رأي الوطن
الطريق الى كربلاء
التطورات الأخيرة المتسارعة في اعمال
العنف التي تمارسها القوات الاميركية ضد العراقيين تقدم دورسا بليغة
للولايات المتحدة في كيفية الخروج من النفق المظلم الذي دخلته بارادتها
.. ومن هذه التطورات وصول وفد من وزارة الخارجية الايرانية الى العراق
للمساعدة على تسوية الازمة القائمة بين مقتدى الصدر والتحالف بناء
على طلب الولايات المتحدة، واعلان اسلام اباد انها تدرس طلبا اميركيا
للمشاركة بقوات تقوم بحماية بعثة الامم المتحدة عند انتشارها في
الاراضي العراقية، واعلان مقتدى الصدر تخليه عن كل الشروط التي حددها
سابقا كأساس للدخول في مفاوضات مع قوات التحالف وتأكيده على انه
يضع نفسه تحت تصرف المرجعية الشيعية في هذا الشأن.
هذه التطورات تؤكد بجلاء ان الطريق الى كربلاء لن يتم بالاعلان الاميركي
عن ان الصدر (مطلوب حيا او ميتا) بنفس كلاسيكيات رعاة البقر في الغرب
الاميركي، وليس عن طريق تحريك الدبابات والآليات لمحاصرة النجف وكربلاء
استعدادا لمواجهة دموية مع الصدر وانصاره لكن التفاوض برعاية جيران
العراق وتحت مظلة الامم المتحدة يظل الاسلوب الامثل لتحقيق مناخ
من الهدوء النسبي يسمح بالانتقال الى مرحلة تالية بنقل السلطة والسيادة
الى العراقيين توطئة لاجراء انتخابات باشراف دولي ينتج عنها تأسيس
برلمان عراقي وطني وتشكيل حكومة من قبل الحزب الفائز بأكبر عدد من
مقاعد البرلمان، او حكومة ائتلافية تمثل التكتلات الحزبية الكبرى،
ويقود ذلك في نهاية المطاف الى المطالبة باصدار برنامج زمني لرحيل
جميع القوات الاجنبية من العراق باستثناء قوة حفظ سلام دولية ولفترة
يحدده مجلس الأمن.
الأمر الآخر الذي يساعد الولايات المتحدة على الخروج من ظلمة النفق
العراقي، هو تغيير سياساتها وطريقة تعاملها مع مختلف القوى والتيارات
العراقية، بتجنب الافراط في استخدام القوة وبشكل فوقى ملئ بالغطرسة،
وتأكيد مصداقية الشعارات التي طرحتها كمبرر لشن الحرب على العراق
واحتلاله بدعوى تحرير الشعب العراقي وكفالة كل الممارسات الديموقراطية
التي تؤكد حق الجميع في ابداء آرائهم بحرية مطلقة دون مصادرة او
مواجهة للافكار بالبنادق .. وفي هذا السياق تقدم وكالات الانباء
نموذجا طازجا لهذه السياسات وطرق التعامل الفاشلة التي تؤدي الى
صب الزيت على نيران الغضب، فقد قامت القوات الاميركية بالضرب المبرح
لمواطن عراقي رفض الانصياع لاوامرها بازالة صورة لمقتدى الصدر كان
يثبتها في سيارته الامر الذي ادى الى وفاته بالمستشفى متأثرا بإصابته.
والعامل الثالث الذي يفضى الى تهدئة الموقف هو التزام قوات التحالف
ببنود اتفاقية جنيف المتعلقة بكيفية التعامل مع المدنيين في زمن
الحرب، وبالحقوق التي تترتب على قوات الاحتلال فيما يتعلق بنشر مظلة
الامن في البلد المحتل وتوفير كل مقومات الرعاية الانسانية لابنائه
وفي مقدمتها المسكن والمأكل والمشرب والعلاج.. والواقع الذي يعيشه
العراقيون يؤكد ان الولايات المتحدة تعاملت مع اتفاقيات جنيف بمعيار
مزدوج يصر على تفعيل بنودها اذا كان الامر يتعلق بتحقيق اهداف لقوات
التحالف، ويهملها تماما عندما يتعلق الامر بمصالح المواطنين العراقيين
من عامة الناس والامر الرابع الذي يساعد الولايات المتحدة على الخروج
من مأزقها الحالي يتعلق بتحديد دقيق لمفهوم الارهاب والارهابي والتفرقة
بينه وبين المقاومة المشروعة لاي احتلال تلك التي تكفلها كل المواثيق
الدولية، وهو ما لا يبدو ان الادارة الاميركية على استعداد للقيام
به لحاجتها الى تعريف فضفاض مطاط للارهاب يسمح باحتواء كل القوى
المناوئة للولايات المتحدة، حتى لو كانت تمارس حقا مشروعا في مقاومة
محتل وفي الدفاع عن الارض والعرض والنفس .. وهو ما اتضح في المؤتمر
الصحفي للرئيس جورج بوش يوم امس.
والطريق الى كربلاء خروجا من النفق المظلم يمر في النهاية باعلان
واضح وصريح بصياغات لا تحتمل ازدواجية في المعاني عن برنامج زمني
لرحيل جميع القوات الاجنبية من العراق .. واصدار هذا البيان كفيل
بتهدئة جميع التيارات العراقية التي ستقبل على التعاون مع قوات التحالف
لتحقيق الامن والنظام، ذلك الذي يفضى في النهاية الى رحيلها ـ مشكورة
ـ الى بلدانها!
أعلى