رأي
الوطن
نوايا الاحتلال وسقوط الأقنعة
قد تدل احداث النجف امس التي راح ضحيتها عشرات
القتلى والجرحى والتي امتدت نيرانها الى مدينة الصدر ببغداد لتسقط
مزيدا من الضحايا على حرج موقف القوات الاسبانية في الاساس وهي القوات
التي كانت تلملم عدتها وعتادها للرحيل بعد تغير الحكومة في مدريد
ومجيء الاشتراكيين الذين وعدوا بسحبها في اقرب فرصة ممكنة من المستنقع
العراقي ايمانا بانهم لا يستطيعون الاستمرار في العمل مع واشنطن
على اساس كذبة كبرى تترد اصداؤها في جنبات العالم الآن لتولد حالة
من الحرج الشديد لكل الانظمة والتحالفات التي تكبكبت على صنع نكبة
الشعب العراقي الحالية.
لكن ثمة قراءة اخرى للحدث وهي هذه المرة تسلط الضوء على حرج بعض
الاطراف التي راهنت على تحسن اوضاعها السياسية في فترة ما بعد الاحتلال،
حيث دلت عمليات دهس المتظاهرين في وحشية بالغة تحت جنازير دبابات
الاحتلال وفتح النار عليهم في عدم اكتراث بحجم الخسائر في الارواح
العراقية على مدى كذب الادعاءات بان هذه القوات الاجنبية جاءت لتوفير
الامن والحرية للمواطن العراقي وها هي قيادته الدينية لا تتمتع بأي
حرمة او احترام فالكل امام الموت سواء ولا شفاعة لاحد، ومن ثم فان
جماعة المرتبصين حتى زوال الغمة اصبحوا ضحايا الغمة وصار يتحتم عليهم
ان يكونوا جزءا من فعل المقاومة كقدر لا مهرب منه هذه هي الرسالة
التي املتها تفاعلات الاحداث امس.
لقد كان تركيز قوات الاحتلال على ما اسموه (المثلث السني) مجرد محاولة
لتحييد الشيعة حتى يأتي يومهم ولم يكن هذا التحييد يعني استثناءهم
من التصفية وها هو دور فصيل (الصدريين) قد حل، حيث فهموا الرسالة
المرسلة اليهم امس مع جثث قتلاهم ورفض الافراج عن شخصياتهم الدينية
التي يؤكدون انهم يعانون من التعذيب في سجون الاحتلال، كما تأتي
احداث الامس لتضع سلطة الحكم المؤقت في احرج لحظاتها حين تقف مغلولة
الايدي عن نصرة اخوانهم في المدن العراقية وهم يتعرضون لهذه الضغوط
مما يضع علامات استفهام كبيرة حول نوايا هذه السلطة وخياراتها غير
المعلنة حتى الآن. وبينما تستعد القوات الاميركية للانتقام من مركز
المقاومة في المثلث السني (الفلوجة) بعد قتل (الكوماندوز) الاميركيين
والتمثيل بجثثهم ها هو مقتدى الصدر في النجف يدعو الى (ارهاب العدو)
في دعوة واضحة للتحول الى العمل العسكري.
كل هذه علامات على ان ايام الاحتلال الاجنبي للعراق تبدو في مراحل
العد التنازلي، فقد سقطت الاقنعة عن وجوه الذين روجوا طويلا لابداء
اعمال الاحتلال على انها اعمال تحرير وانقاذ، كما انها علامات على
ان عصر الحياد في توازنات القوة العراقية قد ولى ولم يعد ثمة مهرب
من تغيير اصول اللعبة بعد كل هذه الدماء التي سالت من اجساد الابرياء
الذين يتدفقون الى الطرقات للمطالبة بالدواء والطعام لاطفالهم فاذا
بهم يصبحون حصيدا زلقا لرصاص المحتل لتتأكد النوايا وتبرز الحقائق
السافرة ويوقن العراقيون ان النظر الى القضية بعين طائفية هي النكبة
الكبرى بعد نكبة الاحتلال.
أعلى