باختصار
عندما يتصدى كاسترو
اكثر من اربعين عاما مرت وحصار كوبا لم يتغير
كما ان فيدل كاسترو زعيم كوبا لم يتغير ايضا . فعلى بعد مائة كيلومتر
تقريبا من الحدود الاميركية تقع الجزيرة كوبا التي ظن يوما انها
ستكون بؤرة الثورة التي سينطلق منها التحرير الى كل اميركا ، هكذا
ظنها تشي غيفارا ومن آمن بأن الثورة مستمرة ويجب ان تستمر لتحطيم
معاقل (الامبريالية) التي لم ينطبق هذا الوصف الا على اميركا .
كاسترو اليوم تجاوز السبعين من العمر . ابيض شعر ذقنه وشعر رأسه
ووهنت العضلات واصبح الصوت اقل سحرا من ذي قبل ، ومع ذلك لم يزل
هذا الزعيم الكوبي على حلم قديم وهو لم يخف ولم يتراجع عن مفاهيمه
رغم ان كثيرين اصطادتهم الولايات المتحدة عندما ضربت غيرهم فاذعنوا
لها .
اوضح كاسترو بانه يطلق الرصاص على نفسه اذا ماجربت الولايات المتحدة
الدخول الى بلاده او فعلت تصرفا مشابها لما فعلته في العراق. حاول
كاسترو بكل انتمائه الى عالم مجرب والى معرفته الوثيقة بان لااحد
في هذا العالم الى جانبه وان (الامبريالية) لم تكن (نمرا من ورق)
كما اعتقد وقبله ماوتسي تونغ وبدل ان تنتصر الحتمية التاريخية على
(الامبريالية) تمكنت تلك من الاجهاز على التاريخ حين قتلت الافكار
وانهت امبراطورية الاتحاد السوفيتي ووضعت حدا لامكانيات الصين واعادت
اوروبا الى صفوفها بعدما قتلت يوغوسلافيا وضربت وارعدت في العالم
كله ثم هاهي تسيطر على العراق وتخيف محيطه وغيره.
لكن كاسترو على مايبدو مقاوم عنيد لايريد لبلاده ان تنخدع بالسيطرة
الاحادية للولايات المتحدة على العالم . مازال رهانه على قوى تتحول
الى عظمى وكبرى لتقف ندا ضد الاميركيين ، ومازال يعتبر ان بلاده
التي صمدت بقوة ضد الحصار الاميركي منذ مطلع الستينيات من القرن
الماضي بامكانها ان تتحول الى نموذج للصمود كما يعتقد بعض مؤرخي
المرحلة ان الحصار افاد كوبا ولم يزعجها لانه اعاد تأهيلها من الداخل
وجعلها تعتمد على ذاتها في انتاج كل شيء ودون الحاجة لاحد اللهم
الا في النواحي العسكرية حين كانت كوبا قلعة متقدمة للاتحادالسوفيتي
قبل انهياره .
ترى هل يصمد كاسترو وهو الوحيد الذي بقي منافحا بقوة ضد الولايات
المتحدة . ثم هل يتمكن من الاستمرار في الاعتماد على شعبه طويلا
والانهيارات العالمية تعصف حوله ؟!
ربما يراهن الاميركيون على موت كاسترو في وقت قريب كي يتمكنوا من
غزو الجزيرة والى حكمها بالتدريج ويتم اعادتها الى التبعية الاميركية
كما كانت في الماضي . وبين رهان كاسترو على نظامه القوي ورهان اميركا
على قوة قبضتها على كوبا بعد وفاته ، يبقى ان الزعيم الكوبي قرر
ان لايتغير مهما تقلبت الظروف لاعتقاده بأن التغيير الحالي لن يكون
من الثوابت بل هو ماثل للتغير ايضا .
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى
في الموضوع
ليست دعوة للتخويف !
في مناسبة عيد الاضحى المبارك، يتمنى الانسان
لاخوانه المسلمين الصحة والسعادة والتوفيق، ولا تكتمل هذه الامنية
الطيبة، الا اذا شملت الانسانية كلها، لان الانسان الصحيح البدن
او السعيد، لا يستطيع ان يعيش في مناخ من المرض والتعاسة، ومن الضروري
فهم الارتباط بين الصحة والسعادة لان السعادة من علامات الصحة النفسية،
والصحة النفسية اساس مهم للصحة الجسمانية، وعلى الجانب الآخر، فإن
التعاسة اما تكون من اعراض المرض النفسي او سببا رئيسيا له، وكثير
من الامراض النفسية هذه الايام لها اعراض عضوية، وفي الوقت نفسه
فإن كثيرا من الامراض العضوية ـ وعلى رأسها ارتفاع ضغط الدم والسرطان
وغيرهما، تأتي نتيجة لامراض نفسية، والغضب والتوتر العصبي من الاسباب
الرئيسية لذلك، ولعلنا نذكر عبارة يقولها الانسان عن الامر الذي
يغضبه، وهي انه (يحرق الدم)، واذا وقع له امر محزن فإنه يقول انه
( يقصم الظهر). وفوق ذلك كله، يجب الا ننسى الحديث الشريف المنسوب
الى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما طلب منه احد المسلمين
النصح، فقال له (لا تغضب).
والأمنية الخاصة بالتوفيق في الحياة ايضا مهمة، ولها جانب اجتماعي
مهم، لان الانسان يصعب عليه ان يوفق في عمل، اذا كان يعيش في مجتمع
يسود الاحباط في اوساطه، لان المحبطين يتحركون في اطار آلية سلبية،
لا تضرهم فقط وتحول جهودهم من العمل البناء الى عمل تخريبي، وانما
تحولهم الى عوامل لاعاقة الاخرين عن انجاز اعمال ايجابية تنفع الناس،
ومن ثم تقل احتمالات نجاح اولئك المؤهلين للانجازات الكبيرة في مجتمع
من هذا النوع، ولا يخفي علينا ان كثيرا من العرب والمسلمين، حققوا
انجازات عظيمة في مجتمعات غربية اجنبية هاجروا اليها، بعد ان فشلوا
في تحقيق اي انجاز ببلادهم، ويشير ذلك ـ كما يقول البعض ـ الى ان
(النظام العام) في بلداننا لا يساعد على الانجاز والتفوق. وكلمة
(النظام العام) التي تتسم بالعمومية، تعني ان المناخ السائد في البلاد
العربية والاسلامية، لا يساعد على الانجاز والنجاح.
وتصبح الامنية بالصحة والسعادة والتوفيق ـ وهي تتضمن ابتهالا الى
الله سبحانه وتعالى بأن يحقق لنا ما نتمنى ـ شديدة الاهمية، في ضوء
ما يتردد عن ان دولا غربية متقدمة، تصدر الينا مواد غذائية نعتمد
عليها في حياتنا لافتقارنا الى الاكتفاء الذاتي في الغذاء، تبيعنا
اغذية معدلة المكونات باستعمال الهندسة الوراثية، ولم يجر عليها
تجارب كافية للتأكد من عدم وجود آثار جانبية لها، من بينها اللحوم
الاميركية المنتجة عن طريق تغذية الحيوانات بهرمونات للنمو، يمكن
ان تؤدي للاصابة بمرض السرطان، وكذلك اغذية اسرائيلية ـ تباع على
انها منتجة في دول اخرى ـ يقال انها تؤدي الى امراض الفشل الكلوي،
بالاضافة الى ارتفاع معدلات التلوث في عدد من الدول العربية ينتج
عنها الاصابة بمرض فيروس الكبد الوبائي.
وفوق هذا كله، فإن الضغوط الاقتصادية في عدد كبير من الدول العربية
ـ سواء كان ذلك بسبب سوء الادارة الاقتصادية ـ او بسبب الحصار الاميركي
والاجنبي المفروض عليها، تعقد حياة الناس، وتفرض عليهم قضاء وقت
طويل في العمل لتلبية الاحتياجات الاساسية لاسرهم، وفي ظل الضائقة
الاقتصادية التي تحاصرهم ايضا، فإنهم يصابون بحالات من الاكتئاب
الجماعي او المجتمعي، ويصب كل منهم جام غضبة على الاخرين من اخوانه
ومواطنيه، ويجد في سلب الاخرين حقوقهم سبيلا لاطفاء نار غضبته، ويؤثر
هذا المرض النفسي على الصحة الطبيعية للبشر، فضلا عن انه يفتح المجال
امام تفشي مخاطر المخدرات والجريمة.
في هذه الظروف، يتعين على الناس التزام مبادئ (الجهاد الاكبر)، وهو
جهاد النفس، لتفادي الانهيار امام موجة الضغوط الهائلة التي يتعرضون
لها، والعمل على توجيه فكرهم لتحقيق نوع من التكافل الاجتماعي، يوجد
روحا جماعية وطنية وقومية، تجتهد لانتاج اغذية في بلادهم تسد الحاجة
بدلا من الاستيراد، كما تعمل هذه الروح الجماعية على بناء مناخ انساني
افضل، يتفهم فيه كل مواطن معاناة المواطن الاخر، ويشعر انه عندما
يساعد الاخرين، انما يساعد نفسه ايضا، لانه لا يمكن ان يرضى انسان
عن نفسه، اذا حقق انجازا على حساب الاخرين، او على انقاض احلامهم،
فمن الافضل ان يساعد الانسان اخرين على تحقيق انجازات لم يستطع هو
التوصل اليها، واذا حدث ذلك فإن بعض اولئك الذين يساعدهم ـ على الاقل
ـ سيشعرون بالعرفان نحوه، وتكون هذه هي أولى بذور الروح الانسانية
الطيبة في المجتمع.
فالغريب في الامر، هو ان الدول الغربية التي تصدر الينا الاغذية
المشتبه في سلامتها من الامراض، قبل ان تسمح بعرضها للمستهلكين في
اسواق بلادها، وكأننا فئران تجارب لانجازاتها على صعيد التقدم العلمي،
حتى تستفيد من نتائج ما يحدث لنا، تصدر الينا ايضا افكارا فردية
تقلل من شأن الروح التكافلية الجماعية، التي تعتبر من الملامح التقليدية
الاساسية لحياتنا، ومع الضغوط التي تفرضها علينا، فإنها تحاول ضرب
(النظام العام) الصحي في بلادنا، واقامة نظام اخر مكانه موات لمصالحها.
وفي النهاية، فإن هذه ليست دعوة للتخويف من كل ما هو قادم من الخارج،
وانما للمحافظة على افضل ما لدينا وتعزيزه، حتى نتمكن من صد الهجمات
الخارجية، والتعامل بإيجابية مع كل ما يأتينا عبر الحدود، ومع الامنيات
بالصحة والسعادة والتوفيق، عيدكم مبارك.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى
3 أبعاد 
العلاوي الشلبي
المتفائلون بوحدة العراق ينظرون الى النموذج
الافغاني حيث تتناحر لغات وأعراق عديدة، وأحزاب وميليشيات وقبائل
لا حصر لها رغم كون الدين واحدا، اليوم ربما تكون افغانستان في الطريق
نحو الوحدة تحت حكومة مركزية واحدة.
وهؤلاء المتفائلون ينظرون أيضا الى النموذج البوسني حيث تتناحر لغات
اعراق واديان عديدة وبعد حرب ضروس ربما تكون البوسنة في الطريق نحو
الوحدة تحت مجلس رئاسة جماعية يمثل الفئات الثلاث الرئيسية في البوسنة
والهرسك لكن الوحدة في العراق تبدو اكثر صعوبة رغم غياب حرب اهلية
واقتتال حقيقي، لانظر الى مجلس الحكم العراقي المؤلف من تسعة رؤساء
يتناوبون الرئاسة ويمثلون الفئات الرئيسية في العراق بل انظر الى
فئة واحدة من هذه الفئات الاكراد ينقسمون بين جلال طلباني ومسعود
برزاني. انظر الى فئة الاغلبية وهي الشيعة هؤلاء ينقسمون بين علمانيين
ودينيين ولعل ابرز ما يجسد صعوبة الوحدة العراقية هو الانقسام بين
العلمانيين رغم ان الدينيين أنفسهم منقسمون على أنفسهم ايضا.
انظر الى الدكتورين أياد علاوى واحمد الشلبي. كلاهما علماني من الشيعة
كلاهما خطط وفشل في تنفيذ انقلاب ضد الحكومة العراقية السابقة كلاهما
لجأ الى الاردن في مرحلة ما كلاهما لجأ الى بريطانيا وتمتع بتأييد
بريطاني وكلاهما يتمتع بتأييد اميركي هنا ينتهي التشابه اياد علاوي
بعثي سابق انشق عن البعثيين ولكنه يسعى الى المصالحة الوطنية مع
انصار النظام السابق والى الاستعانة بهم في تسيير شئون العراق احمد
الشبلي (او الجلبي) على رأس لجنة مهمتها تطهير اجهزة الحكم من البعثيين
وانصار نظام الحكم السابق اياد علاوي طبيب تدرب في بريطانيا واحمد
الشلبي يحمل الدكتوراه من معهد تكنولوجي اميركي كلاهما سياسي ورجل
اعمال بدآ العمل السياسي والتجاري في الاردن لكن الشلبي صدر بحقه
حكم من احدى محاكم الاردن ومطلوب للعدالة هناك، الشلبي يتمتع بتأييد
جنرالات وزارة الدفاع الاميركية والعلاوي يتمتع بتأييد جواسيس وكالة
المخابرات المركزية الاميركية الشبلي مكروه من دبلوماسي وزارة الخارجية
الاميركية والعلاوي هو المفضل لدى هؤلاء الدبلوماسيين ورغم ذلك رفض
السفير بول بريمر الحاكم الاميركي في العراق (وهو دبلوماسي) مقترحات
العلاوي بالابقاء على الجيش العراقي السابق والبعثيين السابقيين
للاستعانة بهم في فترة ما بعد صدام حسين، وأيد بريمر اقتراح احمد
الشلبي بحل الجيش وطرد البعثيين ومن الجلي الآن ان هذا القرار كان
من الاخطاء الكبرى التي اقترفها بريمر في العراق ولكن الشلبي ما
زال يطارد البعثيين بينما العلاوي يسعى الآن لتوظيفهم في وحدة مخابرات
جديدة لمراقبة الحدود العراقية بوصفه رئيس لجنة الأمن في مجلس الحكم.
كيف سيمكن بتسعة رؤساء الان الاتفاق وراء رئيس واحد في الصيف المقبل
بدون تشوب حرب بوسنية او افغانية ؟ الامل يكمن في النموذج الافغاني
او البوسني ووراء كل منهما وجود عسكري اجنبي.
عاطف عبد الجواد
agawad@aol.com
أعلى
نافذة من موسكو
مشاكل تصدير النفط الروسي
قامت تركيا مؤخرا وبسبب العواصف والضباب والثلوج بتقييد حركة ناقلات
النفط الضخمة في البوسفور والدردنيل ، مما أدى إلى إلحاق الخسائر
بشركات النفط الروسية . ويعتقد بعض المراقبين الروس أن أنقرة استغلت
الوضع الناشئ في المضيقين بمهارة لتحميل الشركات النفطية الروسية
بالخسائر وجعل أوروبا تشعر بنقص في إمدادات النفط بهدف إقناع المستوردين
بأهمية خط أنابيب باكو- تبليسي - جيهان مستقبلا ، ذلك الخط الذي
لا يتمتع عمليا بجدوى اقتصادية مرتفعة، وُيعتبر ـ من وجهة نظر الخبراء
الروس ـ مشروعا أيديولوجيا يهدف إلى نقل نفط قزوين دون المرور بروسيا
وإيران . وكان بناء الخط المذكور قد بدأ بالفعل ، ولكن من الواضح
الآن أن الأحجام اللازمة من النفط لتشغيل الأنابيب ليست متوفرة في
أذربيجان . ويرى خبراء النفط ان تبرير الأموال المستثمرة في هذا
المشروع الذي تبلغ تكلفته حوالي 4 مليارات دولار يتطلب تشغيله بالطاقة
القصوى ، بينما لا يظهر المصدرون رغبة في المشاركة فيه لأن نقل النفط
بالناقلات البحرية أقل كلفة . ويؤكد أرسيني أوغانيسيان أن مصالح
تركيا والولايات المتحدة الأميركية تتفق تمام الاتفاق فيما يسميه
(بالحملة الصليبية) على مصادر الطاقة والتي يقوم بها الرئيس الأميركي
جورج بوش حيث ُ كلفت أنقرة في إطار هذه الحملة بأداء أحد الأدوار
المحورية . ويتضح ذلك ـ حسب أوغنيسيان ـ من أن جيهان التركية ستصبح
المحطة الأخيرة لخطي أنابيب : كركوك - جيهان الذي أعيد تشغيله ،
وباكو - جيهان الجاري بناؤه . ويرى بعض خبراء النفط في روسيا أن
ضخ النفط العراقي إلى جيهان سيعني بالنسبة لروسيا أنه حتى إذا لم
يتدهور الوضع أكثر في المضيقين التركيين ، فالشركات الروسية ستستمر
في تحمل خسائر كبيرة ناجمة عن زيادة تكاليف النقل بالناقلات . وتجدر
الإشارة إلى أن هذه التكاليف وصلت اليوم إلى أعلى مستوى لها خلال
30 عاماً ، غير أنها تظل مقبولة في ظل الأسعار المرتفعة للنفط .
ولكن الوضع سيتغير إذا انخفض سعر البرميل دون 18-20 دولارا . كما
أنه إذا استطاعت واشنطن تصدير النفط العراقي الرخيص عبر الأنبوب
إلى تركيا فستحصل أوروبا على مصدر نفط بديل . وبعبارة أخرى إذا كانت
مصافي النفط الأوروبية تعاني الآن من نقص النفط الروسي فهي في المستقبل
في حالة انسداد المضيقين تستطيع استخدام النفط العراقي كبديل للروسي
، وفي هذه الحالة سترتفع خسائر الشركات الروسية بشكل ضخم . ويؤكد
الخبراء الروس أن موسكو لا تستطيع منع بناء خط باكو- تبليسي ـ جيهان
حيث لا توجد لديها وسائل ضغط سياسية أو اقتصادية ، ولاسيما أن نجاح
هذا المشروع مهم للغاية بالنسبة للولايات المتحدة . أما الشركات
الروسية فستلحق بها بعد تشغيله خسائر فادحة قد تصل إلى أكثر من 5
مليارات دولار سنوياً . وفي ظل هذا الوضع المعقد يعتقد الخبراء الروس
بضرورة أن تنشط روسيا في بناء مشاريع بديلة لتصدير نفطها ، مثل مشروع
(مورمانسك) الذي يفترض بناء منصات تحميل في ميناء مورمانسك ويعتبر
جزءاً من مشروع أكبر لبناء خط أنابيب من سيبيريا إلى بحر بارينتس
. بجانب ذلك يعتقد البعض في الحكومة الروسية أن المشروع الأقل كلفة
والأسرع تنفيذاً الآن هو توسيع خط أنابيب البلطيق ، والذي يحل مشكلة
القدرات التصديرية الروسية للسنوات الثلاث القادمة. ويعول الروس
أيضا على أن تتحول سيبيريا والشرق الأقصى الروسي إلى مصدر طاقة بديل
لبلدان آسيا والمحيط الهادي . كما أن روسيا والهند تدرسان إمكانية
تشييد طرق بديلة لخط باكو - جيهان حيث يوجد مشروع طريق النقل (الشمال
- الجنوب) ، والذي يفترض أن يمر بميناء بومباي في الهند وبندر عباس
وبندر أمير أباد وأنزيلي في إيران وميناء (أولا) الروسي على شاطئ
قزوين وكذلك بطرسبورغ . ولكن كل هذه المشاريع تحتاج إلى استثمارات
ضخمة وإرادة سياسية لدى المنتفعين منها ، وهو الأمر غير المتوفر
بدرجة كبيرة حتى الآن .
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى
شراع
العيد المبارك
طبيعتنا كبشر نحب ان نفرح وان تكون هناك مناسبات
نفرح فيها وندخل الفرح الى قلوب الآخرين والاعياد الدينية انعكاس
لفطرة الانسان سبغته ورغبته بوجود اوقات للفرح اوقات يتم التعبير
فيها عن مشاعر الفرح والانبساط مع الاسرة والمجتمع.
ان الاعياد فرصة لنا لتغيير روتين العمل وكذلك روتين الحياة الى
لحظات رائعة وصافية من الفرح الذي يظلنا مع الآخرين لنقول لبعضنا
(عيد سعيد ومبارك) العيد ليس عيدا للصغار وليس فقط الصغار بحاجة
الى العيد ولبس الجديد وشراء الالعاب والقيام بالرحلات والنزهات
وانما عيد للكبار ايضا مهما تسربلنا بجلبات الحزن والاحزان العيد
سارئة فرحة نتنفس منها الفرح ومشاعره دون مبالغة او اسراف لانه فرح
معتدل ايضا ليس فيه أي نوع من الاسراف فرح يبدأ بذكر الله مع صلاة
العيد حيث نذكر ان لنا ربا ونحن عبيده الطائعون الذين نتبع صراطه
المستقيم الذي لا افراط فيه او تفريط وهذه العبارة الصباحية في صباح
العيد تعلمنا ان الفرح المعتدل هو المطلوب لذا فان كل مظاهر الاسراف
والتبذير او التقتير مرفوضة فالافراط والتفريط مذمومان لانهما بعيدان
عن الوسطية والاعتدال والصراط المستقيم هو الخط المستقيم الذي يبلغنا
غاية كل شيء مشروع الجهد المناسب والمعتدل فالخطوط الدائرية او المنحنية
بحاجة الى جهد اكبر ووقت اكبر واقرب مساحة بين نقطتين هي الخط المستقيم
بينهما وهكذا الاسراف او البخل سواء في مشاعرنا او مواقتنا مرفوض
فليس المطلوب منا ان نبالغ في العيد في أي جانب ومنها اللباس وشراء
الاغراض او انواع الطعام والشراب او انواع المتع وكذلك عدم البخل
او التقتير فالبخل والتقتير يمنعان الفرح ومشاعره عمن يبخل وعلى
من يبخل العيد فرحة تحتاجها نفوسنا لكن على ان تكون فرحة لا تخرجنا
عن الاعتدال والفرح كله في الاعتدال لكن البعض يظن ان العيد فرصة
لترك الاعتدال والاتيان بغير المألوف كي تزداد المتعة ويزداد الفرح
والسرور وهكذا نشهد انواع الاختراقات لقدسية العيد كي تصبح مناسبة
تجلب المتع غير المألوفة لكنها قطعا تبتعد عن روح ومنهج الصراط المستقيم.
طاهرة اللواتي
tahira@edu4all.net
أعلى
طالت فترة الانتظار العربي على إصلاح التعليم
في آخر هذا الشهر فبراير 2004 سوف تعقد ندوة
عربية واسعة تنظمها مؤسسة الفكر العربي في بيروت حول التعليم العربي
العام، إصلاح ومناهج، في نفس فترة الإعداد أصدرت بالمصادفة مجلة
الايكونومست البريطانية المعروفة في آخر عدد لشهر يناير تقريرا عن
التعليم العربي نواقصه وتأثيراته، وهو واحد من التقارير العديدة
التي تدفقت على العرب تصف ضحالة تعليمهم وهشاشة مؤسساتهم التعليمية،
وكان أشدها نقدا هو تقرير التنمية بجزأيه لعام 2002 وعام 2003.وهو
الذي أصبح اليوم أحد المراجع لكل من يريد أن يشير إلي تخلف العرب
العلمي!
لا تنقصنا اليوم الحجج و الشواهد على وجود حقيقتين حولنا، الأولى
أن العالم لم يتقدم ولا يتقدم دون المعرفة، تلك حقيقة أثبتها تاريخ
البشرية الحديث منذ أكثر من قرنين على الأقل، منذ ثورة الميجي في
اليابان في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، مرورا بالثورة الصناعية
في أوروبا و ثورة المعلومات المعاصرة التي نشهدها الآن، أما الحقيقة
الأخرى فان التعليم العربي لم ينهض لمواجهة التحدي الذي واجه العرب،
وهو حتى اليوم مقصر في ذلك.
أما إذا بحثنا في الأسباب فهي كثيرة، ينظر اليها البعض من زوايا
مختلفة، أما الحقيقة التي لا يستطيع عاقل أن يتجاوزها فهي أن القصور
ما زال مستمرا، برغم كل التقارير و رغم كل الآراء النيرة التي قيلت
من رجال التعليم العرب في السابق واللاحق، وغيرهم من المهتمين بضرورة
تغيير هذا التعليم الشكلي الذي نمارس، إلي تعليم حقيقي يستجيب لمتطلبات
العصر.
لعل أحد الأدلة الصارخة على قصور التعليم العربي، من حيث الكيف أن
معظم المسئولين العرب عن التعليم إذا توفرت لهم الفرصة، واتيحت لهم
الوسيلة، فإنهم لن يترددوا بإرسال أبنائهم إلي مدارس خاصة في الوطن
أو خارجه من اجل التعليم!ومعرفتي بالبعض تؤكد ذلك.
في الوقت الذي تقول لنا كل الدراسات، أن تكلفة التعليم العام، في
الدول العربية، اكبر بكثير من تكلفة التعليم الخاص، على الخواص!
فالمشكلة هنا إذا ليست مالية بل مؤسسية.
تتنقل نكتة ثقيلة عن مواطن سوفيتي في الأيام الخوالي انه سئل ما
هي أخبار العلاقة بأميركا قال انتظر حتى اقرأ البرفدا( الجريدة الرسمية)
ثم سئل وماذا عن أخبار الاقتصاد قال انتظر حتى أقرا البرافدا، ثم
سئل أخير وهو ينتفض من البرد، وما هي أخبار الجو هذا اليوم، قال
لم أقرا البرافدا بعد!
لعل هذه النكتة المرة تتجلى من جديد في خريجي مدارسنا وجامعاتنا،
فمعلوماتهم العامة ضئيلة إلي درجة تثير العاقل وتحير الحكيم، ومهاراتهم
التقنية و الفنية معدومة، فأصبح تعليمنا في جله هو تعليم تلقيني
لتخريج كتبة في الدولة أو مواطنين لا يملكون ممحية أبجديتهم، يجيدون
النقل ولا يعرفو قيمة العقل، ولا غرو بعد ذلك أن يؤخذون حقا أو غير
ذلك بالإيديولوجيات التي تعتبرهم أنفارا في قطيع وليس بشرا لهم عقول.
لقد خلط البعض كثيرا وطويلا بين تعليم وبين تجنيد، في الثاني المطلوب
الطاعة وسماع الأوامر وفي الأول المطلوب المجادلة والنقاش والشك.
في تجربة جرت منذ أسابيع في الجامعة التي أدرسُ فيها، قررت أن اختبر
قيمة مهمة في التنمية الحديثة وهي قيمة ( الثقة) فأعلنت لطلابي أن
الامتحان الأخير لن يكون عليه رقيب منى أو من غيري، رقابتهم تنبع
من أنفسهم، وبالفعل تم الامتحان، وعند الانتهاء منه، سئل زميل لي
عددا كبيرا منهم، هل قمت بالغش، وكانت الإجابة صاعقة، لقد امتنعنا
عن فعل ذلك لأننا نعتقد أن الجامعة و الأستاذ قد وضعوا (كاميرات)
لمراقبتنا!
لا أفضل من مثل هذه التجربة التي تقدم لنا بوضوح كامل كيف استطاع
التعليم الذي نقدمه في بلداننا من غرس رقابة افتراضية تنبع من الداخل،
من الإنسان الذي يذكرك بإنسان البرافدا سابق الذكر.
تجربة ماليزيا التي نتحدث عنها كثيرا بدأت بقرار إصلاح التعليم،
ومنها انطلقت إلي ما نعرفه اليوم من مساهمة عالمية في التنمية التي
حققت لبلدها كل هذه الثروة و السمعة، وبلاد أخرى أيضا بدأت التغيير
من التعليم، بل أن بلدانا غربية أخرى كلما واجهها تحد لجأت إلي التعليم،
تنظر فيه وتقوم بتقويمه.
ولعل بعضنا يذكر التقرير الشهير الذي صدر في الولايات المتحدة بعد
نجاح الاتحاد السوفيتي في وسط الستينيات من القرن الماضي لإرسال
رجل إلي الفضاء، لقد كانت الصيحة وقتها انتبهوا إلي التعليم، ولا
زالت بلاد مثل بريطانيا تتحدث برامجها السياسية عن نقلة نوعية في
التعليم، وهي بلاد توصف على أنها متقدمة.
لقد أثقل التعليم العربي بأشكال من ( الادلجة) و ( القطعية) خلال
سنوات طويلة، وتوارث العرب في بلادهم المختلفة وعلى درجات مختلفة
هذه الادلجة و القطعية وسرعان ما تسربت إلي المناهج المدرسية، في
الوقت الذي تؤكد كل تجارب العالم أن التعليم في أي موضوع هو نسبي
وليس قطعي، فالتلميذ الذي كان يجيب عن إمكانية انشطار الذرة قبل
أن يكتشف ذلك انيشتاين في العشرينيات من القرن الماضي، كان يسقط
في الامتحان، بعد ذلك بسنوات من يقول أنها لا تنشطر يلاقي نفس المصير.
اقصد أن العلم نسبي، منذ أن قال هيروقليطس قوله المشهور ( انك لا
تستطيع أن تنزل النهر مرتين) أي أن الأصل في الأشياء هو الحركة لا
الجمود.
وان أخذنا بعض الأمثلة نقول أن الخطوط العريضة للنظرية الاقتصادية
الحديثة قد تغيرت وتبدلت منذ ادم سميث إلي روبرت سولو(الحائز على
جائزة نوبل في الاقتصاد) فلو عاش الناس على نظرية ادم سميث لما وصلنا
إلي ما وصلنا إليه من (عولمة)
إذا وضعنا الوعود و التأكيدات العامة الصادرة من الأجهزة الحكومية
العربية جانبا فان إصلاح التعليم لم يتعد تلك الوعود العامة، ويبدو
أن اصلاح المناهج هو في صلب إصلاح التعليم، إلا انه في الظروف و
المعطيات الحالية، يكاد يكون شبه مستحيل، بالمعني الذي ينقل التعليم
العربي إلي آفاق مرتجاة، فمن قمنا بتعليمهم شربناهم على طول السنين
( ينبغيات) يكاد لا يستطيعون منها فكاكا، فأصبحوا هم، لا غيرهم سدا
منيعا للتطور!
لذا أصبح هناك اليوم في فضائنا العربي ما يمكن أن يسمي المناهج التعليمية
الموازية، وهي أشكال من التعليم ظهرت أولا فيما سميناه ( المدارس
الخاصة) وان كان على استحياء، ثم في الابتعاث إلى الخارج بعد ذلك،
وهو اليوم يكاد أن يُوطن في أكثر من بلد عربي، واعني به ظهور الجامعات
المشتركة بين بعض العرب وبعض الغرب، ربما مثل هذه الخطوات هي هروبية
في أحسن أحوالها، لأنها تزيد من تقسيم المجتمع، وتترك التعليم العام
نهبا للتردي و التصحر، إلا أنها للعاقل ربما خطوة قد تؤدي إلي الأفضل
بعد حين.
هذا المنهج الموازي يقدم لشرائح في المجتمع العربي فرصة عدم الوقوع
في تصادم مع القوى المحافظة التي ترغب، بسبب مصالح لها أو بسبب أفكار
ومعتقدات، أن يظل الحال كما هو يراوح في مكانه، إلا أن السؤال هو
هل تستطيع هذه المؤسسات ذات المنهج الموازي أن تقدم من المعرفة ما
يعتقد القائمون عليها أنها تفعل؟ أم أن هناك بعض الخيوط المرئية
وغير المرئية التي تربط بحبل سري مؤسسات المنهج الموازي بشؤون الدولة؟
لا زالت الجهود و الأموال المستثمرة في مؤسسات التعليم ذات المنهج
الموازي محدودة، سواء أكانت الجامعة العربية المفتوحة أو الجامعات
المشتركة التي تتكاثر.
سيظل أهل التعليم العرب في حيرة، ليس لنقص في أفكارهم وتطلعاتهم،
إنما بسبب افتقاد المجتمعات العربية إلي ( إرادة التغيير) وهي في
يد السياسيين أكثر منها في يد التربويين.
د. محمد الرميحي
باحث كويتي
أعلى
لا عداء للاستعمار والصهيونية
أحمد الجلبي هو أحد أعضاء (مجلس الحكم) الذي
نصّبه الأميركان في العراق. ولسنا هنا في معرض الحديث عن شخص الجلبي،
بل في معرض مناقشة ما كان قد ورد على لسانه في الآونة الأخيرة بشأن
أمور لا تخص العراق وحده، بل الأمة العربية والمسلمين والإنسانية
جمعاء، في الحاضر كما في المستقبل.
يقول الرجل: إن هناك لجنة خاصة في العراق تعمل للتخلص مما أسماه
(ايديولوجية البعث.. لإلغاء هذه الأيديولوجية من المناهج الدراسية
في الاعلام والأنشطة الثقافية مثل المسرح والسينما والفنون الجميلة
من رسم ونحت). وأضاف بلهجة الظافر (لم يعد هناك مصطلحات معادية للإمبريالية
والاستعمار والصهيونية في القاموس السياسي العراقي في الوقت الراهن).
ماذا يعني هذا الكلام..؟
بادىء ذي بدء.. فإن مصطلحات الإمبريالية والصهيونية والاستعمار ليست
مخصصة للوطن العربي. كما أن العرب عموماً لم يختاروها، بل هي برزت
في إثر فعل قامت به دول بعينها، منذ عدة قرون، حيث انتشارها إلى
دول وقارات، وقامت باستعمارها لكي تحقق قدرات وتبسط النفوذ، في آسيا،
وافريقيا، واميركا اللاتينية. من هنا استعبدت شعوب بكاملها ونهب
المستعمرون ثرواتها واستنزفوها. كما أن الإمبريالية هي أعلى مراحل
الاستعمار، هكذا قبل أن تعود الدولة العظمى، الولايات المتحدة الأميركية،
إلى سياسة الاستعمار المباشر بعد أن اصبحت القوة العسكرية والاقتصادية
الوحيدة المتحكمة بالعالم كله.
الوطن العربي خضع منذ بداية القرن العشرين إلى ضابطين محددين متزامنين،
هما (سايكس بيكو) من جهة، و(وعد بلفور) من جهة أخرى. حيث اكتملت
عملية استعباد الأمة العربية ونهب ثرواتها، ومصادرة حريتها ودورها
الريادي الحضاري.
لذا كانت الأمة العربية منذ القرن الماضي، تتحرك بمجمل حركاتها السياسية،
لتركز على التصدي لما يمنع وحدتها وحريتها وتحررها، واداء الدور
المنشود في المدار الإنساني.
لذا سقط الشهداء على أديم أرض العرب عبر الانتفاضات والثورات من
المحيط إلى الخليج. لقد قدم شعبنا في الجزائر فقط أكثر من مليون
شهيد، كما قدم شعبنا في المغرب وتونس وليبيا ومصر والسودان، وسوريا
ولبنان وفلسطين والعراق واليمن، عشرات آلالاف من الضحايا والشهداء،
على مذبح الحرية.
لقد مضى الشهداء وهم يحلمون بوطن عربي متحرر من الإستعمار ومن الإحتلال
الصهيوني لفلسطين، حيث لم يخف الصهاينة نواياهم ضد الأمة كلها. إذاً،
العرب لم يختاروا الأعداء وما حددوهم، بل إن العكس هو الصحيح حيث
الأعداء هم من اختار مناصبة العرب العداء. ومن منظور الجلبي في العراق،
فإنه على العرب كلهم أن يصفقوا للصهاينة وهم يحتلون أرض فلسطين،
وأن يطأطئوا للإنكليز وهم يتوجهون نحو بغداد في الحرب العالمية الأولى،
وكان على العراقيين ألا يثوروا عام 1920، ويقدموا الشهداء من (الرارنجية)
إلى (سن الزبان). وكان على الفلسطينيين أن يتركوا فلسطين طواعية،
دون حاجة إلى (إرغام) عصابات الهاغاناه والشتيرن والآرغون على اقتراف
اكثر من 250 مذبحة في مدن وقرى فلسطين، وكان على الجزائريين أن يدعوا
الجزائر للمستعمرين الفرنسيين، ويذهبوا إلى بلاد الله الواسعة، بدلاً
من أن يقدموا أكثر من مليون شهيد. وكان على المصريين ألا يثوروا
سنة 1919، وسواها، ضد الإنكليز، وكان على (عمر المختار) ألا يقود
الثورة الليبية ضد المستعمر الإيطالي، وكان على سوريا ولبنان ألا
ينهمك شعبهما في مقارعة المستعمرين الفرنسيين.. فلا هنانو ولا يوسف
العظمة ولا آلاف الشهداء كان عليهم التقدم لملاقاة جيوش الإحتلال.
وما كان على اليمنيين أن ينبروا ضد المستعمر الإنكليزي ويقدموا الأضاحي
في سبيل الحرية والاستقلال.. لأن ذلك، أي التصدي للمستعمر والصهيونية،
كان خطأ تاريخياً جاء من يصلحه أخيراً في ظل دبابات وصواريخ وطائرات
وأسلحة جورج بوش وتوني بلير في أرض الرافدين. وينسحب على الماضي
ما ينسحب على الحاضر، فلقد أخطأ العرب والمسلمون حين تصدوا للغزو
الصليبي لبلادهم قبل ثمانية عقود، وكان على صلاح الدين الأيوبي أن
يمنح (ريتشارد) ومن معه مفاتيح القدس، وأرض السلام كلها.. ولم يكن
الخليفة عمر (رضى الله عنه) مجبراً على الذهاب إلى فلسطين وبيت المقدس،
و..إذاً، لا حول ولا قوة إلا بالله. إن الاستطراد هنا قد يقودنا
إلى العودة آلاف السنين وصولاً إلى (نبوخذ نصر) وإلى ارتدادة لزمن
هتلر، مع دعوة الأوروبيين وكل الشعوب إلى عدم مقاتلة جيوشه الغازية
لأنها لم تكن تريد سوى احتلال واستعمار بلدانهم..!! وممن سيدانون
غاندي ونهرو وكل رموز مقارعة الاستعمار في الكون..
القاموس السياسي (العراقي) الآن ليس قاموساً عراقياً، لأنه قاموس
مفروض بقوة الاحتلال وبأدواته. والمقاومون العراقيون يقضون اليوم
على أديم العراق ليصححوا هذا (القاموس) الذي يرفض أن يواجه أطماع
الكيان الصهيوني. نذكرهم فقط بأن شارون أرسل عدداً من الحاخامات
إلى العراق، كي يصلوا (صلاة الشكر) شرق وغرب الفرات، في اليهود الذين
دخلوا إلى العراق مع قوات الغزو (الاحتلال). ويقال إن عددهم كان
(الفين) من بين قوات بوش وبلير..!!
معنى ذلك أن الصهاينة يريدون (دولتهم) من الفرات إلى النيل، لم يغيروا
علمهم، ولا محوا شعارهم والا تنازلوا عن ايديولوجيتهم العنصرية التوسعية.
والذين احتلوا العراق مستعمرون غزاة هدفهم مصادرة ثروة وكرامة وحرية
واستقلال وسيادة العراق والعراقيين. والمطلوب، من خلال كلام أحمد
الجلبي، أن يفسح العراقيون المجال أمام قوات الغزو لإنجاز مهامها
المرسومة، إذ من الخطأ، في القاموس السياسي العراقي الجديد، أن يطالب
أي عراقي بحريته وبخروج المحتل من العراق.
كما أن (المناهج) الدراسية التي يجري (تطهيرها) يجب أن تمّجد الغزاة
الفاتحين، ويجب ألا تحتوي على أي مادة أو موضوع فيه (تحريض) ضد العدو،
أو ليس هذا ما نصّ عليه اتفاق (واي ريفر بلانتيشن) بين العدو الصهيوني
والمفاوض الفلسطيني..؟!
لا قصيدة (بلاد العرب اوطاني)، ولا نشيد (أخي جاوز الظالمون المدى)،
ولا نشيد (الله أكبر)، و(لاحي على الجهاد)، ولا (ثوار لآخر مدى)،
ولا (راجعون) ولا لوحة ولا كلمة يمكن أن تستفز مشاعر (السادة) الذين
جاؤوا إلى أرضنا (محررين) يرفعون بدلاً من البنادق أغصان الزيتون،
هذا إذا أبقى المحتل الصهيوني على شجرة زيتون في فلسطين، وماذا يقال
بعد في هذا السياق..؟
كان ديغول والفرنسيون على خطأ.. وكان ماوتسي تونغ على خطأ..! وكان
تيتو على خطأ.. وكل من سار على درب التحرير..!! وكان كل القادة الذين
تصدوا للمحتلين والمستعمرين على خطأ.. من أول من رفع صوتا في وجوه
الغزاة حتى آخر طفل فلسطيني أو عراقي يحمل الحجر والراية ويهتف بعروبة
وحرية العراق وفلسطين..!
نواف أبو الهيجاء
كاتب صحفي ـ الأردن
أعلى
مكيال واحد... لا يتسع لبضاعة الآخرين!
كلما تصادف وأن تجرأ الأوروبيون فاقتربوا ولو
قليلاً من قول كلمة حق تتعلق من قريب أو بعيد بالصراع العربي الصهيوني،
ولو تضاءل شأنها وقل أثرها، تعالت بالتوازي الأصوات اليهودية في
إسرائيل والعالم، ومن يؤيدها، محذرةً من عودة وشيكة للاسامية إلى
ربوع القارة العجوز، ومنذرةً، وهذه إضافة جديدة، من خطر تعاظم النفوذ
الإسلامي فيها، بل وحتى من أسلمتها ديموغرافيا في المدى غير المنظور.
مثل هذا تكرر أكثر من أي وقت مضى في الحقبة الراهنة،خصوصاً على هوامش
بعض ما بدر من المواقف الأوروبية - الأميركية المتباينة، في بعض
الحالات، أو غير المتطابقة في حالات أخرى، قبيل وبعيد غزو العراق،
أو الخلاف حول شرعية الذرائع التي سبقت لتبرير الغزو. أو ما يتعلق
إجمالاً بدور الأمم المتحدة واحترام ما يعرف بالمواثيق والأعراف
والقوانين الدولية السائدة، أو ما اصطلح على تسميته بالشرعية الدولية
المتمثلة في القرارات الصادرة عن هذه المؤسسة الكونية، التي جرى
القفز عنها أو تجاوزها، أو حتى مصادرتها واستخدامها خارج إرادتها
أو ما يتنافى مع رسالتها التي أوجدت أصلاً من أجل حملها.
الاستخدام الابتزازي من قبل الدوائر الصهيونية لمقولة اللاسامية
قديم لا جديد فيه، لطالما عهدته القارة الأوروبية وأثقل كاهلها ولعقود
خلت. وتبدو اليوم وكأنها تكتم في سرها بدايات تبرم تلوح إرهاصاته،
عبر بعض المواقف الفردية الشجاعة، بعد أن طفح كيل تحمل أصحابها لهذا
الابتزاز.
بيد أن هذا الاستخدام غدا يأخذ شكلاً فجاً هذه الأيام، بحيث تجاوز
الضغوط الديبلوماسية والأخرى الخفية لمراكز القوى والنفوذ واللوبيات،
أو عبر الندوات الأكاديمية، والحملات الإعلامية، ليصل حد التصريحات
الإسرائيلية الرسمية والمتجاورة لحدود اللياقة الديبلوماسية، والتي
غدت تتردد على لسان من هم في قمة هرم السلطة في إسرائيل، مثل شارون
ووزراء ائتلافه، مثل الوزير لبيد، أو شخصيات مثل رئيس الوزراء العمالي
السابق بيريز، واستطراداً التوصيات التي تخرج بها المؤتمرات التي
تعقد وتخصص لهذا الشأن.
هذا لا يعني بحال أن هذه القارة التي أنتجت حربين كونيتين وحدها
لم يسبق لهما مثيل دموي عبر التاريخ، والتي لها وحدها كان امتياز
إنتاج وممارسة أبشع الفلسفات والممارسات العنصرية والشوفينية التي
عرفها العالم، والصهيونية واحدة منها، قد كفّت أو طلقت إلى الأبد
مواريثها في هذا المجال، وإن دأبت على عصرنتها وتشذيبها أو تمويهها،
كما لا يعني أيضاً أن أوروبا، التي كرهت يهودها وهم لديها وأحبتهم
ودعمتهم واعتبرتهم جزءاً منها ومن رسل حضارتها وهم عندنا، قد تغيرت،
وإن زاد تبرمها من ذاك الابتزاز الدائم المشار إليه... بل لعل في
مثل هذه المحارجة ما يدفعنا إلى التوقف بموضوعية أمام سلسلة من المواقف
الأوروبية المتناقضة من حيث الإيجابية أو السلبية تجاه قضايانا العربية،
ومحاولة قراءتها بعيداً عن المبالغة في تعليق آمالنا عليها، إن كانت
إيجابية، لا سيما ونحن نمر بأكثر حقب تاريخنا المعاصر تردياً، بحيث
يدفعنا حالنا الذي لا نحسد عليه إلى التعلق بأية قشة تصادفنا في
لجة ما نحن فيه، أو أن نتفاجأ بالسلبي منها. وكأنما هو الذي ما كنّا
لنتوقعه أو ننتظره من الأوروبيين!
لعل هذه المبالغة غير المحمودة في كلتا الحالتين قد تبدت في اتجاهين،
الأول: تمثل في قراءة البعض المتحمسة لنتائج الاستفتاء الشهير الذي
أجراه الاتحاد الأوروبي، ثم دأب على التملص من تبنيه، والذي يقول
ان غالبية الأوروبيين يعتبرون أن إسرائيل تشكل التهديد الأكبر للسلام
في العالم.
والثاني، المتمثل في تحذير البعض من بوادر عودة للتقارب أو التطابق
الأوروبي الأميركي مرة أخرى حيال قضايانا، بعد شبه الجفوة التي سادت
بين دول الاتحاد الأوروبي أو ما يسميه الأميركان بالجزء (القديم)
منها، المتمثل في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، والولايات المتحدة إثر
احتلال العراق.
وحيث ان العلاقات الدولية إجمالاً تقوم على المصالح، وترتكز إلى
جانب ذلك على أسس تاريخية وثقافية، فالأحرى بنا أن لا ننسى حقيقة
تقول ان ما يجمع الأوروبيين بالأميركان هو ما يظل الثابت في علاقة
الطرفين، أما المتحولات فيها فلا ترقى ولن ترقى إلى حدود فصم التحالف
القائم بين ضفتي الأطلسي، كما لن تدفع الأوروبيين بحال من الأحوال
إلى موقع الوقفة الجادة المؤيدة لقضايانا، أو المضادة للسياسات الأميركية
وثوابتها الإسرائيلية، والتي لن تكون إن حدثت إلا على حساب ذلك التحالف
وبالتالي تلك المصالح المشتركة للطرفين، كما يفهمانها ويحرصان عليها
تاريخياً.
إذن، للمواقف الأوروبية المشاكسة للسياسات الأميركية، أو المعترضة
على الممارسات الإسرائيلية حدود علينا إدراك مداها، وعدم الوقوع
في حبائل الأوهام الناجمة عن سوء تقديرها... وللتدليل على ما ذهبنا
إليه، نتوقف أمام سلسلة من الأمثلة الطازجة قريبة الحدوث، منها ما
أثير حول اقتحام السفير الإسرائيلي لمعرض فني أقيم في العاصمة السويدية
استوكهولم، ضارباً بكل اللياقات والمعايير الديبلوماسية عرض الحائط
عندما حطّم تمثالاً ضمه المعرض كان للاستشهادية الفلسطينية هنادي
جرادات... كل ما فعلته الخارجية السويدية، كما هو معروف، هو أن استدعت
السفير وطلبت منه أن يشرح (أفعاله غير المعقولة)، أما بالمقابل،
فقد استدعت الخارجية الإسرائيلية السفير السويدي في تل أبيب ليشرح
بدوره موقف بلاده المستغرب هذا، طالبة من الحكومة السويدية أن (تزيل
المعرض فوراً). وإذ هنأ شارون سفيره على موقفه اللاديبلوماسي طالب
وزير الأمن الداخلي في حكومته منح السفير وسام شرف! أي أن المسألة
يمكن حصرها في احتجاج سويدي على عدوان فني ضد معرض وليس على عدوان
صهيوني دائم على شعب يتعرض للإبادة جوبه بغطرسة واستغراب إسرائيلي...
يعزز ذلك الحصر، أن ما عرف بمنتدى الإبادة الذي عقد في العاصمة السويدية
بعد أيام تحوّل في مجمله إلى ما يمكن نعته بمنتدى (الإسلام والإبادة)،
ولم يجرؤ منتدوه على مناقشة الإبادة التي يزاولها الإسرائيليون ضد
العرب في فلسطين المحتلة. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا، ماذا
سيكون الموقف الأوروبي يا ترى لو أن المذبحة التي ارتكبها الإسرائيليون
في حي الزيتون في غزة وهي ليست سوى الأخيرة في سلسلة مذابح لا تتوقف،
قد حدثت على أيدي سواهم من غير اليهود، وفي أية بقعة أخرى من الأرض؟!
يمكننا تخيل ذلك الموقف بسهولة... وهذا يقودنا إلى مثال آخر، هو
ما لاقته النائبة البريطانية جيني تونغ التي ساقتها إنسانيتها وصراحتها
بل شجاعتها إلى مجرد التعبير عن تفهمها للعمليات الاستشهادية الفلسطينية...
كما يجرنا إلى ملاحظة كيف تحول منتدى دافوس الأخير المنعقد في سفوح
الألب السويسرية تحت شعار (المشاركة في الأمن والرفاه)، وكان الأغنياء
يقبلون مشاركة الفقراء رفاههم، إلى منتدى للحرب الأميركية على ما
يسمى (الإرهاب)، مع ما تيسر من تمويه مبرمج هو تجاذب لأطراف الحديث
حول التكنولوجيا، وكلام عن فوائد الحوار بين الحضارات، وضرورة البحث
عن السلام المفقود في الشرق الأوسط... لكن المثال الأخير الذي سوف
نعرض له سوف يجد الكثيرين ممن سيطنبون في الحديث عنه، وبالتالي يعيدنا
مجدداً إلى ضجة استفتاء الاتحاد الأوروبي المشار آلية، الذي جهد
في التنصل من عواقبه، ولاقى على أثره رئيسه الإيطالي رومانو برودي
جراء تأجيله لموعد لمؤتمر يعقد لمناقشة اللاسامية ما لاقاه من حملة،
بدأها وزير خارجية بلاده، اضطرت الأول إلى المسارعة في الإعلان عن
موعد عقده... المثال، هو أيضاً استفتاء أوروبياً آخر نشر مؤخر في
روما، يقول:
إن 46 % من الأوروبيين يعتبرون اليهود (مختلفين) في أوطانهم عن سائر
مواطنيهم الآخرين في تلك الأوطان، وإن 35% منهم يقولون ان على اليهود
التوقف عن (لعب دور الضحية)، و18% يرون أن اليهودية ديانة (غير متسامحة)،
كما تعتبر نسبة 17% منهم أن اليهود مواطنين (غير حقيقيين).
هل من جديد هنا؟
من السهل القول أن هذا ليس بجديد في المجتمعات الأوروبية عموماً،
لكن لعل ما يعيدنا إلى مسألة الحدود التي لا تتجاوزها المواقف الأوروبية،
وحتى الشعبية منها التي لا تصل حدود إلزام الحكومات بها، هو ما تبقى
من أرقام الاستفتاء، والتي تقول: ان 71% من المستفتين يرون أن على
إسرائيل الانسحاب من الأراضي الفلسطينية وعلى الفلسطينيين التوقف
عن مهاجمة الإسرائيليين، وأن 68% يرون أن لإسرائيل الحق في الوجود،
لكن حكومتها (تتبع خيارات خاطئة..)
إذن، كل ما يقترفه الإسرائيليون هو اتباعهم (خيارات خاطئة)، وعليه
كان الأجدى بهم، وهم لهم من حيث المبدأ حق الوجود على حساب وجود
شعب آخر، الانسحاب من أراضٍ فلسطينية... أما الفلسطينيون فعليهم
التوقف عن الاعتداء على الإسرائيليين ليسهلوا للإسرائيليين اتخاذ
خيارات صحيحة... منطق قد لا يرضي اليمين الإسرائيلي الذي سوف يرى
في الاستفتاء دليلا جديدا على اللاسامية الأوروبية، لكنه لا يتجاوز
حتى موقف ما يسمي اليسار الإسرائيلي الذي يقول أكثر من ذلك!
نحن هنا لا نتحدث عن الأميركان، بل عن الأوروبيين، الذين، ورغم ما
تقدم، يظل من واجبنا العمل على كسب مواقفهم إلى جانب قضايانا ما
أمكن، لكن دونما المراهنة كثيراً على ذلك... وأن ندرك ولو متأخراً،
أن اتهامنا للغرب عموماً بأنه يكيل بمكيالين فيه تجاوز للحقيقة...
لماذا؟
لأن الغرب لا يعرف إلا مكيالاً واحداً يكيل به مصالحه... لكنه لا
يتسع لبضاعة الآخرين!!!
عبد اللطيف مهنا
كاتب فلسطيني
أعلى
الأضحى في فلسطين حزين يستصرخ الأمة
على خلاف كل أمم وشعوب
الأرض التي تستقبل أعيادها الدينية والوطنية بمنتهى الفرح والحرية
والاحتفالية اللائقة ... وعلى خلاف أمم وشعوب العرب والإسلام على
نحو خاص التي تستقبل أعيادها الدينية والوطنية أيضا ببالغ البهجة
والفرح والسعادة والفرجة وكأن فلسطين والعراق ليسا من جسم الأمة
، فإن الشعب العربي الفلسطيني يسطر في عيد الأضحى الجديد الذي يحل
عليه في هذه الأيام ، المزيد من فصول التصدي والصمود ... والمزيد
من التضحيات في مواجهة جرائم القتل والهدم والجدران العنصرية الصهيونية
التي تقترف على مدار الساعة وبلا توقف على امتداد خريطة الوطن الفلسطيني
المحتل .
فالذي يجري على أرض الوطن العربي الفلسطيني المحتل في هذه الأيام
الاضحوية ، هي بالتأكيد جرائم حرب شاملة ، بشعة ، مخططة مبيتة تنتهك
كافة المواثيق والقوانين الدولية والبشرية انتهاكا صارخا سافرا ،
بل إن ما يقترف هناك من قبل دولة الاحتلال هو (إرهاب الدولة) بكل
ما ينطوي عليه هذا المصطلح من دلالات، وحسب المكونات الجينية للعقلية
الصهيونية - الإسرائيلية فان كل هذه الانتهاكات الجرائمية ليست عفوية
أو ردات فعل على ما يطلقون عليه (الإرهاب الفلسطيني)، وإنما هي نتاج
مكثف لثقافة القتل والهدم والجدران ، التي فرختها ورعتها وقوتها
مستنقعات الفكر العنصري الصهيوني .. ذلك الفكر الذي لا يرى بالآخرين
من الفلسطينيين والعرب على نحو خاص ، سوى (أغيار من الحيوانات) ،
يجب (سحقها أو تصفيتها وأبادتها بالصواريخ) ، حسب تصريحات كبير حاخاماتهم
عوباديا يوسف ، ولا يرى باليهود سوى (شعب الله المختار) .
وإذا ما أضفنا إلى ذلك تلك الابعاد الاستراتيجية السياسية الصهيونية
التي يعمل المشروع الصهيوني من أجل تحقيقها، فإننا يمكن أن نتنبأ
بالتأكيد أن ثقافة القتل والهدم والتدمير في فلسطين لن تتوقف ولن
تنتهي ، وان التطبيقات الإجرامية لهذه الثقافة ضد أطفال ونساء وشيوخ
فلسطين كذلك ستستمر وستتأجج ، طالما هم يعتبرون أن فلسطين من البحر
إلى النهر هي (أرض إسرائيل) وان من حق اليهودي أن يقيم ـ يستوطن
ـ في أي مكان يريد ، وطالما أن تلك الدولة الاحتلالية تحظى بتحالف
ودعم وغطاء أقوى دولة على وجه المعمورة ، وطالما أنها تحظى كذلك
بتفكك وعجز وصمت واستسلام وتأقلم عربي نموذجي مع وجودها وتهديداتها
وشروطها الابتزازية.
على امتداد مساحة الوطن الفلسطيني المحتل ، تقوم قوات الحرب الاحتلالية
بحملات الاعتقال والقتل والابادة ضد الفلسطينيين على مدار الساعة
، وتقوم جرافات ودبابات وصواريخ الاحتلال بأعمال الهدم والتدمير
الشامل لكافة مكونات البيئة ومجالات الحياة الفلسطينية في الوقت
الذي تقيم فيه جدران العزل العنصري (الابرتهايدي) على امتداد مساحة
الضفة والقطاع ، وكل ذلك يتم تحت شعار شارون المعلن (اما نحن وأما
هم).
وبالأرقام والحقائق الماثلة هنالك ، وحسب أحدث التقارير الفلسطينية
، فان عدد الشهداء الفلسطينيين منذ اندلاع انتفاضة الأقصى والاستقلال
وصل إلى نحو من (3500 -3700 ) شهيد منهم حوالي 35% من الأطفال ،
وأكثر من ( 205) من الشهيدات الفلسطينيات ، بينما وصل عدد الجرحى
إلى نحو (48) ألف جريح ، تصل نسبة الأطفال منهم إلى أكثر من 30%
، في حين وصل عدد المعتقلين في معسكرات الاحتلال إلى حوالي (25)
ألف معتقل.
أما بالنسبة للهدم والتدمير فقد بلغ عدد المنازل الفلسطينية التي
دمرت تدميراً كاملاً وجزئياً إلى (55000 ) منزل ، بينما لا تبقي
الجرافات العسكرية العملاقة ولا تذر ، فهي لا تتوقف أبدا عن تجريف
وتهديم البيوت فوق رؤوس أطفالها ونسائها وشيوخها ، ولا تتوقف عن
اجتياحات التجريف والتدمير والاقتلاع ، إذ وصل عدد الأشجار العربية
التي تم تجريفها ، وتدميرها أو اقتلاعها وسرقتها إلى أكثر من مليون
شجرة .
أما عن الجدران العنصرية فحدث ... فها هو جدار العزل المشهور المخطط
له ان يمتد من أقصى شمال الضفة إلى أقصى جنوبها ، عبر وسط الأرض
الفلسطينية ليقطعها إلى أجزاء ، وليلتهم ويهوّد أكثر من نصف مساحة
الضفة ، وها هي تداعياته وتأثيراته تطول كافة مجالات الحياة الفلسطينية
، فهذا الجدار يصادر الأرض الخصبة والاستراتيجية ومصادر المياه الفلسطينية
من جهة ، ومن جهة أخرى يدمر الآبار ويهدم آلاف المنازل والأشجار
ويحول المدن والتجمعات الفلسطينية المختلفة إلى معسكرات اعتقال في
الجانب الشرقي منه .
اعتبر الدكتور مصطفى البرغوثي الجدار انه اخطر الأسلحة الإسرائيلية
ضد الشعب الفلسطيني على (الإطلاق) ، بينما اعتبره احمد قريع - أبو
العلاء - انه (أبشع انتهاك عرفه التاريخ) ، في حين أكد عمرو موسى
انه من العبث الحديث عن السلام مع الإسرائيليين طالما أن اسرائيل
مصممة على بناء الجدار في الضفة الغربية. ، أما الجمعية العامة للأمم
المتحدة فاعتبرته غير شرعي وطالبت (إسرائيل) بوقف بنائه وحولت ملفه
إلى محكمة لاهاي الدولية ، غير إن عقلية الجدار لم تتوقف عند هذا
الجدار الكارثي الذي سيصل طوله إلى نحو 1000 كم ، بل أصبح لدينا
إلى جانبه جدران أخرى تتوالد تباعا ، فهناك جدار القدس الذي يطلقون
عليه (الغلاف) ، وهناك جدار شارون الخاص بالأغوار ، وهناك جدار رفح
، وهناك جدران أخرى ستحيط بالمستعمرات اليهودية المنتشرة في أنحاء
الضفة .. جدران كبيرة وضخمة وبرلينية وصينية وغيرها .. وجدران صغيرة
متزايدة يوما عن يوم.
إنها أدبيات الفكر العنصري الصهيوني في أبشع تجلياته .. وثقافة القتل
والهدم والجدران العنصرية في ذروة تطبيقاتها الإجرامية بلا أي كوابح
أخلاقية أو عربية أو دولية .. إنها (إسرائيل) دولة الإرهاب المنظم
الخارجة اليوم على كافة القوانين والمواثيق الدولية والمتمردة على
أكثر من ( 815) قراراً دولياً صادراً عن الأمم المتحدة بمجلسها وهيئتها
العامة ولجانها المختلفة .
ويتساءل باتريك سيل الكاتب البريطاني في الحياة اللندنية : (هل يمكن
صد شارون ؟) الذي (يقترف جرائم الحرب ويقود ذلك الإرهاب).
فيما أكد البروفيسور أنتونيوكاسا الرئيس الأول للمحكمة الجنائية
الدولية لجرائم الحرب (أن الاغتيالات التي تمارسها إسرائيل في الأراضي
الفلسطينية هي جرائم حرب) ، وعززه المحامي البلجيكي لوك فالين الرئيس
السابق لمنظمة (محامون بلا حدود الدولية) قائلا : إن ما ترتكبه قوات
الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني من عمليات قتل واغتيال وهدم
وتدمير المنازل هي جرائم حرب تتنافى وتتعارض كليا مع الاتفاقيات
الدولية وخاصة اتفاقية جنيف) ، وأكد الحقوقي الأميركي جوزيف شاكلا
منسق التحالف الدولي للموئل - شبكة السكن والأرض في الشرق الأوسط
، (إن إسرائيل تقترف جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني) .
وإسرائيليا هناك أيضا جملة من الشهادات الإسرائيلية المحترمة التي
تعلن على رؤوس الأشهاد (أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب ضد الفلسطينيين)
، ومن أهمها على سبيل المثال : ما كتبته الوزيرة السابقة شولميت
الوني في هاآرتس متسائلة : (كم عدد الأشخاص الذين يجب أن يقتلوا
دفعة واحدة ، وكم عدد المنازل التي يجب أن تهدم دفعة واحدة ليشكل
ذلك جريمة حرب .. ؟) بينما كتبت تانيا رينهارت في يديعوت أحرونوت
تقول : كيف يصمت الإسرائيليون .. إن إسرائيل تفرض موتا زاحفا على
الشعب الفلسطيني . ، وحتى أن أكثر من 200 طالب ثانوي إسرائيلي بعثوا
برسالة إلى شارون يؤكدون فيها :أن إسرائيل دولة تقترف الجرائم ضد
الفلسطينيين وتدوس حقوق الإنسان.
إنها جرائم حرب واسعة وشاملة تقترف بالجملة بلا توقف ضد الشعب الفلسطيني
كله بصغاره وكباره وشجره وحجره دون أن يرف للعالم جفن ..؟!!
ولكن في ظل هذا المشهد الحزين وبرغم جرائم الحرب الصهيونية المستمرة
فإن الطموحات والآمال والأحلام الوطنية التحررية الاستقلالية والإنسانية
الفلسطينية كبيرة واسعة وراسخة ومشروعة... فكل أبناء الشعب العربي
الفلسطيني هناك على امتداد خريطة الوطن الفلسطيني المغتصب والمهود
، يتطلعون إلى أن يستيقظوا صباح ذات يوم ليروا الوطن الفلسطيني بلا
احتلال وقوات غزو ومستعمرات ... وبلا اجتياحات وتجريفات واغتيالات
واعتقالات ومجازر دموية.. وبلا مصادرات وأطواق وحواجز حربية تنكيلية
وعقوبات جماعية تحول حياتهم إلى جحيم يومي لا يطاق.. وكذلك بلا جدران
عنصرية تهويدية تحول مدنهم وقراهم إلى معسكرات اعتقال كبيرة وصغيرة..
غير أنه ليس من المنتظر إطلاقا أن يحمل لنا المستقبل القريب معه
معجزة كبيرة أو أسطورية تقلب الحالة والأوضاع الفلسطينية رأسا على
عقب فنحن في زمن لا يعرف المعجزات الأسطورية إلا بقدر ما تصنعها
الأمم والشعوب وبقدر ما تجمع وتتضافر الظروف والمعادلات الفلسطينية
والعربية والإقليمية والدولية لصنعها .
فما يجري في فلسطين جزء لا يتجزأ مما يجري في المنطقة العربية والشرق
أوسطية كلها وهو نتاج طبيعي لها بشكل عام وللأوضاع العربية بشكل
خاص جدا ، فلو كانت الأحوال العربية على غير ما هي عليه منذ أكثر
من نصف قرن من الزمن ... ولو كانت لدى الأمة والدول والأنظمة والقيادات
العربية إرادة سياسية وخيارات تحررية حقيقية لما حصل ما حصل في فلسطين
والعراق .
ولذلك نقول ان هذا العيد الجديد في العام الجديد يولد فلسطينياً
من رحم العام المنصرم ، وهذا العام المنصرم كان طافحا بالتضحيات
والنكبات الفلسطينية بقدر ما كان مليئا بالملاحم البطولية ، لكنه
كان من جهة أخرى عاماً بائساً رديئاً محبطا مخجلا في الوقت الذي
كان فيه عاماً سيئاً جدا للمجتمع الدولي وللمواثيق والقوانين والقيم
الدولية والإنسانية.
نواف الزرو
باحث في شؤون الصراع العربي ـ الاسرائيلي
أعلى
خارطة طريق لمحاكمة صدام حسين
سيقدم صدام للمحاكمة هذه السنة وقد تساعد محاكمته
في اعمار العراق من الناحية السياسية، ان تقديم صدام للعدالة التي
حرم منها الالوف من ابناء شعبه يشكل نصرا لقوات التحالف ولضحايا
صدام اكثر مما هو نصر لسياسة حقوق الانسان الدولية التي تبحث عن
التفسيرات او المبررات عندما يقوم قادة الدول بقتل مواطنيهم او تعذيبهم
او تشويههم.
في هذه الظروف فان احسن وسيلة لمحاكمة صدام حسين تتمثل في محاكمة
عراقية يديرها عراقيون يتوفر فيها الحدود الدنيا المتعارف عليها
دوليا للعدالة لكن البعض اقترح وبسبب الجرائم العديدة التي ارتكبها
صدام حسين والخلافات الدولية حول الحرب التي شنتها الولايات المتحدة
ضد العراق اقترحوا محاكمته من قبل محكمة جرائم دولية تشرف عليها
الامم المتحدة مشابهة للمحاكم التي انشئت خصيصا ليوغوسلافيا ورواندا
او امام محكمة مشتركة من القضاة الدوليين والمحليين كما جرى في سيراليون
عندها ستكون المحاكمة عادلة كما يرى اصحاب هذا المقترح وهو مقترح
مغر لكنه لن يكون الطريق الاصوب، ان تشكيل محكمة دولية تضم قضاة
دوليين حتى لو عملت داخل العراق فانها لن تكون الوسيلة المثلى لمحاكمة
صدام هذا لا يعني ان مثل هذه المحكمة شيء سيىء او غير جيد لكننا
يجب ان لا نلجأ الى هذا الاسلوب عندما يتوفر اسلوب بديل افضل منه.
شكلت محكمتا حروب البلقان وجرائم رواندا لعدم توفر الرغبة السياسية
(في يوغوسلافيا السابقة) او الامكانيات القضائية (في رواندا) لتقديم
الاشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد الانسانية للعدالة.
في حروب البلقان شكلت محكمة في لاهاي بينما ما زالت الحرب مستعرة
في مكان بعيد عن موقع المحكمة. ودعت حكومة رواندا الامم المتحدة
لتشكيل محكمة دولية حتى لا يقال ان المنتصرين هم الذين حاكموا المتهمين
وبالرغم من ان الحكومة الرواندية ارادت ان يكون مقر المحكمة في العاصمة
كيغالي الا ان مجلس الامن فضل ان يكون المقر في مدينة اروشا التنزانية
لاسباب كانت وجيهة حينها.
وخلال عقد من الزمان حققت محكمتا لاهاي واروشا نجاحات واضحة الا
اننا لا يمكن اعتبارهما نموذجا لمحاكمة صدام حسين نظرا لغياب الصبغة
المحلية في مقاضاة جرائم دمرت المجتمع العراقي أي ان ضحايا تلك الجرائم
سيقفون موقف المتفرج اثناء اجراء تلك المحاكمة.
الا ان المعايير الدولية مهمة جدا لكن ذلك سيعتمد على الشخص او الاشخاص
الذين سيقيمون تلك المعايير في المحاكمات التي تتولى جرائم الحرب
لكن لعناصر تلك المحاكمات من قضاة وادعاء عام ومتهمين اهتمامات قد
تكون مختلفة عن بعضها البعض لذلك فان هاجس الكمال قد ينحو بالمحاكمة
بعيدا عن جوهر العدالة لكن احد تلك المعايير (عدم اللجوء للاعدام)
يجب ان ينفذ.
ربما سيطلب العراقيون الدعم الدولي بشأن التحقيقات او القضاة لكن
التأثير التاريخي الاكبر سيتحقق عندما تقوم محكمة عراقية بمحاكمة
صدام حسين باللغة العربية (مع توفر الترجمة الفورية لعدد من اللغات)
ووفقا للقانون العراقي والقوانين الانسانية الدولية التي دخلت القوانين
الوطنية.
ان تشكيل محكمة مشتركة (عراقية دولية) لن يكون نافعا ايضا اولا سينشب
صراع وراء الكواليس حول من سيهيمن على مجريات تلك المحكمة ثانيا
ان هذه المحكمة لن تضمن السيادة العراقية على المحاكمة ان نموذج
محكمة سيراليون وعلى النقيض من الانطباعات التي كانت سائدة ومن الجانب
العلمي لم يكن لسيراليون اثر ملحوظ في ادارة المحكمة او قراراتها.
وعلاوة على ذلك ان محاكمة صدام يجب ان تكون قصيرة (ان لا تزيد عن
السنة الواحدة من بدايتها حتى نهايتها) ولتحقيق ذلك يجب اختيار تهم
معينة لتوجه الى صدام حسين تتوفر بشأنها قرائن دامغة ان محاولة توجيه
طائفة واسعة من التهم لن يكون مجديا لان ذلك سيطيل وقت المحاكمة
ويبعدها عن اهتمامات العراقيين والعالم لانشغالهم بأمور اخرى.
ان العلاقة بين السلطة والقانون الدولي والمجتمع الدولي ستشكل الاساس
في محاكمة صدام حسين عن التهم التي ارتكبت خلال فترة حكمه لكنه من
الضروري توضيح مشروعية الحرب التي ادت الى احتلال العراق وتحريره
من مخالب دكتاتوره السابق وعواقب عدم تنفيذ قرارات الامم المتحدة
السابقة.
في عالم يجري فيه توظيف القانون الدولي في تحقيق المصالح الوطنية
علينا دائما التفكير بالفوارق الموجودة بين القانون والسياسة والاستراتيجية.
كنغزلي تشيدو موغالو
المستشار القانوني السابق لمحكمة مجرمي رواندا الدولية في اروشا
ـ تنزانيا.
* خدمة غلوبال فيوبونيت خاص بـ(الوطن).
أعلى