الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 




فتاوى وأحكام

* امرأة توفيت وخلفت مبلغا ماليا كبيرا يقدر بمائة وخمسين ألف ريال عماني، وليس لها من الورثة سوى عشرة من أولاد العم، وكانت قد أوصت قبل مماتها بوصية عن ضمان لأبناء الورثة، فما حكم هذه الوصية هل هي ثابتة أم باطلة ؟
** لها أن توصي بثلث مالها تبرعا كما تشاء، وأن توصي بأكثر منه إن كان من ضمان والله أعلم.
* ما قولكم في رجل أوصى بجلبة من ماله بعد موته، كما أوصى بثلث ماله لأناس آخرين، فما يكون خروج هذه الجلبة: من الثلث الذي كان قد أوصى به أم تكون هذه الجلبة من أصل المال ؟ علما بأن وصية الجلبة المذكورة كانت قد كتبت قبل الوصية الأخرى بثلاث سنوات، وأصحاب الثلث يطالبون به كاملا، علما بأن صاحب الوصية كان قد سبق له أن أوصى بكتابة جلبة أخرى عن ضمان من نفس الموصى له؟
** الوصية بغير ضمان لا تكون إلا من الثلث، ففي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (الثلث والثلث كثير)، وعليه فإن كانت هذه الوصية عن ضمان فهي من أصل المال، وإن لم تكن عن ضمان فهي تحاصص بقية الوصايا في الثلث والله أعلم.
* رجل أوصى بمزرعته وقفا توزع غلتها لفقراء البلدة، مع العلم أن هذه المزرعة تقدر بنصف تركته، وله ورثة فقراء يستحقون الصدقة، فما قولكم في هذه الوصية؟
** إن لم يوافق الورثة على الوصية أخرجت الحقوق اللازمة من أصل المال، وما زاد عليها من التبرعات رد إلى الثلث، وتكون المحاصصة بينها فيه والله أعلم.
* إنني رجل مسن وقد يسر الله علي، وعندي بعض الأملاك والعقارات ولا أحد يرثني إلا ابن أخ لي فقط وهو رجل كبير وله أولاد، وبما أنني وكما ذكرت بلغت من العمر عتيا فإنني أريد أن أوصي ببعض العقار أو أجرة بعض العقار لبعض الأيتام من الجيران والأقارب، وذلك لينتفعوا بها بعد موتي، فماذا تقول وبماذا توجه سماحتكم ؟ وما هي الإجراءات الشرعية للوصية ؟
** لك أن توصي بالتبرعات الخيرية، على ألا يتجاوز ما توصي به ثلث التركة، إلا إن كان حقا واجبا عليك والله أعلم.
* امرأة توفيت تاركة بيتا وأثر ماء بقيمة خمسمائة ريال ومبلغا نقديا وهو سبعمائة ريال، وكانت قد أوصت بحجتين الأولى عنها والثانية عن والدتها ورمضانين، وما يتبقى يكون للورثة، فما حكم هذه الوصية ؟ وهل يجوز الحج عنها وترك الحجة الثانية عن والدتها ؟
** ترد الوصية إلى الثلث، وتقدم حجتها على حجة أمها والله أعلم.

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى





الاجتهاد وأثره في التجديد (1ـ2)

بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى الرفيق الأعلى، وبعد انتهاء المرحلة الأولى من تاريخ الإسلام، برزت مشكلات شتى تدفع إلى البحث عن الحل الإسلامي لها. وما يكون للمسلمين بعد بزوغ شمس الهداية أن يستقوا تصوراتهم من فلاسفة الشرق أو الغرب، فالدين كامل والنعمة به تامة، فما عليهم إلا أن يفجروا طاقات النصوص الشرعية، التي يشع نورها كلما تراكمت فتن كقطع الليل المظلم، حتى تبدد ذلك الظلام، وبما أن ديننا عالمي الشريعة فلا يمكن قصره بمكان أو تحديده بزمان ؛ إذ هو يطول الأقطار ويعم العصور، استوجب الاجتهاد والتجديد، لظهور قضايا لم ينص عليها الكتاب أو السنة صراحة.
ولئن كان الاجتهاد ضرورياً لكل زمان لمعرفة شرع الله تعالى ولاتباع الكتاب والسنة اللذين امرنا باتخاذهما مصدر تشريع فإن زماننا أولى العصور بذلك، وما ذلك إلا لتعدد القضايا الهائلة التي لم ينص عليها فيه، ولان التجديد في المجالات الأخرى قائم فيه على قدم وساق، فان لم يواكب التجديد الفقهي غيره من التجديدات ارتكست الانسانية إلى الحضيض؛ لانها لن تسعد باتباع الكتاب والسنة، لعدم معرفتها بما تضمنته، ولا يمكنها في كل شيء الاعتماد على الطرح القديم، لان بعضه لا يتلاءم ومستجدات العصر، فاما أن تغلق الابواب دون التقدم في مختلف المجالات، وبذلك يحرم المسلمون أنفسهم فضل العقول المفكرة ونتاج القرائح المتفتحة، بل يخالفون بذلك منهج ربهم الذي أمرهم بكل ما يقتضي التجديد والقوة كما في قوله جل وعلا (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) واما أن يتسنم صهوة الأمر المتحمسون الذين لا يميزون بين ثابت الشريعة ومتغيرها، ويلجونه بلا فهم يقيهم مزلة الاقدام، فيفتون بغير علم فَيَضِلون ويُضِلون، ويفسدون من حيث يظنون انهم يصلحون، واما ان تكون العاقبة الجمود القاتل الذي يؤدي في المقابل إلى نشاط الحركة العلمانية، كما وقع للنصارى، عندما انزلت الكنيسة العقوبة الصارمة بمن فتح عينيه ليبصر الحقيقة، فهجرها الناس لذلك، وهذا دفع الكثيرين إلى تصور أن الدين لا دراية له بسياسة الحياة، وإن لم يمكننا سد منافذ الفتنة قبل وقوعها فلا اقل من تخفيف وطأتها قبل ازدياد استفحالها، لان كل المحذورات السابقة واقع نشاهده بأم أعيننا.
وقد تعرضت في هذا البحث لأهمية الاجتهاد، وعرجت من بعده لحقيقته المنشودة، وبعدها ذكرت المشجعات عليه، وإثره بينت علاقة الاجتهاد بالتجديد وخصائص الطرح الاسلامي المطلوب والرابط بينه وبين الاجتهاد.
أهمية الاجتهاد:
تعبد الله المسلمين بالعض بالنواجذ على كتابه وسنة نبيه الرسول صلى الله عليه وسلّم : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (2) ويقول جل شأنه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (3) وبين عاقبة الطاعة حين قال في خاتمة الآية: (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) .
ولا تكون الطاعة لله خالصة إلا بالاحتكام إلى كتابه وسنة نبيه الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو علامة الايمان وبرهانه الساطع (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (4) وذلك لا يتصور إلا بمعرفة الدلائل وسبر أغوارها وهي حقيقة الاجتهاد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويعفى من ذلك من لا طاقة له عليه لفقدان أهليته فالله تعالى يقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (5) ولئن كان هذا الفرض عاماً وشاملاً للأزمنة فزماننا آكد وأهم، وذلك لما يلي:
1ـ تدفق طوفان المسائل التي لم تدر بخلد سلف الأمة، بل لو ذكرت لهم لاعتبروها ضرباً من الخيال ونوعاً من المستحيل، وهذه القضايا التي تطرأ على الساحة العالمية تزداد بصورة مذهلة فلابد أن يوازيها ازدياد مهارة الفقهاء التجديدية معولين على الدليل ومراعين للواقع.
وحلها يستقى من المعين الذي لا ينضب، ولله در العلامة أبي مسلم عندما قال: (...لما أن النوازل مستمرة الحدوث ولا تخلو أيه نازلة من حكم، وما كل حكم منصوص عليه، ولكن لا تزال تمتد أغصان الاحكام الحادثة حملاً على نظائرها من الاحكام المنصوصة أو المقيسة الصحيحة، وهكذا إلى يوم القيامة لا تحدث بحمد الله حادثة إلا ويوجد لها دليل منها على حكمها).
وإذا كان عهد الخلفاء الراشدين اتسم بحركة فكرية فقهية للتعدد في الوقائع فكيف بحال عصرنا، والحوادث فيه لا حصر لها مع تعدد جوانبها، فالجنايات وقرائنها المتنوعة كالبصمة وغيرها، والنسب ودلائل ثبوته بالخصائص الوراثية.
ومختلف الابتكارات الطبية الجديدة كالرحم المستعار والاستنساخ ونقل الاعضاء وغيرها، كل تلك القضايا تستدعي النظر في حكمها، كما أن عجلة الايام لا تزال تدور في المجال الاقتصادي كالمعاملات البنكية المتعددة فأنى تحل بغير الاجتهاد؟!
2ـ ظهور الاكتشافات العلمية ـ أعني الحقائق دون الفرضيات ـ التي لابد من اعتبارها رصيداً فكرياً عند النظر إلى الدليل لنجني ثمارها في مجال التحقيق إذ ربما تفسر المجمل وتؤول الظاهر وتؤكده أحياناً، وما الاعجاز العلمي منا ببعيد ففيه تدعيم للظاهر، وهي أيضاً تجلي العلل وتبين زيف بعضها.
والمعرفة بها أمر ضروري لابد للمفسر أن يتحلى به؛ لأن الآيات متجاوزة لحدود الزمان والمكان، وذلك ليتجلى لنا الاعجاز بوضوح واليه أشار قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
وهي على ضربين:
أ ـ أمر متعلق بالقضية المطروحة كالمعطيات الجديدة في مسألة الحساب الفلكي لتبدلها عن الملابسات القديمة.
ب ـ أمر لا يتعلق مباشرة بالقضية إلا أنها قد تجلي لنا قرينة تؤيد القول السابق أو تخالفه.
3ـ بروز علوم نظرية جديدة لابد من اتخاذ الموقف الواضح إزاءها، فإما أن تقبل ومعه تدعو الضرورة إلى تأطيرها بالإطار الشرعي، وأما أن ترفض ببينة نيرة مع التخلص من العواطف في إصدار الحكم لها أو عليها وذلك كالهرمنيوطيقا.
4ـ أن بعض الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان؛ لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح جمة وهي تتبدل بتقلب الأيام فلربما كانت المصلحة في يوم مفسدة في آخر فلذا لا يستبعد اختلاف الأحكام لتباينها، والنبي صلى الله عليه وسلّم بين ذلك بياناً واضحاً عندما نهى عن إمساك الضحايا بعد ثلاثة أيام فقيل له ـ بعد ذلك ـ: كان الناس ينتفعون بضحاياهم ويجعلون جم الودك ويتخذون منها الأسقية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : وما ذلك؟ فقالوا: يا رسول الله نهيت عن إمساك الضحايا بعد ثلاثة أيام ، فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا.
فإذا كانت المصلحة تباينت بين عام والذي يليه حتى رقى الحكم في العام الأول إلى الوجوب دون الآخر لتبدل الظروف فكيف مع تطاول الزمن؟!، وأصاب ابن القيم كبد الحقيقة عندما قال: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن ادخل فيها من التأويل، وعقد فصلاً لبيان تباين الأحكام بتباين الزمان.

وهي أيضاً تختلف بتباين الأعراف ـ إن بني الحكم عليها ـ وتبدل الذرائع التي أمر الشارع بسدها، وتنوع ألفاظ الاقرار والأيمان والنذور وغير ذلك، وهي أمور تتطلب المزج بين الواقع والأدلة فيستضاء بآخرهما لإنارة أولهما.
لذا اشترط بعض العلماء للفتوى معرفة أحوال الناس، وذلك واضح فيما يتبدل بينما في الثوابت لا يشترط ذلك.
وأغلب المتغيرات إنما تتعلق بالوسائل ولا تتعدى إلى الغايات وهي أمور لظروف الحياة الاثر البالغ في توجيهها.
5ـ الحاجة إلى تفنيد البدع التي تسبب غبشاً في التصور لكثير من الناس فلابد من بيان زيفها وذلك يقتضي نقضها بصريح الأدلة، وان كانت لا تلازم الاجتهاد دائماً؛ إلا أنها أحياناً تفتقر إليه لالتباس السنة بالبدعة وصعوبة التمييز بينهما أحياناً.
6ـ تقارب العالم ومحاولة كل فكر غزو غيره بما يبديه أصحاب كل فكر من مظاهر جذابة تستهوي الناظرين، وشعارات براقة تخدع المبصرين، فالعلمانية بقضها وقضيضها تشن علينا حرباً لا هوادة فيها، والعقلانية ـ التي تقبل من النصوص ما يتوافق مع إفرازات عقولها ويحاكمها بتصوراتها ـ والاشتراكية كذلك، وظهرت العولمة أخيراً ساعية لاحتكام الناس إليها في الانظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها، وهذا كله يؤكد الحديث (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الاكلة على قصعتها...)، فالتداعي كما يكون بالحرب العسكرية يكون بالغزو الفكري بل هو طليعة الأول وخطره أعظم وأثره أطول.
وزماننا لا مكان فيه للتقوقع فمن لم يكن ثبوت قدميه أرسخ من الجبال الرواسي عصفت به الأعاصير الهوجاء لصدام الحضارات من ناحية ولتمازجها من ناحية أخرى.
حقيقة الاجتهاد المنشود:
حقيقة ما نصبو إليه في الدعوة إلى الاجتهاد هو الاستمساك بالكتاب والسنة والاحتكام إليهما (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) ففيهما الشفاء لكل داء لأنهما تضمنا الحل لكل معضلة فالله تعالى يقول (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ). وعليه فالاجتهاد والتجديد انما يكونان بإنزال الثابت ـ الدليل الشرعي سواء أكان قرآناً أم سنة بأي دلالة معتبرة ـ في المتغير مع مراعاة ظروفه، فهي إذاً محاكمة المتغير بمقتضى الثابت حتى ينزل إلى ارض الواقع.
فهو مركب من شيئين ـ الثابت والمتغير ـ فإذا غض الإنسان الطرف عن الأول مال إلى العلمانية والتمييع، وان تمسك به دون النظر إلى الطرف الآخر مال إلى الجمود. فالاجتهاد لا يمكن أن يلغي الثابت إذ مجاله المتغير، ولا يطول قواطع النصوص لان حدوده قاصرة على الظنيات؛ فلذا قال العلامة الكبير أبو يعقوب الوارجلاني: (إنه لا يسوغ الاجتهاد إلا في فروع الشريعة أما أصولها فلا) ، والمراد بالأصول ما تناوله الدليل المتصف بالقطعية في ثبوته ودلالته، أما إذا كان ظنياً في أحدهما فالمجال مفتوح شريطة عدم إلغاء الدليل المعتبر، وفيه يقول الامام القطب: (ومن بلغه حديث فلا يجوز له العمل برأي إلا في تفسير ذلك الحديث أو تأويله). وليس كما يقول البعض بأن ما تناوله الدليل ولو كان ظنياً يمنع الاجتهاد فيه؛ لأنه قد يكون بالتأويل عند وجود القرائن الصارفة وهذا يعلم بالتأمل في الأدلة لكثرة التعارض الظاهر بينها، فلابد من الجمع أو الترجيح وهما من ضروب الاجتهاد، شريطة التزام الترتيب المنطقي في الأخذ بالأدلة، فان وجد مسلكاً في النصوص سلكه، وان أعوزته انحدر إلى الأقيسة، فان عثر على مغزاه فذلك وإلا انعطف على أنواع الاستدلال.
ويسوغ ذلك لمن راض الأصول وعلم بمنهجية التعامل مع الدليل تطبيقاً لا نظرياً فقط، مع جمعه لخلال الاجتهاد وتصوره لواقعه، وفي هذا الشرط وسابقه يقول الامام أبو مسلم رحمه الله حاثاً على الاجتهاد: (لأن الأخذ بالرأي في موضعه من أهله نوع فرض)، فأشار إلى الأول بقوله: (في موضعه) ونوه بالثاني في قوله (من أهله).
وحقيقته لا تكمن في التخلي عن تحقيقات السابقين ونبذ جهودهم في العراء وان وقع في بعض حقب التاريخ وهو ما يردده بعض من لا يتصور لا حقيقة الاجتهاد ولا عطاء الكتب السابقة الفكري والعلمي ويكاد يتعذر عليه إدراك وجوه الاستنباط إلا بوجود نماذج يسير على منوالها ويترسم خطاها.
ومع نقاء صورة الاجتهاد المنشود إلا أن أعداء الاسلام حاولوا أن يجعلوا منه سلماً لتحقيق غاياتهم، حتى تنبثق الأهواء وينقطع الرباط بين المسلم والنص؛ لأنه يؤدي إلى التلاعب به باسم الاجتهاد، وقد تم لهم بعض ما أرادوا، فتأثر بهم قوم من المسلمين فاتخذوه جنة يتقون بها عذل العاذلين، وحققوا به ما يصبون إليه فالله المستعان. وهؤلاء انقسموا طرائق قدداً أهمهم:
1ـ المصلحيون: وهم الذين جعلوا المصلحة مطية امتطوها لرد النصوص القطعية، وعلى رأس هؤلاء المشهور بنجم الدين الطوفي، وقد ناقشه بعض أهل العلم كالدكتور البوطي والأستاذ الريسوني. ومن العجيب أن العلامة السيد رشيد رضا نقل بعض كلامه وأتبعه بالثناء وكأنه مؤيد له.
وهؤلاء تصوروا تعارضاً بين المصلحة والنص مع أن النص هو المصلحة الدينية والدنيوية، والمصلحة كامنة فيه، وما تصوره الناس من التنافي عائد إلى سوء الفهم، وان منع الشارع بعض المصالح في بعض الصور فلأجل التباسها بمفاسد تفوقها، مع أنه فتح لذات المنفعة رحاباً واسعة في غير تلك الصورة، ويتصور أن يكون اللفظ عاماً والمصلحة خاصة والعكس في الدليل الظني، وهنا قد تخصص عمومه وتقيد إطلاقه على الصحيح، وذلك كما مر آنفاً في حديث الدافة.
2ـ العقلانيون: وهؤلاء وقعوا فيما وقع فيه المصلحيون من تصور الثنائية المتعارضة بين العقل والنقل مع أن القطعي النقلي لا يخالف مقتضيات العقول، وكذلك قطعي العقول لا يباين النصوص القطعية أبداً، وأما أن تحاكم النصوص القطعية بعقول أقوام قد عصفت بها أعاصير الأهواء؛ فذلك يناقض العقول مع مناقضته للنقول.
3ـ المتساهلون: وهم قوم خيل إليهم بلوغهم لأسمى المنازل وأرقاها فخاضوا في أعمق المسائل، وربما خالفوا القواطع من الأدلة وأولوا ما شاؤوا منها واستحلوا الفروج وسفكوا الدماء بغير مبرر شرعي، مع أن الاجتهاد هو استفراغ الوسع؛ وهؤلاء لم يستفرغوه، بل لم يمعنوا النظر أصلاً.
4ـ المبهورون بالغرب: وهم الذين سال لعابهم لبريق الحضارة الغربية الزائف، فظنوها الفردوس المنشود مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلّم : (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع...). وللهزيمة النفسية أثرها في توجيه هؤلاء مع أن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، بل عليه أن يكون قابضاً على زمام القافلة يجنبها المهالك وأن يكون ربان السفينة يقودها إلى بر الأمان.
5ـ المنهزمون: وهم الذين يتصورون أن غاية الاجتهاد تبرير الواقع وتبريد حرارة قلب المتألم لتفريطه بتسويغ عمله، ومحاولة التلون بكل لون من ألوان الظروف والأحوال، مع أن غايته تكمن في صبغ العالم بصبغة الله بتبيين معالم دينه وإظهار أنواره ليستنير بها السالكون.
6ـ الظاهريون: وهم الذين اقتصر نظرهم على القشور دون اللب وعلى الظاهر دون غيره، ولم يصرفوه حتى مع وجود القرائن المانعة من الحمل عليه، وعلى رأس هؤلاء من السابقين داود وابن حزم، وسلك طريقهم بعض المعاصرين، وكثير من أقوالهم تخالف ما تضمنته العمومات.
7ـ المعجبون بالقديم لقدمه أو الجديد لجدته: وهما طرفان متناقضان والحق في الوسط، على أن القدم والجدة أمور نسبية تختلف باختلاف الزمان، والمرجع الحقيقي هو الدليل الشرعي مع عدم إغفال الزمان لتطبيقه عليه.
التشجيع على الاجتهاد:
يعد صريح الأمر من الله تعالى باتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلّم والوعد عليها بعظيم الجزاء من أعظم الأدلة على مشروعية الاجتهاد، لأن تطبيقهما على القضايا المتجددة موقوف عليه.
(...فآيات القرآن التي تحدثت عن فعل العقل والتعقل هي تسع وأربعون آية، وآياته التي تحدثت عن القلب ومن وظائفه التفكير والتعقل تبلغ مائة واثنتين وثلاثين آية، ولقد ورد الحديث في القرآن عن اللب بمعنى العقل لانه جوهر الإنسان وحقيقته في ستة عشر موضعاً، وجاء الحديث فيه عن النهى بمعنى العقول في آيتين، أما التفكر فلقد جاء الحديث عنه بالقرآن في ثمانية عشر موضعاً، وجاء الحديث فيه عن الفقه في عشرين موضعاً، وجاء حديثه في التدبر في أربع آيات، وعن الاعتبار في سبع آيات، وعن الحكمة في تسع عشرة آية).
وقد توالت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلّم مبينة عظيم الثوابت فيه فهو يقول : (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر). ولم تكن أحاديثه مقتصرة على النظرية فقط بل اجتهد بنفسه كما يقول بعض الأصوليين وأقره الله تعالى عليه فقد قال جل شأنه (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) ، والله تعالى أقر أيضاً الصحابة الكرام عليه كما في قوله جل وعلا (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) فأقر الله تعالى كلا الطرفين.
والنبي صلى الله عليه وسلّم أقر المسلمين عليه عندما نهاهم عن صلاة العصر إلا في بني قريظة ، ففهم بعضهم قصد الاستعجال وأدوا الصلاة في وقتها، وتصور آخرون إرادة الظاهر فلم يصلوها إلا في بني قريظة بعد انتهاء وقتها بزمن، فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلّم جميعاً، وأحياناً ينبه على الخطأ مع عدم نقضه للاجتهاد الأول، ومنه قوله لأبي بكرة عندما ركع قبل أن يصل إلى الصف: (زادك الله حرصاً ولا تعد). فلم يأمره بإعادة صلاته.
والخلاف بين العلماء في مسائل الرأي يعتبر رحمة بالأمة ولا يمكن اعتبار تباين الأنظار سبباً لشقاقهم، فلا يعنف المخالف فيها، حتى أن الإمام محمد بن محبوب رحمه الله عندما ذكر المختلفين الذي يميل بعضهم إلى الحرمة والآخرون إلى التحليل قال: (وهم يتولون بعضهم بعضاً ولا يخطئ بعضهم بعضاً) ، وذكر المحقق الخليلي رحمه الله ما يمكن ان يكون تعليلاً لذلك عندما قال: (ولكن أصل الاجتهاد الفقهي في أصله أمر ظني لا مدخل له في البراهين القطعية) ولم يقتصر على ذلك فحسب، بل قال في الأمور الخبرية الظنية التي لابد أن يكون احد الطرفين مصيباً والآخر مخطئاً: (وإنما اختلاف الفقهاء فيها رأياً بواسطة الاجتهاد والنظر والاستدلال، وأن على كل ناظر أو قائل فيها أن لا يخطئ من قال بخلافه كما هو شأن الفروع والاجتهاد).
وتضمنت مناقشات الأصوليين بعض المسائل التي تعتبر من أقوى الدعائم المشجعة عليه وإليك أهمها:
1ـ قولهم بحرمة التقليد من القادر على الاجتهاد، وقد دعموا قولهم بالنصوص الشرعية المؤكدة لمذهبهم وهذا قول الإباضية وعليه جمهور أهل العلم بل حكى بعضهم الإجماع عليه، والقطب لم يكتف بذلك؛ بل جعل على غير القادر أن ينعطف إلى الترجيح إن قوي عليه فهو يقول: (ولكن من له قوة على الاجتهاد فلا يأخذ بقول غيره... ومن ليس مجتهداً ووجد خلافاً فإن قوي على الترجيح فليرجح) ، مع أنه شدد في قياس غير المجتهد.
2ـ قول بعضهم بعدم جواز خلو الزمان من مجتهد إذ الأمة متعبدة بتهيئة الوسائل الموصلة لبلوغ بعض أفرادها لتلك المنزلة، وإيجاب هؤلاء ذلك في زمان لا تكاد المسائل تطرأ فيه إلا قليلاً مقارنة بزماننا الذي يومه يفوق مائة عام من أعوامهم في تبدل الظروف والأحوال يؤكد ضرورة تهيئة ظروف الاجتهاد في زماننا.
3ـ وقريب منه قول بعض أئمة الأصول بوجوب تقليد عالم العصر، وهو مما يدفع عجلة الاجتهاد قدماً، لان العارف يسعى لنيل هذه المنزلة ليحيي الله على يديه الأمة، ويحثه ذلك أيضاً على تحرير ما يراه لئلا يحرج مقلديه، وهو يقوي الرباط بين الطرفين: المجتهدين وغيرهم، وهو بالتالي يحقق ما تصبو إليه الأمة من تجديد، لأنه بدون الرباط بينهما لا يسمع قول العالم ولا يتحقق بذلك مراده.
4ـ اختيار بعض الأصوليين وجوب تكرار الاجتهاد في المسألة إذا أراد العمل مرة أخرى لإمكان ظهور ما خفي عليه من قبل أو طروء أدلة تبدد تصوره السابق، وإن كان الصحيح عدم وجوبه إلا إن تغيرت صورة المسألة أو ارتاب في أدلتها لعارض أو نحوه، وبذلك يخرج عن المسألة المطروحة، وعلى العموم فان كان التكرار واجباً عند بعض مع المناقشة السابقة للقضية فما بالك فيما لم تخطر القضية بباله أصلاً؟!.
5ـ اشترط بعضهم الاجتهاد في المفتي والقاضي، لأن غيره لا يكون عالماً فكيف يسوغ له الإفتاء وأنى يُمكّن من القضاء وهو جاهل؟!
والاجتهاد في عصرنا أسهل من ذي قبل لسهولة الحصول على الكتب وكثرة المراجع وتنوعها، وفي ذلك يقول العلامة رشيد رضا: (ليس تحصيل الاجتهاد الذي ذكروه بالأمر العسير ولا بالذي يحتاج فيه إلى اشتغال اشق من اشتغال الذين يحصلون درجات العلوم العالية عند علماء هذا العصر في الأمم الحية كالحقوق والطب والفلسفة، ومع ذلك نرى جماهير علماء التقليد منعوه، فلا تتوجه نفوس الطلاب إلى تحصيله). وهؤلاء يصدق عليهم قول القائل:
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
بيد أن المانع الأساسي منه وقوع كثير من أهل العلم في شراك التقليد، وقد سرت عدواه حتى أن بعضهم منعهم الافراط فيه من الاستدلال بالكتاب والسنة لمخالفتها لمن يقلدون حتى قال قائلهم: (كل آية تخالف أصحابنا فإنها تحمل على النسخ أو على التأويل أو على الترجيح من جهة التوفيق). فبعد أن أمرنا الله بالاحتكام إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلّم عند التنازع وجعله شرط الإيمان نسمع من يحاكم نصوص القرآن بأقوال أئمته فنسأل الله السلامة، ومن هؤلاء من منع القياس بعد الأربعمائة بلا دليل ولا واضح سبيل، لان العقلية أصبحت ترسف في قيود التقليد، فما أن يخالف أحد الفقهاء أقوال أئمته ـ وإن أتى بالبراهين الصريحة ـ حتى تشن عليه حرب شعواء لا هوادة فيها، مع أن الذين حاولوا إغلاق باب الاجتهاد اجتهدوا في هذه القضية مع عدم ذكر سلفهم لها ومع منافاتها للدليل.
ومقصد هؤلاء سد باب الفتنة في وجوه المتعالمين حتى لا يتسوروا ما لا يستطيعون الصعود إليه وقطع الطريق على فقهاء السلطة الظالمة، وهي ردة فعل لكثرة المتطفلين بلا رصيد علمي ولا تقوى تردعهم، وإضافة إلى ذلك رأوا أن عدم استقرار المذاهب يؤدي إلى كثير من الفتن والمحن، والواقع أن مقاصدهم لم تتحقق، فلم يرتدع المتطفلون ولو وجد رادع لهم لردعتهم قوارع النذر من الكتاب والسنة التي تحرم التقول على الله بغير علم، وترتب عليه أليم العقاب؛ ولم يغلقوا باب الفتن؛ بل انفتح على مصراعيه لتعصب كل طائفة لإمامها، وللمنع منه عزف الناس عن الأصول لعدم الداعي إليها، لأن غايتها الاجتهاد، وإذا منعت الغاية فلا ينبغي للعاقل أن يضيع وقته في طلب أسبابها، وبسبب هؤلاء اختلطت دائرتا التسليم والنقاش عند الناس، حتى أنهم اقتنعوا بكثير من المتناقضات لأنهم أجروها في دائرة التسليم، فلم يتمكن أدراكهم العقلي من تبديد زيفها، بل لو نبههم غيرهم لقلبوا له ظهر المجن للخلط المذكور، وهو في الوقت ذاته يقتل طموح الانسان ويودي بعقله.
التجديد والاجتهاد:
قبل البدء في الكلام عن ارتباط الكلمتين لابد من معرفة التجديد حتى تكون صورته شاخصة للعيان.
فحقيقته تكمن كما يقول العلامة المودودي: (... أن التجديد في حقيقته عبارة عن تطهير الإسلام من أدناس الجاهلية، وجلاء ديباجته حتى يشرق كالشمس ليس دونها غمام) والأمر أعم من ذلك لأنه يشمل بالاضافة إلى ما ذكره إعادة الطرح الاسلامي بصيغة مناسبة لمقتضى العصر، ويتناول تسليط الضوء على الجديد من القضايا التي لم تطرح سابقاً مع الحكم عليها وفق معطيات الدليل الشرعي.
والتجديد تنزيل المطلق ـ الوحي ـ على الواقع ومحاكمته به، وهو كلمة تحمل الحيوية المتجددة، التي تبعث النفس للسعي الدؤوب لاعادة معالم الدين بعد أن كادت تنطمس في مختلف المجالات، وهو متوقف على الاجتهاد لأنه المحرك الأساسي لهذه العملية، وهو تلبية لحاجتي الدين والدنيا وبدونه لابد أن يضحي الإنسان بأحدهما، فمن لم يهتم به حرم خير المستجدات وفي الوقت ذاته لم يتمكن من دفع شرها لأنها ستصل إلى عقر داره لا محاله ، والتجديد ليس بمتابعة كل ناعق يدعو للجديد والحداثة فليس المراد منه الاتباع، بل المراد محاكمة الجديد بالقواعد الثابتة، فالجديد منه خير محض فيجب قبوله، ومنه شر محض فيجب رده ومنه مزيج بينهما فيجب انتقاء الخير ودفع الشر إن أمكن، أو يرجح الغالب منهما عند عدم الإمكان.
ولا يليق بأمة الدعوة والرسالة الخالدة أن تبقى مكتوفة الأيدي وهي تبصر بأم عينها، وتسمع بأصمخ أذنها تسابق الأمم في مضمار التقدم فمنها المجلي ومنها المصلي، فأنى لها الثبات وهي تقاتل بسيف في زمان تقصف فيه بصواريخ تعبر القارات؟!، فلابد أن تسعى قدماً لتنال المكانة اللائقة بها اذ مكانها القيادة لجميع الأمم (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).
ويتأكد وجوب السعي لتحقيق ذلك تباين الانسان عن غيره من المخلوقات فلا يبقى على حاله، فسنة الارتقاء أمر فطري فيه والبقاء على القديم ينافي فطرته وينزل به إلى حضيض الحيوانات.
وبما أن مثالية الدين واقعية وليست وهمية، وقد قامت البراهين النصية والواقعية على ذلك، ومقاصده التي يرنو لتحقيقها تتباين طرق تطبيقها بين فينة وأخرى، وذلك يؤكد ضرورة التجديد، وفي ذلك يقول الدكتور محمد القادري: (ولا شك أن امتداد الزمان يجاريه تبدل في الدوافع والمحركات التي يجري عليها التيار الحياتي، وليس لأحد أن ينكر تلك الدوافع والمحركات لجميع وجهات الحياة، من وجهات جغرافية أو ثقافية أو حضارية... ومع هذا التغيير الدائم تأتي ضرورة تغيير الوجهات التطبيقية حسب مقتضى الحال، لأن القواعد الموضوعة من قبل العلماء في الزمن الفائت، والتي كانت مناسبة للفترة التي عاشوا فيها؛ تصبح غير عملية وغير ملائمة للوضع الحياتي الحالي فتقل قيمتها التطبيقية...).
لكن حال دون تحقيق الأماني تصور بعض الناس أن كمال الدين يتنافى مع التجديد مع أن كماله يفتح المجال للتجديد في بعض المجالات للتغير الواقع في الظروف فيها، وقطع آخرون أماني الابداع وذلك لأنهم ظنوها داخلة في حديث: (... وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، مع أن البعد بين المنهي عنه فيه ومجال التجديد بعد المشرقين، فالحديث في الثوابت دون غيرها، والتجديد للمتغيرات ولا يتعرض للثوابت الا من حيث الأسلوب وهو من المتغيرات.
والشريعة حثت على التجديد باجمالها في بعض الجوانب لتترك المجال للعقل وللواقع، يقول الدكتور محمد عمارة: (لقد وقفت الشريعة الإسلامية عند التفصيل للأحكام مما هو ثابت وللتجديد لما هو متغير).
والتجديد بطمس معالم الباطل واجب مقدس، وهو فرض أيضاً في معالجة المتغيرات عندما تدعو الحاجة لتطبيقها، وبالنسبة للأساليب فإنها تختلف بتباين المقامات، فقد ترقى إلى الوجوب وقد تقتصر على ما دونه.
وركيزته الأساسية تكمن في العلم فبدونه يرتكس إلى الحضيض؛ فلذا أنعم الله على أنبيائه بسعة العلم والفهم لأن مجابهة تيار الجاهلية يقتضي التسلح بسلاح العلم فبه تتضاءل الشبه وتتبدد الظلمات فالله تعالى يقول على لسان نبي من أعظم المجددين مخاطباً أباه (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً) ويقول تعالى على لسان صفوة الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلّم معرباً عن مهمته ومهمة من سار على دربه من المجددين (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) فالبصيرة شرط أساسي لا تنفك الدعوة عنها.
وكل صور التجديد العلم شريانها الحي الذي ينبض مع تنوع في مراتبه فبه يجلو الصدأ عن مرآة الإسلام، وعن طريقه يمكن تطهير الدين من البدع، وان كانت محاربة المحدثات لا يشترط فيها الاجتهاد وربما ملكها الإنسان بقوة الصولجان (يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) إلا أن تصرفه لابد أن يكون مسبوقاً بتصور مستقى من ينابيع الدين الصافية بالعلم، على أنه في أحيان كثيرة إن لم تكن له قدم راسخة في المعارف زلت به القدم وأحكمت تصرفاته العواطف الرعناء فيتنكب عن مقصده بل يحيد عن الصراط السوي.
ولكثرة الشبه الذي يثار في وجه الحق يلتبس بالباطل في تصورات العوام، وهنا لا يمكن التجديد الحقيقي إلا عن طريق المجتهد لتعذر ادحاضها على من لم يرضع لبان الاصول، وان وقع حيناً فلا يخلو من نقص يشينه.
ومحاكمة القضايا الجديدة بالمنظار الشرعي وفق دليله لا يمكن ان يتصورها الانسان الا بالاجتهاد فهو الطريق الوحيد اليها، ومن سلك غير طريقه فلا يمكنه الوصول إلى الغاية المنشودة:
سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
إلا أن اعادة الطرح لا يشترط فيه الاجتهاد ان تعلق بالاسلوب وحده، وبه يكون جثة هامدة لا تنبض فيها حركة الحيوية المنشودة في التجديد وهو تجديد قشور لا تجديد لب، ولا يمكن بها مقارعة بقية الافكار التي تضخ معطيات فكرها بقوة.
والواقع التاريخي يرينا الارتباط وثيقاً بين الاجتهاد والتجديد فلا تكاد تجد متصفاً باحدى الصفتين الا وله قدر لا يستهان به من الأخرى على تباين في المراتب (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).
فالإمام الشاطبي يعد من كبار المجددين في المقاصد، وهو مجتهد في مجاله، وذلك ملموس من موسوعته (الموافقات)، وقد بين الريسوني ملامح التجديد التي نالها، والإمام الفرسطائي أخذ نصيبه كاملاً غير منقوص في مجاليه السياسي التربوي والعمراني، أبرز الأول بإنشائه لنظام العزابة وتأطيره له في إطار عقلاني يستطيع مواكبة العصور مع تبدل الظروف فيها، وهو يؤدي رسالته المرجوة، واستطاع هذا النظام الثبات لما يزيد على ألف سنة إلى الآن. والثاني ظهر من خلال كتابه القيم (القسمة وأصول الأراضين) إذ ربط الصور بأحكامها وبذلك يستفيد الدارس لفني العمران والفقه.
والتجديد كما يستلهم معطياته من النصوص فهو أيضاً يمتزج بالواقع؛ فلذا كان لزاماً على المجدد أن يستنير بسنن الله تعالى في الكون فالله تعالى يقول (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) ويقول جل شأنه (وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً) وهذه السنن تشمل القواعد الكونية في مختلف المجالات التي يحتاج اليها الانسان فتعم علوم الاجتماع والنفس والعلوم الفلكية، فلذا أبرز الله تعالى بعضها في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلّم وأوكل بعضها إلى عقول الناس حتى يستجلوها من واقعهم (ولكل مجتهد نصيب). فالله تعالى يقول (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) ويقول أيضاً جلَ شأنه (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْض) هذا لأجل عالمية الدين وشموله لمختلف مجالات الحياة. وفي هذه الآونة التي تمر فيها الأمة بظروف حرجة بعد أن نشبت الجاهلية فيها أظفارها؛ لابد أن نستفيد من السنن الكونية سنة الله في (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) وهذه السنة الالهية الثابتة بهذا النص الواضح عليها في الكتاب المبين يمكن لمقلب صفحات التاريخ أن يستجلي بعض مشاهدها الرائعة، بل يمكن أن يرى بعضها بأم عينيه في وقائع عصرنا، وما انهيار الاتحاد السوفيتي (حسب ما كان) منا ببعيد.
وهذه السنن تؤخذ من النصوص القاطعة ومن البرهان التجريبي القاطع، فاذا تضمنته القواطع فعلى المسلمين أن يسعوا لاكتشاف أسرارها حتى يبرهنوا على صحة ما فيها لينجلي للناس ما في وحي الله من إعجاز يشد المتأملين إليه، فيجتذبهم إلى اتباع الحق المبين، والعناية بهذه الجوانب تعد من ضروب التجديد.
أما إن استظهرت من الأدلة الظنية في دلالاتها أو في ثبوتها فانها تخضع للتجربة حتى يظهر لهم صحة تفسيرهم وفهمهم للظني في دلالته من عدمها، إذ قد يتبين لهم على خلاف تصورهم، وعند عدم المطابقة قد يكون برهاناً على الوضع أو الوهم في نسبته للمعصوم صلى الله عليه وسلّم للمخالفة الحاصلة إذ مخالفة الواقع تعد منه.

وعدم تصور الواقع يجعل المرء لا يتمكن من تحقيق المناط لأنه لا يعرف الجزئيات التي ينزل عليها الحكم الكلي، ولا يمكنه أن يقيس لعدم تمكنه من معرفة تحقق العلة في الفرع وبذلك ينهار بنيان التجديد والاجتهاد معاً.
وتحقيق المناط يتطلب إعادة النظر في الواقع وفي علل الشريعة ومراميها، إذ لم تبن أحكامها على الأسماء وانما نظرت إلى الحقائق وآثارها، وقد تبقى الاسماء مع تبدل مضامينها والعكس، فلذا لابد في زماننا من إدراك أدق للواقع لأن الحكم متوقف على تصوره، ومن العجيب ان بعض الباحثين حاولوا استنطاق كلام المتقدمين لتنزيله على أرض الواقع، مع أنهم ـ المتقدمين ـ لم يتصوروا شيئاً منه، وإن أمكن أن يعمه لفظاً، لان تلك الصورة لم يفطنوا لها، والصورة الشاذة لا تدخل في العموم على قول بعض الأصوليين في النصوص الشرعية، فكيف بكلام من لا يتصور الواقع أصلاً مع أن الحكم فرع عنه؟!.
والحقائق قد تخفى على غير العارف وتخدعه الظواهر خصوصاً عند حصول قضايا جديدة لم يتصورها، وادراك حقائقها يشكل نصف طريق معرفة حكمها وهو من اساسيات التجديد والاجتهاد فبدونه لا يمكن الحكم على الواقع.
ولا يقتصر اثر معرفة الواقع على تصوره ومحاكمته بمقتضى دلائل النصوص، بل له قدرة ـ كما قلنا في الكلام على بيان الأهمية ـ على توجيه الأدلة ـ الظنية ـ فتؤولها أو تؤكدها وهكذا، وعليه فالاجتهاد والتجديد لابد لهما من نظرة ثاقبة لما يدور حول الإنسان، وبذلك يتسنى للمجتهد المعاصر أن يضيف لبنة قوية في بناء التجديد.
كما أن الواقع ذاته يحدد المسائل المطروحة فهي تعكس ظروف المذاهب التي ناقشتها للتمازج الواضح بينها.
فالإباضية ناقشوا القضايا السياسية كمسالك الدين وغيرها وربما كان تعرضهم لها أكثر من غيرهم، وفي الوقت ذاته أطروا المباحث المتعلقة بالأفلاج في إطارها الشرعي وبينوا حريمها لأنها واقع لا يمكنهم إغفاله.
والحنفية أكثر المذاهب ـ من حيث العموم ـ مناقشة لبيوع الذرائع لأنها نشأت بين أظهرهم.
بل أحياناً تختلف المسائل المطروحة بين زمن وآخر فلذا نجد الشيعة الإمامية المتأخرين يناقشون ولاية الفقيه بينما لا نجد لها ذكراً عند متقدميهم.
والذي يؤسف حقاً أن الوقت الذي كان الغرب فيه يسعى جاهداً لاكتشاف أسرار الطبيعة بالغوص في أعماق البحار أو الصعود في طبقات الفضاء، باذلين كل ما في وسعهم، نجد حال ذوي الهمة من المسلمين ـ فما بالك بغيرهم ـ كما يصفهم شيخنا العلامة أبو إسحاق أطفيش رحمه الله بقوله: (ترى الشخص منهم يجهد نفسه ليلاً ونهاراً في درس مسائل الفتوى واللعان والظهار والسلم والشفعة والاجارات وما أشبه ذلك من مسائل الفروع التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها) مع أن البحث عما لا يقع ليس مطلوباً شرعاً ولا عقلاً فلا ينبغي السؤال عنه ولا البحث فيه.
والنظر لا يقتصر على العلوم المعاصرة بل يتعداها إلى كل علم فتاريخ ذالأمم والشعوب له دوره البارز في تحديد دلالات الاجتماع البشري، ويرينا العبر شاخصة للأبصار فلذا أكثر الله من ذكره في كتابه وقال (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
والمضامين التاريخية إن ثبتت تفسر لنا بعض النصوص المتعلقة بها كالسبب فتقوي دلالاتها على بعض الأفراد كالذي ورد لأجله العموم، ويقوي مفهوم المخالفة حيناً ويمنع من الاستدلال حيناً آخر مع بيانه للمجملات في بعض الآونة.
وذلك يعين على إدراك علل الأحكام ويبين مبررات سد الذرائع، مع أن بعض الدلالات التاريخية تشكك في بعض الأحاديث الظنية لمناقضتها للواقع، وكل ذلك من ركائز التجديد.
والاجتهاد أيضاً يعتبر شرطاً أساسياً لتنقيح المناط وتخريجه وهما من عجلاته الكبرى، فلا يسير بدونهما.
وفي تحقيقه قولان ـ اشتراط الاجتهاد فيه ـ والخلاف أقرب إلى اللفظ منه إلى المعنى، الا انه يشترط فيه تصور حكم المسألة تصوراً كاملاً بل يتطلب أحياناً إدراكاً دقيقاً يخفى على كثير من الناس لعدم انضباط القاعدة الكلية، فالمشقة التي تجلب التيسير غير محددة فلربما سوغت ترك القيام في الصلاة، وإذا وجدت ذاتها في الجهاد فلا يمكن أن تعتبر من مسقطات وجوبه.
والإكراه قد يكون رافعاً للتكليف أحياناً وهو ذاته مبهم يحتاج إلى بيان فقد يكون رافعاً لشخص دون آخر ولظرف دون غيره وهو وجه وجيه مال إليه بعض من الشافعية.
ولاختلاف تحقيق المناط تبدلت أجوبة النبي صلى الله عليه وسلّم كثيراً مع اتحاد السؤال.
وهذا أمر يتباين تبايناً شاسعاً بين زمن وآخر فلا يمكن ضبطه فلذا تركه الله لاجتهاد المطبقين للشريعة إن اعتبرناه منه.
والتجديد يكون أيضاً بإعادة المصطلحات التي غيبها الناس إلى مجاريها، وان كان في حقيقته رجوع إلى القديم، الا انه أجدى وانفع، وسبب تضييع المسلمين لمصطلحاتهم الجهل من ناحية، والغزو الفكري من ناحية أخرى، فبعد أن أصبحت الألفاظ الجديدة دارجة على الألسن من غير نكير لابد من إعادة الناس إلى المصطلح الشرعي، لأن تغيير الاسم يهضم الحقيقة شيئاً من حقها، وله بالغ الأثر في تصوير الشيء بغير صورته الواقعة، ومما ساد الآن تسمية الربا بالفوائد واطلاق المشروبات الروحية على الخمر وما شاكله والتعبير عن الزنا بالحب وتبديل اسم المجون بالفن، إلى غيرها من الالفاظ الكاذبة التي تتطلب يقظة وفهماً وعلماً لبيان زيفها بعدما عششت في اذهان بعض المسلمين.
والتجديد لا يمكن قصره على صاحبه إذ غايته إنقاذ الناس من الانزلاق إلى هوة الجاهلية، والله تعالى بين لنا غاية الرسوخ في العلم ـ وبه يحقق التجديد ـ عندما قال: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).
وعليه فترميم صياغة المناهج المطبقة يعتبر من آكد الواجبات بل وإضافة لبنات أخرى في القضايا التي لم يسبق طرحها، فالكتب التي تقرأ وأساليب التعليم التي يخرج بها النشء وطرق الدعوة والاذاعة والتلفاز والشبكة العالمية للمعلومات وغيرها كل ذلك يحتاج فيه الداعية إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ولئن كان كثير من أهل العلم في السابق جمعوا بينهما في عصرهم إلا أن صياغتهم لا تتعدى ظروفها الزمانية والمكانية للتبدل الكبير في ظروف العيش.
خصائص الطرح المنشود وحاجته إلى الاجتهاد:
الطرح المنشود ثمرة من ثمار التجديد والنهاية الأولى التي يصبو إليها، وحتى ينال المركز اللائق لابد أن يتصف بما يلي من الشروط:
1ـ صحة المادة وهي عندنا أروع ما تكون لأنها مستقاة من كتاب رب العالمين ومن هدي صفوة المرسلين صلى الله عليه وسلّم ، والله تعالى عالم بنظام الكون وبما يحتاج اليه لاصلاحه وخبير بخفايا الطبع الانساني وبمطالبه النفسية والجسمية والعقلية والعاطفية وهو فاطر الضمير والوجدان، فأولى جميع هذه المطالب كريم عنايته، ووجهها نحو الوجهة المرضية حتى لا تحيد عن الصراط السوي (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) وذلك يبرهن بوضوح التوازن والوسطية والواقعية أيضاً في التصور الإسلامي.
وجميع المبادئ الاخرى لم تتمكن من المواءمة بين هذه الامور فغلبت جانباً على آخر، بل ربما بالغت فألغت بعضاً منها وذلك واضح في رهبانية النصارى، إذ حرمت الجسم والعاطفة حقهما، وهو جلي أيضاً في تيارات المادية المعاصرة التي همشت جانب الروح.
وصحة المادة تتطلب علماً بالتصور الإسلامي، الا انه قد ينال بغير بلوغ منزلة الاجتهاد وبه يكتمل بهاء الصورة.
2ـ العموم والشمول، الإسلام دين عالمي ابدي، من أبرز خصائصه شموليته بحيث يتناول جميع القضايا ويحاكمها بمنهجه ويميز بين حقها وباطلها، ويبين المحق من المبطل ممن يتلبسون بها، ولا ينحصر في طقوس تقام في المساجد أو شعائر تؤدى في شعاب مكة، بل يشمل حتى قضاء المسلم حاجته ومباشرته أهله ومأكله ومشربه وملبسه وجميع متطلبات حياته وعلاقته بخالقه وببني جنسه وسائر الكون وجميع معاملاته وتصرفاته (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهذا راجع إلى شمولية شريعة الاسلام.
وهي بذلك تباين الأفكار التي ترضى بالاقتصار على جانب دون آخر لأن مقاييسها قصيرة المدى في العمر الزمني وفي الحدود المكانية، بل وفي الشخصيات فلذا لا تصلح لعموم الأزمنة والأمكنة، حتى اصبحت شعاراتها تنم عن عدم عنايتها ببعض الجوانب كقول العلمانيين (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر)، وشعار الآخرين (الدين أفيون الشعوب) فلا علاقة إلا بالمادة.
وبعموم الطرح يمكن التخلص من أثر التيارات الأخرى وبه تجتث المشكلة من جذورها، وإن لم يعم الطرح انجرف الناس إلى هوة العلمانية فيبتعدوا عن معطيات دينهم، اذ كل فصل للدين عن شؤون الحياة يعتبر ضرباً من ضروب العلمنة يجب التخلص منه كابعاد الشؤون الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الطبية أو الاخلاقية.
وليس قولهم بأن العلمانية (فصل الدين عن الدولة) يعني عما يتعلق بسياستها فقط، بل يعم كل عزل له عن الحياة وشؤونها، وإلا لم يسغ إطلاقه إلا على ساسة الأمر، وان بقي المسلمون على اجترار اطروحات الماضي العلمية والعملية لم يمكنهم تطبيقها في ارض الواقع، ولم يوجدوا البديل عن الرأسمالية والاشتراكية، ولم يمكنهم ايضاً كشف زيف هذه التيارات، فابراز تصورات الاسلام في هذا المجال هي وظيفة المجدد المجتهد دون سواه.
3ـ اسلوب الطرح الجذاب، لان القليل هم الذين يدركون اللب، والغالبية يقتصر نظرهم على القشور، فتبهرهم عناصر الآثار ـ إن اتصف بها ـ، كان اتباع هذا الاسلوب ضرورياً لابلاغ صوت الحق إلى الخلق امتثالاً لامره تعالى العالم بخبايا النفوس في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن) وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلّم ذلك فقد كانت تطبيقاته نبراساً يحتذي به الناس، والتجديد في الاسلوب ضروري لاختلافه بتباين الزمان والمكان.
وهذا لا يختص بالمجتهد فيما تداول طرحه، اما ما لم يسبق طرحه فالاجتهاد شرطه الاساسي.
وعندما يجمع الطرح بين قوة التصور للدليل والواقع مع جزالة الاسلوب يؤتي ثماره اليانعة، لذا حقق المودودي ما صبا إليه عندما ألقى محاضرة عن كيفية تطبيق الشريعة في باكستان فأيده أغلب القانونيين لقوة حجته وروعة أسلوبه.
4ـ قوة الصوت الذي يمكنه بلوغ الاصقاع النائية باستخدام شتى الوسائل فلا يمكن ان تقتصر دعوة المسلمين على السماع المباشر من لسان الداعية، أو يبقى على قراءة الكتب التي تخطها اقلام اهل العلم، بينما فكر خصومهم يبث عبر وسائل الاعلام المتنوعة، وفي الشبكة العالمية للمعلومات التي تقلب العدو صديقاً لقوة تأثيرها، ولا يستساغ أن تجمد مدارس المسلمين وفق الانماط القديمة فقط، ومدارس أعدائهم تخرج آلاف العلماء في مختلف المجالات، وفق المنهج التجريبي الاستقرائي المتجدد.
5ـ إدراك الاولويات وهو أمر ضروري للتجديد، فلابد أن يكون من أولوياته، لان من لا يدركها يترك الأهم لما هو دونه، فبذلك لا يحسن التدرج في سلم الاولويات ويقفز على أمر لا يتمكن تحقيقه، وهذا يبرز في أمرين:
ـ الأول: ان بعض أهل العلم يرون بعض الآراء لأدلة ارتأوها فيسارعون إلى اظهارها فيصطدمون بالمجتمع الذي الف نمطاً آخر من الآراء فيقع التباين بين الفقيه ومجتمعه، فلا يتمكن من تحقيق مبتغاه من الارتفاع بمجتمعه إلى السمو الذي تشرئب اليه عنقه، وليس معنى ذلك ان يركن الفقيه لواقع مجتمعه، وانما يراعي الاولويات، فان كان الأولى كتمان المسألة امتنع من اظهارها، والا ابرزها بأسلوب مناسب.
ـ الثاني: ان بعض الدعاة يعالجون قضايا تعتبر في نهاية الاولويات، فيشتغلون عن الأهم بما دونه، مع أن التدرج فيها أمر مهم عقلاً معتبر شرعاً في بعض الصور. وعليه فعلاج واقع الناس أهم من الاشتغال بالافتراضات، وما كانت الحاجة اليه ادعى فهو اولى.
6ـ التطبيق الواقعي حتى لا يقع التنافي بين القول والعمل فالله تعالى يقول محذراً المؤمنين من مغبة ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ).
ووجود التطبيق الواقعي يؤكد واقعية الدين من ناحية، ومن ناحية أخرى فهو يسهل الاقتداء لوجود النموذج الواضح امام المقتدي ـ وهي من غايات قصص القرآن والسنة ـ ودعوة المسلمين قبل ان تكون بأقوالهم تكون بأعمالهم واخلاقهم فبسببها دخل كثير من الناس في دين الله أفواجاً.
والإسلام لم يكتف بمحاكمة القضايا فقط، بل أوجد البدائل التي تخلص الناس من المحن التي ربما واجهوها، فالنبي صلى الله عليه وسلّم كثيراً ما يبين هذه البدائل حتى في العبادات، فأرشد المسلمين إلى عيدي الفطر والاضحى بدل أعياد المشركين، وانشأ للمسلمين سوقاً تخصهم حتى يستغنوا عن معاملة اليهود، ولضعف الطرح الإسلامي في هذه الآونة جاءت البدائل متأخرة، ولربما أخذت من غير المسلمين وذلك لقلة الفقهاء الجامعين بين براعة التحقيق وثاقب النظر، فالبنوك الربوية التي سلبت المسلمين شطر أموالهم لم يستطع المسلمون إيجاد نظام يحل محلها، الا بعض المحاولات التي لم تكتمل بعد كالبنوك الاسلامية والجمعيات التعاونية، ولعلها إلى الآن ـ فيما أحسب ـ لم تؤطر في إطارها الشرعي من جميع جوانبها.
والقوانين الوضعية لم تستبدل بقوانين إسلامية في المحاكم الا ما يتعلق بالأسرة وأحياناً بالقضايا المدنية، ولم تعالج إلى الآن القضايا الجنائية وفق النظام الاسلامي، فلابد من النظر فيها بعين الاعتبار مع مراعاة النواحي الاجتماعية والدراسات النفسية والنظم الاقتصادية حتى ينزل النص الشرعي عليها، وبذلك تقطع أعذار المحاولين للتهرب من قبضة النصوص.
وان كانت غاية التجديد تكمن في صياغة الناس العقلية والنفسية والدينية لتوافق هدي الكتاب والسنة، وذلك يعتمد على ركيزتي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فانه يتأكد في المسائل القطعية، اذ ينبغي جعلها نصب عيني الداعية، اما في القضايا التي يسع فيها الخلاف فليس الامر فيها كسابقتها، اذ التباين بين الأمرين اعظم من الفارق بين السماء والارض، فالمخالف في الظنيات متعلق بما يسوغ له شرعاً بخلاف القطعيات.
فزمان يأكل فيه جماهير الناس الربا جهاراً ويقع الكثير منهم في الزنا ايشتغل عاقل فيه بتعنيف القائلين بحرمة أكل لحوم الخيول أو إباحتها، أو بلمز من يبيح الشرب قياماً أو يمنعه؟!.
والتجديد لا بد ان يطرق هذه الساحة، بل حقيقته الكبرى تكاد تكون مقتصرة عليها، اذ التجديد في القواطع مقتصر على الاسلوب دون سواه، الا ان التوجيه لا ينفك عن الحكمة والموعظة الحسنة حتى يستقي الجميع من غيث التجديد ـ مع مراعاة الأولويات ـ، خصوصاً عندما يتوفر شرط مما يلي:
أ ـ أن يدعمه دليل قوي نصي أو مصلحي وان لم يرق إلى درجة القطع.
ب ـ ان يسبب تركه فتنة عظيمة فهنا يؤمر به لا لأجل العمل بالراجح فحسب، بل دفعاً للمفسدة والفتنة وذلك في الأمور العامة كالشروط المتعلقة بصلاة الجمعة ونحوها.
ج ـ ان يترك الناس العمل به استخفافاً بالدين واعراضاً عن الدليل، فهنا لابد من النصح لوقوع هؤلاء في الاعراض عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلّم .
وعليه فالتجديد لا يهدف إلى طمس جهود الآخرين، لذا مال بعض الفقهاء والاصوليين إلى اعتبار الخلاف في المسائل الظنية فيبني على قول مخالفيه القائلين بالصحة لدفع مفسدة أو جلب مصلحة أعظم من العمل بالراجح.
والظاهر أن ثمة خلافاً بين الإباضية في مراعاته فاعتبره بعضهم كأبي علي موسى بن علي كما في قوله في مسألة النكاح بدون ولي، والظاهر من كلام نور الدين عدم اعتباره في قوله:
وإن حكمت فاقصدن الأعدلا.
والغاؤه يجني على المخالف في الرأي مع أنه مستمسك بما أداه اليه اجتهاده أو اجتهاد من يقلده فهو مأجور على متابعة الشرع في تصوره، خصوصاً عند انتشار قوله وعمل جماهير الناس به، ويتأكد ذلك أكثر في المسائل التي تترتب عليه مفسدة، عندئذ يسبب ترك اعتباره اضراراً بالغاً ويلحق مسائل الرأي بالدين والظنيات بالقطعيات.
ويسوغ الغاؤه ان كان العامل به لا يتبع ذلك المذهب الا ليتكئ عليه في تحقيق مصلحة يهفو اليها قلبه مخالفة لهواه وقطعاً لحبال التلاعب.
ويحتمل الالغاء وعدمه إن كان الدليل يكاد يكون صريحاً في الالغاء كالنص على البطلان ونحوه فهنا يمعن المجتهد النظر لأن الموضع شائك.
التجديد وتحقيقه للاجتهاد:
إن سلك التجديد منهجه الصحيح فهو سلم للصعود إلى منازل الاجتهاد العالية، فكل واحد منهما طريق إلى الآخر ـ وليس الدور الذي بينهما ممنوعاً لأن المتقدم منهما يؤثر في المتأخر ـ وذلك عند اتصافه بما يلي:
1ـ صياغة مناهج التعليم والتأليف حتى تجمع بين النظرية والتطبيق في كل العلوم سيما الأصول فتربط بالفروع بضرب الأمثلة لتجلو صور مسائله، اذ يتمكن الطالب من التطبيق عند وجود مثال يدرك من خلاله حقيقة المسألة، والمزج بينهما ـ النظرية والتطبيق ـ يعتبر من أهم مقاصد التجديد ومن ابرز شروط المجتهد، مع التمييز بين جانبي التسليم والمناقشة حتى لا يخلط بينهما في تطبيقه، كما يمكن تجاوز بعض المسائل التي لا تمت للواقع برباط فيستغنى عنها بما هو أهم منها.
2ـ فتح باب الاجتهاد وان كان في حقيقته رجوعاً إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة حين وردوا من المعين الصافي.
3ـ إعادة النظر في بعض شروط الاجتهاد التي يمكن اعتبارها تعجيزية تحول دون بلوغ رتبته، ومن ذلك ما نسب إلى الامام احمد قال محمد بن عبدالله بن المنادي: سمعت رجلاً يسأل احمد، إذا حفظ الرجل مائة الف حديث يكون فقيهاً، قال: لا قال: فمائتي الف. قال: لا قال: فثلاثمائة. قال: لا. قال: فأربعمائة قال: بيده هكذا وحرك يده، أي يكون ضابطاً لها تمام الضبط، وهو كلام فيه من التشديد ما لا يخفى فأغلب صحابة النبي صلى الله عليه وسلّم ومن جاء بعدهم من فطاحل المجتهدين لا يحفظون هذا المقدار، والاجتهاد أحوج إلى منهجية التعامل مع الدليل، فهي الآلة التي تسهل له تحقيق مراده من فهم النص وادراك فحواه، وحاجته إلى كثرة الحفظ دون ذلك.
ويقارب هذا الشرط في صعوبة التطبيق شرط بعضهم ان يكون بالغاً في العربية درجة الاجتهاد، بل يوازي مستوى الخليل وسيبويه وأضرابهما، وقد فنّد آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين بعض الشروط المدعاة في ذلك ، وهناك شروط أخرى قابلة للنقاش ينبغي النظر فيها.
4ـ استغلال جميع الطاقات كل في مجال تخصصه، وتسخير الوسائل المتاحة كوسائل البث الإعلامية والشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت)، إذ قد تعين على الاستقراء.
5ـ قيام هيئات تسعى لتشخيص الواقع بأمراضه لتقريب الصورة للفقيه حتى يتمكن من استمطار النصوص العلاج الناجع لها.
الخلاصة:
بعد النظرة السريعة للاجتهاد وعلاقته بالتجديد نجمل أهم ما توصلنا إليه من نتائج:
1ـ للاجتهاد أهميته القصوى، وهو فرض كفائي، ويتعين على القادر إن أراد العمل، خصوصاً في عصرنا للتغيير الجذري في كثير من القضايا.
2ـ الاجتهاد يعم ما بحثه السابقون، ويتأكد فيما لم تطله بحوثهم.
3ـ حقيقة الاجتهاد تكون بالتوسط بين جناحي الافراط والتفريط فلا يطول القواطع، وذلك يقتضي التمييز بين المسائل الظنية والقطعية حتى لا يقع المجتهد فيما لا تحمد عقباه فيجتهد في القواطع أو يمنعه في الظنيات.
4ـ أن يقتصر على أهل العلم دون ادعيائه.
5ـ الاجتهاد وان لم يكن سهلاً الا انه ليس من الصعوبة بحيث يكون بلوغه ضرباً من المستحيلات.
6ـ رجوع الاجتهاد يعيد الثقة للعقلية الاسلامية ويفتح أمامها الآفاق للابداع والتجديد.
7ـ الاجتهاد ركن التجديد الأساسي وبهما تعاد للأمة بشاشتها.
8ـ التجديد يكون بمعرفة الثابت والمتغير وتنزيل أولهما على ثانيهما مع مراعاة الأحوال فيه.
9ـ ادراك العلوم المعاصرة يسرع بعجلة التجديد إلى الأمام ويعتبر من الأمور الضرورية فيه.
10ـ الطرح الإسلامي بحاجة إلى اسلوب جديد يجذب الناس من هوة الفساد إلى هضاب الصلاح.
11ـ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعدى خير التجديد للعالمين.
12ـ التجديد الصحيح يذلل العقبات في طريق الاجتهاد والابداع.
التوصيات:
بناءً على ما سبق نوصي بما يلي:
1ـ إنشاء مؤسسات بحثية تخصصية في مختلف المعارف الإنسانية المختلفة تهدف إلى إبراز الصورة الصحيحة للقضايا المعاصرة بل والقديمة أيضاً حتى يتسنى للفقيه أن يرسل إليهم بأسئلته فيوافوه بجوابها بالعرض الواضح فيبني عليه حكمه، لأن الحكم فرع عن التصور.
2ـ العناية القصوى بالبحث العلمي الجامع بين الدليل والواقع ليشمل كافة مناحي الحياة وجعله من اولويات المرحلة القادمة لتخريج أجيال من العلماء.
3ـ توسيع نطاق الندوات الفقهية التي تتناول الاشكالات الطبية والاجتماعية والاقتصادية، ومزج الفقهاء فيها بأصحاب التخصصات الاخرى.
4ـ تقوية المناهج التعليمية في مختلف المجالات ومع كل المستويات في التجديد الصحيح حتى ترتقي ثقافة الطالب بذلك.
5ـ دراسة مقاصد الشريعة دراسة معمقة لحاجة الاجتهاد اليها، ومع إهمالها يتسنم صهوة أمرها من يتلاعب بالنصوص لأجلها ـ حسب زعمهم ـ مع دراسة الأصول التطبيقية التي ترقى بالعارف إلى أسمى درجات التحقيق.
6ـ استغلال جميع منابر الدعوة لبيان الطرح الإسلامي ليعالج الناس من أوهام التيارات الأخرى ويكون متصفاً بالسهولة والجذب والشمولية ليحقق الغاية المرجوة.

بحث مقدم للمؤتمر الدولي الخامس عشر للوحدة الإسلامية للتقريب بين المذاهب
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي

أعلى





الشيخ عبدالله الكندي في حديث الذكريات:
* النهضة العمانية الحديثة أسهمت بالكثير في تحقيق وطباعة المخطوطات العمانية
* على الشباب الأخذ بتعاليم الله تعالي والتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم

حوار ـ خالد بن عبدالله الخروصي: الحديث عن التعليم في السلطنة حديث شيق وله تاريخ طويل وما هذا التراث الهائل الذي تزخر به المكتبة العمانية اليوم من الدراسات والمؤلفات إلا دليل على إسهام الحضارة العمانية العريقة في الحضارة الإسلامية الواسعة، وكان لنا هذا الحوار حول هذا الموضوع مع الشيخ عبدالله بن سيف بن محمد الكندي وهو علم من أعلام التربية والتعليم في السلطنة، كيف لا وقد قضى ما يقارب 47 سنة متنقلا بين المدرسة السعيدية ووزارة التربية والتعليم بين التدريس والتوجيه وكانت من نتاج ذلك دراساته ومؤلفاته التي طبعت مثل كتاب (التحديث في علوم الحديث) وهو عبارة عن ارجوزة تزيد عدد ابياتها عن 4.500 بيت في علوم الحديث الشريف، وكتاب (عقود العقيان في ذكر شي من مباحث القرآن) وهو عبارة عن مجلد ضخم وكتاب (سبيل الرشاد) وغيرها من الدراسات في فنون العلم الشرعي) فمع هذا الحديث الممتع الذي يحكي لنا ماضي التعليم في عُمان.
* متى كانت البدايات في رحلتك في طلب العلم ؟
** في الحقيقة أنا ولدت في ولاية نزوى وكنت أتربى عند جدي وعند أخوالي ألا إنه كان هناك الشيخ سعود بن سليمان الكندي أبقاه الله لا يزال حيا، والشيخ سليمان بن سالم الكندي رحمه الله توفي حينما كان هو علم من أعلام العلم في زمنه، وكان قد وكله الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله أن يكون خطيب الجمعة، ثم جعله قاضيا على سمائل، والحقيقة أني درست على يد الشيخ سعود الكندي، ولكن تعلمت أكثر ولازمت الشيخ سليمان بن سالم الكندي لأنه كان مفرغا لتدريس النحو وفنون العلم في ولاية نزوى، ثم بعد ذلك تتلمذت على يد الشيخ سليمان بن علي الكندي القاضي المعروف وتعلمت على يديه القرآن الكريم والخط وملحة الإعراب والألفية في النحو وهو بحق شيخي الأول وجلست معه ملازما له، وأخذت عنه علم المعاني والبيان والبديع، ولكني أخذت علم المعاني والبديع بشكل أعمق عند الشيخ سالم بن حمود السيابي عندما كان واليا في ولاية نخل وقد لازمته. بعد ذلك انتقلت إلى مسقط للعمل والتدريس في المدرسة السعيدية، وهناك حللت محل الشيخ عبدالرحيم بن سيف الخروصي، المعلم بالمدرسة السعيدية وهناك لازمت الشيخ هاشم بن عيسى الطيواني الذي كان قاضيا وكان يسكن بجواري ودرست عنده أيضا من فنون الفقه ما درست، ثم قرأت عنده جوهر النظام لأن هذا الشيخ كان يحفظه عن ظهر قلب، ولازمت فيما بعد سماحة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المفتي العام للسلطنة السابق وبقيت مستمرا عنده، لأن الشيخ هاشم الطيواني والشيخ إبراهيم العبري كانا متلازمين، وأنا كان لي الشرف أن أكون معهما وأن أستفيد منهما والشيخ إبراهيم معروف عنه أنه واسع العلم، وذو علم كثير، وكنت أذهب معهما حتى خارج مسقط، فكنت أسألهما بمسائل وهم يجيبون بكل لطف جزاهم الله عني كل خير فهؤلاء هم من درست على أيديهم وتتلمذت.
* لو تحدثنا عن المدرسة السعيدية بمسقط قبل النهضة ؟
** أول ما تعينت في هذه المدرسة كانت غريبة علي بالنسبة إلى أنظمتها، لأنا كنا قد تعودنا على الدراسة السابقة، وعلى الكتاتيب، لكن في المدرسة السعيدية تغير النظام، وأخذت أدرس مادة التربية الإسلامية وأعطوني لكل صف رؤوس الأقلام، وأخذت بعض المعلومات، والمذكرات من الشيخ عبدالرحيم الخروصي، التي كتبها، واستفدت منها، ثم كتبت مذكرات خاصة لكل صف بقدر ما يحتاج إليه، وبقدر مستويات الفئة المستهدفة، ثم جمعت تلك المذكرات على شكل كتاب أسميتها (هداية الشباب).
والمدرسة السعيدية في ذلك الوقت كانت لا تزيد على (300) طالب، وبعد عهد النهضة توسعت المدرسة إلى المرحلة الإعدادية بعدما كانت تقتصر على المرحلة الابتدائية، وبعد فتح المرحلة الاعدادية استدعى الأمر بي أن اكتب مذكرات تعليمية جديدة خاصة للمرحلة الإعدادية وتكون مترابطة مع المرحلة الابتدائية، وعرضت هذه المذكرات على الشيخين إبراهيم بن سعيد العبري، وسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة اليوم واقرا هذه المذكرات، ثم درستها للطلاب، وبقيت أدرس في ذلك الوقت من تلك المذكرات، ثم جاءت الدولة وأقرت المنهج القطري، ثم بعد ذلك انتقلت مدرسا بمدرسة الخليل بن شاذان في ولاية نخل وعملت سنتين، وبعد ذلك انتقلت إلى إدارة التعليم لمنطقة الباطنة وكنت أزور المدارس في هذه المنطقة بمفردي بحيث لم يكن في التوجيه في نفس المادة غيري بجنوب الباطنة، ولكن والحمد لله، ومرت السنون، وأنا في التوجيه، إلى أن تقاعدت من الوزارة السنة قبل الماضية.
* لو تحدثنا عن التعليم بين الأمس واليوم وخصوصا في المدرسة السعيدية ؟
** التعليم في السابق يختلف عن التعليم اليوم، كان التعليم في المدرسة السعيدية قبل عصر النهضة، يقتصر على المرحلة الإبتدائية، وكان التعليم قويا جدا حتى تكاد لا تميز المرحلة الإبتدائية عن المرحلة الإعدادية، وكنت راضيا عن المذكرات التي أدرسها، وكان الطلبة يحفظون الدروس عن ظهر قلب وكانت الاختبارات شهرية، وهكذا الحال في باقي المواد ففي مادة اللغة العربية كانوا إضافة إلى الدراسة كانت تعقد اجتماعات أدبية، يجتمع الطلاب والمدرسون ويطبق فيها ما تعلموه في تلك المدرسة على الجمهور فالطالب يتلو القرآن الكريم والشعر والخطب الفصيحة وغير ذلك كتطبيق عملي لما تعلموه، وكانت هذه الاجتماعات مستمرة، لكن لعل التعليم اليوم يختلف بحيث ازدادت المعارف، وتوسعت المواد وأضيفت أخرى.
* في ظل الحرب المعلنة اليوم من عدد كثير من الكتاب ووسائل الإعلام عن السنة المباركة، هل لك أن تحدث القارئ الكريم حول منزلة السنة المباركة في التشريع الإسلامي ؟
لاشك أن السنة المباركة الصحيحة هي الأساس الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، والسنة لها ميزتها وقيمتها، وجاءت السنة مبينة لكتاب الله تعالى، وجاءت شارحة في أحيان أخرى، وفي مواقع تكون ناسخة لكتاب الله تعالى، ويأخذ الإنسان شريعته من هذه السنة المطهرة التي وردت على لسان رسول الله صلى الله وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية أو غير ذلك.
* نرى اليوم إن المكتبة العمانية زاخرة بكثير من المؤلفات في شتى صنوف العلم والمعارف، كيف ترى إسهام القلم العماني اليوم في الحضارة الإسلامية ؟
** عسى أن تكون هذه المؤلفات مستمرة، الحقيقة أن النهضة الحديثة في عُمان قد أسهمت بالكثير من حيث طباعة الكتب وتعيين وزارة للتراث، واهتمت هذه الوزارة في تحقيق وطباعة المخطوطات والمؤلفات العمانية وإخرجها للوجود لتستفيد ولتسهم في تراث الحضارة الإسلامية، ومنها ما يعتبر من أمهات الكتب مثل المصنف وقاموس الشريعة، والمنهج وبيان الشرع الذي يصل إلى أكثر من تسعين مجلدا، نعم كانت الكتب موجودة في الماضي ولكن الناس كانوا يعتمدون على أيديهم بالنسبة إلى نسج الكتب عن طريق كتابتها، واليوم والحمد لله أصبحت الكتب والمراجع متوفرة في الأسواق والمعارض، ولا شك أن للوزارة إسهاما كبيرا في إخراج تلك الكتب إلى الساحة العمانية وحتى العربية والإسلامية، والحمد لله نتمنى ظهور مالم يظهر، نسأل الله قوة الإسلام وقوة العلم.
* ما هي نظرتك للوحدة الإسلامية وإمكانية وحدة الفكر والتقارب بين أفراد ومجتمعات الأمة الإسلامية ؟
وما ذلك على الله بعزيز، إذا كان الله سبحانه منح الأمة بأسرها في وقت عصيب، وفي وقت ظهر فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) وكل شيء يصارعه وكل شيء وقف ضده، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) شيئا فشيئا أظهر الله على يديه الإسلام وظهرت الوحدة الإسلامية في عصره، وفي ذلك الوقت الذي لم يكن الناس يتوقعون أن يخرج هذا الدين الجديد، وكانت الجاهلية ضارية بإردانها، ما تركت شيئا من القبائح وما هو ضد الملة الإسلامية إلا عملته، ولكن فوق هذا إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه فظهرت الوحدة بعد الهجرة المباركة، لأن الهجرة هي بداية للوحدة الإسلامية، لأن الرسول الكريم عليه السلام هو المعلم الاول لنا وأعطانا النموذج من خلال عملية الوحدة بين الأنصار (الأوس والخزرج)، ومن ثم المهاجرين والأنصار، واستمرت هذه الوحدة والاتحاد، ونسأل الله سبحانه أن يثبت الأمة الإسلامية أن تعود إلى الوحدة رفعة للأمة وقوة للإسلام وحتى يستطيعوا أن يستعيدوا ما فات في جميع النواحي، أما بشأن اختلاف المذاهب فنسأل الله أن يكون هناك تقارب فيما يمكن أن يكون فيه تقارب، ونسأل الله أن يرجع إلى الأمة الإسلامية قوتها بعدما كانت تحكم البر والبحر والشمال والجنوب، وطبعا لا يمكن أن تمكن أن تكون هذه القوة إلا بعد الرجوع إلى كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة الثابته عن النبي عليه الصلاة والسلام.
* بمناسبة دخول عام 1425هـ على الأمة الإسلامية هل لك أن تنصح شباب المسلمين بمافيه نفعهم ؟
** هذه الهجرة جزء أكبر بالنسبة لحياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ففي المرحلة الأولى من ولادة الرسول عليه السلام رباه الله تعالى إلى أن وصل إلى سن الأربعين ثم ربى رسولنا الكريم الصحابة بعد البعثة إلى الهجرة رباهم على العقيدة ليتعلموا هذا الدين وهذه التعاليم ليطبقوها وليدافعوا عنها، ثم بعد ذلك جاء دور الهجرة دور الثمرة، فظهرت في هذه الهجرة معجزات شتى، وبعد الهجرة ما قعد الرسول (عليه أفضل الصلاة والتسليم) ليستجم أو ليستريح، وإنما تعب في تبليغ هذا الدين وهذه الشريعة الغراء، وكان يلتقي بأصحابه مرة يعلمهم ومرة يربيهم، وأخرى يحاربون معه في سبيل اعلاء كلمة الله تعالى كل ذلك حدث بعد الهجرة، علمتنا الهجرة المؤاخاة والدروس الحربية حتى إنه كان يقال ما كان الناس يعرفون القتال الصفي حتى علمهم رسولنا الكريم، والهجرة إلى المدينة هجرة إلى دار إيمان ولذلك كانت هناك عهود ومواثيق، وتطبيق فعلي لأوامر الإسلام، وعلى كل حال ننصح شباب الإسلام بالأخذ بتعاليم الله تعالى والتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بالأخلاق:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وعلى المعلم قبل الطالب أن يكون قدوة، وأن يكون جسمه وكيانه يراهما الطالب قدوة له في جميع النواحي، فإذا ذهب الطالب إلى شيخ من شيوخ العلم وجده قد سبقه أو يأخذه معه وكذلك الدور على المعلمة ان تكون قدوة لطالباتها، والطالب كذلك يجب ان يتعاون مع المعلم ويستمد الروح من هذا المعلم.

أعلى





هدم المسجد الأقصى هدف المتطرفين الإسرائيليين
اليهود المتطرفون حطموا أعمدة أثرية في ساحة المسجد الأقصى
علماء الدين بمصر : إنقاذ المسجد الأقصى واجب على كل المسلمين في أرجاء المعمورة
تقديم العون للفلسطينيين سواء ماديا ومعنويا جهاد في سبيل الله
على أمتنا العربية والاسلامية الاتحاد واتخاذ مواقف أكثر فاعلية

القاهرة ـ من عزت دنيا: في إسرائيل 120 جماعة متطرفة منها 25 جماعة هدفها الوحيد هدم المسجد الأقصى، وأشهرها جماعة رابطة القدس. وتخصص الحكومة الاسرائيلية 1% من الناتج القومي الاسرائيلي لإعادة بناء الهيكل المزعوم، اعتمادا على نصوص توراتية محرفة منهم.وبعد تصاعد العدوان الصهيوني على المسجد الأقصى في الفترة الأخيرة خاصة قدوم جماعة يهودية متطرفة على هدم بعض الاعمدة الاثرية به وهو قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين، وبات العدوان الاسرائيلى على الفلسطينيين مادة دسمة لجميع الوكالات العالمية... نطرح هذا التساؤل الذي أصبح ملحا ما واجب المسلمين لتدعيم الفلسطينيين وردع الإجرام اليهودي .. ؟
بادئ ذي بدء يقول الشيخ فكرى إسماعيل وكيل وزارة الأوقاف المصرية السابق وأحد علماء الأزهر: إن مقاطعة كل ما هو منسوب لإسرائيل والدول التي تساعدها وتساندها في غيها وطغيانها سواء اقتصاديا أو سياسيا أ صبحت واجبة على كل مسلم، فالجهاد في سبيل الله قد يكون بالنفس أو بالمال أو بالكلمة ودحض مفتريات العدو، وأضعف سبل الجهاد هو التأييد القلبى والشعور بمأساة إخواننا في فلسطين ورفض العدوان بصفة خاصة أن يدعوا الجمعيات والمنظمات أيا كان نوعها لابرا ز حقوق الشعب العربي في فلسطين.
صراع ديني
ويضيف الشيخ فكري إسماعيل: إن الصراع بين إسرائيل والعرب صراع ديني في المقام الأول لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما خلا يهودي بمسلم إلا وحدث نفسه بقتله " وحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام يؤكده الواقع المؤلم حاليا في فلسطين وحول المسجد الأقصى بالبقاع التي باركها المولى عز وجل، وكذلك شأن اليهود على مر العصور والأزمان، حتى إنهم لم يتورعوا عن تدنيس المسجد الأقصى الذي يزعمون أن لهم حقوقا مقدسة حوله، و ما يسمى بهيكل سليمان آخر مزاعمهم، وكل ما يفعله الإسرائيليون بأرض المحشر والمنشر التي حثنا رسول الله على زيارتها والدفاع عنها يتطلب من الأمة الإسلامية أفرادا وجماعات أن يعدو لهذا العدو البغيض كل ما استطاعوا من قوة وسبل للردع وتطهير المسجد الأقصى من رجسه .
سند تاريخي
ويؤكد الشيخ فكري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إماما للأنبياء في رحلة الاسراء والمعراج وصلوا جميعا عليهم الصلاة والسلام خلف سيدنا محمد بمن فيهم سليمان ويعقوب ويوسف وداود. وإمامة الرسول للأنبياء دليل على تسلمه قيادة البشرية، ووضع هذه البقاع المقدسة تحت قيادة الأمة الإسلامية، ولو رجعنا لكتب السنة لوجدنا أن الحائط الذي يسمونه كذبا حائط المبكى هو الحلقة التي ربط فيها الأمين جبريل البراق الذي ركبه رسول الله من مكة والى بيت المقدس. وقد ورد ان النبي سئل من أحد الصحابة: (إن ابتلينا بالبناء بعدك يا رسول الله فأين تأمرنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: عليك ببيت المقدس، فلعل أن تنشأ لك ذرية تغدو وتروح للمسجد)... كل هذا يوجب على المسلمين أن يبذلوا أرواحهم وأموالهم وكل إمكانياتهم لتحرير المسجد الأقصى وفلسطين.
مقاطعة واجبة
أما الدكتور مصطفى الشكعة أستاذ الحضارة والمفكر الاسلامى بجامعة عين شمس فيرى أن المقاطعة الاقتصادية لكل المنتجات الاسرائيلية والدول التي تساعدها واجبة على كل المسلمين مهما كانت التضحيات على بعض العاملين منا في توزيع تلك المنتجات... فتحرير المسجد الأقصى هدف عظيم لا يجوز أن نضن عليه بأي تضحيات خاصة أن إخواننا في فلسطين يبذلون الدماء والأرواح من أجله كل لحظة.ويضيف الدكتور الشكعة أن الحكام العرب والمسلمين على وجه العموم مطالبون بتوحيد الصف لمواجهة الصلف والعدوان الاسرائيلى وتحرير المسجد الأقصى ، فهم مسئولون أمام الله عن تحريره بكل السبل .
تدعيم المجاهدين
أما الدكتور يوسف القرضاوى المفكر الاسلامى وعميد كلية الشريعة بقطر فيؤكد أهمية العمليات الاستشهادية لردع المعتدين الإسرائيليين... ويطالب كل الدول الإسلامية بمساعدة إخوانهم الفلسطينيين لتحرير المسجد الأقصى ويقول: إن مجموعة من اليهود المتطرفين حطمت أعمدة رخامية أثرية في ساحة المسجد الأقصى خلال جولة استفزازية قاموا بها تحت حماية الشرطة الإسرائيلية وهذه المجموعة عبارة عن ثمانية يهود قاموا بانتزاع بعض الأعمدة والتيجان الأثرية وبعدها توجهوا إلى مدخل المصلى المروانى وأدوا بعض الطقوس واستولوا على قطع صغيرة كانت في ساحة المسجد الأقصى وسمحت لهم الشرطة الإسرائيلية باستخدام كاميرات فيديو.
ويضيف د.القرضاوى أن على الشعوب الإسلامية تبني فكر المقاطعة لجميع المنتجات اليهودية وتشكيل لجان لإيجاد بدائل للمتضررين من هذه المقاطعة مع إيجاد المنتج الاسلامى البديل الذي ينعش الاقتصاد ويعد بالنفع على المسلمين.
وحدة الصف
وترى الدكتورة سعاد صالح رئيسة قسم الفقه الاسلامى بجامعة الأزهر أن إسرائيل تصول وتجول وتتمادى في طغيانها لتأكيدها ان الصف العربي الاسلامى ممزق ولا أمل في توحيد الأمة الآن أو لم الشتات وكذلك الشعوب هي الأخرى غرقت في بحرلجى من الشهوات واللهو والسهرات الصاخبة ونسيت المسجد الأقصى أسيرا، أطفال فلسطين يسحقون يوميا تحت الدبابات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، فأين الغضب القلبي الذي هو أضعف الإيمان ؟ ....
وتضيف صالح أنه يجب تنشيط المقاطعة والتبرع بالدماء لجرحى الانتفاضة والتبرع بالأموال لمؤازرتهم كما يجب على الحكومات الإسلامية والعربية اتخاذ مواقف أكثر فاعلية.
صامدون حتى الشهادة
ويقول الشيخ عبد الرءوف محمد الموفد من قبل وزارة الأوقاف المصرية لفلسطين إن إخواننا في فلسطين في حاجة ماسة لتلك التبرعات التي تعزز صمودهم البطولي لتحرير المسجد الأقصى وخاصة أن كثيرا منهم فقد فرص العمل وبعضهم فقد العائل الوحيد في الهجمات البربرية التي تقوم بها القوات الإسرائيلية.
...فاليهود لهم هدف واحد وهو هدم المسجد الأقصى وطرد الفلسطينيين من أرضهم ولا عزة للمسلمين إلا امتثالهم لرب العالمين في قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وقوله تعالى.. (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ربا ط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم).


أعلى





كيف نحمي شبابنا من التيارات الوافدة ؟
علماء الدين وأساتذة الإعلام :
التمسك بتعاليم الإسلام وتصحيح المفاهيم المغلوطة .. ضرورة
للأسف دور الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية .. غائب

القاهرة ـ من محمد عمر : السماوات المفتوحة والتيارات الوافدة عبر الفضائيات جذبت العديد من شبابنا وفتياتنا .. رغم مخالفتها للقيم والتقاليد الشرقية الأصيلة .. ولعل أقرب مثال على ذلك البرنامج الذي تولت بثه إحدى القنوات اللبنانية حول مجموعة من الأولاد والبنات من مختلف البلاد العربية بزعم تأهيلهم ليكونوا نجوما في الغناء والرقص وأشياء أخرى تتنافى مع القيم الدينية .. وقد أثار هذا البرنامج تساؤلات حول كيفية حماية أبنائنا من هذا الإعلام الوافد وما هي مسئولية المؤسسات الدينية والإعلامية لمواجهة هذه التحديات .. وما أفضل الوسائل لعلاج ذلك ؟.
أكد علماء الأزهر أن هناك أساليب كثيرة لحماية شبابنا المسلم من التيارات الوافدة إلينا من الغرب والتي تهدف إلى النيل من عقيدته وبعده عن تعاليم الإسلام .. طالب علماء الأزهر والأوقاف ووسائل الإعلام بتقديم العون الكامل لشبابنا وتوجيه النصح لهم من خلال برامج دينية وتربوية لمواجهة هذه التيارات.
يقول د. منيع عبد الحليم أستاذ بجامعة الأزهر هناك أساس أصيل لحماية شبابنا من التيارات الوافدة والإرهاب التي كلها شر من ناحية أنها تعطي الشباب مفاهيم مغلوطة للحياة بطريقة تجذبهم إليها .. كما نلاحظ في كثير من الفضائيات سواء تلك التي تستخدم أسلوب القوة والعنف باسم الإسلام دون الحوار والأخرى التي تدعو إلى الانحلال والتهتك.
أضاف أنه يوجد في مصر الأزهر الشريف بفكره المستنير وأفقه الرحب في تقديمه لهذا الدين وفي نفس الوقت يبعد بفكره التيارات الوافدة والمتطرفة والمنحلة .. وهذا الأزهر الشريف منتشر في جميع أنحاء العالم بعلمائه الأفاضل ولكن لا يمكن الوصول إلى الناس بهذا الفكر الأزهري الذي يمثل عالمية الإسلام إلا عن طريق وسائل الإعلام بجميع أنواعها .. ولكن إهمال أجهزة الإعلام لهذا الفكر وانجذابهم إلى الأفكار الأخرى المستغربة كالبرامج التي شاهدناها في الفضائيات مع الإغراء بمكسب سريع لكل من ينجح في إثبات ذاته بطريقة منحلة.
نضيف إلى هذا مشكلة فرص البحث عن العمل التي يعيش فيها عدد كبير من الشباب مع نقصان الأعداد التي تتزوج سواء من الذكور أو الإناث فهذا الفراغ الذي يعايشونه سواء من الناحية الفكرية أو الروحية والجسمية يجب أن تعالجه الدولة والجمعيات الأهلية بإتاحة فرص العمل لهؤلاء الشباب لأن مشكلة البحث عن العمل تؤدي للانحراف والعمل الدائب في سبيل الرزق وفي سبيل الأسرة هو في ذاته عمل في سبيل الله.
وقال إذا أبعدنا الشباب عن دواعي الانحراف لاستقام المجتمع ولم نعد نرى الأعمال الهابطة التي تتم في أجواء متهتكة تحيط بشبابنا بل الكل يعمل ليكون كما أراد الله تعالى في قوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس) .. وليكون بعقله كما قال تعالى (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).
عصب الأمة
يقول د. عبد الغفار هلال الأستاذ بجامعة الأزهر إن الشباب هم عصب الأمة ويجب أن نهتم به من ناحية التربية الخلقية والثقافية في آن واحد .. فثقافة الأمة يحملها الشباب ويعمل من أجلها وترسيخ هذه القيم يتم بتعليم الشباب ثقافة أمته العربية والإسلامية التي تعتمد على أصول ومبادئ من عبادة الله سبحانه وتعالى وأداء الشعائر التي تساهم في استقامته وتوجيهه إلى الخير.
كما يجب أن يحس الشباب بأن الأمة الإسلامية بجميع أبنائها ليست أقل من الأمم الأخرى حضارة وثقافة وبأنها أمة فاعلة تشارك في مسيرة الدنيا .. ولذا يجب علينا أن نوجه هذا الشباب ونحذره من أي ثقافة وافدة تحاول أن تصرفه عن حضارته أو تقلل من شأنها أو أي ثقافة وافدة تحاول أن تخلصه من قيمه أو مبادئه لتجعله ينغمس في الخروج على تعاليم دينه وشريعته.
أكد أنه لا مانع أن يستفيد الشباب من التقدم التكنولوجي في العالم ويستفيد من العلم الذي يهم في إصلاح الحياة فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) ويقول (اطلبوا العلم ولو في الصين) ويقصد بذلك أمر الأمة بأن تأخذ من العلم من أي دولة في العالم إذا كان هذا العلم يفيد ترقية الأمة ونهضتها.
شبكات معقدة
يؤكد د. زكي عثمان الأستاذ بجامعة الأزهر أنه حينما ننظر إلى العالم في عصرنا الحديث أو بالأدق في وقتنا الحالي نجد أنفسنا أمام شبكات ذات تعقيد فائق من الاتصالات والإعلام والإعلان .. هذه الشبكات تحمل ما تحمل من تيارات وافدة وصراعات معقدة وأفكار فيها ما فيها من الغث والثمين ولكن ما أكثر التيارات الغربية التي تأخذ شبابنا إلى طرق مسدودة أو الصعود إلى الهاوية أو القلق والاضطراب أو الإباحية أو ما يسمى بالواقعية والعقلانية.
أكد أنه لكي نحمي شبابنا أيضا لابد أن نبين لهم حقيقة القيم في مظهرها وفي مخبرها وأن نفتح المساجد من خلال الدعاة الذين يربطون أنفسهم بالشباب ارتباطا وثيقا.
تربية الشباب
يقول الدكتور محمد فؤاد شاكر أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس إن الإسلام اهتم اهتماما كبيرا بتربية الشباب وتنشئتهم على القيم والأخلاق والمثل وجعل الآباء في بداية النشأة مسئولين حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) .. والحقيقة أن المسئولية تضامنية بين الأسرة ودور التعليم والمؤسسات المعنية بتربية الشباب ومن أجل هذا وحفاظا على شبابنا من الاستجابة للتيارات الوافدة من خلال الإعلام العالمي لابد من إعطاء المصل الواقي للشباب في صغرهم بتربيتهم على حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم وتقديرهم لسلف الأمة ورجال المسلمين الأوائل.
أضاف أنه يجب أيضا تربية الكوادر من الشباب ورعايتهم بحيث يصبح حافزا يدفعهم إلى أن يكونوا حراس حدود لأمتهم حين اختلاطهم ببقية شباب الأمة وذلك بتحفيظهم لكتاب الله وتربية نفوسهم على الولاء للدين والوطن والقيم الإسلامية السامية.
أوضح أنه ينبغي إعادة النظر في مناهج التربية في كل دور التعليم وذلك لتأصيل قضية الانتماء وإبعاد الشباب عن التقليد للغير أو انخراطهم في سلوكيات الآخرين لما يشاهدونه من ترغيب إلى ذلك في أجهزة الإعلام.
شدد د. فؤاد شاكر على العناية بالبرامج الدينية بالقنوات التليفزيونية التي يملكها المسلمون للرد على الافتراءات والأكاذيب التي يحاول الإعلام الآخر اختراق عقول الشباب من خلالها على أن يختار لهذه البرامج المتخصصين في العلوم الشرعية وألا نفسح المجال لغير المتخصصين لما يحققونه من احتلال وفساد.
الإعداد السليم
يقول الدكتور عدلي رضا وكيل كلية إعلام القاهرة إن مسئولية تنشئة الشباب بطريقة صحيحة بالإضافة إلى الإعداد السليم لهم مسئولية مجموعة من الجهات .. فالأسرة يجب أن يعود لها دورها التربوي وأن تغرس في الأبناء القيم الجادة والنبيلة والأصيلة التي تدعم انتماءهم لمجتمعهم .. ويشارك الأسرة في المسئولية المؤسسات التعليمية .. والتي لم يعد لها أي دور في تنشئة الشباب وتوعيتهم بقضايا أمتهم ومجتمعهم.
أضاف أن المؤسسات الدينية يقع على عاتقها الدور الأكبر والأخطر في إعداد الشباب من خلال توعيتهم بمبادئ الإسلام وصحيح الدين .. وللأسف الشديد دورها التنويري ضعيف للغاية إن لم يكن غائبا .. ولابد من تفعيله لإنقاذ شبابنا قبل فوات الأوان.
أوضح وكيل كلية الإعلام أن المؤسسة الإعلامية يقع على عاتقها مسئولية كبيرة جدا في توجيه الشباب وإرشادهم حيث أصبحت البديل في عملية تربية الأبناء .. والواقع يؤكد أن الشباب والفتيات يتعرضون للتليفزيون بصورة مكثفة ويتأثرون بما يشاهدونه وينقلون ما يرونه ويصبح جزءا من حياتهم اليومية حيث يغلب عليه الطابع الترفيهي ممثلا في الأغاني.
وتساءل د. عدلي أين المساحات المخصصة للشباب لتوعيتهم وتأهيلهم لممارسة دورهم الصحيح في الحياة بما يعود بالنفع على وطنهم ؟.. والعبرة ليست بزيادة الوقت والمساحات فقط وإنما بمشاركة الشباب أنفسهم في طرح ومناقشة قضاياهم بحيث لا ينوب عنهم في ذلك الآخرون.
طالب وسائل الإعلام بالبعد عن التغريب الثقافي المقدم للشباب وخاصة التليفزيون حيث يروج لثقافة العولمة لدخول المنافسة مع الفضائيات الوافدة وهذا في غير صالح المجتمع .. وشدد على ضرورة أن يمارس التليفزيون دوره في إعداد الشباب علميا وثقافيا وقيميا بما يجعلهم ينتمون لعادات وتقاليد وحضارة وطنهم .. وتساءل من يقود الوطن إذا لم نحسن إعداد الشباب ؟.. إن مستقبل الأمة حينئذ سيكون في خطر إذا تركناهم لثقافة التغريب .. وهذه كارثة لا يحمد عقباها ويكفي أن نلقي نظرة على البرنامج الذي بثته إحدى القنوات اللبنانية وكان مثار حديثهم في الفترة الأخيرة.
أكد د. عدلي رضا على ضرورة إنشاء قناة تليفزيونية خاصة بالشباب بشرط أن تركز على بناء الشباب وإعدادهم وتأهيلهم لتحمل المسئولية .. وليست قناة تركز على الترفيه السطحي والتغريب الثقافي .. وإنما قناة تساهم في إعداد الشخصية العصرية الابتكارية المتكاملة المنتمية لوطنها .. وابتكار برامج جذابة تعيد شبابنا إلى القيم الإسلامية الصحيحة بعيدا عن الإسفاف والابتذال والعري والفساد.


أعلى





الإدارة المنزلية

الأسرة تلك المؤسسة المهمة، وعلى الرغم من صغرها فهي ما زالت أهم المؤسسات في المجتمع، واعتبار الأسرة مؤسسة لا بد من وجود كيان إداري له أهداف وخطط يدير ذلك الصرح الصغير وهذا من الأمور الجيدة.

ومن أهم الإدارات الداخلية تلك المؤسسة هي الإدارة المالية، والإدارة المالية للأسرة مهمة جدًا إذ إن المال هو عصب الحياة وبه تكون النفقة واستمرارية الحياة.
ونظرًا للظروف التي تمر بالناس جميعًا فغالبًا أن الدخل لا يكفي لتمويل ذلك الصرح لتحقيق أهدافه وطموحاته ومن ثم كان لازمًا من وضع تصور لإدارة المال في الأسر عمومًا.
غالبا ما تتداخل مجموعة من المؤثرات في كيفية توزيع الدخل عند وضع ميزانية ما لأي أسرة على أبواب الصرف المختلفة، مثل مقدار الدخل، عدد أفراد الأسرة، طبيعة عمل الزوج، عمل الزوجة، مكان سكن الأسرة، ما يتمتع به أفراد الأسرة من مواهب وما لهم من قدرات، فكلها عوامل تتفاعل وتتداخل لتحدد أبواب الصرف وأهمية كل باب.
ـ ومن المهم جدًا عند وضع خطط الميزانية الاستفادة من تجارب الآخرين في هذا المجال وخصوصًا من يجيد التخطيط في الإدارة المنزلية وممن يكبرنا في السن.
وعند وضع أي خطة منزلية لا بد من مشاركة جميع أفراد الأسرة أو معظمهم على الأقل وذلك لأن المشاركة في التخطيط غالباً ما تساعد على إنجاح أي خطة؟ وتضع الجميع في موضع المسئولية، وتقع كذلك المبررات لمعظم التصرفات، وفي حالة الأزمات يكون هناك نوع من التراضي والتفاهم فيما يكون الاستغناء عنه لمواجهة الأزمة.
ـ ونرفع اللوم عن أي طرف من الأطراف، وأيضا هي مناخ جيد لصياغة تربوية جيدة للزوجة والأولاد فيها نوع من المشاركة في تحمل المسئولية والإيجابية وعدم السلبية وكذلك ملكة وموهبة التخطيط في الحياة عمومًا.
ـ الخطط الناجحة بعد المعايرة: أي لكي تنجح أي خطة لا بد من تجربتها لمدة عام على الأقل ورصد الإيجابيات والسلبيات فيها ومن ثم محاولة تعديلها ومن ثم التقييم للوصول إلى خطة أكثر واقعية وأكثر نجاحًا.
وهنا قد تبرز مشكلة مهمة وسؤال مهم ، هل الاتفاق على الأسرة يحتاج كل هذا التعقيد؟ معظم الأسر تسير والحمد لله، فهذه مشكلة المسلمين عمومًا، حيث إن الوقت المبذول في التخطيط وكذلك الجهد، أهون بكثير من أزمة مالية طاحنة تعصف بالأسرة، ويخيم جو الكآبة والحزن على جميع أفراد الأسرة، كان يمكن تلافيها ببذل بعض الوقت في التخطيط.
والسؤال المهم الآن كيف أضع خطة لإدارة الأموال في أسرتي؟
والجواب على هذا الأمر لكل أسرة مع خصوصية في وضع خطة تناسبها, ولكن هناك ثوابت يمكن الانطلاق لكل أسرة والتفاصيل يمكن أن يرصد شهريًا لمواجهة هذه التكاليف عند حلول موعدها.
المصروفات الثابتة ÷ 12 = المصروف الثابت كل شهر.
ثانيًا: تدوين الدخل المالي، ويكون بحساب كل النقود المتوقع الحصول عليها خلال العام، سواء مرتبات أو أرباح مشاريع أو غيره.
ويكون بالنسبة للموظفين بالضبط قدر الإمكان بالنسبة لغيرهم يحسب المتوسط في خلال السنوات الخمسة الأخيرة.
ثالثا: حساب الدخل الصافي وهو بعد طرح المصروفات الثابتة من إجمالي الدخل وصافي الدخل هذا هو الذي يخطط لكيفية إنفاقه.
رابعًا: بعد تحديد صافي الدخل المتبقي للإنفاق اليومي، تبدأ مرحلة أخرى من التخطيط، بحيث تحدد نسبته للادخار ولتكن مثلاً 10 ـ 20% من الدخل الصافي ويمكن أن يزيد مع زيادة الدخل وفي بداية الزواج قبل أن تكثر الأعباء الزوجية.
وبعد ذلك يتم تقسيم الدخل، فتحدد نسبة الطعام ونسبة أخرى للمواصلات، والمصروفات الشخصية، ومصاريف الترفيه وهكذا.
أهمية الادخار:
والادخار هو صمام الأمان لكل أسرة، والادخار له عدة فوائد مهمة وجوهرية، منها أنه العاصم بعد الله عز وجل في كثير من الأزمات, والثاني أن تلبية أي طلب جديد أو تجديد أي من الأثاث أو المنزل أو السيارة أو الأجهزة لن يكون إلا عبر هذا المال المدخر، وأمر آخر مهم جدًا ، وهو رفع مستوى دخل الأسرة المادي لن يتم إلا من خلال الادخار ومحاولة استثمار هذا المال المدخر بصورة ما، مما يتيح للأسرة فرصة تنمية مواردها ورفع مستواها، والادخار مهم في بداية الحياة الزوجية حيث تقل النفقات نظرًا لقلة عدد أفراد الأسرة وكذلك لأن معظم أثاث المنزل جديد وكذلك الأجهزة.
وأيضًا يكون الادخار مهمًا في حالة الفرص غير العادية أو غير المتوقعة، كسفر ونحوه، فيجب استثمار هذه الفرص لتنمية المدخرات.
ـ ويجب أن يكون هناك اهتمام بتوزيع مصادر الدخل، وكذلك التنمية البشرية للأفراد المنتجين داخل الأسرة، مما يتيح فرصًا أكبر لزيادة الدخل، وذلك من خلال الاهتمام بالدورات المختلفة في مجال العمل، أو غيره وكذلك الدراسات العليا، أو القراءات الدائمة في مجال العمل وغيره، مما يتيح فرصًا أكبر لزيادة الدخل والترقي وتحسين المستوى في وظائف أخرى ذات دخل أقل.

خولة النعمانية


أعلى





لماذا يكذب الأطفال؟!!

إن وصف الكذب من أسوأ الصفات التي يمكن أن يكتسبها الطفل؟ وحين يستهل الوقوع في الكذب فإنه يصبح قادرًا على ارتكاب كل الأخطاء الكبيرة والصغيرة، وهذا واضح في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) كما أنه يصبح إنسانًا غير موثوق به فيفقد بذلك التقدير من الآخرين. لماذا يكذب الأطفال؟سؤال محير يتردد في أذهان الآباء فيقفوا مكتوفي الأيدي عاجزين عن الإجابة أو اتخاذ الإجراء المناسب.لماذا يكذب الأطفال؟مع أن الآباء لم يقصروا معهم في شيء ولم يبخلوا عليهم بشيء بل قدموا لهم الغالي والنفيس، وأغدقوا عليهم المحبة والعطف والحنان، بل تنازلوا عن حقهم من أجل إرضاء أبنائهم وبعد هذا كله يكذبون عليهم.فلماذا يكذبون؟ الكذب عند الأطفال ما هو إلا محصلة لعوامل بيئية وعوامل ذاتية دفينة داخل نفس الطفل.وكلما قرب البيت من مكارم الأخلاق وحرص عليها قل تأثير العوامل البيئية في غرس صفة الكذب عند الطفل.
1ـ تأثير العوامل البيئية المحيطة بالطفل (البيت ـ المدرسة ـ المجتمع).
أ ـ البيت:إن الطفل الذي ينشأ في أسرة تلتزم الصدق على نحو تام تقوى لديه الحاسة الخلقية، ويكتمل لديه الالتزام الخلقي، والأسرة التي تمارس الكذب لا تساعد أبناءها على امتلاك فضيلة الصدق.ومثال ذلك: عندما يرد الطفل على التليفون ويسأل الطالب عن الأب فيشير الأب إلى ابنه بأنه غير موجود، ويظن الأب أن الطفل لا يتأثر بهذا الموقف، وهو لا يعلم أن كل هذه المواقف تنطبع في نفس الطفل الشفافة لتخرج بعد ذلك ليكذب على والده.وكذلك عندما يرى الأم تكذب على الأب خوفًا من غضبه، والأب يكذب على الأم، وإخوته الكبار يكذبون على بعض حتى ولو على سبيل المزاح، كل هذه الصور تنطبع في ذاكرة الطفل، لأنه في هذه السن يعتاد الالتقاط والتقليد.
ب ـ المدرسة:هذا إضافة إلى ما يراه الطفل في المدرسة سواء من زملائه الذين يكذبون على المدرس حتى لا يضربهم، أو المدرس الذي يكذب عليهم حتى يخيفهم ويزيد هيبته عندهم، والمدرس يكذب على المدير، والمدير يكذب على ولي الأمر وهكذا.كل هذه الصور السيئة تنطبع في نفس الطفل الشفافة وتغرس جذور هذه الصفة الذميمة (الكذب) فيه
ج ـ المجتمع:وكذلك ما يراه الطفل في الشارع، فمثلاً في السوق يجد البائع يكذب ليزين سلعته وهي رديئة ـ وما يراه الطفل على شاشات التلفاز من كذبات تلو كذبات وألعاب سحرية (خفة يد) ومن تمثيليات وقصص كاذبة، ومن أخلاق خرافية سبحت في بحار الخيال (باتمان ـ سوبر مان). كل هذه العوامل المحيطة بالطفل تؤثر على نفسيته مع غياب القدوات الصالحة التي تحثه على مكارم الأخلاق وغياب أصدقاء الصدق. عزيزي الأب .. عزيزتي الأم..هناك فرق بين الكذب والمراوغة وبين الكياسة أو الفطنة. فكيف ذلك؟ للأسف إن المجتمع ينظر إلى الصادق غالبًا على أنه طيب القلب لا يستطيع أن يراوغ أو يحاور، وبالتالي ينظرون إليه أنه لن يكون ناجحًا في حياته. وعلى العكس تمامًا ينظر المجتمع إلى الكاذب بأنه المعجزة الداهية الذي يستطيع أن يلف ويدور ويداهن ويكسب ويربح أو كما يقولون (يلعب بالسمكة وذيلها). وغاب عن أنظار الناس أن هناك فارقًا كبيرًا بين الكذب والكياسة أو الفطنة، فالمؤمن كيس فطن ولكنه ليس بكذاب كما قال عمر رضي الله عنه: (لست بالخب ولا الخب يخدعني). ولكن هذا لا يعني أن نعزل الطفل تمامًا عن المجتمع حتى لا يتأثر بهذه العوامل فآثار العزلة السلبية أكبر بكثير من آثار الخلطة على الطفل .. ولكن الوسط هو حال الراشدين، وإنما الحل باتخاذ الوسائل العملية التي تحول دون ثأثر الطفل بهذه العوامل
2ـ الكذب بسبب دوافع نفسية ليس لها علاقة ببيئة الطفل:للطفل دوافع ذاتية للكذب لا يستمدها من قدوة سيئة أمامه، وكذلك لا ترده عنها القدوة الصالحة تلقائيًا بغير تلقين وتوجيه وجهد يبذل. أ ـ يكذب الطفل أحيانًا ـ دون أن يقصد الكذب بدوافع من قوة خياله الذي يجسم له أشياء لم تحدث، فيراها كأنها حدثت بالفعل ويقصدها على أنها واقع.وعند ذلك لا ينبغي أن يجابهه الوالدان بأنه كذاب، بل تكون نصيحتهما له أن يتذكر جيدًا وأن يدقق في التذكر لعل الأمر ليس كما يقول حتى يرداه إلى حقيقة الواقعة. ب ـ وهو يكذب أحيانًا بقوة خيالية كذلك ـ ولكن على وجه آخر ـ فهو يتمنى ثم يصدق ما يتمنى ويتخيل أنه حدث بالفعل فيشبع رغبته بتحقيقها في الخيال ثم يصدق الخيال.ـ وهنا لا يجوز مجابهة الطفل بأنه يكذب، إنما يكون التذكير حتى يعود للواقع. ج ـ ويكذب الطفل أحيانًا ـ وهو على وعي بالكذب ـ تحقيقًا لأمان ورغبات لا تتحقق في واقع حياته (فيفْشُر) ويزعم أنه يمتلك كذا أو يصنع كذا، مما يحقق بطولة وهمية، أو تعظيمًا لشخصه على غير الواقع، وغالبًا ما يكون هذا (الفشر) مع أقران الطفل الذي يشعر في دخيلة نفسه أنه أقل منهم.ـ وعلاج هذه الحالة المرضية ليس بمواجهة الطفل بأنه كذاب أو (فشار)، وإنما على الوالدين دراسة الأسباب الدفينة التي تجعله يضخم الواقع بالوهم.وأن يعالجاه بإعادة الثقة إليه واعتداده بنفسه على حجمها الطبيعي الواقعي في شيء يملكه بالفعل ويقدر عليه، فلن يحتاج بعد ذلك إلى الادعاء
د ـ وقد يكذب الطفل ليستولي على مزيد من النقود ينفقها في أشياء يشتهيها ولا يحصل عليها في حدود ما يعطى له من المصروف.ولعلاج ذلك الانحراف لا بد من تقويمه بشيء من الحسم ولكن مع كثير من النصيحة، وبالتلقين بأنه أمر رديء جدًا يفقده ثقة والديه وثقة أحبائه ويدعو إلى احتقارهم له وهكذا حتى يكف.وكل حالة من حالات الكذب لها ما رواءها من أسباب ولا بد من دراسة الأسباب لاختيار الأسلوب المناسب في العلاج.ما هي الوسائل العملية التي تعين الآباء على محو آثار صفة الكذب عند الأطفال؟ إليكم بعض الوسائل العملية التي تعين الآباء على محو آثار هذه الصفة عند الطفل وتقليل تأثير العوامل البيئية عليه وتنشئته على حب الصدق والصادقين:
1ـ ربط الطفل بقدوة صالحة تحثه على مكارم الأخلاق سواء في البيت أو المدرسة أو المسجد، فمثلاً يعتاد الوالدان الصدق ولا يكذبون أمام الطفل ولو بالمزاح، ففي الحديث روى أحمد وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لصبي: هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة).
2ـ اقتناء القصص القصيرة وأفلام الكرتون ووسائل الإيضاح التي تحث الطفل على الصدق، وأيضًا القصص الواقعية الحقيقية والبطولات الإسلامية كقصة خالد بن الوليد ـ وصلاح الدين.
3ـ تقبيح صورة الكاذب أمام الطفل، وبيان أن الكاذب منبوذ من الجميع والصادق هو الأثير عند الكل، وقد صح عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضًا عنه (أي مجافيًا له) حتى يحدث توبة.
4ـ متابعة الطفل في المدرسة ومعرفة أصدقائه والتأكد من سلامة أخلاقهم.
5ـ البحث عن مشاكل الطفل النفسية وعلاجها بصورة ملائمة فكل حالة من حالات الكذب لها ما وراءها من أسباب فلا بد من دراسة الأسباب لاختيار الأسلوب المناسب في العلاج.
6ـ اشتراك الطفل في الألعاب الرياضية حتى تزداد ثقته بنفسه.
7ـ أن يعامل الطفل بمبدأ حسن النية وإحسان الظن وألا يواجه الطفل بكذبه دائمًا بل الأصل أنه صادق، مع العفو عن زلته إن صدق فإذا لم تنفع معه أساليب النصح فعلينا أن نستخدم حينئذ العقوبة الرادعة.

أبو عبدالله اليعربي
المراجع :
ـ أطفالنا (الكذب عند الأطفال)
ـ موقع مفكرة الإسلام

أعلى





الابتلاء .. أسبابه وعلاجه

الابتلاء ما نزل بالانسان من مكروه او حل به امر مخوف اذ ليس للدنيا حال تدوم ولا لمخلوق فيها بقاء ذلك ان طبيعة الحياة الدنيا وطبيعة البشر فيها تجعلان من المستحيل ان يخلو المرء فيها من كوارث تصيبه وشدائد تحل بساحته فكم يخفق له عمل او يخيب له امل او يموت له حبيب او يمرض له بدن او يفقد منه مال الى آخر ما يفيض به نهر الحياة وقد أكد الله ان ابتلاء الناس لا محيص عنه حتى يأخذوا اهبتهم للنوازل المتوقعة فلا تذهلهم المفاجآت ويضرعوا لها قال تعالى (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو اخباركم) سور محمد آية 31 وان يعلم الانسان ان النعم زائرة وانها لا محالة زائلة وان السرور بها اذا اقبلت مشوب بالحذر من فراقها اذ ادبرت وانها لا تفرح باقبالها فرحا حتى تعقب بفراقها ترحا فعلى قدر السرور يكون الحزن قيل للحسن البصري رحمه الله كيف ترى الدنيا؟ قال شغلني توقع بلائها عند الفرح برخائها وقيل ايضا من بلغ غاية ما يحب فليتوقع غاية ما يكره .
قد يبتلي الانسان في نفسه وقد يبتلى في ولده وقد يبتلى في ماله الى آخره والقرآن الكريم اعتبر الحياة الدنيا موضعا لامتحان الناس وانها وسيلة للفوز بالسعادة في الحياة الاخرى فكل شعبة من شعب الحياة من البيت والسوق والمعمل كل ذلك تجارب مختلفة لامتحان الناس قال الله تعالى (احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) العنكبوت آية 2 ، 3 والمعنى قد توهم الناس انه يكفيهم ان يقولوا آمنا ليعتبروا ومن شيعة الحق دون ان يمتحنوا فيظهر انهم صادقون او كاذبون؟ ولقد اختبر الله الامم السابقة بالتكاليف والمحن ليتميز الصادقون من الكاذبين فليس مناط النجاة في الاسلام مجرد الانتساب اليه بل ان تظهر اثار تعاليمه على المنتسب اليه في احرج ساعات الضيق وفي اوقات رفاهية النفس ولا شك ان لقاء الاحداث ببصيرة مستنيرة واستعداد كامل اجدى على الانسان وادنى الى احكام شئونه قال تعالى (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور) سورة آل عمران 186 فالخير والشر هما اختيار وامتحان لجوهره ولهذا يقول الله تعالى (ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون) سورة الانبياء آية 35 هذه النظرة للحياة هي اكبر حافز للافراد للرقي الادبي واكبر حافز للجهاد النفسي لمغالبة الشرور التي تميل اليها النفس وهي تغاير بعض نظريات الاديان التي تعتبر ان الله يحابيهم فيعفيهم من جهاد النفس قال تعالى (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا) سورة الملك الآيتان 1 ،2.
ان اشد الناس جزعا واسرعهم انهيارا امام شدائد الحياة هم الملحدون والمرتابون وضعاف الايمان وقد وصف القرآن هذا النموذج من الناس فقال (ولئن اذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه انه ليؤس كفور) سورة هود آية 9 وقال تعالى (وان مسه الشر فيؤس قنوط) سورة فصلت 49 ويقول تعالى (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن اصابه خير اطمأن به وان اصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) سورة الحج آية 11 انهم لا يؤمنون بقدر فيرضوا به ولابإله فيطمئنوا الى حكمته في خلقه ولا بإنبياء فيجدوا في حياتهم القاسية قدوة وعبرة ولا بحياة اخرى فتهب عليهم نسماتها منعشة للنفس وطاردة للكآبة باعثة للامل انهم كسفينة فقدت الدفة والشراع وكل عوامل الثبات امام الامواج والعواطف فهي لأدنى حركة من الريح يشتد اهتزازها وتمايلها ويحيط بها الموج من كل مكان سرعان ما تغوص الى الاعماق وامتحان الحياة ليس كلاما يكتب او اقوالا توجه انها الآلام التي قد تقتحم النفس وتفتح اليها طريقا من الرعب والحرج ولا غرو ان نجد الانتحار اكثر ما يكون في البيئات التي ضعف دينها او فقدته فان لم يكن الانتحار فهو الالم القاتل والجزع الهالع والكآبة الحزينة والحزن الكئيب والحياة التي خلت من معنى الحياة.
لا ينبغي للمسلم ان يجزع عند النوازل والمصائب اذ الجزع عند النوازل والمصائب اذا كما قال الحكماء على الفائز آفة وعلى المتوقع سخافة والسخط على الاقدار معاتبة لله الواحد القهار وهو في كل ذلك مستعين بذكر الله تعالى بالجزاء الحسن على الطاعات وما أعد لأهلها من جزيل الاجر وعظيم المثوبات وبذكر وعيده تعالى لاهل بغضته واصحاب معصيته من اليم العذاب وشديد العقاب ويتذكر ان اقدار الله جارية وان قضاءه تعالى عدل وان حكمه نافذ صبر العبد أم جزع غير انه مع الصبر الاجر ومع الجزع الوزر والمؤمنون هم اصبر الناس على البلاء واثبتهم في الشدائد وارضاهم نفسا في الملمات عرفوا قصر عمر الدنيا بالنسبة لعمر الخلود فلم يطمعوا ان تكون دنياهم جنة قبل الجنة (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى) سورة النساء 77 وقال تعالى (وما الحياة الدنيا الا متناع الغرور) آل عمران 185 وعرفوا سنة الله في هذا النوع من الخليقة الذي ابتلى بنعمة حرية الارادة والاستخلاف في الارض فلم يطمعوا ان يكونوا ملائكة اولى اجنحة (انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج نبتليه) الانسان آية 2 (لقد خلقنا الانسان في كبد) البلد وعرفوا من سنن انبيائهم ورسلهم انهم اشد الناس بلاء في الحياة الدنيا واقل الناس استمتاعا بزخرفها فلم يطمعوا ان يكونوا خيرا منهم ولهم فيهم اسوة حسنة سئل الرسول صلى الله عليه وسلم أي الناس اشد بلاء؟ فقال (الانبياء ثم فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وان كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حق يمشي على الارض وما عليه خطيئة) رواه الترمذي وقال حسن صحيح
القارئ الكريم الابتلاء فيه. ما فيه من الاسرار والتي اخفاها الله عن عقولنا ولو علمنا ما في الغيب ان طريق الابتلاء تعب فيه آدم وناح فيه نوح والقى في النار ابراهيم وتعرض للذبح اسماعيل ونشر بالمنشار زكريا وذبح السيد الحصور يحيي عليه السلام وفي قصة موسى مع العبد الصالح العبرة والموعظة فخرق السفينة واقامة الجدار وقتل الغلام ابتلاءات ابتلى بها موسى عليه السلام ولكن اذا ما كشف النقاب عن عللها وازيح الستار عما وراء الاحداث من مصالح ومنافع عرف الانسان ان الشر في ظاهره هو الخير في باطنه وفي قصة ابراهيم مع ولده اسماعيل التنبيه والادكار رأى ابراهيم في نومه انه يؤمر بذبح ولده ورؤيا الانبياء حق واحلامهم صدق فتنة اثر فتنة ومحنة تتلوها محنة شيخ هرم جالد الايام وعرك الدهر واحنته السنون قد كان طول حياته يأمل الولد ورزق الولد ثم يؤمر بذبح هذا الولد العزيز ان هذه لمحنة تنوء بها الجبال الراسيات ولكن العظائم كفؤها العظماء وعلى مقدار ثبات يقينه وكمال ايمانه يكون ابتلاؤه فقال يا بني انى أرى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى؟ فبادر الغلام المبتلى يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين هذه قصة غريبة في لبها ومعناها عجيبة في مغزاها ومرماها هادفة الى ما تدعو اليه من اخلاق وآداب ولولا ان الله ذكرها والقرآن الكريم حفظها والرسول اذاعها والتاريخ وعاها ما صدقها عقل بشري ولا آمن بها قلب انسان لانها تفجع الوالد في ولده وليس له غيره وتفجع الام في ولدها وليس لها سواه وتفجع الولد في نفسه والنفس اعز شيء على الانسان في الوجود ولكن الكون مسرح كبير تجري على خشبته اعظم الاحداث واغرب القصص واندر الحكايات وهذه القصة لأولى الالباب عظة وعبرة وقدوة واسوة وتنبيه وادكار قال تعالى (لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الالباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه) يوسف 111
ان اهل الله وخاصته عرفوا ان ما ينزل بهم من مصائب ليس ضربات عجماء ولا خبط عشواء ولكن وفق قدر معلوم وقضاء مرسوم وحكمة ازلية وكتابة الهية فآمنوا بأنه ما اصابهم لم يكن ليخطئهم وما اخطأهم لم يكن ليصيبهم (ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك على الله يسير) الحديد 22 وعرفوا ان من صفته تعالى ان يقدر ويلطف ويبتلي ويخفف ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره ذلك لقصور نظره (ان ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم الحكيم) يوسف 100
وعرفوا من لطف ربهم ان هذه الشدائد دروس قيمة لهم وتجارب نافعة لدينهم ودنياهم تنضج نفوسهم وتصقل ايمانهم وتذهب صدأ قلوبهم (مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء وكمثل الحديدة تدخل على النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها) وكما قيل ما اشبه اللكبة بالبيضة تحسب سجنا لما فيها وهى تحوطه وتربيه وتعينه على تمامه وليس عليه الا الصبر الى مدة والرضا الى غاية ثم تنفق البيضة فيخرج خلق آخر وما المؤمن في دنياه الا كالفرخ في بيضته عمله ان يتكون فيها وتمامه ان ينبثق شخصه الكامل فيخرج الى عالمه الكامل) وعرفوا كذلك من مظاهر هذا اللطف والرحمة الالهية ما عرفه احد السلف حين قال ( وما اصبت في دنياي بمصيبة الا رأيت لله فيها ثلاث نعم انها لم تكن في ديني وانها لم تكن اكبر منها وانني ارجو ثواب الله عليها) وتلك نعم تلابس كل مصيبة في دنيا الناس جديرة ان تشعر المؤمن بشعور الشكر لله فضلا عن الرضا بقضائه والصبر على بلائه.
الواجب على الانسان ان يختبر امور زمانه ويتنبه على اصلاح شأنه فلا يغتر برخاء ولا يطمح في استواء ولا يؤمل ان تبقى الدنيا على حاله او تخلو من تقلب واستحالة فان من عرف الدنيا وخبر احوالها هان عليه بؤسها ونعيمها.
القارئ الكريم
لولا الصبر لانهارت نفس الانسان من البلايا التي تنزل عليه ولاصبح عاجزا عن السير في ركب الحياة واصبح في حالة يكفر فيها بالقيم الاخلاقية فضلا عن انه يصبح عنصر شر لانفع منه روى الامام مسلم في صحيحه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الصبر ضياء) فاذا استحكمت الازمات وتعقدت حبالها وترادفت الضوائق وطال ليلها فلا علاج سوى الصبر وحده فهو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط والهداية الواقية من القنوط والصبر فضيلة يحتاج اليها المسلم في دينه ودنياه ولابد وان يبني عليها اعماله وآماله وإلا كان هازلا يجب ان يوطن نفسه على احتمال المكاره دون ضجر والانسان قد يمتحن بالشيء وضده مثلما يصهر الحديد في النار ثم يرمى في الماء وهكذا وكان سليمان عالما بطبيعة الدنيا عندما رزق التمكين الهائل فيها فقال (هذا من فضل ربي ليبلوني ااشكره ام اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم) سورة النمل 40 والصبر من عناصر الرجولة الناضجة والبطولة الفارعة فان اثقال الحياة لا يطيقها المهازيل والمرء اذا كان لديه متاع ثقيل يريد نقله لم يستأجر له اطفالا او مرضى او خوارين انما ينتقى له ذوى الكواهل الصلبة والمناكب الشداد اصاب احد الصالحين شيء في قدمه فلم يتوجع ولم يتأوه بل ابتسم واسترجع فقيل له يصيبك هذا ولا تتوجع فقال ان حلاوة ثوابه انستنى مرارة وجعه!
ان رجاء المثوبة من الله تعالى على ما يبتلي به الانسان في دنياه نعمة روحية اخرى تهون على الانسان البلاء وهذه المثوبة تتمثل في تكفير السيئات وما اكثرها وزيادة الحسنات وما احوج الانسان اليها وفي الحديث الصحيح (ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه) ومن الغرائب ان بعض الناس فهم ان الاسلام يمجد الآلام لذاتها ويكرم الاوجاع ولا والأوصاب لانها اهل التكريم والمودة وهذا خطأ بعيد روى البخاري عن انس بن مالك رضي الله عنه قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخا يهادي بين ابنيه فقال ما بال هذا؟ قالوا نذر ان يمشي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الله عن تعذيب هذا نفسه لغني) وامره ان يركب ورد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على امرأة مريضة فوجدها تلعن الداء وتسب الحمى فكره منها هذا المسلك وقال لها مواسيا (انها أي الحمى تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد رواه مسلم فهل معنى هذا ان تربى جراثيم المرض ونهديها الى من نحب؟ كذلك يريد بعض الناس ان يفهم والجنون فنون؟
ان التريث والمصابرة والانتظار خصال تتسق مع سنن الكون القائمة ونظمه الدائمة فالزرع لا ينبت ساعة البذر ولا ينضج ساعة النبت بل لابد من المكث شهورا حتى يجتنى الحصاد المنشود والجنين يظل في بطن الحامل شهورا حتى يستوى خلقه وقد اعلمنا الله عز وجل انه خلق العالم في ستة ايام وما كان ليعجز ان يقيم عائمه في طرفة عين او اقل وتراخي الايام والليالي على الناس هو المدى الذي تقتطع منه اعمارهم وستبين فيه أحوالهم وتنضج على لهبه الهادئ طباعهم ثم ينقلبون بعد الى بارئهم قال تعالى (كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليه الضلالة) الاعراف 29 فالزمن ملابس لكل حركة وسكون في الوجود فاذا لم نصابره اكتوينا بنار الجزع ثم لم تغير شيئا من طبيعة الاشياء التي تسير حتما على قدر.

عبد الرحيم محمد جاد الرب


أعلى





احذروا المهلكات
الإساءة إلى الأيتام وعدم الإحسان إليهم

قال أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير البيوت بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر البيوت بيت فيه يتيم يساء إليه، وأحب عباد الله إلى الله تعالى من اصطنع صنعا إلى يتيم أو أرملة. وروي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: (يا داود كن لليتيم كالأب الرحيم، وكن للأرملة كالزوج الشفيق، واعلم كما تزرع كذا تحصد: معناه: أنك كما تفعل كذلك يفعل معك، أي لا بد أن تموت ويبقى لك ولد يتيم أو امرأة أرملة. وقال داود عليه السلام في مناجاته: إلهي ما جزاء من أسند اليتيم والأرملة ابتغاء وجهك ؟ قال: جزاؤه أن أظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي). معناه: ظل عرشي يوم القيامة. ومما جاء في فضل الإحسان إلى الأرملة واليتيم عن بعض العلويين ـ وكان نازلا ببلخ من بلاد العجم وله زوجة علوية وله منها بنات وكانوا في سعة ونعمة، فمات الزوج وأصاب المرأة وبناتها بعده الفقر والقلة، فخرجت ببناتها إلى بلدة أخرى خوف شماته الأعداء واتفق خروجها في شدة البرد، فلما دخلت ذلك البلد أدخلت بناتها في بعض المساجد المهجورة، ومضت تحتال لهم في القوت فمرت بجمعين: جمع على رجل مسلم وهو شيخ البلد، وجمع على رجل مجوسي وهو ضامن البلد، فبدأت بالمسلم وشرحت له حالها، وقالت: أنا امرأة علوية ومعي بنات أيتام أدخلتهم بعض المساجد المهجورة، وأريد الليلة قوتهم، فقال لها: أقيمي عندي البينة أنك علوية شريفة. فقالت: أنا امرأة غريبة ما في البلد من يعرفني فأعرض عنها، فمضت من عنده منكسرة القلب، فجاءت إلى ذلك الرجل المجوسي فشرحت له حالها، وأخبرته أن معها بنات أيتام وهي امرأة شريفة غريبة، وقصت عليه ما جرى لها مع الشيخ المسلم، فقام وأرسل بعض نسائه، وأتوا بها وببناتها إلى داره فأطعمهن أطيب الطعام، وألبسهن أفخر الثياب، وباتوا عنده في نعمة وكرامة، قال: فلما انتصف الليل رأى ذلك الشيخ المسلم في منامه كأن القيامة قد قامت، وقد عقد اللواء على رأس النبي صلى الله عليه وسلم: وإذا القصر من الزمرد الأخضر شرفاته من اللؤلؤ والياقوت وفيه قبات اللؤلؤ والمرجان، فقال: يا رسول الله لمن هذا القصر ؟ قال: (لرجل مسلم موحد). فقال يا رسول الله، أنا رجل مسلم موحد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقم عندي البينة أنك مسلم موحد). قال: فبقي متحيرا. فقال صلى الله عليه وسلم: (لما قصدتك المرأة العلوية، قلت: أقيمي عندي البينة أنك علوية، فكذا أنت، أقم عندي البينة أنك مسلم). فانتبه الرجل حزينا على رده المرأة خائبة، ثم جعل يطوف بالبلد ويسأل عنها، حتى دل عليها أنها عند المجوسي، فأرسل إليه فأتاه فقال له: أريد منك المرأة الشريفة العلوية وبناتها. فقال: ما إلى هذا من سبيل، وقد لحقني من بركاتهم ما لحقني. قال: خذ مني ألف دينار وسلمهن إلي، فقال: لا أفعل، فقال: لا بد منهن. فقال: الذي تريده أنت أنا أحق به، والقصر الذي رأيته في منامك خلق لي، أتدل علي بالإسلام ؟ فوا لله ما نمت البارحة أنا وأهل داري حتى أسلمنا كلنا على يد العلوية، ورأيت مثل الذي رأيت في منامك، وقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم: العلوية وبناتها عندك؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: القصر لك ولأهل دارك، وأنت وأهل دارك من أهل الجنة خلقك الله مؤمنا في الأزل. قال فانصرف المسلم وبه من الحزن والكآبة ما لا يعلمه إلا الله. فانظر رحمك الله إلى بركة الاحسان إلى الأرملة والأيتام ما أعقب صاحبه من الكرامة في الدنيا. ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله). قال الراوي أحسبه قال: (وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر)، والساعي عليهم هو القائم بأمورهم ومصالحهم ابتغاء وجه الله تعالى. قال الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى في جوهر النظام:
وأمر القرآن في الأيتام * وما لهم بالقسط في القيام
لا تقربوا مال اليتيم إلا * بفعل أحسن الأمور فعلا
وفقنا الله لذلك بمنه وكرمه إنه جواد كريم رؤوف غفور رحيم.

علي بن عوض الشيباني

أعلى





من إعجاز القرآن الكريم ..!

ليس من السهـل أن نسرد إعجاز القرآن الكريم في طيات مقـال عـابر من طالب جاهل. ولكن تأدية لواجب المعرفـة ،ودفعاً للنفس للإطلاع عن قرب حول تلك الإمكانيات المذهلة التي نملكها بين أيدينا في كتاب الله العزيز ونحن لا ندري . وكشفاً للمفارقات التفسيرية التي كان يظنها السلف وما أبصرته البشرية في هذا الزمن بسبب توسع العلم والتقنية .
ومما لا ريب فيه أن القرآن الكريم معجز بحـد ذاته دون تقسيم أو تفصيل ، فهو معجز كله دون استثناء ؛ إلا أن مجلدات شرح بعض تفاصيل الإعجاز أتت كحجة دامغة لمنكري ذلك الإعجاز من الكفرة والمشركين ،والزائغين عن الحق والمثبطين ، وتثبيتاً للمؤمنين وتذكيراً لهم بعظمة الخالق عز وجل {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون } و أسأل الله تعالى أن نكون ممن يتأملون ويعتبرون فيعقلون .
ومن هنا استأثرنا الحديث حول الإعجاز العلمي للقرآن الكريم لما فيه من وقعٍ مباشرٍ على النفوس ،ولما فيه من تجدد وأحداث مشوقة ، وإن كان الإعجاز البياني هو إعجاز زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تابعه في ذلك الزمان كونهم أئمة اللغة والأدب ، فإن إعجاز القرآن العلمي هو إعجاز لهذا الزمان ، زمان العلوم الفلكية والفيزيائية والكيميائية والأحيائية و غيرها من علوم الطبيعة والتطبيق .
وسوف نتناول - إن شاء الله - في هذا المقال الموجز بعض الآيات القرآنية التي أتت بصدد خلق الأرض ، وطبيعة الجو المحيط بها ، وسوف يلاحظ القارئ أن الموضوع يأتي على شكل مقتطفات من كتب ومصادر مختلفة يقل فيها تعليقنا أو ما خطته أيادينا ؛ لأننا - وببساطة - نتحدث عن كتاب الله عز وجل ، فأبت نفوسنا أن نتأول في كتاب الله ما ليس لنا به علم .
* الآية الأولى:
قال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) الأنعام 125
قال ابن كثير في تفسيره:
(.. وقوله تعالى (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً) قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء والأكثرون ضيقا بتشديد الياء وكسرها وهما لغتان كهين وهين وقرأ بعضهم حرجا بفتح الحاء وكسر الراء قيل بمعنى أثم قاله السدي وقيل بمعنى القراءة الأخرى حرجا بفتح الحاء والراء وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة فقال هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل اليها راعية ولا وحشية ولا شيء فقال عمر رضي الله عنه كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير وقال العوفي عن ابن عباس يجعل الله عليه الإسلام ضيقا والإسلام واسع وذلك حين يقول (ماجعل عليكم في الدين من حرج) يقول ماجعل عليكم في الإسلام من ضيق وقال مجاهد والسدي ضيقا حرجا شاكا وقال عطاء الخراساني ضيقا حرجا أي ليس للخير فيه منفذ وقال ابن المبارك عن أبي جريج ضيقا حرجا بلا إله إلا الله حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه وقال سعيد بن جبير يجعل صدره ضيقا حرجا قال لا يجد فيه مسلكا إلا صعدا وقال السدي كأنما يصعد في السماء من ضيق صدره وقال عطاء الخراساني (كأنما يصعد في السماء) يقول مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء وقال الحكم ابن أبان عن عكرمة عن ابن عباس (كأنما يصعد في السماء) يقول فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه وقال الأوزاعي (كأنما يصعد في السماء) كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا أن يكون مسلما وقال الإمام أبو جعفر بن جرير وهذا ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه يقول فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأنه ليس في وسعه وطاقته ..) إلخ كلامـه .
وفي تفسير الشيخ الهواري :
(..والحرج الضيق ،وهو كلام مثنى وهو الشك) كأنما يصعد في السماء) ،أي يثقل عليه ما يدعى إليه من الإيمان ،وفي تفسير الحسن : كأنما يكلف نفسه أن يصعد إلى السماء ..) إلخ تفسيره .
ونجد مما مضى أن الآية الكريمة تناولت إعجازاً علمياً صرفاً لم يتناول شرحه كل من ابن كثير والشيخ هود بن محكم الهواري إلا بصفة عامة ذكروا فيها المقصود من الآية مع إغفال القيمة العلمية الواردة فيها ،وإن كان الهواري قد أشار إلى ذلك عرضاً عبر قول أبي جعفر بن جرير عن صعود السماء ،إلا أنه كما يقال (وفسر الماء بعد الجهد بالماء). وليسوا ملامين على ذلك - كما أسلفت في مقدمتي - بل هذا دليل على إعجاز القرآن وتقدمه علمياً قبل أكثر من 14 قرناً .
إن النظرية الواردة في هذه الآية هو تناقص حجم الأوكسجين كلما صعد الإنسان إلى الأعلى ، مما يسبب حرجاً وضيقاً على التنفس ، لذلك استعان الفضائيون بسترة التنفس للقدرة على الحصول على الأكسجين والتخلص من تأثير الجاذبية الأرضية لهم. وهذه حقيقة علمية لم يكن يدركها الناس في ذلك الزمان ، ففسروا القرآن على حسب إمكانياتهم، فنجد من هنا تجدد القرآن وتكشف معانيه يوم بعد يوم .
وبهذا تتفسر الآية لنا : بأن الذي زاغ عن الإسلام يصبح صدره ضيقاً حرجاً كصدر ذاك الصاعد إلى السماء لا يقدر على التنفس بشكل طبيعي. وقد سمى الدكتور توفيق علوان هذه العملية بالصعود المميت ،ويقول معلقاً على ذلك : (من علم محمداً بالعلاقة بين صدر الإنسان والصعود في السماء ؟ ذلك الذي أكده علم الفضاء وشهدت به تجاربه الواقعة ، مما أدى إلى اختراع سترة الفضاء ، و التي تتكلف ما يزيد عن مليوني دولار ، لحماية الصاعد في السماء ، هذا ما أخبر به القرآن في القرن السابع الميلادي ، حيث لا يدري أحدٌ عن الفضاء شيئاً !!) أ.هـ1 .
ويقول الدكتور رفيق أبو السعود (من المعروف أن الكرة الأرضية محطة بطبقة من الغازات أهمها الأكسجين ، وهذا الغاز يخف كلما ابتعدنا عن سطح الكرة الأرضية حتى ينعدم تماماً على بعد معلوم .. فالإنسان في هذه الحالة يصاب بضيق نفس شديد ، ويغمى عليه إذا لم يستنشق الأكسجين ويتزود به ، ولذلك يوجد قناعات الأكسجين بطائرات نقل الركاب عبر القارات فوق رأس الركاب .. إن هذا الموضوع ذكره القرآن الكريم قبل ألف وخمسمائة سنة حينما لم يكن أحد من العالم حينئذ قد ارتفع بالفضاء ماذا يصيب الإنسان من ضيق نفس وغيره من الأعراض) أ.هـ 2
ومن خلال الملاحظة يتبين لنا أن بداية الآية أتت بكلمة (يشرح صدره) ، ثم أتى بعدها كلمة (يصًّعد) ، و من المظهر الخارجي لا نجد اتصالاً للكلمتين ، و لكنهما في حقيقة الأمر تعنيان بالتضاد. فالإنشراح يكون على البسيطة ، والضيق بعدها يأتي في الصعود إلى السماء .
** الآية الثانية:
وبعد أن أخذنا نموذجاً من طبيعة هواء الأرض نأخذ الآن نموذجاً عن خلق الإنسان ، وهو ما جاء في قوله تعالي: (الزمر6 يقول الطبري في تفسيره : (قوله: {في ظلمات ثلاث} يعني: في ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
ـ حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة {في ظلمات ثلاث} قال: الظلمات الثلاث: البطن، والرحم، والمشيمة.
ـ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس {في ظلمات ثلاث} قال: يعني بالظلمات الثلاث: بطن أمه، والرحم، والمشيمة.
ـ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {في ظلمات ثلاث} قال: البطن، والرحم والمشيمة.
ـ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {في ظلمات ثلاث} المشيمة، والرحم، والبطن.
ـ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {في ظلمات ثلاث} قال: ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة البطن.
ـ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {في ظلمات ثلاث} قال: المشيمة في الرحم، والرحم في البطن.
ـ حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: {في ظلمات ثلاث} : الرحم، والمشيمة، والبطن، والمشيمة التي تكون على الولد إذا خرج، وهي من الدواب السلى). أ.هـ
ويقول الدكتور رفيق أبو السعود :
(إن هذا الوصف توافق تماماً مع المعطيات العملية الطبية الحديثة في علم تكون الجنين :
1ـ تتخلق ،أو تتكون البيضة داخل المبيض في الناحية المحيطية منه ، وهي خلية واحدة (التخلق الأول والظلمة الأولى).
2ـ وفي اليوم الرابع عشر من أول يوم للدورة الشهرية للمرأة تنتقل البيضة إلى البوق (وهذا أنبوب بين المبيض والرحم) ؛ فإذا تلقحت تبدأ بالتكاثر التدريجي (التخلق الثاني والظلمة الثانية).
3ـ وفي اليوم الخامس تقريباً من التلقيح ، تنتقل البيضة للرحم لتعشعش فيه (التخلق الثالث والظلمة الثالثة) .. فسبحان الله أحسن الخالقين) أ.هـ 3
ومن هنا نجد الاختلاف الطفيف بين تفسير كل من الطبري والشهادة العلمية التي أدلى بها الدكتور توفيق ، وإن كان كلا المعنيين صحيح إلا أن الدكتور توفيق كان أكثر دقة وأحرى أن يسند إليه تفصيل ما جاءت به الأية الكريمة .
* ختاما:
وفي نهاية هذا المقال الموجز علينا أن ندرك جيداً بأن القرآن الكريم لم يأتي ككتاب للعلوم اللغوية ، و لم ينزل على أنه كتاب للعلوم التطبيقية ، بل جاء ككتاب تشريعي حياتي من الله تعالى وتحذيراً إلى الناس كافة من أن يشرك به شيئاً، وكقاعدة يستند إليها المسلمون في حياتهم ولمعرفة ما لهم وما عليهم أمام الله تعالى ، هذا هو الأصل وهذا هو الأساس الذي يجب أن ندركه من قرآءة كتاب الله تعالى ، وما هذه الإعجازات إلا جزء لا يذكر من علم الله تعالى يقول الله تعالى: (قُل لو كَانَ البحرُ مدَِاداً لِكَلِمَاتِ ربي لَنَفِدَ البحرُ قَبْلَ أن تنفدَ كَلِمَاتُ ربي ولو جِئنا بِمِثلهِ مَدَدَا)، وإنما ذكرها في كتابه حتى يحادث كلٌ على عقله ، فيحادث الأديب بإعجاز البيان ، ويحادث العالم بإعجاز العلم وهكذا .

إبراهيم احمد الحارثي


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept