
في الموضوع
مواجهة يصعب التكهن بنتائجها
ليس مقبولا ان تلقي
الولايات المتحدة الاميركية، مسئولية تورطها في مواجهة عسكرية مع
الشعب العراقي، على بقايا نظام صدام حسين، او على اصوليين اسلاميين
متطرفين، او على الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وانما يتعين عليها ان
تعيد النظر في سياستها تجاه العراق، ان اقدامها على الحرب ضد نظام
صدام حسين لاسقاطه، لم تكن تستند الى شرعية دولية، وكانت موضع جدل
داخل مجلس الامن بالامم المتحدة، وفي اوساط الرأي العام بمختلف دول
العالم، ومازال هذا الجدل دائرا حتى الآن، بعد مرور عام على سقوط
نظام صدام حسين، بل تصاعدت الاتهامات ضد الادارة الاميركية والحكومة
البريطانية بشأن تزوير معلومات المخابرات، من اجل استخدامها ادلة
ومبررات لشن الحرب ضد العراق، لاسباب تتعلق بسياسات استعمارية غربية،
تدور كلها حول النفط، وتهدف الى دعم موقف اسرائيل ضد الوطن العربي
في منطقة الشرق الاوسط، لاستخدامها عصا غليظة في هذه المواجهة الى
الوقت الذي يكون فيه الشعب الفلسطيني ضحية، تضيع وسط تزاحم احداث
كبرى في المنطقة.
وفي هذا السياق، تجدر الاشارة الى الاساليب التي تتبعها القوات الاميركية
في العراق، وهي نفسها الاساليب التي تتبعها قوات الاحتلال الاسرائيلي
الصهيوني في فلسطين، ابتداء من اطلاق النار للقتل ضد المدنيين، وانتهاء
بهدم المنازل، ومداهمة الاسر اثناء الليل، ووجد الاميركيون في اسلوب
(الكاوبوي) ـ الذي لا يحترم الحرمات ـ نظيرا للنهج الذي يتبعه الصهاينة
في انتهاج حقوق الشعب الفلسطيني. وبذلك تحول الجندي الاميركي ـ الذي
زعمت حكومته واجهزة اعلام بلاده، انه دخل العراق من اجل تحريرها
من ديكتاتورية صدام حسين ـ الى اداة للاحتلال، لا يتورع من فرض وجوده
بالقوة. وبعد الفشل في تحقيق ثمار التحرير من رفاهية واستقرار، نشرت
الصحف الاميركية ـ ذاتها ـ تقارير عن استعانة قوات الاحتلال الاميركية
بالخبرة الاسرائيلية في قمع مقاومة الشعب العراقي، فاذا بالعراقيين
والعرب، يجدون حالة جديدة للاحتلال القمعي في العراق، تتماثل مع
ما يجري في فلسطين، في الوقت الذي تلكأت فيه الولايات المتحدة الاميركية،
عن متابعة مبادرة (خارطة الطريق) لكبح قمع الاحتلال الصهيوني في
فلسطين، وبدا فيه تواطؤها الواضح مع اسرائيل، وهو امر معروف في عام
الانتخابات الاميركية.
وكذلك فان تصاعد الموقف مع مقتدى الصدر، والتركيز عليه بدلا من بقايا
نظام صدام او الاصوليين المتطرفين القادمين من الخارج، باعتبار انه
يمثل جناحا وطنيا حقيقيا من المقاومة العراقية، وليس مصدرا وهميا
مثل فلول نظام صدام او الاصوليين، جاء بأثر سلبي جديد على الاحتلال
الاميركي، من حيث انه يمثل استفزازا قويا لقوة سياسية اساسية في
العراق، تتصف بالانضباط والولاء للقيادة ـ كما هو الحال في اوساط
الشيعة على عكس الحال لدى السنة ـ بكل ما يحمله ذلك من خطر على قوات
الاحتلال. وساعد على ذلك ان مناطق الشيعة التي تعاني من الحرمان
منذ عقود، وقيل في السابق ان سبب ذلك كان يرجع الى تحيز نظام صدام
حسين للسنة على حساب الشيعة، لم تشهد اي تحسن في الخدمات تحت الاحتلال،
لان ادارة بول بريمر وقوات الاحتلال ركزت على تأمين وجودها، وعلى
المصالح الاساسية التي دخلت العراق من اجلها، وهي تأمين النفط، واحداث
التغييرات التي تتوافق مع تنمية هذه المصالح، ولا يقتصر نطاقها على
العراق وحده، وانما تتعدى حدوده الى منطقة الشرق الاوسط كلها.
اما القضية الاكثر حساسية بالنسبة للوجود الاميركي في العراق، فهي
ان الدخول في مواجهة مع قيادة مقتدى الصدر للشيعة من ناحية، ومع
ائمة السنة الذين يحشدون الشعب لمقاومة الاحتلال في منطقة وسط العراق،
ويتضامنون مع القيادات السنية في رفض الاحتلال الاجنبي والمصالح
التي يمثلها، اصبحت تمثل نوعا من المواجهة بين الولايات المتحدة
الاميركية ـ والتحالف الغربي الذي تتزعمه ـ هناك في العراق، وبين
المسلمين العراقيين. ويعيد ذلك الى الاذهان ما تحدث عنه صمويل هنتنغتون
بشأن (صراع الحضارات) والصدام بين الاسلام والغرب، على عكس ما تريده
السياسة الاميركية حاليا من اختراق هادئ لا يثير الاستفزاز لدى المسلمين
والعرب، حتى تحقق مصالحها بأقل تكلفة او خسائر ممكنة. وبذلك تكون
الادارة الاميركية وقعت في مأزق جديد، بأكثر من تواطؤها مع الصهيونية
العالمية واسرائيل ضد العرب. وبذلك تضيع منها فرصة التركيز على الحرب
ضد الارهاب، وحجة مساواة المقاومة بالارهاب ومحاولة تجريمها.
وهنا تجدر الاشارة ايضا الى ان اطلاق صفات (البلطجة) على اعمال المقاومة
للاحتلال لن يفيد، كما ان ملاحقة مقتدى الصدر يثير كثيرين من ابناء
الشعب العراقي، كما ان استمرار عمليات المداهمة يوجد اثارا سلبية،
والتصعيد في المواجهة بين الشعب العراقي وقوات الاحتلال، تترك اثرها
على ترتيبات نقل السلطة الى ممثلين للشعب العراقي في حكومة مؤقتة
يوم 30 يونيو القادم، وتحرج موقف قادة المعارضة السابقة، الذين يحملون
عضوية مجلس الحكم الانتقالي حاليا، بل ربما تدفع بعضهم الى تجميد
عضويته في المجلس، واذا وصل الامر الى اقصى درجاته، فان اعضاء مجلس
الحكم العراقي يمكن ان يواجهوا اتهامات بأنهم صفائع للاميركيين،
ولا يمكن ان يكون ذلك مفيدا للاميركيين بشأن تطور الاحداث في العراق.
وفوق ذلك كله، فان الخسائر في صفوف القوات الاميركية، في عام انتخابات
الرئاسة، يمكن ان يدفع واشنطن باتجاه التصعيد، في محاولة لكسب الموقف
في الجولة الحالية ويحمل ذلك في طياته احتمالات تفجير متزايدة. لن
تحقق اي فائدة لواشنطن، وفي ضوء ما يجري على الارض، لا يستطيع احد
التكهن بما يمكن ان يحدث.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى

كل يوم
روح المقاومة توحد العراق !
(من الفلوجة للكوفة .. هذا البلد ما
نعوفه)!
هذه كانت هتافات الجماهير العراقية التي احتشدت امام مسجد ام القرى
حيث كانت صلاة الجمعة والخطبة الموحدة تأكيدا لوحدة الشعب العراقي
الوطنية في رفض الاحتلال ومقاومته.
خطيب المسجد اشاد بروح المقاومة والنضال، وشدد على ضرورة اخراج المحتلين
بشتى وسائل المقاومة، وحيا المجاهدين الشجعان، وتعالت هتافات المصلين،
بعد الصلاة ضد الطغيان الاميركي والاحتلال والعسف والجريمة.
وهذه الاحداث مرتبطة بالتطورات الكبيرة التي شهدتها سائر المدن والقرى
العراقية عشية الذكرى الاولى لاحتلال العراق التي اظهرت العراقيين
موحدين متماسكين ضد القوى الغازية والسلطات الاحتلالية.
والذين راهنوا على تفسخ هذه الوحدة العراقية ردت الاحداث والانتفاضات
الشعبية في الفلوجة والرمادي وفي الناصرية وديالي، وفي الكوفة ومدينة
الصدر وكربلاء، والنجف والكوت والموصل وبعقوبة وكركوك، ردت كيدهم
الى نحورهم! واثبت العراقيون عمق انتمائهم لوطنهم وامتهم وايمانهم
بحقهم في طرد المحتلين واستعادة سيادتهم على وطنهم ومقدراتهم.
واذا كانت الهجمة الاميركية الشرسة قد واجهت صدا عنيفا في مختلف
مدن العراق وبلداته واريافه، فإن استعداد الشعب العراقي المجاهد
للتضحية والفداء فاق كل توقعات المراقبين وابطل تحليلات المحللين
المعتمدين على معلومات المخابرات الاميركية المركزية وعملائها، وهذا
ما تعكسه أعداد الضحايا من شهداء وجرحى، وآثار الدمار الهائل الذي
اسفر عنه الهجوم الاميركي الواسع على مدن الفلوجة والكوفة والنجف
والكوت .. وسواها.
واذ يؤكد الشعب العراقي كله رفضه للاحتلال وستصر ارادته على كل اعدائه
واعداء امته، فإن الذين راهنوا على الاستسلام، واستقبال الاحتلال
وقواته بالورود والذين ظنوا ان شراء الذمم يكفي، وان عضوية مجلس
الحكم، او المنصب الوزاري او استرضاء الطوائف سيجعل العراقيين يقبلون
بالأمر الواقع، ثم يصطرعون على نتائجه، وينقسمون ويتمزق وطنهم اربا
اربا فرقا واشياعا، طوائف وشعوبات، هؤلاء جميعا خاب فألهم واسقط
في يدهم وهم يرون المعارك الطاحنة تدور ضد قوات الاحتلال في كل العراق
، وان العراقيين يديرونها بأنفسهم وانهم ليسوا بحاجة الى تنظيم (القاعدة)
او اي فئة من خارج بلادهم للدفاع عن وطنهم المستباح بأيدي القوات
الاميركية وحلفائها والمرتزقة الذين جاءوا معها او تخفو بملابسهم.
وعشية الذكرى الاولى للاحتلال ولما سماه الاعلام الاجنبي بـ(تحرير)
العراق من نظام صدام حسين، تشتعل الارض العراقية كلها تحت اقدام
المحتلين وتتصاعد المقاومة، وتمتد لتشمل سائر ابناء الشعب العراقي،
وتتأكد قدرتهم العالية على الدفاع عن وطنهم واهلهم وحريتهم واستقلالهم
وسيادتهم الحقيقية ويظهرن اعلى درجات الاستعداد للتضحية والفداء،
وتعلو راية العراق الموحد الواحد على كل الرايات، وتتجه كل البنادق
نحو العدو الحقيقي: المحتل الاجنبي بسائر تشكيلاته وتجلياته بقيادة
الولايات المتحدة، لتحرير العراق من هذا الاحتلال المجرم.
يبقى ان نشير الى ان القوات المحتلة الغازية ترتكب الجريمة تلو الجريمة
وتزيد عسفها واستهدافها المباشر للمدنيين وللنساء والاطفال خصوصا،
وتستبيح المساجد والكنائس والمعابد، ولا تحفظ حرمة للمساكن والبيوت،
ومع ذلك، لا نجد في الأجواء العربية الرسمية غير هذا الصمت المريب،
وان جرى احتجاج او استنكار فهو في غاية الخجل ومنتهي الدبلوماسية
والرقة !!
وعشية ذكرى احتلال العراق، وفي الوقت الذي تتصاعد فيه المقاومة ويشتد
الهجوم الاميركي العدواني على الشعب العراقي كله، نود ان نذكر الغافلين
او المتغافلين ان هذا الصمت والحياد لن يفيدهم وان العراقيين الذين
يصيحون اليوم: يا وحدنا، مثلما صاح الفلسطينيون من قبل، وهم يواصلون
صيحتهم الآن، يذكرونهم بأنهم لن يكونوا بمنجاة من العصا الاميركية
الغليظة، ويومها سيكرر الاخرون مثل هذه الصيحة، وقد يكون بعد فوات
الأوان !
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

باختصار
أوراق بريمر وتواريخه
تتسابق مواعيد بريمر في العراق حتى لكأنها
تضج من الاحتمالات : اما ان تتحقق وسيكون ذلك مكلفا وباهظا واما
ان يتسمم الجو العراقي فيكون المخرج ممكنا لكنه غير آمن . ومواعيد
المسؤول الاميركي ليس وحده من يسعى لتنفيذها بقدر ماهو القسم الاعظم
من مجلس الحكم الذي تورط بالموافقة الاجبارية .. فلقد اعلم بريمر
ذلك المجلس بالمخطط في وقت كانت فيه القوت الاميركية تشن حملتها
المسعورة على الفلوجة وغيرها لاثبات طول اليد الاميركية ولابلاغ
العراقيين الاخرين ان من يذهب بعيدا في طموحاته سوف يلقى المصير
ذاته.
مجلس الحكم كان كعادته اذن مثل الزوج المخدوع، أي آخر من يعلم ،
لاهم ان تم اعلامه قبلا او جاء متأخرا المهم لدى الاميركيين ان يتم
تنفيذ روزنامة التواريخ .. فالثلاثون من يونيو ينتظر على احر من
الجمر والاميركيون بعد ان اكتووا بنار العراقيين يسعون لـ(تنظيف)
الساحة العراقية من كل معضلة او قوة تشكل حرجا لمن سيليهم في العراق
. ومن سيحكم الشارع العراقي هم العراقيون كما هو مفترض في طبيعة
الاتفاقات غير المتفق عليها والمفروضة بقوة الاحتلال ، الا ان العراقيين
القادمين الى السلطة بالاختيار الاميركي يريدون بلدا خاليا من المعترضين.
اندفع الموظف بريمر في حربه المفتوحة التي قد لاتنتهي بسهولة ليؤشر
لادارته وللمنتظرين من اهله في العراق ان الاشهر الثلاثة المتبقية
على الموعد المضروب هو ضرب الحديد وهو ساخن . فتح الازمات الان تحت
الراية الاميركية وبقدراتها افعل من أي تحرك بعد الثلاثين من يونيو.
المهم بالنسبة اليه ان يقدم آخر تسعين يوما من حكمه على كل الايام
التي (حكم) فيها وساهم في (التغيير) والتبديل وفي التعيين وفي الخلع.
يريد بريمر ان يجد نفسه بعد الثلاثين من يونيو وهو في الطائرة التي
تقله عائدا الى بلاده (مظفرا منتصرا) محققا (الامن والامان والسلام)
في العراق ممكنا العراقيين من حكم انفسهم قدر الامكان دون ان يعني
ذلك ان تنسحب القوات الاميركية التي بشر وزير الدفاع الاميركي بان
اعدادها سوف تزيد.
رب سائل يبحث عن جواب : اذا جاء الموعد وهلت التواريخ المعنونة ولم
يتحقق الاستقرار في العراق بل لم تستطع القوات الاميركية حسم الموقف
وهو على كل حال من الخيارات التي لن يتمكن الاميركيون من حسمها فما
الذي سيفعله بريمر؟ اغلب الظن انه سيرمي بما لديه من عراقيين جاهزين
لدور ويقوم على سحب قواته من الطرقات ومن الشوارع تاركا الامر لحرب
مجهولة بين العراقيين انفسهم . من الطبيعي ان يتعامل المقاومون مع
العراقيين التابعين لبريمر بالكيفية ذاتها التي تعاملوا بها مع القوات
الاميركية : المتعاملون مع الاحتلال يعاملون معاملته. وبذلك تقع
بوادر الحرب الاهلية التي مازال يحذر منها كثيرون ويرون بان بريمر
يندفع في هذا الاتجاه اذا ماخاب امله في تحقيق تواريخه.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

الشراع الآخر
مصلحة العراقيين أولا
اي مقاومة تشرع في العمل ضد قوات محتلة لابد
ان يقوم عملها على اساس برنامج واضح وتنسيق كامل مع كافة الفصائل،
ولا تكون المقاومة عملا من اعمال رد الفعل على حادث او مؤامرة لاثارة
المقاومين واخراجهم من مكامنهم بهدف اصطيادهم واحدا تلو الآخر.
وما يحدث في العراق الآن من عمليات مقاومة غير منسقة يطرح تساؤلات
عدة لان الفعل ورد الفعل يحمل عناوين متعارضة، فبينما تتعرض مناطق
في الوسط مثل الفلوجة لعمليات انتقامية تحت تعتيم اعلامي شديد وحصار
محكم من جانب القوات الاميركية نجد انصار الصدر يثورون لاتهامه في
قضية مقتل عبدالمجيد الخوئي ثم يصمتون لانه طلب اليهم ذلك بعد ان
اعلن في وقت سابق عن (ارهاب العدو) وفي نفس الوقت يرى مجلس الحكم
في بغداد ان ما يقوم به انصار الصدر هو نوع من الفتنة واثارة المشاكل
والشغب، وبعض اتجاهات الرأي ربطت من طرف خفي بين اعمال (الشغب) تلك
وبين تنظيمات مرتبطة بالقاعدة وهدفها ايقاف تقدم العراق نحو الديمقراطية
والحرية. ذلك بينما يظهر طرف ثالث في (المثلث السني) يعتبر ما يحدث
في الشارع العراقي من انتفاضة ومواجهات دموية نوعا من المقاومة وان
استهداف هؤلاء المدنيين المنتفضين هو بمثابة وصمة عار على جبين الائتلاف.
وهكذا يضيع الهدف الاساسي من كافة التحركات على ارض العراق للحفاظ
على وحدته وتماسك شعبه.
ومنذ اخذت الانظار تتجه نحو قيمة المنطقة العربية واهميتها الاستراتيجية
والاقتصادية وهي تجتذب الغزاة من كل حدب وصوب، وهؤلاء الغزاة يتخذون
لانفسهم عملاء يساعدونهم في تنفيذ مخططاتهم للهيمنة على الشعوب،
لكن مفهوم العمالة بدوره صار عرضة للتنظير والتفسير فمن قائل ان
مهادنة الاحتلال يعجل بانهائه او يخفف من وطأته على الشعب الواقع
تحت الاحتلال، الى قائل آخر بأن المصالح الشخصية هي التي تملي نهج
التعاون مع المحتل. وهكذا تأخذ التفاسير في التشعب والاختلاف، ونود
التأكيد على اننا لا نتهم احدا على الساحة العراقية بالعمالة، كما
اننا لا نريد القدح في عمليات المقاومة، لكننا نريد ان يكون كل توجه
مقاوم او مهادن هدفه الاول والاخير مصالح الشعب العراقي وليس انعكاسا
لمصالح فئوية او تسويات اقليمية، فالمحتل يسعى لتكريس الطائفية في
العراق حتى يؤجل ما استطاع من موعد رحيله، ويضفي بذلك ستارا كثيفا
على مخطط يجري على قدم وساق لنهب ثروات العراق ثم الادعاء في نفس
الوقت بأن الميزانية الاميركية او الدول المانحة تتحمل عبئا كبيرا
في اعادة الاعمار والاستقرار الى ذلك البلد الشقيق.
فاذا كانت المقاومة هي الوسيلة لاخراج المحتل فليكن التنسيق وتحديد
الاهداف اولا لخدمة الصالح العام للشعب العراقي، واذا كانت عمليات
المهادنة والتسويات والحلول الوسط مع قادة الاحتلال فليكن ذلك ايضا
تأسيسا على اهداف واضحة وجداول زمنية لا تتأثر بمؤثرات اخرى او تتعلل
بعلل امنية او مخاوف مستخفية او امتيازات فئوية.
ولعل من اللافت للانتباه تلك التسوية المفاجئة التي تمت بين انصار
الصدر وبين القوات البريطانية اختفى على اثرها المسلحون من مقر محافظة
البصرة دون ان تتحقق اهدافهم وبخاصة التوقف عن ادانة زعيمهم او الافراج
عن احد مساعديه او اعادة صدور صحيفة (الحوزة)، بينما تظل عمليات
حصار الفلوجة وتفجير مبانيها قائمة على قدم وساق. أليس امرا مثيرا
للتساؤل ان تشهد مدينة عراقية في الجنوب تسوية سلمية سهلة مع قوة
احتلال بينما تشهد مدينة اخرى في الوسط كل هذا الدمار دون انصات
لاي مطالب بفك الحصار او اللجوء للتسوية؟.
محمد عبدالخالق
jawaber@hotmail.com
أعلى

أصداف
عام آخر من الاحتلال
هناك تشابه واختلاف، في مجريات الأحداث في
العراق، خلال الأيام، التي سبقت بداية العام الأول من الاحتلال الأميركي،
في التاسع من أبريل عام 2003، وبداية العام الثاني من الاحتلال،
الذي يبدأ في نفس اليوم من عام 2004، أوجه الشبه، أن المدن العراقية
تعيش حالة حرب، الطائرات تجوب الأجواء، والمدن تتعرض للقصف، وتبث
وكالات الأنباء تقاريرها عن الضحايا، الذين يسقطون بين المدنيين،
كذلك يشاهد العالم صور الأطفال والنساء والشيوخ، الذين يسقطون قتلى
بالنيران الأميركية.
قبل أن يبدأ العام الأول من عمر الاحتلال،
كانت الصورة ضبابية، ولم يكن بمقدور أحد أن يتنبأ بما سيحصل في العراق،
الذي قررت الولايات المتحدة احتلاله، دون وجود غطاء من الأمم المتحدة،
مستندة إلى ذريعة أسلحة الدمار الشامل، وإمكانية استخدامها من قبل
العراق ضد الدول والشعوب.
لم يتمكن أحد من إيقاف السيل الأميركي الجارف، أو بالحقيقة، لم يكن
هناك التحرك العربي والإسلامي والدولي، الذي يرقى إلى مستوى الردع،
بل أن الغالبية التزموا الصمت، وأخذوا دور المتفرج، وكأن الذي سيحصل
مجرد سيناريو يتم تنفيذه في استوديوهات هوليود العملاقة، ولن يصيب
بنية وكيان بلد ذا سيادة، ويمتلك هذا الإرث من الثقافة والحضارة،
وكأن المخطط سيتحرك بعيداً عن قتل الناس وتدمير المنازل وإحراق ذاكرة
العراق.
كانت الأيام القليلة، التي سبقت احتلال بغداد، بمثابة الفيلم السينمائي
اليومي، الذي يثير اهتمام العالم، ولا يحرك في دواخل الكثيرين، سوى
مشاعر الشفقة على شعب يتم ذبحه بطريقة عجيبة.
النار تشتعل في كل مكان، الدماء تسيل على الأرصفة وداخل البيوت وتتناثر
الأشلاء على الجدران، هكذا كانت الصورة، قبل أن يبدأ العام الأول
من الاحتلال.
وقبل أن يبدأ العام الثاني من الاحتلال، يعيش العراقيون الحرب بكل
تفاصيلها، لكن هذه المرة، تقف أسلحة من نوع ار بي جي والهاونات بأنواعها،
والمتفجرات والأسلحة الخفيفة، تقف في وجه الدبابات والهامفي والمدرعات
الضخمة وطائرات الاباتشي وطائرات الاستطلاع والطائرات المقاتلة،
وأجهزة الاتصالات المتطورة، وهيبة أميركا العسكرية، ومع ذلك فأن
الحرب تأخذ أبعاداً خطيرة، ويسقط الجنود الأميركيون بالعشرات يومياً
بين قتلى وجرحى.
أوجه التشابه واضحة للعراقيين، الذين عاشوا أيام الحرب الأميركية
على العراق، ويعيشون اليوم حرب المقاومة على أميركا وقواتها في العراق.
أوجه الاختلاف، أن هيبة أميركا تتآكل وتتهاوى بسرعة، وأن ذلك ينذر
بأخطار هائلة تهدد جسد الاحتلال مع بدء عامه الثاني.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

التضامن العربي من أجل...
نحتاج في زمننا العربي إلى الاستثمار في العمل
العربي المشترك بمسؤولية ووعي، ويحتاج ذلك إلى قاعدة بيانات والتزام
وإلى مكنون الذاكرة لعل الذكرى تنفع المؤمنين وتنير القلوب والبصائر.
في الثالث عشر من شهر إبريل عام 1950 وقعت سبع دول عربية بالأحرف
الأولى على معاهدة للدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، وكان ذلك
ترجمة رسمية لمطالب ومشاعر شعبية عربية جُرِحت في الصميم بعد هزيمة
عام 1948 وقيام دولة صهيونية في فلسطين، وتحقيقاً لتطلع قومي مشروع
في إطار جامعة الدول العربية التي كانت قد تأسست قبل ذلك، لتحقيق
تنسيق وتعاون عربيين يؤديان إلى:
- تكوين قوة عربية قادرة على رد العدوان عن أقطار الوطن العربي،
وكان العدوان ماثلاً ومجسداً بالكيان الصهيوني بالدرجة الأولى.
-إيجاد أرضية فعلية وضمانة حقيقية للسلام والأمن والاستقرار والتعاون
بين الأقطار العربية، وردع أي محاولة من دولة عربية للسيطرة على
دولة عربية أخرى، أو للعدوان عليها والتجاوز على أراضيها وسيادتها
ومصالحها.
وفي السابع عشر من شهر يونيو عام 1950 وفي قصر (انطونيوس) بالإسكندرية
وقعت ست دول عربية وهي: الأردن- سوريا - السعودية - لبنان- مصر-
اليمن، على تلك المعاهدة التي نصت المادة الأولى منها على ما يلي:
تؤكد الدول المتعاقدة، حرصاً على دوام الأمن والسلام واستقرارهما،
عزمها على فض جميع منازعاتها الدولية بالطرق السلمية، سواء في علاقاتها
المتبادلة فيما بينها أو في علاقاتها مع الدول الأخرى.
ولم يوقع العراق الاتفاقية في ذلك اليوم، بل وقع عليها في 25 ربيع
الثاني 1370هـ الموافق 2 فبراير 1951م بعد التوقيع على بروتوكول
إضافي تضمن النص على تأسيس هيئة استشارية عسكرية، والنص في المحاضر
على تصريح أدلى به نوري السعيد رئيس الوزارة آنذاك، أكد فيه أن القرارات
التي يتخذها مجلس الدفاع المشترك بأكثرية الثلثين وتغدو ملزمة حسب
المادة السادسة لا تسري على ما ورد في الفقرة الأخيرة من المادة
الرابعة والتي تنص على ما يلي:
رغبة في تقييد الالتزامات السالفة الذكر على أكمل وجه تتعاون الدول
المتعاقدة فيما بينها لدعم مقوماتها العسكرية وتعزيزها، وتشترك بحسب
مواردها وحاجاتها في تهيئة وسائلها الدفاعية الخاصة أو الجماعية
لمقاومة أي اعتداء مسلح.
ومن الملاحظ أن الاعتراض الذي أقر يتضمن منفذاً للتملص من أي التزامات
مالية للدفاع الجماعي قد تُفرض بالأكثرية ويدفع العراق من جراء مبالغ
كثيرة حسب موارده التي كانت كبيرة قياساً لسواه من الأقطار العربية
في ذلك الوقت.
وكان الدافع الرئيسي، وراء تلك المعاهدة، درء الخطر الخارجي وضم
الصفوف، ولكن الدول العربية لاحظت بوضوح التهديد الداخلي لجبهتها
وقواتها الناشئ عن العلاقات العربية- العربية، وصلات الدول العربية
بعضها ببعض وما يعتور تلك الصلات من خلل وأطماع وأفعال ستؤدي، إن
لم تعالج، إلى إضعاف الصف العربي من جهة وضرب القوة العربية بأخرى
عربية من جهة أخرى، الأمر الذي يريح العدو ويزعزع الثقة والاطمئنان
والاستقرار، ويمنع كل أشكال التقدم والبناء على طريق الاستعداد للتحرير
والإعداد له عربياً. وربما تأكيداً لكل ما نص عليه ميثاق جامعة الدول
العربية، ومعاهدة الدفاع المشترك، وتعبيراً عن القلق وعدم الاطمئنان
إلى الوضع العربي الداخلي، جاءت توصية واضحة في مجلس الدفاع العربي
المشترك 4-9سبتمبر 1953 تقول: لسلامة الجبهة الداخلية للدول العربية
وتوحيداً للشعور العام بين شعوبها وقت الحرب والسلم، بحيث تكون قضية
كل منها قضيتهم جميعاً، يوصي المجلس الدول الأعضاء ألا يصدر من أي
منها أي أعمال مادية أو معنوية يُشْتَمّ منها عدم تأييد قضية الدول
الأخرى.
ويوصي المجلس الدول الأعضاء والأمانة العامة لاتخاذ جميع وسائل الإجراءات
المفيدة لتوجيه الشعور العام عن طريق الإذاعة والنشر أو أي واسطة
أخرى لتحقيق التعاون بين الجماعات والإفراد داخل الدول وتجنب الانتقادات
الضارة وكل ما من شأنه إضعاف الروح القومية وبث الفرقة بين الحكومات
والشعوب أو تشجيع العناصر الهدامة.، فقد كانت الأجواء السياسية العربية
تنذر بالكثير.
انضمت إلى المعاهدة المغرب في 13يونيو 1961 وأعلنت دولة الكويت وثيقة
انضمامها إلى المعاهدة وملحقاتها في 12 أغسطس 1961م بتوقيع الأمير
عبد الله السالم الصباح. ومرت سنوات النصف الأول من عقد الخمسينيات
والوضع العربي يترجّح بين انقلاب وانقلاب، وصفوة وجفوة، على صعيد
الأقطار العربية التي كانت قد وقعت المعاهدة. وجاء عدوان السويس
1956 ليمتحن هذه المعاهدة وليكشف الضعف العربي وسوء الإعداد والاستعداد
لمواجهة العدوان، وبدأت خطوات لمعالجة أوضاع محددة للوصول إلى أرضية
واقعية لتعاون عربي حقيقي يملك مصداقية في ساحتي الفعل والمواجهة.
ويظهر بجلاء أن بحثاً عربياً عن وسائل لترميم ثغرات في المعاهدة
قد بدأ، وصولاً إلى أوضاع عربية أفضل، كما يظهر أن التحفظات التي
سبق وأشرت إليها أخذت تبرز عملياً لتشكل معوقاً ملموس النتائج ينعكس
سلبياً على العمل العربي المشترك.
ففي 19يناير1957 وضعت أول اتفاقية للتضامن العربي انطوت على ترجمة
مادية ملموسة لتوجه يأخذ بالاعتبار واقع بعض الساحات العربية- الأردن-
ويرمي إلى معالجته، وجاء في تلك الاتفاقية:
إن حكومات المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية
والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، إدراكاً منها للمسؤوليات
الجسام الملقاة عليها للمحافظة على الكيان العربي واستقلاله، واستجابة
لرغبة شعوبها وإيمانها بالتضامن لتحرير الوطن العربي المنشود، وإسهاماً
في صيانة الأمن والسلام وفقاً لمبادئ ميثاق جامعة الدول العربية
وميثاق الأمم المتحدة، ورغبة منها في عقد اتفاقية لتقوية التعاون
وتنسيق الجهود في سبيل هذه الغايات.
مادة 1: تشترك حكومات الجمهورية العربية السورية والمملكة العربية
السعودية وجمهورية مصر في تكاليف الالتزامات التي تقع على عاتق حكومة
المملكة الأردنية الهاشمية نتيجة لسياسة التعاون والتضامن في تدعيم
الكيان العربي واستقلاله بمبلغ إجمالي قدره اثنا عشر مليونا ونصف
المليون من الجنيهات المصرية سنوياً أو ما يعادلها ويطلق عليه تعبير
الالتزامات العربية.
وينظم الملحق لهذه الاتفاقية، الذي هو جزء متمم لها، توزّع هذه المساعدات
على الحكومات المشتركة وكيفية تقديمها.
تخصص حكومة المملكة الأردنية الهاشمية المساعدات العربية للقوات
المسلحة الأردنية الهاشمية بما فيها قوات الحرس الوطني وإعدادها.
مادة 4: عقدت هذه الاتفاقية لمدة عشر سنوات من تاريخ نفاذها وإذا
لم تعدل قبل انتهاء هذه المدة باتفاق الحكومات المتعاقدة تظل نافذة
المفعول إلى حين انتهاء أجلها وبعد ذلك بانقضاء سنة من تاريخ تقديم
إحدى الحكومات المتعاقدة للحكومات الأخرى بالطرق الدبلوماسية إخطاراً
بالانتهاء.
مادة 5: يصدق على هذه الاتفاقية وفقاً للأوضاع الدستورية المرعية
في كل من الدول المتعاقدة وتصبح نافذة من تاريخ تبادل وثائق التصديق
على أن يتم تبادل هذه الوثائق في القاهرة.
ولنا أن نتساءل عن أسباب غياب العراق عن هذه الاتفاقية وهو الدولة
الجار للأردن والملتزم بخط التحرير؟ كما أنه لنا أن نتساءل: لماذا
لم تسد معاهدة الدفاع المشترك مثل هذه الثغرة، ولم لم تأخذ طريقها
إلى التحقيق والحضور بفاعلية في ساحة المواجهة العربية؟! ولمَ ران
الصمت على عدم الوفاء بالالتزامات من أطراف كثيرة؟.
نعرف جيداً التحركات العربية والأجنبية التي جاءت بعد ذلك، والخطوات
التي دفعت إلى وحدة سوريا ومصر، وإلى مواجهة تلك التجربة العربية
الرائدة وإحباطها. وبعد الانفصال دخل العمل العربي طريقاً شبه مسدودة،
وبرزت حاجة ماسة لشكل من أشكال الوفاق والعمل العربيين على صعيد
واقعي فعال، وكان ذلك حاجة شعبية ورسمية عربية حيث صدر ميثاق التضامن
العربي عن القمة في 5 سبتمبر 1965 ونص على ما يلي:
إيماناً بضرورة التضامن بين الدول العربية ودعم الصف العربي لمناهضة
المؤامرات الاستعمارية والصهيونية التي تتهدد الكيان العربي، ويقيناً
منا بالحاجة القصوى لتوفير الطاقات العربية وتمهيداً لتعبئة القوة
لمعركة الكفاح لتحرير فلسطين، وإيماناً بالحاجة إلى الانسجام والوفاق
بين الدول العربية لكي يتسنى لها أن تلعب دوراً فعالاً في إقرار
السلام، ورغبة منا في توفير جو يسوده روح الود والإخاء بين البلاد
العربية حتى لا يتمكن الأعداء من أن يفتّوا في عضد الأمة العربية.
فقد التزمنا نحن ملوك ورؤساء الدول العربية في مؤتمر القمة المنعقد
بالدار البيضاء بين 13، 17/9/1965 بما يلي:
أولاً: العمل على تحقيق التضامن في معالجة القضايا العربية وخاصة
قضية تحرير فلسطين.
ثانياً: احترام سيادة كل من الدول العربية، ومراعاة النظم السائدة
فيها وفقاً لدساتيرها وقوانينها وعدم التدخل في شوؤنها الداخلية.
ثالثاً-مراعاة قواعد اللجوء السياسي وآدابه وفقاً لمبادئ القانون
والعرف الدولي.
رابعاً- استخدام الصحف والإذاعات وغيرها من وسائل النشر والإعلام
لخدمة القضية العربية.
خامساً- مراعاة حدود النقاش الموضوعي والنقد الباني في معالجة القضايا
العربية، ووقف حملات التشكيك والمهاترة عن طريق الصحافة والإذاعة
وغيرها من وسائل النشر.
سادساً- مراجعة قوانين الصحافة في كل بلد عربي بغرض سن التشريعات
اللازمة لتحريم أي قول أو عمل يخرج عن حدود النقاش الموضوعي والنقد
الباني، من شأنه الإساءة إلى العلاقات بين الدول العربية أو التعرض
بطريق مباشر أو غير مباشر بالتجريح لرؤساء الدول العربية.
ومن المفيد التأمل في مرمى وأبعاد الفقرتين الثانية والسادسة من
الميثاق لما لهما من دلالات، وللوقوف على ما تكشفان عنه من علل الساحة
العربية وأدوائها المزمنة، وما تنذر به تلك الساحة من مشكلات وأزمات
وصراعات، لأسباب وأوضاع عديدة تسيطر على علاقات حكوماتها بعضها ببعض.
ومنذ ذلك التاريخ حل التضامن العربي محل الطموحات العربية الكبرى:
الوحدة العربية- الدفاع المشترك، العمل العربي المشترك.. وأخذ ذلك
التضامن يصبح، شيئاً فشيئاً: مطلوباً في حدوده الدنيا، ثم أملاً
منشوداً، وبدأت محاولات التمسك به والحصول عليه، في خضم الصعوبات
والخلافات القطرية العربية، والتهديدات الأجنبية له، تلك التي كانت
ترمي دائماً إلى إضعافه وتقويضه، وإلى إقامة محاور أو اتفاقيات ثنائية
تعتمد على الغرب بالدرجة الأولى وتلغي الاعتماد العربي المتبادل.
في فترة زمنية قصيرة جداً فقط برز التضامن العربي عملاق التأثير،
كان ذلك في الربع الأخير من عام 1973 والنصف الأول من عام 1974 وقد
واكب حرب أكتوبر وسار في درب استثمار نتائجها. وإذا كان قد ضَعُف
في جوانب اقتصادية وعسكرية، فإن مظاهره الإيجابية، أو حتى ظواهره
إن شئت، استمرت لفترة أطول في تنسيق سياسي عزز العمل العربي المشترك
الذي أثر تأثيراً إيجابياً على قضية فلسطين في المحافل الدولية،
وأدى فيما أدى إليه، أدى إلى قبول فلسطين عضواً مراقباً في الأمم
المتحدة، وإلى اتخاذ القرار 3379 الذي أكد الطبيعة العنصرية للصهيونية،
وإلى حضور واستقطاب عربيين واسعين بدأ تأثيرهما يتسع لصالح القضايا
العربية لا سيما في إفريقيا وآسيا، وحقق مداخيل قومية عالية بعد
ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى غير مسبوق والتهديد باستخدامه سلاحاً،
وأسس في الوقت ذاته لمواجهة احتمالات استخدام هذا السلاح مستقبلاً
من قبل العرب، حيث بدأ التفكير بتشكيل قوة التدخل السريع الأميركية
ثم ايجاد المشكلات والصراعات المتصلة في منطقة الخليج التي أدت إلى
التدمير والاحتلال المباشر في العقد الأخير من زمننا العربي هذا.
ولم يدم وضع التضامن العربي الإيجابي ذك طويلاً، فقد تعرض التضامن
العربي إلى امتحان صعب جراء إضرام نار صراعات في مناطق مختارة من
الوطن العربي، كان لها تأثير وقوة استقطاب على الدول والاهتمامات
العربية بشكل كبير، وذلك في النصف الثاني من عقد السبعينيات:
- ففي جزء من بلاد الشام قامت حرب، في لبنان، وشغلت كثيرين من المعنيين
مباشرة بقضية فلسطين، السوريين والفلسطينيين واللبنانيين ومن دخل
على الخط من العرب في هذا المجال، وقد دامت الحرب على ساحة لبنان
أكثر من ستة عشر عاماً غصت بالمرارة والبؤس والقسوة والدمار.
-وفي المغرب العربي بدأت قضية الصحراء المغربية تتفاقم،وأعلن عن
قيام البوليزاريو ومن ثم الدولة الصحراوية التي شغلت المغرب والجزائر
وموريتانيا والجماهيرية بشكل خاص، وأقطاراً عربية أخرى، ووضعتها
في مواجهة خلافية استهلكت جهداً ومالاً وكثيراً من الأرواح وروح
الوفاق والتعاون العربيين ذاتها.
وكأنما كان الحدثان اللذان تما في كل من لبنان والمغرب، وكذلك التهديد
الغربي باحتلال منابع النفط في السبعينيات، كأنما كان كل ذلك تمهيداً
لايجاد جو ملائم لتحقيق تفكيك عربي بالغ الأثر وايجاد مناخ إحباط
يؤديان معاً إلى وضع عربي يساعد على نجاح الحدث الكبير الذي سدد
ضربة لأهداف التضامن ذاته في تلك الفترة، فضلاً عن إخلاله بوحدة
الصف وبالمعيارية القيمية القومية لمعالجة القضايا العربية الرئيسية
معالجة جماعية على أساس ميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الدفاع
المشترك، والتضامن العربي؛ أعني بذلك كامب ديفيد واتفاقياته، وما
أسفر عنه ذلك من أثر في الساحة العربية وعلى القضية المركزية للنضال
العربي، قضية فلسطين، حيث تم تحييد مصر تحيداً أضر بالموقف العربي
كله.
لقد كان العمل العربي في بدايته من أجل النهضة والتحرير والدفاع
عن النفس، وأصبح التضامن العربي الذي كان أحد الحدود الدنيا للعرب
في وقت ما من أرفع سقوف تلك المطالب إن لم يكن أرفعها اليوم؟! ويزداد
الأمر سوءاً في مناخ العمل العربي المشترك في زمن المحنة هذا حيث
يصبح عقد قمة للتداول في المشاكل من الأمور ولإجراء إصلاحات حيوية
وضرورية عسيراً إلى درجة مؤلمة في ظروف عربية مهلكة يتناول فيها
الأعداء أقطارها وشؤونها من كل جانب بالاحتلال والتشويه والاستقطاب
والإذابة وتزوير الشخصية وفرض التبعية المزرية.
فهل من أمل يتركز في الوجدان والفكر ومجالات العمل والمصالح العليا،
يفضي إلى وضع عربي نعود فيه إلى الوراء العربي المتقدم على الأمام
العربي الذي نحن فيه اليوم؟!
إن معظم أبناء الأمة ينتظرون ذلك، ويحزنون أشد الحزن للخلافات العربية
على مستوى القمة التي تحبطهم وتضر بحاضر الأمة ومستقبلها، وتفتح
مغاليق أبوابها أمام الأعداء والمحتلين ومن يرمون إلى تغييب ثقافة
الأمة وعقيدتها وتشويه أدائها عبر التاريخ وجعلها تحت هيمنة العدو
المحتل والطامع المحتمل.
فهل إلى وعي يتجسد عملاً عربياً منقذاً من سبيل؟!
علي عقله عرسان
alorsn@net.sy
الامين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب
أعلى
العودة للعبة رسائل الضمانات والتطمينات
الوفد الأميركي الذي زار إسرائيل والأراضي
الفلسطينية مؤخرا والتقى مع شارون وأركان حكومته، لإجراء مباحثات
حول خطة شارون للفصل الأحادي الجانب قبل زيارة شارون لواشنطن منتصف
الشهر الجاري، ومن ثم لقائه مع وفد من الحكومة الفلسطينية برئاسة
رئيسها احمد قريع أبو علاء حمل أكثر من دلالة من ناحية التوقيت،
ومن ناحية المضمون، بمعنى التحول في موقف الإدارة الأميركية من رفض
فكرة الخطة من حيث المبدأ الى قبول مناقشة الخطة والدخول في مساومات
مع شارون بشأنها. ومابين الموقف الأول والثاني والذي لم يحدث صدفة
وقعت جملة من التطورات قد يكون من المفيد التوقف أمامها .
- ازدياد حدة الصراع والمنافسة على كرسي البيت الأبيض خاصة بعد أن
حسم الحزب الديمقراطي خياره باختيار مرشحه للرئاسة والذي تشير كافة
استطلاعات الرأي عن تقدمه على الرئيس الحالي ، وتمتعه بفرص للفوز
في نوفمبر القادم .
- تفاقم مأزق الإدارة الأميركية في العراق بعد بداية المتغيرات المرتقبة
بالموقف الأوروبي ، بانتصار الحزب الاشتراكي في الانتخابات وخسارة
بوش لحليف أوروبي قوي دعمه بالحرب العدوانية على العراق ورغبة الحكومة
الجديدة بالانسحاب من العراق ، مما يعني بداية تقويض لتحالف بوش
الدولي الذي قاده لاحتلال العراق ، هذا علاوة على المأزق الأمني
للقوات الأميركية وتصاعد حدة المواجهة مع المقاومة العراقية ، وفشل
حلفاء بوش داخل العراق من الإمساك بزمام الأمور، وتشكيل قوة يعتد
بها لاستلام السلطة بعد نقلها لهم من القوات الأميركية.
إن مشاهد قتل الجنود الأميركيين والتمثيل بجثثهم، وتزايد التوابيت
التي تصل للمدن الأميركية بات أمرا مقلقا لإدارة بوش وينذر بمزيد
من التحول بموقف الناخب الأميركي.
- فضائح إدارة بوش حول الأسباب التي دعت للحرب على العراق، وكذلك
بالعقود التي حصلت عليها شركات تمت بصلة للرئيس ونائبه لإعادة إعمار
العراق ، علاوة على فتح ملف أحداث 11 سبتمبر واستعداد الإدارة له
وعلمها المسبق عنه .
إن جملة المتغيرات قد وضعت إدارة بوش أمام خيارات صعبة، فهي من جهة
لا تريد ولا تستطيع الدخول في صراع مكشوف مع شارون في هذا الوقت
بالذات لحاجتها الماسة له، من خلال تأثيره الكبير على جماعات الضغط
اليهودية التي بحاجة بوش لأموالها ولأصواتها في حملته الانتخابية
التي تبدو متعثرة، كما إنها لا تستطيع الموافقة على خطته ومشروعه
بإنهاء خطة خارطة الطريق التي هي عنوان للإدارة الأميركية في سياستها
الخارجية والذي من خلالها تدير علاقاتها العربية من جهة، وتوجه رسائل
الى الجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة الأميركية
والتي تزايد حجم تأثيرها ونفوذها عما كانت عليه بالانتخابات السابقة
، وقد يكون احد أسباب هذا التحسن الشعور بالاضطهاد والتمييز الذي
يمارس ضدهم وبحقهم لكونهم عرب او مسلمون.
في ظل هذا التعقيد الذي تواجهه إدارة بوش بالوضع الداخلي وارتباطا
بتأثير الأوضاع الخارجية عليه ، فإن الإدارة الأميركية كانت اقرب
الى ما يمكن وصفه بحملة إدارة الصراع في المنطقة ووضعه تحت السيطرة
، ومنعه من التفجر ، والوصفة السحرية لذلك هي العودة لممارسة السياسة
المزدوجة القديمة التي مارستها إدارة بوش الأب ، بتقديم رسائل ضمانات
لكلا الطرفين ، تحمل مضامين وتعهدات مبنية على الغموض البناء تبدو
فيه التعهدات متوافقة ، إلا أنها في الواقع غير ذلك وتحمل تعهدات
مختلفة ، ويكون نصيب الطرف الإسرائيلي من التنفيذ الأوفر حظا كما
جرى في ورقة ضمانات مفاوضات واشنطن التي أعطيت للقيادة الفلسطينية
، وحكومة شامير في ظروف مشابهة الى حد كبير عما هي عليه الآن .
وبصرف النظر عن اللقاءات البروتوكولية مع الجانب الفلسطيني التي
حرصت الوفود الأميركية ذات التركيب المكرر التي زارت المنطقة مرتين
خلال شهر تقريبا على عقدها فإنها في واقع الأمر لم تقدم أي إجابات
وافية وجدية عن التساؤلات والقلق الفلسطيني المشروع عما يدور من
مفاوضات بين الإدارة الأميركية وحكومة شارون على شأن يخص الشعب الفلسطيني
ومعنية بالتفاوض عنه وحوله القيادة الفلسطينية الشرعية المنتخبة
والمعترف بها عربيا ودوليا .
ما تقدم به الوفد الأميركي من إجابات مضللة وغير كافية بإنه لم تعرض
خطة إسرائيلية متكاملة وإنما مجموعة أفكار وتصورات ، هو الوجه الآخر
للمراوغة والتفاهم الأميركي الإسرائيلي ، القائم على وهم التوصل
لاتفاق بين الطرفين يمكن أن يفرض على الجانب الفلسطيني بعد أن يتمم
كسب الوقت حتى نهاية الانتخابات الأميركية في نوفمبر القادم ، ويواصل
شارون سباقه مع الزمن بإقامة جدار الفصل العنصري الذي ينهب الأرض
الفلسطينية ويحولها الى كانتونات أسوأ مما كانت عليه زمن الفصل العنصري
في جنوب أفريقيا .
إن شعور الإدارة الأميركية انه من الممكن تقطيع الوقت على حساب الفلسطينيين،
وبما في ذلك تقطيع أراضيهم واغتيال حلمهم بالحرية والاستقلال، ينبع
أساسا من الإدراك العميق لديها لواقع النظام الرسمي العربي الذي
فشل فشلا ذريعا لضمان الحفاظ على وحدته الشكلية بعقد القمة السنوية
التي هي عنوان لبقائه واستمراره، غير أن القراءة الأميركية لواقع
النظام الرسمي العربي ومظاهر ضعفه وتفككه وهو أمر مغر بالنسبة لها
للتمادي في تجاهلها للحقوق الفلسطينية والعربية،إلا أنها تقع في
وهم إمكانية قبول الفلسطينيين لهذا الواقع المفروض الذي لن يصنع
حلا لا شاملا ولا دائما، علاوة على أن الوضع العربي لا يمكن قياسه
من خلال طابعه الرسمي ، بل من قواه الفاعلة والحية التي نقدم كل
يوم مؤشرات عن أيام حبلى بمتغيرات لا يمكن التكهن بمدياتها وإبعادها
.
إن حلا مفروضا ويتجاهل الشعب الفلسطيني وحقوقه وقيادته الشرعية ويتم
مابين أطراف لا تملك حق التصرف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني،
يضع القيادة الفلسطينية أمام تحديات كبيرة ومصيرية ، قد يكون احد
مفاصلها الرئيسية التحرك لإعادة إحياء صيغة التضامن العربي والتحرك
للحفاظ على النظام الرسمي العربي بحدوده الدنيا على قاعدة أن فلسطين
عامل موحد وقاسم مشترك أعظم ، كذلك التحرك السريع لإيصال رسالة واضحة
ومفهومة وبدون لبس لاجتماعات ولفاءات البيت الأبيض منتصف الشهر الجاري
، إن خيار الفلسطينيين للسلام يعني التمسك بقرارات الشرعية الدولية
وبالبدء بتطبيق خطة خارطة الطريق التي هي أخر قرارات الشرعية الدولية،
ورفض أي مشاريع للانتقاص من الانسحاب الشامل من الأراضي الفلسطينية
بما في ذلك وقف وتفكيك الاستيطان ووقف العدوان على الشعب الفلسطيني
، إن هذه الرسالة الواضحة والمفهومة ينبغي أن تترسل وعلى أعلى المستويات
وبالتنسيق مع كل من الأشقاء في مصر والأردن المدعوين لواشنطن ، وخاصة
أيضا في ظل الحديث عن دعوة وفد وزاري فلسطيني لواشنطن بعد زيارة
شارون للقاء مستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس ، وذلك من اجل قطع
الطريق على رهانات على حلول إقليمية تدعم وتسهل خطة شارون وتظهر
بالضبط أن مصلحة الأطراف العربية مجتمعة هي بحل سياسي قائم على أساس
تطبيق قرارات الشرعية الدولية لأنه الضمانة الأكيدة للأمن والاستقرار
في المنطقة .
د.أحمد مجدلاني
كاتب فلسطيني
أعلى
9/4/2003 يوم للحزن
قبل عام كان العالم يحبس الأنفاس، فقوات العدوان
الأميركية والبريطانية كانت تشن حربها المعلنة بهدف احتلال العراق،
وكانت الأنباء القادمة من جبهات القتال تقول بأن القوات الأميركية
استطاعت أن تحتل المطار الدولي ومنه تتوجه إلى قلب بغداد، بينما
كان جزء من هذه القوات يهاجم العاصمة من محورين اساسيين من الجنوب
والجنوب الشرقي.
لم يكن أحد يظن أن بغداد يمكن أن تسقط بيسر، قياسا، على الأقل، بمعارك
ميناء أم قصر، ومساحته أقل من مساحة أي حي أو جزء من حي من أحياء
بغداد.
حتى، نحن، الذين كنا في بغداد، ونراقب، وكل منا لا يتوقع النجاة،
إلا بإرادة ربانية مكتوبة، لم نكن نظن أن سقوط العاصمة أمر ميسور،
وبسرعة لم يتوقعها المخططون والمعتدون والمراقبون.
كنا، ونحن في قلب بغداد، ندرك أن اميركا بقوتها الجبارة ليست فقط
قادرة على احتلال بغداد والعراق، بل هي قادرة على احتلال أية دولة
أو عاصمة، بالطبع مع نسب مختلفة من الخسائر، وحسابات الزمن. كنا
نظن أن بغداد يمكن أن تصمد طويلاً، يمكن أن تصبح (ستالينغراد) جديدة.
لكن ما حدث صبيحة يوم 9/4/2003 كان حدثاً عجباً.. مدعاة للحزن، وللغضب،
للتساؤل، وللحيرة، للدهشة والمرارة، لاستعادة وعي حركة التاريخ ودائرته،
إلى حد استذكار (العلقمي) ـ أي علقمي هذا..؟ بل قل (العلاقمة)..!!
لم نصدق ما كنا نسمعه أولاً من هدير، ودويّ، أصوات سرقات الدروع
واطلاق النار، والقصف، وثانيا كانت الأقمار الصناعية تنقل على الهواء
بقدرات مخرجي هوليود الذين رافق بعضهم قوات المارينز إلى بغداد،
عمليات تهشيم كرامة دولة عربية، وأي دولة عربية..؟..العراق..!
نحن رفضنا التصديق، رفضنا ما سمعته آذاننا ورفضنا ما شاهدته عيوننا،
ورفضنا أن نرى الدبابات والجنود الغزاة وهم يدنسون ثرى العراق، ويستنشقون
هواء العراق، ويشربون من مياه دجلة والفرات. هو كابوس إذن..!! وليست
بغداد من يسقط تحت جنازير الدبابات من دون أن تمشي هذه الدبابات
على أجساد الآلاف من المدافعين عنها..عن العراق.. عن استقلاله وسيادته
وحريته.. وعروبته ودوره وميراثه وتاريخه العظيم الحافل..!
استبد بنا الغضب، على كل شيء، وبسبب من كل ما حدث. العراق ليس ملكاً
لهذا أو لذاك من الناس، مهما كان، إنه ملك أمة، وملك الإنسانية.
وإذ تكبر الأسئلة وشارات الاستفهام والتعجب نخرج إلى حيث حياة كانت
في شوارع بغدادنا، فإذا بنا أمام مشاهد لم نتصورها في يوم: هذا البناء،
الأساس، المؤسس، من جدرانه إلى اسمنته، ومن كرسيه إلى ابوابه، ومن
أوراقه إلى تحفه وآثاره، ومن شوارعه إلى مصارفه، ومن دوائره إلى
عماراته الاسمنتية، كل شيء فيه يدمّر، مع سبق الإصرار والترصّد،
والقدرة على الدمار مفتوحة بواباتها على القدرة على القتل، بيسر،
وبدون رفة جفن، ولا دمعة حزن.
حرائق، وعمليات قتل وسطو.. والغازي يقول عنّا.. ـ علي بابا ـ !!
أحقا انطلق من عقاله هذا الجنون المشرش في النفس البشرية، وانتصر
الجنون في معركة سريعة على العقل والمنطق والشرف والأمان والقيم
العربية والإسلامية، دفعة واحدة..؟! أم أن من جاء غازياً أحضر معه
كل أسباب الدماء والقتل والتخريب..؟!
قالوا: جئنا بالحرية للعراق والعراقيين..!
وقالوا: جئنا بالأمن للعراق والعراقيين..!!
وقالوا: جئنا لنحقق سلام المنطقة والعالم بالقضاء على أسلحة الدمار
الشمال التي تهدد ليس أمن شعب العراق بل المتحضر في العالم كله.
وقالوا: جئنا لبناء عراق حر ديمقراطي، يكون انموذجا للمنطقة وللعالم..!
كنا نسمع ونضحك لأن شر البلية ما يضحك..! أكبر فرية في التاريخ كله:
سقوط العاصمة تحت وابل وجنازير الموت والدمار يعتبر عيداً وطنياً
وحيدا...!! أول دولة في التاريخ يقرّ فيها المسؤولون المعينون من
الغازي المحتل، أن يوم سقوط العاصمة (عيد وطني). أما لماذا فلأن
الغازي أمر بذلك.. وانتظر الغزاة واحدا وعشرين يوما، ليعلن قائدهم
جورج دبليو بوش أن الحرب انتهت، وأن النصر كتب لجيوش العدوان والإحتلال،
بعد أن وصل جنود الغزاة إلى جميع مدن وقصبات العراق..!
بعد اعلان بوش انتهاء العمليات العسكرية الكبرى وبعد أن شرب مع صحبه
وحلفائه نخب احتلال العراق، وهو يحلم بأن (عولمته) قد أصبحت على
مرمى جحر من يده، أو رجله، أو عينيه، كان العراق يقول للغزاة وللعالم..
لم نسقط..! ها نحن نقاوم وبسرعة قياسية.. أجل سرعة قياسية، نهضت
الجراح، ونهضت الكرامة، ونهضت أمجاد وادي الرافدين ولا نامت أعين
الجبناء..!
ها قد مضى عام على اعلان سقوط بغداد.. فماذا حدث..؟
ـ هل ينعم العراقيون بالحرية..؟
ـ هل ينعمون بالديمقراطية..؟
ـ هل ينعمون بالأمن والأمان..؟
ـ هل تقدم أي مرفق عراقي..؟
ـ هل أعيدت الحياة إلى الشرايين التي قطعت، والتي بترت، والتي أحرقت
ودمرت..؟!
ـ هل ينعم الغزاة بالنوم الهانىء في العراق..؟ أم أنهم يموتون، في
كل يوم، ألف مرة..؟
الشجاع يموت مرة واحدة، أما الجبان فيموت ألف مرة، وكل لص جبان،
وكل غاز جبان وكل عدو للحرية والحياة جبان..
ها هو العراق بعد عام من احتلال عاصمته، يؤكد على هويته، على انسانيته،
يؤكد انه وطن لا يستباح فيصمت على القتلة والغزاة، هي ذي مشكلة الذين
راهنوا على (هناءة) النوم بعد احتلال العراق.
كيف ينامون في (المنطقة الخضراء)..؟
كيف ينامون في الفنادق العراقية..؟
كيف ينعمون بهدوء ربيع العراق في ابريل..؟
كيف تغمض عيونهم وهم يتوقعون في أي لحظة أن تنشق الأرض عن عراقي
مقاوم..؟
العراق ليس لقمة سائغة يبتلعها الغزاة.. العراق عسير الهضم.. عصيّ
على الذين يسعون إلى قهره وابتلاعه..!
ها هم يريدون امراً واحدا فقط: أن يقاسمهم الموت أكبر عدد من دول
العالم..! أن يشترك آخرون في (غنيمة) الخوف حتى الانتحار ألم ترتفع
نسب الانتحار في صفوف القوات الأميركية..؟!
أما طاحونة الموت فهي دائرة تطحن في كل يوم المزيد من جنود حاربوا
لكي ترتفع أسهم الذين خططوا للموت والدمار والاحتلال في واشنطن ولندن
وتل أبيب.
صحيح أن العراقيين فقدوا الأمن.. وصحيح أن قدراتهم الاقتصادية في
تناقص لكن الصحيح كذلك أن الهمم موجودة، والكرم سمة من سماتهم، والتضحية
سبيل ارتضوه منذ آلاف السنين.
عيونهم تراقب تدفق بني صهيون، ومخابراتهم، وهم مصرون على سيادة فعلية..
ويدركون أن هذه السيادة لا تكون مع وجود الاحتلال ولا حرية مع بقاء
الغزاة، ولا ديمقراطية مع دبابات وأساطيل وطائرات وصواريخ اميركا
ومن يحالفها. ولا بناء إلا بسواعد عراقية طليقة لا يكويها سوى شمس
يوليو ولا يروي ظمأها سوى ماء دجلة والفرات، المحّرر من أنفاس اجنبية
غادرة وغازية.
يوم 9/4/2003 يوم للحزن.. ويوم للغضب كذلك.. وهو ما يبشر بانبلاج
فجر نخرج نحن إلى شوارعنا فرحين: لم يعد هناك أي جندي يدنس ثرى الوطن..
يوم للتحرير.. بالمقاومة..!!
نواف أبو الهيجاء
كاتب صحفي فلسطيني
أعلى
حرب الفلوجة وبداية تحرير العراق
ربما ينظر البعض لما يدور في العراق حالياً
على أنه في غير مصلحة العراقيين، بل على العكس من ذلك فهو قد يعتبر
أفضل ما حدث للعراقيين منذ وقوع الاحتلال، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه
قد يعد أحد مؤشرات تحرير العراق من الاحتلال الأميركي وذلك لأسباب
عديدة أولها أن العراق يشهد حاليا انتفاضة بكل معاني الكلمة، بدأت
في الفلوجة وتمر ببغداد وتعبر للموصل وتنتقل بقع النار من الرمادي
إلى الكوت ..وهكذا.
ثانياً أن الأغلبية الصامتة نطقت وتحدثت مشاعر الشيعة التي ظلت لأكثر
من عام حبيسة العقلانية والحكمة، وذلك بعد أن أشعل الزعيم الشاب
مقتدى الصدر فتيلها. ثالثاً أن الشعب العراقي بمختلف طوائفه بات
في حنق وسخط من الاحتلال وذلك على عكس ما كانت تروج معظم الفضائيات
الغربية والعربية الرسمية، ووضحت خلال الأيام القليلة الماضية نبرة
التحدي على لسان كل عراقي سني وشيعي. رابعاً: تبدو هناك ملامح تخبط
أميركي واضح وذلك بدءاً من محاولات الانتقام للجنود الأربعة الذين
سُحلوا قبل أسبوع في الفلوجة ومروراً بمحاولات بوش للانقضاض علي
المقاومة العراقية واعتبارها خياراً استراتيجياً في معركته الانتخابية
مع جون كيري المرشح الديمقراطي للرئاسة، ويبدو أنه فقد أعصابه بعد
أن ثار الشعب الأميركي إثر رؤيته لصور جنوده المسحولين في الفلوجة.
خامساً أن هناك همهمات مسموعة في بعض قوات التحالف التي يبدو أنها
ستشهد صيفاً ساخناً إذا ما استمرت في العراق، لذا فقد ظهرت بعض الدعوات
التي تطالب برحيل هذه القوات. سادساً ـ وهو الأهم ـ هو أن المقاومة
العراقية لم تعد تقتصر على فئة معينة أو منطقة محدد كما كان الأمر
من قبل، ويبدو أن العراق سيشهد انتفاضة تحرير حقيقة على غرار ما
يحدث في فلسطين، خاصة وأن هناك تأييدا إقليميا ـ غير رسمي ـ لأعمال
المقاومة العراقية، ما قد يزيد من وتيرتها ويحمس كل العراقيين للانخراط
في صفوف هذه المقاومة واعتبار الموت من قبيل الشهادة على غرار إخوانهم
في فلسطين.
ومن جديد عادت أجواء الحرب للعراق وعادت القوات الأميركية لتنفيذ
عمليات قتل وعنف أطلقت عليها اسم (الحسم الحذر)، وبات أن هناك مؤشرا
لانفلات الأوضاع أكثر مما هي عليه الآن، ويبدو أنها لن تتوقف إلا
مع وقف طلقات الطائرات الأميركية.
المتأمل لما يحدث في العراق حالياً يجد تضارباً وفوضى كبيرة على
مختلف الأصعدة، فها هو مجلس الحكم يقف موقف المتفرج مما يحدث للعراقيين،
ولم ينبث أحد ببنت شفة على مقتل عشرات العراقيين في الفلوجة، بل
والأكثر من ذلك اعتبر أعضاء المجلس أن مقتدى الصدر خارج عن القانون
وطالبوه تسليم نفسه للقوات الأميركية باعتباره متورطاً في مقتل المرجع
الشيعي عبد المجيد الخوئي قبل عام. وها هي الولايات المتحدة تتشدد
في تعاطيها مع الأحداث في العراق، ويظهر بوش على شاشات التلفزة ليعلن
للعالم وبكل صراحة إصراره على الانتقام من العراقيين لمقتل جنوده
الأربعة. وهنا نتساءل: ومن ينتقم للأطفال الأبرياء الذين سحلتهم
الدبابات الأميركية قبل عام وما زالت، ومن يعيد للعراقيين سيادتهم
التي سُلبت منهم نهاراً جهاراً.
حاول بوش أن يحصد نقاطا جديدة في سباقه مع كيري فحصد أرواح عشرات
العراقيين في الفلوجة، وبدا أن القرابين العراقية هي وقود حملته
الانتخابية، واندفع ـ كالهمجي ـ يتوعد ويهدد وينتقم من العراقيين
في ديارهم وأمام عيون الجميع. لن يمر قتل الأميركيين الأربعة دون
عقاب.. هكذا نطق بوش، وهكذا نفذ ما قاله.
وخيراً فعل بوش بدخوله الفلوجة من جديد فقد أيقظ بذلك ضمير المقاومة
الشيعية الذي كاد أن يختفي في ظل لعبة التوازنات الداخلية، ومهما
تكن دوافع الانتفاضة الشيعية بعيدة عن أحداث الفلوجة، فهي في التحليل
الأخير تعبير واضح عن مدى الضجر من التمادي الأميركي في العراق،
فقد فاض الكيل وزاد ولم يتبق للعراقيين سوى أن يدافعوا عن بيوتهم
وأعراضهم وسيادتهم. ولعل ما زاد من سوء الأمر وبدد شكوك الشيعة هو
نبرة التردد والتخبط التي تسود الموقف الأميركي من الانسحاب من العراق،
فقد أيقن الجميع بأن الولايات المتحدة باقية في العراق حتى وإن تم
تسليم السلطة للعراقيين بنهاية يونيو المقبل.
وحقيقة الأمر فإن كل من يهتم لأمر العراق يجب أن يشد على يد العراقيين
ويطالبهم بزيادة الضغط علي القوات الأميركية، ولو أن هذا كان قد
حدث قبل عام لاختلفت الأمور ولأعادت الولايات المتحدة حساباتها منذ
ذلك الوقت. وكفي ببعض المثقفين والمفكرين العرب تخديراً للعراقيين
ومناداتهم بالصبر على الاحتلال، وكفى بهم رسماً للأحلام والأوهام
وتلوين الأمور، فالولايات المتحدة هي في النهاية قوة احتلال ولن
تخرج طوعاً أو سلماً والتاريخ خير شاهد على ذلك.
فالموقف الأميركي كل يوم يزداد صعوبة وضبابية، وكل يوم يقترب فيه
العراقيين من تولي زمام أمورهم يزداد تعلق الأميركيون بالسلطة، بالشكل
الذي قد يصل إلى حد افتعال أزمة، وليس أدل على ذلك مما حدث مع مقتدى
الصدر، فقد انقلبت عليه الولايات المتحدة وحاولت تصويره على أنه
مجرم كي تبرر هجومها على ميليشياته المعروفة بجيش المهدي، فبدأت
بتعطيل جريدته عن الصدور ثم أصدرت مذكرة اعتقال بحقه واتهمته بثلاث
جرائم، وبدأت تطارده في الميادين والمساجد والشوارع العراقية.
الرئيس بوش بفعلته ورده الأحمق في الفلوجة يكون قد دق أول مسمار
في نعش التواجد الأميركي في العراق، وفتح على نفسه فوهة بركان شيعي
كان يغلي منذ عام وينتظر من يخرجه للوجود، وسيضطر الشيعي الذي كان
ينأي بنفسه عن مقاومة الاحتلال إلى خلع عباءة الاحترام والعقلانية
وينطلق لمواجهة القوات المحتلة.
خلاصة القول أن المشهد العراقي بات أكثر سخونة وكأنها بدايات حرب
التحرير، ويبدو أن العراق قد بدأ يدخل في مرحلة جديدة قد تكون هي
الخطوة الأولى نحو دحر الاحتلال الأميركي، خاصة بعد أن تبددت أوهام
الحالمين بالديمقراطية الأميركية.
خليل العناني
كاتب ومفكر مصري
Kanany@hotmail.com
أعلى
هذا ما يرتجيه الأميركيون من حكامهم
أثناء سنوات الحرب الباردة، كان هدف الولايات
المتّحدة المسلّم به احتواء ، وإن أمكن هزيمة ، الامبراطورية السوفيتية.
وقد تعاطينا مع هذا الهدف بحرص شديد في اطار حدود معروفة جيدا ـ
مادامت هناك بضعة أهداف أميركية كانت تبرر المجازفة بحرب نووية ماحقة.
لذلك عجز هاري ترومان عن تحقيق انتصار كلي في كوريا، ورفض دويت آيزينهاور
أن يساعد المجريين في انتفاضتهم ضدّ السوفيت. وذلك هو السبب نفسه
الذي جعل جون كينيدي يحجم عن تدمير جدار برلين.
إلا أنه عندما انهار الاتحاد السوفيتي أخيرا، تاركا الولايات المتّحدة
القوة العظمى الوحيدة في العالم، ظن البعض أن أغلال الحرب الباردة
تحطمت وأن القدرة الأميركية انطلقت من قيودها أخيرا ضد العالم. وأصبحت
الحكمة التقليديّة صرف النظر عن واقعية السياسة الخارجية واعتبارها
تفكيرا انهزاميا عفا عليه الزمن.
كان هذا هو الخطأ بعينه. فما اجمل ان تقود الواقعية والبراغماتية
خطانا دائما في الخارج. بالمقابل، فإن التطرف في الدفاع عن الحريّة
، وما الى ذلك ، هو في النهاية تطرف. وان الذين يؤمنون بعصمة ارائهم
الخاصّة لديهم نزعة خطرة إلى استبعاد اراء الآخرين اعتقادا منهم
ان الغاية تبرر وسائلهم. وهذا ما نجده اليوم في العراق.
لكن دعنا نكون صرحاء. بالرّغم من التناحر الحزبي الحاصل اليوم بسبب
العراق، فإن الحقيقة التي لا مراء فيها أن اميركا التي لا كابح لجماحها
لم تكن صنيعة الجمهوريين. لقد بدأت قبل ذلك. فلقد انتشى دعاة التدخل
من اصحاب الفكر الحر للانتصار الأميركي على السوفيت، فأعلنوا ان
الولايات المتّحدة باستطاعتها ومن واجبها أن تتدخل في أيّ مكان بالعالم
للترويج لـ(الخير العام).
الطريف ان مستشاري السيناتور جون كيري اليوم ينتقدون الرئيس بوش
على غزو العراق بدون الحصول على موافقة الأمم المتّحدة ويتناسون
ان عملية كوسوفو عام 1999 حدثت ايضا بدون موافقة مجلس الأمن الدولي.
فضلا عن ذلك، سلوبودان ميلوسيفيتش لم يكن عدوا للولايات المتّحدة،
ولا كان له ارتباطات بمنظمات الارهاب الدولي ولا طوّر أسلحة الدمار
الشامل. فلماذا يشكك الذين ايدوا التحرك ضدّ ميلوسيفيتش في التحرك
ضدّ صدّام حسين؟
الحقيقة أنّ العمليّة الجارية في العراق كانت إلى حدّ كبيرة مقرّرة
تحت إدارة كلينتون في 1998 عندما جعلت (تغيير نظام الحكم) في العراق
سياسة رسمية.
فلما وقعت هجمات 11 سبتمبر، لم يكن امام بوش من خيار سوى ان يتحرك
؛ ذلك انه في اي جو يعقب اعتداء ما ، لا يقدر رئيس متعقّل أن يسمح
بوضع اللا حرب واللا سلم لأجل غير مسمى ـ وضع كانت فيه الولايات
المتّحدة وحلفاؤها البريطانيّون يفرضون منطقة (حظر جوّي) ، لحماية
الاكراد في منطقتهم المستقلّة في الواقع في شمال العراق، مع ابقاء
العقوبات المؤلمة ضدّ العراق والتخطيط لاسقاط صدّام.
عند هذه النقطة تحديدا كان ما يزال هناك بديلان واقعيّان عن الحرب،
لكن لم يرق اي منهما للمحافظين الجدد في الإدارة أو الليبراليين
دعاة التدخل لدى الديمقراطيين، مع ازدرائهم لأي تسوية لا تكون اخلاقية
مطلقة.
البديل الاول كان سياسة الاحتواء. تحت تهديد عمل عسكريّ حقيقي، ربّما
اقتنع صدّام بالسماح بعمليات تفتيش حرّة، ووقف دعم الانتحاريين الفلسطينيين
والتخلي عن محاولاته لفرض سيطرة سياسية إقليميّة ـ طالما تأكّد انه
سيسمح له بالبقاء في السلطة. إلا أنه خوفا من اتهامها بالتزلّف إلى
طاغية ارتكب ابادة جماعية، لم تجرب الإدارة أبدا هذا المسار.
البديل الاخر كان اتخاذ كل الخطوات الممكنة لنيل موافقة مجلس الأمن
الدولي على شن هجوم. وحتّى بدون برهان على امتلاك صدّام دمار شامل،
كان يمكن تزويد القوى الكبرى الاخرى بحوافز حقيقيّة لمساندة الولايات
المتّحدة. عوضا عن ذلك، وجدت دول مثل روسيا إدارة لا تهتم لمصالحها
الخاصّة. لماذا يأخذ الرئيس الروسي فلاديمير اولويّات واشنطن في
حساباته إذا كانت الولايات المتّحدة تجاهلت قلقه بشأن جيران مثل
جورجيا، وأوكرانيا، ومولدوفا واوزبكستان؟
اليوم، تتركز الأولويّات الأميركية في محاربة الإرهاب والحد من انتشار
اسلحة الدمار الشامل. ودعاة التدخل والمحافظون الجدد يعتقدون ان
القيم الاميركية يجب تعزيزها بكل قوة في العالم بصرف النظر عن مشاعر
الحكومات الاجنبية. ومع ذلك، في العالم الحقيقي يكون لدى الدول الاخرى
مصالحها الخاصة واغلب الظن انها لن تتخلى عنها فقط لتكون على الجانب
الصحيح للتاريخ حسبما يفسره الاخ الاميركي الاكبر.
واذ يناقش الأميركيّون السياسة الخارجية أثناء سنة الانتخابات، من
المهم النظر ابعد من الكلمات الرنانة العتيقة والتحدث عن الخيارات
الحقيقية التي تواجه الامة. في النهاية، يرتجي الأميركيّون بلا جدال
من أولي الأمر المنتخبين أن يضعوا حماية ارواحهم وحريتهم فوق السعي
وراء احلام مثالية مهما كانت نبيلة.
ديمتري سيميس
رئيس مركز نيكسون
خدمة لوس انجلوس تايمز ـ خاص بـ(الوطن).
أعلى