
في الموضوع
البحث عن مخرج
ينتقد حلفاء غربيون للولايات المتحدة
الاميركية، ما تفعله قوات احتلالها في العراق، بأنه (نوع من صب الزيت
على النار)، و(اتباع لتكتيكات اسرائيلية تجري في الاراضي المحتلة
ضد الشعب الفلسطيني) وقالوا ان ذلك (لا يمكن ان يحقق السلام او الاستقرار
في العراق). والامر الاكثر خطورة بين هذه الانتقادات هو ان بريطانيا
بدأت تشعر بعدم الارتياح لمشاركتها في احتلال العراق، فرغم استمرار
تصريحات توني بلير رئيس وزرائها، عن اهمية التمسك بالصلابة للانتصار
على القوى الرافضة للاحتلال الاميركي البريطاني، تطالب دوائر عديدة
في لندن، بدرجة اكبر من المشاركة في اتخاذ القرار الاستراتيجي وقرارات
العمليات، لان الانفراد الاميركي بالقيادة يفجر الموقف دون مبرر،
ولا يؤدي الى وحدة موقف العراقيين ضد الاحتلال فقط، بما يعنيه ذلك
من خسائر بشرية ومادية في صفوف القوات، وانما سيترك اثره على احباط
الاهداف التي من اجلها شنت كل من واشنطن ولندن عملياتهما العسكرية
لاسقاط نظام صدام حسين.
وزادت خطورة الموقف اخيرا، عندما اعلن الجنرال الاميركي ريكاردو
شانسيز قراره الاحمق، الذي قال فيه ان (القوات الاميركية تعمل حاليا
من اجل قتل مقتدى الصدر، او القبض عليه حيا)، ويتسم هذا الاعلان
بدرجة كبيرة من الجهل والسطحية، خاصة بعد المقاومة الشرسة التي واجهتها
تلك القوات في الفلوجة ومناطق اخرى، والصور التي بثتها القنوات الفضائية
ونشرتها الصحف، للمدرعات المدمرة والدبابات المحروقة، وكذلك مشاهد
القتلى والاسرى الاميركيين وغيرهم، مما يبدد اسطورة التفوق الاميركي
على اي قوة كبيرة اخرى في العالم، ويطرح ذلك تساؤلات كثيرة، حول
مدى صحة الانتقادات التي يواجهها الرئيس الاميركي جورج بوش داخل
بلاده ـ وفي عام الانتخابات الرئاسية ـ حول ان ما يجري في العراق،
يعتبر فيتنام جديدة، يمكن ان تطيح بأمله في الحصول على فترة رئاسة
ثانية، وبذلك يكون حاله مثل حال والده، اذ مازال يأمل ان يحقق ما
عجز الوالد عنه.
والمشكلة هنا، هي ان تكتيكات القوات الاميركية ـ التي تبدو مثل اساليب
(افلام الكاوبوي) ـ من حيث محاولة تجريم الخصوم بدلا من احترامهم،
والعمل من اجل ملاحقتهم (أحياء او ميتين) تعود بحرج كبير على المقربين
منهم، وعلى رأسهم اعضاء مؤسسة (مجلس الحكم الانتقالي) الشكلية، لدرجة
ان عددا من هؤلاء الاعضاء هدد بالاستقالة، وفرضوا على القيادة الاميركية
ـ حسبما تشير بعض التقارير ـ قبول مبدأ وقف اطلاق النار في مواجهة
المقاومة بمنطقة الفلوجة. فابالإضافة الى ان ذلك يشير الى انفضاض
دعم اولئك الذين رأوا في التعاون مع سلطة الاحتلال خطوة على طريق
الاستقرار يبدو ان هناك تبلورا في المواقف الآن، بين سياسات الاحتلال
التعسفية والمقاومة الوطنية، بحيث اصبح الناس لا يرون موقفا وسطا
بين الاثنين وظهرت ضرورة لتحديد المواقف بشكل صريح لا يقبل الازدواجية.
والنقطة المهمة التي غفلت عنها قوات الاحتلال، هي ان تشديد الضغط
على مقتدى الصدر، يمكن ان يثير مؤيديه من طائفة الشيعة للالتفاف
حوله بشكل متزايد، وفي ضوء عملية تبلور المواقف الجارية حاليا في
العراق، فإنه من المتوقع ان يؤدي ذلك الى زيادة درجة الثورية في
المقاومة للاحتلال بين ابناء هذه الطائفة، حتى وان كانوا من مؤيدي
التعامل السياسي مع سلطة الاحتلال، وتكون النتيجة هي اضعاف نفوذ
انصار التعامل السياسي من المراجع الشيعية ـ مثل آية الله العظمى
علي السيستاني ـ او دفعهم للاقتراب من موقف مقتدى الصدر، وفوق هذا
كله، فإنه في ضوء ما جرى في منطقة الفلوجة، من استهداف القناصة الاميركيين
الاطفال والنساء ـ على النحو الذي تتبعه قوات الاحتلال الاسرائيلية
ضد الشعب الفلسطيني ـ اوجد وحدة في المواقف مع السنة ايضا بدرجة
غير مسبوقة.
ونظرا لان آية الله العظمى محمد صادق الصدر ـ والد مقتدى ـ قتل غيلة
في عهد صدام حسين عام 1999، مع اثنين من اولاده، في عملية توجه الاتهامات
فيها الى عملاء النظام السابق من رجال اجهزة الامن، فإن المساس بشخص
مقتدى الصدر يمكن ان يجعل منه شهيدا مثل والده وشقيقيه، ويضيف الى
رصيد العداء لقوات الاحتلال، بل ويدفع الكثيرين في العراق الى الاعتقاد
بفشل الاميركيين في توفير الامن، او بعدم نيتهم بشأن ذلك اصلا، وبذلك
ينتمون الى قائمة الاعداء ـ كما يراهم كثير من العراقيين الآن ـ
بدلا من الاصدقاء الذين وصلوا من اجل التحرير والرفاهية.
والى جانب ذلك كله، فإن نقل صدر العمليات القمعية للقوات الاميركية
ـ الاميركية في العراق، على شاشات القنوات الفضائية العربية الى
المشاهدين في مناطق اخرى من العالم، يسهم في حشد الرأي العام العربي
في كراهية متزايدة للولايات المتحدة الاميركية، كما ان (التكتيكات
الاسرائيلية) التى تنبعها تلك القوات في العراق، واخبار وجود مستشارين
عسكريين اسرائيليين وعملاء لجهاز مخابرات (الموساد) الاسرائيلي هناك،
اصبح يجعل العرب يساوون بين الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل
في العداء لهم، بعد ان كان هناك تحفظ على الدعم الاميركي غير المحدود
للدولة الصهيونية، ويشير ذلك الى ان جهود الولايات المتحدة الاميركية
من اجل (كسب قلوب وعقول العرب) للتعاطف معها مصيرها الفشل وليس امامها
سوى ان تواجه المقاومة العراقية الباسلة، وتبحث لنفسها عن مخرج من
المأزق الذي وضعت نفسها فيه، حتى تحد من الخسائر في الثمن الذي تدفعه
حاليا.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى
الشراع الاخر
الاعتراف بالذنب فضيلة
من إيجابيات الحرب على العراق أنها قدمت الأميركيين
على أنهم كذابون وعتاة الكذابين، وفيما قبل كان على العالم أن يسلم
بأن الاميركيين لا يكذبون، رغم ان ذلك لم يكن صحيحا، كل ما هنالك
ان كان لدى الاميركيين من اساليب اخفاء كذبهم ونفاقهم الكثير الذي
كان يؤتي أكله عند الضرورة، وفي ضوء توالي الاعتراف بالكذب على العالم
لتبرير غزو العراق واخر الاكاذيب وصف واشنطن للضحايا الاميركيين
في الفلوجة بأنهم مدنيون وهم في الواقع وكما اثبتت التحريات فيما
بعد جنود قوات خاصة (كوماندوز) اي انهم عناصر من اكثر اجزاء الجيش
الاميركي كفاءة وقدرة قتالية، وان كانوا قد ارتدوا ملابس مدنية فذلك
للتخفي وانجاز مهامهم على وجه افضل. وقبل ذلك اضطر وزير الخارجية
الاميركي كولن باول إلى الاعتراف بأنه كذب على مجلس الأمن بل وعلى
العالم أجمع حين قدم أدلة غير صحيحة.
فماذا نفعل مع هؤلاء الكذابين؟ ومن يحاسبهم على كذبهم الذي يأخذ
كل يوم شكلا جديدا ولونا جديدا.
ومن ثم فلا يجب ان نصدق ان اسرائيل لا يد لها فيما حدث ويحدث في
العراق، ولا يجب ان نصدق كل ما قالته الادارة الاميركية حول ملابسات
حادث 11 سبتمبر، فالكذب ليس منشؤه غزو العراق وانما الكذب هو اداة
لتصريف الامور السياسية في واشنطن مستفيدين من خوف العالم وتردده
عن وصف الادارة الاميركية بالكذب، ولولا الحملات الانتخابية في كل
من واشنطن ولندن ووجود معارضين يسعون الى كشف عيوب النظام الحالي
لإنقاص ثقة الناخبين في الحكومة لما كان لهذه الاكاذيب ان تفتضح،
ونحن نذكر ردود الحاضرين لجلسة مجلس الامن المشهورة من العرب وممثلي
الدول العربية وبخاصة رد الشرع وزير خارجية سوريا الذي قال: إننا
أمام عملية سطو مسلح على العراق، والدوري مندوب العراق الذي وصف
تصريحات باول حول أسلحة الدمار الشامل بأنها كاذبة جملة وتفصيلا،
وحينذاك لم يجرؤ اي مندوب اخر على معارضة (أدلة) باول الكاذبة التي
قدمها في الجلسة لتبرير غزو العراق، والنتائج يحصدها الان مجموعة
الكذابين الدائرين في الفلك الاميركي بدءا بحكومة مدريد المطاح بها
في الانتخابات الاخيرة وحكومة العمال في بريطانيا التي تهتز بعنف
الان بعد افتضاح الاكاذيب ومقتل ديفيد كيلي المفتش البريطاني في
ظروف غامضة بعد الادلاء بشهادة ادانت بلير امام هيئة الاذاعة البريطانية.
والان بعد افتضاح كل هذه الاكاذيب وما ترتب عليها من ويلات للشعب
العراقي وغيره فان الباب مفتوح لاعلان التوبة عن الكذب وهو اعلان
يشكل دينا في اعناق قادة الدول التي انصاعت للمؤامرة الاميركية وسارت
في ركابها، فالاعتراف بالذنب فضيلة فضلا عن كونها درسا يتركه الجيل
الحالي من الساسة الفاشلين في كل شيء حتى في اثبات قدراتهم على الكذب،
من اجل ان تتحرى الاجيال القادمة الصدق مع الذات ومع الناخبين ومع
الشركاء كمحاولة لترطيب وعلاج الاوجاع التي يئن منها الجسد العالمي
حاليا، فبعد كل هذا الكم من الاكاذيب لابد للتحالف الدولي ان يتداعى
ولابد ان تستعر المقاومة ضد الغزاة مهما تكدست الجيوش وراء الاكاذيب
لإخفائها او تكبيل الافواه عن التنديد بها، وحين دهست دبابات في
الصين بعض المتظاهرين في (تيان آن مين) اخذت منها واشنطن ذريعة للتنديد
بالصين، وها هي دبابات التحالف تدهس المتظاهرين في العراق كل يوم
تحت اسم الحرية والتحرير والديمقراطية وهلم جرا.
محمد عبدالخالق
jawaber@hotmail.com
أعلى

باختصار
بين العراق ولبنان
يشبه العراق لبنان ابان ازمته التي دامت
خمسة عشر عاما ، بدأت في العام 1975 وانتهت في مطلع التسعينيات حاصدة
وراءها آلاف القتلى والمعاقين والخراب والدمار ونهايات مأساوية لاجيال
من المهزومين الذين فضلوا تركه والهجرة الى اقاصي الدنيا على البقاء
فيه .
في لبنان تقاتل الفلسطينيون ووقف الى جانبهم شريحة من اللبنانيين
ضد شريحة لبنانية اخرى . وفي لبنان دخلت قوات متعددة الجنسيات وقوات
اميركية وخرجت منه بعد سلسلة عمليات ضدها . وفيه ايضا تم خطف العديد
من الغربيين مكثوا سنوات في ايدي الخاطفين . وفيه لم يتقاتل الاخصام
بل ابناء الصف الواحد واحيانا كانت تذوب بيروت بين ايدي اصحاب الخندق
الواحد سواء من الجانب المسيحي او من الجانب الاسلامي . لقد عانى
لبنان جميع انواع المآسي تنقل فيه الاضطراب الشديد بين مواقع وموقع
تغيرت فيه الكثير من التحالفات . لكن لبنان تعرض خلال اعوام قليلة
الى اكثر من اجتياح اسرائيلي كان اعنفها اجتياح العام 1982 الذي
وصلت فيه القوات الاسرائيلية الى بيروت ثم تراجعت بفعل المقاومة
التي كان لها بدايات ساحرة اقلقت الاسرائيليين وجعلتهم يطوفون شوارع
العاصمة اللبنانية وهم ينادون بمكبرات الصوت :لاتطلقوا النار على
جيش الدفاع الاسرائيلي لاننا سننسحب غدا ، اضافة الى القتال الذي
خاضته المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان ضد القوات الاسرائيلية لمدة
عشرين عاما تقريبا ادى في النهاية الى اندحارالاسرائيليين عام 2000
.
اشياء كثيرة وتفاصيل مثيرة مرت بها ازمة لبنان وكلها على مايبدو
جاءت بفعل الاختبار .. اختبار للبنان ذاته وآخر لغيره . وهايبدو
ان العراق قد صدرت اليه وجوه من الازمة اللبنانية ابرزها الاحتلال
ومحاولة شق الصف الاسلامي بين سنة وشيعة ، ثم محاولة ضرب الجيش العراقي
بالمقاومين والتي باءت بالفشل حين رفض ذلك الجيش الاوامر الاميركية
التي صدرت اليه بضرب الفلوجة ، اضافة الى خطف اجانب من اجل ترويع
الجهات الاجنبية التي مازالت على ارض العراق . وفيما كان الحديث
بشكل يومي وكذلك كتابات الصحف وغيرها آنذاك عن تقسيم لبنان او الفيدرالية
فيه وغيره هاهو الموضوع نفسه يتم تناوله في العراق . وفيما يتعمق
التدخل في بلاد الرافدين الى الحد الذي صارت فيه ارضا ممنوحة للغير
كانت الحرب في لبنان كما اسموها او اطلقوا عليها حروب الاخرين على
ارض لبنان .
تتشابه العراق الى حد بعيد بالازمة اللبنانية ، وفيما كانت اسرائيل
تحتل حزءا من لبنان بسبب التقارب الجغرافي هاهي اسرائيل تطل من العراق
في اكثر من مكان ويكاد العارفون يطلقون على الحرب العراقية بانها
خططت اسرائيليا ونفذت اميركيا وهي الان تحت اشراف اسرائيل وتحت مراقبتها
كي لانقول تحت قيادتها المباشرة .
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

أقول لكم
سيناريو نقل السلطة
الحديث عن نقل السلطة للعراقيين والمفترض
أن يتم في شهر يونيو القادم، مصطلح مخادع لا يعني نهاية الاحتلال
الأنغلو ـ أميركي للعراق، فالأميركيون يعملون بهمة ونشاط لاستكمال
الأعمال الانشائية الخاصة ببناء 14 قاعدة عسكرية أميركية في مناطق
مختلفة من بلاد الرافدين .. واذا أخذنا في الاعتبار أن الدستور العراقي
المؤقت الذي تم اقراره لا يحظى بموافقة جميع المواطنين العراقيين،
وأن مجلس الحكم الانتقالي القائم لا يتمتع بتأييد الجميع أيضا، مع
وجود مستشارين أميركيين في جميع الوزارات والأجهزة العراقية، لأدركنا
أن الحديث عن نقل السلطة حسب المخطط الأميركي مجرد سيناريو محبوك
لفرض نظام موال للولايات المتحدة، لا يعبر بالضرورة عن تطلعات المواطنين
وطموحاتهم.
ورغم مرور أكثر من نصف قرن على سقوط ألمانيا واليابان وايطاليا في
الحرب العالمية الثانية، فإن القواعد الأميركية تملأ الدول الثلاث،
وهي تستطيع ـ عند الضرورة ـ التدخل لفرض وجهة النظر الأميركية وحماية
مصالحها .. وفقدان حرية اتخاذ القرار كأحد مظاهر السيادة الوطنية
يعني مباشرة استقلالا منقوصا، حتى لو تمكنت الدولة (المضيفة) للقواعد
العسكرية الأجنبية من الاختلاف مع المحتل في بعض القضايا التكتيكية،
لكنها لا تستطيع أن تحدد استراتيجيات وطنية بمعزل عن استراتيجيات
المحتل، وأسراب الطائرات الرابضة في القواعد كفيلة بتحديد السلطة
الحقيقية التي تملك حق اتخاذ القرار!
المطلوب عراقيا وعربيا ودوليا تحديد برنامج زمني لرحيل جميع القوات
الأجنبية من العراق، مع وجود قوات دولية محلها تشرف على اعداد دستور
يوافق عليه العراقيون واجراء انتخابات تفرز مجلسا وطنيا وحكومة شرعية
تنفذ برنامجا لاعادة البناء بعيدا عن احتكارات هاليبيرتون وبكتل
ووصاية الحاكم بأمر جورج بوش ... وخارج هذا الاطار، فان ما تعد به
الولايات المتحدة هو مجرد نقل للسلطة لوكيل محلى يأتمر بأوامرها
ويحافظ على مصالحها ... الأمر الذى سيفرز مزيدا من المقاومة لوجود
من يمارسون الكذب والغش والخداع والارهاب لتحقيق مصالحهم، على حساب
شعارات الحرية والعدالة والمساواة !
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

3 أبعاد
محاكمة اميركا
يخشى الأميركيون أن يطلب محامو الرئيس العراقي
السابق صدام حسين استدعاء وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد
كشاهد لاستجوابه في المحاكمة التي يجري ترتيبها في بغداد. كانت الولايات
المتحدة في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان تدعم الرئيس العراقي
في حربه ضد إيران وتغض النظر عن استخدام العراقيين الأسلحة الكيميائية
المحرمة في ميدان المعارك ضد الإيرانيين بل وكانت شركات أميركية
ترسل المواد الكيميائية التي تصنع منها هذه الأسلحة الى بغداد بذريعة
أنها سوف تستخدم في مجال البحوث العلمية في جامعة بغداد أو في الصناعات
السلمية. وحتى لو لم تبرئ مثل هذه الحقائق الرئيس العراقي السابق
فإنها سوف تؤدي الى إحراج كبير للأميركيين وهم يسمعون وزير الدفاع
يقرأ من وثيقة رسمية ما قاله في ذلك الوقت للرئيس العراقي. خلاصة
ما قاله رامسفيلد هو أن الولايات المتحدة يجب أن تحتج علنا على استخدام
الأسلحة الكيميائية ولكن بيني وبينك نحن مسرورون لضربك الإيرانيين.
والذين يتابعون التاريخ سوف يجدون نمطا منتظما من مثل هذا السلوك
في السياسة الخارجية الاميركية. لقد كان الرئيس ريغان هو نفسه الذي
رتب استخدام أموال صفقة مع إيران لمساعدة ثوار الكونترا في اميركا
الوسطى عندما رفض الكونغرس الاميركي اعتماد أموال لهؤلاء الثوار.
وكان من المفيد ضرب إيران بالأسلحة الكيميائية واستخدام اموالهم
للمساعدة في دحر الشيوعية عن اميركا الوسطى. وفي عهد الرئيس جورج
بوش الأب ( وابن الوز عوام) داهمت قوات المارينز الاميركية بنما
وقبضت على زعيمها نورييجا. كان الجنرال نورييجا دكتاتورا عسكريا
ولكنه تعاون مع المخابرات الاميركية فبات حليفا مدللا لل سي آي ايه.
ولكن نورييجا فقد حظوته بسبب تحديه للسياسة الاميركية في مكافحة
المخدرات. نورييجا كان يكسب رزقه مرتين: مرة من أموال شعب بنما ومرة
أخرى من تهريب المخدرات لبيعها داخل الولايات المتحدة. ويمضي نورييجا
اليوم حكما بالسجن في نيويورك. أسامة بن لادن كان حليفا مدللا للمخابرات
الاميركية عندما حارب الشيوعيين في افغانستان. أعطوه صواريخ ستينغر
لإسقاط طائرات امبراطورية الشر. ولعل محامي اسامة بن لادن سوف يستدعى
مدير ال سي آي أيه في ذلك الوقت لاستجوابه اثناء محاكمة اسامة بن
لادن إذا تحققت هذه المحاكمة في المستقبل. ومرة أخرى سوف يحمر وجه
الاميركيين حرجا. وكان الاميركيون يحبون اسامة بن لادن حتى وهو مكروه
من أحد أوثق أصدقائهم في العالم وهو المملكة العربية السعودية. واليوم
سوف ينسى الاميركيون الأمر الصادر بالقبض على مقتدى الصدر في العراق
أو قتله لو أصدر الصدر بيانا حث فيه انصاره على التعاون مع مجلس
الحكم العراقي في المرحلة الانتقالية. بل وربما عين عضوا ورئيسا
مناوبا للمجلس. هل سياسة ريالبوليتيك أو سياسات القوة هذه تنفرد
بها الحكومة الاميركية فقط. لا.. كل دول العالم تمارس المبدأ في
وقت أو آخر ولكننا كلنا الآن عيون على اميركا.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

حكاياتي
نتعلم لنكون معهم
يجب ان نتعلم الجديد كي نكون مع ابنائنا، وكي
لا يشعروا انهم يخاطبون آباء وامهات في العصور الحجرية او عصور الديناصورات
فالثورة المعرفية الحديثة صنعت فارقا كبيرا في طرق الحياة والمعيشة
والتعامل وذلك بسبب التقنية الجديدة التي دخلت الى حياتنا، عندما
نعجز عن التعامل مع محول القنوات الفضائية ونحيل مسئوليته الى الابناء،
فإننا بالمقابل نعطيهم الحق كي يكونوا اوصياء على هذه التكنولوجيا
الحديثة، وأوصياء علينا ايضا، ناهيك عن وصايتهم على اخوتهم الصغار،
فهم الذين يعرفون ضبط القنوات وتشفيرها وفتحها، بينما نحن الآباء
والامهات خاصة نفرح بهذا النضج المبكر لديهم وهذه القدرة على التعامل
مع التكنولوجيا المخيفة، فكم أم تعرف ضبط القنوات، وتعرف التشفير
ولا تعتمد على زوجها في ذلك، وعندما يغيب الزوج عن البيت او يسافر،
تنادي الولد الاكبر او الاوسط للقيام بذلك عوضا عن الاب وكم ام تدرك
التعامل مع الانترنت ليس دراية عامة وانما دراية متخصصة بحيث يلجأ
اليها الولد او البنت لدى الجلوس على الانترنت وليس العكس فالامهات
لسن ربات البيوت فقط وانما العاملات ايضا قد يلجأن الى البنت الكبرى
او الولد الكبير كي يستخرج لهن بعض المعلومات التي تخص بحثا أو دراسة
تقوم بها الأم وكلفت بها من جهة عملها، ان يتحول الابناء الى اساس
وركن ووسيط لتعامل الوالدين مع عالم المعرفة الخطيرة، فان الامر
يعني انهما قد تحولا الى ديناصورات عن سابق رغبة وارادة وتصميم،
قد لا ندرك خطورة ما نقوم به، وسط فرحتنا بتعامل الابناء مع التكنولوجيا
ويسر هذا التعامل وسلاسته، لكن عندما تقع الفأس في الرأس تلوم الام
الاب، ويلوم الاب الأم، ولا معنى للوم او العتاب في ذلك الوقت.
ان نضغط على انفسنا لنتعلم ابجديات هذا التعامل ضروري وان كنا كارهين
لذلك، وان كنا شاعرين باننا نستطيع الاستغناء عن هذا التعلم وان
كنا نشعر ان الزوج يقوم بالدور كاملا ولا داعي لان نربك انفسنا ما
دام الزوج يقوم بالمطلوب.
يحب الابناء التفاخر بالاباء والامهات وقدراتهم وامكاناتهم وشخصياتهم
وحتى طريقة لباسهم وأناقتهم فلماذا نحرمهم هذا الامر ونتحول الى
ديناصورات، ونحكم على انفسنا بالموت المبكر تحت ادعاء ان الزمان
ليس زماننا وان التعلم في الكبر كالنقش على الماء وليس الحجر ان
الامر يستحق التعب وبذل الجهد كي لا يضحك علينا الابناء ويستغفلونا.
طاهره عبدالخالق
tahira@edu4all.net
أعلى
نافذة من موسكو
زيارة غير مقنعة
يرى الباحث العسكري الروسي فيكتور ليتوفكين
أن زيارة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي شيفر إلى موسكو والتي جرت
مؤخرا لم تكن مقنعة للقيادة الروسية ، ولم تؤثر ايجابيا على روسيا
فيما يتعلق بموقفها من التوسع المتواصل للحلف في اتجاه حدودها .
ويدلل ليتوفكين ومعه بعض المراقبين الروس الآخرين على هذا الاستنتاج
بأن الرئيس بوتين لم يشارك مع شيفر عقب اللقاء بينهما في الرد على
أسئلة الصحفيين . ويعتقد البعض في روسيا أن العلاقات بين موسكو والناتو
لم تتغير نحو الأفضل في الآونة الأخيرة ، وإن حاول المسئولون في
الحلف إعطاء الانطباع بعكس ذلك . ويحصر هؤلاء أسباب هذا في المسائل
المعلقة بين روسيا ودول البلطيق الثلاث ومنها عدم توقيعها على معاهدة
الأسلحة والقوات التقليدية في أوروبا ، وقضية الحدود مع لاتفيا واستونيا،
والتمييز ضد الروس المقيمين في هذين البلدين . وترى موسكو أن الناتو
والاتحاد الأوروبي يتجاهلان هذه المشاكل بشكل كبير . ورغم أن الأمين
العام للناتو سلم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف رسالة رسمية
أكد فيها أن أعضاء الحلف الجدد سيلتزمون بالاتفاقيات التي وقعتها
روسيا والناتو بما فيها إعلان المبادئ وإعلان روما وبروتوكول مدريد،
وسوف ينضمون إلى المعاهدة المشار إليها أعلاه ، إلا أن موسكو تنظر
بعين الشك لهذه الوعود على خلفية ما حدث في نهاية عهد غورباتشوف
. فمن المعروف أن واشنطن والناتو قدما في السابق وعودا لميخائيل
غورباتشوف مفادها أن الحلف لن يتوسع في اتجاه الشرق . كما أن الحلف
لم يلتزم بما جاء في إعلان المبادئ بين روسيا والناتو ( 1997 ) من
حظر إقامة قواعد للحلف في أراضي أعضائه الجدد . وتجدر الإشارة الى
أن خطة الولايات المتحدة ، وهي الدولة المهيمنة عمليا على الحلف
، المتعلقة بنقل قواعدها العسكرية من ألمانيا إلى بولندا ، تفسرها
قيادة الناتو على أنها اتفاقيات ثنائية لا يتحمل الحلف المسئولية
عنها . ومن غير المستبعد أن يقدم الناتو نفس التفسير في حال تحرك
القوات الاميركية إلى دول البلطيق . وعلى ما يبدو أن الأمين العام
للناتو لم يتمكن أيضا من إقناع المسئولين الروس بأن محطات الرادار
التي ينصبها الحلف في بلدان البلطيق، وطائرات (أواكس) الاميركية
التي تقوم بالدوريات قرب الحدود الروسية، وطائرات (ف - 16) البلجيكية
المرابطة حاليا في مطار قرب مدينة شاؤولاي الليتوانية لا تشكل خطرا
على روسيا. وفي ضوء ذلك أكد الرئيس الروسي أثناء لقائه بشيفر موقف
بلاده السلبي من المرحلة الأخيرة لتوسع الحلف. كما أن موسكو التزمت
الصمت حيال احتمال توقيعها على اتفاقية مع الناتو لنقل ما يلزم قواته
إلى أفغانستان عبر الأراضي الروسية ، وذلك رغم أنها وقعت اتفاقية
بهذا الشأن مع ألمانيا ، وعبرت عن استعدادها لتوقيع اتفاقية مماثلة
مع فرنسا . وفي نفس الوقت لم يؤكد الرئيس بوتين أنه سيلبي دعوة شيفر
بزيارة اسطنبول في يونيو المقبل للمشاركة في احتفال الحلف بتوسعه
. وبشكل عام يرى العديد من المراقبين الروس أن زيارة الأمين العام
للناتو إلى العاصمة الروسية لم تتسم بالاستقبال الحافل ، وكانت شبه
باردة مع أن جليد الشتاء الروسي قد ذاب وتلاشى قبل زيارته .
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى

أصداف
الفلوجة
ـ 2 ـ
تحدثنا عن الشرارة الأولى للمقاومة، وقلنا انه، لو لم يحصل ما حصل
للأميركيين، لاختلقت أميركا ألف سبب وسبب لشن الحرب على الفلوجة،
وأيضاً نقول، لو لم يجلس الأميركيون على سطح إحدى المدارس، ما أثار
غضب أهل المدينة، ولو التزم الأميركيون أعلى مراحل الأدب مع أنهم
على مبعدة من ذلك، لوجد الفلوجيون وأبناء المدن العراقية الأخرى
ألف سبب وسبب لإشعال المقاومة ضد المحتل.
فكان لابد أن تبدأ المقاومة، لأنها مشروعة وواجب وطني، وبالمقابل
لابد أن ترد قوات الاحتلال، لأنها لم تكن تتوقع إطلاقاً مثل هذا
الفعل، كما أنها لم تتوقع أن تنقلب الصورة بهذه السرعة وعلى هذه
الشاكلة.
يقول شاعر أميركي أن ثمرة القتل حجر صامت، ونقول أن ثمرة الاحتلال
قتل صارخْ.
لهذا نجد ومن خلال رصد الخطاب العراقي الرافض للاحتلال، أنه خلال
عشرة أيام تقريباً من أول مواجهة بين أبناء الفلوجة وجنود الاحتلال،
اتسم خطاب الرفض والمقاومة بانتقالة جديدة، إذ تحولت المطالب العراقية
من جلاء القوات الأميركية إلى خارج الفلوجة، إلى المطالبة القوية
برحيل الاحتلال من العراق، وإن دراسة هذه القضية تحديداً، تكشف حقيقية
الموقف من الاحتلال، لأنه من المتعارف عليه في تواريخ الاحتلالات،
أن المقاومة، لن تحصل إلا بعد سنوات، وإذا عدنا إلى ما جرى في العراق
من حصار طويل متعب بل وصل درجة الرعب في مفاصله الحساسة، وقبل ذلك
دخول حرب طويلة مع إيران، وبعد الحصار، جاءت الحرب الأميركية المدمرة
والخاطفة، وخلال عقدين، كان الإعلام الأميركي، يعمل بمنهجية ودقة
وعلى نطاق واسع لتحطيم الروح المعنوية لدى العراقيين، والعمل على
انتزاع الروح الوطنية لديهم.
هذه الصورة المكثفة، التي تزخر بتفاصيل كثيرة ومتشعبة، كانت كفيلة
بجعل أبناء العراق، ينحدرون إلى آخر القائمة في سلسلة الشعوب التي
يمكن أن تقاوم محتلا مثل أميركا، جاءت وهي تبشر بجعل العراق بلد
الرفاهية الأولى في العالم، وأن تجعل شعوب الأرض تحسده على ما سيعيشه
من حياة ديمقراطية.
نقول ذلك، لنوضح الحقائق الأساسية في موضوع مقاومة الاحتلال، ونقصد
بهذا الطرح، أن نبين، أن قادة الاحتلال، كانوا على يقين بأن الصمت
سيسود حياة العراقيين، مهما فعل جنود الاحتلال، ومهما تغطرسوا أمام
أبناء البلد.
يقول الغرب، ويقول الإسرائيليون، أن مشكلة العرب أنهم لا يقرأون
جيداً، ولكن أستطيع القول، أن مشكلة أميركا الأولى، والتي اتضحت
من خلال تجربتها في العراق، أنها لا تقرأ، ولا تسمع، وأن الغطرسة
أخذتها إلى درجات هي أقرب إلى الهاوية، واستند في ذلك، إلى الوقائع
الأولى، التي حصلت، إذ لو درست إدارة الاحتلال، ما حصل من انتقال
في طبيعة الخطاب، الذي أطلقه أهل الفلوجة، حتى قبل وصول بول بريمر
خلفاً للجنرال جي جارنر، ولو كانت الدراسة معمقة وواسعة ودقيقة،
بعيداً عن قبعات القوة والغطرسة، لتمكنت أن تجنب نفسها الكثير من
الويلات والخسائر، ولما فقدت الكثير من هيبتها في معارك الفلوجة،
التي سنأتي عليها.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى
من 9 ابريل إلى 9 ابريل، ياللهول!
يا للهول! هي الصرخة التي اطلقها الممثل القدير
المرحوم يوسف وهبي في احد مشاهد افلامه الرائعة (ابيض واسود) ولا
ابلغ اليوم من هذه الصرخة الصادقة لوصف مواقفنا نحن العرب امام فداحة
الحالة العربية في الذكرى الاولى لذلك اليوم المشهود الذي عشناه
امام شاشات الفضائيات نتابع مندهشين سقوط الاصنام والتماثيل في ساحة
الفردوس وبداية سقوط كومة من اوهامنا واحلامنا العربية في لحظة من
لحظات الغفلة التاريخية المعروفة. منذ عام شهدنا على حدث جلل مهما
كانت مواقعنا ومهما اختلفت اطيافنا السياسية لا يقل خطرا وتأثيرا
عن يوم من ايام فبراير 1258 حين دخل المغول مدينة بغداد بقيادة هولاكو
واعدموا آخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله وولديه والقوا بالكتب
العربية في مياه دجلة والفرات وانطلق الغزاة الجدد لاحتلال بلاد
المسلمين وبسط نفوذهم على الشرق الاوسط الكبير كما تسميه اميركا
اليوم حيث احتلوا حلب ودمشق وهددوا ايران في عام 1260 نفس العام
الذي هزمهم فيه السلطان قطز وقائد جيشه بيبرس في المعركة الشهيرة
بمعركة عين جالوت التي غيرت مسيرة التاريخ العربي واني اترك للمؤرخين
شرح وجوه التطابق والتشابه بين الحدثين الكبيرين وانصحهم بالرجوع
الى افضل كتاب عايش مؤلفه سنوات المغول في القرن الثالث عشر وهو
كتاب (الفخري في الآداب السلطانية للطقطقي) اروع من حلل اسباب انهيار
الخلافة العباسية على ايدي المستعصم بالله وما اشبهها في كثير من
وجوهها بالاسباب التي ادت الى يوم التاسع من ابريل 2003 حين انشغل
الحاكم في بغداد بهيلمان الحكم وضيع الجوهر واطلق ايدي الجهلة والمنافقين
في رقاب الناس مما هو مذكور في الكتاب للاعتبار ولا اعتبار.
يا لها من درر نقلها لنا السلف الصالح وبخاصة العلامة ابن خلدون
حين وضعوا العدل والحكم الصالح والاخذ باسباب المنعة والقوة في طليعة
شروط بقاء الدولة وازدهار الامة ودوام السؤدد وهو ما لم يوفق اليه
اغلب العرب فاستقر حالنا اليوم على الضعف والعجز بل صعب علينا الاجتماع
في قمة كبقية خلق الله نتطارح فيها شؤونا ونتبادل النصيحة بعد مضي
عام على ساحة الفردوس واحتلال العراق وتغول الدولة الاسرائيلية على
الشعب الفلسطيني الاعزل والتغيير الجذري الطارئ على العلاقات الدولية
باستناد القطب الاميركي الواحد والخطر المنجر للعالم جميعا بانفراد
الفكر الواحد والرأي الواحد للقوة العظمى الطاغية على العالم بدون
اي رصيد قيمي او ثقافي او شرعية تؤهلها لهذه الرسالة الحضارية الكبرى
الحصيلة بعد عام لا تسر صديقا ولا عدوا شعب تخلص من دكتاتورية عاتية
وسقط تحت براثن احتلال ليس له اي مشروع سياسي واضح شعب عانى من ثلاثين
عاما من الحروب والظلم وسقط تحت تهديد الحرب الاهلية المنذرة بالخراب
والباقي اسوأ حين تتفرق كلمة العرب بل واصبح العرب يطلق عليهم لقب
الرجل المريض اما عن فلسطين فلم يعد احد يهتم بانقطاع الحلول السياسية
والدمار الذي يشكله ارييل شارون للمنطقة بأسرها بعد جريمة اغتيال
الشيخ احمد ياسين وعجز الامة العربية حتى على انقاذ ماء الوجه بمجرد
الاجتماع في قمة.
نعم وألف نعم! نحن نحتاج الى الاصلاح والتغيير ولكن الغرب وعلى رأسه
الولايات المتحدة الاميركية يحتاج كذلك الى اصلاح وتغيير! فالغرب
مثل العرب كلاهما يجب ان يعيد النظر في سياساته وافكاره وتصحيح اخطائه.
فلولا سياسات الغرب الخاطئة الخرقاء تجاه العالم العربي منذ خمسين
عاما لكان العرب اليوم في حال افضل ولكان الغرب اليوم اكثر امنا
واوفر سلاما.
صحيح نحن نحتاج الى الديمقراطية وهي مفتاح النهضة وسر التقدم وعتبة
الوفاق لكن الغرب يحتاج الى العدل في مواقفه ازاء القضايا العربية
والعدل في التعاطي مع قضيتنا الام أي القضية الفلسطينية حتى نأمن
جميعا نحن وهو من شرور العنف والارهاب والضياع الحضاري الذي يمضي
بنا بعيدا عن السلام العالمي المنشود نحن جميعا نحتاج الى الاصلاح
والى ما نفتقده لا محالة: العرب للديمقراطية والغرب للعدل ولنتصور
ان اميركا تستطيع ان تفرض الاصلاحات الديمقراطية على العرب ونعجز
نحن في ان نفرض عليها العدل كيف سيكون مصير العالم بعربه وغربه؟
فالاقرب للظن ان عالم الغد وهو على هذه الشاكلة سيكون بركانا نائما
ربما الى حين وسيلقي بحممه المحرقة التي لن تبقي ولن تذر وسنشهد
ساحات فردوس اخرى وتدمير ابراج اخرى اي ان التاريخين المرعبين (11
سبتمبر) و(9 ابريل) سيتكرران ويعادان ويستنسخان!
د. أحمد القديدي
alqadidi@hotmail.com
أعلى
لماذا علينا ان نحبكم قسراً
من حق قادة الاحتلال العسكري الاميركي في العراق
ان يصفوا اي عراقي بالعدو، ويبدو ان دائرة اصدقاء الاحتلال تضيق
وتقتصر مرة اخرى على مجموعة من محترفي امتهان العمل العام ممن اتوا
مع الاميركيين والبريطانيين من الخارج او اتباعهم في الداخل. اما
دائرة المحايدين فتتسع لتشمل كل من لم يكن يرضى بحكم القمع السابق،
ولا يجد امامه سوى قبول الاحتلال حتى يرحل عبر العمل السياسي من
داخل الادارة الحالية. اما بقية الشعب العراقي، فلا يهمه كثيرا كل
ما يشغل السياسيين ودائرة النخبة المحيطة بسلطة الاحتلال ومجلس الحكم
التابع لها. ومن ثم يتوقع المرء بسهولة ان يكون غالبية العراقيين
العاديين اعداء للاحتلال، ولا يجد الجنرالات الاميركيون غضاضة اذا
في وصف المقاومين لمجازرهم العسكرية في الفلوجة والناصرية والبصرة
والعمارة وكركوك وبعقوبة والكوت والنجف والموصل ... بالاعداء.
ومن المثير للسخرية حقا استمرار الاميركيين والبريطانيين في تضخيم
وهم ما يسمونه بتنظيم القاعدة بزعامة اسامة بن لادن ليبرروا به هجماتهم
الوحشية على المدنيين في العراق وافغانستان وباكستان. ويبدو ان البريطانيين
يشيرون على الاميركيين في ادارة حملة العلاقات العامة المصاحبة لعملياتهم
التي وصل بعضها الى حد مجازر التطهير حين يستهدفون المساجد ويلقون
بالقنابل العنقودية المحرمة دوليا على المدنيين في الفلوجة. ويسهل
الحديث عن القاعدة ـ التي لا يعلم احد الكثير عنها ولا حتى مخابرات
العالم ورئيس اقوى دولة فيه ـ التي تنشر الارهاب في كل مكان يتواجد
فيه الاميركيون كي يبرر المحتل ممارساته التي ينسخها بشكل مشوه من
ممارسات رأس حربته، الاستعمار الصهيوني في فلسطين المحتلة. لكن احدا
لا يمكنه ان يبلع ذلك والناس في العراق يصرخون جوعا ودما وغضبا على
الاحتلال ومن والاه، وبالطبع على العرب والمسلمين غير المبالين وعلى
العالم اجمع الذي يشاهد ذبحهم وقمعهم ببرود شديد.
ما يجري في العراق الان بعد عام على احتلاله يجعله يقترب من الصورة
التي اريد للامة العربية ان تتخذها مثالا يحتذى، بعد ان حال الحاجز
النفسي بينهم وبين هضم النموذج الصهيوني الديموقراطي المتقدم عبر
نصف قرن من العداوة والدماء. والان يصبح من السهل التوأمة بين النموذج
العراقي والنموذج الفلسطيني على يد المستعمرين القديم والجديد: بريطانيا
واميركا. وما على المترددين من العرب الا ان يعدوا انفسهم لتبني
نموذج الاصلاح الغربي الذي يستند اساسا الى مبدأ مطلق يتفرع عنه
كل شئ بعد، هو: احبوا الاميركيين. فاما ان تحب اميركا والاميركيين
وما يفعلونه في بلادهم وفي العالم، خاصة فلسطين وافغانستان والعراق،
واما ان تكون ارهابيا تنطبق عليك قوانين الاصلاح الديموقراطي وحماية
حقوق الانسان والبيئة وغيرها من تفاصيل مشروع الاصلاح للشرق الاوسط
الكبير. احب اميركا التي تسعى لفرض الديموقراطية ولو اضطرت لاستخدام
الاسلحة النووية، وتسحل المخربين من نساء واطفال اذا هم وقفوا عقبة
في طريق نشر الحب والتسامح والديموقراطية.
لماذا هذا الحب القسري؟ يتذكر المرء مقولة الشاعر الفلسطيني محمود
درويش: ارحمونا من هذا الحب القاتل. وكان درويش يصرخ من الرعاية
المصرية واللبنانية للثقافة الفلسطينية، بحب ولكنه مدمر. كان درويش
يخشى من الحب العربي ان يذيب الهوية الفلسطينية، والان يفرض علينا
الحب بغرض اذابة الهوية التاريخية والقومية والوطنية في سبيل الدخول
في حظيرة الانسانية الاميركية. لكن لماذا علينا ان نحب اميركا، ولو
على جثث آلاف الضحايا من بيننا، ونحب من والاها وتحالف معها!. علينا
ان نحبها طمعاً فيما توفره من فرص شخصية للـشطار منا الذين يحققون
ذواتهم عبر التلون والتميع (ليس على طريقة الفنانات النيو لوك) ومماشاة
الرائج. وعلينا ان نحبها خوفا من ان نوصف بالسلفيين المتخلفين اوالقوميين
المتعصبين ونخسر بالتالي المشاركة في مجالس الحكم ومجالس الانس التمثيلية
المنتخبة. وعلينا ان نحبها رعبا من ان نتهم باننا ارهابيون متعاطفون
مع القاعدة وحماس وحزب الله، ومن ثم نخسر ارصدتنا في البنوك الاجنبية
وقدرتنا على قضاء الاجازات في الريفيرات الغربية.
علينا ان حب اميركا بدلا من ان نكره انفسنا، فالحب ايجابي في النهاية
وغالبا نهايته عن العرب الزواج كما في الافلام الاخلاقية القديمة.
ولاننا امة تقليدية تقوم على الاصول والاعراف واحترامها ـ حتى الان
على الاقل ـ فان حبنا هذا سيجعلنا قلقين على الزواج بسرعة ما يعني
العمل على تعزيز العلاقة مع المحبوب الاميركي عله يعجل بالزواج قبل
ان يكثر حديث الناس. وتلك النهاية الاستراتيجية المقدرة لنا في تجربة
الحب القسري هذه، ان نتعلم السعي لاستجداء المحتل ان يمعن في احتلاله.
ذلك هو المشروع الحضاري الجديد الذي يسعى قادتنا لتخفيف وطأته قليلا
بان يكونوا في نصف العلاقة: ان نحبهم هم وهم يحبون اميركا، لا ان
تفلت الامور ويترك للناس ان يحبوا هكذا من يشاؤون دون حاكم او والي.
وليس من حق احد ان يعترض، وهل يعترض احد على الحب!.
قبل ربع قرن حاول الرئيس المصري المغتال انور السادات ان يكسر الحاجز
النفسي بين العرب والصهاينة عبر مبادرته للسلام وتوقيعه لاتفاقات
كامب ديفيد. والى الان لم يحب المصريون (وليس العرب) الصهاينة، حتى
النفر النخبوي الارتزاقي الذي يحاول الايهام بانه رائد استراتيجية
الحب لا يستطيع ان يصرح بحبه النفاقي هذا في مكان عام. وها نحن مرة
اخرى امام محاولة لاكمال المهمة على ايدي المحبوب ذاته، دون وساطة
من سادات اوغيره، وما علينا الان الا ان نحب اميركا واسرائيل وكل
الديموقراطيات الغربية المتحالفة معهما. ولتخفيف قسرية هذا الحب،
يسمح المحبوب بان يشاركه غيره حبنا ـ بشرط ان يكون حليفا للمحبوب
.. حلياف للمحبوب .. للمحبوب .. (ورحم الله عبد الحليم حافظ).
د. أحمد مصطفى
كاتب عربي يقيم في لندن
Amamustafa@yahoo.co.uk
أعلى
الديمقراطية في جنوب أفريقيا..
مثال صالح للتطبيق في الدول النامية
طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن
الماضي، كانت أخبار جنوب أفريقيا تتصدر الصحف والنشرات الإخبارية؛
اليوم لا تكاد تسمع عنه، إلا عندما يتعلق الأمر بأخبار الجريمة أو
بمرض الأيدز. لقد أصبحت جنوب أفريقيا مثالاً لنجاح تطبيق الديمقراطية
والرأسمالية معاً، وهو زوج يقع تحت الحصار في كثير من دول العالم،
من روسيا إلى هايتي.
قمت مؤخراً بزيارة لجنوب أفريقيا بدعوة من حكومتها، مع بعض السياسيين
غير المصدقين للتحول الذي طرأ على الدولة الواقعة في أقصى جنوب العالم.
وكانت أثرى الأوقات التي قضيتها هي زيارة إمزيامو يتيه، وهي مدينة
كوخية صغيرة تقع إلى الجنوب من كيب تاون، والتقينا فيها بزعيم محلي
اسمه كيني تواكي. وعرفنا أن هذا الرجل قد تعرض للاعتقال عدة مرات
في حقبة الثمانينيات بسبب معارضته لسياسة الفصل العنصري، أو الأبرتايد،
التي انتهجتها الحكومات العنصرية قبل المصالحة. بل انه شهد بعينيه
مصرع أحد أصدقائه برصاص ضابط شرطة. توقعت أن أحداثاً كهذه ستحول
هذا الرجل إلى شخص عدواني كاره تملؤه المرارة وتحركه الأحقاد. لكن
العكس هو ما وجدته، فتواكي الآن هو روح المساواة، وهي الغاية التي
لا يكف عن دعوة سكان المدينة للعمل بجد للوصول إليها دون اعتماد
على القرارات والمراسيم الحكومية. ويتحدث تواكي عن أعداء الأمس فيقول
انه كلما زار المدينة التي نشأ فيها، يحرص على تناول الشراب مع ضباط
الشرطة الذين أطلقوا الرصاص على صديقه. ويعبر الرجل عن هذه الحالة
فيقول لقد أصبح أعداء الأمس أصدقاء اليوم.
لا أظننا نجد مثل هذا السلوك في أي مكان آخر من العالم. كما أن جنوب
أفريقيا لا تخلو من أشخاص يجدون صعوبة في التأقلم مع حالة المصالحة
بعد تاريخ طويل من الصراع. فقد تجد رجلاً أسود لا يزال يذكر ما عاناه
على أيدي البيض، كما تجد آخر أبيض لم يتخلص بعد من شعارات الحزب
الديمقراطي المتطرف. لكن روح المصالح التي يمثلها تواكي هي تجسيد
لقيادة حزب المؤتمر الأفريقي الذي فاز في آخر انتخابات عامة، والذي
يتوقع أيضاً أن يحقق الفوز في الانتخابات العامة الثالثة التي تجري
في الرابع عشر من أبريل الحالي. ولدى توليه السلطة لأول مرة في جنوب
أفريقيا بزعامة القائد نيلسون مانديلا عام 1994، لم يقدم حزب المؤتمر
الأفريقي على قمع الأقلية البيضاء والاستيلاء على ممتلكاتهم، بل
عمل جاهداً للفوز بثقة غالبية مجتمع الأعمال في صفوف البيض. كما
لم يقم أحد بمصادرة أراضي المزارعين البيض كما حدث في زيمبابوي.
لقد قامت الحكومة في جنوب أفريقيا بزيادة الإنفاق الاجتماعي لتوفير
الخدمات للأغلبية من المواطنين السود. لكنها كانت من الحرص بحيث
حافظت على التوازن بين مستوى الإنفاق والإيرادات. وانخفض عجز الموازنة
في جنوب أفريقيا من 10% من إجمالي الناتج المحلي عام 1994 إلى 2.4%
هذا العام؛ وهو معدل أقل من العجز في موازنة دولة مثل الولايات المتحدة.
وتم الحد من عمليات إزالة المزارع، كذلك تم تخفيض الضرائب والتعريفات.
وانتهج البنك المركزي سياسة نقدية حازمة أدت إلى خفض معدل التضخم
من 10% عام 1994 إلى 4% هذا العام. لقد أصبح مناخ الأعمال في جنوب
أفريقياً مستقطباً للعديد من الشركات الأجنبية مثل عملاقي صناعة
السيارات دايملر كرايسلر وتويوتا اللذين أنشأتا مصانع جديدة بها.
كان هذا الجانب الإيجابي في تجربة جنوب أفريقيا. أما الجانب السلبي
فيبدأ باتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بدرجة هائلة. فبينما
يعيش حوالي 15 إلى 20% من السكان (خاصة البيض) حياة ثرية مرفهة كحياة
سكان دول العالم المتقدم، يرزح الباقون تحت نير الفقر كسكان دول
العالم الثالث. فعلى بعد أميال قليلة من ناطحات السحاب والفنادق
الرائعة في كيب تاون، تقبع خايلستشا، وهي مدينة عشوائية يعيش بها
حوالي نصف مليون من السكان السود، وتنتشر فيها صناعة القصدير والمعادن
اليدوية. لا توجد في خايلستشا محطة كهرباء واحدة.
كان هذا المستوى من الفقر المدقع، الذي اختفى من الولايات المتحدة
قبل عقود، هو السبب الرئيسي في زيادة معدلات الجريمة، وانتشار الإصابة
بفيروس نقص المناعة (إتش آي في) في جنوب أفريقيا بنسبة جعلتها تحتل
المرتبة الأولى عالمياً في مستوى الإصابة. إن أكثر ما يشين حكومة
الرئيس الحالي تابو مبيكي هو استجابتها القاصرة لهاتين الأزمتين.
وحتى بعد أن وصلت أعداد الوفيات بالأيدز مئات الآلاف سنوياً، لم
يجد مبيكي حرجاً في التصريح بأن الأدوية التي يتم تقديمها للمصابين
زادت من الطين بلة، بل إنه تساءل إن كان الفيروس هو السبب في الإصابة
بمرض الأيدز فعلاً! غير أن استجابة الحكومة لمشكلة الجريمة كانت
أفضل بعض الشيء. فعملت منذ البداية على إعادة تسليح قوات الأمن بالأسلحة
التي كانت تستخدمها قوات نظام الفصل العنصري سابقاً. من الواضح أن
حكومة جنوب أفريقيا تحاول تعويض ما فات. العام الماضي، أعلن الرئيس
مبيكي عن برنامج علاج شامل لمكافحة مرض الأيدز والوقاية منه على
الرغم من اتهامات النشطاء في هذا المجال له ببطء التحرك.
غير أن التحدي الدائم لجنوب أفريقيا هو الحفاظ على ما تحقق من ديمقراطية
في ظل وجود حزب وحيد يسيطر على العملية السياسية بها، ولا يتوقع
أن ينافسه أحد في المستقبل المنظور. في الهند واليابان، نجح هذا
النموذج، ولا يوجد ما يمنع استمرار نجاح النموذج الجنوب أفريقي في
السير على خطى السابقين.
في جنوب أفريقيا، لا أحد فوق النقد. فمن الرئيس مبيكي إلى أصغر موظف
حكومي. وعلى عكس ما تجده في سروسيا أو هايتي، لا يخشى المعارضون
الزج بهم خلف أسوار المعتقلات أو القتل. وهو سبب كاف للاحتفاء بإنجازات
تجربة جنوب أفريقيا بعد مرور 10 سنوات من حكم الأغلبية.
ماكس بوت
عضو مجلس العلاقات الخارجية، وصاحب عمود أسبوعي في صحيفة لوس أنجلوس
تايمز
خدمة لوس أنجلوس تايمز ـ خاص بـ (الوطن)
أعلى
في ذكرى جريمة الحرب في مخيم جنين
لا أستطيع أن أتجاهل في مقالاتي الذكرى الثانية
لجريمة الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في مخيم جنين، في مثل
هذه الأيام قبل عامين كاملين.
فقد بدأت حياتي العملية والسياسية في مدرسة المخيم، ومن هناك شاركتُ
في كل نشاطات العمل السياسي، المتاحة في ذلك الزمان، من تظاهرات
تطالب بالوحدة في عزّ المد القومي، إلى توقيع العرائض والترويج لها،
وفي الطريق إلى المخيم، ذات صباح جميل مزدحم بالندى والنسمات العليلة
لسماء بلادنا، جّروني إلى أقرب زنزانة، لمنع مظاهرة كانت مقررة ذلك
اليوم، ومن هناك، وكما كتبت أكثر من مرة، انطلقت أول عملية فدائية
في أكتوبر 1964م لتنظيم من رجالات المخيم شباب الثأر التابع لحركة
القوميين العرب، ومن هناك انطلقت عمليات مبكرة لحركة فتح، أيضاً.
أريد أن أكتب في هذه المناسبة أن الإعلام الإسرائيلي يسأل عن أرقام
الضحايا، حين بالغنا في الأمر كعادتنا، وتحدثنا عن سقوط خمسمائة
قتيل، فيما لم نستطع توثيق سقوط أكثر من بضع عشرات من المقاتلين،
بينهم بعض المدنيين العاديين، الذين هدموا المنازل فوق رؤوسهم. لم
يكن هناك ما يدعو لمبالغة تلقفها الإعلام الإسرائيلي، وكانت سلاحه
ضدنا في الساحة الدولية. سقوط أكثر من ستين شهيداً، وسقوط ضحايا
مدنيين قاموا بتصفيتهم بدم بارد، ومنع المصابين من الوصول للمستشفيات
حتى ينزفوا إلى النهاية، وهدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها، تكفي للحديث
في العالم عن واحدة من جرائم الحرب الكبرى التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي.
تتساءل منظمة العفو الدولية في تقريرها الميداني من مستشفى جنين
: لماذا لم يصل المستشفى أي إصابة بالغة، كلها إصابات خفيفة، أو
جثث متفحمة، ألا يؤكد ذلك أن الإصابات البالغة، تركوها تنزف حتى
الموت في عملية إعدام واضحة المعالم.
أريد أن أتذكر، ما كتبه يوري أفنيري بعد اجتياح المخيم، كتب يقول:
في جنين وضع شارون أساسات الدولة الفلسطينية، دون أن يعلم، مستذكراً
مقولة هيرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول: في بازل (بسويسرا) وضعتُ
أساسات الدولة اليهودية. لم يمر عامان على المجزرة (وأسميها جريمة
الحرب لتجنب الجدال حول المصطلح أمام المؤسسات الدولية حتى أعلن
شارون بعظمة لسانه إنه يؤيد قيام دولة فلسطينية، فيما اجتاح مخيم
جنين تطبيقاً لمقولة بائسة عنوانها: ما لم يتحقق بالقوة، يتحقق بمزيد
من القوة.
أريد أن أكتب أيضاً، بأنه بعد عامين من المذبحة، فإنّ حركة التوثيق
لما جرى، مازالت بطيئة. ثمة عدد محدود من الأقلام، وعدد محدود من
الكتب، أهمها صدر عن كُتّاب أجانب، تماماً كما حدث بعد مجزرة مخيم
صبرا وشاتيلا عام 1982 ، حيث كان الكتاب التوثيقي الأول حول المذبحة،
قد كتبه أمنون كابليوك، وهو إسرائيلي يعمل مع اللوموند الفرنسية،
في حدود معلوماتي. الذين يكشفون ما تعرض له شعبنا من مذابح عام 1948م
على يد العصابات الصهيونية، هم باحثون إسرائيليون، مع الأسف الشديد،
وفي المقدمة كشف تفاصيل مذبحة بلدة الطنطورة قرب حيفا، حيث كشف النقاب
عنها، باحث إسرائيلي لنيل درجة الماجستير، ثم فصلوه من الجامعة بعد
ذلك. سألت رجالاً معروفين من أبناء الطنطورة ومنهم د. محمود السمرة
الوزير الأسبق ورئيس جامعة البتراء السابق، واللواء عبد الرزاق اليحيى
قائد جيش التحرير الفلسطيني الأسبق، ومسؤول اللجنة الأمنية العليا
في السلطة الوطنية، وأجابا أن ما أفاد به الباحث، فيه الكثير من
المعلومات المثيرة للانتباه.
كنتُ أتمنى أن نرى بعد عامين من الاجتياح، متحفاً في المخيم يحكي
القصة بكل التفاصيل، مستعيناً بأحدث وسائل التكنولوجيا في هذا المجال،
ولكن المنازل نفسها، مازالت مهدمة، ولم تقم لها قائمة بعد.
أريد أن أذكُر وأن أتذكر، في نهاية هذا المقال، بأنّ صمود مخيم جنين،
قد ستر عورات كثيرة، حين احتلوا المدن الأخرى دون قتال، ودخل رام
الله عشرون ألف جندي ليزدحموا في مساحة صغيرة لمدينة صغيرة، ولم
يسقط منهم أحد.
أولئك الذين هددّوا شارون، بأن دخوله المدن الفلسطينية لن يكون نزهة،
وحين كان نزهة بالدبابات، بإستثناء جنين وهي القصبة في نابلس، توارى
أولئك الرجال الذين استثمروا الفضائيات، لتهديد شارون وموفاز بالويل
والثبور وعظائم الأمور، تواروا عن الأنظار لبعض الوقت، ثم عادوا
بكامل أناقتهم لامتطاء ظهور الفضائيات، دون أن يرمش لهم جفن.
إنّ دخول مخيم جنين، لم يكن نزهة بالفعل، فقد تلقى الجيش الإسرائيلي
ضربة قوية وأدخل بعدها الأسلحة الفتاكة، بعد أن استبدل القيادات
الميدانية عدة مرات، لفشلها في الاقتحام. أدخلوا الجّرافات الجبارة
لتسير من بيت إلى بيت، بدلاً من أن يسير الجنود من منزل إلى منزل.
أزعم، أنهم لو خسروا في المدن الفلسطينية الأخرى، قدر ما خسروا في
مخيم جنين، لتغيرت المعادلات، ولسقطت حكومة شارون، ولكن الأمور سارت
باتجاه آخر. لابد من الاعتراف بذلك، فالاعتراف بالحقائق مهما كانت
مُرّة كالعلقم، هو المقدمة الوحيدة لتغيير الواقع، واستخلاص الدروس،
واستيعاب النتائج، للإنطلاق بقوة أكبر وعزيمة أشد.
في هذه الذكرى، ورغم موقفي المعارض لعسكرة الإنتفاضة، ورغم إيماني
المطلق بأنه في صراع مثل صراعنا، فإنّه لا مناص من الإيمان بأنّ
قوة الضعف لدينا، هي الإمكانية الوحيدة للإنتصار على ضعف القوة لديهم.
رغم ذلك كله، فإنّه لا بد من الإنحناء إجلالاً واحتراماً لشهداء
هذا المخيم الباسل، الذي قدموا أرواحهم من أجل حرية الوطن.
توفيق أبو بكر
مدير عام مركز جنين للدراسات الاستراتيجية
jcss@index.com.jo
أعلى
طريق روسيا المظلم في الشيشان
حولت حرب روسيا الثانية في الشيشان، والتى
أندلعت في خريف عام 1999، كولونيل غير معروف كثيرا، ـ وهو فلاديمير
بوتين (وقتها) ـ إلى رئيس لروسيا وبطل قومى. فقد رأى الناخبون في
بوتين رجلا يمكن ان يدافع عن روسيا ضد ما يسمى (بالارهاب) وان يحل
أكثر مشكلة الحاحا بالنسبة لروسيا.
وفي الشهر الماضى (مارس) انتخب لفترة رئاسية ثانية بأغلبية كبيرة
والمفارقة في عودته للسلطة هي انه لم يفقد شيئا من شعبيته، حتى على
الرغم من أنه فشل في تحقيق وعده بالوصول الى نهاية للصراع في الشيشان
ففى مسار فترة بوتين الرئاسية الاولى، جاءت الحرب الشيشانية الى
موسكو فقد قتلت سلسلة من الحوادث التى قام بها شيشانيون عشرات الناس
ومات اكثر من 40 شخصا في انفجار في قطار انفاق بموسكو في السادس
من فبراير..
وفي كل عمل جديد من أعمال العنف تظهر دعوات برد الفعل نفسه من النخبة
الروسية: في اليوم او اليومين الاولين، يتم الادلاء بعدد كبير من
التصريحات الملتهبة الغاضبة.. وبعدها، يسود الصمت حتى وقوع عملية
مريعة أخرى.
ان كلا من الدعوات الهستيرية المنادية بالثأر والانتقام وكذلك الصمت
الرهيب الذي يتبع ذلك ليثبت ان الجميع، بمن فيهم اولئك الذين يدلون
بتلك التصريحات الرنانة ـ يفهمون ان سياستنا ـ نحن ـ الروسيين ـ
في الشيشان تقودنا الى طريق مظلم. فبعد تفجير السادس من فبراير الماضى.
سمعنا دعوات لاعادة إدخال عقوبة الاعدام، ودعوات من قبيل : (حرقهم
وضربهم بالحديد الساخن) و(الذهاب الى كل مذهب ضدهم) بل ان الصفحة
الاولى في واحدة من أكبر الصحف اليومية وأكثرها مبيعا في روسيا حملت
عنوان كلمات احد الاباء الذى فقد ابنه : (سأقتلهم كلهم الآن.. اينما
وجدتهم).
يجب ان نتذكر ـ نحن الروسيين ـ كلمات ضابط عسكرى روسي يسمى ليو تولستوى
الذى حارب في مرحلة مبكرة من الحرب الروسية المتواصلة على ما يبدو
في القوقاز.. فقد كتب بعد (عملية تطهير) في قرية جبلية شيشانية يقول
: (كان شعور الشيشانيين ـ صغيرهم وكبيرهم ـ تجاه الروس شيئا اكثر
بكثير من كراهية بسيطة..
ووسط هذه الدعاوى بـ(الذهاب الى كل مذهب وايصال الامر الى منتهاه)
ـ أى الحاق اقصى قدر من التدمير والخراب ـ ننسى كم من مرات عديدة
(ذهبنا كل مذهب) بالفعل فأحرقنا كل ما هو قابل للاحتراق واستخدمنا
عقوبة الاعدام ـ لأسباب وقائية فيما هو ظاهر ـ على عشرات الآلاف
من مواطنينا المسالمين وليس هناك من شك في أنه على الجانب الآخر
هناك من يقول ـ وهم كثر ـ: سأقتلهم كلهم الآن.. أينما قابلتهم..
وتكرر القيادة الروسية باستمرار انها لا تحارب الانفصاليين (المقاتلين)
الشيشان ولكن تحارب ارهابيين دوليين ! وبسبب الطرق والاساليب التى
نشن بها تلك الحرب، حولنا ـ عمليا ـ كل الشعب الشيشانى الى اعداء
وجعلنا عددا كبيرا من الناس بمثابة قنابل موقوتة تمشى على الارض.
لقد اختارت روسيا في كل منعطف الخيار الأسوأ.
وعلى الرغم من ذلك، ثمت ملاحظة تدعو للمفارقة تستحق الذكر.. وهى
ان الاعداء التقليديين الذين من المفترض اننا نشن الحرب ضدهم ـ وهم
الرئيس الشيشاني المؤيد للاستقلال ومؤيدوه وأنصاره ـ هم في الواقع،
حلفاؤنا في الحرب على الارهاب العالمى.. لماذا ؟ لأن الارهاب يدمر
الشيشان، والهدف الذي يجب ان نكافح من أجله جميعا الآن هو فصل الاتجاه
الاستقلالى الانفصالى الشيشانى عن الارهاب العالمي.
والمفارقة الاخيرة المزعجة في المأساة الشيشانية هى ان كل الدعوات
التى تنادى بالانتقام في روسيا تساعد في ادخال واغراق هذا البلد
الكبير (روسيا) الى دائرة العنف التى بدأت في الشيشان الصغيرة..
لقد بدأنا نقاتل للحفاظ على الشيشان داخل روسيا (أى من اجل عدم انفصال
الشيشان)، وانتهينا الى سجن روسيا داخل الشيشان.
أندريه بيونتكوفسكى
الكاتب مدير معهد الدراسات الاستراتيجية في موسكو
خدمة (واشنطن بوست) ـ خاص بـ(الوطن).
أعلى