رأي الوطن
بين ارتفاع النفط وانخفاض الدولار
تشن واشنطن على العرب حربا نفطية موازية لحربها
العسكرية في العراق ودعمها للاعتداءات الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني
واللبناني والسوري، وحين تتحرك الأسعار تصاب الولايات المتحدة بالسعار،
وتنطلق التقارير والتحليلات والتحذيرات وكلها مصدرها واشنطن لإعطاء
الايحاء بأن الاقتصاد العالمي على وشك الانهيار، مع ان المستهلكين
الآخرين لا يشعرون بالتوتر الذي يشعره الأميركيون كلما ارتفعت اسعار
الطاقة، ومشكلة الساسة في واشنطن انهم يعتقدون ان من الممكن ممارسة
الضغط والتخويف الى آخر مدى للحفاظ على رفاهية الشعب الاميركي حتى
لو كان ذلك على حساب الشعوب الاخرى في الدول المنتجة وهي شعوب اقتصادياتها
ناشئة وتعتمد في معظمها على تصدير النفط ومشتقاته، ولدى تلك الشعوب
خطط تنمية موسعة تسعى من خلالها للحفاظ على الحد الادنى من سبل العيش
للأجيال الحالية والقادمة كشأن أي دولة تضع الخطط والبرامج لترشيد
استهلاكها من مصادر ثرواتها حتى لا يواجه الجيل الحالي اتهامات من
الاجيال القادمة بالتفريط في حقوق الأحفاد، انصياعا لضغوط خارجية.
ورغم كل الاخفاقات السياسية التى واجهتها السياسة الخارجية الاميركية
وتسببت في ارتفاع الأسعار الا ان قادة الادارة الاميركية عادة ما
يركزون على اعطاء الانطباع بأن من حقهم قيادة حركة الاقتصاد العالمي
من اجل مساندته وإنعاشه، والحقيقة ان حركة الاقتصاد العالمي تسعى
لتحصين نفسها من عواقب الاخفاقات الاقتصادية في الداخل الاميركي،
فالبيانات الاميركية غير الدقيقة في معظمها هي التي تؤدي الى اضطراب
حركة النمو في العالم كما تؤدي الى اضطراب اسعار العملات والمعادن
النفيسة وليس اسعار النفط فقط، ورغم ان الدول المنتجة تعاني من خسائر
كبيرة من جراء انخفاض سعر الدولار امام العملات الاخرى نظرا لان
تسعير النفط يتم بالعملة الاميركية دون غيرها، الا ان أحدا لايجأر
بالشكوى ولا أحد يشق الجيوب ويلطم الخدود بسبب الخسائر التى سببها
انخفاض الدولار، وكم طالبت تكتلات كبرى كالاتحاد الأوروبي ان تتدخل
الخزانة الاميركية لتحسين اسعار صرف الدولار لتخفيف حدة ارتفاع اليورو
الا ان احدا في اميركا لا يكترث لذلك لان انخفاض الدولار ينعش الصادرات
الاميركية ويحسن ميزان المدفوعات لصالح واشنطن، ثم ليذهب الآخرون
الى الجحيم، هذا هو النمط السائد في الفكر الاقتصادي الأميركي.
ان علينا ان نظل نؤكد للأميركيين ولغيرهم ان ارتفاع اسعار النفط
له اسباب سياسية بحتة ولا علاقة للدول المنتجة بذلك، وانما على الولايات
المتحدة ان تتعامل مع الآخرين كشركاء متساوين وليس مجرد ادوات لتحسين
الاقتصاد الاميركي والحفاظ على معدلات الرفاهية للفرد الاميركي على
حساب الشعوب الأخرى، وعلينا ان نعلن اختلافنا في الرؤية مع التصور
الاميركي بأن سياسة اوبك تؤدى الى انخفاض نسبة النمو العالمي، فالطاقة
هي احد مكونات عملية الانتاج وليست كل المكونات، وينبغي ان تتعامل
الولايات المتحدة مع مشكلات العالم بمكيال واحد وكحزمة واحدة ودون
تمييز حتى يمكن توزيع المنافع والأعباء بالتساوى بين كافة الفرقاء،
وان تسعى جادة للتجاوب مع مخاوف الشركاء التجاريين من استمرار انخفاض
سعر الدولار وهو الأمر الذي يضر الاقتصاد العالمي اكثر مما يضره
ارتفاع اسعار النفط، وحتى لا يضطر المنتجون الى الاستماع لنصيحة
تسعير النفط باليورو وهي النصيحة المرفوضة حتى الآن.
أعلى