تأجيل لقاء عبد الله ـ بوش يهدىء غضب الأردنيين
عمّان ـ من شاكر الجوهري:
تأجيل لا الغاء..
على هذا التقت البيانات والتصريحات الرسمية التي صدرت في كل من عمّان
وواشنطن، وقرار التأجيل اتخذه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني،
أثناء وجوده في ولاية سان فرانسيسكو، في خطوة لم يسبقه إليها رئيس
دولة أخرى في العالم، ومع ذلك فإنها وجدت تفهما من قبل الرئيس الأميركي
جورج بوش، كما يستدل على ذلك من تصريح جون ميكوكيرمان الناطق بلسان
مجلس الأمن القومي الأميركي، الذي قال: (لقد قرر الملك أنه من الأفضل
أن يبقى هذا الأسبوع في الأردن، ونحن نفهم هذا القرار)..!
ولكن، هل هكذا هي حقيقة الأمر، وهل هذا ما يتوجب أن يفهمه بوش..؟!
إن العاهل الأردني لم يكن موجوداً في الأردن حتى يقرر البقاء فيه،
بل كان موجوداً في الولايات المتحدة ذاتها، وقد قرر مغادرتها وتأجيل
اللقاء مع الرئيس بوش، وهو قرار متصل بعدم الحاجة إلى اغضاب الرأي
العام الأردني، الغاضب أصلا على السياسات والمواقف الأميركية بأكثر
مما هو غاضب على اسرائيل.
ولقد كان الملك عبد الله يراهن حتى اللحظات الأخيرة على امكانية
أن تمثل الضغوط الدولية على الرئيس الأميركي فرصة يتوجب عليه التقاطها،
من أجل تفريغ الوعد الذي بذله لرئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون،
وحين اخفقت المحادثات التمهيدية التي اجراها الدكتور مروان المعشر
وزير خارجية الأردن مع المسؤولين الأميركيين في التوصل إلى مثل هذه
النتيجة، انعدم مبرر اللقاء بين الملك وبوش، خاصة في ظل تفاقم الغضب
الشعبي في الأردن جراء تزاوج وعد بوش مع اغتيال شارون للدكتور عبد
الله الرنتيسي قائد حركة (حماس) في قطاع غزة.
لم تكن الظروف الداخلية في الأردن تستوجب من الملك أن يقطع زيارته
ويعود لعمّان، كما يقول الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأميركي،
فقد كان كافيا أن يعود فيصل الفايز رئيس الوزراء إلى عمّان، وذلك
في حالة عدم وصول المحادثات بين الجانبين إلى نهاية طريق مسدود،
بات هناك شك كبير في امكانية توصل الوزير المعشر إلى منفذ منه..
وهذا ما أوجب عودة الملك، ليس فقط بهدف التعامل المباشر مع الظروف
الداخلية المتفاعلة سلبا مع العنجهية والتعنت الأميركي والإسرائيلي،
وإنمل كذلك لضرورة التعبير عن الغضب منه في ضوء ما يلحقه من اخطار
بالأمن الوطني الأردني.
لا جدال في أن قطع الزيارة الملكية لواشنطن في حد ذاته أمر من شأنه
أن يهدىء الجماهير الأردنية الغاضبة، ويشعرها بأن الملك لا يذهب
بعيداً عن اهدافها وشعاراتها، فضلا عن أنه بهذا الخلط المطلوب للأوراق
يحول دون الحركة الإسلامية واكتساب المزيد من الشعبية، التي يعبر
عنها الآن من خلال المشاركة في مظاهرات صاخبة تجتاح الأردن بشكل
يومي من أقصاه إلى أقصاه، وبتراخيص لا تتأخر، تصدر عن الحكام الإداريين
بسرعة فائقة، بموجب قرار سياسي اتخذته الحكومة.. خاصة وأن الدكتور
ابراهيم زيد الكيلاني، رئيس اللجنة المركزية لعلماء الشريعة في حزب
جبهة العمل الإسلامي أصدر فتوى في السابع عشر من الشهر الجاري، توجب
من بين أمور أخرى وقف كل اشكال التعاون مع الإدارة الأميركية، بما
في ذلك الزيارات التي يقوم بها المسؤولون إلى واشنطن، ولا سيما بعد
أن أكدت هذه الإدارة تطابق مواقفها مع مواقف الكيان الصهيوني.. وهي
الفتوى التي تبنتها الحركة الإسلامية بشقيها.. جماعة الإخوان المسلمين
وحزب جبهة العمل الإسلامي، عبر بيان مشترك صدر الليلة قبل الماضية
يدعو (كل الأنظمة العربية التي تقيم علاقات مع العدو الصهيوني لقطع
كل اشكال العلاقات معه، واغلاق سفارته ومكاتبه في العواصم العربية،
وفي مقدمتها حكومة بلدنا في الأردن).
لا جدال في أن قرار تأجيل التقاء الرئيس الأميركي صدر ليعبر في أحد
جوانبه عن غضب الملك، وإن كانت الحكمة، وكذلك مصالح الأردن الإستراتيجية
مع الولايات المتحدة، تتطلب مرونة حتى عند التعبير عن الغضب من قبل
ملك لا تستطيع بلاده التخلي عن مساعدات اميركية سنوية بلغت هذا العام
700 مليون دولار.. ذلك أن مقابلة الغضب الأردني بغضب اميركي قد لا
يتوقف عند وقف هذه المساعدات، ولكنه قد يتجاوزه إلى تجاوب اميركي
مع شعارات شارونية قديمة، إن كان قد توقف عن تردادها، مدخلا اياها
في بيات شتوي، فإنه لم يصدر عنه ما يفيد تخليه عنها، وذلك لجهة اعتباره
الأردن جزءا من أرض اسرائيل، يقبل مرحليا أن يكون وطنا بديلاً للفلسطينيين.
وإلى جانب مظاهرات الغضب، وتولد مناخات مواتية لتمدد انتشار الأصولية،
وتحول الرأي العام الأردني في كليته إلى معارضة العلاقات مع واشنطن،
فإن تخطيط الحركات الأصولية لتنفيذ عمليات عسكرية داخل الأردن، كما
يفعل أبو مصعب الزرقاوي، باتت تتقاطع حتى مع انفعالات جنود اردنيين
لم يتردد احدهم عن اطلاق النار على جنود اميركيين في كوسوفو، وقتل
اثنين منهم، واصابة آخرين بجروح، معيدا إلى الأذهان حادث الجندي
أحمد الدقامسة الذي اطلق النار على طالبات اسرائيليات في منطقة الباقورة
(مارس 1996) وقتل ثمانية منهن، مما اضطر الحكومة إلى احالته إلى
القضاء، ورفض كل طلبات الاسترحام التي قدمت من أجل تخفيف حكم السجن
المؤبد الصادر بحقه واطلاق سراحه، ولذلك، فإن مقتل الجندي أحمد مصطفى
ابراهيم في كوسوفو ربما يكون أعفى الحكومة من احالته للقضاء، ومواجهة
ردود فعل شعبية لا لزوم لها.
غضب الملك من بوش يمكن حوصلته في:
اولا: احراج بوش للحكم في العلاقة مع شعبه.
ثانيا: اضرار بوش بأمن النظام والأردن جراء حشره بين حالتي حرب في
فلسطين والعراق.
ثالثا: الأخطار التي يمثلها تبني بوش لخطة شارون على أمن الأردن،
فهي تهدد بالقاء مزيد من اللاجئين الفلسطينيين إلى الأردن بدلاً
من السماح للاجئين السابقين العودة إلى منازلهم.
رابعا: تراجع بوش عن اتفاقيات سابقة مع الأردن، يتمثل ذلك في احلال
خطة شارون محل خارطة الطريق.
لكن ظروف الأردن الصعبة، بالرغم من وجاهة موجبات الغضب، تفرض إلى
جانب الغضب حكمة لا يقتصر دورها فقط على كيفية اخراج هذا الغضب،
وإنما تشمل كذلك كيفية التعامل مع مسبباته.
في الثامن من ابريل الجاري، وقبل أن يتوجه الملك للولايات المتحدة
بعدة أيام، كان ارسل رسالة للرئيس بوش شدد فيها على ضرورة أن يكون
الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة جزءا من خارطة الطريق، وليس بديلا
عنها، وأن يؤدي هذا الانسحاب إلى اقامة دولة فلسطينية، باعتبار أن
اقامة هذه الدولة هدف استراتيجي اردني. وطلب الملك كذلك تقديم ضمانات
اميركية للعرب وللمجتمع الدولي بعدم تقديم تنازلات للجانب الإسرائيلي
في موضوعات الحدود واللاجئين والمستعمرات والجدار، وأن يترافق ذلك
مع صدور قرار جديد عن مجلس الأمن الدولي، تكون صيغته محددة وواضحة
ومباشرة في شأن التشديد على أن الحل المبني على اساس دولتين هو الحل
الوحيد المقبول للعملية السلمية.
ولكن وعد بوش لشارون يتنصل من كل ذلك، وبشكل محدد، فإن موافقة بوش
على خطة شارون التي تقضي بالانسحاب من قطاع غزة نهاية 2005 تتناقض
مع خارطة الطريق التي تقضي بإقامة دولة فلسطينية في ذلك الأجل.
غير أن الملك الذي يدرك عدم قدرة الأردن على مواجهة الولايات المتحدة
وتحديها، لم يقطع شعرة معاوية مع بوش، فهو قرر ابقاء الوزير المعشر
في واشنطن ليواصل محادثاته الهادفة اساسا إلى محاولة تطويق واحتواء
الوعد الذي يشكل خطرا داهما على الأمن الأردني، إن لم يكن على وجود
الأردن..!
هل ينجح المعشر في مهمته..؟
ليست هناك مؤشرات في هذا الإتجاه، ما دام بوش كما كل الرؤساء الأميركيين
السابقين يرهنون مواقف وسياسات بلدانهم من أجل حساباتهم الانتخابية،
لكن ذلك لا يبرر أي مغامرة اردنية، بل إن الحكمة الأردنية توجب،
إلى جانب ضرورة مواصلة العمل من أجل امتصاص غضب الرأي العام الأردني،
مواصلة العمل كذلك من أجل ضمان نجاح القمة المؤجلة مع بوش، عبر الحصول
منه على توضيحات تؤكد استمرار التزامه بخارطة الطريق، وهذا من شأنه
أن يوفر ظروفاً مواتية من أجل استمرار التوافق بين الحكم والشعب
في الأردن، والحيلولة دون افتراقهما في لحظة مفصلية لا تخدم غير
اعداء الأردن.
ويظل السؤال المركزي: هل يدرك الرئيس الأميركي اهمية الأردن الاستراتيجية
للمصالح الأميركية في الإقليم، أم أنه قرر اعادة ترتيب اولويات هذه
الإستراتيجية في ضوء مقتضيات التحالف الاستراتيجي مع اسرائيل وشارون
على رأس حكومتها، وكذلك في ضوء مصالحه الانتخابية، كما يراها هو..؟
لعل هذا السؤال هو أكثر ما يقلق الأردن والأردنيين..!!
أعلى