رأي الوطن
الهدنة تتبعها لجنة تحقيق
مذبحة الفلوجة التى ارتكبتها قوات الاحتلال
الأميركى بدم بارد وعن طريق القنص المتعمد للنساء والأطفال بالمئات
هو انعكاس لقرار بوش بإعفاء جنوده الذين يرتكبون أعمال إبادة من
المحاكمة، ومهما حاولت القوات الاميركية إخفاء تفاصيل المأساة التى
صنعتها أيدى جنودها فإن أعداد الضحايا تفضح المؤامرة وتعري أبعادها،
ولعل الشعور بالمرارة لدى أهل الفلوجة من محاولات تجاهل الكارثة
هو الذي يدفعهم الى التحفظ على اتفاق وقف إطلاق النار الذي طلبته
القوات الاميركية، فوقف اطلاق النار، فيما لو أصبح واقعا، يجب ان
يتلوه مباشرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تحت رعاية الامم المتحدة
على غرار اللجنة التي تشكلت عقب تدمير مدينة جنين في فلسطين على
أيدى قوات الاحتلال الاسرائيلى، فالتحقيق في مؤامرة الابادة الجماعية
وتعمد استهداف النساء والاطفال بالقنص سيظهر الى أى حد لجأ قادة
القوات الاميركية في العراق الى تنفيذ برنامج عقاب جماعى انتقاما
لحادث التمثيل بجثث رجال الكوماندوز الاميركيين مؤخرا.
وهذا المسلك يدحض أقوال هؤلاء القادة لوسائل الاعلام بأنهم يحاولون
تجنب المدنيين، فالحقيقة الدامغة انهم كانوا يتعمدون اسقاط اكبر
عدد ممكن من المدنيين، هذه التصرفات هي التي جعلت المقاومين يتشككون
في نية القوات الاميركية من وراء طلب الهدنة، خشية ان تكون مجرد
كسب للوقت من أجل تعزيز تلك القوات التى تحاصر الفلوجة بكتيبتين
جديدتين وهو الامر الذى اكد شهود عيان أنه حدث بالفعل.
ان رفع دعاوى قضائية ضد الادارة الاميركية وجيشها العامل في العراق
هو حق للعراقيين الذين تضرروا من الهجمة الشرسة التى تعرضت لها المدن
العراقية وبخاصة الفلوجة، هذا اذا اراد المجتمع الدولى ان يعيد الامور
الى نصابها ويعيد للقانون الدولى هيبته ويعيد للانسان حقوقه ويحمى
كرامته، فقد حولت التصرفات الاميركية العالم الى غابة يأكل فيها
القوى الضعيف ويذل فيها المسلحون بأشد الاسلحة فتكا قوما عزلا الا،
من قوة الارادة وحق الحياة، وجدير بدعوة مجلس العشائر العراقية لاجتماع
جامعة الدول العربية للنظر في الاحداث الاخيرة ان تكون محل اهتمام
حتى لا يشعر العرب في العراق أنهم أصبحوا في مهب الريح ودون ظهير
عربي يحمى قضيتهم، فعروبة العراق مسألة يحرص عليها الشعب العراقي
باختلاف طوائفه ولا يعقل ان يترك تحديد مصير هوية عراق المستقبل
في يد لندن وواشنطن، حيث ان تصريحات بلير بربط الاحداث الاخيرة بفلول
المؤيدين لصدام حسين هو ربط يجافي الحقيقة، وانما هي انتفاضة عراقية
ضد الظلم والعدوان ويجب ان توضع في حجمها الصحيح، لأن تبسيط الامور
على هذا النحو هو الذى اوقع سلطات لندن وواشنطن في هذا المستنقع
الكبير الذي تتعاظم جوانبه مع مرور الوقت، وقول بلير بأن أغلبية
الشعب العراقي يرفض هذه الانتفاضة لا يعكس الواقع ايضا، فهذه أول
مرة يشهد العراق من شماله وجنوبه ووسطه هذه الغضبة العارمة التي
تأتى انعكاسا لشعوره بالضيق من الاخفاقات المتوالية التي يواجهها.
وليت بلير يزور الفلوجة ليشهد الحقيقة او يزور الاعظمية ليشهد قصف
مسجد أبى حنيفة النعمان والمؤن التى كانت به في طريقها لضحايا العدوان
على الفلوجة، ربما امكنه بذلك الوقوف على الاسباب الحقيقية التى
أدت الى أقوى انتفاضة من نوعها منذ بدء غزو العراق، ان الامل قائم
في ان تنهض الامم المتحدة وجامعة الدول العربية بدورهما رحمة بأهل
العراق، وبالاعراف والقوانين الدولية وحقوق الانسان.
أعلى