فتاوى
وأحكام
س : هل يجوز لرجل أن يؤجر حجة عن أبيه وأمه
وهو لم يحج كذلك هل يجوز الحج للمرأة في سن العشرين سواء كانت متزوجة
أم لا ؟
ج : يحج الرجل عن نفسه قبل أن يتبرع بالحج عن غيره ولو كان أباً
أو أماً والمرأة تحج مهما كان سنها صغيراً أو كبيراً والله أعلم
.
س : ما رأيكم في رجل أستأجر حجة بمبلغ من المال فحج وبقي معه فضلة
منه فهل يرجع هذه الفضلة إلى المؤجر أم يأخذها بنفسه ؟
ج : إذا كان الحاج عن الغير أعطي الأجرة فله أن ينتفع بالفاضل منها
أما إذا أعطي نفقات سفره فعليه أن يرد الفاضل إلى الوصي أو الوارث
والله أعلم .
س : عمن استأجر حجة هل يلزمه أن يصلي سنة الوداع في منزل المستأجر
عنه أم يكفي أداؤها في مسجد بلد المستأجر ؟
ج : تستحب الركعتان ولا تجبان والله أعلم .
س : أجرت امرأة بحجة وصوم رمضان وقراءة ختمة في حياتها فاعترضها
قائلون بعدم جواز ذلك إلا بعد موتها وهي عاجزة لا تستطيع الذهاب
للحج فما قولكم في ذلك ؟
ج : لا يحج أحد عن أحد في حياته إن كان المحجوج غير قادر على الحج
بنفسه و أما الصوم فللوارث أن يصوم عن موروثه العاجز في حياته وأما
قراءة القرآن فلا يؤخذ ولا يعطى عليها أجر وعليه فأرى أن يقرأ كل
أحد لنفسه فإن لم يستطع فلا يؤجر غيره والله أعلم .
س : في امرأة تستأجر الحج عن غيرها سواء من الرجال أو النساء وقد
سبق لهذه المرأة أن أدت الفريضة عن نفسها وهي ملمة بشروط الحج فهل
نيابة هذه المرأة جائزة ؟
ج : أما نيابة المرأة عن الرجل في الحج فالصحيح جوازها وقيل تحج
امرأتان عن رجل والدليل للقول الأول حديث الخثعمية التي أجابها رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بأجزاء حجها عن أبيها عما فرض الله
عليه وأما الاستئجار ففيه من الخطورة ما يجعل الرجل يحذر منه فضلاً
عن المرأة وذلك لما يخشاه الإنسان من التقصير في أداء المناسك والله
أعلم.
س : هل للمرأة أن تستأجر حجة أو عمرة عن الغير ؟
ج : الأحوط والأسلم للرجل أن لا يستأجر عن الغير فما بالك بالمرأة
والله أعلم .
س : هل يلزم الحاج المستأجر عن أحد إذا قضى جميع مناسك الحج والزيارة
أن يتصدق بشيء من الدراهم من غير لوازم الحجة وإذا تصدق هل يكون
الأجر له أم للمؤجر ؟
ج : لا يلزمه التصدق وإن تصدق فأجر ذلك له والله أعلم.
س : ما رأي سماحتكم في رجل ذهب ليحج عن غيره وقد أستأجر مجموعة من
الحجج وفي مكة أجر الحجج الباقية بعد أن حمل هو حجة ؟
ج : لا يصح لمن أستأجر ليحج عدة حج إلا أن يستأنف سفراً جديداً لكل
حجة من الموضع الذي كان فيه بالاتفاق والله أعلم .
س : هل يجوز للعاجز عن الحج أن ينيب عنه غيره ليحج عنه ؟
ج : يجوز للعاجز أن ينيب عنه غيره من الأمناء فيحج عنه ولو في حياته
والدليل على جواز النيابة عن الحي العاجز في الحج حديث الخثعمية
التي جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله
إن فريضة الحج على عباده في الحج أدركت أبي شيخا ً كبيراً لا يستطيع
الثبوت على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال لها ( أرأيت أن لو كان على أبيك
دين فقضيته أكان مجزئاً عنه ؟ قالت : نعم قال : فذاك ذاك). والله
أعلم .
س : أيحق للفقير أن يحج عن غيره مع أنه لم يحج عن نفسه لعدم توفر
النفقة عنده والحاجة هي التي تدفعه إلى استئجار الحج عن غيره ؟
ج : اختلف العلماء في النيابة عن الغير في الحج لمن لم يحج عن نفسه
فمنهم من منع مطلقاً أخذاً بالحديث ومنهم من رخص لمن كان لا يمكنه
الحج عن نفسه وكان بحاجة إلى استئجار الحج عن غيره والله أعلم .
س : إذا لم يستطع المستأجر رمي الجمار لأمراض ونحوها وأناب عنه غيره
في ذلك فهل عليه من بأس ؟
ج : لا بأس بإنابة الحاج عن غيره أحداً يرمي عنه الجمار مع عجزه
عن ذلك والله أعلم .
س : إنني أعمى ولا أستطيع أن أدبر نفسي في الحج فهل يحق لي أن أؤجر
من ينوب عني في الحج ؟
ج : إذا أمكنك أن تحج بنفسك فذلك ما يجب عليك وإلا فلا مانع من أن
تؤجر من ينوب عنك في الحج والله أعلم .
س : ما قولكم في رجل يعمل بالجيش أستأجر حجه عن غيره وقبل سفره كلف
من قبل الجيش ليذهب مع الحجاج العسكريين كمرشد له وبذلك تتكفل الحكومة
بجميع مصاريفه فهل ينفذ الحجة التي أستأجرها أم لا ؟
ج : إذا كان قد اتفق مع أحد أن يحج عن ميته فليس له أن يذهب في رفقة
مكفولة النفقات كرفقة الحجاج العسكريين لأنه سوف يأخذ عناء سفره
ممن أجره بالحج عن الميت ، وبعثة الحج العسكرية ما أريد بها إلا
تشجيع العسكريين للحج عن أنفسهم فلا وجه لجعلها وسيلة للاستغلال
والله أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيح احمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
كيف نستشرف عاما هجريا جديدا ؟
*- مرور السنين والأيام عبرة لمن يعتبر
*تنبأ النبي المصطفى بأحوال الأمة بعد عهده بأمد طويل
*الكتاب العزيز هو نبراس للأمة
*الانفرادية سلبية وقعت فيها الأمة
إن الأعوام و الأعمار نعمة من نعم الله تبارك
وتعالى على البشر ولا يقدر النعمة إلا من عرف قدرها ، ولذلك فإن
الله جل وعلا الذي خلق هذا العمر وأوجد هذا العالم هو الذي قدر هذا
العمر خير تقدير ، فقد أقسم به كما تعلمون في كثير من الآيات كما
أقسم بالعصر والضحى والليل وغير ذلك والمقسم عليه يكون معظما لأن
الله تعالى لا يقسم على شيء إلا إذا أراد أن يلفت انتباه العباد
إليه ، وكذلك يكونون في غفلة عنه فينبههم إلى أهميته.
وبما أن العمر هو مضمار التسابق إلى العمل الصالح فجدير بالعبد أن
يعرف قيمة هذا الزمن ، ولم يكن هذا الزمان بدعا من الأمر فقد عاشه
أفضل الناس وعاشه أشر الناس ، فقد عاشه أفضل الناس وعلى رأسهم الأنبياء
والمرسلون وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم كما عاشه أهل الضلال
والشر والفسوق والفجور كفرعون وهامان وقارون ، أما الأولون فإن الله
تعالى قد رفع ذكرهم وأعلى شأنهم وخلد آثارهم فقال: ( أُوْلَـئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام/90 )
وقال عن الصنف الثاني الذين هم شرار الخلق: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ
فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ
الْمَقْبُوحِينَ ) (القصص/42 ) ، فإذن الله سبحانه وتعالى يسطر هذا
العمر تستطيرا إما لك وإما عليك ، وليس السعيد من طال عمره وإنما
السعيد هو الذي لا تمر عليه لحظة من لحظاته إلا وهو في ميزان حسناته
، وإلا فإن العمر لو طال وهو على ظهرك وزر ما كان إلا بلاء وشقاء
وثقلا تحس بغصصه يوم أن تقف بين يدي الله تبارك وتعالى.
كم رأينا من المصلحين والنابهين بل والأنبياء عليهم السلام كانت
بعض أعمارهم قصيرة ولكنهم استطاعوا أن يفعلوا وأن يفعلوا وأن يصلحوا
وأن يثمروا وأن يعمروا وأن يبنوا وأن يقدموا الخير للناس ، وكم من
إنسان عاش كثيرا وخلد كثيرا ولكنه ملأ الأرض شرا وزاده الله شرا
، وهل يوجد إنسان خلد كما خلد إبليس الذي طلب من الله تعالى أن ينظره
إلى يوم يبعثون ، وكان اللعين يريد أن يتخلص من غصص الموت يريد أن
يمهله إلى يوم البعث لأن يوم البعث لا موت فيه فقال له الله لست
أنت الذي تحدد الزمان نحن نحدد الزمان ( إنك من المنظرين إلي يوم
الوقت المعلوم( نحن نحدد الوقت المعلوم الذي تمكث فيه فمكث هذا الزمان
الطويل وهو ماكث إلى إن يشاء الله تعالى بانتشار هذه الحياة ولكن
أبى إلا أن يحمل هدفا مسموما مريضا لينشر الشر في البشر ولكي يفرق
المجتمعات ويمزق الأواصر ، وهكذا فالعبرة إذن بالعمل الصالح في هذا
الزمان.
وكذالك أعمارنا تمر ولا يمكن لأحد أن يقول بأنني سأوقف هذا الزمان
لكي أحاسب نفسي محاسبة ، الزمان سيمر وهو يمر ومستمر حاسبت نفسك
أو لم تحاسب ، عملت أم لم تعمل اجتهدت أو لم تجتهد فما عليك إلا
أن تستغل ما بقي حتى تكفر عما مضى وأن تستغل العمر الباقي في الأعمال
الصالحة
كيف نستشرف عاما جديدا ؟
هذه الأمة الإسلامية مرت عليها حقب من الزمان مرت يها أصفى الحقب
عندما لا يوجد على ظهرها مشرك وإنما ملئت بالخير والفضل والإحسان
والإيمان فإن الله تعالى أنزل آدم عليه السلام إلى الأرض ومعه زوجه
حواء وكانا بمفرديهما صالحين مصلحين ،ثم جاء ابناهما ليعلمنا الله
سبحانه وتعالى بأن الشر لا ينتظر فترة حتى ينقطع المصلح وتنتهي الرسالة
وإنما يقع الشر حتى في وجود النبي أو وجود الرسول، فعصى أحد ولدي
آدم بأن قتل أخاه فكان أعظم جريمة ، القتل جريمة بشعة خطيرة ورغم
ذلك وقعت عند أول نبي وعند أول أحداث التاريخ على وجه هذه الأرض
وخلد الله ذكرها في كتابه الكريم ، ثم يمضي آدم عليه السلام وتكون
هناك انقطاعه ويضل الناس بعد ذلك إلى أن يبعث الله نوحا عليه السلام
لكي يجدد ميثاق النبوة ولكي يغسل هذا الدرن الذي لحق برسالة آدم
عليه السلام ثم بعد ذلك مكث معمرا هذا هو العمر الصالح الذي يكون
في ميزان الإنسان: ( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ
عَامًا ) (العنكبوت/14 ) تسعمائة وخمسون سنة وهو في صلاح ، وقد قال
بعض المفسرين بأن هذا العمر ما هو إلا عمر الدعوة فقط غير العمر
السابق الذي مكثه فإذن عمره كان طويلا ولكنه كان عمرا صالحا مليئا
بالخيرات والبركات والدعوة لقومه والنصح والإرشاد إليهم إلى سواء
السبيل ، ورغم ذلك ما آمن معه إلا قليل ، يقول المفسرون هؤلاء القلة
لا يتجاوزن أثنى عشر رجلا أو ثماينة رجال (رجالا ونساء) ، تسعمائة
وخمسون عاما وهو يدعو إلى الله ويؤمن له هذا العدد القليل هذا مما
يدلنا على أن الدعوة أمانة والداعية إلى الله سبحانه وتعالى لا يعمل
ليهدي الناس ولكنه يعمل لينفذ أمر الله أولا ، ثانيا ليكسب الأجر
، ثالثا لكي يصلح في هذه الأرض ، أما فتح القلوب المستعصية وهداية
الناس فهذا لم يوكله الله تعالى لبشر ولو كان محمدا صلى الله عليه
وسلم قال: ( لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي
مَن يَشَاء ) (البقرة/272 ) فالهداية بيد الله ، وإذا فهم الداعية
من أن رسالته هداية الناس فإنه سيقف عاجزا ، لكن اعمل ، وإياك أن
تكسل أو أن تخمل أو أن تتراجع أو أن تتزحزح تكرارا ومرارا ، فإن
الله سبحانه وتعالى إن لم ييسر لك هداية ذلك الإنسان فيكون عملك
في ميزان حسناتك ( لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خيرا لك من حمر النعم)
ثم تتوالى الرسالات إلى مجيء عيسى عليه السلام الذي جاء بالإنجيل
وبشر بمحمد صلى الله عليه وسلم ( وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل
إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول
يأتي من بعدي اسمه أحمد ) (البقرة/272 ) هو محمد صلى الله عليه وسلم
هو محمد وأحمد والحاشر والماحي والشافع هكذا بين صلى الله عليه وسلم
في حديث له ، فهو أحمد كما ذكره القرآن ، وهو محمد كما سماه عمه
عندما سُئل قال: ( لأني أريده أن يكون محمودا في الأرض وفي السماء
) وهو العاقل الذي لا نبي بعده ، وخاتم النبيين أي لا معقب يأتي
عقبه ، وهو الحاشر الذي يحشر يوم القيامة وأول مخلوق تنشق عنه الأرض
، وهو الشافع المشفع بيده اللواء المعقود وعنده الحوض المورود من
شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، بشّر عيسى عليه السلام به ، وعيسى
عليه السلام الذي جاء بدعوة الحق إلى الله سبحانه وتعالى إنما يحمل
هذه الرسالة لكي يمهد لهذا النبي الكريم ولم يزعم أحد من الأنبياء
بأنه مفوض من قبل الله سبحانه وتعالى حتى يمنح الناس صكوك غفران
يوقع لهم على بطاقات شفاعة إنما شفاعتك بعملك الصالح ولذلك وجه النبي
صلى الله عليه وسلم خطابه لأقرب الناس إليه فاطمة إبنته وصفيه عمته
فقال: يا فاطمة ابنة محمد ويا صفية عمة محمد اشتريا نفسيكما من الله
فإني لا أغني عنكما من الله شيئا لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني
بأنسابكم ( ماذا يغني النسب ؟ ماذا يغني الجاه ؟ إنما ذلك العمل
الصالح يرفعك أو يخفضك يرفعك إلى الدرجات العلا أو ينزلك إلى أسفل
سافلين ، عيسى عليه السلام عندما زعم الناس بأنه إله من دون الله
نفي ذلك عن نفسه وقد ذكر الله تعالى ذلك على لسانه عندما يسأله يوم
القيامة: ( وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ
قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ
قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي
بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي
نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ
الغيوب مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ
اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ
فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ
عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
) (المائدة/116-118 ) إن تعذبهم فإنك القادر وإنك الحكم وأن تغفر
لهم لم يقل فإنك أنت الغفور الرحيم وإنما قال : ( فَإِنَّكَ أَنتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) هذا فيه دلالة على أن غفران الذنوب تكون
عن مقدرة وليست عن ضعف ولذلك فلا يقدر على المغفرة إلا القادر أما
الضعيف فانه لا يستطيع أن يمنح ذلك الإنسان عفوا الإنسان لو أتاه
من ظلمه ثم استطعت أن تسيطر عليه وأن تنتقم منه ثم عفوت كنت كريما
وسيدا حليما لكن لو كنت ضعيفا ومن ظلمك كان قويا هل تستطيع أن تأتي
إليه لتقول له قد عفوت عنك إنما ذلك العفو ما هو إلا مجرد ضعف وخور
لأنك لا تملك ذلك العفو فالله عز وجل إنما يعفو وهو مقتدر وليس بضعيف.
ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتمم هذه الرسالات ولكي ينسخها
إلا ما بقي منها ولكي تكون تلك الرسالة مهيمنة على ما بين يديها
وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبعث من أعلى الناس رتبة في المنازل
الدنيوية لم يبعث من الأغنياء ولم يبعث من كبراء هذه الدنيا ولم
يبعث من جنس معين ، نعم شرفه الله تعالى بالعربية وشرف نسله بأنه
نسل طاهر ، وشرفه من ناحية أنه بعث في مجتمع طاهر أيضا ، ولكنه صلى
الله عليه وسلم ولد وحوله كثير من الظروف التي تفرض عليه الضعف فإنه
ولد يتيما وولد فقيرا وولد في مجتمع يعبد الوثن ويحمل كثيرا من الفتن
ولكن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أمرا كان ولو كره الناس أجمعون
فإن الله سبحانه وتعالى قد أراد أن يكون هذا النبي صلى الله عليه
وسلم مرسلا خاتما مبشرا ونذيرا وأن تكون دعوته خالدة ما بقي الليل
والنهار.
ليس حديثنا عن الهجرة وأحداثها فإن الهجرة وأحداثها قد سمعناها مرارا
وتكرارا ولها جلسات ومواقف لا يمكن عدها ولا حصرها ، ولكننا في هذه
اللحظات نحاول أن نتحسس بعض أمراضنا التي حلت بأمتنا لكي نستطيع
أن نعالجها فيما بقي من أعمارنا وفيما يقدم علينا من سنوات جديدة
فإن المسلمين الآن وفي هذه الأزمان لا يتلقون صفعة إلا وتأتيهم الصفعة
الأخرى ، ولا ينهضون من كبوة إلا ويقعون في كبوة أخرى ، ولا ينجون
من مصيبة إلا وتحل بهم مصيبة أعظم منها ولماذا كل ذلك؟ أليس في كتاب
الله مدد رباني؟ أليس فيه النجاة والمخلص؟ بلى وربي إن فيه المخلص
لكن أين المسلمون الذين يحملون هذه الهداية والذين يجسدون ذلك الرعيل
العظيم الذي عاشه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرعيل
الذي لم يعط من الإمكانيات ما أعطينا ولم يهيأ له من وسائل الاتصال
ما هيئ لنا ولم يبسط له في النعمة والرزق والرفاهية ما بسط لنا ،
وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر من ستر خفي عندما يرى حال
أمته بعد عمر طويل وبعد قرون متطاولة فقال: ( ما الفقر أخشى عليكم
ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم
فتهلككم كما أهلكتهم ) ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم الدنيا
هذه الدنيا التي طوحت بكثير من الناس وجعلته لا يبصر ضياء من ظلام
ولا يرى خيرا من شر إلا من رحم الله ، وإلا من تمسك بهدي الله تبارك
وتعالى وفي هذا أيضا بيان على أن الفقر وحده ليس عيبا وليس سببا
لتخلف الأمة رغم أن الأمة مأمورة بأن تأخذ بأسباب السعادة والرقي
والتقدم لكن لا يكون فقرها في مادتها وإنما يكون فقرها في شيء آخر
هو الإيمان الذي يصنع المعجزات والذي يؤدي بهذه الأمة أن تقف على
رجليها فإن الأوائل من الفاتحين الأبطال لم يكونوا يمتلكون ما يمتلكه
الناس اليوم من أسلحة وعتاد وغير ذلك من القوى البشرية ولكنهم كانوا
يملكون الإيمان فلا يسعى أحدهم لله تبارك وتعالى خالصا من كل قلبه
إلا وتتساقط الظلمة وينهزم الأعداء وتفتح في وجوههم البلدان حتى
أن الله سبحانه وتعالى قد فتح أكثر الأرض على أيديهم بدون حرب بسبب
أخلاقهم وسلوكياتهم وغير ذلك الكثير.
وناهيكم بتاريخ العمانيين الذين وصلوا إلى أعماق القارة السوداء
أفريقيا ولم يكونوا بتلك الإمكانية المادية وإنما كانوا يحملون النور
الإيماني ساعتها استطاعوا أن يتوغلوا في تلك المناطق وأن يقيموا
فيها الممالك ، وأن يدخل كثير من الناس على أيديهم في الإسلام وهذا
لا ينكره أحد أبدا ، وكذلك يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر
آخر وهو تبديل هذا الدين وتضيع معانيه فإن الركون إلى الدنيا أورث
الناس عداء الدين لماذا ؟ نحن نرى في موقف واحد من المواقف التي
وقفها المشركون في وجه النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال كبيرهم
أبو جهل عندما سأل ما الذي يمنعكم أن تتبعوا هذا الرجل قالوا: لا
شيء نعلم أنه على الحق ولكن أطعم وأطعمنا وسقوا وسقينا حتى إذا كنا
كفرسي رهان قالوا : منا نبي والله متى ندرك ذلك كله أو كيف نطيق
ذلك كله ، إذن القضية قضية حسد وقضية بغضاء ولذلك فمن جهل شيئا عاداه
، والناس إنما تسعى إلى حتفها بظلفها لو أن الحرام كان حلالا لتركه
كثير من الناس ولكنه لأنه ممنوع فكل ممنوع مرغوب ، ولذلك ترى الناس
كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم يتهافتون على ذلك تهافت الفراش
على النار يقول صلى الله عليه وسلم :( وأنا اخذ بحجزكم) يعنى يمسكهم
صلى الله عليه وسلم حتى لا يقعوا فيما يغضب الله وحتى لا يقعوا في
هذه النار الحامية ورغم ذلك يقتحمون ، النفس تريد لذتها وتريد شهوتها
وتريد أن تنغمس ولا أن تحاسب (بافعل كذا) ولا (تفعل كذا) لا يريد
أن يقيد ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء
وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (آل عمران/14) الإشارة أحيانا تكون للتعظيم:
( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ) (البقرة/2 ) وأحيانا تكون
للتحقير: ( ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (آل عمران/14)
، هذا الذي تتهافتون عليه والذي يشغل أوقاتكم هو: ( مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم
بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) (آل عمران/14-15 ) فلا مقارنة
بين الدنيا والآخرة ولذلك فبعد الناس عن الدين بان بعض النفوس استمرأت
المعاصي واستمرارها للمعاصي جعلها تخلد إلى شهوات نفسها وجعل هذه
الذنوب تغطي على قلوبها: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا
كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (المطففين/14 ) ثم يشير صلى الله عليه وسلم
إلى داء الأمم الترف فـإن الله تعالى ما أخبر عن أمة إلا بين سبب
تلفها بأنه ترف الترف الذي يجعل الغني لا يعرف حق الفقير والذي يجعل
من الكبير يعتدي على الصغير هذه من ضمن الحقائق وقد وقع ما أخبر
به النبي صلى الله عليه وسلم
هناك أمثلة تبين لنا بأن الترف سبب التلف وأن الأمة إذا ركنت إلى
شهوات نفسها ضاعت وضيعت أمما وأجيالا وهتكت أعراضها وهذا الذي حل
بهذه الأمة وأورثها الضعف فأنها بعدت عن كتاب ربها وسنة نبيها صلى
الله عليه وسلم
أيها الأخوة الكرام.. عام مضى من أعمارنا ويأتي عام آخر والجميع
ينظر إليه ويراه ولكن السعيد من تدارك بقية الأعمار السعيد من أخذ
من صحته لمرضه ومن فراغه لشغله ومن سعته لضيقه ومن يومه لغده، فالأعمار
تمر وإنما تقرض من عمرك لكي توقفك على أعتاب الآخرة فاعمل لدنياك
كأنك تعيش أبدا واعمل لدارك كأنك تموت غدا ما بين لحظة عين وانتباهتها
يغير الله من حال إلى حال فالإنسان إنما يتردد في جوفه النفس فإذا
خرج نفسه أنتقل من هذه الدنيا وودعها ثم يشار إليه كان فلان رحم
الله فلان وفعل فلانا ثم سرعان ما يطوى وينسى وإذا ذكره من أهله
الذاكرون فهم قليل فإذا تطاول عليه العمر كان نسيا منسيا وربما يكون
ملعونا مطرودا من كثير من الناس إذا كان على غير الصلاح وعلى غير
الخير فإن الناس إنما تذكر من أحسن إليها ولا تتعرف إلى من أساء
إليها هذه الأمة أصيبت بأمراض كثيرة ومن أهمها تركها لمنهج ربها
( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله فما لم تجدوه ففي
سنتي ) فإذن ترك الله تعالى لنا نورين يهديان هذه الأمة في سبل الظلمات
لمن تمسك بهما فالقرآن الكريم إنما أنزله الله لكي يعمل به لكي نطبقه
في حياتنا
أيها الأخ المسلم إذا مررت بآية من الآيات فلا تظنن بأنها تخاطب
غيرك بل تخاطبك أنت أول من تخاطب ، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) ،
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ) هل هذه النداءات لكل الناس
إلا أنت ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ) هل هذا النداء للمؤمنين
كلهم إلا أنت لك أولا فأنتبه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) (آل عمران/102) يقول والله الحمد
لله أنا متقي ، طيب أنت وصلت إلى كل درجات التقوى ، التقوى لها درجات
ثم كذلك عليك أن تواصل في التقوى فإن الله تعالى لا ينبهك إلى أمر
إلا لكي تستديم عليه وإلى أن تضاعف منه إلى أن تبقى عليه إلى أن
يتوفاك الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ
وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) (التوبة/119)، يقول أنا صادق ما
أكذب .. طيب إن كنت صادقا فاستمر على ذلك وضاعفه وعلمه أبناءك ورب
عليه أجيال الأمة ، وهكذا كل الأشياء التي وردت في كتاب الله عز
وجل لو رأيناها بعيني قلوبنا لأصلحت أحوالنا ولكننا نظرنا إليها
بأعيننا الظاهرة وقلبنا غافل لاهى قال عبد الله بن عمر رضي الله
عنه: لقد رأيت أحدنا يؤتى الإيمان قبل أن يؤتى القرآن معنى ذلك أنه
من مخافت الله يتمكن الإيمان في قلوبهم قبل أن يقرأوا القران فإذا
قرؤوه كان الإيمان راسخا وعندما جاء رجل فدخل في الإسلام فرآه أحد
الصحابة يبكي فقال له: لم تبكي قال غلبتني مخافة الله قال هكذا كان
حالنا قبل أن تقسو قلوبنا: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن
تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ
عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) (الحديد/16).
فإذن هذا الكتاب العزيز هو نبراس للأمة ولكنا بدلنا تلك السيرة فأصبح
أحدنا يتلو القرآن ولا يتعظ بمواعظه وفي بقية الحديث يقول عبد الله
بن عمر :( ولقد رأيت أناسا يقرأ أحدهم القرآن من فاتحته إلى خاتمته
لا يدرى ما آمره ولا زاجره ينثره نثر الدقن ( كالتمر الرديء الذي
يسطح ويرمى به هكذا يقرأ ويقرأ ولا يعي ماذا يقرأ من أمر أو نهي
أو زاجر أو تخويف أو ترهيب إن هذا القرآن إنما نزل ليحرك به القلوب
فليحرك به المسلم قلبه وكذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيها
الهداية وفيها النبراس وفيها الخير العظيم وحياة النبي صلى الله
عليه وسلم حياة واضحة في كل أمورها كانت صفحة مفتوحة كتابا مفتوحا
يقرأه كل أحد منا ما خفيت سيرته على أحد وما خفيت معالم حياته على
أحد نقل إلينا الصحابة أخص الأشياء في حياته ، حياته مع نسائه حياته
مع أولاده حياته مع خدمة حياته في مأكله ومشربه ومنكحه ومنامه وذهابه
وإيابه في كل شيء حتى علمهم صلى الله عليه وسلم بأي رجل يدخلون الخلاء
وبأي رجل يخرجون وماذا يقولون عند الدخول وماذا يقولون عند الخروج
أي دين يهتم بهذه القضايا إنه دين الإسلام نحن عندنا جواهر ولكن
ينبغي لهذه الجواهر أن تظهر للناس وأن تبين حتى تعرض عرضا صحيحا
فالإسلام لا يفتقر إلى صحة منهجه ، منهجه صحيح وهو موجود لكنه يحتاج
إلى من يحسن عرضه أرأيتم البائع ربما تكون عنده أحسن البضاعة وعنده
أحسن الأسعار وعنده أحسن المميزات ولكنه قليل البيع أو قليل إقبال
الناس عليه لماذا ؟ ليس لكساد سلعته ولكنه ما استطاع أن يعرض بضاعته
عرضا جيدا ولذلك فنحن نرى بأن من يعرضون بضاعتهم اليوم يروجون لها
ولذلك جاء الترويج الإعلاني هذا الإعلان الذي يستقطع منهم أموالا
رهيبة هم يعلمون بأنهم لا يخسرون شيئا من الأموال إلا وسيدر عليهم
أضعافا مضاعفة ونحن نستهين بالإعلان ونستهين بالعرض ونستهين بورقة
إعلانية لأي شيء لأي مشروع خيري لأي عمل دعوى لأي شيء فيه خير الناس
فحسن العرض هو الذي نفتقده اليوم فالإسلام لم يجد من يعرضه على أحسن
صوره ولو وجد ذلك لدخل الناس في دين الله أفواجا وكان للأمة حال
غير هذا الحال فالنبي صلى الله عليه وسلم أوضح لنا الحجة وأبان لنا
المحجة وتركنا على الصراط المستقيم فإذا أتى إنسان ليستهزئ بسنة
النبي صلى الله عليه وسلم ويقول من أين أتيتم بهذا ما سمعنا بهذا
في آبائنا الأولين إلى غير ذلك من الكلام
هذا مسلم ويعيش في المجتمع الإسلامي كيف يرجى أن تصطلح أمته وهو
عضو من أعضائها ينكر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما منع
أولئك البطر والركون إلى شهوات النفس وسبحان الله فإن النبي صلي
الله عليه وسلم أخبر عن ذلك يقول صلى الله عليه وسلم :( كأني برجل
شبعان متكئ على أريكته يقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه
من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا إني أوتيت الكتاب
ومثله معه) يعني سيأتي أناس يخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم
إنسان بطر إنسان مكب على شهوات نفسه منكرة للحق إذا قيل له كذا قال
من أين قيل له هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعلها
وأمر بها أمته وحض عليها ورغب فيها وأبان بأن فيها الأجر العظيم
يقول لا أعترف إلا بالقرآن إذا كان القرآن أحله فنعم أو حرمه فنعم
أما السنة فلا أعترف بها ثم يرد عليه صلى الله عليه وسلم بقوله:
( ألا أني أوتيت الكتاب ومثله معه ) مثله معه سنته صلى الله عليه
وسلم وبين بأن من ينكر هذه السنة إنما هو من أصحاب النار: ( وَمَن
يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ
جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ) (النساء/16).
كذلك من ضمن سلبيات هذه الأمة التي وقعت فيها الانفرادية في الأعمال
، ونعني بالانفرادية عدم الجماعة -عدم الاجتماع على يد واحدة- ،
إذا رأيت مشروعا خيريا قل ان تجد من يجتمع عليه إلا في النادر ،
وإنما هذا يريد أن يظهر بنفسه ، أن يظهر أمام الناس بأنه هو الذي
قام بهذا المشروع ، وذاك يريد أن يظهر أيضا ، وهذا يريد أن يظهر
أيضا ، ثم لا يهمه إذا كان الإنتاج ضعيفا ما ينتجه ضعيفا ولو اجتمعت
الجهود لزاد الإنتاج ، هذه الانفرادية هي من ضمن بلاء هذه الأمة
، ثم يؤجج هذه الانفرادية الحسد والبغضاء والشحناء ، يقول هو أفضل
مني في ماذا ؟ أنا أفضل منه عمل كذا سأعمل مثله عمل كذا سأفعل كما
فعل تجد أيضا ذلك في كثير من الأشياء ، ويتبع ذلك أيضا الاتكالية
فإن شريحة كبيرة من هذه الأمة اتكالية على غيرها ، هي تريد كل شيء
أمامها جاهزا لا تريد أن تتعب لا تريد أن تعمل لا تريد أن تكدح ،
ولذلك كثيرا ما يضرب بهذه الأمة الكسل والخمول ، فلذلك يستوردون
كل شيء ولا يصدرون إلا القليل ، انظروا إلى الصادر وإلى الوارد لبانت
لكم حقيقة الأمر ، وما ذلك عن ضعف في هذه الأمة ولماذا يتقاتل عليها
أعدؤئها لأن بيدها مواريث معنوية ومادية كل المواريث بيدها الحضارات
الخيرات برية وبحرية وجوية بأيديهم زيادة على المعنويات التي هي
محط الرسالات والنبوات ، ورغم ذلك هذه الأمة اتكالية على غيرها لا
تريد أن تعتمد على نفسها وكثيرا ما تري في حياتنا هذه الاتكالية
تظهر في أدنى الأشياء فإن التعاون أيها الأخوة رحمة والفرقة عذاب
ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة كما بين ذلك النبي صلى الله عليه
وسلم في أقل الأعمال تجد أن الاتكالية تؤدي إلى ضعف العمل
وكذلك لو مررت أخي الكريم بمسجد من المساجد وكثيرا ما تمر على هذه
المساجد ينقصها الكثير فلا يوجد فيها امام راتب ولا مؤذن راتب بل
حتى ترى بيوت العناكب تطوقها من كل جانب ، ؟ لماذا هذه الاتكالية
على الغير دائما ؟ وأن ننتظر من يعمل لنا كل شيء ، على أقل تقدير
أن الإنسان بمفرده لا يستطيع أن يفعل كل شيء لكنه باجتماع الجهود
يستطيع أن يعمل وأن يعمل وأن يوظف هذه الطاقات وأن يصلح ، ،انظروا
إلى مدارس القرآن كم من مدارس القرآن معنا إنها ضئيلة بل إن المراكز
الصيفية تعانى كأنها تمر بحالة مخاض حتى يسقط الولد ويسقط معوقا
بعد ذلك بسبب أنها لا تجد من يأخذ بيدها جميع النقائص تحف بها من
كثير من الجوانب وتبقى الجهود فردية وناهيكم إذا كانت هذه الأعمال
البسيطة فما بالكم بالأعمال الكبيرة التي تكون محطا لأنظار المجتمعات
المتقدمة ، فكم من شبابنا العزاب من يريد أن يتزوج ، وكم من شبابنا
الذين لا تكفيهم مرتباتهم للدخل لكي يستطيعوا أن يواجهوا لأواء الحياة
، وكم من أسرة فقيرة ، وكم من أيتام ، وكم من أرامل ، هناك مؤسسات
تتبناهم ليست بحكومية إنما هي بتكاتف الجهود واجتماع الناس على الخير
، ولكننا أمة إتكالية نتكل على غيرنا في كل شيء لا يهمه إن بات شبعا
ريانا دفآنا إذا جاع غيره أو أصابه أي ضر إن القليل من عباد الله
الذين جعل الله تعالى قلوبهم أوعية للإيمان
كذلك من أمراضنا وسلبياتنا عدم التضحية ، فإن الواحد منا لا يريد
أن يضحي يريد من الآخرين أن يضحوا من أجله لكنه لا يحب أن يضحي من
أجل الآخرين ، التضحية التي جعلها الله تعالى من ضمن النصرة: ( إِنَّ
اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم
بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ
وَالْقُرْآنِ ) (التوبة/111) ، هذه التضحية أيضا مفقودة في مجتمعاتنا
زيادة على ذلك فإن الناس لا يأتي عليهم يوم إلا وتراهم في بعد وفي
شقاق وفي خصام إذا أصبح الجار عليه الصباح يقول الحمد لله بأنني
لم أسمع كلمة بذيئة من جاري وهكذا ، لماذا ؟ لبعد الناس عن الإيمان
، فتجد الجيران في بعض الأحيان على اسوأ ما يكون: قطيعة للرحم ،
عقوق للوالدين ، الوالدان اللذان عظم الله حقهما يداسان بالأقدام
أو يركلان بالأرجل أو يرميان بالحصى ، وكذلك ناهيكم عن اليتامى والفقراء
الذين لا يتحسس أحد شأنهم إلا في النادر ، فهذه هي أمراضنا وهذه
هي أسقامنا التي أوجدت كتلة ميتة ضعيفة تداعت عليها الأمراض وجعلتها
هباء منثورا ، وإذا كنا نريد أن نستقبل عاما جديا بحق وأن نستشرف
مستقبلا صحيحا لأمتنا فلا بد أن نعيد حساباتنا المحاسبة ، تبدأ من
الضمير نفسه بينه وبين نفسه وبينه وبين ربه وبينه وبين الناس ، لماذا
يخادع نفسه ؟ ولماذا يخادع ربه ؟ وهو يعلم بأنه مطلع عليه وإذا غابت
عن الناس مخادعته فلا تغيب عن رب الأرباب التصحيح يبدأ من النفس
ثم الأهل ثم الأقرب فالأقرب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا
أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)
(التحريم/6) فأذن لا بد أن يقي أحدنا نفسه وأن يصلحها وأن يقومها
وهذا التقويم لا يقوم الدعاة إلا على أساس العلم والفهم والثقافة
، فلا بد أن يتعلم الدعاة أولا كيف يعرضون هذا الميراث الذي تركه
لهم محمد صلى الله عليه وسلم ، لا بد أن يعرض عرضا صحيحا بامتثاله
في حياتهم وبعرضه على أحسن ما يكون ، فإنك لا ترى من بعض الدعاة
هداهم الله إلا متشددا منفرا للناس فهم لا يريدون أن يستقبلوا الدعوة
من طريق هذا لأنهم لم يعرفوا منه إلا التشدد والتزمت يقول مثل هذا
الدين لا أريده ، ولم يعرفوا إلا الجانب الثاني المتساهل المتخاذل
الذي يسرف على نفسه فدعواته غير أفعاله ومبادئه التي ينصبها لنفسه
لا يطبقها في حياته ، وإنما الداعية الحق الذي يكون وسطا بين الناس
هو كالطبيب يعرف المرض وينتقى له الدواء المناسب ، هذا الدواء ربما
يناسب هذا المريض ولا يناسب هذا فاعرف يا أخي بأن الدعوة عنوانها
( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
) (النحل/125) يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا إن الناس في بعض
الأحيان يكونون على حق عندما يجدون إماما متزمتا أو خطيبا فظا ينزل
على الناس بالقوارع ويبين لهم بأنهم من أهل جهنم وأنه لا توبة لهم
وينفرون من الواعظ الذي يعيشهم في عالم آخر ولا حقيقة له أنتم كذا
وسيغفر لكم لا ، لا بد أن يكون الإنسان وسطا بين هذا وذاك الترغيب
قبل الترهيب ولا بد أن يجمع الداعي بين الطريقتين بين الترغيب والترهيب
، رغب يا أخي ليس الناس كلهم كأبي لهب وكفرعون وكأبي جهل ، إنما
الناس فيها الخير فيها المعاني السامية فيهم العواطف الجياشة فيهم
العقول المفكرة يرون ويبصرون وسرعان ما يتبعون والعنيد الذي يكابد
دعوة الحق قليل فما عليك إذن إلا أن تعرض وأن تحسن العرض فالناس
إذا أحبوك أقبلوا عليك من كل حدب وصوب ولنا في سيرة النبي صلى الله
عليه وسلم أمثلة وأمثلة وناهيكم بالأمثلة الكثيرة فإنه صلى الله
عليه وسلم عندما كان في مكة المكرمة يعامل أشد الناس عداء من صناديد
الكفر والمشركين لا يصبحونه إلا بسباب ساحر مجنون إلى غير ذلك ولكنه
كان يعاملهم معاملة الحريص ، فالداعي لا يحمل غلا ولا حقدا على أحد
عمل لهم مأدبة صلى الله عليه وسلم ودعاهم إليها ثم لم يبدأهم بالمواعظ
جعلهم يأكلون وانظر إلى إنسان تدعوه إلى بيتك فيأكل ويرتوي من شرابك
ويتظلع من طعامك هل سيهاجمك أو يسبك على أقل تقدير إن لم يستجب لدعوتك
سيجعلك محترما سيكف أذاه عنك فلما أكلوا قال لهم :( إني نذير لكم
بين يدي عذاب شديد قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )
فإذن استطاع صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت أن يكف من غلوائهم
وأن يكف من شراستهم ثم عرض دعوته بكل يسر وكل سهولة ، فإذن من صفات
الداعية الذي يدعو إلى الله سبحانه وتعالى أن يكون على بصيرة من
أمر دينه وأن يكون على وفق منهج الله سبحانه وتعالى وأن يكون ممتثلا
مترسما لذلك وما أسعد أن نجد أسرة تقوم بتوعية أبنائها فنحن افتقدنا
الجلسات الأسرية أن يجلس الزوج مع زوجه وأولاده والأب مع أبنائه
ولو في الأسبوع مرة لا لحديث دنيوي وإنما لله أن يقرأوا شيئا من
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لكي يروا كيف عاش النبي صلى الله
عليه وسلم لكي يستطيعوا أن يطبقوها في حياتهم فأا سيرته صلى الله
عليه وسلم لن تنزل ولم تجعل لتكون فقط في برج عاجي لا نستطيع الوصول
إليها وإنما لكي نعمل بها ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( آل عمران /31) ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب/21) وكثيرا ما
تخلو مجالسنا من هذه المذاكرات فعلينا أن نكثر منها وأن نصوغ عاما
جديدا وفق منهج صحيح من هذه المبادئ السامية وأن نكثر فيه من ذكر
الله عز وجل ومن الطاعة بشتى أنواعها فان الله تعالى قد شرفنا بأن
جعل لنا موارد من صلاة وصيام وصدقة وصلة للرحم وبر بالوالدين فعلينا
أن لا نضيع لحظة من أعمارنا في سنواتنا وأيامنا إلا ونعمل فيه عملا
صالحا.
الشيخ عبدالله بن سعيد القنوبي
أعلى
كيف تشتري كتابا؟!!
الإسلام دعوة إلى العلم والتفكر ، وثورة على
الجهل والسلبية ، يظهر ذلك جلياً من خلال آيات الله تعالى في كتابه
وفي الآفاق والأنفس ليبقى المجتمع الإسلامي مجتمعاً مدركاً متفاعلاً
مع قضاياه وشئونه عالماً بأسباب نهضته وسموه ، مطرحاً كل أسباب التأخر
والرجعية والانهزامية ، قال سبحانه: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ
رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ
لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) ( الجمعة: 2).
ويقول: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ
فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُو
الأَلْبَابِ ) (البقرة: 269)
ويقول سبحانه: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ
فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن
كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) (آل عمران: 164).
ولقد عمل الإسلام على تنشيط العقل وتنمية مداركه وذلك بحثه على التفكر
وإعماله فيما ينفع ومن خلال تحريم كل أمر من شأنه أن ينزل من مرتبته
، فحرم الخمر لأنها من أهم أسباب تعطيل العقل على أن يكون المنتج
في ميدان العلوم والفكر والمكافح في ميدان الباطل والهوى والهادي
في طريق الضلالات والأوهام وحرم الغش والطرق الملتوية لأجل الأسباب
ذاتها.
فعندما يعطي الإسلام العقل حريته -وفق الضوابط الشرعية طبعاً- فإنما
هو بذلك -أي الإسلام- يريد منه أن يكون دائم الفكر ودائم العمل ليؤدي
دوره وغاية خلقه لمعرفة خالق الوجود وحقوقه والتطلع إلى الأفضل لهذه
الأمة في كل مجالات العلم والمعرفة من أجل رفع مستواها السياسي والاقتصادي
والاجتماعي والصناعي ... وغيرها ، فإهمال العقل إنما هو سقوط في
هاوية التخلف والانحطاط والتقوقع ، وهي آفات طالما عمل الإسلام على
إزالتها ومحاربتها والتحذير منها.
فمن المحال أن تبنى قواعد أمة من الأمم ويؤسس بنيانها على الجهل
وعدم الدراية ، وحتى ولو قام بناء على تلك القواعد فسرعان ما يسقط
عند أول فتنة وابتلاء ومحنة وهزة. والمعرفة من أصول تقدم الأمم ورقيها
، والأمة المسلمة أولى الأمم بهذا التقدم والرقي لأنها الأمة التي
رضي الله لها دينها ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة:3
) فإذا كانت الأمة مطالبة بتوفير فرص التعلم والتعليم وأسباب المعرفة
المختلفة لكل فئات المجمتمع ، فنضوج الجانب الفكري مرتبط بنضوج الجانب
الإبداعي ومتانته ، وأقصد بذلك بأن يكون الفكر فكراً إسلامياً لأنه
الفكر المصاحب للإبداع بمعناه الصحيح أما الفكر اللاديني أو الفكر
المنافي لما جاءت به الرسالات السماوية الصافية فهو فكر هدام مهما
حمل من لافتات وعناوين وشعارات براقة وزاهية ( فَأَمَّا الزَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي
الأَرْضِ) ( الرعد:17 ).
من مسؤوليات المجتمع:
هذا ، ومما ينبغي على أفراد المجتمع الإسلامي فعله أن يسعوا إلى
إيجاد منابع لهذه المعرفة وذلك من خلال إنشاء مكتبات خاصة أو عامة
فيها من المصادر والمراجع القديمة والحديثة كما يغطي متطلبات المرحلة
الفكرية التي يمر بها العقل الإنساني -على الأقل- أو بعمل محاضرات
وندوات ودروس تكون منبعاً للمعرفة يستفيد منها الناس في دينهم ودنياهم
، مع الحث الدائم على اقتناء الكتاب النافع والشريط النافع والبرامج
-برامج الحاسب الآلي- النافعة، فإن عمل مثل هذه الأمور يعيد لهذه
الأمة وعيها ويجعلها تفتح عقولها على واقعها المأساوي والمؤلم بسبب
انحدارها إلى هاوية الجهل وعدم الدراية بحقوق الله تعالى وحقوق عباده
فكان عاقبة ذلك أن صارت الأمة المسلمة -خير أمة أخرجت للناس- صارت
عالة على غيرها من الامم وعبئا ثقيلا على الشعوب الأخرى بل حتى أفكارنا
وثقافتنا صارت الأمة تستوردها من أعدائها يا حسرة على العباد !!
أليس من المحزن أن نرى من المسلمين من يدافع عن الأفكار الهدامة
والنظم المنحرفة بل يريد أن يعزل الإسلام عن قيادة العالم وتسيير
أمور الناس وجعل القيادة بين عقول قاصرة ضعيفة تستميلها الأهواء
والنوازع والشهوات والحظوظ العاجلة ، كل ذلك بسبب الجهل المدقع في
مجال الفكر الإسلامي الذي يجب ان يكون مؤصلاُ وعميقاً في نفس كل
من آمن بعقيدة الإسلام ، ونعني بالفكر الإسلامي جملة ما جاء به النبي
صلى الله عليه وسلم الذي أوحاه إليه ربه عز وجل ، ولا نعني بالفكر
الإسلامي ذلك الجانب الذي صار يتغنى به بعض الناس مهملا بذلك الجوانب
الأخرى ، فالعقيدة والشريعة والاخلاق كلها تنتظم في سلك الفكر الإسلامي
وأي خلل في هذه الأركان الثلاثة -وخاصة جانب العقيدة- لمما ينذر
بالويل والدمار والانحراف.
فلا بد من الاهتمام بالجانب المعرفي في العقول المؤمنة لتأصيل العقيدة
في نفوسنا وحمايتها من الفكر المنحرف ، الذي يغزو المسلمين اليوم
بصورة براقة تستهوي النفوس وتؤثر في القلوب وتحيل المسلم صورة جوفاء
وجسدا لا روح فيه وعقلاً خاوياً إلا من الافكار الدخيلة المنحرفة
، ولذا غضب النبي عندما رأى في يد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-
صحيفة من صحف أهل الكتاب ، سيما في مرحلة ما قبل النضج الفكري لأنها
مرحلة التلقي والتخزين.
من صور اهتمام السلف بالكتب:
وأسلافنا -رضوان الله عليهم- كان لهم اهتمام بالغ بالكتب من حيث
اقتنائها وحفظها ونسخها وكانت عندهم مكتبات ضخمة تحمل بين جنباتها
الآلاف من المجلدات كالمكتبة " المعصومة " في عاصمة الدولة
الرستمية ، فهذا أحد العلماء يسأل عن عدد الكتب التي في مكتبته فيستحي
من ذكر العدد ونظر عن يمينه وشماله ثم قال: ( أربعة آلاف مجلد )
، ومع ذلك فقد كان مقلاً فهناك من هو أكثر منه كتبا من حيث العدد
، فهناك من يملك عشرة آلاف ومن يملك عشرين ألفا و... و...
ومتى كان ذلك ؟ كان ذلك في وقت الندرة في الكتب وصعوبة الوصول إليها
مع التكاليف الباهضة الثمن لشرائها ومع كل هذه العوائق تجد منهم
الحرص على الوصول إلى الكتب حيثما كانت وبأي ثمن كان ، وهكذا كان
ديدن أهل الحق فمنذ عهد قريب عندما أعطى أحد الناس الشيخ العلامة
نور الدين السالمي -رحمه الله- مبلغ أربعمائة قرش اشترى بها كتباً
ما زالت إلى اليوم محفوظة في مكتبته ، وقد اشتراها في رحلته إلى
الحج واستفاد منها كثيراً -رحم الله هذا الشيخ رحمة واسعة على ما
بذل في العلم والعمل قد أنار السبيل ووضح الطريق وهدى الناس وردهم
إلى دين الحق وترك من المؤلفات ما كتب له القبول في قلوب الناس.
أهمية الكتاب:
والكتاب من أهم روافد المعرفة ، وهو الجليس الصالح الذي لا يمل حديثه
وهو الصاحب المطيع متى ناديته جاءك ومتى هجرته لم يغضب عليك ، وهو
سمير العظماء والعباقرة وهو الجامعة الصامتة التي تخرج علي يديها
من لا يحصون عدداً من الفقهاء والأدباء والمفكرين وغيرهم ، فلله
درك أيها الكتاب ما أعظم نفعك !!
ولقد اهتمت الأجيال المتلاحقة بالكتاب إلى أن جاءت هذه الثورة في
مجال الطباعة والنشر والتوزيع وصار الكتاب في متناول كل أحد وبسهولة
ويسر وبتكاليف رخيصة مما يغري أي فرد بأن يعد وينشئ مكتبة في بيته
أو قريته ينتفع بها هو وأهله وأفراد مجتمعه ويتربى المجتمع على العلم
والمعرفة وحب الاطلاع ، وينشأ الأطفال منذ نعومة أظفارهم على رؤية
الكتاب ومعايشته فيشتاقون لقراءته ويتوقون لطلب العلم.
قواعد لشراء الكتاب:
وهذه بعض القواعد التي تعين على شراء الكتب حتى لا يقع الإنسان ضحية
الأفكار المنحرفة من ناحية وضحية الاستغلال التجاري من ناحية أخرى
، ويستفيد من وقته وجهده من ناحية ثالثة.
أولاً: لا بد من تحديد الكتب المراد شراؤها في الذهن أو حتى كتابة
قائمة بذلك ، وهذا أولى لأن المرء في زحمة مشاغله ينسى أشياء كان
قد أعد لها مما يجعله يخسر وقتاً إضافياً في الرجوع لقضاء ما أعد
له.
ثانياً: أن يعطي الأولوية للكتب المهمة والمراجع التي لا يستغني
عنها ، هذا يخضع لاختصاص الإنسان وميله إلى فن من الفنون العلمية
، فأمهات الكتب في مجال التفسير تختلف عن الأمهات في مجال الحديث
، وعن الأمهات في مجال اللغة وهكذا ، ولا يعني ذلك أن يكون الإنسان
مقبلاً على جانب واحد ومهملاً الجوانب الأخرى كما هو حاصل عند بعض
الشباب ، بل الأولى في كل الحالات أن يكّون الإنسان لنفسه مكتبة
تشتمل -على الأقل- من كل فنون المعرفة ، أي يحاول الحصول على أمهات
الكتب من كل فن ، فالموسوعية أمر مرغوب فيه.
ثالثـاً: عند البحث عن كتاب في مجال معين أو تخصص محدد لا بد من
معرفة المؤلف -بالكسر- وأفكاره ، وما يحمله من ثقافات ، وهذا بالنسبة
لمن دخل ميداناً لأول مرة ولا يدري ما يدور فيه ، فكثير من الناس
مثلاً عندما يود الكتابة في موضوع ما يبحث عن كتب لها تعلق بذلك
الموضوع ، ولقلة ممارسته لهذا المجال قد يقع بين يديه مجموعة من
الكتب لمؤلفين لا أهلية لديهم ولا معرفة ، فيقعون في أخطاء فادحة
عن قصد وعن غير قصد ، ويقع ثقل ذلك على ذلك الذي يقتني ذلك الكتاب
وينقل منه ويستفيد مما جاء فيه ولا يدري شيئاً عما يدور حوله.
فمثلاً من يريد أن يبحث عن مسألة الاقتصاد الإسلامي يجد مئات الكتب
تحمل هذا العنوان تتحدث كلها عن الاقتصاد الإسلامي ، ولكن عند التمحيص
والتدقيق يسقط منها الكثير لكون مؤلفيها لا أهلية لديهم في الكتابة
عن هذا الموضوع ، أو لكونهم متأثرين ببعض الاتجاهات الفكرية المعاصرة
التي تسيطر عليهم عند كتابتهم في هذا المجال وتوجههم وجهة مخالفة
للحق ومجانبة للصواب.
فلا بد من معرفة المؤلف من حيث قدرته العلمية أولاً ، ومن حيث نزاهته
وثقته ثانيا ، فليس كل كاتب يصلح أن يكون مؤلفاً ، وليس كل من يمسك
بالقلم يعتبر كاتباً ، وليس كل ما يطبع يصلح أن يقتنى وخاصة في ظل
الأوضاع التي تبيح طبع كل كتاب ولو كان فيه رد صريح لقواطع جاءت
بها شريعة الإسلام أو تحمل في طياتها الإباحية والمجون والخلاعة
والدعوة الى الانفساخ العقائدي والأخلاقي أو التميع في معاملة الأعداء.
إن كثيراً من الشباب في فترة المراهقة وهي فترة حرجة يمر بها الإنسان
يريدون أن يعرفوا عن كافة الموضوعات الجنسية وكيفية التأقلم مع هذه
الحالة الطارئة الغريبة ، وعن الأحوال والأمور المتعلقة بهذا الجانب
، فتراهم في تلك المرحلة يقبلون على شراء كتب تحمل هذه العناوين
فيقعون ضحية سوء التأليف أو قصد نشر الخلاعة فبدل أن يجدوا العلاج
الطبيعي الشرعي يجدون ما يؤجج الشهوات ويثير الغرائز ويبدل الطباع
، تأثراً بأفكار جاءتنا من هنا وهناك ثم حملها مؤلفون -بالأحرى مترجمون-
ونقلوها إلينا ففسد الشباب وخربت الأخلاق.
بل الأنكى من ذلك أن تجد كتباً تحمل طابعاً إسلامياً وشعاراً دينياً
ولكن للأسف تجد المنحى ذاته والأهداف نفسها ، فلا بد من التحرز من
شراء مثل هذه المؤلفات لاسيما التي تكون مصحوبة بصور داعرة ، وفي
الفقه الاسلامي الشرعي النزيه كفاية عن مثل هذه الهرطقة ، فقد شرح
أئمتنا وفقهاؤنا في أبواب الفقه المختلفة عن هذه القضية وأطّروها
بإطار شرعي يحمل ألفاظاً نزيهة وكلمات شرعية لا تحمل الإثارة بحيث
تجعل المراهق يتكيف مع الواقع بنفس المؤمن وفي راحة واطمئنان ، ويجنبه
الصدمات النفسية التي قد تنكد عليه كل حياته بعد ذلك.
وعلى كل فالمؤلف محاسب أمام الله تعالى على ما يفعله في مجال التأليف
، فإن الأجيال المسلمة يكفيها ما يكيد به الأعداء من كل جانب ، ورحم
الله أمرءاً أراح دور النشر والقراء من أمور تافهة واهتمامات هزيلة
باردة تفقد الأمة الإسلامية هويتها وشخصيتها وكرامتها فـ ( كلكم
راع وكلكم مسئول عن رعيته )
فالكاتب الذي يستحق أن يقرأ له هو الكاتب الذي يحترم عقول القراء
ويحاول جهده أن يعطي خلاصة أفكاره بصورة سليمة غير منافية لما تقرر
في الشريعة السمحاء وغير منافية للأخلاق الإسلامية ، ويؤصل المسائل
التي يوردها وينطلق من قاعدة صحيحة في التأليف والكتابة غير متأثر
باتجاهات معينة ولا أفكار مشوبة ولا أخلاقيات فاسدة.
وعلى العموم ، فإن للكتابة والتأليف أخلاقاً وآداباً وقواعد لابد
من التقيد بها والالتزام ، وإلا اختلط الحابل بالنابل وصرنا كمن
يحرث في الماء أو يطحن في الهواء.
رابعاً: من الأمور التي ينبغي مراعاتها عند شراء الكتب معرفة طبعة
الكتاب ، فإن تحديد ذلك له أهمية فكلما كانت الطبعة جديدة كانت أفضل
، وليس الأمر هذا على اطلاقه بل لابد من مراعاة جوانب أخرى فهناك
طبعات جديدة لكتب قديمة تتلاعب بها دور النشر بالحذف والإضافة والتغيير
، وعليه فلابد من مراعاة الطبعة التي تكون مطبوعة على وفق ما أرادها
المؤلف دون أن يزاد فيها أو ينقص ، ومتى توفر هذا الشرط ينظر بعد
ذلك في المكملات الأخرى من حيث نوع الورق وحجم الكتاب ونوع التجليد
و ....
خامساً: اختيار الكتاب المحقق من غيره إذ من لوازم التحقيق أن يعتني
المحقق بالكتاب وإظهاره بصورة ترضي المؤلف ويستفيد منها القارئ ويقدم
له الكتاب بصورة تسهل الاستفادة منها وذلك بعمل التخريجات والتعريفات
ومقارنة النسخ وعمل الفهارس والملحقات وغيرها وعندها يقف دور المحقق.
أما أن يعمل في نص المؤلف ويغير ما يشاء ويبدل ما يريد بدعوى التحقيق
، فليس هذا من النزاهة العلمية والأمانة التي يطالب بها من يتعامل
مع كتب التراث الإسلامي والعربي.
سادساً: الاستعانة بآخر ما وصلت إليه التقنية الحديثة ، حيث إنها
تختصر الوقت والجهد ، فالاستعانة بالفهارس المعدة من قبل المكتبات
ودور النشر تعين على الوصول إلى الكتاب المراد بصورة سهلة وذلك بالاستعانة
بأجهزة الحاسب الآلي والتي فيها تخزين أسماء الكتب وأماكن وجودها
، بل وأسعارها وهذا يسهل على الإنسان ويختصر له الجهد والوقت.
سابعاً: سؤال أهل الخبرة والاختصاص فهم أدلة الطريق ابتداء من معرفة
الكتاب الصالح وغير الصالح وانتهاء بسعر الكتاب وقيمته ، ففي كل
مرحلة من المراحل يستحسن سؤال أهل الاختصاص.
فالمبتدئ يسأل عن نوع الكتب ، أي عن أنفع الكتب وأيسرها في المجال
المراد القراءة فيه ، فإن التقحم في مجال لا دراية للإنسان فيه بأساليب
النجاة قد يجعله عرضة للثقافات والأفكار المنحرفة لذا لا بد من المشاورة
والسؤال قبل الإقدام.
ثم يسأل عن أماكن وجود الكتاب من المختصين بأمور الكتاب والمكتبات
، وكيفية التعامل معهم ، ثم يسأل عن أحسن الطبعات المتوفرة ، ثم
يسأل عن أفضل الاسعار ، وهكذا ، فهذا كله مما يعين على الوصول إلى
المراد بسهولة ويسر واختصار للجهد والوقت.
ثامنا:ً لا ينبغي أن يغفل الإنسان عن مسائل البيوع والتي توقعه فيما
حرم الله ورسوله ، فلا بد من التفقه في أمور الدين ومحاولة التحرز
ومجانبة الشبهة فإنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن
كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع
في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه
ألا وإن لكل ملك حمى ألاوإن حمى الله محارمه ) . وأموال الناس من
الأمور العظيمة كما جاء في الحديث (كل مسلم على المسلم حرام دمه
وماله) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من اقتطع حق امرئ بيمينه فقد
حرم الله عليه الجنة وأوجب عليه النار ) وعلى المرء أن لايهمل القليل
من أموال الناس فحتى اليسير منها شديد ففي الحديث عنه عليه أفضل
الصلاة والسلام قال : ( القليل من أموال الناس يورث النار ، قيل
وإن كان قضيبا من أراك ). هذا ومما ينبغي ذكره أن الكتاب يحتاج إلى
رعاية واهتمام فلابد من وضعه في مكان ملائم لاسيما الكتب المشتملة
على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فتوضع مثلا في أرفف نظيفة
مرتبة بحيث يكون الكتاب سهل التناول لمن أراده ، مع الاهتمام بتبويب
المكتبة وتنظيمها وفهرستها وإن كانت كبيرة فيحسن استعمال الحاسب
الآلي نظرا لسهولة استعماله وسرعة إدلائه بالمعلومات .
وأخيرا
نحن الآن بحاجة إلى العودة إلى عصر الكتاب بعد طول هجران وصدود وابتعاد
بحاجة أن نستبدل الذي هو خير بالذي هو أدنى فانصرف الناس عن الكتاب
الإسلامي مما يؤثر على سلوكيات الأمة ولأخلاقها وما أجمل أن نتمثل
قول المتنبي :
أعز مكان في الدنا سرج سابح *** وخير جليس في الزمان كتاب
محمد بن سعيد المعمري
أعلى
من صور التقاعس
قال في (تاج العروس):( يقال: تقاعس الرجل عن
الأمر: تأخر ولم يقدم فيه). وللقاعدين المتقاعسين عن طرق الخير أعذار
كثيرة تختلف باختلاف الأفراد، والبلدان، والأحوال، ومن أبرزها:
* التعلل بكبر السن : كأن يقول أحدهم: كبر سني، ورق عظمي، ويكفي
ما قدمت، ويتصور هذا الأخ أن الدعوة يعتريها التقاعدُ والإحالةُ
على المعاش! أما علم أن القافلةَ ساريةٌ ونهايتها الجنة، فإن تقاعد
عنها فلا يلتفت إليه، وأنه ليس سنٌّ محددةٌ للعمل الصالح.. قال تعالى:(
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99) (سورة الحجر)
قال الحسن البصري: لم يجعل الله للعبد أجلاً في العمل الصالح دون
الموت.
وعن عائشة رضي الله عنها: أن ورقة قال لرسول الله صلى الله عليه
وسلم:( وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا
) رواه البخاري ومسلم وأحمد . مع كبر سنه، وذهاب بصره، وقد تمنى
أن يكون فيها جذعاً قوياً فيكون نفعُهُ أكبرَ وأثرُهُ أكثرَ.
وعن أنس: أن أبا طلحة الأنصاري قرأ سورةَ براءة، فلما أتى على هذه
الآية:( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ... (41) (سورة التوبة) قال:(
أرى ربَّنا عز وجل يستنفرنا شيوخاً وشباباً، جهزوني أي بني( فقال
بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات،
ومع أبي بكر رضي الله عنه حتى مات، ومع عمر رضي الله عنه، فنحن نغزو
عنك، فأبى فجهزوه فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرةً يدفنونه
فيها إلا بعد سبعةِ أيام فلم يتغير فدفنوه فيها) (كتاب الزهد للإمام
أحمد / 357) .
وقال الإمام الشافعي:( طلبُ الراحة في الدنيا لا يصلحُ لأهل المروءات،
فإن أحدَهم لم يزلْ تعباناً في كل زمان ( الرقائق للراشد / 60).
وقيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال:( عند أول قدم
يضعها في الجنة) (طبقات الحنابلة 1/293)
ونظرة في سير الأنبياء: نجد أنهم لم يبعثوا إلا بعد الأربعين، وما
زالوا في دعوتهم حتى الموت، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه طعن ورأى
الموت، ومع ذلك لم ينقطع عن العمل بل إنه ليواصلُ عملَهُ في صالح
المسلمين وجرحُهُ يثعبُ دماً، فقد اختار مجلس الشورى ممن توفي رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وجاءه ذلك الشاب لزيارته
فأنكر عليه ما رأى من الإسبال.
وقد: سئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال:( الذي لا ينكر
المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه.
والبعضُ ينشغلُ في طلب الرزق ويُذهِبُ جلَّ وقته فِيه ويتعللُ بقلة
ذات اليد وحاجةِ الأولاد: ونسي أن رزقه مكفولٌ له، وأن طلبَ الرزق
لم يمنع الصحابةَ والتابعين وسلفَ الأمة من الدعوة والمساهمة في
طرق الخير والإصلاح.. قال صلى الله عليه وسلم:( إِنَّ رُوحَ القُدُسِ
نَفَثَ في رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ
رِزْقَها، فِاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، وَلَا
يَحْمِلَنَّكُمْ اسْتِبْطَاءُ الْرِزْقِ أَنَ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ
اللهِ، فَإنَّ مَا عِنْدَ الله لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ)
رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وأبو نعيم عن جابر، والبزار عن
حذيفة، والحاكم عن ابن مسعود، وأبو نعيم عن أبي أمامة.
قد نادت الدنيا على نفسهـا لو كان في ذا الخلق من يسمع
كـم واثق بالعيش أهـلكتـه وجامعٍ فرقـت ما يجمـــع
قال تعالى:( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36)
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ(37)( (سورة النور)
الانشغال بالوظيفة: فيذهبُ زَهرةُ وقته فيها، ويعتذر بأنه لا يستطيع
أن يشاركَ في خير ما دام عملُهُ هكذا، أو يجير وظيفتَهُ ويحسبُها
في إطار الدعوة، ويخادع نفسه بذلك، وهو لا يقدم شيئاً من الأمر بالمعروف
ولا النهي عن المنكر، ولاشك أن الوظيفة من وسائل الدعوة إن استغلها
ووظفها في ذلك، قال سفيان بن عيينة:( من أصلح ما بينه وبين الله:
أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه).
قلت لأحد الأطباء: ما ذا قدمت لدينك؟ هل قلت يوماً لمريض: هل تؤدي
الصلاة؟ ذكرته بمعاصيه الظاهرة؟ هل تحافظ على الأوراد؟ من الشافي
المعافي؟ إنه الله . كيف تطلب الشفاء ممن تبارزه بالمعاصي؟ فكأن
هذا الأخ الطبيب انتبه من غفلة، وما تصور أنه بإمكانه أن يخدم دينه
ويساهم في الخير بهذه البساطة.
يقول البعض: بأنه فاته القطارُ، وتجددت الوسائلُ وتغير الزمانُ،
وأصبح لا يحسن العملَ في هذه الظروف!
وهذا لضعفِ الشعورِ بالمسئوليةِ، وتبلدِ الإحساس، وتجمدِ الحماس
. عن مالك بن دينار قال:( إن صدور المؤمنين تغلي بأعمال البر، وإن
صدور الفجار تغلي بأعمال الفجور، والله تعالى يرى همومكم فانظروا
ما همومكم رحمكم الله( كتاب الزهد للإمام أحمد / 451). ولو كان قلب
هذا يغلي، أو فيه هم للآخرة؛ لعرف كيف يخدم دينه.
إفساح المجال للآخرين: هذه يتعلل بها كثير من المتقاعسين، وكأن المجال
فيه ازدحامٌ، حتى أصبح هو عقبةً في طرقِ الخير، وليت هذا الأخَ أفسحَ
المجالَ للآخرين في طلب الرزق، والوظيفة، والتي عليها قطاراتٌ من
الناس ينتظرون وظيفتَهُ تشغر! قال تعالى:( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
الْمُتَنَافِسُونَ(26) (سورة المطففون) وقال سبحانه:( وَسَارِعُوا
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) (سورة آل عمران) وقال
سبحانه في وصف المؤمنين:( أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ(61) (سورة المؤمنون). وكان عمر رضي الله
عنه يحاول جاهداً مسابقة أبي بكر رضي الله عنه في الخير.
*التعذر بعدم البرامج والخُطط، : ولا يفكرُ أن يضعَ برنامجاً في
محيطِهِ الصغيرِ الذي يعايشه في حيه، أو موقع وظيفته، فيجلس ينتظر
البرنامج بزعمه، بينما لو أراد أن يبني بيتاً لعمل لذلك خططاً تجريبية
لا تحصى، إن الذي لا يعيشُ همَّ الدعوة وينامُ ويستيقظُ عليها محال
أن ترد عليه أفكارٌ في تطويرها والرفع من شأنها.
الانشغال بنقد الآخرين بأن هذا لا يحسن أن يلقي درساً، وذاك لا يعرف
أن يكتب مقالاً، وفلان لا يصلح أن يشرف على عمل... الخ: قال الحسن
البصري في وصف أناسٍ مثل هؤلاء لما وجدهم قدِ اجتمعوا في المسجد
يتحدثون:( إن هؤلاء ملوا العبادة، ووجدوا الكلامَ أسهلَ عليهم، وقلَّ
ورعُهم؛ فتحدثوا ( . وقال الوليد بن مزيد: سمعت الأوزاعي يقول:(
إن المؤمنَ يقولُ قليلاً، ويعملُ كثيراً، وإن المنافقَ يتكلمُ كثيراً،
ويعملُ قليلاً).
قال النسابةُ البكريُّ لرؤبةَ بنِ العجاج:( ما أعداء المروءة؟ قال:
تخبرني، قال: بنو عمِّ السوء: إن رأوا حسناً ستروه، وان رأوا سيئاً
أذاعوه(
يمشون في الناس يبغون العيوبَ لمن لا عيب فيه، لكي يستشرفَ العطبُ
إن يعلموا الخيرَ يخفـوه، وإن علموا شـرا أذاعـوا وإن لم يعلموا
كذبوا
ومن أعراض هذا المرض أيضاً: التهويلُ والمبالغةُ، واستعمال العدسةِ
المكبرةِ للتفتيش عن صغائرِ الغَير.
قال أبو هريرة رضي الله عنه:( يبصر أحدُكم القذاةَ في عين أخيه،
وينسى الجذلَ أو الجذعَ في عين نفسه)
*إبرازُ الشخصياتِ المتقاعسةِ وتعليلُ النفس بهم، وأنه ليس الوحيدَ
في هذا المجال: ونسي هذا الأخ بأنه يدفن وحدَه، ويبعثُ يوم القيامة
وحده، وسيقفُ بين يدي الله وحده، فيومئذ:( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ
مَعْذِرَتُهُمْ ...(52) (سورة غافر) نسي هذا أنه في مضمار مسابقة،
وقد لام الله تعالى القاعدين فقال سبحانه:( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا
مَعَ الْخَوَالِفِ... (87) (سورة التوبة). قال إبراهيم الحربي عن
الإمام أحمد:( ولقد صحبته عشرين سنةً صيفاً وشتاءً وحراً وبرداً
وليلاً ونهاراً، فما لقيته في يوم إلا وهو زائدٌ عليه بالأمس ( مناقب
أحمد لابن الجوزي ص140). وذكر جرير بن عبد الحميد:( أن سليمان التيمي
لم تمر ساعةٌ قطُّ عليه إلا تصدقَ بشيء، فإن لم يكن شيءٌ، صلى ركعتين).
الحساسيةُ المرهفةُ من النقدِ أو اللومِ: فالبعض لا يريدُ أن يلامَ
أو يحاسبَ، أو ينتقدَ، فإذا واجه ذلك؛ تأثرَ وانقطعَ عن العمل، إما
بالشعور بالإحباطِ بأنه لا يحسنُ، أو أنه وصل إلى مقامٍ لا ينبغي
أن ينتقدَ، أو أن مثلَ فلان كيف يوجهُهُ وينتقدُهُ.. وأين هذا من
عمر رضي الله عنه حيث قال: رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا!.
وقال بلال بن سعد لصاحبه:( بلغني أن المؤمن مرآةُ أخيه، فهل تستريبُ
من أمري شيئاً؟( زهد ابن المبارك /485) . وقال بعض السلف:( من حق
العاقلِ أن يضيفَ إلى رأيه آراءَ العلماء، ويجمعَ إلى عقلِهِ عقولَ
الحكماء، فالرأي الفذُّ ربما زلَّ، والعقل الفردُ ربما ضل).
قد يتساقط أناسٌ بسبب أنه لا يذكرُ عملُهم أو ينوهُ به أو يحمدون
عليه: وكأن عملَهم للناس، كأن يقول: ليس هنا أحدٌ يقدرُ الجهودَ،
أو ينظر في النتاج، أو يحترمُ العاملين، وما عندنا أحد ينزلُ الناسَ
منازلَهم!! وصدق الربيع بن خيثم رحمه الله حيث قال:( كل ما لا يراد
به وجهُ الله ؛ يضمحل ( طبقات ابن سعد 6/186). وقال ابن الجوزي:(
والصدقُ في الطلب منارٌ أين وجد يدلُّ على الجادة وإنما يتعثرُ من
لم يخلص( صيد الخاطر ص355).. قال تعالى:( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ
لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9)
سورة الإنسان
تفريغُ الطاقة في التناجي: بأن يناجي شخصاً بأن شيخَه ليس مؤهلاً،
أو ليس عندَه برامجُ تواكبُ التطور، أو لا جديدَ عنده، فإذا وافقه
صاحبُهُ على ذلك انتقل إلى آخر، فيحدثه بمثل ذلك الحديث.
وليس عنده بدائل يطرحُها ولا برامجُ يقترحها، وإنما حمله الحسدُ،
أو السآمةُ من العمل، أو حبُّ الرياسة والظهور، أو لا يريد أن ينقطعَ
عن القافلة وحده .. قال السري: ما رأيت شيئاً أحبطَ للأعمال، ولا
أفسدَ للقلوب، ولا أسرعَ في هلاك العبد، ولا أدومَ للأحزان، ولا
أقربَ للمقت، ولا ألزمَ لمحبة الرياء والعجب والرياسة من قلة معرفة
العبدِ لنفسه، ونظرِهِ في عيوب الناس).
يحيى بن إبراهيم اليحيائي
أعلى
الخجل عند الاطفال
من المعلوم أن ظاهرة الخجل من طبيعة الأطفال
( ولعل أماراته تبدأ في سن الأشهر الاربعة، وأما بعد كمال السنة
فيصبح الخجل واضحًا في الطفل، إذا يدير وجهه أو يغمض عينيه أو يغطي
وجهه بكفيه إن تحدث شخص غريب إليه، وفي السنة الثالثة يشعر الطفل
بالخجل عندما يذهب إلى دار غريبة، فهو قد يجلس هادئًا في حجر أمه،
أو إلى جانبها طوال الوقت لا ينبس ببنت شفة). تربية الأولاد
ولكن عندما يتجاوز الطفل سن السابعة ويبدأ في التعامل مع الناس سواء
في المدرسة أو في الأسرة ... فإن ظاهرة الخجل هنا تكون ظاهرة مرضية
بحاجة إلى علاج.
حسام .... والخجل:
حسام طفل يبلغ من العمر 8 سنوات لديه موهبة في الرسم وكراسة مليئة
بالرسومات الجميلة.
اجتمعت أفراد الأسرة يومًا في بيت حسام بمناسبة عيد الفطر، وجلس
الآباء والأعمام والأخوال يتسامرون .. والأولاد يلعبون .. فبادرت
أم حسام وقالت: إن ابني حسام رسام موهوب.
وما إن قالت هذه الكلمة حتى بدأ وجه حسام في الاحمرار، وانزوى عن
الأهل وجلس بعيدًا.
فقالت الأم: هيا يا حسام اذهب وأحضر كراستك لتريهم رسمك الجميل،
سكت حسام وهو يبتسم ابتسامة الممتنع وهو يدقق الحاضرين بنظراته الخاطفة،
والكل يلح عليه ليحضر كراسه .. وهو يمتنع .. لا لا.. لا أريد أن
يرى أحد رسمي .. وأخذ يبكي ويصيح .. فقالت الأم له في إلحاح:
حسنًا أرهم أنت يا حسام.
فأخذ حسام الكراسة وأخيرًا أراهم رسمه، فتطايرت عليه عبارات المديح
والإعجاب ولكنه يظهر عدم الاهتمام واللامبالاة بتلك العبارات.
اعقد مقارنة!
إن نموذج حسام يتكرر كثيرًا في مجتمعنا. ولكنك إن تأملت أبناء السلف
تجد أنهم كانوا يتربون على التحرر التام من ظاهرة الخجل، ومن بوادر
الانكماش والانطوائية، وذلك بسبب تعويدهم على الجرأة ومصاحبة الآباء
لهم لحضور المجالس العامة وزيارة الأصدقاء ثم بالتالي تشجيعهم على
التحدث أمام الكبار، ثم دفع ذوى النباهة والفصاحة منهم لمخاطبة الخلفاء
والأمراء، ثم استشارتهم في القضايا العامة والمسائل العلمية في مجمع
من المفكرين والعلماء (تربية الأولاد)
ـ مر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مرة في طريق
من طرق المدينة وأطفال هناك يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير وهو
طفل يلعب, فهرب الأطفال هيبة من عمر، ووقف ابن الزبير ساكتًا لم
يهرب، فلما وصل إليه عمر قال له: لِمَ لمْ تهرب مع الصبيان؟
فقال على الفور: لست جانيًا فأفر منك، وليس في الطريق ضيق فأوسع
لك.
إنه جواب جريء وسديد، فهو يخرج من ثنايا غلام شجاع واثق بنفسه غير
خجلان ولا خائف.
ـ ودخل على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في أول خلافته وفود المهنئين
من كل جهة، فتقدم من وفد الحجازيين للكلام غلام صغير لم تبلغ سنه
إحدى عشرة سنة.
فقال له عمر: ارجع أنت وليتقدم من هو أسن منك.
فقال الغلام: أيد الله أمير المؤمنين. المرء بأصغريه قلبه ولسانه،
فإذا منح الله العبد لسانًا لافظًا وقلبًا حافظًا، فقد استحق الكلام،
ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق منك
(تربية الأولاد)
ـ وانظر إلى هذا الطفل الذي لا يخجل ولا يخاف في الحق لومة لائم،
يراه الإمام أبو حنيفة وهو يلعب بالطين فقال له: (إياك والسقوط في
الطين، فقال الغلام الصغير للإمام الكبير ( إياك أنت من السقوط لأن
سقوط العالِم سقوط العاَلم) (نجابة الأطفال)
ـ وتأمل هذا الغلام الموهوب الذي يجهر بموهبته ولا يخجل.
يروى أن البحتري مر بجماعة من الناس فرأى بينهم صبيًا تبدو عليه
مخايل الذكاء، فقال له مداعبًا: أشاعر أنت؟
قال الصبي: نعم وإنني لأشعر منك!
فقال البحتري: هل تستطيع أن تجيز قولي:
ليت ما بين من احب وبيني
قال الصبي: أتريد أن تقربه أم تبعده؟
قال البحتري: أقربه
فقال الصبي:
ليت ما بين من احب وبيني مثل ما بين حاجبي وعيني
فطرب البحتري وقال: وإذا أردت أن أبعده فماذا تقول؟
قال الصبي:
ليت ما بين من أحب وبيني مثل ما بين ملتقى الخافقين
(نجابة الأطفال)
ها هم أطفال السلف
فلماذا أطفالنا يخجلون...؟!
الخجل:
أعراضه ـ أسبابه ـ علاجه
ـ الأعراض:
1ـ الانطواء والانزواء.
2ـ أحلام اليقظة.
3ـ الحساسية الشديدة.
4ـ القلق الشديد.
5ـ عدم الثقة بالنفس والإحساس بالنقص.
6ـ توقع الخطر وإن كان بعيدًا.
7ـ . الخوف من نقد الغير له.
8ـ الامتناع عن الاشتراك مع الأقران.
9ـ الجمود والخمول في الوسط المدرسي.
10ـ . الأنانية ومحاولة فرض رغباته على من حوله.
11ـ التمارض لجذب الأنظار إليه.
12ـ اللامبالاة في بعض الأحيان.
*أسبابه:
1ـ إخفاء الأبوين لابنهما عن أعين الزائرين خوفًا من الحسد أو غيره.
2ـ التدليل الزائد عن الحد فلا يجد الطفل هذا
التدليل عند الأقران فينزوي.
3ـ القسوة الزائدة والإكثار من زجر الطفل وتأنيبه وتوبيخه خاصة أمام
الناس.
4ـ انشغال الأب عنه ظنًا أن دوره جباية الأموال والصرف على العيال.
5ـ الشعور بالنقص .. إما لعاهة جسدية أو عقلية أو ضعف مستواه الدراسي
أو الرياضي عن أقرانه.
العلاج:
1ـ عدم إخفاء الأبناء عن المجتمع ومحاولة خلطهم بالرفقاء الصالحين.
2ـ التوسط في المعاملة بين التدليل والقسوة.
3ـ اهتمام الأب بأبنائه منذ ولادتهم كالأم تمامًا وإحاطتهم بجو من
الحب والتقدير والدفء العاطفي، لأن دور الأب في غرس معاني الشجاعة
والجرأة والرجولة أكبر بكثير من دور الأم.
4ـ إبراز جوانب التميز في الطفل الخجول وإشعاره بالثقة في نفسه،
وإن كان ذا عاهة ذكره بأصحاب العاهات المتفوقين، فإن كان أعرج ذكره
بعمرو بن الجموح، وإن كان أعمى ذكره بعبد الله بن أم مكتوم.
5ـ عدم مقارنة الأطفال بمن هم أكثر حظًا منهم سواء في الاستعداد
الذهني أو الجسمي فهذا يضعف ثقته بنفسه ويؤدي به إلى الخجل.
6ـ عدم دفع الطفل للقيام بأعمال تفوق قدراته فليس هذا يزيد الثقة
بل إن عجزه عن أدائها يصيبه بالانهزام والإحباط، بل عليه أن تدفعه
إلى ما يتقنه ويجيده حتى يشعر بالنجاح.
7ـ تدريب الطفل الخجول على الأخذ والعطاء وتكوين الصداقات مع أقرانه
من الأطفال في الأسرة أو في المدرسة أو في نادي الشباب وفي المسجد.
8ـ تشجيع الطفل على ممارسة أحد الألعاب في النادي أو ممارسة هواية
ما كالرسم أو الزخرفة أو الحاسب الآلي .. إلخ.
9ـ الإكثار من ذكر أمثلة من السيرة وقصص الصحابة والصالحين التي
تساعد على الجرأة والشجاعة كقصة عبدالله بن الزبير، وقصة معاذ ومعوذ.
تربية الأولاد في الإسلام ـ عبدالله ناصح علوان
محمد الحارثي
أعلى
دراسة إحصائية تؤكد
حفظ القرآن اتزان نفسي واجتماعي للأطفال
كشفت دراسة احصائية تحليلية ان حفظ القرآن
الكريم في سن مبكرة ينمى مدارك الاطفال واستيعابهم بدرجة اكبر من
غيرهم بالاضافة الى تمتعهم بقدر كبير من الاتزان النفسي والاجتماعي
وقدرة كبيرة على تنظيم الوقت والاستفادة منه وذلك مصداقا لقول الرسول
صلى الله عليه وسلم:(من آراد الدنيا فعليه بالقرآن ومن اراد الآخرة
فعليه بالقرآن ومن ارادهما معا فعليه بالقرآن).
واشارت الدراسة التي اجريت منذ ايام في المملكة العربية السعودية
الى أهمية البدء في دفع النشء في سن مبكرة الى حلقات ومدارس تحفيظ
القرآن الكريم نظرا لسهولة الحفظ في هذه السن والقدرة على الاستيعاب
والاسترجاع.
كما اكدت الدراسة على اهمية دور الاسرة في تحفيز ابنائها وبناتها
على حفظ القرآن الكريم وتهيئة الاجواء والمناخ الاسري للاطفال حتى
يتمكنوا من الحفظ والمتابعة الدورية والدائمة من الابوين.
واثبتت الدراسة ايضا ان اكثر من 80% من حفظة القرآن الكريم من البنين
والبنات عرفوا طريقهم الى حلقات التحفيظ والمدارس القرآنية بتشجيع
من الآباء والامهات واكثر من 50% منهم لهم اشقاء وشقيقات يحفظون
القرآن او اجزاء منه، وكشفت الدراسة ان الانتظام في حلقات التحفيظ
لا يتعارض مع قدرة الطلاب على التحصيل العلمي في المدارس والجامعات
بل ان حفظ القرآن الكريم له دور كبير في زيادة التحصيل العلمي والتفوق
حيث ان اكثر من 70% من الطلاب الذين بدأوا الحفظ في سن مبكرة متفوقون
في دراستهم ويحصلون على المراكز الاولى في المدارس والجامعات وان
ما يزيد على 60% من الحفظة يسلكون طريق التعليم الجامعي بما في ذلك
الكليات العلمية مثل الطب والهندسة والصيدلة والعلوم ويتفوقون فيها.
وفيما يتعلق بسلوكيات حفظة القرآن الكريم من الشباب رصدت الدراسة
وجود قدر كبير من الاتزان النفسي والاجتماعي وقدرة كبيرة على تنظيم
الوقت والاستفادة منه على الوجه الامثل عند من يحفظون القرآن الكريم
او اجزاء منه، كذلك متانة علاقتهم بمن حولهم وحسن اختيار اصدقائهم.
ماهر الهنداوي
أعلى
احذروا المهلكات
أذى المسلمين وشتمهم
قال الله تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات
بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) وقال تعالى: (يا
أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا
نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا
بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)
وقال تعالى: (ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا).
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن من شر الناس منزلة عندالله يوم القيامة
من ودعه الناس أو تركه الناس اتقاء فحشه). وقال صلى الله عليه وسلم:
(عباد الله إن الله وضع الحرج إلا من افترض بعرض أخيه فذلك الذي
حرج أوهلك). وفي الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).
وقال عليه الصلاة والسلام: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله
ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم). وفيه أيضا:
(سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). وعن أبي هريرة رضي الله عنه الله
قال: قيل يا رسول الله إن فلانة تصلي الليل وتصوم النهار وتؤذي جيرانها
بلسانها، فقال: (لا خير فيها هي في النار). وفي الحديث أيضا: (أذكروا
محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم. وقال عليه الصلاة والسلام: (مررت
ليلة أسري بي بقوم لهم أظافر من النحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم،
فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: (هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس
ويقعون في أعراضهم).
علي بن عوض الشيباني
أعلى
في دراسة جديدة
(14) ألف بريطاني اعتنقوا الاسلام.. معظمهم من صفوة المجتمع
الدوحة ـ (الوطن): أكدت دراسة بريطانية ان
الإسلام ينتشر بشكل ملحوظ وسط صفوة المجتمع البريطاني ، بعدما خيبت
القيم الغربية آمالهم ، وتوقعت الدراسة تزايد اعداد معتنقي الإسلام
في الفترة المقبلة .
وقال موقع (اسلام اون لاين) بالدوحة نقلا عن صحيفة صنداي تايمز البريطانية
التي قامت بنشر الدراسة التي اعدها الباحث البريطاني المسلم يحيى
بيرت (جوناثان بيرت سابقا) وهو نجل اللورد بيرت مدير هيئة الاذاعة
البريطانية السابق: ان أكثر من 14 ألف بريطاني بينهم عدد من كبار
ملاك الاراضي ومشاهير المجتمع وشخصيات بريطانية بارزة أخرى اعتنقوا
الإسلام .
وأوضحت الدراسة ان معظم الشخصيات التي اعتنقت الإسلام من صفوة المجتمع
البريطاني تأثروا بكتاب الدبلوماسي البريطاني المسلم تشارلز لو جاي
ايتون (الإسلام وقدر الإنسان).
وقالت صنداي تايمز نقلا عن ايتون: إنه بعد نشره الكتاب تلقى الكثير
من الرسائل من أشخاص أعربوا فيها عن تخليهم عن بعض العادات المتعارف
عليها في المجتمع البريطاني وانهم يتطلعون لدين يترفع عن مثل هذه
العادات .
وأشارت إلى ان اقبال كبار شخصيات المجتمع البريطاني على الإسلام
لاقى تشجيعا من قبل القيادات الإسلامية في بريطانيا الذين رأوا ان
من شأن إسلام هذه الشخصيات ان يساعد في حماية المجتمع .
وقالت الصحيفة البريطانية: ان هناك كثيرين قد اعتنقوا الإسلام من
خلال الزواج أو الصداقة أو الاطلاع وكانت وسائل إعلام بريطانية قد
قدرت في وقت سابق عدد البريطانيات اللائي اعتنقن الإسلام عن طريق
الزواج أو الدراسة بحوالي 77 ألف امرأة .
ومن ابرز الشخصيات التي اعتنقت الإسلام ايما كلارك حفيدة رئيس الوزراء
البريطاني الاسبق هيربرت اسكويث وهي الآن من حزب الاحرار وكان العديد
من وسائل الاعلام البريطانية قد ذكرت ان احداث 11 سبتمبر دفعت فئات
كبيرة من الشعب البريطاني إلى الاهتمام بالاسلام والوعي بقيمه وتقاليده
.
وقالت صحيفة (الغارديان) ان كل أماكن بيع الكتب الإسلامية ودورات
الدين المقارن التي تنظمها الجامعات شهدت اقبالا متزايدا من غير
المسلمين بعد احداث سبتمبر لاكتشاف المزيد حول مبادئ الإسلام والسيرة
النبوية كما ارتفعت نسبة مبيعات النسخ المترجمة للانكليزية من القرآن
الكريم خلال الأشهر الثلاثة التي تبعت 11 سبتمبر 2001 .
وطبقا لتقديرات مستقلة فان عدد المسلمين في بريطانيا يزيد على 5ر1
مليون مسلم منهم 350 ألفا من المنطقة العربية وافريقيا و 160 ألفا
من الهند و200 ألف من بنغلاديش و 170 ألفا من ماليزيا ونيجيريا و610
آلاف من باكستان .
وقد نشرت صحيفة (الغارديان) إسلام احدى المهتديات البريطانيات التي
اعتنقت الإسلام مؤخرا فقالت:
نشأت (هيلاري سوندرز) هي واختاها الاثنتان وسط أبوين ملحدين وكانت
تقلد تصرفات والديها وهي طفلة لارضائهما إلا انها دائما كانت تشعر
بأنها تفتقد شيئا ما لكنها لم تعرف ماهيته فكانت مثل السفينة السارية
في البحر تبحث عن ميناء لتقف فيه .
وقالت ان تجربتها في اعتناق الإسلام تعد بالنسبة لها اسهل واصعب
تجربة في حياتها!
وذكرت هيلاري ان اشهار إسلامها لم يستغرق سوى ثوان قليلة في احد
المساجد بشمال (لندن) وذلك للنطق بالشهادتين إلا ان تلك الثواني
غيرت حياتها إلى الأبد انتابتها بعد ذلك حالة غريبة من تضارب الأفكار
عما إذا كانت قد أخطأت أم ان إسلامها تصحيح لكل أخطائها؟
وأكدت (هيلاري) ان تلك الأفكار استغرقت عدة أيام حتى انتابها احساس
بالأمان مشيرة إلى ان الشيء الوحيد الواثقة منه هو شعور قلبها بالسعادة
والنشوة أثناء نطقها للشهادة ، وقالت (هيلاري): انها كانت جاهلة
تماما بالإسلام ولا تعرف عنه سوى معلومات قليلة سلبية .
وحكت هيلاري قصة تعرفها بالإسلام فقالت: منذ 4 سنوات تعرفت على شاب
مسلم وظل يشرح تعاليم الإسلام ويرد على اسئلتي بنماذج من القرآن
الكريم وحياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاصة السؤال الذي كان
يثيرني للغاية وهو لماذا سمح الإسلام للرجل بالزواج من 4 نساء وليس
العكس .
وعلمت هيلاري ان تعدد الزوجات في الإسلام جاء في إطار الضرورة كأن
تكون زوجة الرجل عاقرا فيتزوج من أخرى بعد موافقتها لكن المرأة لا
تستطيع ان تتزوج أربعة حتى لا تختلط الأنساب ويبدأ الجميع في الخلاف
على أبوة الطفل وتقول هيلاري: إنها من خلال ذلك علمت ان الإسلام
دين نظام وفعال مقارنة بما يحدث في الحياة الغربية .
وأشارت إلى انها قرأت ذات مرة بعد فشل علاقاتها العاطفية الكثيرة
كتابا للبريطاني (روبين وود) بعنوان نساء يحببن كثيرين عن كيف تتخلص
المرأة من الفشل العاطفي عن طريق اكتشاف شيء روحاني يملأ حياتها
فبدأت في البحث عن ذلك المجهول إلى ان تبينت انه الله.
وتقول: انها منذ ان اسلمت اختارت ان ترتدي الحجاب حيث رأت فيه زيا
يعف المرأة وتنهي قصتها بالقول انها تشعر الآن بأمان أكثر واحترام
لذاتها ووجدت مرساها الذي ظلت تائهة تبحث عنه طوال حياتها .
ومن بين البريطانيين الذين اهتدوا للإسلام مؤخرا بطل العالم السابق
في لعبة السنوكر (روني أوه سيليفان) الذي اعتنق الإسلام في اواخر
العام الماضي وجاء إعلان إسلامه في تصريح لوالدته ماريا أدلت به
لصحيفة صنداي تايمز البريطانية .
ونقلت الصحيفة عن (ماريا) قولها: لقد تحسن وضع نفسية روني وآمل ان
يثبته الإسلام بعد ان ظل فترة مدمنا للمخدرات ويتعاطى الخمر ويعاني
من الاكتئاب.
وقالت ماريا: ان الملاكم البريطاني المسلم اليمني المولد نسيم حامد
ساعد ابنها على اعتناق الإسلام حيث كان صديقا حميما له .
و(روني) (27 عاما) الذي كان ينتمي لطائفة الروم الكاثوليك ونشأ في
شرق لندن اعلن إسلامه في المركز الثقافي الإسلامي في لندن خلال احتفال
قصير الشهر الماضي .
وبهذا يلحق (روني) بالملاكمين (محمد علي كلاي) و(مايك تايسون) اللذين
اعتنقا الإسلام من بين عدد من ابرز الرياضيين كما يلحق ايضا بنجم
الاغنية البريطاني الشهير (كات ستيفنز) الذي اعتنق الإسلام وغير
اسمه إلى (يوسف إسلام).
وقد تغلب (روني) على طفولته المضطربة التي اعتقل خلالها والده بسبب
ارتكابه جريمة قتل ، كما اعتقلت والدته بسبب تهربها من الضرائب وفاز
ببطولة العالم في السنوكر عام 2001 .
وكان (روني) أصغر شاب يفوز وهو في سن السابعة عشرة على (ستيفن هندري)
في بطولة بريطانيا للسنوكر عام 1993 وفي عام 1997 حاز على لقب بطل
بريطانيا في لعبة السنوكر للمرة الثانية ثم وصل إلى نصف نهائيات
بطولة العالم عامي 1998 و 1999 .
وتعتبر بريطانيا أول دولة غير إسلامية تسمح بوجود شرطيات مسلمات
محجبات بين قوات الشرطة البريطانية وكانت الشرطة البريطانية وافقت
في عام 2001 على السماح للشرطيات المسلمات بارتداء الحجاب بدلا من
الخوذة كنوع من تشجيع النساء المسلمات على الالتحاق للعمل بالشرطة
وذلك بعد ان كن يتجنبن العمل فيها بسبب عدم السماح بظهور الشرطيات
محجبات وسط الجمهور .
وكانت عشرات من المرشحات للعمل بالشرطة يتخلين عن فرصهن بعد علمهن
بعدم قدرتهن على ارتداء الحجاب اثناء العمل وجاء ذلك القرار كرسالة
مفادها ان القيم الإسلامية محترمة من قبل جهاز الشرطة سواء أرادت
الشرطيات ارتداء الحجاب أم لم يردن .
وذكر مسؤول في الشرطة البريطانية ان عدد المسلمين في لندن يصل إلى
مليون مسلم من اصل سبعة ملايين لندني ولذلك يجب ان يكون عدد المسلمين
في الشرطة حوالي ثلاثة آلاف وهو ما لم يتحقق بعد إذ لا يتجاوز عدد
الشرطيات بضع مئات .
تأتي هذه الاجراءات ضمن سياسة حكومة العمال البريطانية باجتذاب اصوات
المسلمين وباقي الاقليات الآسيوية في الانتخابات القادمة ومعروف
ان عدد المسلمين في بريطانيا يبلغ حوالي 3 ملايين مسلم.
أعلى
حرث الآخرة
يقول تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ...(20)) (سورة الشورى).
ويقول تعالى:( وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى
لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا
(19)(سورة الإسراء).
حرث الآخرة :الحرث عملية صعبة، فيها يتم شق الأرض وتقليبها، وإصلاحها
إذا احتاجت إلى إصلاح، ثم تسميدها بما يقويها...الخ . هذه العملية
المتعبة يمثلها الله سبحانه وتعالى لمن اختار الآخرة على الدنيا،
فهو يقوم بمثل هذه العملية الشاقة، ولكنه لا يبتغي الزروع المأكولة،
بل يريد ثمار الآخرة من رضوان الله عليه، ودخول الجنة، والوقاية
من النار.
فالحرث: هو العمل المكلف به من عند الله، وتنقية الأرض من الآفات
والأحجار، هو تنقية هذا العمل من الرياء والخطأ، وحماية الزروع من
الطيور والآفات داخل الأرض وخارجها، وهو الانتباه من شياطين الإنس
والجن والنفس التي بين الجوانح، وفحص الأرض بين فترة وأخرى هو المحاسبة
للنفس ومراجعته الأعمال ... هذه العمليات بالرغم من مشقتها إلا أن
الحارث يجد متعة في عمليات الحرث، وراحة نفسية عظيمة لما سيعود عليه
بالخير.
حرَّاث الآخرة : فالشطر الأول من هذه المعادلة يبين الله فيه صفة
حرَّاث الآخرة، ومن اختار الآخرة على العاجلة ليكون شرطاً في استحقاقهم
الزيادة في الحرث، وشكر السعي الذي جاء ذكره في الشطر الثاني من
المعادلة. هذه الصفات كامنة في كلمة (الحرث) وفي كلمة (السعي) و(الإيمان)،
و(إرادة الآخرة) حيث قال تعـالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ...(20))
(سورة الشورى). وقال تعالى في سورة الإسراء: ( وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ
وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ
مَشْكُورًا (19)).
وقال في الآية الأخرى من السورة نفسها قال: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا
وَهُوَ مُؤْمِنٌ...(19)).
فالإيمان صفة لازمة لكل عمل صالح، وهو الاعتقاد بوجوب العمل، وبأسماء
الله وصفاته، وبالإخلاص بالعمل، وابتغاء وجه الله فيه، والجزاء الأوفى
يوم القيامة وما يتصل بالإيمان من مستلزمات.. والحرث والسعي هي الهمة
العالية ونبذ الكسل، والحركة الدائبة حتى مغادرة هذه الحياة في سبيل
مرضاة الله، وتحقيق العبودية التي خلقنا من أجلها، ثم الهدف من هذا
السعي هو (إرادة الآخرة)، والعلم واليقين بأنها خير وأبقى.
صفات حرَّاث الآخرة: ومن هذه الصفات الرئيسية التي ذكرها الله تعالى
لحراث الآخرة، كشرط لاستحقاقها ما في الشطر الآخر من المعادلة، تتشعب
صفات كثيرة منها:
فهم حقيقة الدنيا : فهم يفهمون الهدف من وجودهم في هذه الدنيا، ويعرفون
حقيقة الدنيا، ويفهمون كيف يتعاملون معها، ويحذرون منها أشد الحذر،
فقد ذم رجل الدنيا عند علي رضي الله عنه فقال: الدنيا دار صدق لمن
صدّقها، ودار نجاة لمن تزود منها، مهبط وحي الله، ومصلى ملائكته،
ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا منها الرحمة، واحتسبوا فيها
الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها ،وشبَّهت بسرورها
السرور، وببلائها البلاء، ترغيباً وترهيباً، فيا أيها الذام الدنيا،
المعللُ نفسه، متى خدعتك الدنيا؟ أم متى استذمت إليك؟ أبمصارع آبائك
في البِلَى؟ أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟ كم مرَّضت بيديك؟ وعلَّلْتَ
بكفيك، تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، غداة لا يغني عنه دواؤك،
ولا ينفعك بقاؤك.
فهم لا يزهدون في الدنيا، أو يكرهونها لعلة فيها، بل عندما تكون
وما فيها من الزينة سبباً في نسيانه لآخرتهم، وابتعادهم عن الهدف
الذي خلقوا من أجله، أما إذا كانت لا تشغلهم ولا تبعدهم عن عبادة
ربهم؛ فلا يذمونها، بل يحبون العيش فيها، والتزود منها لآخرتهم،
لذلك عندما قرأ أحدهم قوله تعالى: (ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
(77) (سورة القصص) قال: ليس هو عَرَض من عرض الدنيا، ولكن نصيبك
عمرك أن تقدم فيه لآخرتك.
تحمل خسارة الدنيا: فمن اختار الآخرة على العاجلة، فإنه قطعاً سيخسر
بعض مكاسبها، ويتحمل خسارة الدنيا على خسارة الآخرة، ولهذا السبب
فإن معظم طلاب الآخرة يخسرون الكثير من زينة الدنيا، ولا يحزنون
لذلك، بل يستلذون هذه التضحية بالداني على الباقي، ويتحملون تلك
الخسارة، بل يتوقعونها؛ لأنهم مستيقنون بأن سلعة الله الغالية، تحتاج
إلى ثمن باهظ، والحور العين تحتاج إلى مهر غال، ولهذا السبب قلّ
أن تجد من طلاب الآخرة تاجراً رابحاً؛ لأن دينه وآخرته تمنعه من
كثير من الربح السريع، يقول عمرو بن مرة: من طلب الآخرة أضر بالدنيا،
ومن طلب الدنيا أضر بالآخرة، فأضروا بالفاني للباقي، فهم يتحملون
ضرر الدنيا، ولكنهم لا يتحملون ضرر الآخرة.
لا يحبون الدنيا لذاتها: فلا يدخلون في قلوبهم سوى الله، وإن أحبوا
الدنيا فإنما يحبون ما يقربهم إلى الله فيها، وما يكون سبباً في
زيادة محبتهم لله فيها، لذلك كثرت العبارات التي تصدر منهم بما يؤكد
هذا المعنى، خاصة عند احتضارهم:
فعن أبي الدرداء أنه كان يقول: لولا ثلاثة لأحببت أن أكون في باطن
الأرض لا على ظهرها، لولا إخوان لي يأتوني ينتقون طيب الكلام كما
ينتقى طيب الثمر، وأعفر وجهي ساجداً لله عز وجل، أو غدوة أو روحة
في سبيل الله.
وكان آخر كلمات الصحابي معاذ بن جبل قبل وفاته: اللهم إن كنت تعلم
أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس
الشجر، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب
عند حلق الذكر.
بل إن الحسن البصري يجعل حب الدنيا لذاتها من الذنوب فيقول: لو لم
يكن لنا ذنوب نخاف على أنفسنا منها إلا حبنا الدنيا لخشينا على أنفسنا
منها، إن الله عز وجل يقول: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ
يُرِيدُ الآخِرَةَ (67) (سورة الأنفال). أريدوا ما أراد الله عز
وجل.
حرص شديد على الوقت : فهم أشد الناس حرصاً على الوقت أن يمضي دون
الاستفادة من كل دقيقة فيه، ويسابقون الزمن حتى يملأوا صحائفهم بكل
ما يرتفع إلى الله، ويعتبرون كل انشغال عن الآخرة من الخراب، فيقول
يحيى بن معاذ: الدنيا خراب وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار
عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها.
ولكثرة انشغالهم في العمل لآخرتهم التي اختاروها على العاجلة فلا
وقت لديهم ليتحدثوا عن الدنيا إلا بما لابد منه من تسيير أمورهم
اليومية كالبيع والشراء وغيره، حتى أن أبا حيان قد روى عن أبيه عن
التابعي الربيع بن خثيم يقول: ما سمعت الربيع بن خثيم ذكر شيئاً
من أمر الدنيا إلا أني سمعته مرة يقول: كم لكم مسجدا.
ولئن كان البعض يرى في هذه الصورة شيئاً من المبالغة، فإنه ليس مطلوباً
من الجميع أن يكونوا على قانون بن خثيم، وهمته العالية، فلا أقل
من التقليل ما أمكن من الخوض فيما لا ينفع من أمور الدنيا، لأن ذلك
قطعاً يشغل عن الآخرة، ولقد وضح الإمام الشافعي ذلك في عبارته المشهورة:
نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
لا ينامون كثيراً: ولقد وصفهم الله مادحاً فيهم هذه الصفة، فقال:
(كَانُواْ قَلِيلاً مّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17) وَبِالأَسْحَـارِ
هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) (سورة الذاريات). ليس بسبب حبهم للسهر،
أو إصابتهم بالأرق ولكن بسبب معرفتهم بأهمية الوقت، وعلمهم بأن النوم
يسرق منهم الكثير من هذا الوقت الثمين، لذلك يقللون ساعات نومهم
لاستغلالها بما يقربهم إلى الله تعالى.
فالأسبوع الواحد فيه ما يقارب 168 ساعة، ينام الإنسان فها من 50
إلى 60 ساعة، أي ما يعادل ثلث الأسبوع، وهي نسبة ليست بالقليلة،
خاصة إذا ما عرفنا أن الثلثين الباقيين ليسا فارغين تماماً للاستغلال
بل يتخللهما الكثير من فترات الطعام والعلاج والعمل والدراسة وصيانة
البيت والسيارة وغيرها من الأوقات الضائعة.
التفكر الدائم بالرحيل: لقد رسم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ المنهج الرباني لمن أراد سلوكه، ومن ذلك التفكر الدائم
بالموت، فقال:[أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَازِمِ اللَّذَّاتِ - يَعْنِي
الْمَوْتَ-) رواه الترمذي وابن ماجة والنسائي وأحمد. فمن أكثر ذكر
الموت خاف انقطاع العمل مما يجعله أكثر شعوراً للوقت، فيدفعه ذلك
لمسابقة الزمن، ومضاعفة البذل، لذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ:[مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ
أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ
الْجَنَّةُ) رواه الترمذي . والإدلاج هو مواصلة السير، ولاشك أن
من واصل السير في السفر يصل قبل ذلك الذي يكثر الوقفات والاستراحات،
وكذلك أمر الآخرة، فمن اختارها على العاجلة جد في السير، وقلل الراحات،
فلا راحة إلا تحت شجرة طوبى .
نتيجة اختيار الآخرة: فإذا ما حقق طلاب الآخرة الشطر الأول من المعادلة
وهو: إرادة الآخرة، والسعي لها، والإيمان حقق لهم الله الشطر الآخر
من المعادلة كنتيجة طبيعية لذلك الاختيار، وهي قوله تعالى: (...
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ...(20) (سورة الشوري).
معادلات إيمانية - عبد الحميد البلالي
أعلى