فتاوى
وأحكام
س: ما قولكم عن رجل أستأجر حجة عن ميت فهل
يلزمه أن يذهب لمنزل الرجل المتوفى ليصلي ركعتين باسم الشخص المتوفي
وكذلك هل يصلي في المدينة المنورة ركعتين نيابه عنه وما حكم السلام
على الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك الزيارة في المدينة ؟ هل هذه
الأشياء ملزم الحاج ان يؤديها عن الشخص المتوفي ؟
ج: نعم يؤمر الأجير ان يذهب اما إلى بيت الميت المنوب عنه واما مسجده
الذي كان يصلي فينوي الحج عنه وأما الصلاة فلا ينويها نيابة عنه
لعدم النيابة في الصلاة وإنما ينوي بها العمل بالسنة في السفر الى
الحج ويبلغ سلامه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة مسجده
وقبره الشريفين والله أعلم.
س: هل يجوز للمرء ان يحج عن غير بأجره قبل أن يحج عن نفسه إذا كان
غير ميسور الحال ؟
ج: السنة تدل على المنع من نيابة أحد عن غيره في الحج قبل ان يحج
عن نفسه وكفى بها حجة ومن العلماء من يرخص في ذلك للمحتاج ولكن الرأي
الأول أحب إلينا لموافقة السنة وللاحتياط والله أعلم.
س: هل يحق لرجل عاجز عن الحج ان يؤجر من يحج عن والدته وهو لم يحج
عن نفسه ؟
س: عن رجل حج عن نفسه وهو ميسور الحال فهل يحق. له ان يستأجر حجة
حيث أنه يطمع في الأجر والأجرة ؟
ج: ان كان عاجزا عن الحج عن بنفسه فالاولى له ان يؤجر من يحج عنه
قبل ان يؤجر من يحج عن امه وان عجز فلا حرج عليه والله اعلم.
ج: لا يمنع الموسر ان يحج عن غيره قبل ان يحج عن نفسه والله أعلم.
س: ما رأيكم في غني حج عن غيره قبل ان يحج عن نفسه عن نفسه؟
ج: ينهى الانسان ان يحج عن غيره قبل ان يحج عن نفسه خصوصا الغني،
ومن فعل ذلك فقد أساء ولا أستطيع القول بأن حجه عن الغير باطل ولكن
عليه ان يبادر مستقبلا بالحج عن نفسه. والله أعلم.
س: هل يجوز التطيب قبل الاحرام وهل يعمل به عند أصحابنا، لقد روت
السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت (كنت أطيب رسول الله صلى الله
عليه وسلم عند احرامه قبل ان يحرم ولحله قبل ان يطوف بالبيت.
نرجو توضيح لنا ذلك الاحرام وقبل طوافه الافاضة ؟
ج: القول المعمول به عند أصحابنا وأكثر المذاهب الأخرى ان الطيب
قبل الاحرام لا يمنع ان غسل وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم عندما
طيبته عائشة رضي الله عنها في ليلة مبيته بذي الحليفة بحجة الوداع
واقع نساءه جميعا واغتسل من الجنابة بعد الوقاع وبهذا يجمع بين مطلق
الروايات ومقيدها والله أعلم.
س: هل يجوز الحج بالدية أم لا ؟
ج: لا مانع من ان يحج أحد بما ورث من دية مورثه سواء حج عن نفسه
أو عن مورثه والله أعلم.
س: هل من الجائز ان اذهب الى الحج كسائق سيارة ثم احج وأخذ مقابل
السياقة 130 ريالا ؟
ج: لا مانع من ذلك والله أعلم.
س: امرأة علمت بوفاة زوجها وهي في الحج قبل الوقوف بعرفة فهل تكمل
مناسك الحج أم تعتد وتترك المناسك ؟
ج: نعم تكمل المناسك ولو كانت معتدة والله أعلم.
س: أرادت امرأة كبيرة في السن الذهاب لأداء فريضة الحج فاستأذنت
زوجها ولم يسمح لها بالذهاب بالرغم ان ولدي ابنتها سيكونان بمساعدتها
هناك في الأراضي المقدسة وستتحمل كل المصروفات دون اللجوء إليه وهو
مصر على كلامه وهي تقول ذلك منذ أربع سنوات ؟ فما رأيكم في ذلك.
ج: ليس له ان يمنعها من ذلك لأن الحج فريضة واجبة على الذكر والأنثى
كالصلاة وان أصر على المنع فلها ان تسافر لأداء هذا الفرض بدون إذنه
والله أعلم.
س: هل يجوز للمرأة ان تذهب للحج بدون محرم وهل تعدد النساء في الرفقة
في سيارة واحدة يكفي عن وجود محرم لكل امرأة وهل على صاحب السيارة
ذنب اذا سمح لامرأة لا محرم لها بالذهاب ؟
ج: لا يجوز لامرأة ان تحج ولا ان تسافر الا مع ذي محرم فإن لم يكن
ذات محرم وأرادت الحج فلتصحب جماعة المسلمين لنسائهم ولا تسافر مع
نساء لا محرم لواحدة ولا زوج والله أعلم.
س: هل يسمح للحائض والنفساء ان تسعيا بين الصفا والمروة في هذا الوقت
الذي أصبحت فيه الصفا والمروة من المسجد ؟
ج: المسعى من المرافق المتصلة بالمسجد وليس من المسجد فلا يعطى حكمه
في منع دخول الحائض إليه والله أعلم.
س: كثير من الحجاج يحصل معهم اختلاط النساء بالرجال وبالأخص في السكن
حيث يأتي الرجل ويجلس مع زوجته وسط نساء أجنبيات وكذلك في ركوب في
السيارة فما قولكم في ذلك.
ج: للنساء حرمات فلا يجوز اختلاطهن بالرجال الأجانب في السكن ولا
في المركب وعليهم أن ينظموا أنفسهم فبدون ذلك لا تستقيم أحوالهم
والله أعلم.
س: هل يجوز لامرأة ان تحج بدون محرم مع جملة من النساء فما فوق الخمس
من النساء ؟
ج: ان كانت النساء مرافقات لذوي محارمهن أو لأزواجهن فلا مانع من
ذلك والله أعلم.
س: هل يجوز للمحرمة بالحج ان تخضب بالحناء ؟ وجدنا رواية في منهج
الطالبين ان زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بالحناء وهن
محرمات ما صحة هذه الرواية ؟
ج: لم أطلع على سند هذه الرواية وصحة الروايات موقوف على معرفة أسانيدها
صحة وضعفا وأظن ان المراد الرواية أنهن يحرمن وأثر الخضاب في أيديهن
وأرجلهن وهذا غير ممنوع والحناء من الزينة وليس من الطيب فلا يحرم
على المحرمة والله أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيح احمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
عطاء الحضارة الإسلامية في المجال الطبي
العناوين:
ـ كان المسلمون رواد منهج علمي فائق المهارة
ـ اكثر من 300 حديث في الطب النبوي
ـ علم التشريح والجراحة من أهم العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية
نتناول في هذه الأسطر أحد العلوم التي كان
للمسلمين وللحضارة الإسلامية قصب السبق فيها، فقد كان المسلمون ذوي
كيان متميز ورواد منهج عولمي فائق الجودة والمهارة، وحينما كان الأوروبيون
في القرون الوسطى في عصر الظلمات كما يطلقون عليها أنفسهم كان المسلمون
في هذه الفترة في عصرهم الذهبي الذي بلغوا فيه قمة الحضارة الإنسانية
في ذلك الوقت ولكنها الأيام نداولها بين الناس، فحينما تخلى المسلمون
عن أهم العوامل التي جعلتهم في ذروة الحضارة صاروا اليوم في ذيل
القافلة بعد ما كانوا في القيادة والريادة والزعامة وصدق الفاروق
حين قال (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا
الله).
أخي القارئ:
هذه نبذة بسيطة عن أهم مآثر الحضارة الإسلامية في زمانها الغابر
في مجال الطب وهو مجال انساني ساهم المسلمون في كثير من علومه وتطبيقاته.
الطب وتعريفه
من القواعد المسلم بها ان الحكم على الشيء فرع من تصوره وبما أن
بحثنا عن الطب فما هو الطب ؟.
الطب في اللغة: طب والطبيب العالم بالطب وجمع قلة أطبة والكثرة أطباء،
والمتطبب الذي يتعاطى علم الطب، جاء في لسان العرب: الطب: علاج الجسم
والنفس ورجل طب وطبيب عالم بالطب وفي الاصطلاح يعرفه عالم الاجتماع
ابن خلدون على أنها صنعة: (تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصح
فيحاول صاحبها حفظ الصحة وبرء المرض بالأدوية بعد ان يتبين المرض
الذي يخص كل عضو من أعضاء البدن واسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها
وما لكل مرض من الأدوية مستدلين على ذلك بأفرجة الادوية وقواها على
المرض بالعلاقات المؤذنة.... فقوة الطبيعة هي المدبرة في حالة الصحة
والمرض وانما الطبيب يحائيها ويعينها بعض الشيء بحسب ما تقتضيه طبيعة
المادة والعقل والسن، ويسمى العلم الجامع لهذا كله الطب).
وعلى هذا فعلم الطب من العلوم الإنسانية التي تبحث في صحة الإنسان
ومرضه، ونشأ هذا العلم بوجود الإنسان الذي هو معرض لحالة الصحة والمرض
وفي كل عصر هو يتطور الى أن وصل الى ما وصل اليه اليوم من أشعة الليزر
وزراعة القلب الاصطناعي وما الى ذلك من نواتج العولمة.
تطور الطب في عهد الحضارة الإسلامية
وسوف نعرض لتطور هذا العلم من عهد ما قبل الإسلام الى العصر العباسي
ـ العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ـ كيف تطور الطب.
أولا: الطب في الجاهلية
من المعلوم في التاريخ البشري ان العرب قبل الإسلام لم يكن عنهم
أي علم ولم يكن يحسب لهم أي حساب من جاب أرقى الحضارات في ذلك الوقت
الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، ولم يكن عندهم سوى الشعر الذي
ما كان إلا لإشعال نار الحرب والفتنة بين قبيلة وأخرى، وكان الشاعر
في ذلك الوقت هو المتحدث الرسمي في عرف اليوم عن القبيلة، نعم لقد
كان هنالك أطباء مشهورون وبمن يقال له الحكيم او الطبيب ولكن بالمستوى
المتخلف واقل بكثير من المستوى الذي أنتجته الحضارة اليونانية قبله
بقرون كثيرة، ومن الأطباء العرب المشهورين قبل الإسلام: زهير بن
حناب الحميري وابن حذيم زينب بن بني اود والحارث بن كلده الثقفي،
والطب عندهم كان مبني (على تجربه قاصرة على بعض الأشخاص متوارث عن
مشايخ الحي وعجائزه وربما يصح منه قسم الا انه ليس على قانون طبي).
ثانيا: الطب في عهد صدر الاسلام:
وحينما جاء الإسلام جاء بالشرعية الخالدة الباقية الأبدية وجاء معه
هادي البشرية وفجر لهذا الإنسان المعرفة وشجعه على التجارب والملاحظة
أمر بترك الخرافات والمعتقدات الفاسدة التي تخالف المعقول، وقد روي
عن رسول الإسلام أكثر من (300) حديث في الطب النبوي جمعت بعد وفاته
وتحتوي على قواعد عامة لحفظ الصحة والاستحمام والشرب والأكل والزواج
وغيرها في صيغة الحكم) يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا عباد
الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو قال دواء إلا
داء واحدا قالوا يا رسول الله وما هو قال الهرم).
وهناك من يقول من الباحثين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت
إلا بحكم عامة وهذا خطأ بين، نعم لا يجوز ربط الاكتشافات الحديثة
بالآيات القرآنية العلمية والأحاديث النبوية العلوم التي برع المسلمون
فيها في مجال الطب
من أشهر العلوم الطبية التي برع فيها المسلمون وكانت لهم إنجازات
فيها هي:
1ـ علم التشريح
2ـ علم الجراحة
3ـ طب الأطفال
4ـ فن الصيدلة
من أعلام الحضارة الإسلامية وعطائهم في الطب
من أعلام الحضارة الإسلامية
وعطائهم في الطب
أولا: أبو بكر الرازي
ولد ونشأ في الري وسافر الى بغداد وبقي بها ردحا من الزمن وكان ميالا
الى العلوم العقلية والأدب منذ صغره الا انه تعلم الطب وقت الكبر،
فأقبل الرازي على دراسة كتب الطب وأخذ يقرأها قراءة عميقة حتى سبر
أغوارها وتمكن منها ومارس مهنة الطب بكل ذكاء وقابلية وإتقان وبلغ
من النجاح أوجه وصار إمام وقته في الطب. قال عنه ابن النديم: انه
كان وحيد دهره وفريد عصره قد جمع المعرفة بعلوم القدماء، سيما الطب.
عاد الرازي الى مدينة الري بعد ما قلد اماما في الطب في ذلك الوقت
عاد الى مسقط رأسه مدينة الري وانتخب رئيسا لبارستميها، وبقي بها
فترة طويلة ثم استدعاه الخليفة المعتضد بالله ليستشيره في الموضع
الذي يجعل فيه البارتمان (مستشفى بغداد الجديد)، فسلك طريقة مبتكره
تدل على العبقرية الواسعة حيث وضع أجزاء من اللحم على أماكن كثيرة
من مدينة بغداد، ثم اختار المكان الذي كان اللحم أقل عرضة له من
جهة الفساد أو الذي لم يتغير رائحته، وكانت هذه الطريقة مثار إعجاب
المتخصصين حتى الوقت الحالي.
ومن أقوال الرازي ما يلي:
* الأطباء الأميون والمقلدون والأحداث الذين لا تجربة لهم ومن قلت
عنايتهم هم قاتلون.
* الحقيقة في الطب غاية لا تدرك، والعلاج بما تنصه الكتب دون إعمال
الماهر الحكيم برأيه خطر.
* ينبغي للطبيب أن ـ يوهم المريض ابدا بالصحة ويرجيه لها، وان كان
غير واثق بذلك العلاج.
* متى كان اقتصار الطبيب على التجارب دون القياس وقراءة الكتب خذل.
* ان استطاع الحكيم ان يعالج بالاغذية دون الادوية فقد وفق السعادة.
هذا ويرى الطبيب الرازي ان التجربة علم له أصول وفروع، وعلى الطبيب
أن يتقن الأصول ويلم بالفروع، ولذا فهو يحذر من فهم جهال الأطباء
للتجربة. ويؤكد كذلك ان التجربة موجه وليست اتفاقية كالتي مارسها
بعض أطباء اليونان.
وقد لمس الرازي العوامل النفسية في العلاج وتأثيرها في الأمراض،
وهو يرى أن سوء الهم قد يحدث لأسباب نفسية، والرازي أول من إبتكر
خيوط الجراحة المسماة بالقصاب، وهو أول من عمل مراهم الزئبق، وأول
من أنشأ مقالات خاصة في أمراض الأطفال.
وقد تميز الرازي بدقة الملاحظة في المستشفيات والمشاهدات السريرية
فكان يركز على الدلالات والفروق بين الأمراض بما له من قوة الحكم
في التشخيص وقدرته على تمييز الدلائل وتقويمها. ومن مؤلفات الرازي
الطبية ومن أشرها ثلاثة الحاوي المنصوري ورسالته في الحصبي الجدري.
وسوف نوضح باختصار لهذه الأعمال الثلاثة بشيء من التفصيل.
1ـ كتاب الحاوي:
مما يميز الحاوي أنه جمع ما كان موجودا في الكتب القديمة من الطب
ووصف الأمراض وعلاجها في سائر الكتب القديمة التي سبقت عصره وقد
توفي الرازي قبل ان يتم الكتاب وكما ذكرنا قبل ذلك فقد نقله اليهودي
فراج بن سالم، واصبح بعد ذلك من أهم الكتب المعتمده في اوروبا في
القرون الوسطى.
2ـ المنصوري:
ألف الرازي هذا الكتاب لمنصور بن اسحق صاحب خرسان في ذلك الزمان
ولذلك نسبه اليه، ومن أهم ما يميز كتاب المنصوري أن الرازي قد جمع
فيه بين الإيجاز والاختصار وبعض النكت والعيون في صناعة الطب عملها
وعلمها، ويتكون المنصوري هذا في عشر مقالات تحدث فيها المؤلف عن
شكل الأعضاء وخلقها ومزاج الابدان.. واقوى الأغذية وحفظ الصحة الزينة
وتدبير المسافرين وصناعة الحبر والجراحات والقروح والسمو والحميات
وما يتبع ذلك مما يحتاج اليه معرفته من تحديد علاجها.
3ـ رسائله في الحميات الحصبى والجدري
وهذه من أهم مؤلفاته وقد ظهرت باللاتينية في فينا عام (1565م) وبجانبها
النص العربي مع الترجمة. وعن رسالة الرازي في الحميات والحصبى ثبت
ان الرازي طبيب مختبر مدقق ومجرد عن الأفكار الوهمية.
ثانيا: إبن سينا (الشيخ الرئيس)
* هو على أبو الحسين بن عبدالله بن سينا (الشيخ الرئيس) ولقب بالمعلم
الثالث بعد أرسطو والفارابي ويعد ابن سينا من أعظم أطباء الحضارة
الانسانية في مرحلة القرون الوسطى عند أوروبا في الوقت الذي كانت
الحضارة الإسلامية تتمتع بقرونها الذهبية.
* ولد الشيخ الرئيس في قرية (افشنة) ثم انتقل الى (بخارى) وفيها
تلقى العلم وحفظ القرآن وعندما بلغ العاشرة من عمره كان قد فاق جميع
أقرانه وظهرت فيه علامات النبوغ والعبقرية وسعى الى المزيد من العلم
والمعرفة كانت عبقريته من نوع غريب لا يستقر على حال، وحياة يشوبها
الغرابة والشذوذ يقضي الليل سهرانا منكبا على الكتب في القراءة والكتابة
ويتناول أحيانا الشراب ليجعله مستيقظا وواعيا، وتوفي في همذان (1036م
وعمره حوالي (85) عاما.
* مؤلفاته:
ألف الشيخ الرئيس في جميع فنون العلم في زمانه تقريبا غير أنه برع
واشتهر في الفلسفة والطب وكان كتابه الشفاء في الفلسفة من الكتب
الذهبية ويقابله موسوعة الطب في زمانه الكتاب الذي سماه (القانون
في الطب) ونعرض بشيء من القول حول القانون في الطب.
* القانون في الطب
كان هذا الموسوعة الطبية لابن سينا هو عبارة عن الفكر اليوناني والإسلامي
وما توصلوا اليه في الطب وقد قسم الشيخ الرئيس كتابه هذا الى خمسة
كتب وهي كتالي:
ـ الأول: في الأمور الكلية في علم الطب
ـ الثاني: في الأدوية المنفردة
ـ الثالث: في الأمراض الجزئية الواقعة في جسم الإنسان جزاءى جزاءى
ـ الرابع: في الأمراض الجزئية إذا وقعت تخص في عضو معين وفي الزينة.
ـ الخامس: في تركيب الأدوية
الخاتمة
أهم النتائج التي توصلنا إليها ما يلي:
ـ المسلمون أصحاب منهج عولمي فائق الجودة ولكن ما إذا ترك المسلمون
المنبع الصافي عادوا الى ركب القافلة.
ـ في الحضارة الإسلامية نماذج ذهبية وتراثنا الإسلامي غني بالمنجزات
والاختراعات وعلينا حذو الأجداد لكي نكون في مقدمة القافلة.
ـ للعلماء والحضارة الإسلامية اسهامات كبيرة في المجال الطبي ودور
بارز في الحفاظ على مخلفات الحضارة اليونانية وتطويرها.
ـ من الخطأ والظلم قول الغربيين ان المسلمين العرب لم يكن لهم دورهم
في الحضارة الإنسانية سوى النقل فقط.
ـ علينا أن نعلم أن إطلاق القرون الوسطى بالشكل الشامل إنما هو من
مظاهر الخداع فالقرون الوسطى عند أوروبا هي من أزهر القرون لدى المسلمين
بل هي القرون الذهبية بالنسبة لنا حيث وصلت الحضارة الإسلامية أرقى
قمة وصلت اليه من العلوم والفنون من شتى أنواعها.
خالد بن عبدالله الخروصي
أعلى
من وجوه الإعجاز القرآني
أطوار الخلق الإنساني
قال تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقاراً. وقد خلقكم أطواراً) نوح
: 13 ـ 14 .
يبين تبارك و تعالى أن تخلق الإنسان إنما يتم على أطوار متتالية
، ثم يشير في سورة المؤمنون إلى أهم هذه الأطوار حيث يقول (ولقد
خلقنا الإنسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة في قرار مكين .
ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا
العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) سورة
المؤمنون : 12ـ15 .
عن الناظر اليوم ، في هذه الآيات البينات وهو
يضع في جعبته حقائق القرن العشرين عن علـم الأجنـة Embryology يشعر
بان الله تبارك وتعالى إنما خصه هو بهذه الآيات ، وإن كانت قد نزلت
منذ أربعة عشر قرناً من الزمن ، لأنها تخاطبه باللغة التي يتباهى
بها اليوم !!.
فهذه الآيات تحوي على إيجازها أهم أطوار تخلق الجنين في بطن أمه
وهي (النطفة ، والعلقة ، والمضغة ، ومرحلة تخلق الأجهزة ، ثم الخلق
الآخر) هذه الأطوار التي استخدم لها القرآن ألفاظاً لم يستطع العلم
الحديث إلا أن يستخدمها ، وبذلك نجد أن الآيات القرآنية قد جاءت
إضافة لإعجازها العلمي بإعجاز بلاغي فريد ومدهش . والآن لنسر مع
آيات القرآن في تلك الأطوار التي أشار إليها :
ـ من النطفة إلى العلقة : (ثم خلقنا النطفة علقةً) المؤمنون : 15.
ما إن يتم التحام النطفة بالبيضة ، حتى تباشر البيضة الملقحة بالانقسام
إلى خليتين ، فأربع فثمان ، وهكذا ... دون زيادة في حجم مجموعة هذه
الخلايا عن حجم البيضة الملقحة ، وتتم عملية الانقسام هذه والبيضة
في طريقها إلى الرحم ، تدفعها حركة أهداب البوق ، والتقلصات العضلية
المنتظمة لعضلات جدار البوق . حتى إذا وصلت إلى الرحم كانت كتلة
من الخلايا الصغيرة الضلعة ، يطلق عليها اسم التوتة Marula حيث تشبه
ثمرة التوتة بتقسيمها الخارجي ، ثم لا تلبث الخلايا السطحية لهذه
الكتلة أن تفترق عن الخلايا الداخلية ، وتصبح بشكل خلايا أسطوانية
، ومهمة هذه الخلايا تأمين الغذاء وتسمى بالخلايا المغذية ـTrophblast
وبذلك يصبح محصول الحمل قابلاً للتعشيش ، فتغرس الخلايا المغذية
استطالاتها في مخاطية الرحم ، وتستمر عملية العلوق مدة (24) أربع
وعشرين ساعة ، وبذلك تنتهي مرحلة تشكل العلقة . وقد لا يدرك روعة
التصوير القرآني لهذه المرحلة بالعلقة إلا من شاهد تلك الكتلة الخلوية
وهي عالقة علوقاً ـ وليس التصاقاً ـ بواسطة تلك الاستطالات التي
غرستها في مخاطية الرحم ، وما أردنا هنا أن نعرج على هذه الآيات
التي تذكر الإنسان بتلك اللحظات التي كان فيها مجموعة خلوية علاقة
بجدار رحم الأم ، تستمد منها الدفء والغذاء والسكن ، فيقول في أول
سورة نزلت من القرآن ، وأسماها الحق تبارك و تعالى بالعلق : (أقرأ
باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق) سورة العلق : 1ـ2 .
ـ من العلقة إلى المضغة : (فخلقنا العلقة مضغة) المؤمنون : 15.
بعد عملية العلوق تبدأ مرحلة المضغة في الأسبوع الثالث ، بتشكل اللوحة
المضغية ، وذلك ابتداءً من الخلايا المضغية Embryoblast هي الخلايا
التي بقيت بعد انفصال الخلايا المغذية . واللوحة المضغية هي عبارة
عن قرص مؤلف في البدء من وريقتين : خارجية Ectoderm وداخلية Endoderm
، ثم تتشكل بينهما ورقة ثالثة هي الوريقة المتوسطة Mesoderm وحتى
نهاية الأسبوع الرابع لا يكون هناك أي تمايز لأي عضو أو جهاز ، ويمكن
أن نسمي هذه المرحلة بالمضغة غير المخلقة . ثم يمر الحمل في أدق
مراحله واصعبها ، حيث يطرأ على اللوحة المضغية المؤلفة من الوريقات
الثلاثة جملة تغيرات نسيجية هادفة ومدهشة ابتداءً من الأسبوع الخامس
، وتسمى بعملية التمايز ، Defferentiation أو كما أسماها القرآن
(التخلق) ، فكل زمرة من خلايا هذه الوريقات تأخذ على عتقها تشكل
واحدٍ من أجهزة الجسم أو أعضائه ، وذلك في إطار من التكامل والتنسيق
بين هذه الأجهزة ، وهي تنمو وتتطور ليكون الإنسان في أحسن تقويم
وتنتهي عملية التخليق في نهاية الشهر الثالث تقريباً ، و يكون طول
الجنين عندها (10) سم ، ويزن حوالي (55) غ. ويمكن تسمية هذه المرحلة
بمرحلة المضغة غير المخلقة ، والمرحلة الثانية حيث تم فيها تمييز
الأجهزة وأسميناها مرحلة المضغة المخلقة ، وهكذا يتضح جلياً إعجاز
القرآن الكريم في وصفه لطور المضغة بقوله (ثم من مضغة مخلقة وغير
مخلقة) الحج : 5 .
اللغز المحير :
لابد أن يستوقفنا ونحن نتكلم عن عملية التخليق سؤال هام ، وهو :
كيف يمكن للخلايا المضغية Embryoblast المتماثلة تماماً في بنائها
أن تعطي هذه الوريقات الثلاثة (الداخلية والخارجية والمتوسطة) المختلفة
عن بعضها البعض ؟ ، ثم كيف يمكن للخلايا المتماثلة في كل وريقة على
حدة أن تعطي الأجهزة المختلفة في بنائها ووظائفها وخصائصها ؟.. فالوريقة
الخارجية مثلاً يتشكل منها : الدماغ ، والأعصاب ، وبشرة الجلد ولواحقه
من الغدة والأشعار والأغشية المخاطية بالفم والأنف . والوريقة المتوسطة
يتشكل منها القلب والأوعية الدموية ، والدم والعظام والعضلات ، والكليتين
، وأدمة الجلد ، وقسم من الغدد الصماء . أما الوريقة الداخلية ،
فيتشكل منها : مخاطية الجهاز التنفسي ، والطريق الهضمية ، والغدة
الدرقية ، والغدة جار الدرقية ، والكبد والبنكرياس .. وهكذا ، كيف
تم ذلك ؟ ومن الذي دفع هذه الخلايا المتماثلة الضعيفة لتغطي كل هذا
من مراكز التفكير والشعور والإبداع ؟ .
وكل هذا من مصانع الدم والسكاكر والبروتين ؟ وكل هذا من أجهزة التكييف
والراحة ومن وسائل الوقاية والحماية والأمن في الجسم ؟ إنه اللغز
الذي حير وما زال يحير كل علماء الدنيا حتى يعلموا أن المبدع والموجه
في هذه الحياة ، هو الله .. ويوم يصلون إلى حل اللغز فسيوقنون أكثر
أنه (هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما
في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) الحشر : 24 .
ويتمالكنا العجب ونحن نرى أن القرآن قد أشار لهذا اللغز ، في آيات
تعد منارات هداية على طريق العلم ، وبواعث تدفع للبحث والتحليل باستمرار
، قال تعالى في سورة الحج (ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة) ، ثم يؤكد
على هذه الناحية حيث يقول في سورة المؤمنون (فخلقنا المضغة عظاماً
، فكسونا العظام لحما ).
ذكر القرآن هذه المراحل قبل أكثر من 14 قرناً، وجاء العلم الحديث
والطب الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين، باستعمال المناظير
الداخلية (الأبروسكوب) واستعمال أجهزة (السونار) الصوتية، واكتشف
العلماء وعلماء الأجنة أن هذه المراحل المذكورة في القرآن صحيحة
100%.
حتى أن المؤتمر الخامس للإعجاز العلمي في القرآن والسنة الذي عقد
في (موسكو) في عام 95 أقر هذه المراحل كأحسن تصنيف لعلم الأجنة في
الطب، وقام الدكتور الأستاذ البروفيسور كيث مور عالم الأجنة الشهير
في جامعة (تورنتو) في كندا، وألف كتاباً اسمه.. (علم الأجنة السريري)
وفي طبعته الثالثة أدخل هذه المراحل المذكورة في القرآن في كتابه،
كل فصل بما يناسبه من هذه المراحل اعترافاً منه بأن هذه المراحل
صحيحة وواضحة وصريحة.
ـ ثم أنشأناه خلقاً آخر (طور الجنين)
يصل محصول الحمل نحو الزيادة في الوزن بعد الشهر الثالث ، وتسعى
الأجهزة التي تشكلت نحو التكامل ، وحتى أن بعض الأجهزة تبدأ أثناء
عملها الحياة الجنينية ، كالقلب وجهاز الهضم ، ويقوم نقي العظم بتكوين
عناصر الدم ...
وبشكل عام فإن أهم ما يطرأ على الجنين بعد الشهر الثالث هو: الحركة
، ونبضات القلب ، واستقلاب إفراز المشيمة الغددي ، والنمو المتسارع
في حجم الجنين ، وتكامل شكله الخارجي .
أما الحركة فتبدأ في آخر الشهر الثالث وابتداء الرابع حيث تتم عملية
اتصال الجهاز العصبي بالأجهزة ، والعضلات ، وتشعر الحامل بحركات
جنينها الفاعلة في الشهر الرابع ، أو قبل ذلك في المولودات . أما
نبضات القلب فتبدأ بعد بداية الشهر الرابع ، ويمكن سماعها أيضاً
، وتكون واضحة في الشهر الخامس وتذكر الدكتورة فلك الجعفري : (أن
أحد الأساتذة المصريين أراد تسجيل أول دقة للقلب وعندما ابتدأ مشعر
المسجل بالحركة ، قال : هنا الله ، أي هنا قدرة الله) .
وبالنسبة لاستقلاب المشيمة الغددي ، فهو مباشرتها بإفراز الهرمونات
اللازمة لاستمرار الحمل بعد أن أصبحت الكميات التي يفرزها المبيض
غير كافية ، ولأن متطلبات الحمل من هذه الهرمونات تصبح أكبر بكثير
من كفاءة المبيض .
أما نمو الجنين فيكون سريعاً في هذه المرحلة ، فبعد أم كان وزنه
في نهاية الشهر الثالث (55) غ ، وطوله (10) سم ، يصبح وزنه عند تمام
الحمل حوالي (3250 ) غ ، وطوله (50) سم ، وخلال هذه الفترة يتكامل
شكله الخارجي ،فيصبح لون الجلد أحمر ، وتنبسط تجعداته ، وتسقط عنه
الأوبار ، وتنفتح الجفون وتتكامل الأظافر ....
بهذا الاستعراض السريع لأهم ميزات هذه المرحلة نجد أن تلك المضغة
قد أخذت بعداً آخر ، اكتسبت فيه قدرة على الحركة ، وابتدأ بها القلب
بالنبضان بلا توقف ، ولهذا البعد أشار القرآن بعد عرضه لسلسلة أطوار
تخلق البعد الجنين ، حيث قال : (ثم أنشأناه خلقاً آخر)
ولعل أكثر الناس شعوراً بهذا البعد ليس الطبيب وإنما الأم تحس أن
روحاً أخرى تدب في أعماقها ، فتظهر علامات الارتياح على ملامحها
، وتعلو البسمة محياها ، وإذا ما غابت عنها تلك الحركة مدة بسيطة
قلقت وتأرقت .
وأبعد من هذا فقد وجد العلماء أن الجنين يبدأ في آخر الحمل بالسماع
، و مما يسترعي سمعه وهو في بطن أمه ، ذلك الصوت الحنون الخالد الذي
لا يعرف إلا الحب والحنان والعطاء ... إنه صوت خفقان القلب الكبير...
قلب أمه وهكذا تنشأ صلات الحب والمسؤلية بين الأم ووليدها في الوقت
الذي تعاني فيه الأم من الوهن والعذاب ما لا يحتمله غيرها ، ولذلك
قال تعالى في سورة لقمان : (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا
على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير) لقمان
: 14 .
وبعد أن وقفنا على أطوار خلقنا البديع المدهش ، هل لنا أن نقدر الله
حق قدره ؟ هل لنا أن نرجو لله وقاراً؟ .... (مالكم لا ترجون لله
وقاراً . وقد خلقكم أطواراً) نوح 13 ـ 14 .
تشخيص الحمل اليقيني والعدَّةِ :
إن الشعور بحركة الجنين ، وسماع نبضات القلب هما العلامتان اليقينيتان
لتشخيص الحمل ، وكل العلامات التي تسبقها كانقطاع الطمث ، وأعراض
الوحم ، وحتى إيجابية الحمل الحيوي ، لا تعتبر علامات يقينية نستطيع
على أساسها القطع بحصول الحمل ، فهناك حالات مرضية ، يمكن أن تعطي
نفس الأعراض ، كالرحى العدارية ، والورم الكوريوني البشري والحمل
الهيستريائي .
وكما لاحظنا أن هاتين العلامتين : شعور الحامل بحركة جنينها ، وسماع
الطبيب لدقات قلب الجنين ،يحصلان بعد الشهر الرابع ، وهذا ما بينه
القرآن الكريم منذ ألف وأربعمائة عام ، حيث قال تعالى : (والذين
يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً)
البقرة : 234 .
إن وجه الإعجاز في هذه الآية الكريمة ظاهر بلا شك ، وهي تقرر ما
يسمى بعدة المرأة التي توفى زوجها ، حيث حددت وبالضبط المدة التي
يصبح عندها أو بعدها تشخيص الحمل يقيناً .
أما عن الحكمة في هذه العدة فيعلمها الأطباء الشرعيون ،إذ يجب أن
يعرف ما إذا كان الحمل من الزوج المتوفى أم لا ، وحتى لا تنسب المرأة
حملاً حملته سفاحاً لزوجها المتوفى ، وحتى لا ينكر أهل الزوج المتوفى
بنوة الجنين الجديد لأبيه بغية التخلص من ميراثه ، ويتهمون الأم
البريئة بان حملها هذا سفاحاً أو من زوجها الجديد .. وإلى هنالك
من المشاكل أو المظالم التي قد تقع .
المرجع :
مع الطب في القرآن الكريم تأليف الدكتور عبد الحميد دياب الدكتور
أحمد قرقوز مؤسسة علوم القرآن دمشق
أعلى
محمد بن واسع الأزدي
شيخ الزاهدين في عصره
قال مالك بن دينار عن هذا التابعى للامراء
قراء وللاغنياء قراء وان محمد بن واسع لمن قراء الرحمن وهذا التابعي
اخي المسلم عرف عنه بعابد البصرة وتلميذ الصحابي الجليل انس بن مالك
الانصاري وكان محمد بن واسع مجاهدا في سبيل الله تعالى بجوار تعبده
وزهده شارك مع المسلمين في خلافة سليمان بن عبد الملك في فتح بعض
الدول التي يسمونها بلاد ما وراء النهر.
وكان لمحمد بن واسع الازدي مقام كبير في هذه الحرب على الرغم من
ضعف بنيته وتقدم سنه وكان الجنود ينشطون لحرارة الذكر ولدعوات صادرة
من لسان هذا التابعي الزاهد التقى وكان له جملة مشهورة يقولها للجند
فتلهب من عزيمتهم هذه الجملة هي يا خيل الله اركبى) (يا خيل الله
اركبى) فلا يكاد جند المسلمين يسمعون هذا النداء حتى يهبوا الى ساحة
القتال وفي ذات معركة من المعارك هب رجل من صفوف الاعداء فارس لم
تقع العين على اضخم منه واشد عظمة واخذ يجول في ساحة المعركة حتى
ابتعد المسلمون عن مواقعهم خوفا من هذا الرجل واخذ يدعوهم الى المبارزة
في تحد واستكبار فما كان من محمد بن واسع الا ان هم بأن يقاتله عند
ذلك دبت الحمية في نفوس فرسان المسلمين.
واقبل على الشيخ احد الفرسان واقسم ان يترك له مبارزة هذا الجندى
الطاغية فوافق على ذلك محمد بن واسع ودعا له بالنصر والتأييد واستمر
ساعة يتصاولان حتى اخذ الجهد منهما ثم سدد كل واحد منهما ضربة للآخر
في وقت واحد فجاء سيف المشرك في الخوذة للجندى المسلم اما ضربة المؤمن
فجاءت في رأس هذا الكافر فشقته نصفين وبعدها وقع الضعف في قلوب الكافرين
وانتصر المسلمون في هذه المعركة بفضل الله اولا ثم بدعوة هذا العابد
الزاهد محمد بن واسع ولما وضعت الحرب اوزارها قال قائد الجيوش المسلمة
لخازنة احص لنا الغنائم لنقسمها على الجنود فعجزوا عن ذلك لكثرتها
فقسمت الغنائم بين الجند قسمة قائمة على التسامح وقد ضرب محمد بن
واسع الازدي المثل في الزهد عندما عرض عليه تاج من الذهب الخالص
محلى بالدر والجواهر هذا التاج تمنى كل من في الجيش ان يكون له واعطاه
الامير لمحمد بن واسع فلما اخذه قابله احد الفقراء وسأله ان يعطيه
لله فأعطاه هذا التاج وقد بعث الامير وراء محمد بن واسع من يراقبه
ليرى ماذا سيفعل بهذا التاج فلما اخبره الخبر قال ما زال في امة
محمد من يزهد بمثل وبملء هذا الارض ذهبا ظل محمد بن واسع الازدي
يجاهد المشركين تحت راية يزيد بن المهلب حتى اقترب موعد الحج فجاء
الى يزيد واقترب منه واستأذنه في الانصراف الى الحج.
فقال له يزيد اذنك بيدك يا ابا عبدالله فامض متى شئت وقد امرنا لك
بمبلغ من المال يعينك على حجك فقال له هل ستأمر بمثل هذا لكل جندي
من جنودك ايها الامير؟ قال لا فقال لا حاجة لي بشيء اخص به من دون
المسلمين وقد شق على المسلمين سفر هذا الرجل الصالح وتركه لهم لانه
كان له اثر طيب في الدفع بالمسلمين الى النصر والتقدم بفضل الله
لقد كان هذا التابعي الجليل كان جند المسلمين يستبشرون به وبوجوده
معهم في اي معركة بسبب دعوته الصالحة وشحنه لهمم الجنود وفي سنة
سبع وثمانين للهجرة تجهز جيش المسلمين بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي
متجها الى منطقة لينشرفيها راية الاسلام عالية.
لكن قتيبة فوجئ بأن القوم قد علموا بتحركاته فتجمعوا من كل مكان
حتى وصل عدد المشركين اضعاف اضعاف المسلمين ثم انهم بادروا وسدوا
في وجوه المسلمين افواه الطرق حتى ان قتيبة بن مسلم لم يستطع ان
يدخل بعض جنوده لمعرفة اخبار العدو واستمر الامر على الحال لمدة
شهرين وعلموا انه لا بد من طلب المعونة من المسلمين وارسلوا في طلب
النجدة فهب المسلمون لينصروا اخوانهم وكان فيما بينهم التابعي الجليل
محمد بن واسع وكان له دور كبير وكان فيمن جاءوا لنصرة دين الله عز
وجل التابعي الزاهد ـ محمد بن واسع والتقى الجيشان ورأى المسلمون
كثرة عدد المشركين وعتادهم هنا امتلأت نفوس المسلمين خشية من عدوهم.
واحس قتيبة بن مسلم بما يدور في عقول المسلمين ـ فجعل يتنقل بين
صفوف الجند ـ ويقوى من هممهم ـ ويشد من عزيمتهم ـ ثم التفت الى من
حوله وقال ـ اين محمد بن واسع الأزدي؟ فقالوا: انه هناك على الميمنة
أيها الأمير ـ فقال: وما يفعل؟ قالوا : انه متكئ على رمحه شاخص ببصره
يحرك إصبعه نحو السماء ـ هل نناديه ، فقال بل دعوه ـ ثم قال:
والله ان تلك الإصبع أحب الى من الف سيف شهير يحمله الف شاب طرير
ـ أي ذو شارب ـ ثم قال: اتركوه يدعو ـ فما عرفناه الا مستجاب الدعوة
ـ وتزاحف الجيشان ـ والتقى الجمعان ـ وأنزل الله على قلوب المسلمين
السكينة ، وامدهم بروح من عنده ، فمازالوا يجالدون عدوهم طوال النهار
حتى اذا اقبل الليل زلزل الله أقدام المشركين وقذف في قلوبهم الرعب
ـ فانهزم اعداء الله ـ وأخذ المسلمون يقتلونهم وأسروا عددا كبيرا
منهم.
وكان في الأسرى رجل خبيث النفس ـ فقال لقتيبة بن مسلم ـ انا أفدى
نفس أيها الأمير ـ فقال له ـ وكم تبذل؟ فقال: خمسة الاف حريرة من
صنع الصين ثمنها الف الف ـ فالتفت الى جنده فوافقواه لكن سأل محمد
بن واسع الأزدي ـ وما تقول انت ياأبا عبدالله؟
فقال أيها الأمير : ان المسلمين لم يخرجوا من ديارهم لجمع المال
والغنائم وانما خرجوا لإرضاء الله ونيل ثوابه ـ ولنشر دين الله ـ
وقهر أعدائه ـ فقال قتيبة ـ جزاك الله خيرا والله لا أدع هذا الشرير
يروع امرأة مسلمة بعد الساعة وأمر بقتله.
وقد عرف عن محمد بن واسع الأزدي أنه كان متواضعا يمشى في قضاء مصالح
المسلمين ـ ولقد دعى لتولي منصب القضاء أكثر من مرة فأبى وعرض نفسه
للإيذاء بسبب ذلك ـ من ذلك ان صاحب شرطة البصرة ـ دعاه وقال له :
ان امير العراق طلب مني ان أدعوك لتولى القضاء ـ فقال :اعفوني من
ذلك عافاكم الله فطلب منه اكثر من مرة وهو يرفض فقال له : والله
لتتولين القضاء او لأجلدنك ثلاثمائة جلده ـ فقال له ان تفعل فلك
الحرية.
وان معذب الدنيا ـ خير من معذب الآخرة ـ فخجل منه وانصرف وكان مجلس
محمد بن واسع في مسجد البصرة ـ منهلا لطلاب العلم ـ وطلاب الحكمة
والموعظة وكان له وصايا عظيمة ذكرتها كتب السيرة منها.
قال له أحد السائلين: اوصني يا أباعبدالله ـ فقال ـ اوصيك ان تكون
ملكا في الدنيا والآخرة: فدهشني السائل وقال : وكيف لي بذلك ياأباعبدالله؟
فقال: ازهد بعرض الدنيا ـ تكن ملكا هنا بالاستغناء عمافي أيدي الناس
وملكا هناك بالفوز بما عندالله من حسن الثواب.
وكان كلما سمع ثناء الناس عليه ـ ومدحهم لتقواه وعبادته يقول لهم
لو كان للذنوب رائحة تفوح ما استطاع احد منكم ان يدنوا منى لما يصيبه
من أذى رائحتي.
وكان محمد بن واسع يحث تلاميذه على التزام كتاب الله والعيش في رحابه
وكان يوصيهم بقلة الطعام فيقول: من قل طعامه فهم وافهم وصفا ورق
وان كثرة الطعام لتثقل الرجل اي تعوقه عما يريد فعله وقد بلغ محمد
بن واسع من التقى والورع مبلغا عظيما ومن هذه المواقف.
انه ذهب الى السوق ليبيع حمارا له فسأله رجل: اترضاه ايها الشيخ
فقال لو رضيته لنفس ما بعته وقد عاش هذا الرجل مدة حياته خائفا من
ذنوبه ومن ساعة العرض على ربه فكان اذا سئل كيف اصبحت يا ابا عبدالله؟
قال اصبحت قريبا اجلى بعيدا املي سيئا عملي فاذا رأى شيئا من الدهشة
على ملامح سائلين قال: ما ظنكم برجل يقطع الى الآخرة كل يوم مرحلة
ولما مرض مرض موته جعل يقول: اللهم اني استغفرك من كل مقام سوء قمته
ومن كل مقعد سوء قعدته ومن كل مدخل سوء دخلته ومن كل مخرج سوء خرجته
ومن كل عمل سوء عملته اللهم اني استغفرك من ذلك كله فاغفره لي رحم
الله هذا العابد الزاهد وندعو الله ان يتقبلنا ويجعلنا مع الصالحين
اللهم آمين.
إبراهيم السيد العربي
أعلى
سعد بن أبي وقاص
الأسد في براثنه
أقلقت الأنباء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب،
عندما جاءته تترى بالهجمات الغادرة التي تشنها قوات الفرس على المسلمين..
وبمعركة الجسر التي ذهب ضحيتها في يوم واحد أربعة آلاف شهيد.. وبنقض
أهل العراق عهودهم، والمواثيق التي كانت عليهم.. فقرر أن يذهب بنفسه
لبقود جيوش المسلمين، في معركة فاصلة ضد الفرس.
وركب في نفر من أصحابه مستخلفا على المدينة علي ابن أبي طالب كرّم
الله وجهه..
ولكنه لم يكد يمضي عن المدينة حتى رأى بعض أصحابه أن يعود، وينتدب
لهذه المهمة واحدا غيره من أصحابه..
وتبنّى هذا الرأي عبد الرحمن بن عوف، معلنا أن المخاطرة بحياة أمير
المؤمنين على هذا النحو والاسلام يعيش أيامه الفاصلة، عمل غير سديد..
وأمر عمر أن يجتمع المسلمون للشورى ونودي:_الصلاة جامعة_ واستدعي
علي ابن أبي طالب، فانتقل مع بعض أهل المدينة الى حيث كان أمير المؤمنين
وأصحابه.. وانتهى الرأي الى ما نادى به عبد الرحمن بن عوف، وقرر
المجتمعون أن يعود عمر الى المدينة، وأن يختار للقاء الفرس قائدا
آخر من المسلمين..
ونزل أمير المؤمنين على هذا الرأي، وعاد يسأل أصحابه:
فمن ترون أن نبعث الى العراق..؟؟
وصمتوا قليلا يفكرون..
ثم صاح عبد الرحمن بن عوف: وجدته..!!
قال عمر: فمن هو..؟
قال عبد الرحمن: (الأسد في براثنه.. سعد بن مالك الزهري..)
وأيّد المسلمون هذا الاختيار، وأرسل أمير المؤمنين الى سعد بن مالك
الزهري (سعد بن أبي وقاص) وولاه امارة العراق، وقيادة الجيش..
فمن هو الأسد في براثنه..؟
من هذا الذي كان اذا قدم على الرسول وهو بين أصحابه حياه وداعبه
قائلا:
(هذا خالي.. فليرني امرؤ خاله)..!!
انه سعد بن أبي وقاص.. جده أهيب بن مناف، عم السيدة آمنة أم رسول
الله صلى الله عليه وسلم..
لقد عانق الاسلام وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان اسلامه مبكرا، وانه
ليتحدث عن نفسه فيقول:
(.. ولقد أتى عليّ يوم، واني لثلث الاسلام)..!!
يعني أنه كان ثالث أول ثلاثة سارعوا الى الاسلام..
ففي الأيام الأولى التي بدأ الرسول يتحدث فيها عن الله الأحد، وعن
الدين الجديد الذي يزف الرسول بشراه، وقبل أن يتخذ النبي صلى الله
عليه وسلم من دار الأرقم ملاذا له ولأصحابه الذين بدأوا يؤمنون به..
كان سعد ابن أبي وقاص قد بسط يمينه الى رسول الله مبايعا..
وانّ كتب التاريخ والسّير لتحدثنا بأنه كان أحد الذين أسلموا باسلام
أبي بكر وعلى يديه..
ولعله يومئذ أعلن اسلامه مع الذين أعلنوه باقناع أبي بكر ايّاهم،
وهم عثمان ابن عفان، والزبير ابن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة
بن عبيد الله.
ومع هذا لا يمنع سبقه بالاسلام سرا..
وان لسعد بن أبي وقاص لأمجاد كثيرة يستطيع أن يباهي بها ويفخر..
بيد أنه لم يتغنّ من مزاياه تلك، الا بشيئين عظيمين..
أولهما: أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأول من رمي أيضا..
وثانيهما: أنه الوحيد الذي افتداه الرسول بأبويه فقال له يوم أحد:
( ارم سعد فداك أبي وأمي)
أجل كان دائما يتغنى بهاتين النعمتين الجزيلتين، ويلهج يشكر الله
عليهما فيقول:
( والله اني لأوّل رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله).
ويقول علي ابن أبي طالب:
(ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدا بأبويه الا سعدا،
فاني سمعته يوم أحد يقول: ارم سعد.. فداك أبي وأمي)..
كان سعد يعدّ من أشجع فرسان العرب والمسلمين، وكان له سلاحان رمحه
ودعاؤه..
اذا رمى في الحرب عدوّا أصابه.. واذا دعا الله دعاء أجابه..!!
وكان، وأصحابه معه، يردّون ذلك الى دعاء الرسول له.. فذات يوم وقد
رأى الرسول صلى الله عليه وسلم منه ما سرّه وقرّ عينه، دعا له هذه
الدعوة المأثورة..
( اللهم سدد رميته.. وأجب دعوته).
وهكذا عرف بين اخوانه وأصحابه بأن دعوته كالسيف القاطع، وعرف هو
ذلك نفسه وأمره، فلم يكن يدعو على أحد الا مفوّضا الى الله أمره.
من ذلك ما يرويه عامر بن سعد فيقول:
( رأى سعد رجلا يسب عليا، وطلحة والزبير فنهاه، فلم ينته، فقال له:
اذن أدعو عليك، فقال ارجل: أراك تتهددني كأنك نبي..!!
فانصرف سعد وتوضأ وصلى ركعتين، ثم رفع يديه وقال: اللهم ان كنت تعلم
أن هذا الرجل قد سبّ أقواما سبقت لهم منك الحسنى، وأنه قد أسخطك
سبّه ايّاهم، فاجعله آية وعبرة..
فلم يمض غير وقت قصير، حتى خرجت من احدى الدور ناقة نادّة لا يردّها
شيء حتى دخلت في زحام الناس، كأنها تبحث عن شيء، ثم اقتحمت الرجل
فأخذته بين قوائمها.. وما زالت تتخبطه حتى مات)..
ان هذه الظاهرة، تنبىء أوّل ما تنبىء عن شفافية روحه، وصدق يقينه،
وعمق اخلاصه.
وكذلكم كان سعد، روحه حر.. ويقينه صلب.. واخلاصه عميق.. وكان دائب
الاستعانة على دعم تقواه باللقمة الحلال، فهو يرفض في اصرار عظيم
كل درهم فيه اثارة من شبهة..
ولقد عاش سعد حتى صار من أغنياء المسلمين وأثريائهم، ويوم مات خلف
وراءه ثروة غير قليلة.. ومع هذا فاذا كانت وفرة المال وحلاله قلما
يجتمعان، فقد اجتمعا بين يدي سعد.. اذ آتاه الله الكثير، الحلال،
الطيب..
وقدرته على جمع المال من الحلال الخالص، يضاهيها، قدرته في انفاقه
في سبيل الله..
في حجة الوداع، كان هناك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصابه
المرض، وذهب الرسول يعوده، فسأله سعد قائلا:
(يا رسول الله، اني ذو مال ولا يرثني الا ابنة، أفأتصدّق بثلثي مالي..؟
قال النبي: لا.
قلت: فبنصفه؟
قال النبي: لا.
قلت: فبثلثه..؟
قال النبي: نعم، والثلث كثير.. انك ان تذر ورثتك أغنياء، خير من
أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وانك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله
الا أجرت بها، حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك)..
ولم يظل سعد أبا لبنت واحدة.. فقد رزق بعد هذا أبناء آخرين..
**
وكان سعد كثير البكاء من خشية الله.
وكان اذا استمع للرسول يعظهم، ويخطبهم، فاضت عيناه من الدمع حتى
تكاد دموعه تملأ حجره..
وكان رجلا أوتي نعمة التوفيق والقبول..
ذات يوم والنبي جالس مع أصحابه، رنا بصره الى الأفق في اصغاء من
يتلقى همسا وسرا.. ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لهم:
(يطلع علينا الآن رجل من أهل الجنة)..
وأخذ الأصحاب يتلفتون صوب كل اتجاه يستشرفون هذا السعيد الموفق المحظوظ..
وبعد حين قريب، طلع عليهم سعد بن أبي وقاص.
ولقد لاذ به فيما بعد عبد الله بن عمرو بن العاص سائلا اياه في الحاح
أن يدله على ما يتقرّب الى الله من عمل وعبادة، جعله أهل لهذه المثوبة،
وهذه البشرى.. فقال له سعد:
(لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد..
غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوءا).
هذا هو الأسد في براثنه، كما وصفه عبد الرحمن بن عوف..
وهذا هو الرجل الذي اختاره عمر ليوم القادسية العظيم..
كانت كل مزاياه تتألق أما بصيرة أمير المؤمنين وهو يختاره لأصعب
مهمة تواجه الاسلام والمسلمين..
انه مستجاب الدعوة.. اذا سأل الله النصر أعطاه اياه..
زانه عفّ الطعمة.. عف اللسان.. عف الضمير..
وانه واحد من أهل الجنة.. كما تنبأ له الرسول..
وانه الفارس يوم بدر. والفارس يوم أحد.. والفارس في كل مشهد شهده
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وأخرى، لا ينساها عمر ولا يغفل عن أهميتها وقيمتها وقدرها بين الخصائص
التي يجب أن تتوفر لكل من يتصدى لعظائم الأمور، تلك هي صلابة الايمان..
ان عمر لا ينسى نبأ سعد مع أمه يوم أسلم واتبع الرسول..
يومئذ أخفقت جميع محاولات رده وصده عن سبيل الله.. فلجأت أمه الى
وسيلة لم يكن أحد يشك في أنها ستهزم روح سعد وترد عزمه الى وثنية
أهله وذويه..
لقد أعلنت أمه صومها عن الطعام والشراب، حتى يعود سعد الى دين آبائه
وقومه، ومضت في تصميم مستميت تواصل اضرابها عن الطعام والسراب حتى
أوشكت على الهلاك..
كل ذلك وسعد لا يبالي، ولا يبيع ايمانه ودينه بشيء، حتى ولو يكون
هذا الشيء حياةأمه..
وحين كانت تشرف على الموت، أخذه بعض أهله اليها ليلقي عليها نظرة
وداع مؤملين أن يرق قلبه حين يراها في سكرة الموت..
وذهب سعد ورأى مشهد يذيب الصخر..
بيد أن ايمانه بالله ورسوله كان قد تفوّق على كل صخر، وعلى كل لاذ،
فاقترب بوجهه من وجه أمه، وصاح بها لتسمعه:
(تعلمين والله يا أمّه.. لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما
تركت ديني هذا لشيء..
فكلي ان شئت أو لا تأكلي)..!!
وعدلت أمه عن عزمهتا.. ونزل الوحي يحيي موقف سعد، ويؤيده فيقول:
(وان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما)..
أليس هو الأسد في براثنه حقا..؟؟
اذن فليغرس أمير المؤمنين لواء القادسية في يمينه. وليرم به الفرس
المجتمعين في أكثر من مائة ألف من المقاتلين المدربين. المدججين
بأخطر ما كانت تعرفه الأرض يومئذ من عتاد وسلاح.. تقودهم أذكى عقول
الحرب يومئذ، وأدهى دهاتها..
أجل الى هؤلاء في فيالقهم الرهيبة..خرج سعد في ثلاثين ألف مقاتل
لا غير.. في أيديهم رماح.. ولكن في قلوبهم ارادة الدين الجديد بكل
ما تمثله من ايمان وعنفوان، وشوق نادر وباهر الى الموت و الى الشهادة..!!
والتقى الجمعان.
ولكن لا.. لم يلتق الجمعان بعد..
وان سعدا هناك ينتظر نصائح أمير المؤمنين عمر وتوجيهاته.. وها هو
ذا كتاب عمر اليه يأمره فيه بالمبادرة الى القادسية، فانها باب فارس
ويلقي على قلبه كلمات نور وهدى:
( يا سعد بن وهيب..
لا يغرّنّك من الله، أن قيل: خال رسول الله وصاحبه، فان الله ليس
بينه وبين أحد نسب الا بطاعته.. والناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله
سواء.. الله ربهم، وهم عباده.. يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عند
الله بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
منذ بعث الى أن فارقنا عليه، فالزمه، فانه الأمر).
ثم يقول له:
(اكتب اليّ بجميع أحوالكم.. وكيف تنزلون..؟
وأين يكون عدوّكم منكم..
واجعلني بكتبك اليّ كأني أنظر اليكم).!!
ويكتب سعد الى أمير المؤمنين فيصف له كل شيء حتى انه ليكاد يحدد
له موقف كل جندي ومكانه.
وينزل سعد القادسية، ويتجمّع الفرس جيشا وشعبا، كما لم يتجمعوا من
قبل، ويتولى قيادة الفرس أشهر وأخطر قوّادهم (رستم)..
ويكتب سعد الى عمر، فيكتب اليه أمير المؤمنين:
(لا يكربنّك ما تسمع منهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله، وتوكل
عليه، وابعث اليه رجالا من أهل النظر والرأي والجلد، يدعونه الى
الله.. واكتب اليّ في كل يوم..)
ويعود سعد فيكتب لأمير المؤمنين قائلا:
(ان رستم قد عسكر بـ (ساباط) وجرّ الخيول والفيلة وزحف علينا).
ويجيبه عمر مطمئنا مشيرا..
ان سعد الفارس الذكي المقدام، خال رسول الله، والسابق الى الاسلام،
بطل المعارك والغزوات، والذي لا ينبو له سيف، ولا يزيغ منه رمح..
يقف على رأس جيشه في احدى معارك التاريخ الكبرى، ويقف وكأنه جندي
عادي.. لا غرور القوة، ولا صلف الزعامة، يحملانه على الركون المفرط
لثقته بنفسه.. بل هو يلجأ الى أمير المؤمنين في المدينة وبينهما
أبعاد وأبعاد، فيرسل له كل يوم كتابا، ويتبادل معه والمعركة الكبرى
على وشك النشوب، المشورة والرأي...
ذلك أن سعدا يعلم أن عمر في المدينة لا يفتي وحده، ولا يقرر وحده..
بل يستشير الذين حوله من المسلمين ومن خيار أصحاب رسول الله.. وسعد
لا يريد برغم كل ظروف الحرب، أن يحرم نفسه، ولا أن يحرم جيشه، من
بركة الشورى وجدواها، لا سيّما حين يكون بين أقطابها عمر الملهم
العظيم..
**
وينفذ سعد وصية عمر، فيرسل الى رستم قائد الفرس نفرا من صحابه يدعونه
الى الله والى الاسلام..
ويطول الحوار بينهم وبين قائد الفرس، وأخيرا ينهون الحديث معه اذ
يقول قائلهم:
(ان الله اختارنا ليخرج بنا من يشاء من خلقه من الوثنية الى التوحيد...
ومن ضيق الدنيا الى سعتها، ومن جور الحكام الى عدل الاسلام..
فمن قبل ذلك منا، قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن قاتلنا قاتلناه حتى
نفضي الى وعد الله..)
ويسأل رستم: وما وعد الله الذي وعدكم اياه..؟؟
فيجيبه الصحابي:
( الجنة لشهدائنا، والظفر لأحيائنا).
ويعود الوفد الى قائد المسلمين سعد، ليخبروه أنها الحرب..
وتمتلىء عينا سعد بالدموع..
لقد كان يود لو تأخرت المعركة قليلا، أو تقدمت قليلا.. فيومئذ كان
مرضه قد اشتد عليه وثقلت وطأته.. وملأت الدمامل جسده حتى ما كان
يستطيع أن يجلس، فضلا أن يعلو صهوة جواده ويخوض عليه معركة بالغة
الضراوة والقسوة..!!
فلو أن المعركة جاءت قبل أن يمرض ويسقم، أولوأنها استأخرت حتى ويشفى،
اذن لأبلى فيها بلاءه العظيم.. أما الآن.. ولكن، لا، فرسول الله
صلى الله عليه وسلم علمهم ألا يقول أحدهم: لو. لأن لو هذه تعني العجز،
والمؤمن القوي لا يعدم الحيلة، ولا يعجز أبدا..
عنئذ هب الأسد في براثنه ووقف في جيشه خطيبا، مستهلا خطابه بالآية
الكريمة:
(بسم الله الرحمن الرحيم..
ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)..
وبعد فراغه من خطبته، صلى بالجيش صلاة الظهر، ثم استقبل جنوده مكبّرا
أربعا: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر..
ودوّى الكون وأوّب مع المكبرين، ومد ذراعه كالسهم النافذ مشيرا الى
العدو، وصاح في جنوده: هيا على بركة الله..
وصعد وهو متحاملا على نفسه وآلامه الى شرفة الدار التي كان ينزل
بها ويتخذها مركزا لقيادته..وفي الشرفة جلس متكئا على صدره فوق وسادة.
باب داره مفتوح.. وأقل هجوم من الفرس على الدار يسقطه في أيديهم
حيا أو ميتا.. ولكنه لا يرهب ولا يخاف..
دمامله تنبح وتنزف، ولكنه عنها في شغل، فهو من الشرفة يكبر ويصيح..
ويصدر أوامره لهؤلاء: أن تقدّموا صوب الميمنة.. ولأولئك: أن سدوا
ثغرات الميسرة.. أمامك يا مغيرة.. وراءهم يا جرير.. اضرب يا نعمان..
اهجم يا أشعث.. وأنت يا قعقاع.. تقدموا يا أصحاب محمد..!!
وكان صوته المفعم بقوة العزم والأمل، يجعل من كل جندي فردا، جيشا
بأسره..
وتهاوى جنود الفرس كالذباب المترنّح. وتهاوت معهم الوثنية وعبادة
النار..!!
وطارت فلولهم المهزومة بعد أن رأوا مصرع قائدهم وخيرة جنودهم، وطاردهم
الجيش المسلم حتى نهاوند.. ثم المدائن فدخلوها ليحملوا ايوان كسرى
وتاجه، غنيمة وفيئا..!!
**
وفي موقعة المدائن أبلى سعد بلاء عظيما..
وكانت موقعة المدائن، بعد موقعة القادسية بقرابة عامين، جرت خلالهما
مناوشات مستمرة بين الفرس والمسلمين، حتى تجمعن كل فلول الجيش الفارسي
ويقاياه في المدائن نفسها، متأهبة لموقف أخير وفاصل..
وأدرك سعد أن الوقت سيكون بجانب أعدائه. فقرر أن يسلبهم هذه المزية..
ولكن أنّى له ذلك وبينه وبين المدائن نهر دجلة في موسم فيضانه وجيشانه..
هنا موقف يثبت فيه سعد حقا كما وصفه عبد الرحمن بن عوف الأسد في
براثنه..!!
ان ايمان سعد وتصميمه ليتألقان في وجه الخطر، ويتسوّران المستحيل
في استبسال عظيم..!!
وهكذا أصدر سعد أمره الى جيشه بعبور نهر دجلة.. وأمر بالبحث عن مخاضة
في النهر تمكّن من عبور هذا النهر.. وأخيرا عثروا على مكان لا يخلو
عبوره من المخاطر البالغة..
وقبل أن يبدأ الجيش عملية المرور فطن القائد سعد الى وجوب تأمين
مكان الوصول على الضفة الأخرى التي يرابط العدو حولها.. وعندئذ جهز
كتيبتين..
الأولى: واسمها كتيبة الأهوال وأمّر سعد عليها عاصم بن عمرو والثانية:
اسمها الكتيبة الخرساء وأمّر عليها القعقاع بن عمرو..
وكان على جنود هاتين الكتيبتين أن يخوضوا الأهوال لكي يفسحوا على
الضفة الأخرى مكانا آمنا للجيش العابر على أثرهم.. ولقد أدوا العمل
بمهارة مذهلة..
ونجحت خطة سعد يومئذ نجاحا يذهل له المؤرخون..
نجاحا أذهل سعد بن أبي وقاص نفسه..
وأذهل صاحبه ورفيقه في المعركة سلمان الفارسي الذي أخذ يضرب كفا
بكف دهشة وغبطة، ويقول:
(ان الاسلام جديد..
ذلّلت والله لهم البحار، كما ذلّل لهم البرّ..
والذي نفس سلمان بيده ليخرجنّ منه أفواجا، كما دخلوه أفواحا)..!!
ولقد كان .. وكما اقتحموا نهر دجلة أفواجا، خرجوا منه أفواجا لم
يخسروا جنديا واحدا، بل لم تضع منهم شكيمة فرس..
ولقد سقط من أحد المقاتلين قدحه، فعز عليه أن يكون الوحيد بين رفاقه
الذي يضيع منه شيء، فنادى في أصحابه ليعاونوه على انتشاله، ودفعته
موجة عالية الى حيث استطاع بعض العابرين التقاطه..!!
وتصف لنا احدى الروايات التاريخية، روعة المشهد وهم يعبرون دجلة،
فتقول:
(أمر سعد المسلمين أن يقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.. ثم اقتحم
بفرسه دجلة، واقتحم الناس وراءه، لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها
كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملأوا ما بين الجانبين، ولم يعد
وجه الماء يرى من أفواج الفرسان والمشاة، وجعل الناس يتحدثون وهم
يسيرون على وجه الماء كأنهم يتحدثون على وجه الأرض؛ وذلك بسبب ما
شعروا به من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ونصره ووعده وتأييده)..!!
ويوم ولى عمر سعدا امارة العراق، راح يبني للناس ويعمّر.. كوّف الكوفة،
وأرسى قواعد الاسلام في البلاد العريضة الواسعة..
وذات يوم شكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين.. لقد غلبهم طبعهم المتمرّد،
فزعموا زعمهم الضاحك، قالوا:" ان سعدا لا يحسن يصلي"..!!
ويضحك سعد من ملء فاه، ويقول:
(والله اني لأصلي بهم صلاة رسول الله.. أطيل في الركعتين الأوليين،
وأقصر في الأخريين)..
ويستدعيه عمر الى المدينة، فلا يغضب، بل يلبي نداءه من فوره..
وبعد حين يعتزم عمر ارجاعه الى الكوفة، فيجيب سعد ضاحكا:
(اأتمرني أن أعود الى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة)..؟؟
ويؤثر البقاء في المدينة..
وحين اعتدي على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه، اختار من
بين أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ستة رجال، ليكون اليهم أمر
الخليفة الجديد قائلا انه اختار ستة مات رسول الله وهو عنهم راض..
وكان من بينهم سعد بن أبي وقاص.
بل يبدو من كلمات عمر الأخيرة، أنه لو كان مختارا لخلافة واحدا من
الصحابة لاختار سعدا..
فقد قال لأصحابه وهو يودعهم ويوصيهم:
(ان وليها سعد فذاك..
وان وليه غيره فليستعن بسعد).
**
ويمتد العمر بسعد.. وتجيء الفتنة الكبرى، فيعتزلها بل ويأمر أهله
وأولاده ألا ينقلوا اليه شيئا من أخبارها..
وذات يوم تشرئب الأعناق نحوه، ويذهب اليه ابن أخيه هاشم بن عتبة
بن أبي وقاص، ويقول له:
يا عم، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر.
فيجيبه سعد:
(أريد من مائة ألف سيف، سيفا واحدا.. اذا ضربت به المؤمن لم يقطع
شيئا، واذا ضربت به الكافر قطع)..!!
ويدرك ابن أخيه غرضه، ويتركه في عزلته وسلامه..
وحين انتهى الأمر لمعاوية، واستقرت بيده مقاليد الحكم سأل سعدا:
مالك لم تقاتل معنا..؟؟
فأجابه:
( اني مررت بريح مظلمة، فقلت: أخ .. أخ..
واتخذت من راحلتي حتى انجلت عني..)
فقال معاوية: ليس في كتاب الله أخ.. أخ.. ولكن قال الله تعالى:
(وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فان بغت احداهما
على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله).
وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية.
أجابه سعد قائلا:
( ما كنت لأقاتل رجلا قال له رسول الله: أنت مني بمنزلة هارون من
موسى الا أنه لا نبي بعدي).
**
وذات يوم من أيام الرابع والخمسين للهجرة، وقد جاوز سعد الثمانين،
كان هناك في داره بالعقيق يتهيأ للقاء الله.
ويروي لنا ولده لحظاته الأخيرة فيقول:
(كان رأس أبي في حجري، وهو يقضي، فبكيت وقال: ما يبكيك يا بنيّ..؟؟
ان الله لا يعذبني أبدا وأني من أهل الجنة)..!!
ان صلابة ايمانه لا يوهنها حتى رهبة الموت وزلزاله.
ولقد بشره الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو مؤمن بصدق الرسول عليه
الصلاة والسلام أوثق ايمان..ز واذن ففيم الخوف..؟
(ان الله لا يعذبتي أبدا، واني من أهل الجنة).
بيد أنه يريد أن يلقى الله وهو يحمل أروع وأجمل تذكار جمعه بدينه
ووصله برسوله.. ومن ثمّ فقد أشار الى خزانته ففتوحها، ثم أخرجوا
منها رداء قديما قي بلي وأخلق، ثم أمر أهله أن يكفنوه فيه قائلا:
(لقد لقيت المشركين فيه يوم بدر، ولقد ادخرته لهذا اليوم)..!
اجل، ان ذلك الثوب لم يعد مجرّد ثوب.. انه العلم الذي يخفق فوق حياة
مديدة شامخة عاشها صاحبها مؤمنا، صادقا شجاعا!!
وفوق أعناق الرجال حمل الى المدينة جثمان آخر المهاجرين وفاة، ليأخذ
مكانه في سلام الى جوار ثلة طاهرة عظيمة من رفاقه الذين سبقوه الى
الله، ووجدت أجسامهم الكادحة مرفأ لها في تراب البقيع وثراه.
**
وداعا يا سعد..!!
وداعا يا بطل القادسية، وفاتح المدائن، ومطفىء النار المعبودة في
فارس الى الأبد..!!
رجال حول الرسول - خالد محمد خالد
أعلى
(خـطـورة الـعـقـل الـمادي)
إعمال العقل وتوظيفه التوظيف الامثل أمر مطلوب
من جميع البشر فبدونه تفقد البشرية حيويتها المعنوية والمادية لمواكبة
متطلبات العصر سواء كانت تلك المتطلبات ماضية أو حاضرة أو قيام الإنسان
بالاستعداد الاقوم للمستقبل وهذا يكون بعمل الخطط والدراسات الهامة
التي من شأنها أن تسعد المجتمع بتوفير احتياجاته الخاصة والعامة
والله سبحانه وتعالى أمر الناس بالنظر في هذا الكون والسعي الجاد
على اسخراج خزائنه المهيأة للبشر في كثير من الآيات كقوله تعالى
(قُل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تُغني الآيات والنذرُ عن
قوم لا يؤمنون) يونس: {101} فهذه الآية تدعو إلى التفكر في الكون
والأرض لأن كل الاختراعات تستخرج منهما ولا يحصل أي إبداع مهما كان
بمحض الصدفة لأنه لابد لكل موجود من موجد، هذا وقد أوضح سيد قطب
(ت 1966م) الآية السالفة بقوله (إن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة،
لم يكن لديهم من المعرفة العلمية بما في السماوات والأرض إلا القليل
ولكن الحقيقة...هي أن بين الفطرة البشرية وبين هذا الكون الذي نعيش
فيه لغة خفية غنية! وإن هذه الفطرة تسمع لهذا الكون ـ حين تنفتح
وتستيقظ ـ وتسمع منه الكثير! والمنهج القرآني في تكوين التصور الإسلامي
في الإدراك البشري يتكىء على ما في السماوات والأرض ويستلهم هذا
الكون؛ ويوجه إليه النظر والسمع والقلب والعقل وذلك دون أن يخل بطبيعة
التناسق والتوازن فيه..) (1)
إن خطورة العقل لا تكمن في الأشياء النافعة للإنسان الذي يريد تحقيق
مبدأ الخلق للكائنات ولكن تكمن خطورته في الأشياء المادية فإذا كان
هدف الإنسان هو المادة فهذا العقل هو الخطر على ذاته وعلى المجتمع
بإحداث الإضرار المعنوية والحسية فالمعنوي كإحداث بعض القلاقل التي
تلوث الدين أو الخلق....أما الإضرار الحسية كصناعة الأسلحة الفتاكة
التي تدمر البشر وصناعة السموم التي يدسها المغرضون في العسل فهذه
العقول خطيرة على المجتمع البشري لأن أصحابها يسخرون عقولهم في عوامل
الهدم والتخريب ولم يسخروها كعناصر بناء وتشييد.
هذا (وقد كان الناس على مدار التاريخ ينظرون إلى العقل على أنه مرشد
للذات وضابط للسلوك وأداة حسنة التميز بين الخير والشر والحسن والقبيح،
وبذلك كان يفهم من إطلاق لفظ (عاقل) على إنسان بعينه أنه متوازن،
يمسك نفسه عن الرذائل، ويتصف بالحلم والأناة والتريث في اتخاذ القرارات
وهذه الصفات كلها تدل على أن العقل كلما ازداد نضجا جعل صاحبه يشعر
بالمسؤولية عن تصرفاته وأعماله ومواقفه) (2) والله سبحانه وتعالى
يصف أصحاب العقول بصفات متعددة يصفهم بأولي الألباب والإبصار والنهى...
فهذه الميزة التي كان يعول عليها الناس على مدار الحقبة التاريخية
للحياة وحتى اليوم تقوم بعض العقول بالدور المنوط بها من ارشاد الناس،
ولكن ليس بنفس الدور الماضي ففي هذا العصر أي الحديث (فقد أخذ الدور
الإرشادي للعقل يتضاءل شيئا فشيئا حتى صار هناك خوف حقيقي من أن
تنحصر مهامه في الاكتشافات والاختراعات أي يصبح العقل تقنيا ماديا
شبيها بالآلة الصماء التي تصب القوالب، وتصوغ النماذج) (1) نعم هذا
هو الأمر السائد بين كثير طبقات المجتمع لاسيما مجتمع الحضارة الراقية
فالعقل المنتج والمبدع هو أساس التقدم والرقي في جميع المجالات،
وهذه المقولة قد انقاد إليها بعض المسلمين ممن ينادون بالحرية المطلق
للبشر ونقول لهؤلاء لابد من الموازنة بين الغذاء المادي والمعنوي
للإنسان فلا يكون الغذاء المادي هو الغاية في هذه الحياة بل يكون
وسيلة فالغاية تكون بالقنوت لله والخضوع له في كل أمر اشد به والذي
يتطلع إلى مساوئ هذه العقول سيدرك كنهها الخطير على البشر ونقتصر
على ذكر مساوئ من مظاهر ذلك الخطر على سبيل الإيضاح لا الحصر:
أولا: الابتعاد الكلي كالإلحاد أو الجزئي كإنكار بعض الواجبات الشرعية
عن الخالق العظيم وهذه من الآثار المعنوية التي تدمر ثمرة اعتقاد
المسلمين، كالإيمان بالغيب من ملائكة وهناك حساب وعقاب وجنة ونار...
ثانيا: سعي هذا العقل دائما إلى تفكيك المجتمع بواسطة غزو عقول الناشئة
بملوثات الثقافة الغربية بحجة التطور والانفتاح على الحياة.
ثالثا: سعي بعض العقول إلى اختراع الأسلحة الفتاكة التي تقضي على
الأخضر واليابس من الكائنات الحية والنباتية والبيئة البحرية وشواهد
العصر تدل على ذلك.
رابعا: تجاوز القوانين الربانية والدولية لاسيما حقوق الإنسان بحيث
لا يسمع للضعيف أي صوت يجهر به وتكون هذه القوانين حبرا على ورق.
خامسا: تضييع أوقات الشباب في الأشياء التي لا فائدة منها بسبب اختراع
بعض الطرق التي تهدم كيان المجتمع الأخلاقي كبعض القنوات الفضائية
المسخرة للفساد.
ومهما يكن من أمر فإن العقل المادي سيضمحل فكره وينتهي أثره في وقت
من الأوقات فيكره أتباع هذه العقل حياتهم المادية لخلوها من الروح
المعنوية ولا يتأتى ذلك إلا بنهوض الرجال المصلحين من المسلمين فينفضوا
غبار الكسل عنهم لينقلوا رسالة الإسلام خالصة نقية لأبناء المسلمين
أولا وغير المسلمين ثانيا كل ذلك بالتكاتف والتآزر وألا عدنا إلى
العصور الغابرة مرة ثانية كالعصر العثماني الذي كانت قرائح العلماء
قد نضبت من العلم والمعرفة وتركوا العلم ولجأوا إلى حرف أخرى بسبب
الركود الفكري فعلينا التنبه لذلك الوباء الخطير وشره الوبيل لنحقق
لأمتا الرقي والازدهار ونكسر شوكة أعدائنا من المغضوب عليهم والضالين،
إن الله على ذلك قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير.
بقلم: إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي
أعلى
احذروا المهلكات
الذبح لغير الله عزوجل
مثل من يقول: بسم الشيطان أو الصنم أو باسم
الشيخ فلان قال الله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).
قال ابن عباس: يريد الميتة والمنخنقة الى قوله تعالى: (وما ذبح على
النصب). وقال الكلبي: مالم يذكر اسم الله عليه أو يذبح لغير الله
تعالى. وقال عطاء: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش والعرب على الأوثان.
وقوله تعالى: (إنه لفسق) يعني: وإن كل ما لم يذكر اسم الله عليه
من الميتة فسق أو خروج عن الحق والدين (وإن الشياطين ليوحون إلى
أوليائهم ليجادلوكم) أي يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال
بالباطل، وهو ان المشركين جادلوا المؤمنين في الميتة. قال ابن عباس:
أوحى الشيطان إلى أوليائه من الإنسن كيف تعبدون شيئا لا تأكلون ما
يقتل وانتم تأكلون ما قتلتم ؟ فأنزل الله هذه الآية (وإن أطعتموهم)
يعني في استحلال الميتة (إنكم لمشركون) قال الزجاج: وفي هذا دليل
على ان من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم شيئا مما أحل الله فهو مشرك.
فإن قيل: كيف أبحتم ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية والآية كالنص في
التحريم ؟ قيل للسائل: إن المفسرين فسروا ما لم يذكر اسم الله عليه
في هذه الآية بالميتة ولم يحمله أحد على ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية،
وفي الآية أشياء تدل على أن الآية في تحريم الميتة. ومنها قوله تعالى
(وإنه لفسق) ولا يفسق آكل ذبيحة المسلم التارك للتسمية. ومنها قوله
تعالى: (إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) والمناظرة إنما
كانت في الميتة بإجماع المفسرين لا في ذبيحة تارك التسمية من المسلمين،
ومنها قوله تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) والشرك في استحلال
الميتة لا في استحلال الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها. وقد
أخبر أبو منصور بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى
أن يسمى الله تعالى ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اسم الله
على فم كل مسلم). وأخبر عمرو بن أبي عمرو بإسناده عن عائشة رضي الله
عنها أن قوما قالوا: يارسول الله إن قوما يأتونا باللحم لا ندري
أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(سموا عليه وكلوا) هذا آخر كلام الواحدي وقد تقدم قوله صلى الله
عليه وسلم: (لعن الله من ذبح لغير الله). نسأل الله بمنه وكرمه أن
يهدينا سواء السبيل.
علي بن عوض الشيبابي
أعلى
الذرية الصالحة وواجب الأبوين في تكوينها
العناية بالطفولة ركن اساسي من شريعة الاسلام
وهي عناية فسيحة المدى رحبة الآفاق تمتد (رأسيا) الى ما قبل ولادة
الطفل بكثير الى مرحلة اختيار الزوجين وهي أول مرحلة من مراحل البناء
تعتمد على التأسيس السليم فكلما كان الاساس قويا متينا سيتبعه حتما
البناء السوي الذي لا عوج فيه ولا خور.
وكذلك شأن الزراع في تخير الارض التي تصلح للاستنبات والخصوبة والجودة
وهذا كله يتناسب تناسبا كليا في عملية اختيار الزوج او اختيار الزوجة
لانها عملية تأسيسية في بناء الاسرة واخصاب الحياة قال الله تعالى
في سورة الروم (ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها
وجعل بينكم مودة ورحمة)
ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (تخيروا لنطفكم فان العرق دساس)
رواه ابو داود والنسائي
وما من شك ابدا في حسن الاختيار للحرث يؤدي بالتالي الى حسن النبات
والعكس بالعكس ويجيء بيان ذلك في الحديث الشريف الذي ذكرته آنفا
بشيء من التفصيل الموجز على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك
حين جاءه احد الصحابة رضوان الله عليهم يشكو اليه اختلاف لون بشرة
احد اولاده عن بقية اخوته فضرب له المثل بإبل عنده فيها تباين الالوان
ولقد قيل في هذا الشأن.
لعله نزع بها عرق
ويبدو قوله (عليه الصلاة والسلام) قفزة زمنية عبر القرون والاجيال
تتوج النظريات الحديثة لعلم السلالات والاجناس وكذلك علم الاجتماع
او تحيط بها جميعا ولا غرابة في ذلك فانه (عليه الصلاة والسلام)
لا ينطق عن الهوى (ان هو الا وحي يوحى) سورة النجم
كما يسري من الحامل الى حملها شعور فياض من المحبة هو ولا شك المرتكز
الاول في التربية في رسم معالم الاطر المستقبلية للمولود المنتظر
في خيالها ذكرا كان او انثى
اضف الى ذلك الاستعدادات المختلفة التي تنبئ بمجملها عن معاني الرعاية
والتدبر كتحضير الالبسة وما يلزم من ادوات ووسائل تتعلق بالخدمات
الصحية والمعيشية للمولود.
وهي في هذا كله تستفرغ كثيرا من حنانها وغيض حبها وعاطفتها وان اكثر
الحوامل اليوم يزرن الطبيب المشرف او الطبيبة في معاينات دورية ليتلقين
التوجيهات اللازمة وكل ذلك من باب الحرص على انفسهن وحملهن.
ولذا فان الخطة الوطنية لرعاية المرأة والطفل بوزارة الصحة قد اعدت
كل الوسائل والنصائح في اثناء فترة الحمل ومنها التحضير والاعداد
اثناء فترة الحمل وهو ان تبدأ الام بالاستعداد للرضاعة الطبيعية
خلال الاشهر الاولى من الحمل وقررت الآتي:
أ ـ على الام ان تقرر مبكرا بانها سترضع طفلها رضاعة طبيعية وان
تهيئ نفسها لذلك وان تكون مستعدة نفسيا لها.
ب ـ يجب ان تتناول الام غذاء كافيا ومتوازنا لبناء جسم قوي وصحي
فهذا سيساعدها على انتاج الحليب بعد الولادة.
ج ـ يجب التأكد من بروز الحلمتين بما فيه الكفاية لتسهيل الرضاعة
وتستطيع الممرضة ان تفحص حلمتي الام وتعلمها كيف تقوم بابرازهما
اذا كانتا مفلطحين وذلك عن طريق مسك الام لحلمتها باصبعها وشدها
ومطها بلطف الى الخارج فذلك سيساعد على ظهور الحلمة الى الخارج.
وبعد فان هذه الرعاية والاهتمام اثناء فترة الحمل هي جزء حيوي وهام
من المسئولية الكاملة والتي مدارها البناء السوي للاطفال من ناحيتي
الصحة النفسية والصحة البدنية.
ان القواعد التي اسلفنا والمنهجية التي عنها تحدثنا فالاسلام يحرص
كل الحرص على ان تتحقق وتتأكد وتنضبط ايضا وفقا لتعاليمه السامية
ومسلكيته القويمة.
ومن عناية الاسلام بالطفل انه رخص الافطار للحامل في رمضان او اثناء
الرضاع حرصا عليها وعلى جنينها وخوفا عليه ايضا من الهلاك فانه يجوز
لهن ان يأكلن في نهار الصوم بالاجماع لقوله صلى الله عليه وسلم (ان
الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم)
ذكره العلامة الشيخ السالمي في الجزء الثامن عشر من (المعارج) ص40
وهذا مع الزامهن فيما بعد بالقضاء والكفارة وانما الزمن بذلك لاختلاف
احوالهن عن حال المريض اذ المريض جاز له الافطار ثم القضاء من اجل
خوفه على نفسه وهما انما جاز لهما ذلك من اجل خوفهما على غيرهما
وشتان ما بين هذا وذاك ثم المرحلة الثالثة وهي مرحلة (الوضع)
يقول الله تعالى في محكم التنزيل (والذين يقولون ربنا هب لنا من
ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعلنا للمتقين اماما).
الحقيقة ان الاطفال زهرة الحياة الدنيا وزينتها وربما الانسان لا
ينعم باولاده ولا يتمتع بهم ولا يمثلون زينة الحياة بالنسبة اليه
ولا قرة العين التي ذكرها الله في قوله (هب لنا من ازواجنا وذرياتنا
قرة اعين) لانهم ولدوا مرضي ضعفاء فكانوا مبعث الم وتعب لوالديهم
واسرتهم وامتهم نعم تظل الحامل تعيش اشهر الحمل في وضع بدني ونفسي
متقلب تتغاير بواعثه وانعكاساته بين فترة واخرى وتضطر الحامل قسرا
الى معالجة كل طارئ بما يتناسب مع معطياته من منطلق الحرص على كيانها
المزدوج على ذاتها وجنينها.
وتبلغ الذروة عند حالة المخاض في تحمل متاعب آلام الحمل ومعاناة
شدائده واولويات الرعاية والوضع: انفصال وبروز خلق جديد (فتبارك
الله احسن الخالقين) انه انفصال كيان عن كيان كان يلازمه في احشائه
ويتغذى بغذائه ويعايشه في تردد انفاسه ويسري بينهما تيار الحب متدفقا
مشعا ارسالا من الاول واستقبالا من الثاني عطاء متواصلا لا منة فيه
وقاعدة انسانية بشرية تدوم بها مسيرة الحياة هذا الحب النامي نمو
الحياة هو المعول عليه فيه التربية والمرتكز الطاقة في شحن الكيان
الجديد بمدد من اصول وقواعد الاستمرارية السليمة كي لا تضل ولا تنسى
او تضمحل وتفنى وبعد الانفصال الظاهري اتصال آخر ... سبحان الله
لقد كان يتغذى من قبل في الاحشاء باسلوب هو قمة الناموس الالهي غذاء
جسمانيا ونفسيا ثم انفصل للحظات قليلة لا تعد شيئا بمقياس الزمن
.. وها هو الآن يعاود الاتصال الغذائي وبتدبير رباني من الصدر وليس
الصدر هو مستودع اللبن فقط بل انه محضن القلب ومجمع النفس وما تزخر
به من مشاعر واحاسيس وايضا فان الصورة التي تتكامل بها عملية الرضاع
من ضم باليدين ووقوع دائم تحت النظر لتشهد على ذروة العطاء وللقابلة
او الطبيعة المولدة دور ... صحي ونفسي
اما الصحي فمدرك معروف تتوفر فيه البراعة والحذق والاصول والقواعد
العلمية التجربيبة السلمية.
واما النفسي فهو اسلوب التعامل مع الحامل منذ الحمل الى بعد الوضع
ويشترط فيه اللطف والبشاشة والرفق وكذلك الاختصاص ونعنى به عدم التغيير
من واحدة الى آخرى مع كل حمل ومع كل مولود.
ولقد درجت السيدة خديجة رضى الله عنها على التعامل مع قابلة معينة
في جميع ادوار حملها وولادتها وكذلك نساء المسلمين الانصاريات والمهاجرات
في المدينة المنورة فكان تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لهن على
ذلك سنة محمودة متبعة.
وتعد مساهمة العاملات من طبيبات وممرضات بوزارة الصحة في الحقل الصحي
والاجتماعي من الامور التي تساعد كثيرا على الوضع الطبيعي فبراعة
الخبرة والتجربة العملية المتكررة السليمة والالآت الحديثة المتوفرة
لدى المستشفيات واسلوب التعامل مع الامهات لدى الطبيبات والممرضات
يجعلهن قادرات في جميع ادوار حمل الام وولادتها.
ثم المرحلة الرابعة وهي مرحلة ما بعد الولادة
ينبغي ان نبعد الطفل الوليد عن كل امر يزعجه ويفزعه من الاصوات الشديدة
الشنيعة والمناظر المنطبعة والحركات المزعجة فان ذلك ربما ادى الى
افساد قوته العاقلة وضعفها فلا ينتفع بها في كبره فاذا عرض له عارض
من ذلك فينبغي المبادرة الى تلافيه بضده وايناسه بما ينسيه اياه
وان يلقم ثديه في الحال ويسارع الى ارضاعه ليزول عنه حفظ ذلك المزعج
ولا يرسم في قوته الحافظة فيعسر زواله ويستعمل تمهيده بالحركة اللطيفة
الى ان ينام فينسى ذلك.
ولا يهمل هذا الامر فإن في اهماله اسكان الفزع والروع في قلبه فينشأ
على ذلك ويعسر زواله ويتعذر.
ان التصاق الطفل بأمه اثناء الرضاعة الطبيعية تجعله يشعر بالدفء
والحنان والامان والحب وارضاع الام لطفلها وضمه لها بعد الولادة
مباشرة وباستمرار خلال الايام الاولى له اهمية خاصة اذ ان هذه الفترة
حرجة جدا بالنسبة للطفل والام ومن شأنها ان تؤثر تأثيرا قويا ودائما
على ارتباطهما ببعضهما.
ان الاتصال الوثيق بين الام وطفلها في بداية عمر الطفل يحسن فرصة
تمكنه من الرضاعة الطبيعية لفترة طويلة وبالتالي يحسن نموه ويقلل
من فرص اصابته بالامراض ان انعدام هذه الصلة والرابطة الوثيقة بين
الام وطفلها في تلك الفترة الحرجة يؤدي الى اهمال الامهات للاطفال
وهجرهن لهم وكذلك زيادة حالات اصابات الاطفال بالحوادث وتأخر نموهم.
وبالتالي فان حليب الام لا يعتبر فقط الغذاء المثالي المتكامل والمناسب
للطفل فحسب بل ان عملية الرضاعة الطبيعية بحد ذاتها تتساوى واهمية
الغذاء في النمو العاطفي والفكري لدى الطفل ويمكننا التأكيد هنا
على ان الرضاعة الطبيعية تفي احتياجات الطفل الجسدية والفكرية والعاطفية.
ومن المبادرات اللطيفة بعد ولادة الام والتي تكون سببا في صحة الطفل
والتي سنها النبي صلى الله عليه وسلم للمولود (التحنيك والختان)
فقد روى عن (ابي موسى الاشعري) رضي الله عنه انه قال ولد لي غلام
فأتيت به الى النبي صلى الله عليه وسلم فسماه ابراهيم وحنكه بتمرة
ودعا له بالبركة ودفعه اليّ) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما.
اما التحنيك وهو دلك لثة الوليد بمعجون التمر وليكن خفيفا يقول الدكتور
( عبد العزيز شرف) في كتابه رسالة النباتات الطبية (ص:5) متحدثا
عن قيمة التمر: والتمر .. فقد كان من نتائج البحوث فيه انه منبه
لحركة الرحم وانه يقوي العضلات الرحمية والانقباضات العضلية وحيث
ان التمر له اثاره الطبية على العضلات وحيث ان لثة الوليد في المراحل
الاولى تكون عضلة بحاجة الى تماسك واشتداد فإن تحنيك الوليد بمعجون
التمر له فوائده الجليلة وهذه الاهمية الطبية العلمية والعذائية
العضوية لا يدرك كل جوانبها الا الاطباء واهل الاختصاص ولها في غير
هذا الموضع ابحاثها المطولة.
وللختان بعد ذلك اغراضه وفوائده الصحية والنفسية وهي تمضي مع الانسان
طوال حياته يقول الدكتور صبري القباني في كتابه حياتنا الجنسية:
ان الختان تدبير صحي يوقى صاحبه كثيرا من الامراض والاختلاطات ونذكر
من فوائده
اولا: انه يتخلص بقطع القلفه من المفرزات الذهنية والسيلان الشحمى
المقزز للنفس ويحال دون امكان حدوث التفسح والانتان
ثانيا: بقطع القلفة يتخلص الانسان من خطر انحباس الحشفة اثناء التمدد.
ثالثا: يقل بالختان امكان الاصابة بالسرطان وقد ثبت ان هذا السرطان
كثير الحدوث في الاشخاص المنطبقة قلفتهم بيد انه نادر جدا في الشعوب
التي توجب عليهم شرائعهم الدينية الختان.
اذا سراعنا في ختان الطفل امكننا تجنبه الاصابة بسلس البول الليلي
وان كثيرا من الاطفال يبولون في فراشهم ليلا بسبب انعكاس عصبي مصدره
القلفة المتخرشة الى غير ذلك من الفوائد ثم المرحلة الخامسة الحضانة
الحضانة هي المرحلة الاساسية التي ينشأ الطفل في مهادها وهي اوثق
رباط يربط الام بابنها وقد نوه القرآن بها ووصلها بمرحلة الحمل والرضاعة
في قوله تعالى:(ووصينا الانسان بوالديه احسانا حملته امه كرها ووضعته
كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة
قال رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدى)
والحضانة حق من حقوق الامومة يقول الدكتور عبد الحليم عويس في كتابه
نظام الاسرة في الاسلام
والخلاف بين الفقهاء هل الحضانة حق لها او واجب عليها خلاف قد ينظر
اليه بعين الاعتبار ولكن الشروط نراها ضرورية اهمها:
1ـ ان لا تضار ام بولدها فتكلف له فوق طاقتها بينما والده يرتع طارحا
واجباته نحوها كمرضعة وحاضنة لولده
2ـ ان لا تضار الام ايضا بفقدها ولدها وهو حي بينما يقف نداء الامومة
العلوى هاتفا بها في كل لحظة مؤرقا لها في كل ليلة جاعلا من حياتها
الشاذة جحيما لا يطاق
يقول الله تعالى في سورة البقرة (لا تكلف نفس الا وسعها لا تضار
والدة بولدها ولا مولود له بولده) اية 233
3ـ وفي المقابل اذا وجدت ام خانت نداء الفطرة العلوى ورفضت واجب
الحضانة فترغم عليه كلما كان ذلك مكننا حتى لا يضار طفل غض مسكين
يستقبل الحياة مجردا من الحماية العائلية.
فالمقياس الهام بعيدا عن الخلافات هو ان لا يكون ثمة ضرر هنا ولا
ضرر هناك ولا ظلم للام ولا لطفلها الضعيف.
وبعد ذكر هذه المراحل احب ان اقول بان الاسلام قد اهتم بمرحلة ما
قبل الولادة ضمن مراحل تطور الانسان ونموه والتي يفصلها القرآن تفصيلا
فيحرم على الابوين كل ما هو ضار بالجنين ومشددا على الام في مرحلة
الحمل ومفهوم الاسلام التطوري النمائي للانسان لا يكفى بمراحل النمو
في هذه الحياة فحسب بل تمتد لديه المراحل من الازل الى الابد من
عالم النفوس والازواج قبل مجيء الانسان الى الارض مارا بالحياة الدنيا
ممتدا الى البعث والحياة الابدية والقرآن الكريم غنى بالآيات التي
تفصل ذلك
اما فترة الحياة الدنيا فيذكرها القرآن الكريم ايضا بمراحل تفصيلية
دقيقة ممتدة من التراب الى التراب من مواد الارض التي يأكلونها مرورا
من هذه النطفة الى العلقة فالمضغة المخلقة وغير المخلقة الى الطفولة
ثم البلوغ والشيخوخة والموت والتحلل الى التراب ويفصل القرآن المرحلة
الجنينية هذه بتفصيل دقيق معجز لم تظهر ابعاده الا بعد تقدم العلوم
البيولوجية وعلم الاجنة بشكل خاص يقول الله تعالى في سورة المؤمنون
(لقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين
ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا
العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله احسن الخالقين)
ولعل من اهم الكشوفات العلمية التي تؤكد لنا حكمة الاسلام في تحريم
المخدرات والخمر هي ما يحدث للاجنة من اضطرابات بسبب تناول الامهات
الحوامل لهذه السموم فقد اتضح الآن في بعض البلدان ان بعض الاطفال
يولدون وهم سكارى بسبب ادمان امهاتهم او اكثارهن من شرب الخمر وبعضهم
يولدون وهم مدمنون على الهيرويين فلا يلبث الطفل المسكين بعد ولادته
فترة من الوقت حتى تظهر عليه اعراض الانقطاع الخطيرة كالتشنجات والارتجاف
وهنا يتدخل الطبيب سريعا ليعطيه من العقاقير ما يمنع عنه هذه الاعراض
الفظيعة.
ان التأثير الجسمي رغم وضوحه في نقص وزن هؤلاء الاطفال وازدياد نسبة
التشوهات لديهم والتأثير النفسي الضار على صحتهم لم يكشف العلم الحديث
عن مداه الى الآن وعن الابحاث المثيرة ايضا ما توصل اليه العلماء
من ان الكحول في الدم قد يؤثر على تكوين الحيوانات المنوية في خصيتى
الذكر ويأتي بطفرات وتغيرات في الجينات نفسها تسبب شتى الاختلالات
والتشوهات لدى المولود الذي ينقلها بدوره لاطفاله من بعده كالاختلالات
الموروثة ولا ننسى ان نذكر في هذا المجال التشوهات والاضطربات التي
تحدث للاجنة والمواليد بسبب اصابة الام بالامراض الجنسية والتناسلية
المرتبطة بانتشار الزنا كداء الزهري مثلا ولا يعنى حديثنا عن هذه
الامور البيولوجية اننا نبتعد عن موضوع الصحة النفسية.
فكما هو معروف فان الصلة بين الجسم والعقل وبين التشوه العضوي والاضطراب
النفسي اصبحت وثيقة بدرجة يصعب فيها حتى تحديد المكونات السلوكية
بشكل دقيق محدد من ناحبة ثانية نجد اهتمام الاسلام بصحة الطفل الجسمية
والنفسية معا يتجلى كما تحدثنا من قبل في المرحلة الاولى عن الزوج
والزوجة اي قبل زواج امه بإبنه فللرسول صلى الله عليه وسلم احاديث
ووصايا هامة في اختيار الزوجة والزوج الصالح توضح اهمية الوراثة
والبيئة في تكوين الصحة النفسية والجسمية والروحية لطفل المستقبل
الذي ينشأ في محضن صحي مؤمن ولنتأمل هذه الاحاديث (تنكح المرأة لاربع:
لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) (اذا
جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه الا تفعلوا تكن فتنة في الارض
وفساد كبير)
ولا شك ان الاسرة الصالحة وبخاصة الزوجة ذات الدين والخلق هي الاقدر
على اعطاء اطفالها الحنان والقدوة الصالحة التي تخرجهم الى الحياة
مطمئنين واثقين من انفسهم وقيمهم رفيعة وحياتهم هانئة سعيدة فتحقق
لهم المستوى النفسي المطلوب.
اما الجانب الوراثي في الاحاديث ففيه احدى معجزات النبوة ولعل اصطلاح
(العرق دساس) هو ما اكتشفه علم الوراثة الحديث بوضوح في سلوكه او
شكله الجسمي وتركيبه العضوى لكنه رغم ذلك قادر على توريثها الى اطفاله
فتصيبهم بشتى الاضطرابات العقلية كالفطام عن طريق التمهير الوراثي
وبعض اصناف التخلق العقلي تنتقل بجينات متنحية والمرأة بشكل خاص
قادرة على نقل الصفات المرتبطة بالكروموزوم الجنسي (×) كعمى الالوان
والصلع والهيموفيليا دون ان تكون هي مصابة ظاهريا بهذه الصفات بالاضافة
الى هذه النبذة اليسيرة عن النواحي البيولوجية وتنتقل الى نبذة مختصرة
جدا لاهم العوامل النفسية التي اثبتتها الابحاث والدراسات المتكررة
على رأس هذه العوامل وظيفة الدفء العاطفي للطفل النامي.
فقد أثبتت كثير من الدراسات والابحاث ان الحب والحنان والدفء العاطفي
تجلب الاستقرار النفسي لدى الطفل وتجنبه الاضطرابات النفسية المختلفة
في طفولته ومراهقته وبعد بلوغه (ومن هنا نفهم سبب المكانة التي اعطاها
الاسلام للحضانة وكما ان للاسلام دورا في هذا المجال احسبني بحاجة
الى التدليل على ذلك فالقرآن العظيم والاحاديث النبوية المطهرة والسيرة
النبوية واقوال وافعال الصحابة والتابعين ودراسات علماء المسلمين
الأوائل
كلها مملوءة بالشواهد البارزة على هذه المبادئ وللامومة ولوظيفة
المرأة في البيت ويأتي ايضا دور اللعب لتساهل معه في سلوكه الطفلي
دون الافراط في تدليله وهذا دور صحي ايضا.
ومن الثابت ايضا اهمية القدوة الصالحة بالنسبة لتطور الطفل الخلقي
فاذا لم يجد الطفل هذه القدوة او كانت قدوته منذ بدايته متقلبة او
كانت ثابتة لكنها تشكل نموذجا منحرفا سيء الاخلاق فان قيم الطفل
النامي ستضل واخلاقه ستنحرف اذا لم يتداركه الله.
ونحن نستفيد من هذه العجالة التي تمثل عصارة نتائج ابحاث كثيرة فلماذا
لا نحافظ على هذا المخلوق البريء ولماذا لا نقابل هذه النعمة بالشكر
للمنعم وصدق الله العظيم اذ يقول (والله اخرجكم من بطون امهاتكم
لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون)
عبد الرحيم محمد جاد الرب
أعلى