
في الموضوع
المظهر والجوهر
في تراثنا العربي الاسلامي كثير من الحكمة،
واذا ما رجعنا اليه بالتفسير الصحيح، فإننا يمكن ان نحصل منه على
فوائد كبيرة، تساعدنا في حل المشكلات التي تحاصرنا، وتخرج بنا من
المأزق الذي نجد انفسنا فيه، ونشعر بالعجز عن الخروج منه، فقد قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ان (في الجسم مضغة لو سلمت سلم الجسم
كله) وكان صلى الله عليه وسلم يعني بذلك القلب، والقلب في هذه الحالة
يعني عضلة القلب التي تضخ الدم في مختلف انحاء الجسم، فتوصل اليه
الغذاء والهواء، وتأخذ منه الفضلات والسموم لكن (القلب) كلمة ايضا
تعني (جوهر الاشياء في اعماقها) والانسان منا (مظهر) و(جوهر) وفي
معظم الاحيان فإن المظهر لا يدل على الجوهر الا امام العين الخبيرة،
والناس عادة يتسترون على نقاط ضعفهم الجوهرية، ويحسبون ان ذلك يكفيهم
عبء العمل من اجل علاجها، لكن آخرين يعرفون نقاط الضعف هذه حق المعرفة،
ويستغلونها لمصلحتهم على حساب مصلحة الضعيف.
وفي حياة الامم تكون هناك لحظات تاريخية، تتصف فيها الامة بالقوة
او بالضعف، وعندما تكون الامة قوية فإن قوتها تردع اعداءها وتحفظ
لها مصالحها، اما اذا كانت ضعيفة فإن الامم الاخرى تتكالب عليها،
مثل الجوعى حول (القصعة) ومن الامور المؤسفة ان هذا هو حال العرب
والمسلمين حاليا، ومن نتائج ذلك انهم مستهدفون من الدول الاخرى،
سواء كان ذلك من خلال (الحرب ضد الارهاب) التي يرى كثيرون انها تستهدف
المسلمين ـ والعرب اولهم ـ او دعم الاحتلال الصهيوني الاسرائيلي
الاستعماري في فلسطين، انطلاقا من مقولة ان العرب هو رجل العالم
المريض في الوقت الحاضر.
في هذا السياق، لابد من النظر الى الموقف الاميركي المؤيد لخطة (الجزار)
ارييل شارون في فلسطين فهذه لحظة تاريخية ايضا ـ وان كانت على الجانب
المعادي ـ اذ اجتمعت في الولايات المتحدة الاميركية حكومة يمينية
متطرفة، تمثل التيار الاصولي للمسيحية الصهيونية الجديدة، مع حكومة
يمينية متطرفة اخرى في اسرائيل، تعمل لتنفيذ اقصى المخططات الصهيونية
عدوانية واجراما ضد الشعب الفلسطيني، وفي ظروف الضعف العربي المتمثل
في تهاوي قدرات المؤسسات الرسمية للدول، ظهرت ردود فعل غير منظمة
من جماعات تعاني من الاحباط، اصابها التخبط في تحديد السبيل للخروج
من المأزق، فشنت ضرباتها ضد حكومات دولها والاطراف الاجنبية التي
تتعامل معها على السواء، في الوقت الذي عجز فيه الجميع عن اللجوء
الى الحجة السياسية والاعلامية لاقامة روابط مع الآخرين، فسهل على
الاعداء محاصرة تلك الجماعات، ووصمها بالارهاب والتخريب، والاساءة
المتعمدة الى غرضها، وهي تتحمل الكثير من مسؤولية ذلك، لانها اساءت
ايضا الى موقف جماعات المقاومة الفلسطينية، واعطت الفرصة للصهاينة
لمحاصرتها والضغط عليها، اعتمادا على التأييد الذي حصلوا عليه من
الولايات المتحدة الاميركية، في اطار عملية (مكافحة) الارهاب الدولي.
في هذه الظروف السيئة بالنسبة للعرب، نجح التحالف اليميني المتطرف
في الولايات المتحدة واسرائيل، في اعلان (وعد بوش) بعد 85 عاما من
صدور (وعد بلفور) البريطاني بتأسيس دولة اسرائيل لليهود في فلسطين
ـ بدعم احتفاظ اسرائيل بمستعمرات في قطاع غزة، مع اخلاء المناطق
ذات الكثافة السكانية، والاستيلاء على أراض واسعة في مواقع استراتيجية
بالضفة الغربية، تقطع الطريق على تنفيذ خطة الطريق للسلام، وتفسح
المجال امام (الجزار) شارون لتنفيذ مخططه، باستقطاع ما يستطيع ويريد
من الاراضي الفلسطينية، مع العمل لفرض ذلك على الشعب الفلسطيني في
اي تسوية قادمة، وكل ما يراه الرئيس الاميركي الذي يواجه صعوبات
في شأن اعادة انتخابه لولاية ثانية في منصبه، هو انه يزيد بذلك من
فرصة فوزه في الانتخابات بصرف النظر عن اعتبارات حقوق الانسان او
حق تقرير المصير للشعوب، الذي ترفع ادارته لواءه.
والنقطة المهمة في هذا السياق هي ان احتمالات السلام في الصراع العربي
ـ الاسرائيلي اصبحت مستبعدة الآن، فالحكومات العربية في حالة ضعف
عن دعم الشعب الفلسطيني، لكنها ايضا في حالة ضعف لا يمكنها من المصادقة
على سلام يسلبه حقوقه المشروعة فضلا عن ان تلك الحكومة العربية لا
تستطيع الدخول في سلام مع اسرائيل، اذا لم يتم التوصل الى تسوية
مقبولة للشعب الفلسطيني وممثليه الشرعيين، الذين يختارهم بنفسه ولا
تختارهم نيابة عنه اسرائيل او الولايات المتحدة الاميركية، واي علاقات
عربية ـ اسرائيلية تتجاهل عدم التوصل الى تسوية للقضية، لن تؤدي
فقط الى خلاف جديد بين الحكومة التي تقيم هذه العلاقات وشعب بلادها،
وانما ستسحب من هذه الحكومة شرعية الوجود في الحكم، لانها ستكون
بذلك خانت قضية العرب الاساسية، التي استمدت حكومات عربية كثيرة
شرعية وجودها في الحكم لسنوات طويلة منها.
وبالنسبة للجانب الفلسطيني فإن عدم قبوله مشروع دولة دون ارض، يعني
عدم قبوله دولة ليست لها مقومات التواجد والاستمرار، ويتضمن ذلك
بقاء القضية معلقة لسنوات طويلة قادمة، مع تفاعل تزايد الوجود السكاني
الفلسطيني على ارض وطنية، على النحو الذي يسميه الصهاينة (القنبلة
الديمغرافية)، بكل ما يحمله ذلك من آثار زيادة نسبة السكان الفلسطينيين
في ارض وطنهم التاريخية، عن عدد اليهود الوافدين من الخارج، وما
يمثله ذلك من تهديد لهوية الدولة الصهيونية، على النحو الذي يخشاه
القائمون عليها، لكي تقوم في النهاية دولة اغلبية سكانها من العرب
الفلسطينيين ـ مسلمين ومسيحيين ـ وتنقضي اسرائيل بفعل سياسات اليمين
المتطرف.
والخلاصة هي ان سياسات التطرف والانتهازية السياسية القصيرة النظر
لا تحقق نتائجها، لكن لا يتعين على العرب المخلصين لمبادئهم الاسترخاء
والركون الى ذلك، وانما العمل لمكافحة الخطر الصهيوني والاستعماري
بكل ما يستطيعون.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى
عين الشراع
الصورة تبدو أجمل بتعاون الجميع
* في محاورة جمعتني واشقاء من بعض الدول العربية،
قال لي احدهم انه يبدي اعجابه واعتزازه من الانتظام والحرص على تطبيق
قواعد وانظمة المرور والحرص على الالتزام الكامل بانظمة السلامة
المرورية الذي لمسه خلال زياراته المتكررة الى السلطنة.
ومما قاله لي الصديق العربي: انه تفاجأ بصورة رجل المرور وهو يمارس
عمله ويحرص ان يكون مبدأه في ذلك التوعية المرورية وارشاد السائقين،
وتوجيههم نحو تحقيق سلامتهم وحفظهم من شرور ومخاطر الطريق.. لا تحرير
المخالفات وتصيد الاخطاء التي قد يرتكبها البعض.
وراح الصديق العربي يسهب في وصف الامتثال التام والتقيد الكامل بقواعد
السلامة المرورية، وكيف يعمل الجميع يدا واحدة، ويسهمون معا في تحقيق
الاهداف النبيلة لرجال شرطة عمان السلطانية.
ومما قاله ايضا: ان خروج فئة معينة على قواعد السلامة المرورية وانتهاكهم
لهذه الانظمة وبالتالي حدوث ما لا يحمد عقباه، لا يعني تعميم ذلك
وتغليبه، باعتبار ان هذه المجموعة لا تمثل رقما كبيرا اذا ما قارناه
في المقابل بأولئك الذين يحرصون على اتخاذ تدابير واحتياطات السلامة،
وتجدهم يمتثلون ويتقيدون بانظمة المرور دون أي رقيب او موجه، لا
يفعلون ذلك خشية رجال المرور او الحصول على مخالفات مرورية فحسب،
بل لأنهم يدركون جيدا معنى هذه الانظمة والقواعد المرورية التي وضعت
اساسا لاجل سلامتهم وراحتهم اثناء عبور الطريق.
حديث الصديق العربي أعطاني دفعة من الاعتزاز والفخر، ذلك ان الصورة
تكاد تكون مفقودة في الكثير من الدول، التي تسعى الى تطبيق هذه الصورة
وايجاد علاقة حميمية بين رجل المرور ومستخدمي الطريق سواء اكانوا
قائدي مركبات او مشاة.. لكن جل المحاولات لم تصل الى الاهداف المنشودة
والغايات المرجوة.. اذ تنعدم المسئولية الجماعية وتقتصر على جهة
واحدة هي رجال المرور، وبالتالي فأن اليد الواحدة لا تصفق.
قلت للصديق العربي: ان ما تراه ثمرة جهود مشتركة يساهم فيها الجميع
افرادا وهيئات ويعملون بروح واحدة من اجل تطبيق السلامة المرورية
على الطريق والتقليل من الحوادث التي تفتك سنويا بعشرات الابرياء
بجانب ما تخلفه من خسائر واثار نفسية سيئة.
وعلى هذا فلا غرابة حينما أكد اسبوع مرور دول مجلس التعاون لدول
الخليج العربية العشرين على هذه الروح الجماعية وأختار ان يكون شعاره
هذا العام (السلامة المرورية مسئولية الجميع)، اذ ان تكاتف الجهود
وتوائمها واشتراكها في العمل سويا من اجل تطبيق الغايات النبيلة
والاهداف القويمة التي تسعى الادارة العامة للمرور بشرطة عمان السلطانية
الى تحقيقها، والمتمثلة في تأمين السلامة المرورية والتقليل من الحوادث
المرورية واخطارها على المجتمع، اسهما في الوصول الى هذه الصورة
المزدانة بالحرص الجماعي على الامتثال والتقيد بالانظمة والقواعد
التي تحفظ سلامة الجميع.
اذ اسهم الجميع في الوصول الى تحقيق السلامة المرورية والامتثال
لقواعد وانظمة المرور وتحسين بيئة الطريق، وقامت حملات التوعية والتنبيه
التي تؤكد على خطورة عدم التقيد بالانظمة المرورية ليس تحسبا للمخالفات
التي قد يحصل عليها المخالف والتي تتناسب مع حجم المخالفة فحسب،
بل من جانب تعرض حياة المخالف والاخرين للخطر، هذا التعاون والتساند
الجماعي هو احد الاسباب والوسائل التي اسهمت في تحقيق الصورة التي
كانت مصدر اعجاب ودهشة الصديق العربي، وهي ايضا الاسباب التي ستجمل
الصورة اكثر واكثر.. وتطبق الشعار الذي حمله اسبوع مرور دول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية العشرين، ليس في اسبوع واحد فحسب بل
في كل اسابيع وايام السنة.. والله يحفظ الجميع من كل مكروه.
خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com
أعلى

الشراع الآخر
تحية لحماة الفكر الإنساني أينما كانوا
تذكرنا قوانين منع مواد ومؤلفات مكتوبة في
الدول التي تتعرض إلى العقوبات مثل ايران والسودان وكوبا من النشر
في الولايات المتحدة، تذكرنا بقوانين المنع التي تفرضها أنظمة استبدادية
في دول عديدة من العالم، وبذلك لم يعد يحق لأميركا أن تفخر بأنها
مهد للديمقراطية وناشرة لها في العالم. وجدير بأميركا قبل أن تفكر
في نشر الديمقراطية في (الشرق الأوسط الكبير) أن تلجأ إلى إلغاء
القوانين واللوائح التي تمنع الناشرين الأميركيين من نشر المقالات
والمؤلفات الواردة إلى اميركا من الدول السالفة الذكر والتي تصنفها
الولايات المتحدة على أنها دول مارقة. وربما تكون الادارة الأميركية
قد اشتطت كثيراً وغالت في بيان حرصها على الأمن القومي الأميركي
كي تجبر الذاكرة الأميركية على نسيان الربط بين هذه الإدارة وبين
كارثة الحادي عشر من سبتمبر، لكن الذي يبث الطمأنينة في نفوس غير
الأميركيين أن الشعب الاميركي بكامل فئاته تقريباً لا يستسيغ هذه
المعادله المعوجة، حيث لجأ ناشرون أميركيون إلى تحدي القوانين التي
تعاقب بعشر سنوات سجناً وبغرامة قد تصل نصف مليون دولار لمن ينشر
مؤلفات قادمة من الدول المارقة، وبادروا إلى نشر تلك المواد والمؤلفات
مخاطرين بالتعرض لسيف القانون الصارم الناشئ حديثاً تحت ستار ما
يعرف بالحرب ضد الارهاب العالمي. فالانظمة السياسية تأتي وتذهب لكن
الشعوب تبقى ويبقى معها حسها النقي تجاه مفهوم العدالة الشاملة بعيدا
عن تجاذبات اللعبة السياسية ولا يخفى على الشعب الأميركي بالطبع
الهدف من منع السلطات الرسمية لـ (الرأي الآخر) القادم من الخارج
أن يطرح نفسه على القارئ الأميركي، كما لا يخفى عليه مصادر الضغط
التي ضغطت في اتجاه تطبيق هذا المنع، خاصة ونحن نلمح أن معظم الأسماء
الممنوعة من النشر في أميركا هي اسماء عربية واسلامية. الأميركيون
كشعب حريصون على بقاء ديمقراطيتهم وازدهارها بعيداً عن ألاعيب السياسة
واطماع السياسيين، لهذا فضل بعضهم دخول السجن على قبول خيانة العرف
الديمقراطي السائد في أوساط الشعب وليس ذلك العرف الملتوي والمغرض
الذي يروج له السياسيون. كما أن مثل هذه القوانين الدكتاتورية تشكل
عرقلة واضحة للتلاقح الثقافي والحضاري بين الشعوب، ويجب أن لاينسى
الأميركيون أو غيرهم أن أكثر العقول إبداعاً في التراث الحضاري الأميركي
المعاصر هم من أصول غير أميركية، ومن ثم فإن الحفاظ على التواصل
الحضاري بين الفكر الأميركي والفكر غير الاميركي اياً كان مصدره
هو اساس استمرار الحضارة الاميركية ، وصاحب الحق في استمرار ذلك
التواصل هو الشعب ومفكروه وعمد نشر التراث العقلي الإبداعي في مجالات
العلوم التطبيقية والانسانية على السواء، ونعلم كيف أن بيل غيتس
صاحب (مايكرسوفت) يطوف بلاد العالم النامي لفتح مجالات التواصل الابداعي
في مجال الحاسوب (الكومبيوتر) ويستورد لمؤسسته العقول من كل جنس
ولون ويدفع في سبيل ذلك المال الكثير لأنه يعلم أن هذا هو السياق
الصحيح للتطور في مجال يتصدر كل حقول الإبداع الانساني الحالي وهو
مجال المعلوماتية والحاسب الآلي، وليس علينا إلا أن نشيد ونحيي ونشد
على أيدي أولئك النفر من المفكرين والناشرين الأميركيين الذي يفهمون
جيداً دورهم الرئيس في صيانة أركان الحضارة الإنسانية من الانفراط
تحت سنابك خيول الطامعين في السلطة بأي ثمن، ويجدون السجن أهون من
الاذعان للجهل الحضاري المتفشي في أركان السياسة الأميركية الحالية.
محمد عبدالخالق
jawaber@hotmail.com
أعلى

كل يوم
وعود بوش الجديدة والرهانات العربية !
هل المواقف الاميركية تجاه القضية الفلسطينية
قابلة للتغيير، والى أي مدى ؟ ولمصلحة من ؟
هذا هو السؤال الكبير والمتشعّب الذي يواجه المراقب المتابع لجهود
القادة العرب خلال زياراتهم المتعاقبة الى الولايات المتحدة
فبعد لقاء الرئيس الاميركي بالرئيس حسني مبارك، وعشية لقائه بالملك
عبدالله الثاني التقى جورج بوش بشارون وأعطاه من الوعود مالم يكن
يخطر لأحد على بال على الرغم من ادراك الجميع لمدى تطابق السياسات
الاميركية مع السياسات الاسرائيلية ايا كان الحاكم في البيت الابيض،
والمتربع على سدة الحكم في تل أبيب.
واذا كانت الوعود الاميركية الجديدة لشارون تتميز بأنها في غاية
الكرم، فان تشبيهها بوعد بلفور لا يعنى وصفا لحقيقتها، ولا للحد
الذي يستخف به مطلقوها بالامة العربية جمعاء، ولا لما تعكسه من وضع
السياسة والقدرة الاميركيتين في خدمة أهداف اسرائيل وتوسعها ومصالحها
على حساب الشعب الفلسطيني والارض العربية.
وادارة بوش المولعة هذه الايام بلعبة مكافحة ما تسميه بـ(الارهاب)
لا تجد امامها الا العرب والمسلمين لكي تلصق بهم تهم الارهاب واشاعة
الذعر في العالم، ولكي تعطي انطباعات للرأي العام الاميركي والاوروبي
بأن العرب والمسلمين ـ وحدهم ـ هم الخطر الحقيقي على أمن العالم
واستقراره، وان احداث 11 سبتمبر 2001 ليست الا دليلا بسيطا على ذلك
الخطر الداهم !
وقد صدق بعض العرب هذه المزاعم وراحوا يشاركون أميركا في التصدي
لأوهام الارهاب في الوقت الذي نكصوا فيه عن قضاياهم وتخلوا عن التزاماتهم
نحو الشعب الفلسطيني ومن بعده الشعب العراقي، وها نحن نرى ان ذلك
لم يحقق لهم ما يصبون إليه حتى وهم يستضيفون القواعد الاميركية او
يمولون بقاء قوات الاحتلال ويتغنون بانجازاتها !
واذا كانت زيارة شارون قد حققت مكاسب جديدة نعتقد أنه كان قادرا
على تحقيقها وهو في مكتبه في تل أبيب، أي دون ان يتجشم عناء السفر
ووعثاءه كما يقول اللغويون ـ الى البيت الابيض في النصف الآخر من
العالم ! اذا كان الامر كذلك فان واشنطن وادارة بوش تبيع للزعماء
العرب الكثير من الكلام المجاني عن التزامها بخررطة الطريقة ورغبتها
في رؤية دولتين : اسرائيلية يهودية وفلسطينية (قابلة للحياة) في
المنطقة الواقعة ما بين نهر الاردن والبحر الابيض المتوسط ! واذا
كان الرهان هنا هو على رغبة واشنطن في تحقيق وعودها الجديدة القديمة،
فان الاولوية ستكون لتنفيذ ما اعطته لشارون، والتغاضي عما تصرفه
للقيادات العربية باعتباره مادة للاستهلاك، ليس غير !
وعلى الرغم من ان وعود بوش لشارون أخذت صيغة مباشرة وجدية وداعمة،
فانها تصطدم بتعارضها الواضح مع القرارات الدولية الصادرة عن مجلس
الأمن والامم المتحدة وخصوصا القرارات 328 و242 و194 وسواها بخصوص
القضية الفلسطينية واحتلال الاراضي العربية عام 1967، وتقسيم فلسطين،
وحقوق اللاجئين وخاصة حق العودة والتعويض غير ان هذا التناقض يمكن
ان يحل لمصلحة الوعود الجديدة، فمن الذي يعترف بالقرارات الدولية
ويستطيع ان ينفذها اذا كان الامر يتعلق باسرائيل!!
هل شطب بوش الحقوق الفلسطينية، والقرارات الدولية كلها بجرة قلم
بعد زيارة شارون ؟ وهل كان ذلك ارضاء للحركة الصهيونية واستجلابا
لأصوات اليهود في الانتخابات الاميركية القريبة ؟ وهل سيكون بوش
أقل كرما مع اليهود والصهاينة واسرائيل بعد ان يعاد انتخابه لفترة
اقامة سعيدة جديدة في البيت الأبيض، بحيث يعود اليه توازنه المفقود،
بعد ان يحقق حلمه الموعود، ويتحرر من ضغط أصوات اليهود ؟!
وهل يراهن العرب قيادات وشعوبا على كرم بوش الحالي، أم على مرحلة
ما بعد اعادة انتخابه ؟ وهل تنتظر خارطة الطريق التي شبعت موتا من
يعيد اليها الحياة، أم أن (حقيبة الحاوي) ملأى بمثل هذه الخطط السحرية
التي لا تستخدم الا لاضاعة المزيد من الوقت والفرص، وابقاء الحال
على ما هو عليه، او المراهنة على نسيان قضية للانشغال بقضية سواها،
في زمن لم يعد العرب يملكون فيه أي خيارات بديلة بعد ان أعطوا اوراقهم
كلها الى واشنطن وجلسوا ينتظرون الصدقات ؟!
محمد ناجي عمايره
e-mail:mohamayreh@hotmail.com
أعلى

3 أبعاد
العصافير طارت
الرئيس بوش يضرب عدة عصافير بحجر واحد وهو
يؤيد خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون الانسحاب من غزة. في رسائل
متبادلة مع شارون تعهد الرئيس بوش بتحول كبير في السياسة الاميركية
القائمة منذ زمن بعيد بشأن المستعمرات وبشأن ترسيم الحدود النهائية
عن طريق المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. الرئيس
بوش يقول الآن إن الواقع الديموغرافي على الأرض يجب أن يؤخذ في الاعتبار
عند ترسيم الحدود النهائية بين الطرفين مما سيسمح لإسرائيل بضم عدد
من المستعمرات في الضفة الغربية الى إسرائيل. وإذا طبقنا العامل
الديموغرافي الذي استخدمه الرئيس بوش فإن القدس الشرقية يجب إذن
أن تدخل ضمن الحدود الفلسطينية. ولكن الرئيس بوش في كل الأحوال يضرب
أكثر من عصفور بموقفه هذا. الأول هو إدراكه أن خطته المعروفة بخارطة
الطريق وصلت الى طريق مسدود حتى قبل أن تبدأ. والثاني هو أن الرئيس
في حاجة الى إنجاز في السياسة الخارجية يمكنه التعويل عليه في عام
انتخابات رئاسية في وقت لا يمكنه التعويل على سياسته في العراق لضمان
إعادة انتخابه. والثالث هو أن الرئيس بتأييده لخطة شارون يضمن تأييد
الناخبين اليهود في اميركا وهم الناخبون الذين يصوتون تقليديا لصالح
الحزب الديموقراطي المعارض. وقوة اليهود في اميركا لا تعود الى كتلتهم
الانتخابية من حيث العدد بقدر ما تعود الى قوتهم المالية والتنظيمية.
وقد تعجب بعض المراقبين الأميركيين من أن الرئيس بوش بارك خطة شارون
حتى قبل أن يباركها الإسرائيليون انفسهم. إذا سوف تعرض الخطة على
استفتاء بين أعضاء الحزب الحاكم الليكود في نهاية هذا الشهر. ولكن
المفهوم الآن أن الزعيمين الاميركي والإسرائيلي يتبادلان دعم احدهما
الآخر انتخابيا وكلاهما ينتمي سياسيا وايديولوجيا الى اليمين المحافظ.
بمباركته خطة شارون قبل الاستفتاء يؤثر الرئيس بوش على نتيجة الاستفتاء
عن طريق التعهدات بأمن إسرائيل. وإذا جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح
شارون سيكون ذلك لصالح بوش انتخابيا أيضا من حيث أنه سيتمكن من الإشارة
الى تقدم في مسار السلام في الشرق الأوسط وحيث أنه سيكسب تبرعات
وتأييد الناخب اليهودي. ولكننا يجب للإنصاف أن نشير الى أن الرئيس
بوش حصل من شارون على تعهد بأن خطته لن تكون بديلا عن الخطة الداعية
الى اقامة دولة فلسطينية. ولكن إذا تأجلت الدولة الفلسطينية واستمرت
العوامل الديموغرافية تحسم الحل النهائي فإن هذه الدولة قد تقوم
في النهاية في قطاع غزة فقط. وفضلا عن ذلك فإن هناك انباء سيئة تنتظر
الرئيس بوش انتخابيا. فقد اوضح قياس للرأي العام أن 17 في المائة
فقط من الشعب الاميركي يتفقون مع الرئيس بوش في تأييده لضم المستعمرات
اليهودية في الضفة الغربية الى إسرائيل. أكثر من سبعين في المائة
من الاميركيين لا يتفقون مع الرئيس.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

نافذة من موسكو
سقوط ورقة التوت
في مؤتمره الصحفي مع شارون، أطلق الرئيس الأميركي
جورج بوش تصريحات أسقطت ورقة التوت التي سترت ولفترة طويلة اللهث
وراء واشنطن باعتبارها (الراعي الأول والكبير) لعملية السلام. لقد
كثرت الأوهام في السنوات السابقة حول الرئيس بوش كأول رئيس أميركي
يقر بدولة فلسطينية بجانب الدولة الإسرائيلية. وعندما أثار البعض
حقيقة أن بوش يتحدث عن دولة فلسطينية وفق رؤية شارون المتوافقة مع
رؤية الإدارة الأميركية المتطرفة الحالية، جرى وصف هؤلاء بأنهم غير
واقعيين وضد السلام الذي اعتبر (الخيار الاستراتيجي للدول العربية).
ولكن الرئيس الأميركي الذي يحتل العراق اليوم ويرتكب مجازر في حق
المدنيين هناك يؤمن فقط مثله مثل شارون بما يحدث من تغيرات على أرض
الواقع. وهذه التغيرات دفعت بوش للإعلان صراحة عن إلغاء حق عودة
الفلسطينيين إلى الأراضي التي طردوا منها، وعدم واقعية حدود خط الهدنة،
وأخيرا الإقرار بالمستعمرات الإسرائيلية الكبرى في الأراضي المحتلة
بعد 1967. هذا بجانب خطاب ضمانات منحه الرئيس الأميركي لشارون لتأمين
خطواته الأحادية لفك الارتباط. قد يرى البعض أن تصريحات بوش تبتغي
في المقام الأول أهدافا انتخابية ليضمن ولاية رئاسية ثانية. قد يكون
هذا صحيحا من الناحية التكتيكية، ولكن موقف بوش يعبر عن خط استراتيجي
لا يتعلق فقط بالقضية الفلسطينية فحسب، بل يتعلق برؤيته لعالم تكون
اليد العليا فيه لواشنطن. بدون شك تصريحات بوش بشأن القضية الفلسطينية
تنقل هذه القضية إلى مرحلة جديدة تضع السلطة الفلسطينية والحكومات
العربية في وضع حرج تماما مع شعوبها. واللافت أن هذا يحدث في ظل
دعوات أميركية للإصلاح والديمقراطية في البلدان العربية في إطار
ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير. ويمكن بدون عناء كبير وضع تصريحات
بوش وضماناته لشارون في سياق هذا المشروع الذي لا يقوم على (العصا
والجزرة)، كما كان الحال في السابق بل يقوم على العصا فقط. ولعل
على الحكومات العربية اليوم أن تعيد النظر في مواقفها السابقة، ولا
تحاول (التكيف) كالعادة مع المشروعات الأميركية ـ الإسرائيلية. أما
فيما يتعلق بموقف روسيا من خطة شارون الأحادية، فقد عبر عنه وزير
الخارجية سيرغي لافروف الذي رأى أن الانسحاب من غزة يمكن أن يكون
فعالا في حال ارتبط بتطبيق خارطة الطريق. نفس الموقف نسمعه من الاتحاد
الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة. وترى العناصر الثلاثة المكونة
للرباعي باستثناء الولايات المتحدة ضرورة أن يجري التفاوض بين الإسرائيليين
والفلسطينيين بشأن خطط الانسحاب التي يصر أن يجريها شارون من طرف
واحد. وفي الغالب أن روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تجد
نفسها أيضا في حالة حرج شديد بعد تصريحات بوش، ولا يمكن في حقيقة
الحال التكهن بالخطوات العملية التي قد تتخذها كرد فعل على تصريحات
الرئيس الأميركي. لقد علمنا على مستوى التصريحات فقط بما أعلنه الرئيس
شيراك وكوفي أنان. والخوف كل الخوف أن تتكيف هذه العناصر الثلاثة
أيضا مع تصريحات بوش وخطط شارون.
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى

حكاياتي
ثقة زائدة وهروب
عندما يقول الزوج بصوت مرتفع بأنه أوكل مهمة
تربية الابناء الى زوجته، لانه يثق ثقة كبيرة فيها، فان هذه الثقة
الزائدة قد لا تكون اولا تعكس ثقة حقيقية وواقعية بقدراتها قدر ما
تعكس رغبة في الهروب من اي مسئولية تجاه الابناء وتربيتهم فتربية
الابناء متعبة، وفيها تفاصيل كثيرة بعضها ممل وبعضها لذا عند تفكر
بالهرب من هذه المسئولية بهذه الجملة اللطيفة، والجملة اللطيفة هذه
ليس لها معنى في هذا المجال، فهذا المجال بحاجة الى جهود مشتركة
ومتعاضدة من الزوجين ولا يمكن ان تنجح تربية طرف واحد للابناء نجاحا
تاما، وان كانت الام هي هذا الطرف ولنسأل النساء الارامل والمطلقات
اللاتى تحملن مسئولية الابناء وتربيتهم لنكتشف مدى التعب والمعاناة
والشعور بالوحشة والخوف من المستقبل وما يحملنه او حتى الشعور بالخوف
من اللحظة الراهنة التى لا تمر الا بالكثير من المعاناة.
ان يقول الزوج انى اثق بزوجتي وبقدراتها على تربية الابناء، عبارة
لا يجب ان تكون مفرحة للأم، ففيها رغبة بالتهرب من المسئولية من
ناحيته، ومن ناحيتها فانها تحمل نفسها عبئا قد تعاني منه ولا تكون
النتائج ناجحة.
بعض الاسر القليلة في عالمنا، والكثير منها في العالم الغربي عاشت
حياتها بدون اطفال خوفا من عبء المسئولية تجاه تربية الابناء، الخوف
الذى جعلها تقرر بالا تنجب والا يكون لديها ابناء، فالبعض من الآباء
والامهات لديهم طموحات خاصة بهم تتعارض مع مهمة تربية الابناء كما
ينبغي وأول هذه المهمات تفريغ وقت لهؤلاء الابناء، وقت يكون لهم،
للجلوس معهم، للحديث والحوار معهم، للترفيه عنهم، لتقضية متطلباتهم
المختلفة.
ونكتشف ان بعض البيوت التي قال فيها الازواج بانهم يثقفون بتربية
الزوجات، وأوكلوا الامور اليها كاملة، وتهربوا من هذه المسئولية،
نكتشف ان الابناء يكبرون ولا يعرفون الاب، ولا يشعرون له بأي قيمة
او مكانة ليس لانهم لم يكونوا يرونه بل لأن الأم بعد الجهود المضنية
التي تبذلها تشعر بقصد او بدون قصد بانها الوحيدة التي يجب ان تقطف
الثمر، بعيدا عن الزوج!!
طاهره عبدالخالق
tahira@edu4all.net
أعلى

الطريق من القدس إلى سان فرانسيسكو
(بدل أن يكحّلها عماها)، هذا ما لمّح اليه
أمين عام الأمم المتحدة كوفي انان وهو يعلّق على منح الرئيس بوش
صك ملكية ما تبقى من أراضي فلسطين المحتلة الى شارون في أسوأ مؤتمر
صحفي كشف فيه الرئيس الأميركي عن انبطاحه نهائياً أمام الصهيونية
العالمية وليكون أول رئيس أميركي منذ اربعة عقود يعلن عن هذا التحيز
العدائي ليس ضد الفلسطينيين بل ضد كل العرب وكل المسلمين. فقد قال
أنان أن بوش أبعد السلام في الشرق الأوسط وربما نهائياً عن مساره
الصحيح عندما أطلق يد شارون ووافقه على الانسحاب الأحادي من غزة.
التحول الأميركي عشية انتخابات الرئاسة، لم يكن مفاجئاً للعالم العربي
والإعلام العربي اللذين أصيبا بوجوم وإن كان أول المعلقين على الموضوع
وبطريقة سطحية هم الفلسطينيون أنفسهم، وخاصةً عندما أعلن بوش عن
عدم واقعية عودة اللاجئين الى أرض ما قبل 1948 وحصرهم في الدولة
الفلسطينية المزمع إقامتها في العام المقبل فوق ما تبقى من أراضي
غزة والضفة. ومن هنا يرى المراقبون العرب اليوم أنهم أمام مأزق خطير
ينعكس على كل الدول العربية التي تضم الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين،
وأن التوطين بات أمراً واقعاً وعلى الدول المعنية به أن تسارع الى
وضع استراتيجية إسكانية جديدة تتلاءم مع منطق بوش ومباركة شارون.
يعلّق معلّق فلسطيني وقد هاله ما فعله بوش: صحيح لقد دفعنا اليوم
فاتورة أعمال ابن لادن. وعلق رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع على
ما حدث بقوله: الرفض هو الموقف الفلسطيني المطلق لحدود لم يسبق لأي
رئيس أميركي سابق أن تخطاها.
هكذا وببساطة، وفي مؤتمر صحفي واحد، قلب بوش وشارون الموقف وكأنهما
كانا على موعد مسبق في أجندة نحر السلام.
وبعد، ماذا يريد بوش من العرب الآن؟ فمع كل الخلافات القائمة بينهم
فان العرب لن يرضخوا لما يسميه رئيس وزراء بريطانيا توني بلير (سلام
الخطوة الصحيحة) وهو يهنئ شارون وبوش مباشرةً بعد (مؤتمرهما المؤامرة)
في البيت الأبيض ـ الإسرائيلي، ولن يسير العرب في ركابه.
بوش يريد من العرب أن يدفعوا ثمن حربه في العراق وهم لن يفعلوا رغم
وعوده البراقة والكاذبة.
الدبلوماسية الأميركية مرتبكة جداً اليوم وتسعى جاهدة للتخفيف من
امتعاض أكثرية الدول ورفضها أي تغيرات لا تدفع عملية السلام الى
الأمام. وأكثر الرافضين هم الزعماء الأوروبيون وفي طليعتهم الرئيس
شيراك، الذي اعتبر قرار بوش قراراً خطيراً في تحوّل السياسة الأميركية
الخارجية.
ردود الفعل العالمية كانت سريعة وحذرت من اندلاع حروب جديدة في أماكن
مختلفة من العالم وليس فقط في الشرق الأوسط، بؤرة التوتر الشديد
الذي كان دائماً ينذر بالانفجار، وكانت الولايات المتحدة نفسها وفي
أغلب الأحيان تسارع الى نزع الفتيل.. فمن ينزعه بعد أن قرر رئيسها
أن يكون طرفاً في كل نزاع.
فوجئ شارون وبوش بردود الفعل ضد قرارهما وربطاه على أنه مدخل لخارطة
الطريق ولا يلغيها. ولكن هذه الذريعة لن يأخذ بها العالم بعد اليوم..
وبعد أن فقد الثقة بهما.
ويتساءل العالم بإلحاح عن مصير السلام في الشرق الأوسط ومدى تأثير
التحول الأميركي وماذا سيكون موقف الدول العربية من الإدارة الأميركية
الحالية.
عندما أطلق بوش يد شارون وجعله يتخطى حدود الممكن كان في نفس الوقت
يرد على العرب أو بصورة مباشرة على رفض الأغلبية منهم لمشروعه المعروف
باسم (الشرق الأوسط الكبير) ـ والذي دق بوش أول مسمار في نعشه على
عتبة البيت الأبيض ـ وأصبح منذ الأمس في خبر كان.
أراد بوش هذه المرة أن يكون السباق الى إقفال كل الطرق العربية المؤدية
الى واشنطن ويقول لزواره: أنا أفعل ما أريد، وانتم تفعلون ما أريد.
ولكن اما آن للعرب، كل العرب، أن يتحرروا ويخرجوا من السجن الكبير
الذي ساقتهم اليه أميركا منذ أكثر من نصف قرن. إن لغة الاستنكار
والشجب لم تعد مقبولة في أي بيان رسمي عربي ـ ونحن بانتظاره ـ.
إن وسائل الرد العربي المباشر على التحيز الأميركي والغطرسة الإسرائيلية
متوفرة عندنا. لجأنا اليها في الماضي القريب وجاءت نتائجها ايجابية.
فلماذا لا نلجأ اليها اليوم ونحن على عتبة المصير المحتوم؟! ويومها
لن يفوز بوش برئاسة جديدة ولن تنعم اسرائيل بسلام دائم. وأخيراً
لا آخر نطرح على الرئيس بوش، هل بالإمكان قطع جزء من ولاية سان فرانسيسكو
الكبيرة، بحجم غزة والضفة لا أكثر، ويرى الرئيس جورج بوش وهما تتحولان
بسرعة الى ولاية اميركية جديدة، ويجمع فيهما كل الفلسطينيين، كما
جمع اليهود في فلسطين المحتلة. فاسرائيل لن ترضى عنها بديلاً طالما
أن كل الولايات المتحدة الأميركية أصبحت ملكاً لها. وبذلك ينتهي
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وينصرف بوش الى استكمال مسلسل الولايات
الذي بدأه في ألاسكا، وينهيه في فلسطين، التي ينزعها من قلب العروبة
ويسدل الستار على هذه المشكلة الشائكة التي جرّحت أيادي كل العالم.
فلسطين يا سيادة الرئيس لا يمكن أن تعيش خارج الشرق الأوسط، الذي
صنعت تاريخه وتجذرت الى أعمق أعماقه. فهي ستبقى وتصارع من أجل البقاء
والسلام وليس في واحات الكراهية والكفر وسلب الحقوق وامتصاص الدماء..
فالطريق من القدس الى سان فرانسيسكو طويل وليس بامكانكم يا سيادة
الرئيس تحمل مشاق عبوره مهما علت غطرستكم وتكدست أسلحتكم وأموالكم.
فالعرب وفي طليعتهم الفلسطينيون لديهم أكثر من ذلك، والتجربة هي
أكبر البراهين.
أحمد الأسعد
مراسل (الوطن) ـ بيروت
أعلى

أسـطورة الإعلام المحايـد
تعكس الأحداث الساخنة الجارية في العراق منذ
عام حتى انتفاضة الفلوجة اليوم حقيقة مفادها أن الحياد المطلق للإعلام
هو مجرد أسطورة. بل أن تتبع سلوكيات المؤسسات الإعلامية العربية
والعالمية بدقة يشير إلى أن غياب النزاهة الكاملة في نقل الأحداث
وفي طرائق تقديمها وأساليب إخراجها (عبر العاملين في الأجهزة الإعلامية
وبواسطة المتعاملين والمتعاونين معها) إنما هو ظاهرة تعبّر عن المصالح
والأهواء الكامنة وراء أهواء ومصالح مديري هذه الأجهزة، تعبيراً
عما يتمنوه من نتائج للأحداث ولأنفسهم من معطيات نهائية لهذه النتائج.
وليست الأحداث العراقية بأول محك يعكس هذه المصلحية الإعلامية؛ فقد
بيّنت الأحداث التاريخية خاصة عبر سنوات الحرب العالمية الثانية
(إبان الصراع الإعلامي الرهيب بين الرايخ الثالث ودول الحلفاء) بأن
التشبث بحيادية مطلقة للإعلام يندرج في حقل التشبث بالمستحيل أو
بالخرافة. ولكن أحداث العراق الملتهبة منذ احتلاله حتى اليوم تقدم
لنا البينة الواضحة على أنه لا يوجد شيء اسمه إعلام مطلق الحيادية
حتى بالنسبة لوسائل الإعلام العائدة إلى القطاع الخاص أو إلى الأفراد
الذين لا ينتمون إلى هيئات إدارية حكومية. وبعكسه، لماذا يختار الفرد
أو الشركة الاستثمار في وسائل الإعلام، مفضلين هذا الاستثمار على
حقول استثمارية أكثر إدراراً مادياً مباشراً. وهذه الظاهرة التي
تعني بأن الإعلام يشبه إلى حد كبير عملية كتابة التاريخ أو التورخة.
فالإعلام يشترك مع التاريخ في أنه لا يمكن إلاّ وأن ينطوي على شيء
من التفضيلات والتمنيات والمخاوف الكامنة لدى مالك الوسيلة الإعلامية
ومديرها، زيادة على تأثيرات هؤلاء الذين يحاولون الفوز برضاهما واستحسانهما.
وعليه، فإن أي جهاز إعلامي ومهما حاول أن يقدم الأنباء بحيادية لابد
أن يقع فريسة لأهواء الممول الذي (له رأي) بالأحداث، وهو الرأي الذي
يتبلور في طرائق تقديم المادة الإعلامية وحجبها أو حجب أجزاء منها
على سبيل تحقيق المرجو من آثار على مستهلكي هذه المادة. وإذا كانت
بعض وسائل الإعلام تتباهى بأنها مفضلة على غيرها بسبب حياديتها،
فأن هذا لا يعني وجود حيادية مطلقة قط، فالموضوع شديد النسبية.
وإذا كان هذا مدخلاً عاماً إلى طبيعة العمل الإعلامي ومصادر تمويله
وإدارته، فأن أحداث العراق الدامية اليوم تُري المرء كيف يتحول الإعلام
إلى أقوى سلاح في العالم، ذلك أنه أكثر فتكاً من الأسلحة النارية
ومن تقنيات الحرب والتدمير المتقدمة. لهذا السبب غالباً ما يوضع
الإعلام مع العمل الاستخباري في درجة أهميته بعالم اليوم، زيادة
على تواشج الحقلين على نحو يصعب فصمه. وهذا ما يجعل الأخطاء الإعلامية
من الأخطاء القاتلة في أحيان عديدة، خاصة إذا ما صدرت عن الانفعالية
والعصبية وقصر النظر. وإذا كانت الأخطاء الإعلامية تقع على كاهل
مقترفها، فإن المأساة تتجلى عندما يتحول شعب كامل إلى ضحية لمختلف
وسائل الإعلام التي لا تريد سوى تلبية مصالحها الخاصة بغض النظر
عن كل اعتبار. وإذا كان الشعب الفلسطيني المكافح هو نموذج لهذه التضحية
الإعلامية، فإن الشعب العراقي سيكون نموذجاً ثانياً لغياب المسؤولية
الذي تعاني منه العديد من وسائل الإعلام العربية والعالمية.
وإذا ما حاول المرء استلال عدد من طرائق تقديم الأحداث الأخيرة في
العراق، فإنه سيضع إصبعه على خطورة الإخراج الإعلامي في تشكيل الرأي
العام المحلي والعالمي. لنأخذ مثلاً عملية التمثيل بجثث قتلى أميركان
قبل أسابيع: هذه الصورة أحدثت هزّة مهولة في الرأي العام العالمي،
الأميركي خاصة، بينما كان مخرجو هذه الصورة يريدون إيقاع الرعب في
نفوس الأميركان في العراق من أجل طردهم. ولكن النتيجة جاءت على نحو
معاكس، ذلك أن الصحف الأميركية صدرت تحت عناوين مسيئة لهم وللعراقيين
عامة: إنهم متوحشون They're Savages، بغض النظر عن الدوافع الحقيقية
الكامنة وراء مثل هذه الأعمال. وهكذا ركب الإعلام الغربي هذه الحادثة
ليبرر للماكنة العسكرية الأميركية عملية مريعة أتت على الأخضر واليابس
في الفلوجة، ساحبة وراءها مئات الضحايا من الأبرياء مقابل أربعة
قتلى أميركان. ثم ما لبثت وسائل الإعلام وأن منحت العدوان العسكري
الأميركي على الفلوجة زخماً أقوى عبر طرائق تقديم عمليات الاختطاف
والرهائن الأجانب. فبينما قُدمت صورة الرهائن اليابانيين عبر بعض
وسائل الإعلام وهم جالسون ومعصوبو العيون، قدمت وسائل إعلامية أخرى
ذات الصورة بينما كان الخاطفون يضعون الحراب والسيوف الحادة على
رقابهم وهم يتباكون. وهذا ما سيبرر للقوات الأميركية المزيد من الاعتداءات
العمياء بحجة تسلم الرهائن ثم تسليم الخاطفين.
الإعلام الأميركي، من ناحية ثانية، له أخطاؤه كذلك، برغم ما يدّعيه
من حنكة ومصداقية. فإذا ما كان الهدف الأول لهذا الإعلام، رسمياً
أو غير رسمي، هو تصوير بسالة الجنود الأميركان في مواجهات مع شعوب
متوحشة في بلاد نائية، فإنه يصب كذلك في استعداء العراقيين وسواهم
من العرب والمسلمين على المدى البعيد. الخطاب الإعلامي الأميركي،
خاصة ذلك الذي يعبّر عنه الجنرال كيميت، ينقصه بُعد النظر برغم استهدافه
تقديم الذرائع لتأجيل تسليم السلطة للعراقيين حسب الموعد المحدد
في 30 يونيو (ذكرى انطلاقة ثورة العشرين). وعلى سبيل المثال، يشير
الجنرال كيميت إلى العراقيين بوصفهم العدو، بينما تقدم الإدارة الأميركية
نفسها كـ(صديق) صدوق للعراقيين. هذه اللغة تقدم المحتل وكأنه صاحب
الدار، بينما تقدم المواطنين وكأنهم دخلاء طارئين على البلد. وبينما
تسعى الإدارة الأميركية في بغداد لأن تصور نفسها بصورة العطوف الرحيم
للمدنيين (كما قال الجنرال كيميت)، فإنها غالباً ما تنزلق في تقديم
وتعظيم السطوة والجبروت العسكري الذي لا يستثني مدني بريء من القتل
والإصابة وحتى المجاعة عبر صور الطائرات القاصفة والمدرعات العمياء
والحصار. وهذا خطأ إعلامي واضح، ذلك أن أعداد القتلى من المدنيين
والنساء والأطفال إضافة إلى الهجرة الجماعية الهاربة من جحيم الفلوجة،
كل هذه الظواهر تدل على تعمّد القوات الأميركية إيقاع عقوبة جماعية
ولا إنسانية لأهداف سياسية تتعدى آثارها الفلوجة إلى مدن أخرى. وإذا
كان مقتدى الصدر قد عد نفسه اليد الضاربة لحماس ولحزب الله اللبناني
في العراق، فإن تحذيره الكويت بسبب وجود قواعد أميركية فيها ينطوي
على موقف عدائي للكويت يذّكر المرء بتحذيرات النظام السابق لها،
الأمر الذي برر للإعلام وللحكومة الكويتية دعوة الأميركان للبقاء
في العراق بسبب الخوف من الانفلات الأمني المطلق الذي قد يجر إلى
حرب أهلية تؤثر على الوضع في الكويت وسواها من دول الجوار عبر تحول
الفوضى إلى كرة من النار المتدحرجة.
وإذا كانت وسائل الإعلام مرآة لمواقف مديريها ومموليها، فإنها تقدم
كذلك صوراً دقيقة للانتهازيين الذين يحاولون ركوب الموجة لتحقيق
أهدافهم الأنانية الخاصة. ولدينا في العراق عدد لا بأس به من هؤلاء
المتحذلقين الذين يحاولون استثمار وسائل الإعلام عبر استثمار مصالحها
لتمرير أنفسهم كمنقذين أو كوطنيين، أعلى من سواهم وطنية بدرجات.
ومن هؤلاء الذين تستحسن بعض الفضائيات إظهارهم وتقديمهم، بسبب التقاء
بعض المصالح المشتركة، أشخاص لا همّ لهم سوى الفوز بالشهرة ومن ثم
السلطة. وهكذا تبقى مصائرنا في العراق مرتهنة بأمثال هؤلاء المزايدين
وبسواهم من الذين يريدون أن يحكموا العراق عبر عمليات قطع الطرق
وانتهاز الفرص.
ولا يبالغ المرء إذا ما استمكن شعوراً قوياً بأن هناك وسائل إعلام
شائعة في البلدان العربية من تلك التي وجدت في أحداث العراق فرصة
ذهبية لسكب الزيت على النار وتأجيج الحرائق بلا أدنى شعور بالمسؤولية.
بل أن المرء ليشعر بأن هؤلاء ينتظرون الحرب الأهلية (بفارغ الصبر)
عبر الحديث الملحاح عن التقسيمات الطائفية والعرقية، الأمر الذي
يحيل الإعلام إلى (كائن) طفيلي (يعتاش على أحداث ومعاناة الغير)
بدلاً عن إحالته إلى مرآة للحقيقة. ولا يدري المرء كيف يمكن لهؤلاء
أن يباشروا انتفاضة الفلوجة بوصفها حرباً للتحرير، ولكنهم يعمدون
إلى تسمية الذين يسقطون ضحايا فيها: قتلى وليس شهداء؟ أليس هذا شيء
من النفاق ؟
إن الأحداث في العراق كثيرة وساخنة ولا يبدو بأنها ستتوقف، ولكنها
تقدم لنا البينة على مصلحية وانتهازية العديد من وسائل الإعلام التي
تنظر إلى هذه الأحداث كفرص عمل، فتحورها ثم تديرها على هذا الأساس
وليس على أساس من الحياد المطلق الذي صار خرافة هي مدعاة للتندر
بالنسبة لمن يحيا في أتون الحرب على نحو خاص.
أ.د. محمد الدعمي
باحث عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
بوش يجامل شارون والثمن فلسطين
فعلها بوش وأعطى ما لا يملك لمن لا يستحق،
أعطى ما يقرب من نصف الضفة الغربية لشارون وألغى حق العودة للفلسطينيين
ونسف حدود الخط الأخضر (حدود 1967)، ولذا لم يكن غريباً أن يعتبر
البعض ما حدث باعتباره (وعد بوش) أو (وعد بلفور 2).
وفعلها شارون واستغل حجم الرعب الذي يعيش فيه سيد البيت الأبيض نتيجة
لأخطائه المتفاقمة في العراق، واقتراب موسم الزفاف الانتخابي، ونجح
في اقتناص ما لم يستطع رئيس وزراء إسرائيلي اقتناصه من أميركا منذ
عهد بن جوريون مؤسس اسرائيل.
فقد سافر شارون إلي واشنطن حاملاً معه (رُزمة) مطالب، البعض يراها
ضمانات ولكنها في الأصل مكاسب عقد شارون عزمه على ألا يرجع بدونها،
ولم يكترث بوش ولا شارون على حساب من ستكون هذه المكاسب. ذهب شارون
ومعه تفاصيل خطته المزعومة لفك الارتباط مع الفلسطينيين، ونجح في
خطف لُب الرئيس بوش ووهمه بأن انسحابه من غزة هو بمثابة (فرصة تاريخية)
وشجاعة لن تتكرر على حد وصف بوش. بل الأنكى أن يعتبرها بوش بمثابة
الدفعة الأقوى التي تحدث لعملية السلام منذ توقفها قبل ثلاثة أعوام
ونيف.
هكذا توزن الأمور، بوش يعطي هدايا مجانية لشارون من المحل الفلسطيني،
وهذا الأخير يقبلها باستخفاف باعتبارها حقوقاً مشروعة ومفروغ منها
للإسرائيليين. ولما لا وقد بدأ شارون حرب مفاوضات لنيل ما ناله،
وذلك قبل أكثر من شهرين حين توافد مسئولو حكومته ومدير مكتبه على
واشنطن لإقناع الرئيس بوش بالمطالب الإسرائيلية وقام دوغلاس....فاسيلاف
بجولات مكوكية قبل زيارة شارون للاتفاق على البيان الختامي الذي
صدر في نهاية قمة بوش وشارون. ولذا لم يكن غريباً أن يستغرق الاتفاق
على هذا البيان وقتاً طويلاً يختلف بشدة عن أي بيان سابق، ولما لا
وهو يخول إسرائيل حقوقاً لم تكن لتحلم بها أو تراود خيالها من قبل.
اعترف بوش بما يلي: أولا التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل (كدولة
يهودية) وهو ما يعني ـ فلسطينياً ـ أمرين أولهما: استبعاد عودة اللاجئين
الفلسطينيين والذين قد يصل عددهم إلى أكثر من عدد سكان إسرائيل ذاتها،
واحتمالات كبيرة لتهجير فلسطينيي 1948. ثانياً: حق إسرائيل في الدفاع
عن نفسها وهو ما يعني بالنسبة للفلسطينيين أمرين أيضا: أولهما حقها
في بناء الجدار العازل باعتباره سياجاً أمنياً ـ ولاحقاً سياسياً
ـ وتصريحا بارتكاب المزيد من المجازر وقتل الفلسطينيين. ثالثاً:
احترام الحقائق الجديدة التي تغيرت على أرض الواقع وهو ما يعني أمرين
أخرين: أولهما اعتبار جدار الظلم أحد محددات اسرائيل وضرورة التفاوض
عليه لاحقاً، والإقرار بالمستوطنات المقامة في الضفة الغربية واعتبارها
ضمن حدود اسرائيل. رابعاً ـ وهو الأخطر في تقديرنا ـ نسف حدود 1967
ونسيان المطالبة بأي منها ونسيان أي حدود أخرى تاريخية بما فيها
حدود 1967. فقد رأى بوش أنه من غير المنطقي العودة إلى حدود 1967
بعد أن تغيرت حقائق الوضع الحقيقي على الأرض.
وهكذا طُبخت المطالب الإسرائيلية في تل أبيب وشويت في واشنطن وستؤكل
في فلسطين، وليفرح الإسرائيليون بانتصاراتهم ومكاسبهم التي أخذوا
عليها (صك) القبول الأميركي دون مناقشة أو جدال، بل مجرد توقيع.
ضَغط شارون وقبٍل بوش وضاعت فلسطين من جديد، وهل كان يجرؤ بوش على
الرفض أو حتى مجرد الامتعاض، فالسوط اليهودي في أميركا بالمرصاد،
والأوضاع في العراق إلى انهيار، ومعركة الانتخابات على الأبواب وأي
حياد قد يكلف التكساسي مقعد الرئاسة. وخيراً فعل بوش بموافقته على
مطالب شارون، ليس فلسطينياً بالطبع ولكن عربيا وحتى لا يصدع القادة
العرب رؤوسنا بالدور الأميركي في عملية السلام، وحتى يتوقفوا عن
لعب دور المقتنع بنزاهة القاضي الأميركي، وحتى يكفوا أيديهم عن التودد
والتقرب من سادة البيت الأبيض بحجة الدفاع عن القضية الفلسطينية.
فأي قضية وأي فلسطيني بعدما بيعت الأرض، وسُرقت حقوق اللاجئين وبات
الفلسطينيون ضيوفاً على الإسرائيليين، وإما أن يرضوا بحقوق الضيافة
أو يخرجوا من بيت المضيف، هكذا أصبحت العلاقة.
وليتعلم العرب من شارون وقدرته على التفاوض ـ بل الإقناع ـ في أخذ
ما يريد وقتما يريد، فهو أدرك وبذكاء جم مدى ضعف وضعه القانوني في
إسرائيل بعد ازدياد صدى فضائحه المالية، كما أنه بحاجة إلى تأييد
أعضاء حزبه لخطته لفك الارتباط مع الفلسطينيين والتي سيجري التصويت
عليها آخر الشهر، ونجح في لجم وزير ماليته نتنياهو الذي راهن على
فشل شارون في اقتناص مكاسب من واشنطن. وبذلك كله ضرب عصافيره بحجر
واحد ورجع منتشياً من كراوفورد وسيخلد الإسرائيليون ذكرى شارون،
فهو رغم حماقاته فقد حقق للإسرائيليين ـ خاصة الجيل الحالي ـ ما
لم يحققه بيغن وربما أكثر مما حققه بن جورويون مؤسس اسرائيل ذاته،
أو هكذا سيراه جيل الشباب الإسرائيلي.
في ظل هذا الوضع الصعب لم يبق للفلسطينيين سوى أن يأخذوا حقوقهم
بأيديهم لا بيد (عرب أو عجم)، ولترتفع صيحاتهم وضرباتهم عنان السماء،
وليمطروها ناراً على رؤوس الإسرائيليين، ولينسوا ما قد يقدمه العرب
لهم، وليحُكوا جلدهم بأظفارهم، لا بظفر عمرو.
خليل العناني
كاتب وباحث مصري
أعلى
التقنية الأميركية المتقدمة لا تحقق نصرا في العراق
في التاسع من ابريل عام 2003، سقطت بغداد بأسرع
كثيرا مما توقع معظم المعلقين في وسائل الاعلام بل حتى معظم القادة
العسكريين وبدت القوات الاميركية المسلحة لا تقهر.
ولكن بعد عام لاحقا، اصبح التصور جد مختلف فاشلاء الجنود تتصدر وسائل
الاعلام والصفحات الاولى في الصحف .. اسبوعا بعد اسبوع كما ان القوات
الاميركية في العراق تتم مقاتلتها على جبهتين وتبدو غير قادرة على
قهر او الانتصار على اعدائها .. وعانت القوات الاميركية من خسائر
أكثر ثلاث مرات ـ منذ سقوط بغداد ـ مما عانته خلال الحرب على العراق
نفسها فما هو سبب ذلك؟ الاجابة على هذا السؤال قدمها استاذ العلوم
السياسية بارى بوسين في دورية (الامن الدولي) في الصيف الماضي وكانت
فكرته هي ان (الولايات المتحدة تحظى بقيادة وسيطرة على البحر والجو
والفضاء) فلا توجد دولة اخرى لديها قوات بحرية وجوية وفضائية قادرة
ـ عن بعد ـ على تحدى الاخرين، ولكن هذا البعد يبعد القوات الاميركية
عن الوصول الى العدو ففي (مناطق الصراع) ـ اقل من 15.000 قدم ارتفاعا
عن الارض، وفي غضون عدة مئات من الكيلومترات من الشاطئ وعلى الارض
ـ يصبح حتى الاعداء الاقل تقدما وتطورا نسبيا لديهم فرصة جيدة في
الحاق ضرر خطير بجنودنا نحن الاميركيين وهذا هو بالضبط ما نراه في
العراق، حيث اثبت الجنود الاميركيون انهم اهداف سهلة جاذبة للاعداء
المسلحين بأسلحة رخيصة وبسيطة مثل قذائف (آر بي جى) والقنابل ذات
الصناعة المحلية، وكل الاسلحة ذات التقنية العالية في ترسانة الاسلحة
الاميركية تصبح قليلة الجدوى ضد عدو تجهله ولا تسطيع العثور عليه.
والقوات الاميركية مضطرة للمغامرة والدخول في مثل تلك المناطق القتالية
المضطربة، اذا ارادت الفوز في الحرب، والا فإنها ستكون مقيدة باشارات
غير مؤثرة مثل ضربات صواريخ كروز ضد معسكرات التدريب (مثل تلك التى
ضربها بيل كلينتون في افغانستان في اغسطس عام 1998) ولسوء الحظ فإن
الفوز في القتال عن قرب ضد الجماعات المقاتلة او رجال حرب العصابات
يتطلب مهارات لا تمتلكها القوات الاميركية المسلحة بوفرة، والامر
يتطلب ـ فوق ذلك كله ـ القدرة على استحداث معلومات استخباراتية عملياتية
عن من هم المقاتلون واين يكونون.
والطريقة الوحيدة للحصول على معلومات جيدة في اماكن مثل افغانستان
او العراق هي قضاء قدر كبير من الوقت هناك، وتناول الشاى مع المحليين
وكسب ثقتهم.
ولكن ليس كثيرا من المسئولين الاميركيين يفعلون ذلك، فكل الجنود
الاميركيين الذين قضوا العام الماضي في العراق قد ذهبوا الى وطنهم
(اميركا) او على وشك فعل ذلك، فهم يتم استبدالهم بآخرين جدد، اى
ان هناك عملية احلال وتبديل للجنود.
ان الوضع ليس بالجيد في اوساط الدبلوماسيين والجواسيس الذين من المفترض
انهم يدعمون العمليات العسكرية الاميركية، وكما اورد غرنع ميللر
وبوب دروغين من (لوس انجلوس تايمز) في فبراير فإن كثيرا من عملاء
وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سى آى ايه) الذين (يقومون
بمهمات خارجية راغبون في ان يخدموا في مناوبات ما بين 30 و90 يوما
فقط، اي اتجاه الباب الدوار الذي يقوض قدرة الوكالة على انماء علاقات
مع قادة الحرب في افغانستان او جمع المعلومات الاستخباراتية عن الثورة
العراقية) وعلاوة على ذلك فإنه من الشائع بالنسبة لضباط وكالة الاستخبارات
المركزية الاميركية والضباط العسكريين وموظفي الخارجية الاميركية
ان تتم اعادة تخصيصهم الى منطقة خارج منطقة خبرتهم ـ فمتخصص في اميركا
اللاتينية يتم ارساله ـ على سبيل المثال ـ الى آسيا، واحيانا يجعل
هذا هناك تدفق صحي في افكار جديدة، ولكنه غالبا يضيع المعرفة التى
استغرقت سنوات لاكتسابها.
ان المؤسسة العسكرية الاميركية لديها افضل اسلحة (ذكية) في العالم،
ولكن اذا لم نصبح ـ نحن الاميركيين ـ اشخاصا اكثر ذكاء ومعرفة، سنكون
دائما في حالة نقص وخلل كبير في الحرب على ما يسمى بالارهاب.
ماكس بوت
بوت زميل (مجلس العلاقات الخارجية) الاميركي
خدمة (لوس انجلوس تايمز ) ـ خاص بـ(الوطن).
أعلى
عندما كانت الولايات المتحدة دولة مارقة
يبدو أننا بتغافلنا عن زمن كانت النظرة للولايات
المتحدة فيه على أنها دولة مارقة مصدرة للإرهاب قد أفسحنا المجال
لكبار المسؤولين بالدولة للمخاطرة بارتكاب أخطاء سياسية جسيمة.
هل كانت الولايات المتحدة دولة مارقة فعلاً؟ الإجابة هي نعم. كان
من الصعب تصديق هذا الادعاء قبل الحرب الأهلية في دول أميركا اللاتينية
حين بلغ اليقين مداه في العالم أجمع، من أوروبا الغربية وحتى هاواي
بأن الولايات المتحدة هي قاعدة الإرهاب الأولى في العالم.
وعلى الرغم من هذا، لم يستخدم أحد من قبل لفظ الإرهاب لتسمية الهجمات
غير المشروعة على دول أخرى. وبدلاً من هذا، استخدمت كلمات رقيقة
من قبيل (عملاء سريون). لكن الواقع يقول أن تلك الهجمات الأميركية
لم تكن تختلف بأي حال من الأحوال عما يقول به الإرهابيون اليوم.
فعمل هؤلاء العملاء السريون الأميركيون في خلايا كامنة تحت الأرض،
واستخدموا شفرات سرية، ومباني قديمة للتخفي والاختباء. ونالت تلك
الهجمات الأميركية من قائمة طويلة من البلدان ضمت كندا وكوبا ونيكاراغوا
وهندوراس.
ألم يكن بإمكان صانعي السياسة الخارجية الأميركية الاستفادة من دراسة
تلك المغامرات العسكرية؟ ويمكننا أن نرى أنه بسبب هذا الفصل المنسي
من التاريخ الأسود للإرهاب الأميركي، سنرى ما يسمى الحرب على الإرهاب
تدوم لفترة أطول مما هو مقدر لها. كما يمكن اعتبارها بمثابة تحذير
للإدارة ووسائل الإعلام الأميركية على حد سواء بتوخي الحذر قبل توجيه
الاتهام لأي دولة أخرى بممارسة الإرهاب.
لم يمر عام واحد في الفترة بين 1930 و1960 دون تنفيذ هجمات قام بها
العملاء السريون الأميركيون. ويمكننا تسمية ويليام ووكر كصاحب السمعة
الأسوأ بين هؤلاء العملاء جميعاً. كان ووكر قد غزا المكسيك بجيش
خاص عام 1853. بعدها هاجم نيكاراغوا، التي لم تستغرق وقتاً طويلاً
قبل أن يحكم السيطرة عليها. وفي العام التالي، قام بتنظيم انتخابات
من اختراعه لينتخب رئيساً لنيكاراغوا. وبعد فقده السلطة عام 1857،
قام بشن هجمات أخرى على عدد من الدول في أميركا الوسطى قبل أن يلقى
حتفه عام 1860 على يد مقاتلين من هندوراس.
ومرت أوقات، كان فيها هؤلاء العملاء السريون من الشخصيات الشهيرة.
ولعل أبرز مثال على هذا جون كويتمان، حاكم ولاية ميسيسيبي في الفترة
من الثلاثينيات إلى الخمسينيات من القرن التاسع عشر، والذي خدم أيضاً
كجنرال في الجيش الأميركي خلال الحرب بين الولايات المتحدة والمكسيك
عام 1840، والذي تولى مسؤولية تنظيم الهجمات على كوبا. وهناك أيضاً
الكاتب جون أوسوليفان، والذي ابتكر الشعار الخاص بالانفصاليين في
كوبا، والذي حوكم مرتين لصلته بالتخطيط لأعمال التمرد في الجزيرة
الواقعة في البحر الكاريبي.
وعلى الرغم من أن العملاء السريين الأميركيين لم يقدموا قط على قتل
المدنيين، على عكس ما يحدث اليوم، كانت النظرة إليهم في أوروبا وأميركا
اللاتينية هي نفس النظرة التي ينظر بها الأميركيون اليوم للإرهابيين
في جميع أنحاء العالم.
وكما اتهمت وسائل الإعلام الأميركية السعودية بالمشاركة في هجمات
سبتمبر بسبب وجود مجموعة من السعوديين ضمن الفريق الذي يعتقد أنه
نفذها، اتهمت حكومات أجنبية الولايات المتحدة بالوقوف سراً خلف أنشطة
العملاء السريين. وكما يتهم بعض المعلقين اليوم الرئيس الباكستاني
برويز مشرف بالازدواجية في التعامل مع تنظيم القاعدة، صدر نفس الاتهام
عن السياسيين الأجانب ضد القادة الأميركيين بمساندة العملاء السريين.
ونذكر منها اتهام مجلة الأطلنطي الشهرية للولايات المتحدة (بإغماض
عينيها) عما يقوم بها العملاء السريون في نيكاراغوا. وكما نرى في
سعي الرئيس بوش تشكيل تحالف دولي ضد الإرهاب اليوم، نجد تحالفاً
قديماً تشكل في أربعينيات القرن التاسع عشر ضد العملاء السريين الأميركيين.
من المهم بمكان أن ندرك أنه على الرغم من الاتهامات التي صدرت بحق
الحكومة الأميركية واتهامها بالتساهل مع هؤلاء العملاء، كان العكس
صحيحاً إلى حد كبير. لقد كان من مصلحة الولايات المتحدة وقتها إيقاف
أنشطة هؤلاء العملاء السريين، والتي أوقعت الولايات المتحدة في حروب
مع بريطانيا ودول أخرى. وبالإضافة إلى هذا، تسبب هؤلاء العملاء السريون
في ثورات ضد المصالح التجارية الأميركية في الخارج.
كان الرؤساء الأميركيون بعد الحرب الأهلية قد أصدروا العديد من المذكرات
التي تحمل التهديد للعملاء السريين بالسجن. بل والأهم أن الحكومة
الأميركية قد وظفت وحدات من الجيش لاعتقال بعضهم، كما أصدرت أوامر
لمسؤولي الموانيء وشرطة الحدود بملاحقتهم والقبض عليهم والاستيلاء
على سفنهم. وقام أحد جنرالات الجيش بالاستيلاء على سفينة تخص أحد
العملاء السريين، وقال أن الرئيس أمره بالتصدي للأعمال السرية باستخدام
القوة المسلحة القصوى إذا تطلب الأمر.
لم تتمكن الحكومة الأميركية من قمع الأعمال السرية حين أرادت لأسباب
خارجة عن أيديها. حيث كان من المستحيل تقريباً على الجيش الأميركي
المحدود في ذلك الوقت التصدي لجيوش خاصة مزودة بأسلحة ويقودها رجال
مدربون. وهو موقف شديد الشبه بالصعوبات التي يواجهها المسؤولون الباكستانيون
الآن في مواجهة تنظيم القاعدة على الحدود الباكستانية الأفغانية.
وكان التعاطف الشعبي مع العملاء السريين (وهو نفس التعاطف الذي تحظى
به اليوم الجماعات الإسلامية المتشددة) أهم الأسباب في فشل الحكومة
الأميركية في التصدي للأعمال السرية.
ففي ولايات الوسط وتلك المطلة على خليج المكسيك، كانت النظرة إلى
العملاء السريين ترفعهم إلى مصاف الأبطال. حتى أنه كانت تنظم حملات
لجمع التبرعات لهم، وتعرض مسرحيات لتجسيد شخصياتهم. وحظي ويليام
ووكر بتأييد بين الأميركيين يشبه ما يحظى به أسامة بن لادن اليوم
في العالم الإسلامي.
والأغرب أن محلفين في محاكمات لعملاء سريين رفضوا إدانتهم، حتى أن
المحلفين في سان فرانسيسكو لم يستغرقوا أكثر من ثمان دقائق لتبرئة
ساحة ووكر من تهمة غزو المكسيك.
ألا يجد المسؤولون ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة أوجه شبه
بين موقف الرؤساء الأميركيين من العملاء السريين وموقف زعماء العالم
اليوم من الإرهابيين. فالأدلة الموجودة على محاولات الرؤساء الأميركيين
المتعاقبين التخلص من العملاء السريين لا تختلف كثيراً عن محاولات
زعماء دول، مثل باكستان، للمساعدة في القضاء على تنظيم القاعدة.
ما أشبه الليلة بالبارحة، ففي منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن زعماء
الدول الأجنبية مصدقين في جدية النوايا الأميركية للتصدي لأنشطة
العملاء السريين. واليوم، نجد الدول التي نتهمها بمساندة الإرهاب
تتبنى سياسات أكثر تشدداً مما كانت عليه الولايات المتحدة في تصديها
للعملاء السريين قبل الحرب الأهلية. ألا يجد المسؤولون الأميركيون
أي وجه للشبه بين الحالتين؟
روبرت ماي
أستاذ للتاريخ في جامعة بوردوي، ومؤلف كتاب (قراءة في العالم السري:
العملاء السريون في أميركا قبل الحرب الأهلية).
كيه آر تي ـ خاص بـ(الوطن).
أعلى