رأي الوطن
من بلفور الى بوش...
انصرم من عمر الزمان قرن كامل والقضية الفلسطينية
تدور في حلقة مفرغة من كل مضمون الا مضمون الدماء والمآسي والاحقاد
المتعاظمة، ذلك لأن الذين يحركون ملف القضية ليسوا اصحابها الحقيقيين،
فوعد بلفور البريطاني الذي منحه وزير خارجية بريطانيا في العقد الثانى
من القرن الماضى كان بمثابة ارساء لأسس المأساة، فلا بلفور كان يملك
حق اعطاء الوعد ولا اليهود كانوا يملكون حق طرد الشعب الفلسطيني
واغتصاب ممتلكاته وارضه، وأدرك البريطانيون مؤخرا حجم المعاناة التى
صنعتها سياستهم الخرقاء، فأقروا بمسئوليتهم لكن بعد فوات الاوان،
والآن جاء دور الاميركيين ليقعوا في الخطأ ذاته، حيث يتأهب شارون
للحصول على وعد اميركى بعدم اجبار اسرائيل على الانسحاب الى حدود
الرابع من يونيو عام 1967 كما تنص المواثيق الدولية ذات الصلة، هكذا
بكل بساطة ينوى بوش تكرار خطأ بلفور وفي غيبة الحوار المباشر مع
اصحاب القضية الذين تمرسوا في التعامل مع القضية وازدادوا تمسكا
بأرضهم وبشرعية دفاعهم عنها في مواجهة كل المؤامرات التى حيكت لتمييع
القضية وتشويه اركانها.
واستنادا الى معطيات جديدة تشكل امرا واقعا ضاغطا على الجانب الفلسطينى
يريد شارون ثمن تفكيك مستعمرات غزة باهظا وهو المساس بأصول القضية
وزعزعة البنود الاصلية التي يطالب المجتمع الدولى بأن تكون هي وليس
غيرها اساس الحل النهائي.
أن ما تروجه وسائل الاعلام الاسرائيلية والغربية الآن من ان بوش
وافق على عدم انسحاب اسرائيل الى حدود الرابع من يونيو تشكل قمة
جبل الجليد الطافى على السطح من حجم المشكلة الاعظم التي يخفيها
محيط المتاعب الذي ينتظر بوش وشارون معا فيما لو تحولت هذه الانباء
الى حقائق ثابتة.
أن هناك مسيرة طويلة من الاتفاقات والتسويات ابتداء من قرارات 338.242
ومروروا باتفاقات اوسلو ثم جملة التفاهمات والتسويات التي اختتمت
بخطة السلام العربية الصادرة من قمة بيروت ثم خطة خارطة الطريق،
وكلها خطوات مشروعة ومتفق عليها برعاية المنظومة الدولية واللجنة
الرباعية المشكلة لاقرار عملية السلام في الشرق الاوسط، فلماذا اذا
القفز على أعناق كل هذه الجهود التاريخية والتحدث فقط عما يطرحه
شارون وما يريده من واشنطن او غيرها ؟ نحن نأمل ان يكون الجميع قد
تعلم من هذه المسيرة الطويلة ان التعتيم على الحقوق المشروعة لا
يمكن ان يمر وان الحقوق الفلسطينية واضحة المعالم وليست بحاجة الى
ان يعيد بوش او غيره اصولها جريا وراء تداعيات وأطماع انتخابية وقتية
واذا كانت واشنطن تعتبر ان حدود 67 ليست مقدسة كما يرى شارون فان
الجانب العربي ومنه اصحاب القضية الاساسيون من الفلسطينيين لهم رأى
آخر وهو ان هذه الحدود بالغة القدسية في العرف العربي ويكفى ما تم
التنازل عنه لقد قاومت اسرائيل ما جاء في كتاب بريطانيا الابيض عام
1939 والذي قضى بتقييد الهجرة اليهودية واستقلال فلسطين خلال 10
سنين.
والآن تزحف اسرائيل الى واشنطن لتورطها اكثر فأكثر بالشرق الاوسط
ومعلوم ان انحراف بريطانيا عن سياستها العقلانية ورطها في ازمات
عديدة وها هي اميركا تتورط في ازمات اكثر شدة وتعقيدا لعدم تبنيها
سياسة موضوعية. والامل معقود في ان يسعى العرب والاوروبيون الى لجم
الانسياق الاميركى في ركب شارون حتى لا تتكرر الاخطاء التاريخية
التى ستدفع واشنطن ثمنها باهظا في المستقبل كما حدث مع بريطانيا
وتصدر لنا ايضا كتابا ابيض لسياستها السوداء تجاه الفلسطينيين.
أعلى