
في الموضوع
هل يمثل ما حدث في الجزائر درسا لدول عربية أخرى ؟
رغم ان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقه
فاز بولاية ثانية في المنصب، في الانتخابات التي جرت يوم 8 ابريل
الجاري بأغلبية تزيد على 83 في المائة، الا انه يصعب القول ان تلك
الانتخابات كانت مزورة، او ان السلطات تدخلت فيها لصالح شاغل المنصب،
وعلى حساب المرشحين الاخرين، فمن الناحية الشكلية، كان هناك مراقبون
دوليون اجانب، يتابعون عملية الانتخابات، واكدت آن ماري ليزين ـ
عضو مجلس الشيوخ البلجيكي ـ ان تلك الانتخابات (جرت حسب المعايير
الاوروبية)، ومن ثم فإن احتجاجات المرشحين الذين خسروا الانتخابات،
ولم يحصلوا الا على نسب محدودة من التأييد، يجب ان تكون في الاطار
المعروف بشأن المرشح الخاسر، واي احتجاجات بشأنها يجب ان تقدم في
صورة طعن امام القضاء، اما الدعوة الى مظاهرات شعبية تعبر عن رفض
نتائج الانتخابات، فإنها تكون نوعا من التحريض على عدم الاستقرار
في الجزائر، وهي مازالت تعيش مرحلة انتقالية من الفوضي التي شهدتها
خلال التسعينيات.
اما بالنسبة لعدم حصول على بن فليس ـ رئيس الوزراء السابق ومرشح
حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية ـ على نسبة تقل عن 8 في المائة
من الاصوات، فإنه راجع الى احساس الناس في الجزائر، بأن جبهة التحرير
قضت فترة طويلة في السلطة، باعتبارها الحزب الحاكم الوحيد في الجزائر،
ولم تحقق الاهداف التى طرحتها، بشأن الانتقال بالجزائر من مرحلة
التحرير الى مرحلة التنمية بشكل كاف، كما ان عملية التنمية التي
تحققت في حدود، لم تكن الا على حساب الحرية والحفاظ على حقوق الشعب،
ومن ثم فان منح الثقة لمرشح الجبهة لتولي الرئاسة الآن، مازال موضع
تحفظ شعبي، فضلا عن ان جبهة التحرير كانت ـ ومازالت ـ طرفا في صراعات
وطنية عديدة، وخصما لاطراف دولية كثيرة ايضا، ويبدو ان الشعب الجزائري
يريد نوعا من المصالحة ـ او (الوئام) الوطني على النحو الذي طرحه
الرئيس بوتفليقة ـ في الداخل إضافة إلى حالة من التوفيق مع القوى
الدولية الأخرى في الخارج ـ ولذلك فإنه فضل بوتفليقة علي بن فليس.
واعتمادا على نفس المنطلق، جاء عبدالله جاب الله ـ زعيم حركة الاصلاح
الوطني (الاسلامية) ـ في المركز الثالث وحصل على نسبة 4.84 في المائة
من الاصوات، ثم لويزة ضون ـ المرشحة اليسارية وزعيمة حزب العمال
ـ التي لم تحصل الا على نسبة 1.16 في المائة من الاصوات ويرى البعض
ان خسارتها الانتخابات ترجع جزئيا الى انها امرأة لكنها جاءت متفوقة
على فوزي رباعين ـ زعيم حزب (عهد 54) ـ الذي لم يزد نصيبه من الاصوات
على 64 من مائة في المائة، وبعد ذلك جاء سعيد سعدي ـ مرشح حزب الثقافة
من اجل التنمية ـ بحفنة ضئيلة من الاصوات، مما يشير الى ان منافسي
بوتفليقة منوا بهزيمة ساحقة، وان كان من الضروري الاشارة الى ان
ذلك لا يؤثر على مصداقيتهم كسياسيين يحظون باحترام مؤيديهم، ويقدم
نموذجا فريدا ومطلوبا في بلاد عربية اخرى، لتأكيد مبدأ حرية الترشيح
والانتخاب، بدلا من ان يفرض شاغل منصب الرئاسة نفسه عليهم ـ كمرشح
وحيد ـ في استفتاء، يكون موضع تلاعب السلطات الامنية لاعادته الى
المنصب.
واضافة الى وجود 126 مراقبا اجنبيا للانتخابات، لتأكيد حريتها وعدم
حدوث اعمال تزوير لصالح مرشح معين دون غيره، فإنه من الضروري الاشارة
الى انه كانت هناك تكهنات بعد انتخاب بوتفليقة رئيسا للمرة الاولى
عام 1999، بأنه (رجل الجيش) وحتى اذا كان هذا صحيحا، فإنه يمكن القول
ان مؤسسات جزائرية مسؤولة تصرفت اعتمادا على وازع وطني، واختارت
رجلا كان له دور كبير في الماضي، لكنه ابتعد عن السياسة خلال السنوات
الاخيرة السابقة، واختار قضاء معظم وقته في دول عربية اخرى خارج
الجزائر.
ورغم تاريخه المعروف في حزب جبهة التحرير الوطني ـ خاصة خلال عهد
الرئيس هواري بومدين، كوزير لخارجيته ـ الا انه لم تكن ارتباطات
بأي من القوى السياسية في الفترة اللاحقة، ولم يخض صراعا على السلطة
مع احد ضد طرف آخر وكان ذلك هو المؤهل الاساسي ـ اضافة الى الخبرة
ـ لاستدعائه للترشح للمنصب الاول في الجزائر، على امل ان يحقق ذلك
سببا للوحدة الوطنية في الجزائر.
والنقطة المهمة هنا ـ رغم الجدل الذي احاط بدور بوتفليقة خلال فترة
رئاسته الاولى، والزعم بأنه يمثل واجهة للمؤسسة العسكرية او قوى
سياسية اخرى من ورائها ـ هي انه نجح بدرجة معقولة ـ رغم الصعوبات
التي تسود في الوضع السياسي الجزائري ـ في طرح نداء (الوئام الوطني)،
وتحقيق التفاف شعبي واسع من حوله، وكذلك في الحد من اعمال العنف
التي كانت تؤدي بحياة اعداد كبيرة من ابناء الشعب ـ خاصة في مناطق
القبائل ـ ولم يخش سطوة كبار ضباط المؤسسة العسكرية في مناسبات عديدة
وتحداهم خصوصا عندما طرح البعض اتهامات للجيش وقوات الامن باقتراف
بعض المجازر ضد ابناء الشعب، وعندئذ اعرب كثيرون عن تخوفهم بشأن
مستقبل بوتفليقة السياسي، وتحدث البعض عن احتمال تعرضه لمحاولة اغتيال،
على النحو الذي حدث في حالة محمد بوضياف، لكن ايا من ذلك لم يحدث،
ولم يعد الجيش الى السياسة ويدير انقلابا عسكريا ضده، وبقي بوتفليقة
ليفوز بولاية رئاسية ثانية، في انتخابات حرة، شارك في متابعتها مراقبون
من جامعة الدول العربية، والاتحاد الاوروبي ومنظمة الامن والتعاون
الدولي في اوروبا، وكذلك من الاتحاد الافريقي والولايات المتحدة
الاميركية.
والسؤال الآن هو: بدلا من انتقاد الوضع في الجزائر، والقول بأن الانتخابات
الحرة يمكن ان تهدد بخطر وصول (الاسلاميين) الى السلطة ـ رغم ان
ذلك حقهم بصفتهم مواطنين مثل غيرهم ـ هل يمثل ما حدث في الجزائر
درسا لدول عربية اخرى كثيرة، يمكن ان يتعلم منه الحاكم، كيف يحصل
على ثقة شعبه ؟
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى

كل يوم
قوات الاحتلال تغوص في رمال العراق المتحركة !
.. العراق ليس مستنقعا.. والقوات الاميركية
ليست في مأزق.. هذا ما يقوله وزير الخارجية الاميركي كولن باول في
محاولة للتقليل من أهمية المقاومة العراقية، ولرفع معنويات قواته
في العراق.
فهل صحيح ان القوات المحتلة التي تواجه كل هذه المقاومة الباسلة
ليست في مأزق ؟
إننا نتفق مع باول في ان العراق ليس مستنقعا فهو بلد ذو تاريخ عريق،
ويعيش فيه شعب مقاتل عنيد ذو حضارة أعطت الى العالم الجديد الحرف
والحكمة والمعرفة، وكانت اساسا لحضارات العالم القديم كلها ومثل
هذا البلد لا يجوز بحال ان نصفه بالمستنقع، بالمعنى السلبي للفظة.
غير ان رمال العراق المتحركة ستبتلع قوات الغزو الاميركي والقوات
المرتزقة المتحالفة معها في احتلال العراق وهذا هو التعبير الاصوب
ونحن نعتقد ان واشنطن قد أخطأت عدة مرات في الحساب عندما قرر بوش
وادارته اليمينية المغامرة شن الحرب على العراق واسقاط نظامه السياسي.
فقد كان التفكير بالعدوان على العراق هو الخطأ الاول، وعليه ترتبت
جملة من الاخطاء، وهي الآن تصل الى مستوى الخطايا التي يصعب التكفير
عنها ونحسب ان جميع الذرائع التي استخدمتها ادارة بوش لغزو العراق
قد انكشفت وسقطت، ونحن الآن في العام الثاني من الاحتلال الاميركي
للعراق.. وابرزها مسألة الأسلحة ذات الدمار الشامل وتحرير العراقيين
من نظامهم السياسي واقامة نظام حكم ديموقراطي، وتخليصهم من الخوف
والرعب الذي كان يسيطر عليهم في عهد صدام حسين، حسب ادعاء ادارة
بوش وبلير وتقارير المخابرات الاميركية.
ولعل المجازر التي ترتكبها القوات الاميركية هذه الايام في الفلوجة
وفي مدن جنوب العراق، وبعض المناطق الأخرى التي تشتد فيها المقاومة
لا تحتاج منا الى برهان على ان الادارة الاميركية وقواتها الغازية
والمحتلة لا يمكن ان تكون جاءت للتحرير واقامة حكم ديموقراطي لأن
من يكون هذا هو هدفه الحقيقي لا يفعل ما يقترفه جنود الاحتلال من
جرائم يندى لها جبين الانسانية. انه لايدمر المنازل، والمساجد ودور
العبادة على رؤوس ساكنيها، ولا يروع النساء والاطفال الرضع !
أما ان المقاومة العراقية قد اشتدت وصلب عودها فهذا ما يبشر بأن
قدرة الشعب العراقي على الصمود والتضحية قد تعاظمت وان مستوى الوعي
على طبيعة الاهداف الاميركية حقيقية قد ازداد، فذلك ما اثبتته الايام
الخمسة الماضية، وما ستعطيه الاسابيع القادمة مزيدا من الادلة والمصداقية.
وأما ادارة مجلس الحكم والوزارات المنبثقة عنها والمتابعة لسلطات
الاحتلال فقد انكشفت طبيعتها ولم تعد قادرة على اخفاء وجهها الحقيقي
في ان بعضها لم يستطع الصمت ازاء ما يحدث في الفلوجة او الكوفة او
مدينة الصدر من جرائم بأيدي جيش الاحتلال فكان رد فعله الاولي ان
يجمد عضويته او يستقيل على ان بعضهم قد اقاله بريمر نفسه لانه يعتمد
ان لم يعد كفؤا للخدمة التي تؤهله لعضوية مجلس الحكم او وزارته وفقا
للمخطط الاميركي.
كل هذا الكلام نسوقه لنقول لباول ان الايام القادمة حبلى بالكثير
من المفاجآت وان المقاومة العراقية لن توقف عن القتل حتى يخرج المحتلون
جميعا من ارض الرافدين وتعود للعراق عروبته ووحدته واستقلاله وسيادته.
وعندئذ سيعلم باول طبيعة العراق الحقيقية، ويدرك اى مأزق اوقعت فيه
ادارة بوش واليمين الصهيوني المتحكم بالبيت الابيض القوات الاميركية
الغازية وستتحمل وحدها مسئولية النتائج والتفاعلات.
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

باختصار
لن تربح سياسيا !
لم تجرب الاجيال الاميركية الحالية تجربة
الحرب الفيتنامية ولا هي عانت الامرين من جرائها ، كل ماتعرفه عنها
نقل اليها عن طريق المشافهة .. هنالك فرق كبير بين من جرّب وبين
من تناهى الى اسماعه جملة الاخبار عن ... الاحساس بالنار قضية اما
التفرج عليها فليس بشيء من الاحساس .
عندما يتحدثون عن فيتنام تقفز الى الواجهة اسطورة الصمود الفيتنامي
وقراره بالانتصار وتحويل التجربة الاميركية الى هزيمة . لم يسد هذا
الاعتقاد لدى الاميركيين في البداية لان القوة تعمي وحجم امتلاك
تلك القوة يصغّر الحادثة والواقعة . اعتقد الاميركيون ان اتباع سياسة
الارض المحروقة وكل سياسات الفتك بالفيتناميين ستؤدي الى التسليم
ان لم يكن عاجلا فآجلا . وبدل ان يستسلم الفيتناميون عاشت المدن
الاميركية سنوات من التظاهرات والمطالبة بالانسحاب بل وصل بكثيرين
الى الهروب من الجندية ومنهم بعض ادارة الرئيس بوش حتى ان بوش نفسه
كان في عدادهم . اما كولن باول وزير الخارجية فقد امضى زهوة شبابه
في الادغال الفيتنامية وبذلك عرف السر الفيتنامي وياليته يقرأ فيه
سرا عراقيا مماثلا .
في فيتنام حاول الاميركيون اقصى الممكن في ضغطهم العسكري ، برعوا
في ايجاد الوسائل العسكرية الجديدة المتجددة التي اعتبروها مدخلا
لنصر محتمل ، لكنهم لم يكتشفوا ان الكسب الوحيد هو الوصول الى النصر
السياسي .. بهذا النصر وحده ينتهي العمل العسكري لتبدأ مرحلة التسليم
بالنتائج واملاء الشروط .
لاتعرف الاجيال الاميركية ان الجيوش الاميركية المندفعة في فيتنام
والسلاح الهائل سقطا امام الارادة الفيتنامية التي اعطت الكثير من
الدم وعرفت الاكثر من الخراب والدمار وشيعت قتلاها بالعشرات والمئات
.. حدث في فيتنام ان الموت بالجملة ، فقرى محيت بكاملها واراض بحجم
مدن تم احراقها وغابات تم اقتلاعها . الوحشية الاميركية في فيتنام
كانت مقياسا لطبيعة الاهداف الاستراتيجية التي عنت اميركا في ذلك
الوقت .
الاجيال الجديدة تتعرف على العراق الان . مندفعة في حرب من صنع مجموعة
صغيرة لها حساباتها الخاصة واهدافها ولا بد كي نكون ملمين اكثر ان
نضيف بان القيادة اليهودية العالمية تحرك تلك المجموعة الاميركية
. الاميركيون في الواجهة واليهود الرأس المدبر والموجه والمخطط .
مثلما كانت فيتنام عقدة الاميركي في تلك الاوقات سوف تكون العراق
عقدة الاجيال الاميركية الحالية .. ومثلما اثرت الحرب الفيتنامية
على اكثرمن رئيس اميركي فهي ستكون اشد تأثيرا على اكثر من (بوش).
ويجب ان ننسى مقابل ذلك ان العراقيين سيدفعون الكثير لكنهم لن يتعلموا
ان يسلموا سياسيا . ستكون حرب قاسية مدمرة وتلك هي عناوين الحشود
الالية الاميركية الهائلة وسيرتكب هؤلاء جرائم لاتحصى في كل يوم
لكنهم لن يصلوا مهما فعلوا الى الربح السياسي .
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

أقول لكم
النوم في العسل
الفلوجة تحترق وجورج بوش يؤكد مواصلة استئصال
(الارهابيين) الذين أصبحوا كل شعب العراق باستثناء أعضاء مجلس الحكم
والوزراء المعنيين من قبل بول بريمر الحاكم بأمر جورج بوش ، ويتساءل
روبرت هيغز من معهد (اندبندنت) قائلا : هل القنابل والرصاص هما اللذان
سيؤسسان العدالة في العراق؟ والعداء امتد حتى لرموز الثقافة الأميركية
، حيث احتج أيرلنديون على حفل تحييه مادونا هناك مساء يوم أحد وتساءلوا
: لماذا لا يقام الحفل مساء يوم السبت..مثلا؟ ومادونا أذكى من ان
تفعل هذا حتى لاتتهم بعداء السامية ويتم تهميشها من قبل شركات الانتاج
الفني التي يملكها يهود!
وشاؤول موفاز يدعو (يهوه) الى ان ينتصر جورج بوش في الفلوجة وبعقوبة
والنجف و..ونفس اساليب التصفية الجسدية وارهاب الدولة الذي تمارسه
اسرائيل ضد الفلسطينيين هو ماتطبقه قوات التحالف ، لهذا يرد روبرت
هيغز على تساؤله قائلا : تحقيق العدل لن يتم بالقوة وعلى الإدارة
الأميركية ان تراجع مواقفها في حربها على ماتسميه (الارهاب)..وواضح
ان التحالف غير المقدس يتداعى ، رغم ذلك يطير ديك تشيني الى آسيا
لطمأنة الحلفاء هناك، والتأكيد على انه لاتراجع إلا بعد تصفية مقاومة
نساء وأطفال الفلوجة وربما يدعو الحلفاء الى احتفال بالانتصار تحييه
مادونا في المدينة المحاصرة..مساء يوم جمعة!.
ورهانات الحاكم بأمر جورج بوش على اذكاء نيران الفتنة الطائفية في
العراق خسرت كلها ، ولم يبق لديه سوى اعضاء مجلس الحكم الموقر، والقمة
العربية المؤجلة لاتريد الاشتباك مع جورج بوش وارييل شارون ، لهذا
فان جدول الاجتماع ربما يقتصر على قضايا مثل الارتفاع الحاد لأسعار
الكوسة في الشرق الأوسط ، الأمر الذي قد يؤثر سلبا على العمل العربي
المشترك ، ذلك الفارق في متابعة ستار أكاديمي ومباريات الكرة وجراحات
التجميل التي أجرتها نانسي عجرم..لكن الأمر المؤكد ان الفلوجة وجنين
ستسحبان البساط من تحت أقدام القادة، والوسائد من تحت رؤوس النائمين
في العسل!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

أصداف
أميركا تخدع نفسها
يصر المسؤولون في الولايات المتحدة على خداع
أنفسهم، قبل أن يخدعوا الأميركيين، ويحاولون خداع العراقيين، مثلما
خدعوا بعض الدول، التي تساعدهم في احتلال العراق، أما الإصرار على
خداع أنفسهم، فيظهر بوضوح من خلال، ما يرددونه من أن الأمور في داخل
العراق تسير من حسن إلى أحسن، وهم يريدون بذلك، أن يغرفوا من النصف
الفارغ من القدح، مع علمهم وإيمانهم بأنه فارغ، وإذا كان مثل هذا
الخطاب، قد أخذ مدياته في الأسابيع والأشهر الأولى من الاحتلال،
فإن قوته كانت نابعة، من القوة العسكرية الهائلة، التي جاءت بها
لاحتلال بلد منهك عسكرياً، ووقع قادته بخطأ فادح، عندما أرادوا مواجهة
هذه القوة بجيش يمتلك الدبابة والمدفع، ولا يمتلك الغطاء الجوي،
الذي يُعد ضرورياً في العلم العسكري لحماية هذه الأسلحة، فكان التفوق
الأميركي على الجيش العراقي واضحاً وكبيراً، وأعطى هذا الوجه من
القوة العسكرية زخماً هائلاً للخطاب السياسي، الأمر الذي جعله مقبولاً
على نطاق واسع، لكن تطورات الأحداث، وانكشاف عورات الاحتلال وعدم
قدرته على المحافظة على كيان الدولة، أو بالأحرى إسهام قوات الاحتلال
في تخريب الدولة ومؤسساتها، من خلال ترك الأوضاع الأمنية سائبة،
ودفع اللصوص لنهب وتخريب الوزارات والمنشآت، والاتفاق مع جهات أخرى،
أو تسهيل مهمتها في حرق ما تبقى ونهب موجودات الذاكرة العراقية،
التي تمتد لآلاف السنين، كل هذا، إضافة إلى الفشل الإداري، الذي
يدركه القاصي والداني، يؤكد أن بهرجة القوة في الخطاب الأميركي،
سرعان ما أخذت بالتراجع بل والانهيار، رغم كل ما اكتسبته من دعم
من القوة العسكرية، التي أوصلت قادة البيت الأبيض إلى حد الغطرسة.
المعضلة الأهم، في انحدار الخطاب، أن صورة القدرات العسكرية المبهرة،
أخذت بالتراجع بسرعة، بفعل ما تقوم به المقاومة العراقية، وفشل هذه
القوات حتى في الحفاظ على أمنها وعدم قدرتها على توفير الحماية لكبار
المسؤولين فيها، وأصبحت زيارة هؤلاء إلى العراق، تتم بسرية تامة،
ومجرد الإعلان عن هذه السرية، والاختباء هنا وهناك، يعطي انطباعاً
واضحاً على انهيار ذلك الحجم من البهرجة.
إلا أن مشكلة المسؤولين في الإدارة الأميركية، أنهم يحاولون الإمساك
بصورة التفوق العسكري إبان الحرب قبل عام، لأنها الصورة الأجمل،
ولا يلتفتون إلى عملية النخر الواسعة، التي أخذت تزداد بصورة خطيرة
في هيكل تلك الهيئة.
هذا التجاهل، لهذه الحقيقة، وعدم الاعتراف، بأن الاتجاه الخاص بالسياسة
الأميركية، قد اتجه إلى أماكن أخرى، دون أن يتعامل معه الأميركيون
بجدية، وهذه الجدية، لا يمكن أن تكون فاعلة، إذا لم يقر المسؤولون
بأنهم، يجب أن يتوقفوا عن النظر بثقة وأمل كبيرين إلى النصف الفارغ
من القدح.
من هنا، نرى، أن استمرار أميركا في سلوكها هذا، يعني أنها تواصل
خداع نفسها، مثلما تواصل خداع الآخرين، إلا أن الصدمة الجديدة، يفترض
أن تكون الحافز الأهم ، لاعتراف أميركا بأخطائها، لكي تبدأ رحلة
الاعتراف بالواقع، عسى أن تتخلى عن عملية الخداع المتواصلة.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

فـي نقـد الثـقافة والسـياسـة الإسـلامية
عندما انتقد جورج كيري، كبير أساقفة كانتربري
(الكنيسة الأنجليكانية - بريطانيا) الثقافة السياسية الإسلامية،
فإنه لم يكن يؤرخ لهذه الثقافة بقدر ما كان يستجيب لمعطيات سياسية
عالمية ساخنة تشمل ظاهرة تسييس الدين وإحالته إلى أداة مقاومة للثقافة
وللهيمنة الغربية التي تفرض تصوراتها ورؤاها على العالم الإسلامي
بموجب معطيات التفوق الذي ترتكن إليه الحضارة الغربية. ولكن أن تعلن
مثل هذه الآراء المهمة (بموجب معايير تورخة الأفكار) في الفاتيكان
بروما، فإن في هذا الأمر معانيى عديدة تستحق الرصد والتحليل. فمن
ناحية أولى، تصب هذه الانتقادات في تيار ديني أوروبي يرنو إلى إيجاد
صيغة من الاتساق أو، لنقل، التضامن بين الكنائس الأوروبية المتنافرة
على سبيل توحيد الصفوف أو الوصول إلى صيغة تفاهم يتم بموجبها تخطي
الحواجز المذهبية وتجاوز الخلافات الطائفية على طريق مقاومة الحركات
الأصولية التي راحت تهدد أوروبا مباشرة. ومن ناحية ثانية، تؤول هذه
الآراء إلى إحياء العواطف الدينية العدائية الدفينة، وهي ذات العواطف
التي لعبت أدواراً تشكيلية في تاريخ أوروبا وفي صراعاتها مع العالمين
العربي والإسلامي، خاصة أثناء الحملات الصليبية وما تلاها عبر حركة
الاستعمار الأوروبي.
ومع أن المرء لا ينبغي أن ينجرف بما يُشاع من قبل البعض في أن (الصراع)
مع الغرب إنما هو جزء لا يتجزأ من الحروب الصليبية، فإن الحقيقة
الماثلة أمامنا تتجسد في إرتجاع العقل الغربي (المتدين خاصة) إلى
(أرشيف) الحملات الصليبية والصراعات الطائفية بكل ما يحتوي عليه
من أفكار وصيغ منمطة ومفاهيم خاطئة، على جانبي هذا الصراع القديم
الميت والذي يراد حقنه بأكاسير الحياة. وبكلمات أخرى، يأتي مثل هذا
(الارتداد) إلى هذه المفاهيم الطائفية العصبية في أوروبا كاستجابة
لارتجاع بعض المسلمين المتطرفين إلى أرشيفهم الزاخر هو الآخر بالأفكار
الخاطئة والآراء العدائية. وعليه، فأن ما قاله الأسقف كيري، إضافة
إلى التهم التي وجهها كلروي (مقدم البرامج في هيئة الإذاعة البريطانية)
قبل أسابيع، إنما يندرج في ذات الجهد الأوروبي الذي يصب في مقاومة
تلك الصيغة من الإسلام السياسي التي انزلقت إلى متاهات الانغماس
والعدائية المتعامية والحساسية الزائدة نحو الغرب بدرجة مهاجمة رموز
حضارية متطورة، من ناطحات سحاب وحواضر جميلة وقطارات سريعة وسواها
من معطيات الحضارة المادية-النفعية التي أخذناها، بلا إضافات أو
تحويرات، عن الغرب كمستهلكين وليس كمبدعين.
وما يلفت النظر في شخصية الأسقف جورج كيري هو أنه قد عُرف، عبر سيرته،
بأنه من أصحاب الآراء الشجاعة حتى فيما يتعلق بالمسيحية وبفقهيات
الكنائس الأوروبية المتصارعة. والأهم من هذا هو اشتهاره بتأييد قيام
حوار فكري مع الشخصيات الإسلامية البارزة. وعليه، فإن تشجيعه لمثل
هذا (الحوار) لا يمكن أن يتبلور بدون تحقق بعض الحوارات بينه وربما
بين علماء دين مسلمين جهابذة. من هنا تكون التهمة الموجهة إلى الثقافة
الإسلامية ذات بُعد استنباطي مؤسس على المعرفة الجيدة، وليس على
العصبية العمياء (بعكس كلروي). لهذا السبب ظهرت بعض الآراء التي
أعلنها صحيحة بالدرجة الكافية لأن نهتم بها ولا نتجاوزها بسبب عصبياتنا،
ذلك أننا إذا ما فعلنا هذا فسنقع في المطب المهيأ باتقان خاصة لهؤلاء
الذين يفقدون صوابهم وحلمهم بسرعة باتجاه العصبية الخرقاء. لقد كان
كيري (وكما لاحظ هو ذلك في تصريحات تالية لإعلاناته في روما) شديد
الحذر من مهاجمة الإسلام كدين وكنظام اجتماعي تؤمن به أكبر كتلة
بشرية في العالم. لهذا السبب أنحى الأسقف الحذر باللائمة على التخلف
والجهل وعلى أنظمة الحكم السلطوية والشمولية التي تحكّمت بالعالم
الإسلامي طوال 500 سنة من العصور المظلمة، متهماً الثقافة الإسلامية
بأنها ثقافة تسلط. وهو بهذا الرأي لم يغادر الحقيقة تماماً. لقد
شهد التاريخ العربي الإسلامي عبر حقب الظلام الطويلة تهميشاً مريعاً
للثقافة الحرة بالدرجة الكافية لتعمد صلب رجال من أمثال الحلاج،
وبالدرجة الكافية لأن تضطر بعض الحركات الثقافية والفكرية الإسلامية
إلى اختيار العمل السري وهي تقدم بعضاً من أعظم ابداعات العقل العربي
والإسلامي: خذ، مثلاً، حركة إخوان الصفا البصرية وحركات سياسية أخرى
يعمد المؤرخون العرب والمسلمون على تجاوزها لأنها لا تصب في المجرى
الرئيسي لثقافة السلطة، كالمعتزلة والقرامطة وسواهم. لقد عمد رأس
النظام السياسي في التاريخ الإسلامي (منذ بداية الدولة الأموية)
إلى تعشيق الثقافة بشخصه وبمصالحه السياسية. لهذا السبب ظهرت في
تاريخنا الثقافي ثقافتان، ثقافة البلاط وثقافة الشعب. وقد أرّخ الحوليون
العرب والمسلمون لثقافة البلاط ولم يؤرخوا لثقافة الشعب التي واجهت
مصيراً مظلماً عبر الضياع والتهميش والنسيان، حيث لم يبقَ منها شيء
سوى القليل النادر من أدبيات المعارضة والإبداع.
من هنا كانت تهمة ( ثقافة التسلط) غير المتمكنة من الحوار تهمة واقعية،
ذلك أن الثقافة الإسلامية عبر العصور المظلمة كانت مرآة لتسلط الخليفة
أو الوالي. هذه الثقافة المتواشجة مع السلطة لا تسمح بإبداء الرأي
الآخر وهي تعكس تسلط البلاط على الثقافة المتمردة أو الثقافة السياسية
والاجتماعية المستوحاة من الواقع كما هو معكوس في حياة الناس من
العامة. وقد طفت على سطح الثقافة الإسلامية المعاصرة ظواهر تؤكد
ما ذهب إليه كيري من تهم مثل الجمود والعجز عن الحوار وعدم القدرة
على توليد الأفكار الجديدة.
أما تهمة (الجمود) الموجهة إلى الثقافة الإسلامية، فهي تتجلى في
الميل الشعبي الكاسح للتحشد وراء الأفكار والثقافات الجاهزة الوافدة
إلى العالم الإسلامي من العالم الغربي الذي بقي لقرون عديدة هو الذي
يولّد الأفكار والفلسفات والنظريات الجديدة. حتى نصوصنا السياسية
والإعلامية الشائعة لا تفلت من المصطلح السياسي الغربي الذي بقي
حتى اللحظة مهيمناً، كعلامة من علامات الاعتماد على ما يقدمه (الآخر)
لمباشرة (الذات): الشيوعية واليسار واليمين والعولمة والفرويدية
والرأسمالية، كل هذه التعابير والإيديولوجيات تشكل جزءاً صغيراً
من قائمة (استعارات) الثقافة الذائعة في العالم العربي الإسلامي
من خزين الثقافات الغربية. وهذا ما يبرر لكيري ولسواه الإدعاء بأن
العقل المسلم لم يجهّز العالم بابتكارات ثقافية أو سياسية من العيار
الكوني، أي المقبول والمتداول دولياً. ويرد كيري، والعقل الاستشراقي
معه، هذه الظاهرة في تاريخنا إلى هيمنة العلوم الإسلامية المغلقة
على الحياة الثقافية في عالمنا: بمعنى أن كل جهد ثقافي (يجب) أن
يكون هامشاً للعلوم الدينية، وبعكسه يكون جهداً يوضع في سلة (الزندقة)
و (الشعوبية) و (المحاكاة) العمياء. لقد كانت قبضة الحاكم من ناحية،
وقبضة العلوم الفقهية الكارهة للاجتهاد من ناحية ثانية بدرجة من
القوة والجبروت أنها لم تسمح ولم تتساهل مع أي نوع من الأفكار (الأخرى)
المختلفة، حتى وأن لم تكن متمردة أو عدائية للأنساق السياسية والثقافية
السائدة.
من هنا حاول كيري، بفطنة، تجنب نقد الإسلام كي ينحي باللائمة على
بعض الأنظمة الموصوفة بـ(الإسلامية) حتى يبرر الادعاء بأنه غير مدفوع
بعدائية للإسلام كنظام عقائدي قديم وعظيم الشيوع. لقد تحدث كيري
عن (الجو الفلسفي) المنغلق في العالم الإسلامي بوصفه من معطيات الشمولية
السياسية التي تحكمت بالعالم الإسلامي عبر أكثر من خمسة قرون، مصوراً
هذا (الجو) كمهاد خانق للعقل المتحرر أو المتمرد لأنه لا يسمح بفضاءات
ثقافية وسياسية من النوع (المختلف) أو الخارج عن حدود (المألوف).
كما أن كيري لم يكن يقصد فقط الأنظمة الحكومية في بعض الدول الإسلامية
عندما وصف ثقافتنا بـ (السلطوية)، ذلك أنه كان يقصد كذلك (التسلط)
الذي تفرضه الحركات الإسلامية الراديكالية على عقول أتباعها بدرجة
الانغماس الأعمى حد الاتيان بأعمال لا ترضى عليها حتى العقائد الإسلامية
المعروفة بالمحبة والتسامح. إذاً، هناك نوعان من التسلط الذي يؤدي
إلى الجمود: تسلط الحاكم، وتسلط الدوغماتية (وحيدة الجانب). أما
اتهام المسلمين بأنهم قد أخفقوا في العلوم،فهو اتهام مردود تاريخياً،
ولكن مقبول عصرياً، ذلك أن التاريخ العربي الإسلامي (الذي حقق المستشرقون
جزءاً مهماً منه) زاخر بالأسماء العلمية الإبداعية (من الحسن بن
الهيثم إلى ابن سينا والرازي وابن رشد وغيرهم كثيرين) في عصر كانت
تعيش فيه أوروبا على ابتياع صكوك الغفران وهي تحرق العلماء على الخازوق
(بتهمة السحر) وبسبب ادعائهم بكروية الأرض. أما في عصرنا هذا: فـ
( نعم)، لا يزيد العالم الإسلامي عن (مستهلك) للثقافة وللتكنولوجيا
الغربية. وكيري محق بهذا الإدعاء. ولكن ألم يكن من واجبه أن يرد
هذا العجز عن الابتكار والإبداع إلى قرون هيمنة الإمبراطوريات الغربية
التي ورثت عروش طغاة العصور المظلمة لتزيد من الظلام ظلاماً ولتحيل
العالم الإسلامي إلى مجرد منتج للمواد الأولية يضخ نحو (الذروة الحضارية)
الغربية التي تأخذ كل شيء من دولنا لتعيده مُصدّراً إلينا كطائرات
وسيارات وحاسبات !
أ.د.محمد الدعمي
maldaami@yahoo.com
أعلى
مشروع البرنامج الوطني.. خطوة في الاتجاه الصحيح
استمرارا لحوارات سابقة ، تعقد الفصائل والقوى
الوطنية والإسلامية الفلسطينية اجتماعات متتالية في كل من غزة ورام
الله بهدف التوصل الى اتفاق حول مشروع البرنامج الوطني الذي تقدمت
به فصائل منظمة التحرير ، ومن اجل بحث ورقة تقدمت بها حركة حماس
، تتضمن اشكال التنسيق بين كافة القوى فيما لو انسحبت اسرائيل من
قطاع غزة. مارشح (حتى اللحظة) عن هذه الاجتماعات: ان الفصائل المنضوية
في اطار منظمة التحرير اتفقت على مشروع البرنامج الوطني ، الذي يشمل
تشكيل (قيادة موحدة) تشارك فيها الحركات الإسلامية: حركة المقاومة
الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي ، مما يهيئ ايضا لدخول الحركتين
الى مؤسسات م.ت.ف بما في ذلك لجنتها التنفيذية.
الرئيس عرفات ووفقا لتصريحات هاني الحسن (عضو اللجنة المركزية لحركة
فتح) وافق على تشكيل القيادة الموحدة ، والتي ستكون اطارا جديدا
لمنظمة التحرير وهي ليست بديلا عن السلطة الفلسطينية ، التي كانت
بدورها قد أقرت انضمام ممثلين عن الفصائل خارج المنظمة الى الوفد
الفلسطيني في مؤتمر القمة المؤجلة في تونس ، وهذه ان تمت في مؤتمر
القمة المزمع عقده ، ستكون المرة الأولى لمشاركة التنظيمين في وفد
رسمي فلسطيني ، وبمثابة اعتراف ضمني منهما بمنظمة التحرير الفلسطينية.
ردود الفعل الأميركية ، الجاهزة دوما للتدخل السافر في الشؤون الفلسطينية!
وكما صرح مسؤولون فيها ، حذرت السلطة الفلسطينية من اشراك حماس في
منظمة التحرير او في المؤسسات التابعة لها ، مما حدا بالوزير صائب
عريقات الى الرد على التحذير الأميركي والقول: بان هذه الخطوة هي
شأن فلسطيني داخلي ، منتقدا الضمانات التي ستقدمها الولايات المتحدة
لجيش الاحتلال الاسرائيلي بعد الانسحاب من غزة داعيا الى اهمية توفيرها
لضمانات بشأن إجبار اسرائيل على تنفيذ القرارات الدولية.
من الواضح ان الاستهداف الإسرائيلي لكافة الفلسطينيين بمختلف انتماءاتهم
، والتنصل الإسرائيلي من أية صيغة دولية للانسحاب من المناطق المحتلة،
والاستعاضة عن ذلك بتطبيق خطة الفصل مع الفلسطينيين في غزة من جانب
واحد بموافقة الولايات المتحدة ، وتهديد شارون للرئيس عرفات بالاغتيال،
وان التعهد (بعدم المساس بحياته) قد عفا عليه الزمن ، كل ذلك..ساهم
في تقريب الشعور بأهمية وحدة الصف بين السلطة ، وكافة الفصائل والقوى
الوطنية والإسلامية الفلسطينية كما ان المطروح اسرائيليا على الفلسطينيين
ليس أكثر من حكم إداري ذاتي للسكان في أبعد الأحوال .
فالولايات المتحدة ، صاحبة مشروع خارطة الطريق ، ورغم تأكيداتها
بان خطة شارون لاتعني التخلي عن مبادرتها للحل بتطبيق بنود هذه الخريطة..إلا
انه وفقا لما تشير اليه المصادر الأميركية والإسرائيلية ، فان الطرفين
يتحركان صوب اتفاق كامل بشأن الانسحاب من غزة ، قد تمت تفاهمات حول
نقاط كثيرة بين شارون ومسؤولين اميركيين في مباحثات عقدت في القدس
المحتلة الاسبوع الماضي ، وانه سيتم الاتفاق على المسائل المتبقية
قبيل او اثناء اجتماع بوش وشارون في الزيارة المقررة للأخير الى
واشنطن ، والتي ستتم في موعدها في الرابع عشر من ابريل الجاري ،
وهذا يؤكد تخلي الولايات المتحدة عن خارطة الطريق وتبنيها الكامل
لمقترحات شارون فيما يسميه (فك الارتباط).
رئيس الوزراء الاسرائيلي ، اوضح اهداف خطته من خلال تصريحات كثيرة
(فهي ستنزل ضربة قاصمة بالفلسطينيين ، وتؤخر اقامة دولتهم لسنوات
كثيرة ) كما اكد على ان اسرائيل لن تنسحب الى حدود الرابع من يونيو
1967، وستخلي المستعمرات الـ21 في قطاع غزة ، وتبقي سيطرتها على
الخط الحدودي الفاصل مع مصر ، وستمنع اعادة تشغيل مطار غزة الدولي
او اقامة ميناء بحري..اي ان الانسحاب سيتم في ظل بقاء السيادة الإسرائيلية
على كافة المعابر الحدودية وحرمان الفلسطينيين من اي من مظاهرها
، مما يعني..حكما ذاتيا موسعا ليس إلا!! ويبرز السؤال : أين هي الوعود
الأميركية في ان عام 2005 سيشهد قيام دولة فلسطينية على قدم المساواة
مع اسرائيل ؟ من الواضح ان الولايات المتحدة اقتربت من المطرح الاسرائيلي
الى حد الاندماج التام فيه والتماهي معه.
شارون اشار ايضا في تصريح له الى صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية
بان اسرائيل ستقبض ثمنا كبيرا مقابل انسحابها من غزة: امتناع الولايات
المتحدة عن طرح اي اعتراض بشأن مسار جدار الفصل ، مشيرا بان هذه
المسألة (ازيلت من جدول الأعمال نهائيا) الموافقة على مواصلة العمل
العسكري الاسرائيلي في أية مناطق فلسطينية يتم الانسحاب منها ، عدم
ممارسة اي ضغط على اسرائيل ، اعلان رسمي أميركي بالموافقة على حظر
عودة اللاجئين الفلسطينيين الى داخل (الخط الأخضر) التزام الولايات
المتحدة بعدم انسحاب اسرائيل الى حدود الرابع من يونيو 1967، اضافة
الى ما ستحققه إسرائيل من كسب مادي ، بتعويضات مالية كبيرة تقارب
الستة مليارات دولار (كثمن) من المجتمع الدولي مقابل انسحابها من
غزة ، والى ما سيحققه شارون شخصيا من كسب معنوي بموافقة الولايات
المتحدة على خطته ، وماسيعنيه ذلك من انعكاسات ايجابية له على صعيد
الداخل الإسرائيلي في الوقت الذي تلاحقه فيه قضايا فساد كثيرة ،
وتهدد كل مستقبله السياسي ، وبقاءه في منصبه كرئيس للوزراء.
بعد هذه اللوحة المتكاملة من الواقع السياسي الذي يحيط بالقضية الفلسطينية
، وبعد التصعيد الهمجي الاسرائيلي مؤخرا ضد الشعب وضد القادة الفلسطينيين
وكافة الناشطين والتهديد باغتيالهم..يصبح لزاما على السلطة وعلى
كافة القوى والفصائل الوطنية والاسلامية الفلسطينية الوصول الى برنامج
وطني يتضمن تشكيل قيادة وطنية موحدة ، تكون بمثابة مرجعية نضالية
لكفاح الشعب الفلسطيني ، وكصيغة تقارب بين كافة الأطراف في الاجابة
على كافة التساؤلات والمعضلات المحيطة بالقضية ، وكشرط لتعزيز الوحدة
الوطنية ، وكمجال للإشراف على كافة الشؤون الحياتية الداخلية ، بتعزيز
الديمقراطية ومكافحة الفساد والتسيب..فمشروع البرنامج الوطني هو
خطوة في الاتجاه الصحيح.
د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى

العراق الدامي... التاسعان والفارق بينهما!
ما الفرق بين التاسع من أبريل عام 2003 والتاسع
منه عام 2004؟!
سؤال تطرحه الأيام العراقية الدامية بقوة، أما الإجابات فهي ما يمكن
اختصاره بما يلي وعلى الوجه التالي:
في الأول... سقطت عاصمة الرشيد، وأعلن الغزاة إتمام عملية الغزو
وإكمال احتلالهم للعراق، ومن ثم البدء في التدمير المنهجي للدولة
العراقية ومحاولات شطب الذاكرة الوطنية لبلاد الرافدين، والانطلاق
من بعد في مشروع إعادة صياغة العراق وفق مقاسات الاحتلال، أو بما
ينسجم مع الاستراتيجيات الكامنة وراء استهدافات الغزو ومخططاته،
أي بما يضمن هيمنةً كاملةً على مقدرات ومستقبل أرض السواد باعتبار
ذلك خطوة هامة وضرورية باتجاه، أولاً: السيطرة على مجمل الحوض العربي
الإسلامي، كتوطئة للأمر نفسه على مجمل الكرة الأرضية، وكل ماله علاقة
بما ترجم مؤخراً أو ضُمّن في مصطلح الشرق الأوسط الكبير. وثانياً:
ضمان أمن الثكنة الاميركية المتقدمة في المنطقة إسرائيل، وتعزيز
تفوقها، وتثبيتها مركزاً إقليمياً رئيساً تدور من حول شظايا الدوائر
العربية العاجزة والمفتتة، ويمكن الاستطراد هنا ما شئنا، في هذا
الذي غدا معروفاً للجميع، بعد أن حفل عام كامل من احتلال العراق
بما يفيض من بيّنات تفضح وليس مؤشرات تدل فحسب على تلك الاستهدافات،
أو ما كثر الكلام حوله هذه الأيام، وبما يغنينا عن الخوض فيه.
طبعاً نحن في غنى أيضاً عن التعرض لمبررات الغزو الكاذبة كأسلحة
الدمار الشامل، والعلاقة مع الإرهاب، وآخر هذه المزاعم الذرائع كما
نعلم هي الحرص على جلب الديموقراطية للعراق والمنطقة... المبررات
الكاذبة التي جلبت تداعيات افتضاحها، إلى جانب ذيول الحادي عشر من
سبتمبر، كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي في الإدارة الاميركية
إلى لجنة تحقيق تابعة للكونغرس لتدلي بشهادتها تحت القسم، وقبل يوم
واحد من مرور الذكرى الأولى لإنجاز الغزو، ولتجيب على سؤال يقضّ
مضجع دهاقنة الحملة الانتخابية للرئيس بوش، وهو ما إذا كان احتلال
العراق أمراً منشوداً، بل مبتوتاً فيه ومقرراً سلفاً قبل تلك الأحداث،
الأمر الذي سارعت الإدارة إلى الإفادة منه في اجتراح حملة أكاذيب
مستمرة، وتفريخ جملة من الذرائع الزائفة المتبدلة، وكل ما يلزم للإعداد
للحرب ويسهم في تبريرها؟
لا تعنينا هنا كثيراً مسألة إجابات كونداليزا رايس، فهي، وكما هو
المتوقع منها، دافعت بما عرفت به من احتراف في مثل هذه المقامات
عن سياسات الإدارة، وبكفاءة أو مراوغة متقنة لا تعوزانها، لكنها
لم تجد بداً من الاعتراف بأن سدنة البنتاغون وعلى رأسهم وزير الحرب
رامسفيلد ونائبه وولفيتز كانا قد سارعا عشية تلك الأحداث لاقتراح
الرد عليها باستهداف العراق في حينه... ولعل في هذا ما يكفي!!!
وفي الثاني... أي ما يصادف اليوم، التاسع من أبريل عام 2004، أي
بعد عام بتمامه وكماله من الاحتلال، فقد انتفض العراق المحتل من
أقصاه إلى أقصاه في وجه المحتلين، الذين ، وهنا المفارقة،
لا يكفون عم الزعم بأنهم جاءوا لتحرير العراق ونشر الديموقراطية
بين ربوعة لكنهم يرفضون في نفس الوقت مطلباً لما يطلقون هم عليهم
صفة المعتدلين من العراقيين الذين لا يطالبون إلا بانتخابات تسبق
تسليم السيادة الموعودة، بحيث تتسلّمها هيئات اختارها الشعب وأضفى
عليها شرعيته.
...يوم توحّدت فيه الفلّوجة مع كربلاء، والرمادي مع النجف، وبعقوبة
مع الكوت، والقائم مع الكوفة، والموصل مع البصرة، وكان جلياً فيه
توحُّد النبض البغدادي في كلٍ من الأعظمية والكاظمية. كما كثرت فيه
أنباء الوساطات في طلب التهدئة، وتحدث فيه بريمر مكرهاً أو مناوراً
عن هدنة أو وقف لإطلاق النار لم تتقيد به قاذفات ال ف-16 وال ف-18!
أي أنه بين التاسعين جرت الرياح بما لا تشتهي أو تتوقع سفن الغزو...
سقطت الذرائع المختلفة الواحدة تلو الأخرى، وتخبط الاحتلال حيث أزمع
ترتيب البيت العراقي وفق ما يخدم أجندته، فازدادت ورطته العراقية
إيغالاً، وبدأت أطراف حلفائه في مراجعة مسألة التحاقها به والبحث
عن سبل التخلي عنه، أو ما يسهل عليها الانكفاء والانسحاب أو التنصل
من تبعية وربقة واقع جاء بما يخالف ما تشتهيه أو تريده أو تحتمل
تكلفته عندما انضمت إلى جحافل الغزو. خسر حلفاء هامين مثل الأسبان،
وسمع البولون يعلنون ندمهم، والكزخستانيون يهمسون بنيتهم الانسحاب.
وواجه استفظاع العالم بأسره لمذبحة الفلّوجة... المذبحة التي ذبح
جزاروها ضمناً مع من ذبحوا في المدينة البطلة مجلس الحكم الذي هو
أصلاً من صنعتهم!
والأهم: أن سياسة تطييف العراق واللعب على تعقيداته المذهبية والأثنية
قد أفشلها الدم العراقي المتّحد في ساح نشدان الحرية والتخلص من
الاحتلال، وأفصح العراقيون عن وعي وطني عال، وإدراك سليم لخطورة
ما يحاك لهم فتصدوا له ببسالة تليق بتاريخهم. والأكثر أهمية أن بلطجة
المحتلين، الناجمة بالضرورة عن عقلية تلازم الروح الاستعمارية الإمبراطورية،
قد وجّهت بدمويتها في الفلّوجة والرمادي وكربلاء والكوت، كما أشرنا
آنفاً، ضربة قاتلة للطبقة السياسية التي حاول الاحتلال اختلاقها
واستخدامها بالوكالة في حكم العراقيين، بدا هذا واضحاً في عجز رموزها
عن مجرد النجاح في التوسط بين المحتلين والمقاومين، بين الآلة العسكرية
الغازية، التي جلبت بعضهم معها وبين الدم العراقي الذي يقول في الفلّوجة
أما العيش بكرامة أو الاستشهاد. أي أن الاميركان في نهاية المطاف
لم يبقوا لحلفائهم من هؤلاء الذين لم يتورّعوا عن تحميل مقتدى الصدر
المسؤولية عما يجري وطالبوه بتسليم نفسه لعدالة الاحتلال، وفي حين
لم يجرءوا على مجرد توجيه إشارة لوم واحدة للاحتلال، سوى مناشدة
الحليف ضبط النفس، والتهديد بالاستقالات، وربما التفكير بالرحيل
مجدداً لمنافيهم التي قدموا منها. والحقيقة أن واقع هامشيتهم يقول
أنه لا يمكن تحميلهم أكثر مما يستطيعوه، أو لا يمكن الطلب منهم ما
ليس لهم فيه حيلة.
...إذن لا جامع بين التاسعين من أبريل بداية الاحتلال وأبريل نهاية
عامه الأول سوى استمرار الحرب وكأنها بدأت للتو ، وإذا كان الأول
إيذاناً باحتلال أعلنه الموالون (عيداً وطنياً) فإن الثاني يجوز
للعراقيين اليوم إعلانه عيداً للمقاومة، بعد أن أجبروا واحداً من
أشد دعاة الغزو حماسة مثل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، على
سبيل المثال، على مناشدة أطراف تحالف الاحتلال بالصمود، وإن يخرج
الحاكم المدني للاحتلال بريمر علينا بجملة من الأقوال الأشبه بالنكتة
دالاً على ضحالة أمريكية النكهة، مثل اتهامه للمقاومين العراقيين
بأنهم (جعلوا من غير المأمون بالنسبة للعراقيين عبادة الله)!!! أو
يتهم مقتدى الصدر بسرقة (الخمس) الذي يقدمه المقلدون عادة لمراجعهم
وفق المذهب الشيعي!!!
وإجمالاً لا يرى بريمر وجنرالاته في الهبة العراقية، والتي تكشف
عن إرهاصات ثورة شاملة تذكر بحق بثورة العشرين، إلا (تمرد حفنة من
المقاتلين)، ويتوعد بالتالي أنصار الصدر بـ (الاستئصال)، ويخيّرهم
بين (الاستسلام أو التدمير). أي كل ما يعبر عن أزمة المحتلين المتفاقمة
التي تدفعهم إلى مزيد من الإيغال لا محالة كأي مستعمر سبقهم عبر
التاريخ في الهروب إماماً، أي إلى المزيد من البطش والدموية التي
لا يعقبها إلا مواجهة المزيد من الإصرار على رحيلة من قبل الشعوب
التي لا يترك موضوعياً لها خياراً إلا مقاومته.
والآن، وفي غمرة ردود الأفعال على ما يجري في العراق، وحيث يطيب
للبعض تفسير ذلك بأنه ما كان إلا نتيجة منطقية لتخبط الاحتلال الناجم
عن عدم معرفة الاميركان المعتادة لسيكولوجيات الشعوب والأمم، أو
انتفاء تخطيطهم المسبق لما يتوجب عليهم فعله في هذا البلد بعد نجاحهم
في احتلاله، وهو الأمر الذي كنا نسمعه على الدوام، ومنذ الأسابيع
الأولى التي تلت الغزو، لا بد من التأكيد على ما هو مغاير كلياً
لذلك، وهو أن المحتلين الذين بدؤوا في تدمير الدولة العراقية منذ
أول لحظة سقطت فيها بغداد في أيديهم، لكي يعيدوا من ثم بنائها وفق
مواصفاتهم، هم أنفسهم من سعوا إلى التصعيد الأخير ودفعوا باتجاهه،
وكان لديهم سلفاً مخططاً مدروساً لا يصال الأمور الراهنة إلى ما
وصلت إليه، باستثناء أمر واحد طبعاً لا يمكن للعقلية الإمبراطورية
عادة القدرة على تصوره أو إدراكه هو توقع مدى حجم هذه الهبة أو اتساع
هذه الانتفاضة العراقية، وكذا اشتداد التماسك الوطني العراقي، الذي
تعكسه على الأرض وحده الدم الراهنة في مواجهة الاحتلال. أي أن الاميركان
يعرفون، عكس ما يقال، ما يريدونه، لكنهم، وهم الجهلة بكل ما له علاقة
بالتاريخ والجغرافية، يعجزون عن فهم ما سيواجهونه جراء سعيهم لهذا
الذي يريدونه. وعليه لا بد من القول أن ما اقترفوه في الفلّوجة ليس
ناجماً كما يزعمون عن نشدان ثأر الأربعة منهم الذين قتلوا في المدينة
ومثّل في جثثهم، وإنما فعل معاقبةً خطط له سلفاً، جاءت حادثة التمثيل
لتشكل غطاءً وذريعة له، وهي معاقبة اتخذ قرارها يوم أن حاولت الفلّوجة
اغتيال الجنرال جون أبي زيد، كما أن قرار التخلص من السيد مقتدى
الصدر والقضاء على جيش المهدي اتخذ على الأغلب منذ أمد، أقله من
يوم إعلان الزعيم الشيعي أنه يعتبر نفسه امتداداً ويداً ضاربة لحزب
الله وحماس عند الضرورة، وما إقفال صحيفة (الحوزة الناطقة(، ونشر
شريط مصور عن طريقة اعتقال مساعده الشيخ اليعقوبي بطريقة مهينة،
ثم إصدار مذكرة جلب قضائية مزعومة ضد الرجل، الذي من الواضح أنه
يشكل ظاهرة غير مريحة للاحتلال، و حالة مزعجة للمراجع التقليدية
الموصوفة بالاعتدال، وتياراً مقلقاً للقيادات السياسية المتعاونة
مع المحتلين، أو من ينتظر منها حصته الطائفية في الحكم تحت عباءة
الاحتلال، إلا استفزازاً مقصوداً وجراً متعمداً إلى التصعيد... أما
لماذا؟
الإجابة واضحة وضوح استهدافات الغزو أصلاً والتي أشرنا إليها بداية
وهي:
ان الاحتلال الذي يريد تخفيف ورطته بإجراء ما يزعم بأنه تسليم السلطة
إلى العراقيين في الموعد المعلن من هذا الصيف، أي نهاية يونيو القادم،
يريد سلفاً الوصول إلى ذلك الموعد وقد تخلص من كل الزعامات الوطنية
العراقية المناوئة للاحتلال أو غير المتعاونة معه، توطئة لتسليمها،
أي السلطة المنقوصة والسيادة المزيفة، لطبقة مضمونة الولاء له، وبحيث
لا ينافسها أو ينغص عليها سلطتها أحد، الأمر الذي يسهل لها أن تشرّع
له بدورها وجوده العسكري المديد المنشود، وبالتالي يضمن للأمريكان
خضوع العراق المشكل وفق مواصفاتهم بشكل غير مباشر أو مموه: سياسياً
واقتصادياً واستراتيجياً.
لكن ماذا بعد؟
إن هذا الما بعد، في غياب العرب الذين ما زالوا يجتهدون في البحث
عن أثر لقمتهم المفقودة، وفي ظل تجاهل دولي مشين، لن يكون إلا مزيد
من القمع الدموي للشعب العراقي، والذي يعني من ناحية أخرى مزيداً
من الورطة الاميركية في العراق، وفيه الكثير مما يذكر الاميركان
بالعقدة الفيتنامية، وحيث أن الاميركان ما جاءوا لكي يخرجوا منه
إلا مكرهين، وحيث أن إكراههم على ذلك ليس أمراً سهلاً فإن المشوار
الدموي العراقي هو في بدايته لا أكثر... لكن، هناك ما قد لا يختلف
عليه اثنان يقول: أنه إما أن يصدّ صمود أهل الفلّوجة الغزاة إلى
حين، وإما أن يكون لها في ظل الصمت الرسمي العربي مصير شقيقتها جنين
الفلسطينية، وقد يتوصل المتوسطون إلى تسوية توقف أو تؤجل عملية استهداف
اعتقال أو تصفية الصدر واستئصال تياره، وقد لا يكتب لوساطتهم نجاحاً،
لأسباب تخص المحتلين، أو لرفض الزعيم الشاب المساومة، إلا أن التاسع
من أبريل العراقي الثاني سوف يشكل منعطفاً عراقياً وأيضاً عربياً
له ما بعده... منعطفاً قد يدفع العراقيون ثمنه باهظاً، في نهاية
المطاف لن يكون قطعاً في صالح الاحتلال... هل سيؤرخ التاسع من أبريل
(الثاني) لفشل المشروع الأميركي في العراق واستطراداً المنطقة؟
الأيام العراقية القادمة سوف تجيب على هذا السؤال...
عبد اللطيف مهنا
كاتب فلسطيني
أعلى
أميركا .... ذلك المخلوق الشره
(لقد بدأنا نشعر بخطر التقارب السني الشيعي
بين الفئات الدنيا ، وعلينا ان نعمل بجد حتى يبقى هذا التعاون في
حده الادنى ولا يتجاوز ذلك ) قائل هذه العبارة هو الجنرال ريكاردو
سانشيز قائد القوات الاميركية في العراق ، صحيفة نيويورك تايمز 8
إبريل ، في تعليقه على المساعدات التي ارسلها العراقيون الى اهالي
الفلوجة .
ضربت القوات الاميركية ضربتها بعد ان بثت وسائل الاعلام صور بعض
فتيان الفلوجة وهم يمثلون بجثث متفحمة لعناصر من المخابرات الاميركية
ويجرونها على الطريق مصحوبة بهتاف المارة لينتهي بها المطاف معلقة
على احد الجسور ، منظر بائس لم يكن يرغب احد في رؤيته ، ولكن ماهي
الكلمات التي ستمنع هؤلاء الناس من القيام بفعلتهم تلك ان كانوا
يشاهدون يوميا جثث اقاربهم وجيرانهم متفحمة ومتناثرة الاشلاء بفعل
القنابل الاميركية.
سبعة ايام بلياليها واهالي الفلوجة يقاومون الطائرات والدبابات والمجنزرات
وقذائف مدفعية الميدان التي تصب عليهم حممها ليل نهار حتى احالت
تلك المدينة الصغيرة الى جحيم لاتفرق نيرانه بين مقاتل وطفل وعجوز
فالكل في النار والموت سواء .
مرت تلك الايام السبعة ثقيلة مروعة بعد ان اتت على اكثر من اربعمائة
وخمسين ضحية معظمهم لايعرفون كيف يحملون السلاح وعلى اكثر من الف
جريح لايجدون من الدواء ما يخفف الالم او يشفي الجراح ، ولم تمنع
تلك المناظر الجنرال الأميركي من ان يقول لقناة الجزيرة ( باننا
يجب ان ندافع عن انفسنا ضد اؤلئك الذين يهاجموننا ) !!! وقد ساندته
عنهجيته ليقول لمذيع الجزيرة ايضا بان احمد منصور ينقل اكاذيب ليبثها
من خلال الجزيرة عن الوضع في الفلوجة، فاذا كان ما ينقله احمد منصور
مزورا فلتمدنا وزارة الدفاع الاميركية بتغطيتها الحقيقية والتي تظهر
اهالي الفلوجة ينثرون الزهور والرياحين على الجنود القادمين من اخر
العالم لانقاذهم.
لقد كانت صور ضحايا الفلوجة هي التي اذابت الجليد المتراكم بين السنة
والشيعة ، فقد تبرع فقراء الشيعة بالقليل مما يملكون من طعام ودواء
ليرسلوه الى اخوانهم في الفلوجة ، ونقلت بعض التقارير الغربية عن
تسرب بعض المقاتلين الشيعة الى داخل المدينة المحاصرة للمشاركة في
القتال الدائر هناك ، انها اذن حقبة جديدة وتحد غير متوقع متمثل
امام قيادة الاحتلال.
ان الجملة التي قالها الجنرال سانشيز عن تخوفه من التقارب السني
الشيعي تثير عدة تساؤلات هي ..... هل المتوقع من التقسيم الطائفي
لمجلس الحكم زرع الخلاف بين السنة والشيعة العرب والاكراد ؟ وهل
التفجيرات التي حدثت في النجف وكربلاء كانت بايد اميركية ؟ وهل قتل
علماء السنة امام مساجدهم تم عن طريق عملاء الاحتلال ؟
خلال زيارتي الاخيرة للعراق قابلت الشيخ غازي الياور عضو مجلس الحكم
الذي قال لنا ان الاميركان كانوا يسألوننا مع المصافحة اذا كنا سنة
او شيعة ، ثم اضاف بانني كنت اقول لهم انه ليس من الادب فعل ذلك
، وهل تحب ان اسألك ان كنت كاثوليكيا او بروتستانتيا عندما اصافحك
؟
ان هذا التقسيم الطائفي الذي لم تعرفه العراق من قبل جاء بكل ثقله
مع المحتل ، لقد كرس هذه الطائفية مع مصافحته لاعضاء مجلس الحكم
العراقي ، وكرسها ايضا لخوفه من تقارب السنة والشيعة واتحادهما في
مقاومته ، وكرسها في توزيع المناصب والصلاحيات ، وايده في ذلك مجموعة
من القادمين على ظهور دباباته الذين لم يكونوا ليحصلوا على تلك المناصب
بدون الجهر بطائفيتهم والظهور بمظهر المدافعين عنها والذود عن حياضها
.
مخطئ من يعتقد ان القوات الاميركية جاءت الى العراق لتحريرها من
نظام دكتاتوري فاسد ، فاذا كان الامر كذلك فهل كل الانظمة في العالم
الثالث ديموقراطية ؟ وهل نظام الحكم العراقي هو الأسوأ ؟ لقد كانت
الادارة الاميركية تتفرج على كل الحروب التي لاتؤثر على مصالحها
ولم تتدخل فيها ، وكانت ومازالت تمد كل الطغاة باسباب البقاء وكانت
ومازالت تمد اسرائيل بالسلاح والمال الذي يستخدم لقتل المدنيين العزل
بدون ان يرف للرئيس بوش او لمن سبقوه رمش او يؤنبه ضمير .
ان الولايات المتحدة ليست أما تريد الخير لاطفالها او أبا يكدح ليجد
لقمة العيش لمن يعول ، انها مخلوق شره تحركه مصالحه وغرغرة معدته
ليس إلا ، فمن كان يظن غير ذلك فليعيد حساباته وليسأل اهالي الفلوجة
وضحايا جنين ومن احترقوا بالنار في فيتنام ومن ذاب جلدهم في هيروشيما
وناغازاكي.
عبد العزيز محمود
Qatar877@hotmail.com
أعلى

من سيطفىء الأتون
لم يتنبه العراقيون الى ما كانت تضمره الولايات
المتحدة يوم احتلت أرضهم قبل عام واوهمت العالم انها جاءت لتقضي
على الإرهاب وتنشر الرفاهية على ضفاف الرافدين وتحول دجلة والفرات
الى نهري عسل مصفى. وان فحوى البيانات والتصاريح التي امطرت بها
سلطة الاحتلال العراقيين والوعود التي قطعتها على نفسها وان ما ستقدمه
لهم من رخاء ينسيهم العهد الماضي، بدأ يترجم على الارض وعكس ما وعدوا
وانتظروا واسقط المحتل عن وجهه قناع الغدر بعد ان تأكد له ان حيلته
لم تنطل على العراقيين الذين فقهوا تماماً ان الرئيس بوش جاء ليحارب،
وهو أعلن نفسه على العالم (رئيس حرب) وليس رئيس سلام جاء يعمل من
اجل طمأنة الشعب العراقي ويمد اليه يد السلام..ولكنه مد اليه البندقية
وكأنه يستنفره إلى ميدان القتال والمبارزة انه تحد سافر قبله العراقيون
وجندوا كل ما لديهم من اسلحة تقليدية من مخلفات العهد البائد..سلاح
فاسد تعطل بمرور الزمن في المستودعات والترسانات العراقية الضخمة
وتحول اكثره الى خردة.
لم يكن بوش بحاجة الى حوالي نصف مليون جندي ليأتي الى العراق في
نزهة لم تدم سوى ليلة واحدة وساعات قليلة جداً عاد بعدها سريعاً
الى البيت الابيض وبدأ يستكمل استراتيجية الاحتلال الطويل الذي بدأ
يتحول تدريجياً الى حرب مفتوحة بين جيش الاحتلال والمقاومة التي
كان يتوقعها بوش ان تكون مكونة من عدة فئات من الشعب العراقي ولكنه
لم يتوقع لها ان تنمو بسرعة..بل ان تقتتل الفئات فيما بينها وتقضي
على بعضها البعض بعد ان تفقد ما لديها من اسلحة ودعم ومال وتصبح
معزولة..فتسارع قوات الاحتلال القضاء عليها طالما انها ـ في رأي
بوش وحلفائه، هي بؤرة الارهاب الحقيقي الذي يعاني منه العالم وفوضّه
العالم مجبراً بالدفاع عنه وتخليصه من اخطر الامراض التي تعاني منها
المجتمعات العالمية.
كان بوش يفكر في كل شيء الا في مصلحة الشعب العراقي وتحسين اوضاعه
الحياتية في ظل ما يملكه هذا الشعب من ثروات هائلة هي التي في الواقع
اسالت لعابه ولعاب ادارته..وليس لعاب الشعب الاميركي الذي يدفع اليوم
غالياً ثمن رعونة (رئيس الحرب في المال والارواح والابناء) الآن
عاد العراقيون ليقرأو ما بين سطور الوعود الاميركية ويكتشفوا ان
بوش استبدل ديكتاتورية او عهداً سيئاً بأسوأ منه..وعرفوا ان سيد
البيت الابيض كان يتوقع منهم هجمة شرسة سيجعلها مدخلاً واسعاً لديمومة
احتلاله..ولماذا سارع الى تسريح الجيش العراقي كله بما فيه الشرطة
وقوات الامن، وراح ينشئ جيشاً جديداً لا يمكنه ان ينتهي تكوينه بعد
اقل من ثلاثة اشهر على تسليمه السلطة الى العراقيين..ولماذا حصر
الشركات المقبولة لاعادة بناء العراق، في الاميركيين والمشاركين
من دول التحالف المحتل واسند ادارة صرف اموال المانحين الى مؤسسة
اميركية: البنك الدولي. واستبعد من الورشة العراقيون وبقية العرب
من رجال أعمال ومقاولين، كل هذه التصرفات ان دلت انما تدل على شيء
واحد (الاحتلال الطويل) على حساب رفاهية شعب وكرامة انسان مقهور
منذ سنوات يقع اليوم فريسة بين انياب وحش شرس اين منه الوحش القابع
في السجن؟.
دول كثيرة سبقت الولايات المتحدة الى هذا النمط من احتلال وقهر الشعوب
وسلب حرياتها وكتم انفاسها، وكلها في النهاية تحررت واستقلت نهائياً..انما
لم تقطع (شعرة معاوية) مع اميركا..وهنا مكمن الخوف على مصير تلك
الشعوب التي تحاول دائماً البقاء على مسافة من اي نظام اميركي كان..
جمهورياً ام ديموقراطياً.
لم تحسن الولايات المتحدة قراءة الواقع العراقي قبل ان تغطس في مستنقعه
وترمي بنفسها في الاتون الملتهب..ولعل جهلها بالمعطيات قبل سنة هو
الذي قادها بسرعة الى ذلك المغطس.
اعتقدت اميركا انها لن تواجه مقاومة تذكر..وكان اعتقادها صائباً
ولكن المستقبل كان عكس ذلك.
فقد غاب عن بال المحتل ان يقرأ جيداً ابعاد الاستراتيجية الدفاعية
وما تسرب منها يومذاك على لسان بعض اجهزة الاعلام العربي والغربي
وهو جهل القوات الاميركية في القتال البري في الاجواء الحارة وترك
الاميركيين يهبطون في الاراضي العراقية حيث كان ينتظرهم الموت الزؤام.
وانفتح الجحيم العراقي وبدأ يلتهم العشرات من الجنود الاميركيين
ومن الشعب العراقي المسالم الذي وجد نفسه داخل الاتون دون ان يدري
لماذا طبعاً، ورغم المعارك بين المقاومة والمحتل التي قادت الشعب
العراقي كله من اقصى جنوبه الى اقصى شماله، لم تكن المقاومة قد وحدت
نفسها ولم يقم بين فصائلها اي تنسيق مطلوب لمواجهة الواقع.
وطيس المعركة بدأ يشتد عندما دخل المثلث السني (بغداد وجوارها) القتال
بشكل منفرد تقريباً ثم اعلنت الفصائل السنية انها تنسق مع الشيعة
وانها على تفاهم مطلق لدحر الاحتلال.
المقاومة العراقية الشاملة والموحدة لم تستكمل بعد تكوينها..فالمقاومة
السنية تحتاج لدعم شيعي حتى تنجح في المثلث المعروف باسمها..وما
يدعمها من مقاومة شيعية لا تزال ضعيفة ويمثلها زعيم واحد هو مقتدى
الصدر..بينما ما زالت الاكثرية بقيادة آية الله السيستاني والحكيم
رئيس الثورة الاسلامية الشيعية يلتزمان الصمت ويراقبان تطور الاوضاع
المتلاحقة وعلى الحياد تقف الفعاليات الكردية المتواجدة بكثافة في
الشمال..والمتوقع ان تتحول تلك الاطراف الى وسطاء للحوار مع الولايات
المتحدة حتى لا تتسع دائرة العنف بل لاطفاء الاتون العراقي نهائياً
في مطلع يوليو الحالي.
ومن الخطأ الفادح ان نطلق على ما يجري في العراق اللبننة او القبرصة
لأن ما حدث في لبنان وقبرص كان حربين طائفيتين وما يجري في العراق..هو
حرب وطنية شاملة تشبه المقاومة الفرنسية ابان تحرير فرنسا من النازية.
فالمقاومة هي التي تحرر الاوطان وهي التي تدحر العدو وتهزمه شر هزيمة،
فهكذا فعلت المقاومة اللبنانية والفيتنامية واليوم المقاومة العراقية
وبعدها المقاومة الفلسطينية
أحمد الأسعد
مراسل الوطن في لبنان
أعلى
تعهدات بوش بعودة السيادة للعراقيين وهم وسراب
كبير
ان تعهد الادارة الاميركية باعادة السيادة
للشعب العراقي بحلول موعد الثلاثين من يونيو المقبل لا يعدو كونه
خدعة مثل خدعة اسلحة صدام من الدمار الشامل.
وكان وزير الدفاع الاميركي (دونالد رامسفيلد) قد وصف لحظة توقيع
(الدستور العراقي المؤقت) بانها لحظة تاريخية تظهر قوة وتأثير الحرية
وكان اعضاء مجلس الحكم العراقي قد وقعوا على قانون ادارة الدولة
في الثامن من مارس الماضي ابان الفترة التي تلت الاقتراح الاميركي
بنقل السلطة الى العراقيين. ومع ذلك يبقى قانون (ادارة الدولة العراقية
في المرحلة الانتقالية) وثيقة خادعة صممت خصيصا لاخفاء سيطرة الولايات
المتحدة المتنامية على العراق. فقد اعلنت هذه الوثيقة عن الاستعدادات
المفصلة لنقل السلطة لحكومة انتقالية تتولى مقاليد الحكم بنهاية
شهر ديسمبر المقبل ولكنها لم تحدد الشكل او الطريقة التي سيتم اختيار
الحكومة العراقية وفقا لها تلك الحكومة التي ستتولى السيادة التامة
بعد الثلاثين من يونيو المقبل وذلك حسب زعمهم.
ومن الممكن ان تعزو هذه القضايا الحرجة الى عملية المداولات والمشاروات
التي قامت بها السلطة الانتقالية التي تقودها الولايات المتحدة ومجلس
الحكم العراقي القائم ويأمل المسؤلون في الادارة الاميركية في نجاح
مفاوضى الامم المتحدة في اقناع المسئولين العراقيين وخصوصا القادة
الشيعة المتحفظين بالعمل على توسيع مجلس الحكم الانتقالي.
وحتى لو نجح المفاوضون في هذا الامر فمن المحتمل ان يتساءل بعض المتشككين
عن الطريقة التي يختلف بها مجلس الحكم العراقي القائم غير المستقل
والذي لا يتمتع بالسيادة عن الحكومة المستقلة ذات السيادة وستكون
اجابة الادارة الاميركية على هذا السؤال ضعيفة وواهية وعلى كل يبقى
بامكان الرئيس (بوش) الزعم بأن العراق على مشارف الديمقراطية عندما
يعلن انتهاء الاحتلال وعندما يوظف (بوش) المحاسبين الاميركيين في
السفارة الاميركية الجديدة التي سيتم افتتاحها في العراق والتي ستكون
واحدة من اكبر سفارات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط ولكي
يبرهن على مزاعمة سيستمر بوش في الاستشهاد بفقرات من الدستور المؤقت
بقائمته المدهشة في الفصل الثاني والذي تم تخصيصه لاقرار (الحقوق
الاساسية)
وفوق ذلك كله فان الطريقة التي تمت بها صياغة قانون ادارة الدولة
العراقية ليست من الديمقراطية في شيء فقد تم صياغة القانون بواسطة
جماعة صغيرة من المسئولين العراقيين الذين تم تعيينهم لاداء هذه
المهمة من قبل الادارة الاميركية وقد خضع هؤلاء المسئولون لتوجيهات
بعض القادة الاميركيين. ولن يكون هناك اي فرصة في المستقبل لدى الشعب
العراقي لتعديل الدستور او حتى مجرد التفكير في اقتراح بعض التعديلات
حتى اشعار آخر وفي الوقت نفسه فان هذه الوثيقة تجيز التواجد المستمر
للقوات الاجنبية على الاراضي العراقية بقولها (ستكون القوات المسلحة
العراقية شريكا اساسيا في القوات الدولية العاملة في العراق والتي
تخضع لقيادة موحدة وهذه المسألة مهمة جدا بالنسبة للمواطن العراقي
الذي لم يتم اخذ رأيه بخصوص هذه المسألة.
ولن تحترم هذه القوات الاجنبية تحت اي ظرف الحقوق الاساسية التي
اقرتها الوثيقة للمواطنين وستتسبب هذه المكايد في مأزق رئيسي لادارة
الرئيس بوش فبينما ترغب الادارة الاميركية في التوصل الى تحقيق الديمقراطية
في العراق وذلك لاهداف دولية وداخلية تبدأ الادارة الاميركية تخوفها
من عملية تسليم السلطة للعراقيين وتكمن مشكلة ادارة الرئيس بوش في
انه سيكون من المستعبر للدولة العراقية الحرة تطبيق جدول الاعمال
الاميركي التي يحبذ قيام دولة علمانية في العراق ويدعو الى وجود
قواعد عسكرية اميركية دائمة في الاراضي العراقية ويهدف الى السيطرة
على صناعة النفط العراقية وذلك بالاضافة الى خصخصة الاقتصاد وارتباط
السياسة الخارجية بالتوجهات الاميركية وقد كان بعض كبار المسئولين
في ادارة الرئيس بوش يأملون في اعادة حدوث النجاح الذي انجزته اميركا
في اوائل الحرب الباردة وذلك حال تخطيطهم لمهمتهم في العراق وقد
كان تصورهم لحكومة ما بعد صدام يدور حول نمط الحكومة الاصلاحية المطوعة
والتي يكون بوسعها اشعال شرارة التحول المماثل في منطقة الشرق الاوسط
وقد تغاضت الخطة التي رسمها (رامسفيلد) لدخول العراق عن النظر بعين
الاعتبار الى القوات العراقية المقاومة كثيرة العدد وصعبة المراس
والتي لم تضع سلاحها واستمرت في عمليات المقاومة بضراوة.
وكانت النتيجة حدوث احتلال مدمر وظلت مسألة الامن واحدة من اهم المعضلات
المؤرقة وان الفشل الحالي للادارة الاميركية في التحضير للتحول السياسي
في العراق ما هو الا دليل على حماقتها حين اقدمت على غزوة العراق
في الايام الاولى.
وفي حال اذا ما كان (بوش) وادارته قد استمعوا الى النصائح التي ادلى
بها الخبراء في شئون الشرق الاوسط الذين يعملون في ادارته لكان (بوش