في
ظل ظروف محاربة الزراعة الفلسطينية ضمن خطة مدروسة بدأت منذ احتلال
اسرائيل للاراضي الفلسطينية في عام 1967 وفي هذه المرحلة تطول الاجراءات
الاسرائيلية تحويلات الفلسطينيين في الخارج لأهلهم وكذلك تحويلات
المنظمات والهيئات الانسانية، التي حاولت تبني بعض العائلات الفلسطينية
المنكوبة.
كل ذلك في محاولة دفع الفلسطينيين لليأس وللهجرة الطوعية من بلدهم،
وبخاصة ان معظم السفارات الغربية في اسرائيل تشجع هجرة الشباب الفلسطيني
من ارضه للخارج في محاولة واضحة لتفريغ الارض من سكانها.
اسرائيل تحاول ايضا تحويل الانظار عن قضية تناول محكمة العدل الدولية
لجدارها العنصري العازل باتجاه التركيز على ما اقترفته ضد البنوك.
ما قامت به اسرائيل هو الارهاب الحقيقي، فهي اقترفت جريمتها في وضح
النهار ـ وعلى طريقة عصابات المافيا المنظمة للسطو والنهب والابتزاز
مع فارق ان الاخيرة لا توجه نشاطاتها ضد الفقراء، بينما اسرائيل
الدولة، العضو في الامم المتحدة، والتي تتغنى بديموقراطيتها ! تقوم
بنهب وسلب اموال الفقراء الفلسطينيين المحاصرين في قوتهم، وهذا يجعل
اسرائيل في وضع الاسوأ من منظمات المافيا الدولية.
الاغرب : عدم قيام ضجة دولية تستنكر ما قامت به اسرائيل من جريمة
بحق البنوك المصرفية في الوقت الذي تحصي فيه الجهات الدولية على
الفلسطينيين حتى انفاسهم ! ما قامت به اسرائيل يستحق الادانة والشجب
العنيف من الامم المتحدة وكافة هيئاتها ومؤسساتها التابعة ومن دول
وشعوب العالم ومن كافة الهيئات المصرفية والحقوقية والانسانية الدولية
المعنية.
اسرائيل فيما تقترفه من جرائم بشعة يومية بحق الفلسطينيين، تستند.
الى أساس فكري عنصري حاقد على الفلسطينيين والعرب والمسلمين وعلى
الانسانية بأجمعها، تجري تغذيته في المؤسسات التعليمية والمدارس
الدينية وفي الممارسة الفعلية لقواتها في الاراضي الفلسطينية ويأتي
ايضا على ألسنة حاخاماتها وعسكرييها وسياسييها وآخرهم : المأفون
والعنصري الحاقد (زئيف بويم) نائب وزير الحرب الاسرائيلي، والذي
تساءل في حفل تأبين 27 يهوديا قتلوا في العملية الاستشهادية شمال
تل أبيب في 11 مارس الماضي (ماذا يوجد في الارهاب الاجرامي هذا ؟
ماذا يوجد في الاسلام بشكل عام ؟ ماذا يوجد لدى الفلسطينيين بشكل
خاص ؟ هل هذا نقص ثقافي ؟ هل هذا خلل جيني ؟) لقد حاول هذا العنصري
الكريه القول بان جينات الارهاب مزروعة في خلايا الفلسطينيين والعرب
والمسلمين، فهم ارهابيون، يرثون الارهاب ويورثونه، ليس فقط من المعتقدات
في الدين بل من الجينات ايضا.
اقوال هذا الارهابي الصهيوني لاقت استحسانا وتأييدا من قبل نائب
آخر في حزب الليكود وهو (يحيئيل حزان) الذي أيد اقوال بويم وقال
(إنه محق مائة في المائة) وهو يزيد عليها ايضا بالقول (على مدى عشرات
السنين يقوم العرب بذبح اليهود، الامر الذي يثبت أنهم يعانون من
شيء جيني مغروس في الدم.. ويستطرد: محظور عليك ان تدير ظهرك للعربي
اذ انه سيقوم بطعنك بالسكين، وأنه محظور عليك الثقة بالعربي حتى
بعد ان تكون مرت عليه اربعون سنة في القبر) هذه عينة مما يقول الزعماء
الاسرائيليون الحاليون، اضافة الى عينات ونماذج كثيرة سبق وان صرح
بها غيرهم من قادة العدو السابقين الحكومة الاسرائيلية لاتستنكر
تصريحات مسئول فيها والكنيست الاسرائيلي لايستنكر تصريحات احد اعضائه،
ذلك ان اعضاء هاتين المؤسستين يتفقون في معظمهم مع ما تفوه به هذان
العنصريان الحاقدان، ولربما يختلفون معهما من زاوية توقيت التصريح
فقط وعلنيته ايضا والمجاهرة في ذلك.
لم يجر استنكار التصريحات الاسرائيلية من قبل المجتمع الدولي ايضا،
الذي يحصي على الفلسطينيين والعرب والمسلمين وكافة ذوي الضمائر الحية
من ابناء الشعوب الاخرى أنفاسهم وتصريحاتهم واقوالهم، فيما لو صرح
أحدهم بما يمس اسرائيل والصهيونية (وليس باليهود وديانتهم) فسيجري
اتهامه في اللحظة (بالعداء للسامية، والارهاب والعنصرية ومعاداة
اليهود).
أثبتت اسرائيل مرة أخرى (تضاف الى الاف المرات) بالسطو على البنوك
وبتصريحات زعمائها بأنها لسيت أكثر من مافيا عنصرية في ثوب دولة.
د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى
الحل الأول
يظن الكثيرون ـ وبعض الظن إثم ـ أن الإصلاح
السياسي هو الحل الأمثل لمشاكلنا المستعصية كعرب، بدءاً من النظافة
في شوارعنا وساحتنا وحتى أية مشكلة أخرى تواجهنا.
ولو قدر لبعضنا أو لأحدنا أن يضع سلماً إصلاحيا يضع على درجاته الحلول
الأساسية، فإن التعليم بالتأكيد سيأتي في الدرجة الأولى والثانية
والتاسعة والعاشرة.... إذا فالمشاكل التي نعاني منها مرتبطة بالتعليم
بصورة أو بأخرى، وبسبب ذلك نتخبط في سياساتنا وبرامجنا، وعندما نحسن
اختيار هذه البرامج نفتقد إلى القدرات المحلية القادرة على تنفيذ
هذه البرامج، والسير بها إلى نهاية المطاف.
ومن يساوره الشك في أن التعليم، وأعني التعليم المفقود أو الردئ
هو العائق الأساسي في مجتمعنا العربي، عليه أن يأخذ مشاكله مفصلة،
ليكتشف في كل واحدة منها جذور أزمة تعليمية.
فهزائمنا المتلاحقة أمام (إسرائيل) تنبع أساساً من التخلف العربي
في المجال العلمي، ومن يعتقد أن المشكلة في الفقر وسوء توزيع الثروة
سيكتشف أن المشكلة تكمن أساساً في التعليم، وحتى الموارد والثروات
العربية، لا يتعدى الجهد المبذول فيها التعاقد مع هذه الشركة أو
تلك من الشركات الغربية للقيام بأعمال البحث والتنقيب والإنتاج،
فتحولنا إلى مجرد مستهلكين لما يصدر إلينا من دول الغرب، فنحن والحمد
لله نستورد جميع احتياجاتنا من المشروبات الغازية وحتى المعجنات
والسكاكر من المصانع الغربية المخصصة للتسويق إلينا، أما الأدوات
والمصنوعات الأخرى من العيار الثقيل مثل الأدوات الكهربائية والسيارات
فحدث ولاحرج.
وحتى عندما نحاول فتح مصنع للعصير الطبيعي، إما أن نستورد خبراء
أجانب، أو يتعطل المصنع لسبب أو لآخر، والأسباب لدينا كثيرة وجاهزة،
فنحن ـ والحمد لله- غير مؤهلين لإقامة مصانع أو مزارع ناجحة وفقاً
لاقتصاديات السوق العالمية التنافسية، مما جعل بعض الدول الفقيرة
مثل كوريا الجنوبية واليابان وغيرهما، تقفز قفزات سريعة إلى الأمام،
لأن بنيتها التعليمية هي التي هيأت لها هذه القفزات الكبيرة.
أما البعد السياسي للأزمة، وهو ما يأخذ دائماً حيز الاهتمام، فهو
حل جزئي يستطيع أن يتقدم بنا خطوة واحدة إلى الأمام، إذا لم تتوافر
البنية التعليمية الصحيحة، لأن الخطوة السياسية ليست العصا السحرية
التي ستحل جميع المشاكل المتراكمة.
لقد نبه الأستاذ الدكتور إدوارد سعيد في محاضرة له ألقاها في لندن
قبل سنوات طويلة، إلى خطورة الوضع التعليمي في الأراضي الفلسطينية،
وذلك في ظل الإغلاقات التي تعرضت لها الجامعات والمدارس الفلسطينية
آنذاك، حيث شدد على أهمية التعليم كحل أساسي. وهذه حقيقة فما الفائدة
من أن تتحرر الأرض ويرثها جهلة، يصبحون عالة على غيرهم لتسيير أمور
حياتهم وحياة شعبهم.
إن هذا الحل، لايقوم على مناهج بالية عفا عليها الزمن، العلوم جامدة
غير قادرة على الاستيعاب، وانما على أسس مستندة على طرائق حديثة،
هذه الطرائق هي التي دفعت بالحكومة اليابانية للتوقيع على اتفاق
لشراء أكثر من 300 ألف جهاز حاسوب لمدارسها، وفي الولايات المتحدة
عممت الحكومة شبكة الحاسوب في مدارسها، حتى صار لكل بضعة تلاميذ
جهاز خاص بهم.
بلادنا من المحيط إلى الخليج مركز جغرافية العالم، وفي أرضنا كل
كنوز الدنيا، مواد خام ومعادن وأنهار وبحار ومحيطات ونفط وشمس وحديد
ونحاس وقصدير وذهب وفوسفات وفضة ويورانيوم وألماس، وتاريخ وحضارات
وناس، ورغم ذلك بلادنا هي الأكثر تخلفاً.
إن القوة الحقيقية تتمثل في التعليم الجاد والحقيقي، وذلك باعتباره
المفصل الرئيسي للقوة، فالغرب لم يتقدم بسبب الحلول السياسية والإصلاح
السياسي، ولكن بسبب الحل التعليمي الذي كان سابقاً للحل السياسي،
فالغرب قام على حضارة علمية صحيحة أساسها غاليليو وأديسون وجراهام
بل وغيرهم ممن ليس بينهم سياسي واحد.
حتى اليابان التي كانت مجموعة من الجزر الفقيرة وخرجت مهزومة من
الحرب لم تبن نهضتها على دواعي الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد،
وغير ذلك من الدعوات المستجدة، وإنما على أسس علمية قوامها الاهتمام
بالنظام التعليمي، فقد كانت الصناعة اليابانية حتى وقت غير بعيد
توصف بأنها مقلدة وناسخة، كما يؤكد العديد من الباحثين، ثم بدأت
الصورة بالتغير، حين بدأت المنتجات اليابانية تتجه نحو التفوق النوعي
مع احتفاظها بحد المنافسة الاقتصادي، وأخذت تبزَ الصناعات الأوروبية
والأميركية ليس في بلدان العالم المستهلك فحسب، بل في البلدان الأوروبية
الأميركية ذاتها، وذلك لم يأت وليد لحظة واحدة أو قرار سياسي دعائي،
فلم يسمع عن اليابانيين أنهم يريدون أن يجعلوا من بلادهم نسخة مشوهة
من أي بلد آخر، وانما كانوا حريصيين على العمل والبناء اعتماداً
على التعليم، حتى غدت مختبرات البحوث العلمية في الجامعات ومراكز
الأبحاث، خاصة مختبرات (فيزياء الطاقة العالية)، وهي أكثر البحوث
كلفة، وأبعدها عن مجال التطبيق المباشر، يشار إليها بالبنان.
وفي الوقت الذي تكتفي فيه بلداننا بإرسال البعثات العلمية للحصول
على الدرجة الجامعية الثالثة، باعتبار ذلك نهاية المطاف، فإن البعثات
اليابانية المهمة تتمثل بالأعداد الكبيرة من العلماء والباحثين والمهندسين
الذين يزورون الجامعات والمؤسسات التعليمية ومراكز الأبحاث والدراسات
للتعرف على كل ما هو جديد في الأفكار والوسائل العلمية والتكنولوجية،
ومعينة النماذج الصناعية الجديدة، ودراسة كل ما ينشر عن براءات الاختراع.
قرأت فيما قرأت أن بعض المبتعثين العرب والمسلمين، الذين كانت تبتعثهم
بلادهم قبل عقود من الزمان إلى بلاد الأضواء فرنسا، كانوا يعودون
إلى بلادهم ليكتبوا عن الرقص هناك، ويضعوا في ذلك الكتب، بينما كان
يطلب من المبتعثين اليابانيين في نفس الفترة، أن يترجم المبتعث كتابا
في البحث العلمي، خاصة فيما يتعلق بالصناعة.
لقد اعتمدت اليابان في هذه الطفرة على الطاقات العلمية والتكنولوجية
التي تمكنت من بنائها على أساس علمي سليم، انطلاقاً من نظام تعليمي
قائم على أسس صحيحة، ليس هدفه تخريج الآلاف في تخصصات نظرية وعلمية
لاعلاقة لها بالواقع، فينضموا إلى قوائم العاطلين عن العمل، أو جيش
الموظفين الحكوميين الذي يعمل وفق نظام (البطالة المقنعة)، وانما
هدفه هو بناء الإنسان القادر على مواجهة مشاكله، وحل هذه المشاكل
بطرق صحيحة.
إن مبدأ الاعتماد على العلم والتكنولوجيا هو الشرط الأساسي لأية
تجربة ناجحة، للنهوض بالمجتمع، وإحداث إصلاح حقيقي داخلي غير موجه،
وإذا جاز لنا القول، فإنه لايمكن بأي حال من الأحوال توقع نجاح جهود
التنمية وفعاليتها في أية دولة من الدول بمعزل عن وجود نظام تعليمي
كيفي، يكون الرافد الأساسي لدعم هذه الجهود، مع التأكيد هنا على
أن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي تعد من أهم عناصر هذا النظام،
وان فعالية هذه المؤسسات وكفاءتها تعد من العوامل الأساسية المحددة
لفعالية جهود التنمية ونجاحها.
إن نظام التعليم في بلادنا مطالباً الآن أكثر من أي وقت مضى، بتحمل
أعباء ومسؤوليات أكبر للنهوض ببلادنا، لدعم جهود التنمية العربية
الشاملة، والتغلب على المشاكل والصعاب التي تواجهنا.
د. عبد القادر إبراهيم حماد
كاتب وصحفي فلسطيني
abedalqaderh@hotmail.com
أعلى