رأي الوطن
من أين يبدأ الاصلاح
يكثر الحديث هذه الايام حول الطرح الاميركي
لما يسمى الشرق الاوسط الكبير، الذي يتضمن رؤية لتعميق الديمقراطية
واحداث تغييرات جذرية في بنية المجتمع العربي لتهيئته للتعاطي مع
اقتصاديات العولمة.. وما بين مؤيد ومعارض ومتوجس من هذه الرؤية،
تجدر الاشارة اولا الى انها تخلو تماما من أي تناول لسبب رئيسي لاعاقة
تنمية المجتمعات العربية وهو موضوع الصراع العربي الاسرائيلي الذي
استنزف الكثير من طاقات وموارد الدول العربية المادية والبشرية خلال
اكثر من نصف قرن، واحدث نوعا من الفصام يبن الشارع العربي والنخب
الحاكمة التي عجزت عن استرداد الحقوق المسلوبة من خلال الشرعية الدولية،
في ذات الوقت الذي تنامى خلاله الوجود الاسرائيلي في فلسطين المحتلة
واستشرى كسرطان تغلغل في كل الارض الفلسطينية، مع استمرار ارهاب
إسرائيل ضد الفلسطينيين بمخالفة صريحة لكل قرارات مجلس الامن والشرعية
الدولية، وبدعم كامل من الادارة الاميركية الحالية.
من ناحية ثانية، وفي ضوء التحالف الاستراتيجي الاميركي الاسرائيلي
الذي يؤكده الواقع، فان هناك قدرا من التشابه ـ ان لم يكن تماثلا
كاملا ـ بين هذه الرؤية الاميركية والمشروع الاسرائيلي للشرق الاوسط،
الذي يجهض الحقوق العربية في فلسطين ، ويضمن اعترافا عربيا كاملا
بالكيان الصهيوني دون مقابل، وتقسيم اقتصاد المنطقة الى دولة مركزية
متفوقة عسكريا وعلميا واقتصاديا هي اسرائيل، ودول عربية لاتملك نفس
القدر من القدرات العسكرية والعلمية على وجه الخصوص، ولديها سوق
واسع لتصريف المنتجات الاسرائيلية دون حد ادنى من التكافؤ في الميزان
التجاري بينهما.
ومن ناحية ثالثة ، فان الرؤية الأميركية تغفل ايضا اي اشارة الى
موضوع احتلال العراق ، الذي تم الاعداد له بعناية منذ حرب تحرير
الكويت ، وتم تنفيذه بشكل أحدث تخريبا شبه كامل للبنى التحتية العراقية
، وسمح بسلب ونهب منظمين لمحتويات المتحف الوطني العراقي ومكتبات
بغداد الحافلة بكنوز من الوثائق والمخطوطات التي تحفظ دور العراق
الحضاري في التاريخ ، وتفريغ بلاد الرافدين من كفاءتها العلمية بمحاصرة
ومطاردة واغراء واغواء علماء العراق للانسلاخ عن بيئتهم وبلدهم ومجتمعهم
، وحرمان الأجيال العراقية الجديدة من ميزة التواصل مع هؤلاء العلماء
لافراز أجيال جديدة منهم..ويجب ألا نغفل ان كل هذه الممارسات السلبية
التي تتنافى مع مصالح الشعب العراقي وتخرج العراق تماما من معادلة
القوة العربية ، تمت تحت شعار : تحرير العراق وارساء قواعد الديموقراطية
فيه..الأمر الذي تنفيه تماما الأحداث اليومية في مدن وبلدات أرض
السواد.
لهذا كله فان الأمر الطبيعي هو ان تثير الرؤية الأميركية قدرا من
التوجس لدى بعض النخب العربية الحاكمة وقدر أكبر من الشك والارتياب
في النوايا لدى الشارع العربي كله ، الذي بات ينظر الى اي مبادرات
أميركية بتوجس يفتش عن الدوافع الحقيقية لأي مبادرة ، ويحاول أن
يرصد من هو المستفيد الأول منها في عالم أسقط الأخلاق من حساباته
السياسية..ويغذي هذا الشك والارتياب المواقف الأميركية الداعمة لليمين
الاسرائيلي المتطرف عسكريا وماليا وسياسيا.
ان حل جوهر الصراع في الشرق الاوسط وهي القضية الفلسطينية باتخاذ
مواقف موضوعية محايدة تتفق مع القانون والاعراف الدولية، والاعلان
عن برنامج زمني لاجراء انتخابات في العراق تحت اشراف الامم المتحدة
ونقل السلطة للعراقيين تمهيدا لرحيل قوات الغزو، كفيل بازالة الاحتقانات
والالتهابات المزمنة في الشرق الاوسط، وتوفير مناخ يسمح بالتغيير
والاصلاح التدريجي الذي يتفق مع بنية المجتمع العربي على ان يتم
التغيير من الداخل ولا يكون مفروضا من الخارج.. وهذا كله يدعو الادارة
الاميركية الى ان تقدم طرحا عقلانيا يقبله العرب، بوضع الحصان امام
العربة وليس العكس.
أعلى