فتاوى
وأحكام
*هل يجوز للمرأة ان تتبع الجنازة وهي على مسافة من الرجال من غير
ان تختلط بهم؟
** ما شاء الله من الأمور التي ينبغي ان ننبه عليها انه في كثير
من البلدان تخرج النساء وراء الجنائز في نياح وصراخ ويبقين هكذا
في حال تغسيل الميت وهذا ينبغي تركه ، بل يجب تركه . . لا معنى لخروجهن
مع العويل والضجيج والصراخ بل لا يتجاوزن البيت .
مما يؤسف له ان يكون الميت رجلا يحمل الى مكان التغسيل بعيدا عن
بيته وتخرج النساء وراء ذلك ، هذا أمر يجب اجتنابه ويجب التنبيه
على وجوب اجتنابه لا معنى من هذا رفع الأصوات والعويل والصراخ الى
اَخره هذا مما ينبغي تركه .
كيف والمرأة لأجل انها شديدة هيجان العاطفة نهيت عن زيارة القبور
حتى لا يكون في ذلك ما يدعو الى هيجان عاطفتها ، فكيف تخرج وراء
الجنازة فالمرأة لا تشيع جنازة اللهم ان يموت أحد ذكرا كان أو أنثى
بين نساء ولم يوجد معهن رجال فلا حرج عليهن في هذه الحالة ان يقمن
بذلك ، ذلك أمر واجب عليهن وقالوا كذلك إذا كان الرجال قلة ولم يمكنهم
ان يحملوا الميت لقلتهم فهم في هذه الحالة يستعينون بالنساء لا مانع
من ان يستعينوا بالنساء لأجل الضرورة والضرورة تقدر بقدرها ، أما
ان تخرج النساء وراء الجنائز وخصوصا مع ما عرفت به النساء من هيجان
في العواطف وتأثرهن الشديد فذلك أمر مخالف للسنة ومخالف لهدي القراَن
الكريم فيجب تركه ويجب التنبيه على ضرورة تركه . . والله المستعان
*هل يشرع الذكر للإنسان أثناء حمله للجنازة أم الأولى ان يكون ساكتا
؟
**على أي حال من العلماء من قال بان الذكر أولى (وذاكر الله كثيرا
فازا ) لكن من غير ضجيج بحيث يذكر كل واحد ربه سبحانه وتعالى في
خاصة نفسه من غير ان يثير الضجيج ، بخلاف الطريقة المتبعة الان الناس
يرفعون أصواتهم ويشدون الانتباه وربما كانت تلك الطريقة ألفوها واعتادوها
من غير ان يلامس هذا الذكر شغاف قلوبهم وهذه الطريقة طبعا مخالفة
للسنة.
إنما ينبغي للإنسان إذا ذكر ان يذكر الله في خاصة نفسه وهذا رأي
جماعة من أهل العلم كما قال الإمام نور الدين السالمي رحمه الله
(وذاكر الله كثيرا فازا) . . ومنهم من يرى ان ذلك المقام أولى بأن
يكون مقام صمت ومقام اعتبار بحيث يفكر ولا يشغل اللسان بالذكر وانما
يفكر للنهاية التي تنتظره وتنتظر كل إنسان.
* ما حكم تقدم الجنازة ؟ وهل يختلف الماشي عن الراكب في هذه المسألة
؟
** على أي حال تقدم الجنازة ، منهم من رأى انه أولى وهذا روي عن
طائفة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم . ومنهم من قال بما انه
مشيع ولما كان مشيعا فحكم المشيع يكون خلف الجنازة ، أولى ان يكون
خلفها لا ان يكون أمامها هذا أيضا رأي طائفة من أهل العلم وعلى أي
حال الراكب ان كان راكبا فانه يمشي خلف الجنازة ولا يتقدمها.
* حمل الجنازة هل الأفضل ان تكون على الأقدام أم محمولة على سيارة
؟ ** تحمل على سيارة إذا كانت المقبرة بعيدة ، أما حمل الجنازة على
الأكتاف هذا هو الذي يتفق مع السنة وهو ادعى الى العبرة والاتعاظ
من حمل الجنازة في السيارة.
* بعض الناس عند حمل الجنائز يسرعون وبعضهم يبطئون كثيرا فما هي
الطريقة الصحيحة في حمل الجنازة ؟
**الإسراع أولى ، لان الميت إما ان يكون مستريحا أو مستراح منه .
فالمستريح يحمل لمقر الكرامة والمستراح منه والعياذ بالله يستراح
منه بسرعة.
* لكن حد الإسراع سماحة الشيخ .. هل هناك من حد للإسراع ؟
** حد الإسراع بحيث لا يخبون خبا ، لا يؤمر بالخب.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
أثر الفكر الأباضي في الشعر العماني (3ـ3)
الفصل الرابع : ظواهر أخرى
عرض الباحث مجموعة من الظواهر التي استوقفته في الشعر العماني المتأثر
بالفكر الإباضي. وقد أسهب كثيرا وتوقف طويلا في شعر الزهد والسلوك.
سبب هذا الاسهاب الإطالة هو الغموض والإبهام والإيهام الذي أحاط
به.
إن المطلع على الشعر العماني تستوقفة ظاهرة ورود مصطلحات صوفيه،
ويقرأ أثر بعض الشعراء المتصوفة في هذا الشعر، وحين يقابل هذا بموقف
المذهب الإباضي الذي يرفض التصوف، تمتلكه الحيرة، ويبقى عاجزا عن
تفسير الظاهرة، ويظل واجما عن التوفيق بين الحالين.
هذا ما دفع الباحث إلى عرض الموضوع محاولة منه لإزالة هذا الغموض،
ودفع هذا الإبهام، والتخلص من هذا اللبس. وفي الوقت نفسه كان يهدف
إلى تنزيه الشعراء من مخالفة مذهبهم والتخلي عن مبادئهم. قال الباحث
: من القضايا الافتة للنظر عند الشعراء الإباضيين في الفترة وجود
وفرة واضحة فيما يسمونه (شعر السلوك) فقد انتشرت في قصائدهم ظاهرة
التأثر ببعض التوجهات الصوفية في أشعارهم، وهي مسألة جديرة بالتأمل
والدراسة.
أطلق الشعراء الإباضيون على القصائد ذات الطابع الصوفي (شعر السلوك)
ولم يطلقوا عليها (شعر التصوف)، ومن الجدير بالإشارة إليه أن الإباضية
يتشددون تجاه التصوف. وقد انعكس ذلك التأثر في موضوعات تصوفية بعينها
كالزهد في الحياة والتحذير من الدنيا، والتخويف من النار وعذابها
الأبدي، وطلب المغفرة من الله والتوبة إليه، والمناجاة والإقبال
على الله سبحانه، ومخاطبة النفس وتبكيتها، والدعوات التي من شأنها
أن تؤكد التربية النفسية، ضمن رغبة جامحة للتخلص من علائق الذنوب.
حاول الباحث أن يبين أن الفكر الإباضي لا يقر بالتصوف، وقد ذكر ذلك
في النقاط الآتية :
ـ الفكر الإباضي عمومه فكر تنزيهي، لايلتقي مع الفكر الصوفي في فلسفته.
ـ الإباضية لا يدعون إلى اتخاذ الأذكار مجرد جلسات وطقوس وتجمعات
وأناشيد تتلى.
ـ عقيدة الإباضية في التنزيه لا تروم الوصول إلى رؤية الله سبحانه،
فضلا عن التوحد معه.
ثم قال بعد ذلك: على أنه لا يمكن التنكر لتأثير المتصوفة في شعر
السلوك عند الإباضية، لكنه بقدر ما تأثروا في جوانب تصوفية بعينها،
فإنهم قد جاء نتاجهم الشعري في هذا المضمار محافظا على معطيات الفكر
الإباضي في عمومه، وإن استفاد جملة من الشعراء بنوازع التصوف في
بعض الجوانب التي استقاها المتصوفة من الفكر الإسلامي الأصيل، وبما
يؤدي إلى مراتب المخلصين، وكعلاج النفس وترويضها وتعويدها على الطاعة،
والابتعاد بها عن مواطن الزلل، لتكون جديرة بالعبودية الحقة.
إن الباحث يعترف بوجود تأثر بالمتصوفة في بعض الجوانب التي لا تتصادم
مع الفكر الإباضي، وهي التي تتوافق مع الفكر الإسلامي الأصيل، ولهذا
حاول إيجاد مبررات لهذا التأثر أو لظهور الشعر السلوكي في الشعر
العماني، وقد أرجعها إلى انصراف الناس إلى الدنيا، وكثرة الفتن الداخلية،
والواقع السياسي الذي أفرز حالة من الظلم والقهر والاضطهاد. يريد
أن يقول إن هذا ليس تأثرا بقدر ماهو استجابة لأوضاع معينة، وظفت
بعض ما وجد عند المتصوفة من أساليب في التعبير بقدر الحاجة إليه،
من دون الذوبان في هذا الفكر والتخلي عن مبادئ المذهب الإباضي: ...ولكنه
لم يكن (الشاعر الإباضي) يستخدمها كاستخدام الصوفية لها، بل هو استخدام
لا يتعدى المعنى المعجمي لهذه الألفاظ والمصطلحات، دون أن يحملها
بعدا صوفيا خاصا.
ثم عدد الباحث الموضوعات التي عالجها الشعراء الإباضيون في هذه المسألة.
منها : الزهد في الحياة، والحديث عن النفس ومحاولة رسم معالم إصلاحها
وكفها عن الهوى، وتنقيتها من الجهالة والظلم، والسمو بها إلى مرتبة
العبودية الحقيقية، وتحذير الإنسان من غرور الدنيا والانشغال عن
الموت، والدعوة إلى الاستعداد ليوم المعاد.
وليربط الباحث بين الشعر والفكر وتأثير الثاني في الأول قدم لأبيات
لبشير بن عامر الفزاري أشار فيها إلى أحد الموضوعات التي طرقها الشعراء
في هذه المجال: ولا ريب أن مثل ذلك القول وتلك الرؤية لا تتعارض
مع الفكر الإباضي الذي يرى وجوب الاستعداد لهذا ليوم، وعدم الاغترار
بالأماني، فإن من دخل النار عندهم لايخرج منها. فيقول الشاعر:
أيها الغر كيف تطعم غمضا والنايا يركضن حولك ركضا
بادر الموت للمعاد بزاد صالح تلق ما تحب وترضى
تب إلى الله من معاصيك واندب عمرا منك في الذنوب تقضى
أتى بأبيات لسعيد بن خلفان الخليلي، سجل فيها بغضه للدنيا وحبه لله
وانصرافه إليه، قلبه ظهر المجن للدنيا لأن حبها وحب الله لايستويان
:
فوجهت وجهي تاركا كل مظهر إلى المظهر الأعلى صرفت عنائي
وخلفت كل الكائنات ترقيا فعاينت نور الحق نصب عياني
فلم أر نفسي أو شهدت ظهوره وأين الدجى قد أشرق القمران
بدا فاختفى كل المظاهر وانتفى سواه فلا غير هنالك ثان
علق الباحث قائلا : إن هذه النظرة الزهدية إلى الدنيا والحياة، تكسب
توجهها عبر نظرة سلوكية تصوفية، ارتقى بها الشاعر لتعبر عن وجهة
نظره نحوها، لا سيما أن ألفاظها (فعاينت نور الحق ، شهدت ظهوره،
بدا فاختفى) أسلوب صوفي، فيه من الاشارة الدالة على الوصول الحقيقي
إلى الله سبحانه، لكن قارئ هذه الأبيات من منطلق فكري آخر عارف بمقاصد
الشاعر وعقيدته، يجد أن الشاعر لم يذهب إلى ذلك فهو بعد أن ترك الدنيا
وراء ظهره، وأبصر الحق بشأنها، أشرقت في نفسه شمس الحقيقة، فتجلت
له عظمة الله من آياته، فأشرب قلبه بحبه، واختفى ما عداه، اذ لا
يستحق أن يستقر في قلب المخلوق سواه. يؤكد ذلك إشارة الشاعر على
لسان نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العلامة التي يستطاع بها قياس
مدى استعداده للقاء ربه حيث يقول:
وقال لمن رام العلامة إنها المجا فاة عن دار الغرور بسلوان
منيبا إلى دار الخلود تأهبا ليوم نزول الموت أهبة لهفان اختيار الباحث
هذا النموذج كان عن قصد وهدف واضح، فالشاعر من أقطاب المدرسة السلوكية
في عمان، وهو ممن كثرت في شعره المصطلحات الصوفية، وهو ممن تأثر
بأبي حامد الغزالي في سمات شعر السلوك والتصوف، لذا فالاستشهاد بشعره
الذي يلاحظ فيه صفة التصوف، والتأكيد على أن الشاعر لم يتأثر بالفكر
التصوفي بالمفهوم الاصطلاحي، بل إن ما نظمه هو غير خارج عن التوجه
الإباضي : فكرا واعتقادا وسلوكا، يرسخ عند القارئ والدارس ارتباط
الشاعر بالأصول الإباضية، ويدعم رأي الباحث أن أثر الفكر الإباضي
جلي وقوي في الشعر العماني.
انتقل الباحث بعد ذلك ليذكر بعض النماذج التي استعملت مصطلحات ورموزا
تقرأ فيها مسحة تأملية تصوفية. عرض أبياتا لجاعد بن خميس الخروصي،
ثم علق قائلا: وفيها نلحظ تأثر الشاعر بالبعد الفكري الإباضي في
جانبه العقدي.
حرص الباحث كل الحرص على نفي صفة التصوف عما قيل شعرا في هذا المجال،
بل هو يراه شعرا سلوكيا احتياطا من الاصطدام بالفكر الإباضي الذي
لا يقر التصوف منهج حياة. لذا يقول: وطبيعي ألا نفسهم التصوف أو
السلوك عند الشاعر الاباضي كما هو الحال في فلسفة المتصوفة، ذلك
أنهم لا يتوقون إلى انكشاف الحقيقة الموصلة إلى التجلي الحقيقي للذات
الإلهية، بقدر ما يسعون إلى التعرف إليه من خلال آياته. (ص : 216)
في الحقيقة إن هذا هو الدراسين الإباضيين، الذين يفسرون كل شعر يقوله
شاعر إباضي هذا التفسير.
سرد الباحث أبياتا لسعيد بن خلفان الخليلي، فيها جملة من المصطلحات
الصوفية، من مثل (الفناء، المقامات، الذوق...) وقال إن الشاعر أطلق
عليها مقامات أهل السلوك، لا أهل التصوف. وقد انتقى الباحث هذ العبارة
من هذه الأبيات ليدلل مرة أخرى على أن التصوف لاورود ولا وجود ولا
مقام له في الشعر الإباضي، فضلا عن فكره.
عرض الباحث موضوعا آخر بين من خلاله حقيقة ما يريده الشاعر الإباضي
أو يقصده من سلوكه مسلك المتصوفة، من دون محاولة التوبة ومحاسبة
النفس.
يظل الباحث مستمسكا برأيه، وهو ان الشعراء الإباضيين ينتحلون أسلوب
المتصوفة، ولكنهم لا يتبنون فكرهم. يقول عن الشاعر سعد بن خلفان
الخليلي : ولتأكيد عظمة الله سبحانه وبيان توحيده وحقيقة العبودية
له، فإنه ينعته بصفات الكمال وصفات التنزيه، منطلقا من فكر إسلامي
أصيل في عمومه، إباضي في عقيدته.
كما وقف مع أبي مسلم البهلاني وسرد بعضا من شعره الذي يلحظ فيه بعد
صوفي سلوكي، وذكر أن أغلب شعره أذكار وتوسل وابتهال ودعاء... وهو
يستغرق نصف ديوانه تقريبا. لكنه نفى عنه التأثر بالفكر الصوفي في
المعتقد
إن غاية ما يهدف إليه الباحث هو نفي أن يكون الشعراء الإباضيون قد
تأثروا بالبعد الفكري الصوفي، فقد بقوا في حدود التأثر بالأسلوب
فقط، بالرغم من وجود علاقة بين الرموز المستعملة من الجانبين، وتشابه
في استعمال بعض المصطلحات والمقامات، إلا أن ذلك يبقى عند الباحث
منحصرا في التأثر بالأسلوب، ولا يتعداه إلى الفكر لأن العقيدة عند
الإباضية لا تجيز هذا النوع من الفكر يقول: وبذلك نلاحظ أن شعراء
الاتجاه السلوكي (الصوفي) من الإباضيين لم يخرجوا عن جادة الإباضية
الفكرية في عمومها، بل استطاعوا أن يوظفوا معطيات الفكر الإباضي
في دعواتهم ومناجاتهم، وفي تحذيرهم من الدنيا، والتخويف من الذنوب،
وتزكية النفس، بما بثوه من ومضات فكرية غير مباشرة، جاءت بفعل المخزون
الثقافي لهولاء الشعراء.
إلا أن المشكلة ـ حسب نظري ـ تكمن في كيفية الاهتداء إلى تفسير ما
كتبه الشعراء مديحا للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث نجد تأثرا واضحا
بالفكر الصوفي في بعض الاستعمالات التي قد نقرأ فيها روح المعتقد
الصوفي، بما يوحي به تعليق الباحث. هل هو اعتراف ضمني بالتأثر به؟
هل هو عجز منه عن ايجاد تفسير مقنع؟ هل هو عدم التمكن من القراءة
الجيدة لهذا الشعر؟
وجدنا الباحث يورد أبياتا للشعراء في مدح النبي صلى الله عليه وسلم،
فيها صبغة صوفية، ترددت فيها العبارات الآتية: (العلة والمعلول،
علة الكون، علة الوجود، نور الوجود وروحه...)، غير أن التأويل أو
التعليل لهذا المنحى وهذا التقليد يظل غائبا.
اعترف في النهاية أن شعر المديح النبوي عند الشعراء الإباضيين لا
يختلف في كثير منه عن شعر المديح النبوي عند غيرهم من الفرق الاسلامية
الأخرى، ولا يكاد الباحث يجد فرقا بين قصيدة مديح نبوي لشاعر اباضي
وغيره، ولذلك فإنه لم يظهر أثر يذكر لخصوصية الشاعر الاباضي عن غيره
في هذا المجال. إذن هو لم يثبت أثرا خاصا للفكر الاباضي في هذا الشعر،
ولم ينف عنه بشكل قاطع التأثر بالفكر الصوفي. فالمسألة في حاجة إلى
مزيد من البحث والدراسة.
إن الباحث كان موضوعيا في عرضه وتحليله. وموقفه هذا يفتح المجال
أمام الدارسين ليسهموا في مناقشة المسألة. وقد كان موفقا إلى حد
بعيد في عرض موضوع شعر الزهد والسلوك، وتأثره بالفكر الإباضي. فقد
قدم نظرة الفكر الاباضي الى الزهد والتصوف، ثم ذكر مجموعة من الأفكار
التي دارت في شعر الشعراء، والتي لها علاقة بالزهد والسلوك، وكان
في كل فكرة يربط بين ايراد الشعراء لها وبين الأصل الذي تصدر عنه،
وهو الفكر الإباضي، وحاول أن يعلل كل ما يوحي بالخروج عن هذا الفكر،
ويرد كل ما يوهم بخلاف ما يقصده الشعراء. وبذلك يبقى ملتزما بخطه
الذي اختطه لنفسه في هذا المبحث، وهو عرض حقيقة شعر السلوك من وجهة
نظر الإباضية، وتصحيح المفهومات. غير أننا نؤكد أن الموضوع في حاجة
إلى مزيد من البحث.
ـ الحماسة في الشعر الإباضي
لا نقرأ حديثا عن أثر الفكر الإباضي في هذا الشعر سوى ربط ما نظمه
الشعراء بتاريخهم وحضارتهم وأسلافهم وتراثهم، واستمداد القوة والاعتزاز
من هذا التاريخ المجيد والإرث التليد.
إن اغلب ما أتى به هو شعر حماسي استنهاضي عاطفي، يدعو إلى التحرك
ونبذ الخمول والتقاعس.
ليست فيه خصوصية مذهبية أو فكرية إلا ما كان يذكره أحيانا مشدودا
أو موصولا بأسلاف الشعراء، كما قال وهو يقدم أبياتا لأبي سلام الكندي:
تأتي قصيدة الشاعر التالية متأثرة بأسلوب شعراء الشراة الاباضيين
الأوائل، اتكأ فيها على الموروث الثقافي الفكري، متأثرا ببعض المصطلحات
الإباضية.
إن الباحث ربط ربطا محكما وثيقا بين شعر الشاعر وأسلافه من الشراة،
في هذا الربط دلالات كثيرة، يعيها من يعرف حقيقة هؤلاء الشراة، وما
يتمتعون به من صفات الشجاعة والإقدام والكرامة.. ويعرف أدوارهم البطولية
والمشرفة في أدوار التاريخ، ويعرف طبيعة علاقتهم بغيرهم في مختلف
الحقب التاريخية، بخاصة في القرون الأولى من التاريخ الاسلامي. وقد
ركز الباحث على هذه النقطة في أثناء بحثة، وأشار إليها في مباحث
كثيرة في دراسته هذه.
إن الباحث عمد إلى ذكر أمثلة عن الشعر الذي وردت فيه إشارات إلى
الشراة، ليبين تأثر هؤلاء الشعراء بهم وبسلفهم الإباضية، وليؤكد
على الخيط الذي يربط هؤلاء بأولئك، وليثبت الصلة الوثيقة بين السلف
والخلف، وليشير إلى وحدة التصور والهدف، وليبرز اللحمة القوية بين
كتابات الشعراء.
ـ الشكوى في الشعر العماني
تناول هذا الموضوع يشبه سابقه، لقد انعدم فيه الحديث عن أثر الفكر
الإباضي في الشعر، فنحن لا تقرأ فيما غرضه الباحث أن هناك خصوصية
لهذه الشكوى، تتصل بالفكر الإباضي، أو إن الباحث لم يوضحها. لقد
كان أغلب النماذج التي أتى بها، لأبي مسلم البهلاني، وفي موضوع واحد
هو الشكوى من الدهر والزمان. لم نجد إشارة الى الفكر الإباضي إلا
في الفقرة الآتية، التي علق بها على نص لسعيد بن خلفان الخليلي:
ويشكو الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من ظلم الدهر له ولمجتمعه، معددا
مظالمه، مبديا مآخذه عليه. وهو ينطلق من كل هذا من منطلق ديني اجتماعي،
وكأن الدهر كان سببا في الحيف الواقع على عباد الله، الذين استبيحت
دماؤهم، وانتهبت أموالهم. والشاعر في شكواه هذه انما كان يعكس حالة
الظلم، بغياب العدالة تهيئة لدعوته السياسية النابعة من الفكر الإباضي.
ـ قدسية المكان عند الشاعر الإباضي
اختار الباحث مدينة نزوى عاصمة الإمامة وموئل العلماء، ليتخذها محورا
لما كتب عن المكان، ونموذجا لحضوره في شعر الشعراء، ومنها انطلق
ليربط مشاعر الشعراء وعواطفهم بالفكر الإباضي.
إن القارئ المتعجل لما كتب الباحث، ولما أتى به من نماذج شعرية،
قد لا يوافقه على أن لما سرده علاقة بموضوع أثر الفكر الإباضي في
الشعر. لكن حين يعرف مكانة نزوى في تاريخ عمان: دينيا وعقديا وسياسيا،
ويعلم دورها في تحريك الأحداث، وإثارة المشاعر، وتوليد الأفكار،
ويقف على ما تحمله مدينة نزوى من مكانة في قلوب الإباضية وعقولهم...
يدرك أن الأثر الذي أراد الباحث أن يوقفنا عليه موجود فعلا. هو غير
مصرح به، ولا هو ظاهر، هو مبطن ومضمن في المشاعر التي أبداها الشعراء
فيما نظموه عن نزوى. فإذا وصفوا هذه المدينة وصفوها بشعور مرتبط
بالفكر الإباضي، وإذا مدحوا شخصا فلأنه يحمل بين جنبيه إحساسه بهذا
الفكر، وإذا نعوا أو ذموا فإنهم يقصدون من يناهض هذا الفكر، وإذا
تحسروا على شيء فإنهم يتأسفون من المساس بهذا الفكر. من هنا فإن
الحديث عن قدسية المكان (نزوى) حديث عن الفكر الإباضي.
قال الباحث: وعليه نفهم سر ارتباط الشاعر الإباضي بهنا، عموما، ومدينة
نزوى خصوصا، حيث ارتبطت هذه المدينة برجال كان لهم دورهم الواضح
سياسيا وعلميا، لأنها كانت عاصمة الإمامة العمانية منذ القرن الثاني
للهجرة سنة (192هـ) أي منذ عهد الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي (ت
207هـ)، وتعاقب على أرضها أئمة عدول.
لقد خاطب الشعراء مدينة نزوى، مسجلين أمجادها وتاريخها ودورها الكبير
في نشر المذهب الإباضي، وتسجيل مسيرته، وإظهار حقيته، فارتبطت المدينة
عندهم. بمعاني الجلال والعظمة، ونصاعة الفكر وصفاء العقيدة. قال
الباحث عن أبي مسلم البهلاني وما نظمه عن نزوى: وعلى رأس هؤلاء الشعراء
أبو مسلم البهلاني، الذي خصها بأبيات طويلة، تفيض عذوبة، اختلطت
فيها عاطفة الشاعر الإيمانية بعاطفته الوطنية، حين أصبحت عنده رمزا
من رموز الوطن، وموئلا للمذهب، وشكلت حينها جانبا من جوانب الاستقلال
والحرية والعدالة، فاكتسبت بعدا تاريخيا وبعدا دينيا وبعدا مكانيا
وبعدا وطنيا. فنزوى مليئة بعبق التاريخ، مرتبطة بالعقيدة التي تحكم
الإباضية، فالحديث عنها يثير المشاعر ويلهب الحماسة، ويحكم الرباط
بين الأجيال التي تنتمي أصول إلى واحدة. فلا غرو إذا خصها الشاعر
بأبيات متميزة. قال من جملة ما قال في قصيدته الفتح والرضوان:
وافرق بها البيد حتى تستبين لها فرق على بيضة الإسلام عنوان
فإن تيامنت الحوراء شاخصة لها مع السحب أكناف وأحضان
فحط رحلك عنها إنها بلغت نزوى وطافت بها للمجد أركان
انزل فديتك عنها إن حاجتها عدل وفضل وإنصاف وإحسان
انزل فديتك عنها إن وجهتها تخت الأئمة مذ كانت ومذ كانوا
هنالك انزل وقبل تربة نبتت بها الخلافة والإيمان إيمان
انزل على عرصات كلها قدس للحق فيهن أزهار وأفنان
انزل على عذبات النور حيث حوت أئمة الدين قيعان وظهران
أرض مقدسة قد بوركت وزكت تنصب فيها من الأنوار معنان
في هذه الأبيات التي استشهد بها الباحث، أراد أن يدلل على القدسية
التي أحاط بها أبو مسلم البهلاني مدينة نزوى، الرمز على الأصالة
والتاريخ والعقيدة. والمدينة التي تهيج العواطف والمشاعر وتستنهض
الهمم؟ المكان الذي يثير الذكريات. قال معلقا على هذه اللوحة التي
رسمها الشاعر لمدينة نزوى، مركزا على البعد الذي تدل عليه رموز أبي
مسلم: لأن المكان شكل عاصمة لنظام أشبه بالخلافة الراشدة، وهي الإمامة
الإباضية، مشبها نزوى بالتربة والخلافة بالشجرة التي نبتت في ظلها،
ورست بجذورها في قعرها. وزاد الأمر وضوحا حين أشار إلى أن قدسية
المكان تستمد مما حواه باطنه وظاهره من أئمة عظام.
المهم ان الباحث قد وفق في الربط بين المكان والفكر، ببيان الأثر
الذي تركه الثاني في شعر الشعراء، من حيث وصف المكان، انطلاقا من
توجهات فكرية، وصدورا عن عقيدة، تعطي لهذا الوصف ميزة خاصة وتمنحه
صبغة متميزة.
الفصل الخامس: السمات الفنية
التجربة وأثر الفكر فيها
لا شك أن التجربة الشعرية تتأثر ـ من جملة ما تتأثر به ـ المكون
الثقافي والوضع الاجتماعي والسياسي والنفسي. من هنا حاول الباحث
ان يربط التجربة عند الشعراء الاباضيين بالفكر الذي يصدرون عنه،
رغم ان هذا الأثر لا يمكن حصره أو محاصرته في الشعر بشكل جيد إلا
عن طريق تفسير بعض التصرفات أو بعض التوجهات، أو تأويل بعض التجارب
والتعبيرات.
لهذا فإننا نجد في تحليل الباحث عبارات تشي بذلك كقوله وهو يحلل
بعض النماذج أو بعض المحاولات (التفاعل مع الواقع، المشاركة الوجدانية
حين عزت المشاركة الفعلية، بعث همم قومه وبني مذهبه، بعث الحياة
في النفوس، إحياء معالم الإمامة..)
كل هذه التعبيرات توحي وتفسر ارتباط الشعراء بالفكر، وتأثرهم به،
وتكشف عن الحرص على البقاء أوفياء لهذه الأصول قولا وعملا. لهذا
كان علينا ان نقبل ما أتى به الباحث دليلا على أثر الفكر في الشعر.
قال: (ان التجربة الشعرية عند الشعراء الإباضيين عموما مرتبطة ارتباطا
وثيقا بالحياة ومشاكلها، والمجتمع وإفرازاته، وهي وثيقة الصلة بالانتماء
الفكري المتجذر في نفس الشاعر، المتصل بعقيدته التي أوجدت لديه نوعا
من التلازم بين الفن والعقيدة كما قرره الدكتور إحسان عباس).
كما اتخذ من شعر أبي مسلم البهلاني دليلا على ارتباط الشاعر الإباضي
بأصوله، وحجة على تأثير الفكر في الشعر. هذا الشعر الذي تميز بالحماسة
الكبيرة والعاطفة الصادقة، والاستنهاض الشامل، والدفاع المستميت
عن الأصول. قال الباحث: (ان شعر أبي مسلم في أغلبه يشكل جانبا من
جوانب شخصيته، وتتمثل فيه تجربته الشعورية، فهو ان رثى بدت حرارة
الفقد في ألفاظه وطريقة أسلوبه، وان حمس واستنهض نجد ان كلماته تنبع
من حنايا قلبه، وان دافع عن عقيدته نجد ان الشاعر يدافع عنها دفاع
المؤمن بقضيته المقتنع بمذهبه، وكأن كل كلمة يقولها إنما هي فيض
من أحاسيسه). في الحقيقة ان كل كلمة يقولها أبو مسلم هي فيض من أحاسيسه.
يؤكد الباحث ان تجربة الشاعر متميزة في هذا المجال، تشكل المعطيات
التاريخية أحد جوانبها. إنها تعكس بصدق ووضوح قناعاته الفكرية التي
لا تمتاح إلا من مصدر إباضي: (لقد شكلت تجربته انعكاسا حقيقيا للفكر
الإباضي، وتجليا للثقافة التي كونت شاعريته، ممتزجة مع معاناته،
فقد عبرت قصائده الحماسية الأربع عن تجربة عميقة ودراسة واعية لمسار
الفكر الإباضي، يعدها العمانيون من غرر قصائد الحماسة والاستنهاض،
وهي النونية والميمية والعينية والمقصورة. وهي قصائد في مجموعها
تعبر عن مدى تفاعل الشاعر مع الأحداث التي جرت في عمان، وأدت الى
بعث نظام سياسي كان السالمي عمدة إحيائه).
نقرأ في الفقرة الآتية التي ختم بها الباحث هذا المبحث ان الأثر
في التجربة الشعرية لم يظهر في الأفكار التي جاءت في شعر الشعراء،
إنما هي تستنتج من ردود الأفعال التي تثيرها الأحداث والواقعات والعوامل
التي تستثير الشعراء، لينظموا شعرا ينسجم مع الفكر الإباضي: (وبذلك
بمكن القول عبر الأمثلة المحدودة التي وردت في هذا المبحث ان الشعراء
الإباضيين قد عبروا عن فكرهم بما ينبئ عن تجربة حقيقية وإحساس صادق،
شكلت الأحدث وتداعيات الظروف السياسية والاجتماعية أحد أبرز إلهامات
الشعراء واستشاراتهم بها، وجاء شعرهم منتميا الى جماعة فكرية، مندغما
مع الماضي، يجمع بين هموم الأمة ومتطلبات التعبير عن الذات).
ـ بناء القصيدة
لا نقرأ في هذا المبحث خصوصية أو أثرا للفكر الإباضي، ولا نجد في
تحليل الباحث ما يكشف عن هذا الأثر إلا عبارات إنشائية مؤسسة لمحاولة
إقناع القارئ بأن للبناء علاقة بالفكر. وما نقرؤه في تعليقاته يشير
الى المضمون، وليس الى البناء، وقد سبقت الاشارة الى ذلك في المباحث
السابقة.
حاول الباحث الربط بين عناوين بعض القصائد والمضامين أو الموضوعات
ليوجد علاقة بين البناء والفكر، وبين الاستهلال وأجزاء القصيدة.
وهي علاقة تنطبق على أي عمل شعري، ولا يخص الفكر الإباضي.
إن ما عده الباحث تأثرا بالفكر الإباضي في فصل السمات الفنية، لا
يعدو ما ذكره قبل في الجانب الفكري، بمعنى آخر إن التأثر كان في
المعاني والأفكار، وليس في الجانب الفني، إذ لا خصوصية للفكر الإباضي
في هذا المجال.
نقرأ هذا في التعليق على أبيات ذكرها الباحث لأبي مسلم البهلاني،
وهو يبين اقتباس الشاعر من القرآن ضمن المؤثرات العامة في لغة الشعر
العماني وأسلوبه. وهو يركز على السمات الفنية ضمن أثر الفكر الإباضي.
قال: فقد أراد الشاعر من خلال هذا الاقتباس أن يؤكد دعوته للجهاد
في سبيل الله. فالبيت الأول يعود الى قوله تعالى: (انفروا خفافا
وثقالا) ليكمل الآية في البيت الثاني: (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم
في سبيل الله) بينما استوحى البيت الثالث من قوله تعالى (إن الله
اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) والملاحظ أن الشاعر
قد أخذ هذه المعاني الجهادية من سورة التوبة). وقد كانت تعليقات
الباحث تنصب على المعاني والأفكار، لا على الحانب الفني.
من تعليقاته وهو يتحدث عن المؤثرات العامة في لغة الشعر العماني
وأسلوبه: (والناظر في آلية التواصل التراثي عن الشعراء الاباضيين
يجد أنهم اختاروا من يتناسب مع فكرهم، ويتساوق مع اتجاههم، استاهاما
وتضمينا واقتباسا، فنجح كثير منهم في اللحاق بالمناخ الشعري السابق،
وتجاوزها آخرون، وبقي بعضهم أسير الجو التقليدي، بينما قصر آخرون).
ـ ظواهر لغوية وأسلوبية
أ ـ ألفاظ وأساليب تراثية
إن الباحث سرد أبياتا من مقصورة أبي مسلم الرواحي ليبين تأثر الشعر
العماني بلغة التراث، ثم علق عليها بقوله: (وإمعانا من الشاعر أبي
مسلم في الغوص الى أعماق الماضي، واستلهام عبره، لما يراه من انكفاء
وتراجع، لجأ الى بناء قصيدة تنتمي الى لغة التراث، في ألفاظ ذات
مسحة لغوية خشنة، تستمد مخزونها من مفردات غائصة في القدم، ذلك ما
نجده في قصيدته المعروفة بـ (المقصورة) وعلى الرغم من وعورة ألفاظها،
ذات الطابع الحوشي، نجد الأسلوب في سياق النص واضحا، لأن الشاعر
أراد من اتكائه على هذا الموروث، أن يذكر بما أهملته الأمة من تاريخ
عريق، ومجد أثيل، فالقصيدة منذ مطلعها تقبض بألفاظ التراث).
تعليق الباحث جيد، وتحليله وتوجيهه للنص توجيه يربط الشاعر بالتراث.
لكنه لا يخدم المبحث الذي وضع فيه، وهو بيان جانب أثر الفكر الإباضي
في الشعر فنيا.
في مبحث ألفاظ ومصطلحات إباضية، وفق الباحث في إبراز أثر الفكر في
الشعر، فقد تمكن من رصد مجموعة من هذه المصطلحات الكثيرة التي دارت
في شعر الشعراء: فكرية، تاريخية، عقدية، سياسية.
في بقية المباحث: التكرار والتوازي والتقسيم والأسلوب والصورة الشعرية،
لم نقرأ فيها خصوصية في التأثر بالفكر الإباضي.
جاءت خاتمة البحث ملخصة للنتائج التي تواصل إليها الباحث بعد العرض
قدمه حول الباحث التي اختارها محطات بتوقف عندها، وهو يحاول رصد
أثر الفكر الاباضي على الشعر العماني. في الحقيقة ان الخاتمة جاءت
منسجمة تمام الانسجام مع تحليله للقضايا التي أثارها في أثناء الدراسة.
إلا بعض الملاحظات المتعلقة بالجانب الفني، التي نوافق الباحث على
ما ذكره من ارتباط التجربة الشعرية عند عدد من الشعراء الإباضيين
بالانتماء الفكري، بحيث أوجد هؤلاء نوعا من التلازم بين الفن والعقيدة.
فنحن لم نقرأ هذا عرضه وناقشه في صلب الدراسة، أي لم نقرأ خصوصية
فكرية في هذا المجال.
نحن نكبر الباحث على طرقه هذا الموضوع البكر، فقد حاول من خلاله
تحقيق هدفين، الأول: التعريف بالفكر الإباضي وتصحيح الرؤى، وتوضيح
المفهومات، ودفع الشبه... الثاني: بيان العلاقة الوثيقة بين الفكر
الإباضي والشعر العماني، وهو بذلك أراد التنويه بالصلة التي تكون
بين المجالين النظري والتطبيقي، ولفت النظر الى خلة الوفاء والالتزام
التي يبديها الشاعر الأصيل، الذي يصدر عن مبادئ ثابته، ويتحرك انطلاقا
من مصادر محددة معينة. هذا من جملة الأهداف التي تصبو إليها أمثال
هذه الدراسات التي تتناول الشعر مقرونا أو مرتبطا بالفكر. وصدق الباحث
حين قال: حسب هذه الدراسة ان تكون لبنة يمكن البناء عليها، لعلها
تستثير همم الباحثين ورواد المعرفة الى مزيد من البحث والاستقصاء).
ملاحظات عامة
إن الباحث بذل مجهودا كبيرا في جمع المادة الشعرية والمادة العلمية،
ولم يأل جهدا في البحث عن الأثر الذي تركه الفكر الإباضي في الشعر
العماني، وقد كانت مصادره متعددة ومتنوعة، وكانت معلوماته موثقة،
وكان تحليله للنصوص جيدا في عمومه. وقد فسح للباحثين مجالا لمواصلة
البحث في الموضوع، يمكن أن يثمر ثمارا أخرى، تضيف الى عمل الدكتور
محمود السليمي لبنات أخرى في إقامة صرح هذا الموضوع: تعريفا وتصحيحا
وتحليلا...
يمكن ان نجمل بعض الملاحظات في النقط الآتية:
1ـ ان الباحث كان حريصا كل الحرص على التعريف بالمذهب الاباضي تعريفا
صحيحا، منقولا من مصادره الأصلية الموثوق بها. وقد كان مركزا على
تصحيح المعلومات وإزالة الإبهام، ودفع الشبه والتهم، والدفاع عن
الخصوصية التي تميز المذهب الإباضي عن بقية المذاهب، وبخاصة في مجال
العقيدة، التي سببت له مشاكل ومتاعب في علاقاته مع غيره، نتيجة سوء
فهم غيره له.
وكان الباحث يرى ان لهذه الأصول التي يتبناها المذهب الإباضي، وهذه
الرؤى التي ينطلق منها ـ مع خصوصية الأباضية وتميزهم بها ـ دورا
معتبرا في تقويم السلوك، والتزام شرع الله، والحذر مع الوقوع فيما
يسخط الله. لقد كان لها فضل في ضمان صون المجتمع من التداعي والتدهور.
حاول ان يؤكد على كل ذلك من خلال ما كتبه الشعراء شعرا، ومن صدى
تلك الأفكار وتلك المعتقدات فيه: تقريرا لها وتزكية لصلاحيتها وجدواها
في سيرة المؤمن. إلا ان هذا الحرص أو هذا التناول أعاق ـ أحيانا
ـ منهج دراسته، حيث طغى الجانب النظري على جانب الأثر في الشعر في
بعض المسائل.
2ـ تميزت الدراسة بالموضوعية في العرض، وعقد مقارنات ـ ولو كانت
قليلة ـ بين الفكر الإباضي وغيره في بعض جوانبه، على المستوى النظري.
3ـ كشف الباحث من خلال عرضه، وذكره نماذج من شعر الشعراء عن الأجواء
التي كانت سائدة في عمان في ظل الإمامة، والعلاقة التي كانت تربط
الإمام بالرعية إيجابا وسلبا.
4ـ رصد الباحث مجموعة من الشعراء العمانيين الذين وجدوا في هذه الفترة
المخصصة للدراسة. هؤلاء الذين تمثلوا الفكر الإباضي، وصدروا عنه،
والتزموا بمبادئه وأصوله.
5ـ بعض القصائد لا تحس فيها أثرا للفكر الإباضي، إنما تقرأ فيها
تأثرا بأحداث حصلت للإباضية، تناولها الشعراء في قصائدهم، أو استوحوا
منها ما نظموه، ووجهوا من خلاله رسالاتهم وتوجيهاتهم وأهدافهم. أي
جسدو أحداثا تاريخية، وقدموا مفهومات خاصة.
6ـ يمكن تقسيم الدراسة من حيث تقويمها الى ثلاثة أقسام:
أ ـ قسم برز فيه الفكر واضحا.
ب ـ قسم لم يظهر فيه هذا الأثر.
ج ـ قسم تأرجح بين هذا وذاك، هو في حاجة الى مزيد تأمل ومناقشة.
7ـ بعض القصائد والشواهد التي أوردها الباحث هي منظومات، يقصد بها
تقرير حقائق شرعية، لا نجد لها أثرا في قول الشعر، والبحث كان يهدف
الى بيان هذه الحقائق أو المبادئ في الشعر، وعنوان الدراسة يشي بذلك،
بدليل استفاضة الباحث في مناقشة بعض القضايا، واستعراض وجهات نظر
الإباضية وغيرهم فيها. فتحول البحث في هذه المسائل، وفي بعض صفحاته
الى الحديث عن الفكر، بدلا من التركيز هذا الشعر.
8ـ استأثر أبو مسلم بنصيب كبير من اهتمام الباحث في هذه الدراسة،
فقد وردت الإشارة إليه والى شعره في أكثر من سبعين ومائة صفحة (170)
ماذا يعني ؟ هل يعني أنه كان الأكثر تأثرا وتجسيدا للفكر الإباضي
؟ فأين حجم ذلك الأثر في شعر يقية الشعراء ؟ هل ان بقية الشعراء
بقوا في مستوى النظم، أي التعريف الفكر الإباضي، وتقرير أصوله من
دون الانتقال الى مجال المشاعر والتأثر وكتابة ذلك شعرا ؟ مع ان
الباحث قام بعملية استقصاء كبيرة في جمع المادة الشعرية، وعرض لشعراء
كثيرين في هذه الدراسة ؟ أم أنه رأى في أبي مسلم خير من عبر عن الفكر
الإباضي، فاتخذه العمدة في الدراسة؟.
9ـ كان مفيدا لو أنهى الباحث بعض الفصول أو المباحث بخاتمة، توجز
بعض الأفكار، وبخاصة إذا كانت هناك بعض الاستنتاجات، التي تكون وسيلة
للربط بين الفصول والمباحث.
10ـ حرصت الدراسة أن تبين ما يأتي: العلاقة بين الفكر والشعر، ومحاولة
نشر الفكر بواسطة الشعر، ومن ثم تقرير ان الشعر يستمد أصالته من
الفكر.
هدانا الله الى ما يوفقه ويرضاه
د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام
أعلى
د. محمد أبو ليلة في حوار صريح :
لابد من تصحيح صورة الإسلام في الخارج.. وبناء جسور الثقة مع الغرب
المسلمون قادرون على أن يعيدوا بناء حضارتهم .. بالتمسك بمبادئ الدين
تجديد الخطاب الديني ضرورة لكن بعيدا عن هوى الأميركان
الحضارة الغربية ناقصة تعتمد على العضلات أكثر ما تعتمد على العقل
القاهرة ـ من محمد عمر : د. محمد أبو ليلة
أستاذ ورئيس قسمي الدراسات الإسلامية والأدب الإنكليزي بكلية اللغات
والترجمة بجامعة الأزهر واحد من أهم أساتذة الدعوة الذين رشحتهم
وزارة الأوقاف المصرية والأزهر الشريف للسفر إلى إنكلترا مؤخرا ضمن
قافلة تعتبر هي الأولى من نوعها لتصحيح صورة الإسلام الخاطئة في
الخارج.
أكد د. أبو ليلة أن ما يعانيه المسلمون اليوم من هزائم متكررة هو
نتاج طبيعي لفرقتهم وبعدهم عن تعاليم الإسلام رغم أنهم قادرون على
أن يعيدوا بناء حضارتهم إذا ما تمسكوا بتعاليم دينهم الحنيف.
(الوطن) التقت به في حوار صريح شمل أهم القضايا التي تدور على الساحة
الإسلامية .. وهذا نص الحوار:
* قبل سفرك بساعات لإنكلترا ضمن قافلة وزارة الأوقاف لتصحيح صورة
الإسلام في الغرب .. هل مثل هذه القافلة سوف تحقق الهدف المطلوب
؟
** هذه القافلة مهمة جدا وهي الأولى من نوعها على هذا المستوى ..
والهدف منها - كما قلت - تصحيح صورة الإسلام في الغرب والإجابة على
أسئلة الغربيين الكثيرة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر حيث كثر الكلام
عن الإسلام والمسلمين وألصق الإرهاب بديننا الحنيف .. وخصصت أجهزة
الإعلام الغربية مساحات واسعة حول هذا الموضوع فكان من الضروري على
وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية المنوط بالدعوة للخارج
وكذلك الأزهر الشريف كأكبر مؤسسة دينية ودعوية في العالم كله أن
يقوم بتوضيح بعض الأمور التي تتصل بالإسلام وبتصحيح الأخطاء التي
ألصقت بهذا الدين ومحاولة بناء جسور ثقة بين الشعوب الإسلامية والشعوب
الغربية مراعين أن الأزهر له عراقته وله ثقله في العالم الإسلامي
كله .. ويعتبر مركز التعليم الديني في العالم ويحرص دائما على إزالة
التفاهم وسوء الفهم لدى قطاعات كبيرة من الغربيين.
ومما يؤكد أهمية هذه القافلة الدعوية أنها تأتي في أعقاب مؤتمر المجلس
الأعلى للشئون الإسلامية الذي عقد مؤخرا تحت عنوان (التسامح في الحضارة
الإسلامية).. وقد دعا د. زقزوق وفودا أجنبية من الكنائس المختلفة
لاطلاع الأطراف على رأي الآخر في سبيل إقامة مصالحة بين المسلمين
والشعوب الغربية
برنامج القافلة
* وما هو البرنامج المعد الذي سوف تقومون به ؟.
** البرنامج سوف يشمل بعض الجامعات الإنكليزية وبعض مراكز البحث
العلمي والهيئات الكنائسية وبعض المؤسسات الثقافية الفاعلة ذات التأثير
في المجتمع الغربي منها (مركز الدراسات الإسلامية) بجامعة أكسفورد
ومركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لندن .. وسنقوم بزيارة الكنيستين
الكاثوليكية والبروتستانتية وغير ذلك من الهيئات التي سوف يزورها
أعضاء الوفد سواء للمحاضرة أو الحوار أو المناقشة حول الموضوعات
ذات التأثير المتبادل على الشعوب الإسلامية والشعوب المسيحية وعلى
رأس هذه الموضوعات سوف نتحدث عن الجهاد ومفهومه في الإسلام ونظرة
الغرب إليه.. وعن المرأة وقضاياها المختلفة والاعتراف بالآخر والإرهاب
والتطرف وموضوعات أخرى مثارة على الساحة الإعلامية والسياسية.
حرب شعواء
* ما هو تقييمكم لتلك الحرب الشعواء التي يشنها الغرب بقيادة الولايات
المتحدة الأميركية على الإسلام والبلدان الإسلامية ؟.
** ما يدور في العالم اليوم يمثل عداء سافرا على المسلمين لأن السياسة
الأميركية تفرغت لحرب المسلمين بعد ما صورتهم للعالم على أنهم العدو
الوحيد لأمريكا والحضارة وهذا وهم لأن الإسلام يبني الإنسان على
أساس من الفطرة السليمة .. والمسلمون لا يعادون الحضارة ولا أميركا
ولهم أصول ثابتة يتحركون منها ويتعاملون على أساسها مع الآخر ..
ولا يحاولون التخلص من الآخر ولكن أميركا تركز جهودها لضرب الإسلام
وإعادة صياغة المنطقة عقليا ونفسيا وثقافيا وسياسيا .. وهي تبشر
بالحرية والديمقراطية وتسعى لفرض ذلك بأسلحة الدمار الشامل والحصار
الاقتصادي وهي أدوات لا تتفق مع الديمقراطية والمسلمون اليوم محاصرون
وهم هدف للضربات الإعلامية والسياسية والعسكرية.
مصطلح الإرهاب
* وسط كل هذه الأجواء يبرز مصطلح (الإرهاب) سيفا مسلطا على رقاب
المسلمين فمن المسئول عن ذلك .. نحن أم هم ؟.
** الإرهاب اليوم أصبح وكأنه مخصص للمسلمين وأميركا والغرب أعطوا
بعض المسلمين من أصحاب الحناجر الفرصة للانطلاق ومهاجمة بلدانهم
ثم بعد ذلك استداروا عليهم واتهموهم بالإرهاب واتهموا معهم الإسلام
والمسلمين على الرغم من أن الإسلام لا يعرف الإرهاب ولا الدموية
لأنه يسعى إلى الاستقرار والأمن والأمان.
* ترتدي الولايات المتحدة ثوب الدفاع عن الحرية والديمقراطية وتدعي
أنها تعمل على القضاء على الإرهاب .. مع أن أهدافها مفضوحة حيث تعتبر
الإسلام هو العدو حاليا فما هو تقييمك لهذا المخطط ؟.
** المؤكد أن المستهدف من الإرهاب هو القضاء على الإسلام ولكن أميركا
والغرب لن يفلحوا في ذلك لأن الإسلام أقوى وأبقى منهم وهم الآن يصادرون
الحريات وينتهكون حقوق الإنسان حتى في بلدانهم ويحاصرون الأقليات
المسلمة لديهم ويضيقون عليهم والحضارة الغربية نمط .. وليست نموذجا
وهي مثلها مثل الحضارات التي بيدت ولم يبق لها أثر يذكر وهي نمط
لما استحدثت من اختراعات واكتشافات ولكنها ليست نموذجا لأنها حضارة
ناقصة تعتمد على العضلات أكثر مما تعتمد على العقل وتعتمد على العقل
أكثر مما تعتمد على الروح وتحمل جراثيم كثيرة تقضي عليها .. وهناك
كتاب عقلاء بالغرب يتنبأون بسقوط أميركا وبسقوط الغرب .. وأمريكا
نفسها تعتبر الحضارة الغربية حضارة (هرمة) وقد شاخت .. وأوروبا الغربية
تنظر إلى أميركا على أنها تمثل غطرسة القوة التي تريد الهيمنة على
العالم وفي الوقت نفسه فإن من واقع الدراسات والتحليلات أنه ليس
لدى الغرب (أوروبا وأميركا) أيديولوجية واضحة يمكن تقديمها للناس
وليس لديه نظام ثابت لحياة الناس وليس لديه عقيدة صالحة أو نظام
صالح للحكم والمشروع العلماني الذي يحمله الغرب مصيره المؤكد هو
الفشل .. فإذا أرادت أميركا أن تكون أطول عمرا عليها أن تحسن علاقاتها
بالمسلمين وتستفيد من العرب ومن الإسلام ولا تقيمنا ونحن في حالة
ضعف.
الفرقة .. السبب
* ولماذا فشلنا في أن نقول كلمتنا ووطننا الإسلامي يضيع منا قطعة
قطعة فقد ضاعت فلسطين والصومال وأفغانستان والعراق والبقية تأتي؟.
** بسبب الفرقة ضعفنا فسهل على أعدائنا السيطرة علينا وفرض واقع
مر علينا بعد أن فشلنا في إدارة الأزمة وفشلنا في إدارة الثروة واستخدمناها
فيما لا يرضي الله وفشلنا في إدارة الحوار مع الغرب وفشلنا في تطوير
أنفسنا
* وهل يعني ذلك أن الأمر قد قضي ولا أمل ؟.
** الإسلام بخير وهو يقاضي المسلم على تقصيره في العمل وفي تلقي
العلم وعلى تخلفه والمجتمع الإسلامي قائم على (اقرأ) والمسلمون سبق
وأن أسسوا حضارة متفردة في كل شئ وهم قادرون على التمسك بدينهم وأن
يعيدوا بناء حضارتهم.
* ولكن هناك من يتهم الإسلام بالفشل في المواءمة بين من يفكر ومن
يدبر فما ردكم على ذلك ؟.
** الإسلام لا يفشل أبدا لأنه قائم على أصول ثابتة وإنما الذي يفشل
هم المسلمون بقدر بعدهم عن تعاليم الله .. ولكن الناس انبهرت بالحضارة
الغربية التي جاءت بالمدفع رغم أن صاحب الرسالة لا ينبهر ولا ينهزم
ولا يذوب في الآخر وليست العبرة بكسب جولة أو جولتين.
تجديد الخطاب الديني
* منذ أن دخل علينا مصطلح (تجديد الخطاب الديني) والجدل لا يهدأ
بين مؤيد ومعارض .. فما هي رؤيتكم لهذه القضية ؟.
** تجديد الخطاب الديني مطلب إسلامي سواء جاء من الغرب أو من الشرق
.. وهو مطلب قرآني (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
والمريض إذا جاءه الدواء من الغرب لا يرفضه فالحكمة ضالة المؤمن
أنى وجدها فهو أحق بها .. ولذا فالتجديد مطلب ديني وضرورة شرعية
ولكن علينا أن نتنبه إلى ما تريده أمريكا من تغيير وهو أن يكون الخطاب
لصالحها وفي خدمتها وهي لا تتوقف فقط عند الخطاب الديني وإنما تريد
أيضا الخطاب الثقافي والسياسي والتربوي في خدمة مصالحها وهذا هو
استعمار العقول.
أعلى
الاسلام وضع الأسس لمواجهة الاحتكار
وغلاء الأسعار
مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الاسلامى بجامعة الأزهر :
الضوابط الإسلامية في المعاملات التجارية والمالية
كفيلة بحل مشكلات الواقع الاقتصادي
التشريع الاسلامي يرعى مصلحة الفرد والمجتمع ويوائم بينهما
جاك استري أستاذ الاقتصاد الفرنسي:
الاقتصاد الاسلامى سيسود العالم بالمستقبل لأنه أسلوب كامل للحياة
القاهرة ـ من عزت دنيا: إذا كانت ندوة نقابة
الصحافيين المصرية التي عقدت مؤخرا ناقشت ارتفاع الأسعار والضوابط
المطلوبة للاقتصاد العربي بخاصة و الاسلامى بعامة لمعالجة الثغرات
ووضع الحلول لهذه المشكلات التي تعوق التنمية والتقدم في الاقتصاد
العربي والاسلامي ... فلهذا امتازت هذه الندوة بسخونة الحوار الذي
التهب ومن ثم تشعبت المناقشات إلى معوقات الإصلاح السياسي والاجتماعي
باعتبارهما العامل الرئيسي في أي أزمة مالية أو اقتصادية تمر بها
البلاد الإسلامية .
في بداية الندوة تحدث الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح
كامل للاقتصاد الاسلامى بجامعة الأزهر فقال : إن الشريعة الإسلامية
حاربت الاحتكار والمغالاة في الأسعار بشتى صورها ، واستشهد بقول
الرسول صلى الله عليه وسلم : (من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليها
عليهم كان حق على الله أن يقذفه في النار يوم القيامة) . وفى رواية
أخرى : (من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خائن)
؛ كما حرم الفقهاء المسلمون الأوائل عقود الربط ، وهو ربط بيع سلعة
بسلعة أو ربط بيع سلعة بشراء سلعة مقابلة لها كأن أقول : (أبيعك
دارى على أن تبيعني دارك) أو أبيعك دارى على أن تبيعني دارك أو أبيعك
دارى على أن تشترى معها أمتعتي ، وحرمت الشريعة الإسلامية أيضا عقود
الحصر والتواطؤ كأن نقول لا يبيع هذه السلعة إلا فلان أو أن اشترط
على من يشترى منى سلعة ألا يبيعها لفلان .
مواجهة الأزمات
ويشير الدكتور محمد عبد الحليم إلى أنه في وقت الأزمات يفيدنا التوجيه
النبوي (من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له) ، ولولي
الأمر في حالة انفلات الأسعار أن يتدخل لضبط الأمور بالاجتماع مع
التجار وممثلي المستهلكين ووضع تسعيرة جبرية على الجميع يرتضيها
التجار والمستهلكون ، تكون هذه التسعيرة عند أعلى مبلغ للسلعة يرتضيه
المستهلكون والتجار معا ، فأساس التشريع الاقتصادي الاسلامى هو المصلحة
، وقد عبر عن ذلك الأصوليون بقولهم : حيث وجدت المصلحة فثم شرع الله
... وهو تشريع يرعى مصلحة الفرد والمجتمع ويوائم بينهما ، وعند الاضطرار
لتغليب أي الجانبين تتقدم مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد .
الاقتصاد الاسلامى
ونوه الدكتور عمر لبعض الاقتصاديين العرب الذين يرفضون القول بوجود
اقتصاد اسلامى ، رغم أن كثيرين من مفكري واقتصاديي الغرب أكدوا منذ
ما يقرب من نصف قرن من الزمان أن الطريق إلى الإنماء الاقتصادي ،
ليس محصورا في الاقتصاديين المعروفين الرأسمالي أو الاشتراكي ، بل
هناك اقتصاد ثالث راجح هو الاقتصاد الاسلامى الذي يبدو في نظر عالم
شهير حينذاك مثل جاك استري أستاذ الاقتصاد الفرنسي ـ انه (أي الاقتصاد
الاسلامى) سيسود العالم بالمستقبل لأنه أسلوب كامل للحياة ، يحقق
كل المزايا، ويتجنب جميع المساوىء .
وقد ورد رأى جاك أو سترى في كتابه (الإسلام في مواجهة النمو الاقتصادي)
. وقديما حاول كثيرون ممن يقولون بعدم وجود نظرية وأيديولوجية إسلامية
في الاقتصاد إقناعى بوجهة نظرهم ، ولم يفلحوا في ذلك بعد مناظرات
كثيرة تمت بيني وبينهم .
أهمية المعلومات
ثم تحدثت الدكتورة منى حلمي الأستاذة بمركز الدراسات الاقتصادية
وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية مؤكدة أن التخبط والارتفاع في الأسعار
سمة المجتمعات التي تمر بمراحل تحول اقتصادي ، لكنها لا تدوم كثيرا
إذا كانت عملية التحول تتم بخطط محددة ، وضوابط صارمة . وقد مرت
المجر وغيرها من الدول الأوروبية ودول الكتلة الشرقية بمرحلة التحول
التي نمر بها اليوم دون أن تغرق في عمليات فوضى الأسعار ، وعشوائية
آليات السوق ؛ وذلك يرجع إلى استناد المخططين الاقتصاديين ، ومتخذي
القرار الاقتصادي إلى المعلومات الشاملة ، والأرقام الدقيقة الموثوق
بها
حلول غير واقعية
وفى تعقيبه على الاراء المطروحة بالندوة قال د.محمد عبد الحليم عمر
مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الاسلامى بجامعة الأزهر إن الضوابط
الإسلامية في المعاملات التجارية والمالية كفيلة بحل مشكلات الواقع
الاقتصادي ، وتلبية حاجة المجتمع تجار ومستهلكين، في وقت يتبادل
فيه التجار والمسئولون عن إدارة الاقتصاد الاتهامات ، وكل منهما
يلقى بمسئولية ارتفاع الأسعار على الآخر ، وخاصة أن الاقتصاد الاسلامى
لم يوضع للمجتمعات القديمة ، بل وضع لكل زمان ، ولكي يطبق في مجتمع
يعلي قيم وتعاليم الإسلام في شتى مناحي الحياة .
وأضاف د. عمر إن بحوثنا ليست موضوعة ومعدة في برج عاجي بعيدا عن
المشكلات الاقتصادية للواقع . ولا تحاول أن تجر المجتمع للوراء في
القرون الهجرية الأولى ، كما يدعى كثيرون .
نحن نقترح حلولا عملية للخروج من الأزمات الراهنة ، وننشرها ونقدمها
للمسئولين بقدر المستطاع ، لأن كثيرا مما نتصوره ونصل إليه في أبحاثنا
الاقتصادية لا توافق وسائل الإعلام على نشره ؛ وإذا نشر جزء منه
لا يأخذ به المسئولون عن اتخاذ القرار في الشئون الاقتصادية والمالية
، وهذا هو الفرق بيننا وبين الدول الغربية التي تلهث وراء كل فكر
جديد حتى لو كان مغايرا مع فلسفتها .
أهل الثقة والامتيازات
أما خالد بخيت مدير عام بالبنك المركزي المصري وخبير اقتصادي فقد
أكد أن المشكلة الرئيسية التي تعانى منها المؤسسات المصرفية والاقتصادية
هي تقديم أهل الثقة على أهل الخبرة والامتيازات المالية التي تفوق
الخيال التي يحصل عليها أهل الثقة .
وقد أشارت أكثر من مداخلة أخرى إلى تجربة الصين والهند في التنمية
الاقتصادية مؤكدة أننا كمسلمين وعرب يجب ألا نركن إلى شماعة الانفجار
السكاني في تبرير الضعف الاقتصادي ، لأن تعداد المسلمين قاطبة في
العالم أقل من تعداد الهند أو الصين حيث تعدى تعداد السكان بالهند
المليار والنصف ، ولذلك نحن فى مرحلة التخلف الاقتصادي وما يتم على
أرض الواقع هو مسكنات مؤقتة لأمراض استعصت عليها الحلول نتيجة عدم
تقدمنا خطوات فعلية جادة نحو التنمية الحقيقية الاقتصادية وما ينتج
عنها من سوق مشتركة بينية بين الدول الإسلامية.
أعلى
كيف تسيطر على نفسك ؟
ليس أشق على الإنسان من مجاهدة النفس وتغيير
مرذول طباعها وتحليتها بمكارم الأخلاق وحسن العادات وفضائل السلوك،
قال تعالى : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، وقال عليه الصلاة
والسلام: ( ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب)،
وقال الشاعر :
لولا المشقة ساد الناس كلهمو ** الجود يفقر والإقدام قتّال
وكل سلوك شخصي أو نمط خلقي وراءه خصيصة نفسية منظمة له ودافعة إليه،
وحتى يستطيع الإنسان أن يتحكم في سلوكياته ويرتقي بأخلاقه ويضبط
تصرفاته، فلا بد أن يلتفت قبل ذلك إلى الدوافع والخصائص النفسية،
فما كان منها وراء السلوك المعوج والخلق الذميم فيعرضه لعملية التهذيب
والتقليم والقلع والإزالة.
وما كان يطمح إليه من خلق نبيل وسلوك سوي قويم فَلْيَسْعَ إلى إيجاد
وتنمية الدوافع والخصائص النفسية الموجهة له يوجدها إن لم تكن موجودة
وينميها إن كانت موجودة لكنها ضعيفة، وهذا ولا شك عملية شاقة وقد
تكون مؤلمة ؛ لأنها تهديد وتغيير للواقع النفسي والسلوكي والأخلاقي،
والنفسي تقاوم أي تغيير أو تهديد لواقعها مهما كان هذا الواقع ؛
لأنه مرتبط بقناعات عقدية أو فكرية أو لذات وأفراح قلبية أو بدنية
أو عادات مستحكمة ؛ ولهذا فبداية التغيير تكون من الأساسات التي
قامت عليها هذه الأخلاق والسلوكيات.
وبالمران والمجاهدة والإلحاح وتغيير القناعات العقلية والعمل الدؤوب
تسلس النفس قيادها وتعطي زمامها ويسهل حينئذٍ السيطرة عليها وتوجيهها
باستمرار إلى الأفضل.
قال أحد العارفين : ما زلت أسوق النفس إلى الله وهي تبكي حتى سارت
إليه وهي تضحك.
أفرض على نفسك رقابة ذاتية ومحاسبة دائمة في أفكارك وعاداتك وسلوكك
وأخلاقك وحركاتك وكلماتك (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم
قبل أن توزنوا )، وإليك بعض الصور التي تنقلت فيها النفس ويفقد الإنسان
السيطرة عليها أثناءها لعلك تحذر بعد ذلك هذه الصور.
بعض صور انفلات النفس وعدم السيطرة عليها:
إنَّ سبب كل بلاء وشقاء هو انفلات النفس وعدم السيطرة عليها حتى
يحجب الهوى العقل، ولهذا الانفلات صور كثيرة لكني أورد أمثلة لهذا
الانفلات ليحذر منها، وأحاول بعد ذلك أن أبين كيف يُمكن مواجهة هذه
الأمثلة :
1- التسويف في تنفيذ الأعمال والتأجيل لما يجب المبادرة إليه إيثاراً
للدعة والسكون والراحة والركون.
2- التردد والاضطراب عند محاولة الإقدام على أي عمل تحت ستار الخوف
من الفشل أو عدم العمل ما لم يتوقع حصول النجاح الكامل يقيناً.
3- عدم تحمل النقد والغضب لأتفه الأسباب ، فإذا غضب حطم كل شيء ،
لا يراعي أي عواقب أو يحتسب لأي خسائر.
4- الشرود الذهني وعدم التركيز الفكري أثناء العمل.
5- تحميل النفس ما لا تطيق من العمل مما يؤدي إلى القلق والاضطراب
وعدم تركيز الجهد وفقدان التوازن.
6- عدم الثقة في النفس وفي القدرة على عمل أي شيء.
7- الملل والسأم وعدم الاستمرار في أي عمل.
وهذه بعض المعالجات لهذه الصور السابق ذكرها التي يبتلى بها بعض
الناس في حياتهم.
كيف تقلل من السلبية في حياتك والتسويف في إنجاز أعمالك ؟
1- خذ قدراً كافياً من النوم بدون إسراف، وحبذا لو نمت مبكراً على
وضوء.
2- استيقظ مبكراً ولا تكثر من التململ في فراشك.
3- لا تفوتك صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة.
4- لا تنس أذكار الصباح فهي مفتاح السعادة ليومك.
5- خطط برنامجك اليومي في هدوء ، وحبذا لو أعدت النظر فيه مرة أخرى
وتمتع قليلاً بالتأمل في أكثر فقراته متعة لك.
6- احرص على تنويع برنامجك وعلى أن يكون فيه أشياء محببة إليك، وتوقع
أن تحقق فيه نسبة عالية من النجاح وحاول أن تبدأ بها.
7- انطلق لتنفيذ برنامجك مبتدئاً بدعاء الخروج ودعاء الركوب إن ركبت
في ذهابك لعملك.
8- ابتسم إلى كل من تلقاه من إخوانك في يومك بعد إلقاء السلام عليه.
9- احرص على إنجاز عملك أولاً بأول بحيث تتمكن من إنهاء برنامجك
مع نهاية يومك لا يبقى منه شيء للغد.
10- إذا عدت لمنزلك فداعب من تلقاه من أهلك وأطفالك ، وحبذا لو أحضرت
لهم بعض الهدايا وكافيء من حقق منهم نجاحاً في يومه ولو بكلمة وشجع
من أخفق وساعده على تجاوز إخفاقه.
11- ضمِّن برنامجك وقتاً للراحة والاسترخاء أو النزهة وإن قل.
12- شارك الجيران والأصدقاء والأقارب في مناسباتهم الاجتماعية بالطريقة
المناسبة.
مواجهة التردد والاضطراب
1- تأمل في الحياة بعين البصيرة لتعلم يقيناً
أن الدنيا لا كمال فيها، ولكن ما غلب صلاحه على نقصه فهو غاية ما
يطلب في الحياة.
وهذا هو التفكير الواقعي الحق وليس وراءه إلاَّ العيش في الخيالات
والأوهام.
2- تذكر دائماً أن المطلوب منك والمقدور لك هو العمل وبذل الأسباب،
أمَّا النتائج النهائية فهي بيده الله سبحانه وتعالى.
3- اقرأ سير العظماء وفتش في حياتهم لترى أن فيها نقصاً وفشلاً وليست
كلها نجاحات.
4- قم بعملية حصر واستقراء لما فيك من صفات كما وقوة ليظهر لك بعض
نعم الله عليك ولتعلم أن فيك غير صفات الضعف والنقص.
5- استذكر الأنشطة والأعمال التي حققت فيها نجاحاً علياً وعاود هذا
الاستذكار كلما شعرت بالتردد والإحباط والاضطراب.
6-إن كنتَ تنشد الكمال والمثالية فإن طريق ذلك هو العمل ومحاولة
الوصول وليس التوقف والانتظار.
7-استخدم عقلك ووازن بين الأمرين إما أن تعمل شيئاً أي شيء أو لا
تعمل على الإطلاق ، وتأمل أيهما أفضل فليس أمامك خيار ثالث.
8- إذا تعرضت للفشل في بعض أعمالك فقل : قدر الله وما شاء فعل وإنا
لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم أجرني في
مصيبتي واخلفني خيراً منها.
واحتسب ما أصابك عند ربك واستغفر لذنبك.
ثم قم بدراسة أسباب الفشل في هدوء وطمأنينة وكرر المحاولة مرة أخرى
ما لم تر الانصراف لعمل آخر.
التعامل مع النقد :
لا شك أن الإنسان في مسيرة حياته يلقى محباً ومبغضاً ومؤيداً وناقداً،
والنقد يختلف باختلاف أهداف ودوافع من صدر منه، فيمكن أن يصدر من
عدو أو صديق قريب أو بعيد.
والواجب على الإنسان أن يعوِّد نفسه على الحِلمْ وسعة الصدر، والصبر
على الأذى، وعدم الغضب لأتفه الأسباب، وإذا غضب أن يكون متحكماً
فيه وإلاّ لضر الإنسان نفسه قبل غيره ولنشر حوله أجواء من الكراهية
والتوجس وصادر آراء الآخرين وحريتهم في التعبير عنها، وفي ذلك من
الضرر الاجتماعي ما لا يوصف.
ويُمكن أن يقسم النقد إلى قسمين :
أ) نقد بناء موضوعي :
وهو الذي يخلو من التجريح الشخصي، ويركزعلى جوانب النقص في العمل
بدون مبالغة ويبين كيفية استكمالها ويشيد بجوانب الكمال في العمل.
المواقف من النقد البناء :
1- إيجاد الأجواء المناسبة والمشجعة على النقد البناء.
2- الفرح والترحيب به والبحث عنه ( رحم الله من أهدى لنا عيوبنا).
3- النظر فيه بإمعان وروية مع غض النظر عن قائله.
4- السعي لاستكمال النقص وتصويب الأخطاء التي اشار إليها الناقد.
ب) نقد ظالم مغرض :
وهو الذي يستغل النقص في العمل لمصادرة العمل بالكلية والنيل ممن
قام به وتجريحه والتشفي منه ورميه بما ليس فيه مع عدم الاهتمام بتصويب
العمل أو التبني لما فيه من كمال وحق.
الموقف من النقد الظالم :
1- محاولة معرفة أسباب هذا النقد ( حسد - أنانية - خوف من العمل
- انتصار للنفس وأخذ بالثأر - أو غير ذلك ).
2- السعي لإزالة الأسباب إن أمكن ذلك.
3- معرفة الأهداف من النقد وإحسان التعامل معها.
4- عدم الاشتغال بالرد على النقد إلاّ بقدر ما قد يعيق العمل أو
يشوه صورته.
5- عدم الانشغال بالانتصار للنفس وترك العمل ونسيانه.
6- الاستفادة من النقد في تصويب العمل وإصلاحه ومعالجة جوانب النقص
فيه.
7- احتساب الإنسان ما يصيبه من الأذى وما يتعرض له من النقد عند
الله سبحانه وتعالى.
وليتذكر الإنسان دائماً قوله سبحانه وتعالى : ( فأما الزبد فيذهب
جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) الآية، فما كان لله يبقى
ويدوم وما كان لغيره يذهب ويزول.
المصدر/ كتاب (حتى لا تكون كلاً)
عوض بن محمد القرني
محمد بن عبدالله الحارثي
أعلى
(الانحراف الفكري) (1ـ2)
الأيام دول بين الناس تعبر عبر الزمان والمكان
وينبع من الحياة الخلق الكثير فمنهم المتعلم والجاهل فما من أمة
إلا خلا فيها نذير وقد كان أنبياء الأمم الخالية رسالتهم محدودة
الزمان والمكان لأقوام معنيين لم يتح لها الاصطدام بالأخرى أما رسالة
الإسلام الخالدة فجاءت على عكس ذلك المنهج المضمحل فهي شاملة لكل
الأجناس من الجن والإنس العرب والعجم وغيرهم لأن نبيهم الكريم صلي
الله عليه وسلم بعث للناس كافة قال رب العزة جل وعلا (قل ياأيها
الناس إني رسول الله إليكم جميعا) الأعراف: (158) وهو عليه السلام
البشير النذير (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر
الناس لا يعلمون) سبأ: (28) فقد كانت العقول في ذلك العصر أي الصدر
الأول للرسالة متشبعة بحلاوة الإيمان فتستقي الأخبار والأفكار السليمة
من المنبع الصافي الذي لا ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحى يوحى) وهنا
ختمت النبوة و (..لا يعني الختم الجمود أو التوقف عن عجلة التقدم
المعرفي والاجتماعي والفكري، وإنما يعني اكتمال البنى الأساسية والهياكل
الرئيسية:العقدية والتعبدية والتشريعية ويظل العقل يعمل على تفعيل
أداء تلك البنى والهياكل من خلال توظيفها في صيغ وأساليب جديدة تواكب
متطلبات العصور) وما إن انحسر عهد النبوة الشريفة والخلفاء الراشدين
وتابعيهم وتابع تابعيهم إلا وقد اجتاحت الأمة الإسلامية موجة عارمة
من الأفكار الدخيلة على الإسلام لم تكن معهودة في صدره الأول إلا
من ترويج خصومه الألداء فاخذوا يروجون ويزينون تلكم الأفكار الهدامة
للمسلمين فما سلم منها إلا من رحم الله تعالى ونحن اليوم في هذا
العصر الذي أخذت موجات الفتن العجيبة تعصف بالناس أيما عصف فهي كورق
الخريف اليابس أتت عليه الريح فسفته يمنة ويسرة.
إن التفكير السليم هو إعمال العقل البشري في مشكلة ما للتوصل لحلها
فهذا الفكر عبارة عن الصياغة العقلية المثمرة لنمط من الحياة يقوم
على أسس ثقافية ومعرفية لمجتمع ما، فكم عانت المجتمعات الإسلامية
من الاحداث والمشاكل المريرة تعصف بأصحابها في الأعمدة الثابتة التي
يصعب على الريح زلزلة جذورها السفلية نتيجة الانحراف عن الفكر الإسلامي
الذي يدعو إلى إعمال العقل واستنباط الأحكام التي تواكب متطلبات
العصور فهناك طائفة من الناس الفوضويين من أولي العقول المتحجرة
تسيطر على تصوراتهم العقيمة أفكار لاتتلاءم مع توجيهات الشريعة وواقع
الحياة المعاصرة فهم يزعمون أنهم يملكون الحقيقة وما عند غيرهم من
الأفكار هي خطأ مرير يجب الابتعاد عنها فعقول هؤلاء الناس تتجة باستمرار
نحو الافق الضيقة والأبواب الملجمة بالحديد الصلب التي يصعب اختراقها
فهذه العوائق والحواجز تكون حجر عثرة في تقدم هؤلاء بحيث لا يستطيعون
تقديم أي نشاط فكري ولا معرفي اللذين يخدمان الأمة الإسلامية ويواكب
أحداثها العصيبة.فكم قرأ القارئ وسمع السامع وربما شاهد بعضهم على
الرائي (التليفزيون) محدثين ودعاة يولدون في أذهانهم المحبوسة عن
النور مسائل قطعية من مقدمات ظنية الدلالة يوهمون للناس انها صحيحة
يجب التقيد بها والسير عليها وبعض الناس يأتون بأحكام متشابهة تحتمل
تؤيلات متفرقة ولم يردوها إلى النصوص المحكمة التي لا تحتمل إلا
معنى واحدا فكيف يثري هؤلاء الفقه الإسلامي وقضاياه المعاصرة بهذا
الفكر العقيم ومن الناس من يقدم كلام البشر على كلام الله تعالى
وحديث سيد البشر صلى الله عليه وسلم فكيف يتلاءم هذا الفكر و الله
سبحانه تعالى أمر أولى النهى في حالة التنازع والشقاق أن نرجع إلى
كتابه المبين وسنة نبيه الأمين قال تعالى:
(ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم
فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله
واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) النساء: (59).
وقد عضدت السنة الشريفة ذلك فقد اخرج الإمام الربيع بن حبيب (ت 175هـ
ـ 185هـ) من طريق أبي عبيدة (ت140هـ) قال بلغني عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم انه قال:(خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا به
أبدا كتاب الله فما لم تجدوه في كتاب الله ففي سنتي فما لم تجدوا
في سنتي فإلى أولي الأمر منكم).
إن هذا العصر الذي أنجب لنا بعض الذين يثيرون الفتن الكبرى والمحن
العظمى بغية إشفاء غليلهم وإشباع غرائزهم المتعطشة من ظمأ العلم
المفيد ولكن ليس بهذا المنهج المعوج الذي لا تصلح الأرض بهم ولا
معهم لأنهم اقتحموا سواء الصراط الذي لا يصلح أن يكون فكرا قويما
في نظر العقلاء أن يضمدوا به جراح المصابين بداء الجهل وعدم الفهم
والإدراك لواقع الحياة المعاصر ويبين لنا المفكر د/ زكي نجيب محمود
(ت 1993م) حقيقة الحياة المزدوجة وما يمثله بعض أصحاب الانحراف الفكري
بقوله (...لكن هذه الحياة المزدوجة التي يحياها السادة،الذين يقع
في أيديهم اليوم معظم القيادة الفكرية للأمة العربية ويرتفع صوتهم
ارتفاعا لا يستطيع أن يزاحمه صوت آخر،...بحيث يظهرون أمام الناس
وكأنهم مدثرون بدثار السلف، ثم لا يفوتهم في الخفاء أن ينعموا بطيبات
العصر وحضارته، قد أضرتنا ضررا بليغا. فضلا عن اضطراب الرؤية الذي
أصاب شبابنا، فهم بمثابة من جعلنا نقترب من عصرنا بنصف عزيمة، تملؤها
الريبة في حقيقته وطبيعته، مما نتج عنه أن ضعفت فينا روح المشاركة
الايجابية الفعالة في مسيرة العلم وما يلحق به، واكتفينا بأن نأخذه
من علوم عصرنا وفنونه ونظمه، اخذ السارق لجهود غيره، لا اخذ المشارك
في تلك الجهود).
فحال هؤلاء كحال الصياد الذي يريد اصطياد جواهر البحر الثمينة كاللؤلؤ
والمرجان وما ماثلهما من الأحجار النفيسة فيرغب حيازتها من على الشاطيء
الذي قد يكون مقر نزهة لسياحة ولعب الأطفال دون العوم والغوص في
أعماق البحر فهل يحقق هذا الصياد تلك الأمنية كلا كلا... إن على
الصياد الاجتهاد والمثابرة بالعمل إذا رغب تحقيق الاماني، فكذلك
المفكر النبيه عليه الاجتهاد في تحصيل المعارف الجمة ليروي ظمأ عقله
فإذا غذى ذهنه وقويت بصيرته يستطيع أن يتجنب الانزلاق الفكري.أما
النظرة السطحية العابرة دون النظر والإمعان فيما يقرأ المفكر من
تمحيص الإحكام الواردة عقلا ونقلا (أي سواء كان عن طريق النقل من
الكتاب الكريم وهو قطعي الثبوت والسنة النبوية التي فيها المتواتر
والآحاد وآراء العلماء والمفكرين هل صح ذلك عنهم أو لا، أو كان عن
طريق العقل بتصديقه لتلكم الأحكام) مدعاة إلى الانحراف المعرفي فيتولد
عن ذلك الميل عن الفكر، انتشار الجهل والأمية الشريرة والانغلاق
الفكري لدى هؤلاء المفكرين فلا مجال للنهوض بالأمة الإسلامية فيكون
عصرنا عصر الانحطاط والتخريب للأجيال الناشئة القادمة لا عصر التقدم
والازدهار الذي عهدناه وألفناه من العصور السابقة عصر النبي المختار
وصحابته الأبرار فلم يكن مبعثه صلى الله عليه وسلم إلا رحمة لهذه
الأمة التي عاشت في ظلمات الفكر الجاهلي فنقلها عليه الصلاة والسلام
إلى نور البيان القرآن (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي
ضلال مبين) الجمعة: (2) فطهر الناس من أدناس فكر الجاهلية الظالم
للإنسان وما حوله من المخلوقات، وقد اغترف الصحابة الكرام المنهج
السليم من منبع النبوة الصافي في التفكر فكانوا هداة للأمة ومحاة
للأمية رضي الله عنهم ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.هذا وللحديث
بقية إن شاء الله تعالى....
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي
أعلى
الذرية الطيبة
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان له فرطان من أمتي دخل الجنة).يعني
ولدين.قالت عائشة رضي الله عنها:بأبي أنت وأمي فمن كان له فرط؟قال
صلى الله عليه وسلم: (ومن كان له فرط يا موفقة).قلت:فمن لم يكن له
فرط من أمتك؟قال: (أنا فرط أمتي لم يصابوا بمثلي).وعن أبي عبيدة
رضي الله عنه عن ابيه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من
قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنا من النار).فقال
أبو الدرداء :قدمت اثنين قال : (واثنين)،قال أبي بن كعب سيد القراء
كقدمت واحدا.قال صلى الله عليه وسلم: (وواحدا ولكن ذلك في أول صدمة).وعن
وكيع قال:كان لابراهيم الحربي ابن وكان له عشر سنوات حفظ القرآن
وتفقه من الفقه والحديث شيئا كثيرا,فمات فجئت أعزيه قال لي:كنت أشتهي
موت ابني هذا.قلت:يا أبا إسحاق,أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا؟قد
انجب وحفظ القرآن وتفقه الفقه والحديث.قال:نعم,رأيت في المنام كأن
القيامة قد قامت وكأن صبيانا في أيديهم قلال ماء يستقبلون الناس
ويسقونهم,وكان اليوم يوما حارا شديدا حره،قال:فقلت لأحدهم:اسقني
من هذا الماء.قال:فنظر إلي,وقال لي:ليس أنت أبي,فقلت:ومن أنتم؟قال:نحن
الصبيان الذين متنا في الإسلام وخلفنا آباءنا نستقبلهم فنسقيهم الماء،قال:فلهذا
تمنيت موته.وروى مسلم عن أبي حسان قال:قلت لأبي هريرة رضي الله عنه:حدثنا
بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا،قال:نعم،صغارهم دعاميص الجنة,يتلقى
أحدهم أباه أوقال أبويه,فيأخذ بثوبه او قال بيده فلا ينتهي حتى يدخله
الجنة.وعن مالك بن دينار قال:كنت في أول أمري منكبا على اللهو وشرب
الخمر,فاشتريت جارية وتسريت بها وولدت لي بنتا فأحببتها حبا شديدا,إلى
أن دبت ومشت فكنت إذا جلست لشرب الخمر جاءت وجذبتني عنه فأهرقته
بين يدي،فلما بلغت من العمر سنتين ماتت فأكمدني حزنها.قال:فلما كان
ليلة النصف من شعبان بت وأنا ثمل من الخمر،فرأيت في النوم كأن القيامة
قد قامت وخرجت من قبري,وإذا بتنين قد تبعني يريد أكلي- والتنين الحية
العظيمة- قال:فهربت منه فتبعني,وصار كلما أسرعت يهرع خلفي وأنا خائف
منه,فمررت في طريقي على شيخ نقي الثياب ضعيف,فقلت:يا شيخ بالله أجرني
من هذا التنين الذي يريد أكلي وإهلاكي.فقال:يا ولدي أنا شيخ كبير
وهذا أقوى مني ولا طاقة لي به.ولكن مر وأسرع فلعل الله أن ينجيك
منه.قال:فأسرعت في الهرب وهو ورائي,فأشرفت على طبقات النار وهي تفور,فكدت
أن أهوي فيها,وإذا قائل يقول:لست من أهلي,فرجعت هاربا,والتنين في
أثري,فأشرفت على جبل مستنير وفيه طاقات وعليها أبواب وستور,وإذا
بقائل يقول:أدركوا هذا البائس قبل أن يدركه عدوه،ففتحت الأبواب ورفعت
الستور وأشرقت علي منها أطفال بوجوه كالأقمار وإذا ابنتي معهم,فلما
رأتني نزلت إلى كفة من نور,وضربت بيدها اليمنى إلى التنين فولى هاربا
وجلست في حجري, وقالت:يا أبت ((ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم
لذكر الله وما نزل من الحق)).فقلت:يابنية,وأنتم تعرفون القرآن؟قالت:نحن
أعرف به منكم.قلت:يا بنية ما تصنعون هاهنا؟قالت:نحن من مات من أطفال
المسلمين,أسكنا هاهنا إلى يوم القيامة ننتظركم تقدمون علينا.فقلت:يا
بنية ,ماهذا التنين الذي يطاردني ويريد إهلاكي؟قالت:يا أبت ذلك عملك
السوء قويته فأراد إهلاكك فقلت : ومن ذلك الشيخ الضعيف الذي رأيته
؟ قالت: ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء
فتب الى الله ولا تكن من الهالكين , قال: ثم ارتفعت عني واستيقظت
فتبت الى الله من ساعتي.
فانظر رحمك الله الى بركة الذرية اذا ماتوا صغارا ذكورا كانوا أو
إناثا , وانما يحصل للوالدين النفع بهما في الآخره اذا صبروا واحتسبوا
وقالوا : الحمد لله إنا لله وانا إليه راجعون , فيحصل لهم ما وعد
الله تعالى بقوله : ( الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله ) أي
نحن وأموالنا يصنع بنا ما يشاء ( وإنا إليه راجعون ) إقرار بالهلاك
والفناء . وعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله
علية وسلم : (( ما أصاب عبد مصيبة إلا بإحدى خلتين , اما بذنب لم
يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة . أو بدرجة لم يكن الله يبلغه
إياها إلا بتلك المصيبة . وقال سعيد بن جبير : لقد أعطيت هذه الأمة
عند المصيبة ما لم تعط الأنبياء قبلهم ( إنا لله وإنا إليه راجعون
), ولو أعطيته الأنبياء عليهم السلام لأعطيه يعقوب عليه السلام إذ
يقول ( يا أسفى على يوسف ).وعن أم سلمة رضي الله عنهماقالت:سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قال عند المصيبة,(إنا لله
وإنا إليه راجعون)اللهم أجرني في مصيبتي هذه واخلف لي خيرا منها
إلا آجره الله وأخلف له خيرا منها).قالت:فلما توفي أبو سلمة قالت:من
خير من أبي سلمة؟ثم قلتها فأخلفني الله رسول الله صلى الله عليه
وسلم.رواه مسلم.وعن الشعبي أن شريحا قال:إني لأصاب المصيبة فأحمد
الله عليها أربع مرات:أحمده إذ لم يكن أعظم منها,وأحمده إذ رزقني
الصبر عليها,وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما ارجو من الثواب,وأحمده
إذ لم يجعلها في ديني,وقوله: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)الصلوات
من الله المغفرة والرحمة،(وأولئك هم المهتدون)يريد الذين اهتدوا
للترجيع وقيل:إلى الجنة والثواب,وعن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قال:نعم العدلان ونعم العلاوة,(أولئك عليهم صلوات من
ربهم ورحمة)نعم العدلان (وأولئك هم المهتدون)نعم العلاوة.وأما إذا
سخط صاحب المصيبة ودعا بالويل والثبور,أو لطم خدا,أو شق جيبا,أو
نشر شعرا أو حلقه أو قطعه أو نتفه,فله السخط من الله تعالىوعليه
اللعنة رجلا كان أو امرأة.وقد روي أيضا أن الضرب على الفخذ عند المصيبة
يحبط الأجر,وقد روي أن من أصابته مصيبة فخرق عليها ثوبا أو لطم خدا
أوشق جيبا أو نتف شعرا فكأنما يريد أن يحارب ربه.وقد تقدم أن الله
عزوجل لا يعذب ببكاء العين ولا بحزن القلب,ولكن يعذب بهذا- يعني
ما يقوله صاحب المصيبة بلسانه,يعني من الندب والنياحة.وإن الميت
يعذب في قبره بما نيح عليه,إذا قالت النائحة :واعضداه,واناصراه,واكاسياه,جبذ
الميت,وقيل له:أنت عضدها؟أنت ناصرها؟أنت كاسيها؟فالنواح حرام لأنه
مهيج للحزن ودافع عن الصبر,وفيه مخالفة التسليم للقضاء,والإذعان
لأمر الله تعالى.((حكاية))قال صالح المري:كنت ذات ليلة جمعة بين
المقابر فنمت,وإذا بالقبورقد شقت وخرج الأموات منها وجلسوا حلقا
حلقا,ونزلت عليهم أطباق مغطية,وإذا فيهم شاب يعذب بأنواع العذاب
من بينهم.قال:فتقدمت إليه وقلت: يا شاب, ما شأنك تعذب من بين هؤلاء
القوم؟فقال:ياصالح,بالله عليك,بلغ ما آمرك به وأد الأمانة وارحم
غربتي,لعل الله عزوجل أن يجعل لي على يديك مخرجا,إني لما مت ولي
والدة,جمعت النوادب والنوائح,يندبن علي وينحن كل يوم,فأنا معذب بذلك,النار
عن يميني وعن شمالي وخلفي وأمامي,لسوء مقال أمي,فلا جزاها الله عني
خيرا,ثم بكى حتى بكيت لبكائه,ثم قال:ياصالح بالله عليك,إذهب إليها
فهي في المكان الفلاني,وعلم لي المكان,وقل لها:لم تعذبي ولدك يا
أماه,ربيتني ومن الأسواء وقيتني,فلما مت في العذاب رميتني.ياأماه,لو
رأيتني,الأغلال في عنقي,والقيد في قدمي,وملائكة العذاب تضربني وتنهرني,فلو
رأيت سوء حالي لرحمتني,وإن لم تتركي ما أنت عليه من الندب والنياحة,الله
بيني وبينك,يوم تشقق سماء عن سماء,ويبرز الخلائق لفصل القضاء,قال
صالح:فاستيقظت فزعا,ومكثت في مكاني قلقا إلى الفجر,فلما أصبحت دخلت
البلد,ولم يكن لي هم إلا الدار التي لأم الصبي الشاب،فاستدللت عليها
فأتيتها,فإذا الباب مسود,وصوت النوادب والنوائح خارج من الدار.فطرقت
الباب فخرجت إلي عجوز,فقالت:ما تريد يا هذا؟فقلت:أريد أم الشاب الذي
مات,فقالت:وما تصنع بها هي مشغولة بحزنها.فقلت:أرسليها إلي,معي رسالة
من ولدها-فدخلت فأخبرتها,فخرجت أم وعليها ثياب سود ووجهها قد اسود
من كثرة البكاء واللطم,فقالت لي:من أنت؟قلت:أنا صالح المري,جرى لي
البارحة في المقابر مع ولدك كذا وكذا،رأيته في العذاب وهو يقول:ياأمي
ربيتيني ومن الأسواء وقيتني ,فلما مت في العذاب رميتني,وإن لم تتركي
ما أنت عليه,الله بيني وبينك,يوم تشقق سماء عن سماء.فلما سمعت ذلك
غشي عليها وسقطت إلى الأرض,فلما أفاقت بكت بكاء شديدا,وقالت:يا ولدي
يعز علي,ولو علمت ذلك بحالك ما فعلت,وأنا تائبة إلى الله تعالى من
ذلك,ثم دخلت وصرفت النوائح ولبست غير تلك الثياب,وأخرجت إلي كيسا
فيه دراهم كثيرة,وقالت:يا صالح تصدق بهذه عن ولدي.قال صالح:فودعتها
ودعوت لها وانصرفت وتصدقت عن ولدها بتلك الدراهم,فلما كات ليلة الجمعة
الأخرى أتيت المقابر على عادتي فنمت,فرأيت أهل القبورقد خرجوا من
قبورهم وجلسوا على عادتهم,وأتتهم الأطباق,وإذ ذاك الشاب ضاحكا فرحا
مسرورا,فجاءه أيضا طبق فأخذه،فلما رآني جاء إلي فقال:ياصالح جزاك
الله عني خيرا,خفف الله عني العذاب,وذلك بترك أمي ما كانت تفعل,وجاءني
ما تصدقت به عني.قال صالح:وما هذه الأطباق؟فقال:هذه هدايا الأحياء
لأمواتهم من الصدقات,ينزل عليهم كل ليلة جمعة يقال له:هذه هدية فلان
إليك,فارجع إلى أمي وأقرئها مني السلام,وقل لها:جزاها الله عني خيرا,قد
وصل إلي ما تصدقت به عني وأنت عندي '، قريب فاستعدي.قال صالح:ثم
استيقظت وأتيت بعد أيام إلى دار أم الشاب.وإذا بنعش موضوع على الباب,فقلت:لمن
هذا؟فقالوا:لأم الشاب,فحضرت الصلاة عليها ودفنت إلى جانب ولدها بتلك
المقبرة فدعوت لهما وانصرفت.فنسأل الله أن يتوفانا مسلمين,ويلحقنا
بالصالحين,ويعصمنا من النار,إنه نعم المولى ونعم النصير.
إعداد/علي بن عوض الشيباني
أعلى