باختصار 
الانتخابات الأميركية
يقال بان الولايات المتحدة تواجه اعقد انتخابات
رئاسية في تاريخها وان الانتخابات المقبلة التي تهيء ظروفها الموضوعية
لتكون علامة مميزة من علامات الديمقراطية سوف لن تكون عادية وستخاض
على اساس الضرورات والمتغيرات وما يمكن ان تكونه الولايات المتحدة
في حال تم انتخاب رئيس مختلف عن جورج بوش .
من الواقعي ان نتفهم حاجة الولايات المتحدة الى اعادة انتخاب الرئيس
جورج بوش نظرا لدقة الملفين اللذين وضعهما في يده خلال عهده ، وهما
ملف افغانستان وملف العراق . ويكاد يجمع اهل الشأن على ان هذين الملفين
سوف يصعب لاي رئيس غير بوش ان يتحكم بهما عن بعد وان يتحمل مسؤوليتهما
من الناحية الميدانية ومن الرجوع اليهما بشأن تسويات سياسية يفترض
ان تحصل لاحقا .
واذا كانت افغانستان لاتزال عصية على الاميركيين حقيقة وهي كذلك
على حكم كارازاي فليس هنالك مايشجع على الامساك بهذا الملف الشائك
والمعقد والذي يطوي مخاطر بعضها محسوب والبعض الاخر مازال علمه في
الغيب وقد تضطر الولايات المتحدة بشخص بوش ان تتابع الامور على تعقيداتها
سيما وان التحالفات الرسمية الافغانية لم تزل على هشاشتها وان المطلوب
رقم واحد في العالم اسامة بن لادن وبعض جماعته مازالوا طلقاء بحيث
لم تستطع يد (العدالة) الاميركية من وضع اليد عليهم كما جرى مع صدام
حسين وبالتالي فان دورهم مازال على حاله ينبت كل يوم اكثر من تحد
ويزرع كل يوم وسائل جديدة للحرب على الاميركيين . واذا اضفنا الى
بن لادن الملا عمر زعيم حركة طالبان الطليق هو الاخر فان مرحلة التهدئة
مازالت بعيدة وما زال بامكان (طالبان) على المدى الطويل او المتوسط
ان تعيد تفكيك مازرعه الاميركيون ضمن استجابات منسقة من بن لادن
وما تبقى من (القاعدة) التي مازالت اميركا تعتبرها المهدد الاول
لها في العالم .
اما العراق فملا يزال موضوعه برسم اعادة النظر ، واغلب الظن ان الولايات
المتحدة التي وعدت بنقل السلطة الى العراقيين في يونيو المقبل ستجد
نفسها مضطرة ،ربما، الى البقاء على المسرح لان الترتيبات في العراق
لم تزل بحاجة لتواجد اميركي كما هو حاله اليوم وان تلك الترتيبات
مازالت وليدا بحاجة الى وقت ملائم تتمكن فيه من التحكم بالمصير العراقي
.
ومن المؤكد ان العراق الذي تتعامل قوى متعددة مع الوضع الحالي باعتباره
من الثوابت فان التحالفات الميدانية للمقاومين ضد الاميركيين سوف
تزيد واذا مااضطر الاميركيون من العودة الى ثكناتهم في المستقبل
فان هذا قد لايضير القوى المقاومة التي تأخذ بعين الاعتبار مشروعا
من هذا النوع يكون هدفه إيجاد توترات بين العراقيين انفسهم قد تؤدي
الى حرب اهلية .
ستكون اذن الانتخابات الرئاسية الاميركية معقدة لكنها ستكون متورطة
في الخارج الذي سيكون لاول مرة الناخب الاكبر في تلك الانتخابات
والمتغير الاكبر ايضا مما يضع تلك الانتخابات وماسيليها في خانة
الطواريء لاول مرة .
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى
في الموضوع
صورة قلمية 
في مقر جمعية الصحفيين الاجانب بالعاصمة البريطانية
لندن، تحتل الجدران مجموعة من الصور ذات المغزى المهم، التقطها مصورون
صحفيون من جنسيات مختلفة، تشمل موضوعاتها معالم تاريخية، وشخصيات
مهمة في عالم السياسة او الفن او الثقافة، لكن واحدة منها كانت الاكثر
لفتا للنظر ـ على الاقل بالنسبة لشخص عربي ـ لانها لقطة لجندي اميركي
شاب، بكامل ملابس الميدان، وفي يده سلاحه الشخصي الآلي الخفيف، وهو
جالس على مقعد وثير في احد قصور الرئيس العراقي السابق صدام حسين
، وعلى وجه الجندي الاميركي ابتسامة واسعة بما وصل اليه، لكن الامر
ذا المغزى الهائل في تلك اللقطة، كان يتمثل في ان الجدار من خلف
المقعد الوثير كان مغطى بنوع فاخر من الخشب، وعليه من اعلى ـ على
شكل قوس ـ الآية الكريمة (نصر من الله وفتح قريب) وكذلك كانت هناك
كلمتان مكتوبتان من اعلى الى اسفل على جانبي الكرسي، تقولان (القدس
لنا).
كانت هذه الصورة القلمية اثناء رسمها اكثر ايلاما على النفس عن اي
شئ آخر، لانها تنقل عن صورة فوتوغرافية ، ربما ظن الذي التقطها ان
الامر لا يعدو جلوس جندي منتصر على مقعد زعيم مهزوم، لكن الابعاد
الحقيقية لما جرى تذهب الى ما وراء ذلك بكثير، لان الرئيس العراقي
السابق اعتمد العقيدة الدينية ـ ووثيقتها الاساسية القرآن الكريم
ـ اساسا حاول استمداد شرعية حكمه منه، لكنه في حقيقة الامر لم يلتزم
بمبادئ هذه العقيدة من الناحية الفقهية، ولا استفاد من تعاليمها
في اعمال التفاوض والسياسة او الحرب .. ومن ثم كان هذا الفرق بين
الحقيقة والادعاء كبيرا، وادت سعة الشقة بين الاثنين الى سقوط ذلك
النظام في هاوية الوهم.
ربما يقفز بعض (الاسلاميين) عند قول من هذا النوع، ويقولون ان الابتعاد
عن الله يسبب للانسان مشاكل لا يستطيع الخلاص منها، وهذا امر صحيح
لكن الامر ليس فقط في الابتعاد عن الله، وانما ينسحب الى كل امر
في حياة البشر، يلجأ الناس فيه الى الادعاء بما هو غير حقيقي ويصل
بهم الامر الى الاعتقاد بصحة ما هو حقيقي، والعمل من اجل فرضه على
الاخرين حتى وان كان هؤلاء الاخرون على وعي بأن ما يحدث غير صحيح،
فيحدث القهر والقمع لاجبار المحكوم على التماشي مع ما يطالبه به
الحاكم، ويستمر الامر على هذا النحو، حتى يسلط الله على الظالم ظالما
اخر اكثر منه ظلما، واكثر منه قدرة على فرض الظلم على غيره، فيخلص
الناس من شره.
والنقطة المهمة في هذا السياق، هي ان اطاحة الظالم الاقوى بالظالم
الاقل، ربما يكون فيه شيء من الرقة المؤقتة، لانه ـ من خلال تلك
الاطاحة ـ نجح في تخليص الناس من ظلم كان يقع عليهم، لكن الظالم
الاقوى ـ حتى وان حقق عملا فيه رحمة ـ لا يمكن تبرئته من ان الظلم
جزء من طبيعته لكن ممارسة الظالم الاقوى للظلم، ربما تأخذ شكلا مختلفا،
فالحسنة التي جاء بها، من حيث اطاحة الظالم الاضعف، لم تكن بهدف
انهاء الظلم، وانما للتخلص من منافس ظالم اقل منه تماما كما يحدث
في مملكة الحيوان في الغاب حيث يسيطر الاقوى على الاضعف، ويزيحه
من موقف الهيمنة على الاخرين لكي يهيمن هو بنفسه عليهم.
ولان الظلم جزء من طبيعة الظالم الاقوى، فإنه سيظل يمارسه ضد الاخرين،
لكن صورة الظلم ربما تكون مختلفة، وهي تبدأ في حالة العراق من الهيمنة
على موارد نفطه، ثم تمتد الى فرض تبعية الحكم في بغداد، لتأمين الهيمنة
على موارد النفط، ثم استخدام الهيمنة على العراق للتأثير في المنطقة
العربية، بما يحقق المصالح الاميركية، حتى وان كان ذلك على حساب
المصالح العربية، ويتضمن احداث الفرقة بين الدول العربية، والعمل
على فرض قبول اسرائيل في المنطقة العربية، بما في ذلك الاقرار بدور
اقليمي يخدم المصالح الاميركية ايضا، في نوع من التكامل والتبادل
بين الصهاينة وحلفائهم الاستراتيجيين في واشنطن.
وفي هذا السياق فإن الظلم الاميركي الجديد، ربما لا يأخذ صورة العنف،
التي كان صدام حسين يفرض بها ظلمه للشعب العراقي، وانما يأتي في
قفاز حريري، يعصر حتى الموت لاستنزاف اخر قطرة من دماء النفط، دون
ان يترك بصمة مباشرة على الجسد العربي الذي يفترسه، وانما يتصل به
من خلال ملمس ناعم، وفي الوقت نفسه فإن الزعم الاميركي بالتعامل
مع الواقع العربي ـ الذي اهم ملامحه الحالية هي الفرقة والتجزئة
ـ يتجاهل انه المسؤول الاول عن تغذية هذه التجزئة ويعمق آثارها في
النفوس، والمشكلة هي اننا نتجاهل واقع الفرقة والتجزئة حتى يلفت
الاخرون انظارنا اليها، ولا نعمل على رأب الصدع لان مستشارينا الاجانب
يقولون لنا انه (لا يصلح العطار ما افسده الدهر) ونحن نصدقهم ونسلم
بما يقولون.
ونتيجة ذلك كله، ان (النصر) و(الفتح) يكون من نصيب الظالمين، لكن
الامل في وجه الله خير، وليس امامنا سوى التسلح بسلاح المؤمن الضعيف
الذي لا يستطيع الفعل المؤثر، ونقول لانفسنا (لا بأس .. فإن دولة
الظلم تدول).. ايضا.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى
كل يوم 
سلام شارون بين القول والفعل !
قبل زيارته الوشيكة للولايات المتحدة يحاول
شارون ان يظهر بمظهر الحريص على احلال السلام في المنطقة والراغب
في تقديم (تنازلات مؤلمة) للفلسطينيين لاظهار حسن النوايا ودفع (ثمن)
هذا السلام !
وعلى الرغم مما يعرف عنه من تصلب وعنصرية وحقد ودموية فإن رئيس الوزراء
الاسرائيلي يحاول ان يحجب ذلك كله بحجاب كثيف مما يمكن ان نسميه
(هجوم السلام)!
بالطبع لا يمكن ان يكون السلوك الطبيعي مثل التصنع، وكما يقول مثلنا
العربي (الطبع يغلب التطبع) ومن هنا ينكشف هذا القناع، حين نقرأ
تصريحات شارون او نستمع الى خطاباته ثم نقارن اقواله بأفعاله !!
ولهذا تتكرر معنا قصة الصياد الذي كان يذبح العصافير في يوم شديد
البرودة بينما كانت عيناه تدمعان !! فقيل لمن ظنه (متعاطفا) مع العصافير
و(متألما) من ذبحها: لا تنظر الى دموع عينيه، ولكن انظر الى فعل
يديه !!
ففي الوقت الذي كان فيه شارون يعطي الاوامر لجيشه المحتل لمواصلة
تدمير المدن والقرى واغتيال قيادات المقاومة الفلسطينية، وناشطيها
والتنكيل بالمعتقلين في السجون الاسرائيلية، ويؤكد على اقامة الجدار
العنصري العازل الذي يحول الاراضي الفلسطينية الى (كانتونات) معزولة،
والذي يشدد على نظرية (القلعة) الاسرائيلية .. في هذا الوقت اعلن
شارون عن خطة احادية لتفكيك بعض المستعمرات في قطاع غزة لاستكمال
الفصل العنصري وعزل الدولة الصهيونية عن باقي الاراضي الفلسطينية
المحتلة، غير ان هذه المستعمرات التي يريد شارون تفكيكها وانهاء
وجودها هي ما يصفها بـ(غير الشرعية)! وهي على كل حال مجموعة من المنازل
المؤقتة او (الكارافانات) التي يسهل تفكيكها ونقلها تسهل اعادتها
الى طبيعتها او نقلها الى اماكن اخرى في الضفة الغربية المحتلة.
وسواء اكانت المستعمرات ثابتة ام متحركة فإنها تفتقر دائما الى الشرعية
ولا يجوز ان يوصف بعضها بـ(الشرعية) ! وهو الاغلب وبعضها الاخر وهو
الاقل بـ(غير الشرعية) !
وعلى الرغم من اهمية موضوع المستعمرات فإن التفكير في ازالتها او
اخراج المستعمرين اليهود منها، لا يرتبط فقط بالرغبة الاسرائيلية،
بل ان المخاطر التي تتعرض لها تحت ضربات المقاومة هي التي جعلت شارون
يفكر في ازالتها، لتخفيف معاناة المستعمرين، من جهة، وللتقليل من
النفقات الامنية المتعلقة بحمايتها من هذه الهجمات المتواصلة من
جهة اخرى !
وايا كانت ادعاءات شارون فإن الرغبة في السلام لا تتجزأ وعليه، ان
كان صادقا في توجهاته، ان يدلل على ذلك بالموافقة على انهاء الاستعمار
وازالة المستعمرات من سائر انحاء الاراضي الفلسطينية المحتلة، كما
عليه ان يسحب قواته المحتلة من فلسطين والجولان ولبنان !! او ان
يعلن مبادرة حسن نوايا في هذا الاتجاه تجعل التفاوض ممكنا في ظروف
موضوعية لتحقيق هذه الاهداف بالسرعة الممكنة، بدلا من هذا الحديث
المبالغ فيه عن (تنازلات) موهومة بشأن بعض مستعمرات غزة التي لا
تزيد على سبع عشرة مستعمرة بينما توجد مئات المستعمرات وآلاف المواقع
الاستعمارية في سائر المناطق المحتلة يجري توسيعها وتسمينها.
لا نعتقد ان حديث شارون يتطابق مع افعاله في هذا الشأن، ولا نرى
في هذه التصريحات غير محاولة (لتجميل) صورته امام كاميرات التليفزيون
عشية زيارته للولايات المتحدة !
محمد ناجي عمايره
mohamayreh@hotmail.com
أعلى
3 أبعاد
العطش
عطش الفلسطينيون للحرية لا يعادله إلا عطش
للماء. والماء القليل المتوفر في جوف الأرض تحت أقدام الفلسطينيين
يسرقه مستوطنون إسرائيليون ثم يبيعونه بربح كبير للفلسطينيين أنفسهم.
الجدار الأمنى الذي تشيده إسرائيل يحرم الفلسطينيين من خمسين بئرا
مائيا في جوف أراضيهم والمياه الجوفية هي المورد المائي الوحيد المتوفر
للشعب الفلسطيني. انظر الى الموارد السطحية الموجودة في المنطقة.
هناك نهر الأردن وهناك بحيرة طبرية. هذه الموارد السطحية تتقاسمها
إسرائيل والأردن بمقتضى اتفاق بين البلدين في عام 1996. حتى الفلسطينيون
الذين يعيشون على جانب نهر الأردن ليس من حقهم قطرة واحدة من مياه
النهر. ولكن المياة الجوفية تحت الضفة الغربية تتعرض للنهب. وفقا
لدراسة لخبير الميا مارك زيتوني تسحب إسرائيل 80 في المائة من المياة
الجوفية الفلسطينية ويسحب الفلسطينيون 20 في المائة فقط من هذه المياه.
طبعا الإسرائيليون يسحبون أيضا مائة في المائة من المياه الجوفية
تحت أراضيهم. معظم هذه المياه يستخدم في الزراعة ولكن انظر الى ما
تمثله الزراعة بالنسبة للناس في المنطقة. الزراعة تمثل 3 في المائة
فقط من إجمالي الناتج المحلي لإسرائيل و 30 في المائة من إجمالي
الناتج المحلي للفلسطينيين. ومن حيث كمية المياه التي يستهلكها الفرد
في المنطقة نجد أن الإسرائيلي يستهلك في المتوسط 350 مترا مكعبا
من المياه في السنة وهي كمية أكبر اربع مرات مما يستهلكه الفلسطيني.
ربما تسلب إسرائيل الأرض من الفلسطينيين ولكنها تسلب أيضا مياههم.
وليس أدل على ذلك من الجدار الأمني الذي ينهب الأرض ثم ينهب 30 في
المائة من المياه الجوفية التي كانت متوفرة للفلسطينيين في الأبار
الغربية. وليس أدل على نهب الأرض والمياه مما يحدث في المستعمرات.
كل مستعمرة تحتاج الى مياه جوفية لسكانها ومزارعها. وكل مستوطنة
تحفر في عمق الأرض لسحب المياه. أحيانا بعمق 1500 قدم في جوف الأرض.
وفي حين يشرب المستوطنون ويروون زراعتهم بالمياه الجوفية الفلسطينية
يعطش سكان القرى الفلسطينية المحصورين تحت الاحتلال وتموت محاصيلهم.
هذا الوضع أدى الى نشوء تجارة مربحة لبعض الفلسطينيين ولسكان المستعمرات.
سيارات نقل المياه الفلسطينية تشتري المياه من المستوطنين في الصيف
وتبيعها لسكان القرى الفلسطينيين بأرباح كبيرة . يقول مارك زيتوني
إن الفلسطيني يشتري مياهه المسروقة من تحت قدميه بسعر يزيد خمس عشرة
مرة عن الأسعار الحكومية. وفيما يستمر الظمأ الفلسطيني للحرية والماء
يقول زيتوني إن النزاع اليوم يدور حول الأرض ولكنه قد يتحول في المستقبل
الى جوف الأرض.
عاطف عبد الجواد
agawad@aol.com
أعلى
بوش ينتقل من (يقين المؤمن) إلى (شك ديكارت)!
إنْ كنتَ تعرف (أنْ ليس في العراق شيء من أسلحة
الدمار الشامل أو ليس فيه من هذه الأسلحة ما يبرر شن الحرب عليه
ومع ذلك أعلنتَ عليه الحرب) فتلك مصيبة، وإن كنتَ تجهل أو لا تعرف
(الحقيقة في هذا الشأن) فالمصيبة أعظم!
فأيّ من هذين الأمرين الأحلاهما مرّ قرر الرئيس المرشّح جورج بوش
أنْ يختار؟!
هل يختار (براءة الجاهل)، فيظهر أمام شعبه المضلَّل على أنّه كان
جاهلا، فيحق، عندئذٍ، اتهامه بأنّه غير جدير بأنْ يكون (أو أنْ يظل)
في البيت الأبيض، فالعيب الأعظم أنْ يقود الجهل رئيس الدولة العظمى
في العالم وهو يقودها إلى الحرب العظمى في ويلاتها وكوارثها؟!
هل يختار أنْ يظهر أمام شعبه، الذي انتهى به الخوف (من ضربات إرهابية
جديدة من نمط ضربات 11 سبتمبر 2001) إلى اضمحلال حسّه النقدي ونمو
الميل لديه إلى الانقياد لحكومة قادته إلى التهلكة، على أنّه ضُلّل
هو أيضا، وجُهّل من تلك (الرقبة) (ديك تشيني) التي تُحرِّك رأسه،
فيلبس، بالتالي، على ما يتوهم، ثوب الفضيلة (فضيلة الاعتراف بأنّه
أُخضِع لعملية تجهيل) ولكن متى كان في الاضطرار شيء من الفضيلة؟!
إننا نميل إلى تبرئة الرئيس المرشّح بوش من تهمة المعرفة.. معرفة
الحقيقة.. حقيقة أنّ العراق، الذي شنّ الحرب عليه، ما كان يملك من
أسلحة الدمار الشامل ما يبرر غزوه واحتلاله. نميل إلى ذلك؛ لأنْ
ليس لدى الرئيس بوش من الخبرة السياسية ومما يستلزمه منصبه من الذكاء
والاقتدار السياسيين ما يسمح لنا باتهامه بالقدرة على تمييز الغثّ
من السمين في كلام مستشاريه، الذين لا عمل يؤدّونه ويجيدونه سوى
إقناع سيد البيت الأبيض بما يجب أنْ يقتنع به حتى تجري رياح قراراته
بما تشتهي سفينة مصالحهم. لقد ضُلّل الرئيس وخُدع، فنجح، من ثمّ،
في تضليل الشعب وخداعه!
كان الرئيس بوش، قبل شنّه الحرب على العراق، يعلم علم اليقين أنْ
لدى الرئيس العراقي صدام حسين من أسلحة الدمار الشامل، ومن النيّات
الشرّيرة، ومن التعاون مع تنظيم القاعدة، ما يُلزمه شن الحرب، دفاعا
عن الأمن القومي للولايات المتحدة، وعن الأمن الشخصي لمواطنيها؛
أمّا الآن فإنّ المرشح بوش يجد نفسه مكرها على القول بما يتفق وأقوال
ديفيد كاي، التي لن تنزل على حملته الانتخابية بردا وسلاما. الآن،
انتقل الرئيس بوش من يقين المؤمن إلى شكّ ديكارت، فطلب، كما كل المتشككين
في داخل الولايات المتحدة وفي خارجها، معرفة الحقيقة، لعلّ تحرّيها
يُظهر للناخبين حقيقة أنّ ثمة مَنْ افترى عليه الكذب؛ فانْ يكون
ضحيّة خير له في هذا الموسم الانتخابي من أنْ يتهمه شعبه بأنّه هو
الذي افترى عليه الكذب!
ولكن الرئيس لم يفعل، حتى الآن، ما يسمح له باجتياز المطهر؛ فطلبه
معرفة الحقيقة وتحريها لم يُترجم بالطلب المتمم منطقيا، وهو تأليف
لجنة مستقلة (استقلالا حقيقيا لا صوريا كتلك التي دعا إلى تأليفها)
للبحث عن حقيقة أسلحة الدمار الشامل العراقية في داخل الولايات المتحدة
وليس في داخل العراق، الذي بعد بحث مضنٍ فيه اكتشف كاي أنّه كان
لدى شن الحرب عليه يخلو تماما من كل ما يقيم الدليل على صدق مزاعم
إدارة الرئيس بوش، وبلير الدائر في فلكها من دون بصر ولا بصيرة.
بدلا من المضي قدما في الطريق المؤدية إلى الحقيقة، التي صار ينشدها
الرئيس المرشح بوش، طلبت مستشارته الأمنية الأولى رايس التريث في
الاستنتاج والحكم إلى أنْ يُنهي فريق كاي (بعد استقالة رئيسه كاي)
أعمال البحث والتنقيب عن العنقاء في داخل العراق، مؤكدة أنّ لدى
هذا الفريق من القدرات والوسائل ما يمكّنه من إنجاز المهمة، التي
ليس ثمة ما يضمن إنجازها، إذا ما أُنجزت، قبل بدء انتخابات الرئاسة
في الثاني من نوفمبر المقبل!
إنّها محاولة، نأمل أنْ تبوء بالفشل، يحاولها الفريق الحاكم برئاسة
تشيني لاستنفاد الوقت حتى يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع وهم
في انتظار ممل للحقيقة، التي ما أنْ يفوز الرئيس بوش بولاية رئاسية
ثانية حتى يضرب صفحا عنها، مستمرا في تأدية دور الرأس الذي تُحرّكه،
دائما، الرقبة تشيني!
وأحسب أنّه يكفي أنْ تتألف لجنة تحقيق مستقلة (استقلالا يتحدى ديمقراطية
الولايات المتحدة على الإتيان به) حتى يتشعب التحقيق، وينتقل من
الفروع (ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية) إلى الجذور (ملف الحادي
عشر من سبتمبر 2001) فالحقيقة في ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية
لا يمكن البحث الجاد والصادق والناجح عنها إلا حيث تقيم؛ وليس ثمة
ما يمنعني من أنْ أجزم بأنّها تقيم في تلك الجثّة، التي لم تُنتشل
بعد من حيث هوى البرجان في نيويورك، فهناك، وليس في أي مكان آخر،
يمكن ويجب العثور على الحقيقة، التي زعم الرئيس بوش أنّه ينشدها.
الفريق الذي قاده تشيني، الذي يمثّل ذوي المصلحة الحقيقية في غزو
واحتلال العراق، نجح، أولا، في المجيء بالابن بوش إلى البيت الأبيض
على رغم أنّ النتائج الحقيقية للانتخابات الرئاسية كانت تفرض عليه
البقاء في خارجه؛ ثم نجح في جعل رياح أسامة بن لادن تجري بما تشتهي
سفينته الحربية، التي سرعان ما أبحرت من نيويورك إلى العراق مرورا
بأفغانستان.
كان لدى تشيني من النفوذ ما يسمح له بجعل تلك الأجهزة، التي تملك
الحقيقة كاملة في كل ما لدى العراق من أسلحة، تكتب التقارير التي
يريد، توصلا إلى جعل الرئيس يعتقد أنّ واجبه في الدفاع عن بلاده
ومواطنيه يملي عليه شن الحرب على العراق ولو لم تحظَ بشيء من الشرعية
الدولية، التي يجب ألا تعلو أبدا شرعية واجباته والتزاماته الرئاسية
القومية.
إنّ شخصا يمكن تضليله وخداعه في سهولة، مثل الرئيس بوش، يمكن أنْ
يصدّق أنْ ليس للقوة الإمبريالية العظمى في العالم مصلحة حقيقية
وعظمى في القيام بكل ما قامت به من حروب، وغيرها، بعد الحادي عشر
من ستبمبر 2001، أو أنّها قامت بكل ما قامت به، انتقاما أو ردعا
أو دفاعا عن أمنها القومي وعن الأمن الشخصي لمواطنيها أو عملا برغبتها
في القضاء على الاستبداد وفي نشر وإحلال الديمقراطية وفي تحرير المرأة
وتطوير المناهج الدراسية..
كان لدى هذا الفريق، الذي أوصل بوش إلى البيت الأبيض، من الرغبة
والمصلحة في نجاح خططه لتحويل الولايات المتحدة إلى ما يشبه الحكومة
العالمية ما حمله على البدء أولا بتغيير سيكولوجي للشعب، فمن الخوف
(من الإرهاب) تولد الحماقة، التي ما أنْ تتمكن من العامة حتى يقع
الخطاب الإمبريالي لهذا الفريق على أسماع أمّة تشبه سمع تشيني ورفاقه.
ومع هذا التغيير السيكولوجي (الذي جاءت به ضربة 11 ستبمبر 2001)
صار ممكنا أنْ يصدّق الشعب ما كان مستحيلا أنْ يصدّقه قبل 11 ستبمبر
2001. صار ممكنا، مثلا، أنْ يصدّق أنّ أمنه وأمانه يكمنان في تغيير
المناهج الدراسية للطلاب العرب، الذين تعلّمهم هذه المناهج كراهية
الولايات المتحدة الديمقراطية أو ديمقراطية الولايات المتحدة، والحقد
عليها، والتحوّل، من ثمّ، إلى إرهابيين لا شيء يردعهم من استخدام
أسلحة الدمار الشامل، ولا شيء يردع صدام حسين، وأشباهه، من تسليحهم
بها.
عبر رئيس مثل الرئيس بوش تمكّن هذا الفريق من أنْ يسلب الشعب عقله
وحقوقه وحرياته المدنية والديمقراطية، ومن أنْ يجيء به إلى (احتفالات
النصر) كما جيء بعروس إلى الكنيسة بعد فضّ بكارتها.
هذا الفريق لديه من المصلحة في منع الوصول إلى الحقيقة، التي زعم
بوش أنّه راغب في تحرّيها والكشف عنها، ما قد يمكّن الشيطان من أنْ
يسوّل له السير في الطريق إلى جهنّم، فالحصار قد يُحكم عليه، وقد
يجد المخرج في أنْ يزرع هو في أمكنة عراقية بعضا من الأدلّة على
أنّ صدام كان، قبل الحرب، يملك فعلا تلك الأسلحة، فيصدق قول رايس
إنّ فريق التفتيش سيعثر، حتما، على الحقيقة.
ولكن لعبة كهذه لا يمكن أنْ يلعبها إلا مَنْ بلغ به الإحباط حدّا
أكرهه على ركوب المخاطر، فمن كان لديه القدرة على إثبات أنّ العراق
كان، لدى شن الحرب عليه، يخلو من أسلحة الدمار الشامل، لا بد من
أنْ تكون لديه القدرة، أيضا، على فضح هذه اللعبة، وجعل لاعبيها،
بالتالي، ضحية لها.
إنّ على الشعب في الولايات المتحدة أنْ يستعيد وعيه وحسّه النقدي
وحقوقه وحرياته المدنية والديمقراطية قبل أنْ يتوجّه إلى صناديق
الاقتراع، ومن أجل الوصول إلى الحقيقة، فبغداد لم تسقط إلا بعد،
وبفضل، سقوط الولايات المتحدة وشعبها في قبضة زمرة من ذوي المصلحة
الشخصية في خدمة المصالح والأهداف الإمبريالية للقوة العظمى في العالم،
والذين لا يستطيعون القيام بعملهم المخزي على خير وجه إلا عبر إلقائهم
لخوف كاذب في قلوب مواطنيهم، وجعل الكذب والتضليل والخداع أبجدية
خطابهم السياسي، فهؤلاء مع رئيسهم الصوري هم الخطر الحقيقي المحدق
بالولايات المتحدة وشعبها.
جواد البشيتي
كاتب فلسطيني
أعلى
الفترة الضائعة في مفاوضات التسوية
اعلن رئيس الوزراء الفلسطيني احمد قريع عدم
قبوله اللقاء برئيس الوزراء الاسرائيلي شارون الا بشروط اقلها وجود
خطة اسرائيلية محددة بمواعيد للانسحاب من الاراضي الفلسطينية واستعداد
اسرائيلي للبدء في تنفيذ خارطة الطريق اما شارون فقد اعلن استعداده
للقاء بنظيره الفلسطيني ولكن دون شروط مسبقة.
من الواضح ان الجانب الفلسطيني لا يستعجل اللقاء باسرائيل وتحديدا
في هذه المرحلة التي بدأت فيها الاستعدادات الجدية للانتخابات الرئاسية
الاميركية التي ستجرى في شهر نوفمبر القادم الفلسطينيون يدركون ان
ذلك يعني للادارة الاميركية تجميدا للملفات الساخنة في الشرق الاوسط
ومنها ملف الصراع الفلسطيني العربي ـ الاسرائيلي بانتظار ما ستسفر
عنه هذه الانتخابات ويدركون ايضا ان لا حل للصراع دون تدخل وضغط
اميركي جاد وفاعل على اسرائيل من قبل الادارة الاميركية والاخيرة
ليس لديها الاستعداد حاليا للدخول في جدل حاد مع تل ابيب وذلك حفاظا
على اصوات اللوبي اليهودي في اميركا وبخاصة وكما تفيد نتائج الاستطلاعات
ان الاصوات العربية ستذهب في معظمها الى المرشح الديمقراطي وليس
الى الرئيس بوش بعد تجربة سياسته في ملف الصراع العربي ـ الاسرائيلي
والمعروف وكما يؤكد المراقبون ان الرئيس الاميركي فاز على نظيره
الديمقراطي في الانتخابات الماضية بفضل الاصوات العربية التي انصب
95 في المائة منها لصالح بوش.. وحسمتها اصوات قليلة فقط. الادارة
الاميركية الحالية من الاساس تدافع عن المصالح الاسرائيلية اكثر
من اسرائيل ذاتها لذلك هي ليست بصدد ممارسة الضغوط على تل ابيب لا
قبل الانتخابات الاميركية ولا بعدها ولكن مع الامكانية الواقعية
لفوز المرشح الديمقراطي فنتائج الاستطلاعات الاميركية تسجل تراجعا
متناميا لشعبية الرئيس بوش تحديدا بفعل العوامل الداخلية وبخاصة
الاقتصادية فان الجانب الاسرائيلي يريد استباق النتائج لصالح تحقيق
تسوية مع الفلسطينيين من خلال المفاوضات اذا ما وافقوا (وهذا ما
تفضله اسرائيل) لان التسوية ستكون والحالة هذه اسرائيلية بحتة او
من خلال خطة شارون للفصل التي تهدف الى فرض وقائع الجغرافيا على
الارض كحقائق مسلم بها امام أي ادارة اميركية قادمة سواء أكانت ديمقراطية
او جمهورية برئاسة بوش في ولاية ثانية قد يتحرر خلالها من بعض ضغوطات
اللوبي الصهيوني وطاقم ادارته ليحاول السير قدما بخطته للحل ـ خارطة
الطريق ـ.
السلطة الفلسطينية لن تقبل بما يعرضه شارون فهي سبق وان رفضت ما
عرضه باراك وهو اكبر بكثير مما يعرضه رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي.
السلطة الفلسطينية تمسك ايضا بورقة سياسية قد تحرج اسرائيل دوليا
وبخاصة على المستوى الاوروبي ذلك ان محكمة العدل الدولية وبعد عدة
ايام ستبدأ النظر في قضية جدار الفصل العنصري العازل الذي تشيده
اسرائيل وستستمر في اتمامه وذلك تطبيقا لقرار من الامم المتحدة التي
احالت قضية الجدار الى المحكمة الدولية في لاهاي.
على الجانب الآخر فان رئيس الوزراء الاسرائيلي لا يبدو في افضل احواله
فلا هو استطاع تحقيق الامن للاسرائيليين بعدما يزيد على سنتين من
انتخابه ولا الجزء الذي بناه من الجدار يشكل عائقا امام المقاومة
الفلسطينية التي وإن سبب لها عقبات لكنها قادرة على تجاوزها وفقا
لما نراه من استمرار في عملياتها في الاراضي الفلسطينية او في داخل
منطقة الخط الاخضر. استطلاعات الرأي الاسرائيلي تؤكد ايضا تراجعا
ملحوظا في شعبية شارون الذي اضطر لسحب ميزانية اسرائيل للعام الجديد
من مناقشة الكنيست لها بعد الهجوم العنيف الذي تعرضت له نتيجة للاستقطاعات
الكبيرة من الضمان والتربية وغيرها حتى من اقرب حلفائه في الائتلاف
الحكومي في ظل اقوى واكبر ازمة اقتصادية تمر بها اسرائيل منذ انشائها.
لقد اصدر مجلس الامن القومي الاسرائيلي تقريرا نشرته الاذاعة الاسرائيلية
بتاريخ 8/1/2004 تحت عنوان (التقديرات السنوية) جاء فيه ان القضية
الاكثر اشكالا بالنسبة لنا ليست القضية الفلسطينية وانما الازمة
الاقتصادية هي التي تمزق مجتمعنا.. ان الدولة تستثمر ميزانيات كبيرة
في الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني الذي سيطر على غالبية مجالات الحياة
بدلا من توجيه هذه الاموال لحل المشكلة الحقيقية وهي التهديد الاجتماعي
ـ الاقتصادي.. ان الصراع مع السلطة الفلسطينية لن ينتهي قريبا لذا
يتعين الخروج بمبادرة سياسية وبناء الجدار الفاصل على ان يشكل حاجزا
ديموغرافيا يحدد الحدود النهائية لدولة اسرائيل على أسس ديموغرافية
وامنية.
نقطتان وردتا في التقرير: تأثر الاقتصاد الاسرائيلي بالصراع والدعوة
الى مبادرة سياسية للحل. شارون لا يملك برنامجا حقيقيا للحل هو يمتلك
رؤى نابعة من تفوق اسرائيلي يريد فرضها على الفلسطينيين والعرب أي
انه لا يمتلك حلا يقبل به الطرف الآخر ولا حل للصراع الا بقبول الطرف
الآخر بمبادرة سياسية وهذه المبادرة مفقودة لدى شارون الطرف الفلسطيني
يدرك تماما ما يدور في الجانب الاسرائيلي واحتمال فقدان شارون لمنصبه
في انتخابات مبكرة بفعل ازمة الاقتصاد الاسرائيلي وتداعياتها الاجتماعية
اوانتخابات في موعدها.. ولذلك فهو لا يستعجل اللقاء مع شارون لانه
لن يخسر شيئا السنة الحالية هي فترة وقت ضائع في مفاوضات التسوية.
د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى
النهج القويم في إصلاح التعليم!
احتدم الجدل في العالم العربي حول قضية إصلاح
التعليم وتغيير المناهج التربوية،وتباينت الرؤى حول الدوافع وراء
هذا الاهتمام المكثف المباغت بمسألة تطوير التعليم وإصلاحه.
ورغم ان الحكومات العربية تقول ان اهتمامها بتطوير التعليم هو اهتمام
أصيل ونابع من احتياجات وضرورات وطنية ذاتية وخالصة، هدفها صياغة
مناهج تعليمية عصرية قادرة على تنشئة أجيال يكون بمقدورها التعامل
الناجع والإيجابي مع تحديات هذا العصر والانفجار المعرفي وثورات
المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا، وهي مبررات ودوافع لا يمكن الاستهانة
بها.
إلا ان كل ذلك لا ينفي الحقيقة الساطعة وهي ان هذا الاهتمام الكثيف
بمسألة إصلاح التعليم وتطوير مناهجه، قد أصبح في صدارة أجندة الحكومات
العربية بعد الضغوط الأميركية المتوالية على الحكومات العربية منذ
11 سبتمبر للمطالبة بإصلاح التعليم وتغيير مناهجه.
وقد جاء ذلك في ضوء الرؤية الأميركية التي انتهت إلى ان المناهج
التعليمية في البلدان العربية، ولاسيما مناهج التربية الدينية سواء
في المدارس العامة والحكومية، أم في مدارس التعليم الديني هي السبب
في تغذية مشاعر التطرف والكراهية تجاه أميركا وهي التي تغذي ثقافة
الإرهاب في العالم العربي والإسلامي.
ومن هنا، فقد رأينا كبار مسئولي الإدارة الأميركية يتحدثون عن ضرورة
إصلاح التعليم والمناهج التعليمية في الدول العربية، في اطار ما
أسموه معركة إصلاح وتغيير العقول والتفكير والاتجاهات والأفكار في
العالم العربي.
وقد ظهرت هذه التوجهات الأميركية بشأن إصلاح التعليم في الوطن العربي
في مناسبات عدة نشير منها إلى ما يلي:
أولا: ما أعلنه كولن باول وزير الخارجية الأميركية في سياق مبادرته
عن الإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط والعالم العربي عام 2002م،
حيث أعلن باول في خطابه أمام مؤسسة (التراث) بواشنطن في 21 ديسمبر
2002 عن ما أسماه ؛مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط:
بناء الأمل للسنوات القادمة. حيث اعتبر ان إصلاح التعليم هو أحد
المداخل لتعزيز ثقافة الديمقراطية في الوطن العربي، وانها تحتل محورا
أساسيا في التوجهات الجديدة للإصلاح الديمقراطي في المجتمعات العربية
مركزا على ضرورة تعليم الفتيات العربيات في إطار إصلاح تعليمي شامل،
وتوفير المنح الدراسية، وتوسيع فرص التعليم أمام النساء، والعمل
مع الآباء والمربين لتعزيز الإشراف المحلي والأسري على الأنظمة المدرسية.
وتوسيع نطاق الروابط الجامعية للتعليم العالي والتركيز على تخصصات
كالاقتصاد والتربية وإدارة الأعمال وتكنولوجيا المعلومات والعلوم.
وواكب ذلك دعوات أميركية لإصلاح التعليم الديني ومراجعة مناهج التربية
الإسلامية واللغة العربية.
ثانيا: ما أعلنه وزير الدفاع الأميركي الذي تحدث عن ضرورة كسب معركة
أو حرب ؛العقول والقلوب والأفكار في العالم العربي في إطار التصدي
للخطر الإرهابي، واعتبار ان تغيير المناهج سبيلا ضروريا للحد من
ثقافة التطرف وتنمية ثقافة السلام والتسامح.
ثالثا: ما أعلنته ايلينا رومانسكي المسئولة عن تنفيذ مبادرة المشاركة
الديمقراطية في وزارة الخارجية الأميركية من أن واشنطن تسعى إلى
تغيير المناهج التعليمية في الدول العربية، بما يؤدي إلى التخلص
من الحقد والتحريض على الكراهية والعنف في المنطقة، معتبرة ان الأجيال
القادمة ليست في حاجة إلى مزيد من العنف، وان هدف الولايات المتحدة
من تغيير المناهج التعليمية، هو تكريس التسامح والاخاء بين الشعوب.
وكان من اللافت للنظر في ظل هذه التوجهات الأميركية، ان شاهدنا حركة
واسعة لدى العديد من الحكومات العربية في عقد الندوات والمؤتمرات
التي تتحدث عن تطوير أو إصلاح التعليم وتغيير المناهج وأكثر من ذلك
تشكيل اللجان الفنية لتغيير المناهج، وان كانت هذه الحركة تقترن
بتصريحات للوزراء والمسئولين الرسميين تعتبر ان تطوير المناهج انما
يتم انطلاقا من دوافع وطنية وضرورات عصرية وليس امتثالا لضغوط خارجية
المقصود بها أميركا طبعا.
وفي هذا الإطار، فلابد من التأكيد انه ليس صحيحا ان مناهج التعليم
العربية الراهنة تغذي ثقافة التطرف والارهاب، كما تزعم الإدارة الأميركية،
وان كان من الممكن الاقرار بأن المناهج التربوية وأساليب التعليم
العربية بحاجة فعلا لتنمية أساليب وأنماط التفكير الحواري والديمقراطي.
لكن لا يمكن القول انها، أي هذه المناهج، تنمي التطرف والكراهية،
وعند المقارنة فان هذه المناهج لا تقارن بما تبثه مثلا مناهج التعليم
في المدارس الاسرائيلية وخاصة في المدارس الدينية اليهودية من حض
على الكراهية والتطرف والعداء تجاه العرب والمسلمين والاغيار، والتي
لم تتحدث عنها أميركا مطلقا في مبادراتها لإصلاح التعليم في الشرق
الأوسط.
وعلى سبيل المثال، وكما ذكرت الكاتبة البريطانية هيلينا كوبان المتخصصة
في شئون الشرق الأوسط فان مناهج التربية الدينية الاسرائيلية تنطلق
من الادعاء بأن (الله يأمر أطفال اسرائيل بإبادة أي شعب غير يهودي
يعيش على الأرض المقدسة).
كما ان الدراسات التحليلية لمناهج التعليم في اسرائيل تكشف عن كم
هائل من أساليب (التمييز العنصري) ضد العرب والمسلمين بما يغذي ثقافة
الكراهية والعداء وليس ثقافة السلام التي تطالب بها واشنطن.
والمشكلة ان تغيير مناهج التعليم في البلدان العربية امتثالا للضغوط
الأميركية انما يعني التسليم بالتفسير الأميركي الخاطىء لأحداث 11
سبتمبر، التي اعتبرت ان مناهج التعليم العربية تغذي ثقافة الكراهية
لأميركا، ومن هنا جاءت الضغوط الأميركية على الحكومات العربية لتغيير
مناهج التعليم.
في حين ان إدارة بوش عجزت عن اجراء القراءة الصحيحة والسليمة والأمينة
مع نفسها في فهم أسباب تزايد مشاعر الكراهية لأميركا في العالم العربي
والإسلامي، والسبب الجوهري وراء ذلك هو التأييد الأميركي الأعمى
والمطلق لاسرائيل وأعمالها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني والعرب
واستمرار احتلالها للأراضي العربية المحتلة، ودفاع أميركا الحار
عن الاعتداءات الاسرائيلية وحربها الوحشية الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني
واعتبار كل ذلك دفاعا مشروعا عن النفس.
وهي اللغة التي بلغت أوج فجاجتها واستهتارها بالمشاعر العربية والإسلامية
بصفة خاصة في عهد ادارة بوش التي يهيمن عليها المحافظون الجدد من
أنصار (اليميني المسيحي - الصهيوني) المتحالف عضويا مع اللوبي الصهيوني
في أميركا، الذي يعتبر الدفاع عن اسرائيل وأعمالها الاجرامية والعدوانية
باعتباره مهمة مقدسة لإرضاء الرب والتعجيل بعودة السيد المسيح.
وهكذا، اختارت إدارة بوش بسبب تحالفها مع اسرائيل واللوبي الصهيوني
(سياسة النعامة)، بأن تضع رأسها في الرمال وتجبن عن مواجهة الحقيقة
خوفا من الاصطدام باللوبي الصهيوني الذي يحتاج بوش إلى دعمه في الانتخابات
الرئاسية الجديدة.
وفي ظل الإصرار الأميركي على تجاهل هذه الحقائق، فلعل من المهم إعادة
التأكيد انه طالما استمرت أميركا في دعمها المطلق لإسرائيل ورفضها
العمل على التوصل إلى تسوية متوازنة في المنطقة تنصف الشعب الفلسطيني
وتضمن عودة القدس السليب إلى العرب والمسلمين، فإن مشاعر الكراهية
في العالم العربي والإسلامي تجاه أميركا لن تتغير مهما تغيرت المناهج
التعليمية، بل ربما تتفاقم في ظل استشراس السياسات العدوانية الأميركية
تجاه العرب والمسلمين ما بعد أحداث 11 سبتمبر، وخاصة بعد شنها لحربين
ضد بلدين في العالم الإسلامي هما أفغانستان والعراق.
يتبقى بعد ذلك ضرورة تأكيد ان مسألة تطوير وإصلاح التعليم في العالم
العربي كما سبقت الاشارة هي ضرورة حضارية وعصرية، لكن هذا التطوير
والإصلاح لا يمكن ان يحقق أهدافه الوطنية والحضارية المشروعة إلا
في ضوء عدد من الأهداف والاعتبارات المحورية الأساسية، التي في طليعتها
ما يلي:
أولا: ان هذا التطوير أو التغيير في المناهج وفي ظل هذه الضغوط الأميركية
التي باتت معروفة للجميع، لا يمكن أن يؤتى ثماره إذا كان سوف يقوم
على أسس ومرتكزات تحاول نشر أفكار مناقضة للقيم الجوهرية للدين الإسلامي.
بل لابد ان تتم في اطار فهم عصري وتفسيرات وتأويلات سليمة لمفاهيم
وقيم الإسلام، وخاصة فيما يتعلق بمفاهيم الجهاد والذود عن ديار الإسلام
والمسلمين.
فمسألة إلغاء مفهوم الجهاد من النصوص التعليمية لن تغير من الأمر
شيئا، لأن المفهوم سيظل قائما في صميم العقيدة الإسلامية، وهو ما
لن تنجح أي ضغوط أميركية أو حكومية في تغييره، ولربما كان السبيل
الأسلم هو مناقشة قضايا الجهاد برؤى حديثة تحض المسلمين على الجهاد
مثلا في بناء الحضارة والتقدم وتلقي العلم الحديث.
لكن لا يمكن تصور ان يزعم أحد ان بإمكانه اسقاط مفهوم ؛الجهاد من
صميم العقيدة الإسلامية امتثالا لضغوط أميركية، لان هذا المبدأ سيظل
جزءا من عقيدة كل مسلم ولاسيما في مواجهة أي عدوان على أمة الإسلام.
وكلما استمرت اسرائيل مثلا في احتلال الأراضي العربية وإهدار حقوق
الشعب الفلسطيني، وجدت ؛ثقافة الجهاد ما يبررها ويغذيها ويدعمها،
وربما يحسن بأميركا بدلا من المحاولة الفاشلة، التي مصيرها الاخفاق
الحتمي لإقصاء مفهوم الجهاد وهو ركن ركين من أركان العقيدة الإسلامية،
أن تنشط في ايجاد حل منصف لمعاناة الشعب الفلسطيني فهذا ما سوف يساعد
عمليا على تخفيف ثقافة العداء والكراهية لأميركا في العالمين العربي
والإسلامي، ويمهد السبيل المناسب لاشاعة أجواء السلام في المنطقة.
وفي هذا الإطار، فان محاولة اقصاء أو تهميش مفاهيم مثل ؛الجهاد عن
المناهج التربوية، لن يحل المشكلة كما تتوهم الادارة الأميركية،
بل قد يزيدها تعقيدا، لأن هذا المفهوم وغيره من مفاهيم ثقافة المقاومة
وصد المعتدين سيجد له منابر موازية تدعو إليه لأنه جزء من صميم عقيدة
المسلمين، بل الأرجح ان يستفز هذا الضغط الأميركي بالتعرض إلى مسائل
في صلب عقيدة الإسلام الى استنفار خطاب ديني حاد يدعو إلى تعميق
الكراهية للسياسات الأميركية تجاه العالمين العربي والإسلامي، فمحاولة
المساس بالمفاهيم الجوهرية لعقيدة الإسلام هي خطر داهم يجب
إدراك عواقبه قبل فوات الأوان.
ثانيا: ان من الأهمية بمكان العمل على تطوير مناهج التعليم بحيث
تتناسب مع التوجهات والخطوات التي يتطلبها تطور المجتمع العربي باتجاه
تعزيز الثقافة الديمقراطية ونشر ثقافة حقوق الانسان والإيمان بحرية
التعبير، وتنمية العقلية النقدية واللغة الحوارية والحد من أساليب
الحفظ والتلقين، وتشجيع الطلاب على تنمية قدرات البحث العلمي والمعرفي
والنقاش الفكري، وكلها ضرورات تفرضها متطلبات إيجاد مجتمع المعرفة
كما تحدث عنها تقرير التنمية الانسانية العربية.
وهذه المتطلبات هي ضرورات تفرضها حاجات المجتمعات العربية للتطور
والإصلاح والانفتاح وإيجاد أجيال جديدة قادرة على تحقيق التطور الديمقراطي
والتقدم العلمي والوعي الفكري، وهي حاجات ومتطلبات سابقة ولاحقة
على التوجهات الأميركية لتغيير مناهج التعليم في العالم العربي.
وحين نطالب بتدعيم هذه التوجهات والإصلاحات في المسار التعليمي انما
ننطلق في ذلك من منطلقات وطنية وعربية خالصة هدفها
النهائي نشدان بناء مجتمع المشاركة الديمقراطية وثقافة الحريات وقهر
أوضاع التخلف وثقافة الاستبداد في المجتمعات العربية في اطار السعي
لبناء نهضة حضارية عربية جديدة وهو هدف أو حلم عربي ممتد منذ أكثر
من قرنين، والأمل بأن تكون هذه الإصلاحات التعليمية سبيلا لتهيئة
أجيال جديدة واعية وعصرية قادرة خلال القرن الحادي والعشرين على
تحقيق الحلم العربي في النهضة العصرية.
ثالثا: ان هناك ضرورة مصيرية، كما أشرنا في مناسبات سابقة، إلى إعطاء
تركيز أكبر على الاهتمام بمجالات التعليم التقني والفني والتكنولوجي
وتعزيز تعليم الرياضيات والعلوم باعتبار ذلك السبيل الوحيد لتعزيز
قدرات المجتمعات العربية على التعامل مع تحديات عصر الثورات العلمية
والتكنولوجية، وتمكين العرب من سد أو تقليص الفجوة العلمية والتكنولوجية
ازاء المجتمعات الغربية المتقدمة.
وقد كشف تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 3002 ان العالم
العربي يواجه مشكلة كبيرة تتمثل في نقص المتخصصين في المجالات العلمية،
حيث انها لا تتجاوز في مجتمعاتنا العربية نسبة 7% وهي نسبة تعكس
ضحالة الاهتمام بتنمية ثقافة العلوم وتعليم التقانة في المجتمعات
العربية في عصر العلم والتكنولوجيا.
وبالإضافة إلى ذلك، تواجه كثير من المجتمعات العربية نقصا حادا في
القوى العاملة الفنية وعجز التعليم الفني الصناعي، التجاري عن توفير
الفنيين والعمال المهرة بالعدد والمستوى المطلوب لاحتياجات سوق العمل
حيث يعاني هذا النمط من التعليم من ضعف الإقبال عليه.
ومن هنا يمكن القول: إن إصلاح التعليم وتطويره يعد ضرورة مصيرية
بالنسبة الى المجتمعات العربية كافة، وهو حاجة وطنية تفرضها متطلبات
التنمية والتطور الاجتماعي، لكن الأمر المؤكد ان هذا الاصلاح أو
التطوير يتعين ان ينطلق من مفاهيم وتصورات وأهداف وطنية عربية خالصة
وليس ترجمة للانصياع لأي ضغوط خارجية، ولاسيما إذا كانت هذه الضغوط
مشبوهة وتعمل ضد الأهداف الوطنية والقومية العربية والاسلامية كما
هو معروف.
عبدالمالك سالمان
كاتب وباحث في العلوم السياسية
abdelmaliksalman@hotmail.com
أعلى
ليس علينا الابتداء من الصفر في إعمار العراق
قبل اندلاع الحرب في العراق حضرت مؤتمرا حول
الامن في الشرق الاوسط وجلست اثناء جلسات المؤتمر بجوار مغترب عراقي
ـ وكان استاذا جامعيا ـ الذي قال ان الابقاء على الجيش النظامي مهم
جدا لعملية اعمار العراق لان الجيش سيلعب دورا حاسما في القضاء على
الفوضى التي ستنشب (كما اعتقدت انا والاستاذ) بعيد نجاح العمليات
العسكرية.
اكدت للرجل ان الولايات المتحدة تريد الابقاء على الجيش العراقي
وبصفتي قائدا سابقا للقيادة الوسطى فقد ورثت خطة عمليات نفسية طويلة
الامد ترمي الى اقناع منتسبي الجيش العراقي النظامي بضرورة التعاون
مع الولايات المتحدة بدلا من الدخول في حرب ضدها عندما تحين الساعة.
في النهاية قامت الولايات المتحدة بحل الجيش العراقي وقد اثبتت الايام
صحة رأي الاستاذ العراقي. فقد نفذت العملية العسكرية كما خطط لها
في التسعينيات بعد انقضاء حرب الخليج الثانية. فمع ابتداء حملة القصف
الجوي اسقطنا المنشورات التي حوت رسائل موجهة الى وحدات الجيش العراقي
نخبرهم فيها انهم ليسوا أعداءنا وانهم سيحصلون على الحماية اذا لم
يعترضوا طريق قواتنا او يشتبكوا معها. خلال تلك السنوات واثناء المقابلات
التي جرت مع شبكات الاعلام المحلية (ومنها قناة الجزيرة الفضائية)
كنت دائما اصف افراد الجيش العراقي بانهم ضحايا لطموحات صدام حسين
الشريرة. في الواقع وبعد انتهاء عملية ثعلب الصحراء في عام 1998
بدا النظام العراقي غاضبا ازاء ما اسماها بالجهود الاميركية لتبني
انقلاب عسكري.
في عام 1999 وضعت خطة سميث عبور الصحراء لمواجهة المشاكل المتوقعة
في عهد ما بعد صدام حسين (بعد ان يسقط صدام حسين في عملية عسكرية
او انقلاب داخلي).
كان الهدف الرئيسي من الخطة تعزيز الامن بسرعة لسد الفراغ الناجم
عن غياب السلطة ومنع نشوب عمليات تمرد او سيادة المجرمين والارهابيين
الاجانب. ومن اجل ذلك قمنا باضافة قوات برية اميركية الى الخطة العسكرية
ووحدات من الجيش العراقي النظامي التي لم ترفع السلاح بوجه القوات
الاميركية الى خطة الاعمار.
كنت اعتقد ان الحفاظ على الجيش العراقي سيكون حيويا لعملية الاعمار
وكنت قد ساهمت في عمليات الاعمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي
والامني في افريقيا والشرق الاوسط واسيا، وكنت اعرف انه اذا تمكنا
من إعادة تشكيل البنى التحتية الموجودة بدلا من الابتداء من نقطة
الصفر فان ذلك سيعيننا كثيرا. وان الجيش العراقي النظامي وليس قوات
الحرس الجمهوري لصدام حسين يوفر لنا تلك الفرصة.
لذلك اصابتني الدهشة عند صدور قرار بحل الجيش العراقي بعد انتهاء
العمليات العسكرية. ان قراري حل الجيش العراقي واجتثاث البعثيين
من اجهزة الدولة يمثلان حسابات خاطئة.
ما زال الوقت مناسبا للتراجع عن تلك القرارات يجب استدعاء افراد
الجيش العراقي والتدقيق بقياداته لاستبعاد انصار صدام حسين ومجرمي
الحرب. ان تلك الوحدات يمكن ان تشكل اللبنة الاولى للجيش الجديد
الذي سيجند الشباب المدربين والباحثين عن العمل بدلا من تركهم يجوبون
الشوارع وهم يشعرون بالغضب.
علاوة على ذلك يجب اعادة النظر بمسألة اجتثاث البعثيين للتأكد من
عدم استبعاد المؤهلين من المشاركة في اعمار العراق. يمكن الاستعاضة
عن ذلك بعملية مصالحة حقيقية باشراف مجلس الحكم الانتقالي الذي طرح
بعض اعضائه مثل هذه الافكار إن نقل الخدمات والوزارات المدنية الى
العراقيين سيعطي القيادات العراقية المعتدلة والعلمانية والتي تتشابه
مصالحها مع مصالحنا سيعطيها الوسيلة كي توفر للمواطنين العراقيين
الخدمات الانسانية والعامة التي يقدمها الان رجال الدين.
ان العراق سيستعيد عافيته فقط عندما يشارك العراقيون في عمليات الاعمار.
ان الخيار المطروح امامنا واضح جدا: اما ان نبدأ من الصفر وتلك عملية
ستطول وستكلفنا الكثير من الارواح والانفس ، او اننا نواصل السياسة
القديمة المتمثلة في انقاذ المؤسسات والاشخاص الذين يمكنهم المشاركة
في بناء عراق ديمقراطي جديد بدلا من العمل ضد ذلك.
انتوني زيني
ضابط متقاعد في سلاح المارينز . كان قائدا للقوات الاميركية في القرن
الافريقي والشرق الاوسط واسيا بين عامي (1997) و(2000).
* خدمة لوس انجلوس تايمز / خاص بـ(الوطن).
أعلى