الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 





بمقر الجمعية العمانية للفنون التشكيلية
السبت القادم.. عبد العزيز عاشور يحاضر عن التجريد والتصوير الزيتي

تنطلق السبت القادم بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية فعاليات الدورات الصيفية لأعضاء الجمعية والتي تستضيف الجمعية خلالها عددا من المحاضرين الأكفاء من داخل السلطنة وخارجها حيث ستبدأ السبت القادم دورة التصوير الزيتي في مجال التجريد على يد الفنان السعودي عبد العزيز عاشور بمشاركة عدد من الفنانين أعضاء الجمعية.
وتنبع أهمية هذه الدورة من موضوعها الذي يتطرق إلى أحد مجالات الفن الحديث وهو الفن التجريدي وأيضا من سيرة الفنان المحاضر الذي له باع طويل في مجال التشكيل إضافة إلى إطلاعه الواسع على الكثير من التجارب العربية والدولية.
وفي معرض حديثه عن هذه الدورة يقول الفنان عبد العزيز عاشور: يقف غالبية الممارسين للفن التشكيلي عند مقولة مفادها أن مهمتهم لا تتجاوز مسألة الإنتاج الفني فحسب وأن على الفنان الاهتمام بعمله الفني طالما يستطيع إستخدام الخامات والمواد التي تعبر عن مهارته وحساسته الجمالية دون أن ينشغل بنواح أخرى تتعلق بعملية الإبداع في الفن.
وتبدو هذه المقولة شائعة في أوساط كثير من الفنانين بصورة عامة خاصة عند أولئك الذين يمتلكون مهارة تقنية في أعمالهم وصلوا إليها عن طريق الخبرة غير أنها تظهر بصورة أكبر عند الكثير ممن يمتلكون موهبة ورغبة في ممارسة وامتهان الفن وعادة لا تتجاوز خبرتهم سنوات محدودة.
وهذه الدورة تطرح تلك المقولة على طاولة الحوار والمناقشة لتبادل الآراء والمواقف ووجهات النظر ، كما تطرح موضوع العلاقة المتبادلة بين الفنان وعمله الفني على المشاركين لإبداء آرائهم حول هذه العلاقة ومن أين تبدأ هل من الموضوع أم من الشكل أو منهما معا هل تبدأ العلاقة من اختيار الفنان للتقنية والأسلوب والتيار الذي يتبناه في عمله الفني أم منهما جميعا كيف يمكن التوفيق بين الشكل والموضوع والتقنية وهل للخامات والوسائط المستخدمة دور في بناء هذه العلاقة.
ويضيف عبد العزيز عاشور: يقول أدموند بروك فيلدمان أستاذ الفن المميز في جامعة جورجيا: إن أبسط مقومات الكلام عن الفن يمثل نقدا ذاتيا فنيا في حد ذاته وبالتالي فإن تبادل الآراء في هذه الدورة والحوار عن العلاقة بين الفنان وعمله يمثل في طبيعته إكتشاف المؤشرات الأولية المتعلقة بنقد التجربة للفنان وبالتالي التفكير فيها بصوت واع ومرتفع هو ما نطمح إليه للارتقاء بعمليات الفن ونقده والخروج بالفنان ليس من مسألة انتاج الفن فحسب بل إلى إنتاج ثقافة بصرية غنية ومنفتحة وجادة.
يشارك في هذه الدورة عدد من الفنانين أعضاء الجمعية من مختلف الأجيال الفنية يبلغ عددهم عشرين فنانا هم صالح الهديفي وعدنان الرئيسي وعبد المجيد كاروه وجمعة الحارثي وشاكر جلال البلوشي وغصن الريامي وعلي المعمري وعلي فيصل المحضار وهلال الحارثي وطارق الزدجالي وفاروق البلوشي وفتحية البدوي ونادية البلوشي وإفتخار البدوي وسناء الصابري وإيمان الزدجالي ونعيمة الميمني وإنعام اللواتيي وتركية الهادي ووردة البوسعيدي .
يعتبر الفنان عبد العزيز عاشور من الفنانين المتميزين في المملكة العربية السعودية ، وشارك في العديد من الفعاليات والمحافل التشكيلية ، ونال العديد من الجوائز كالجائزة الثانية في جمعية الثقافة والفنون بجدة والجائزة الثالثة في معرض مقتنيات المملكة عام 88 وجائزة المسابقة الثقافية للدول العربية بالقاهرة عام 88 ، والجائزة الأولى بالمعرض العام للمملكة عام 1992 ، وجائزة بينالي بنغلاديش الآسيوي الدولي التاسع ، كما أقام العديد من المعارض كالمعرض الشخصي الأول بجدة وبينالي الشارقة الدولي وبينالي القاهرة كما مثل السعودية في الكثير من المعرض الدولية في المكسيك والقاهرة والكويت وهو رئيس لجنة الفنون التشكيلية بجدة .
يأتي تنظيم الجمعية لهذه الدورة حرصا منها على رفع مستوى الإبداع العماني في المجال التشكيلي ، وتواصلا منها مع الاساتذة المتخصصين في الفن التشكيلي للإلتقاء مع الفنانين العمانيين ، ومحاولة للتعريف بالمستوى الجيد الذي وصلت إليه الحركة التشكيلية النسائية في السلطنة.


أعلى





بمجموعة من البرامج الممتعة والشيقة
الإذاعة والتليفزيون يواكبان موسم (خريف صلالة 2004)

صلالة ـ من امين المعشني: يستعد تليفزيون سلطنة عمان اعتبارا من اليوم لنقل كافة احداث وفعاليات مهرجان خريف صلالة 2004 كونه أحد الوسائل لاظهار المهرجان بالصورة المتكاملة والمميزة.
وسيقدم التليفزيون البرامج الشيقة والمتنوعة للمشاهدين خلال هذا الموسم السندسي الاخضر (موسم الخريف) ومن هذه البرامج برنامج (الناس والخريف) وهو من احلى البرامج التليفزيونية التي تقدم سنويا خلال هذا الموسم والذي سيبث طيلة ايام الاسبوع ما عدا الجمعة من الساعة الثانية ظهرا حتى الساعة الثالثة عصرا.
البرنامج من اعداد واخراج عامر بن محمد العامري وتقديم باسل الرواس وبثينة الرئيسي.
كما يقدم التليفزيون لمشاهديه برنامج (رذاذ) والذي ينقلهم الى قلب الحدث وهذا البرنامج الجميل والشيق سيبث من السبت الى الخميس من الساعة التاسعة مساء حتى العاشرة ما عدا الاحد من الساعة الحادية عشرة حتى الثانية عشر مساء.
البرنامج من اخراج رشيد اليافعي واعداد عامر بن سعيد غواص وتقديم عامر بن احمد العمري.
من جهة اخرى اكد الدكتور علي بن عمر بن العبادي الرواس مدير الاذاعة بصلالة ان الاذاعة اتمت استعدادها لمتابعة جميع احداث وفعاليات ومناشط خريف صلالة 2004م وستقدم لجميع المستمعين خلال موسم الخريف البرامج الهادفة والناجحة ومنها برنامج (ليالي الخريف) البرنامج الذي يتألق في آذان المستمعين دائما والذي يقوم بتغطية كافة الفعاليات والمناشط التي تقام في المهرجان كما ان هذا البرنامج يتم فيه استضافة الشعراء والادباء والفنانين وسيبث هذا البرنامج خلال ليالي الاسبوع من السبت الى الخميس من الساعة التاسعة والنصف مساء الى الساعة العاشرة والنصف علما بأن هذا البرنامج يقدم الجوائز في كل ليلة من ليالي الاسبوع والبرنامج من اخراج بدر بن سهيل الرواس واعداد وتقديم محسن الفقيه.
واضاف علي الرواس: سيشارك برنامج (الشباب في الخريف) لاول مرة هذا الموسم من الساعة الخامسة والنصف مساء حتى السابعة والنصف بعد المغرب وسيبث طيلة ايام الاسبوع ما عدا الجمعة وهو من اعداد واخراج وتقديم طاقم العمل في البرنامج (دائرة برنامج الشباب)
كما ان هناك برنامجاً آخر وهو البرنامج الاجنبي (FM) والذي تتم المحادثة فيه باللغة الانكليزية وذلك لتسليط الضوء على احداث ومناشط وفعاليات مهرجان خريف صلالة 2004م وسيتم بثه من الساعة الثامنة مساء حتى التاسعة البرنامج من اعداد وتقديم لكشمي بالاضافة الى طاقم العمل بالبرنامج.

أعلى





يبحث في كتاباته عن الرومانسية والجنون
الروائي علي أبو الريش : طرقت صنوف الأدب المختلفة
حتى نضجت ملكاتي الإبداعية
المبدع العربي في حاجة إلى امتلاك قوة التأثير على نفسه أولا
- الناقد مبدع حقيقي إذا استطاع أن يتخلص من القوالب الجامدة

أبو ظبي - من خـالد محمد غـازي : عبر التداعي الطليق والبحث عن داخل مجنون يتجاوز حدود التعبير بمقاييس بشرية مصطنعة ، تنطلق كتابة الروائي علي أبو الريش ، التي تشكلت بخصوصيته عبر خمس روايات هي ( الاعتراف ) و(السيف والزهرة ) و( رماد الدم ) و( نافذة الجنون ) و( تل الصنم ) مجموعة قصصية واحدة هي ( ذات ).
والروائي أبو الريش ولد في إحدي قري دولة الامارات العربية المتحدة .. حصل علي ليسانس الآداب في علم النفس جامعة عين شمس عام 1979 والتحق فور تخرجه بحقل الصحافة، فعمل محرراً بجريدة ( الاتحاد) وحتي الآن يعمل بالصحافة .. وقد صدرت روايته الأولي في سبتمبر 1982.
حول الرواية والقصة القصيرة والنقد والصحافة كان هذا الحوار :
* ذات المخالب مجموعتك القصصية الوحيدة اليتيمة.· لماذا هاجرت بلا عودة من القصة القصيرة إلي عالم الرواية ؟
** ليست هجرة ، بل هي نداء داخلي ، لتشذيب شجرة اللوز ذات الأغصان المتفرعة ، لتؤتي أكلها.. المبدع كالطفل ، يبدو في حالة فوضي الفعل ، فيمارس تلامسه مع الواقع متكئا على حرقة داخلية تدفعه بأن يعبر عنها بمختلف الصنوف الأدبية ، ويستمر هكذا إلى أن تهدأ عاصفة الطفولة الابداعية ، ثم تبدأ عملية الفرز في مرحلة النضج ، مرحلة انقشاع الغيوم الكثيفة ، لتأخذ الملكات طريقها الصحيح ، فلا اعتقد أن شاعرا بدأ كتابة الشعر قبل أن يطرق صنوف الأدب المختلفة ، ولا أعتقد أن روائيا بدأ كهذا دون أن يناله داء الكتابة بألوانها المختلفة ، والتاريخ الابداعي علي مر العصور ، يؤكد لنا ذلك.· إذن نحن حيال قضية إبداعية ، متشابكة إلى حد الذوبان ، معقدة بحيث لا يمكن تلمس ملامحها إلا بالممارسة الحقيقية .. الجانب الآخر ، فإن الكتابة القصصية ليست كالرواية ، فلكل فن من هذين الفنين ، أجواؤه وفضاءاته الفنية ، تقنيته ، تخضع في الأساس للملكات الابداعية لدى الفرد ، ففي تصوري لا يستطيع المبدع أن يجيد الفنين في آن واحد ، إذا أراد أن يؤسس تجربة إبداعية حقيقية ، فإذا كان نجيب محفوظ قد تربع على عرش الرواية العربية فإنه كتب القصة القصيرة لكنه لم يستطع أن يضع أقدامه على نارها الحامية كما فعل يوسف ادريس ، القصة القصيرة ليست فناً سهلا ، بل هي بحاجة إلى طاقة إبداعية من نوع خاص ، تقوم على تكثيف الحدث ووصفه ضمن الجملة القصصية ذات الومضة ، كذلك الرواية لها عمودها الفقري القائم على النفس الطويل ، والقدرة علي بعث الاحداث في سرد لا يخل بقيمة العمل الابداعي ، إضافة إلي الذاكرة الحديدية التي ترصد التفاصيل الدقيقة في حدٍ ما.
التداعي الطليق
* جاء الاعتراف ليكون عنواناً لروايتك الأولي .. إلا أنك لم تتخل عن الاعتراف واستجلاء بواطن النفس في روايتك.· هل هذا جاء من واقع لدراستك لعلم النفس ؟ أم هو منهج في الكتابة ؟
** الحديث عن علم النفس ، حديث شائك معقد ، لأنه أي هذا العلم ، يدخل في تفاصيل حياتنا اليومية الدقيقة ، وكل نبضة قلب. أو غمضة جفن ، تكون مرتبطة بعلم النفس ، لأنه يشكل الحياة بمعناها الشمولي ، أما عن علاقته بالكتابة ، فلا أعتقد أن عملا إبداعيا يستطيع أن يحقق مشروعه الانساني إلا إذا إستطاع أن يتلامس مع ذلك العميق في النفس. واستدعاءه كشاهد على ما يجري ، أما عند استخدام علم النفس كمنهج في الكتابة ، فأنا علي يقين أن للاشعور دورا أساسيا في العملية الابداعية ، وللتداعي الطليق في تنمية الحدث الروائي علاقة لصيقة ، كما هي علاقة الماء بالشجر ، هناك بعد مهم في حياتنا ،ألا وهو الهو هذا المجنون العاقل جدا ، يملك من القدرات في بث الروح في جسد العمل الابداعي، ما لا تستطيع أي قوة فعله ، فأنا لا أعتقد أبدا أن أي تصرف يقوم به الانسان إلا ويكون مرتبطا بعلاقة مباشرة مع تلك القوة الجبارة التي أطلق عليها مجازا بالهو ما نلاحظه في السلوك اليومي للأفراد ، ما هو إلا صورة مغلوطة لفعل اللاشعور ، وإذا أردنا أن نتعامل مع الحدث الابداعي بشكل صحيح ، لابد أن نلجأ إلى اللاشعور لأنه يختزن زمننا الذاتي ومكاننا الداخلي ، هذان البعدان اللذان تقوم على أساسهما أعمدة الرواية ، أما عن المكان الموضوعي والزمان الخارجي ، فالمسألة تحتمل الخطأ أو الصواب ، لأنهما لا يشكلان حقيقة الدورة الحديثة للاشياء.· الزمان الموضوعي نحن الذين نوجده وكذلك المكان الخارجي ، والعملية الابداعية لا تبحث عن الخارج الموزون بمقاييس بشرية مصطنعة ، بقدر ما تبحث عن داخل مجنون يتجاوز حدود العقل المكبل.
روح الشعر
* يستوقف القارئ لغتك المفعمة بالتراكيب الشعرية والجمل المتدفقة الموحية ، التي تقترب من لغة القصيدة.· فهل أنت شاعر ضل طريقه فصار روائياً ؟
** لست شاعراً ، ولا أدعي ذلك أبدا ، لأن للشعر فرسانه وأعمدته الكبيرة جدا ، وقاماته الشامخة التي أجلها كثيرا ، ولكن تبقي مسألة يجب أن نعيها جيدا ، وهي أننا أمة الشعر ، وشفاهية البوح ، لذلك ، فلا غرابة إن جست الرواية عندي روح الشعر ، لأن الرواية العربية بمجملها خرجت من معطف الشعر ، والحكاية الشفهية في قصصنا ، وأساطيرنا ، إضافة إلى أن السرد الروائي لم يقبع في جلبابه العتيق ، بل إن روح العصر، فرضت على كاتب الرواية أن يتحرر من أسلوب الكتابة الروائية التقليدي ، هناك مدارس تجاوزت حدود التقليد ، وطرقت أبوابا مختلفة ، أنا في كتاباتي الروائية لا أعتمد أسلوب البداية والنهاية ، والتصاعد المتنامي للحدث ، حتى يخلص إلى حالة الضمور ، بل إن ما أنتهجه هو قريب إلى ذلك ، الدوران الداخلي وإلى الجملة المركبة المعتمدة كليا على التداعي الطليق ، دون حدود ، أو مقاييس ، أنا لا أفصل الحدث كما أشاء بل إنه يأخذ بيدي كيف يشاء معتمدا على ثورته الداخلية ، وفن الاستدعاء للأبعاد المتراميه الأطراف.· عند التعامل مع اللاشعور لابد وأن تتحطم القيود ، وتتكسر الثوابت التقليدية على أسنان موجات الرغبة الكامنة لتأسيس عمل ابداعي لا يبارك العادة ، ولا يقاوم أبدا ، تدفقاته القادمة من الداخل.· هنا فرق شاسع في أن يفصل كاتب عملا إبداعيا يعتمد على النهاية والبداية في بعدهما الدرامي التقليدي ، وكاتب آخر ، لم يتصالح أبدا مع واقعه ، ولم يتوافق مع التقليد في شتي أشكاله والوانه.· إنني أحاول أن أؤسس تجربتي المنفردة وأتمني أن أحقق ذلك.
* هل تؤمن بإلغاء الفوارق بين النصوص الابداعية ، فتكون القصيدة أو المسرحية أو الرواية أو القصة ( نصاًً ) غير محدد ؟
** لو استطعنا أن نحول الدماء إلى ماء ، فبامكاننا أن نضع مزيجا من هذه النصوص ، لتصبح نصا واحدا ، مشوها غائب الملامح ، ولا أعتقد أنها بحاجة إلى هذا التشويه ، أو أننا مضطرين أن نفعل ذلك.· أتصور أن لكل فن من هذه الفنون خصوصيته ، وتفرده ، والعمليات الجراحية التي تمت على يد أدباء ضلوا طريق الابداع ، كانت عمليات فاشله ، وفي اعتقادي أنه حتى الأعمال القصصية أو الروائية التي حولت بفعل فاعل إلى أعمال مسرحية لم تقدم شيئا مقنعا بل شوهت حقيقة العمل الابداعي وأحالته إلى التقاعد ، إننا بحاجة إلى قوة خارقة ونحن شعوب نؤمن بالخوارق ، لكي تفعل هذا ، نحن بحاجة إلى مساحة من الوعي ، تلغي حواجز الحدود الجغرافية بين أقطارنا ، قبل الالغاء الابداعي.
مهنة المتاعب
* عملك بالصحافة.· هل أثر سلباً على كتابتك للرواية ؟ وإذا كان للصحافة فضل عليك فكيف تراه ؟
** الصحافة مهنة مشاغبة ، ودائما ما تتعارض مع مباغته الابداع ، فالذين يعملون في الصحافة يواجهون جلادا يوميا ، يشهر عصاه في وجه العملية الابداعية ، يحاول أن يقمع صوتها ، ويطفيء لهيبها ، الصحافة مهنة المتاعب للصحفي غير المبدع ، فما بالنا لمن يعاني عذابات الكتابة الابداعية ، الحقيقة إن ما تفعلة الصحافة بالمبدع ، أحيانا يتساوي عندي بفعل السجان ، إنه يحاول أن يمنع الهواء النقي من دخول غرفة السجين. يحاول أن يذيقه الحرمان بشتى أشكاله .. الصحافة مهنة العمل اليومي والحدث المتلاحق ، أما الابداع فهو مسألة فيها البعد الانساني ، والنظرة إلي ما بعد سطح الأرض ، هناك مشكلة تواجه الكاتب ، ألا وهي مشكلة عدم وعي الآخر ، بمفهوم الابداع ، واعتقاده أن الكتابة هي مجرد رغيف يومي يمكن أن يقطف في أية لحظة ، والحقيقة عكس ذلك ، فالمبدع إذا لم ينل قسطا من حرية النأي بعيدا عن مترادفات الصحافة وعلاقتها بالسياسة ، فإنه يفقد توازنه بل إنه يعيش في دوار يومي ، يفتك بكريات الدم.· إذا عملت في الصحافة ، فينبغي عليك أن تصبح لصا ماهرا ، تستطيع كيف تسرق الوقت ، لتحارس حقك في الكتابة ، وملامسة جسدها خفية بعيدا عن عين الصفحات المستطيلة ، ذات الحروف الاسطوانية في المجتمعات المتقدمة ، هناك مهنة يطلق عليها مهنة الابداع ، وتفرغ المبدع ، قضية جوهرية ، نحن في بلداننا العربية لا نقيمها أبدا ، على اعتبار أن المبدعين أناس يلعبون في الوقت الضائع , في بلداننا العربية ، المثقف بشكل عام ، يقف في آخر القائمة ، وان رأسه ، لا يساوي قدم لاعب كرة .. وهكذا تبقي المسألة معضلة المجتمعات التي تمارس التخلف كما تمارس رياضة المشي عند مرضى السكر.
ثنائية بن شهوان
* روايتك الجديدة ( ثنائية مجبل بن شهوان ) في رأيك ما هي الإضافة التي أضافتها إلى مسيرتك كروائي ؟
** مجبل بن شهوان ، ثنائية الوجدان العربي ، وثنائية الهوية ، والوجود ، هذا العمل ، طرح فكرة الشرخ الكبير الذي غرس آلامه في النفس والعقل ، وبقي الانسان العربي يعاني من فقدان الوزن .. رواية مجبل جاءت تتويجا لطريق شاق ، ليس على صعيد السياسة والاقتصاد أو الاجتماع فحسب ، وانما لمست الجرح الغائر في النفس والرأس ، لمس الوجود ، وتعاطي مع هذا الكون ، من أن هناك قوى بشرية خفية ، هي التي أعطت الاشياء مسمياتها ، واستباحت فكر البشرية ، وسلمنا نحن بما حفظنا واعتقدنا أنه تنزيل من فوق ، لا يقبل النقاش أو السؤال .. مجبل بن شهوان لم يطرح الاجابة ، بل طرح الأسئلة فقد تكون فجة غليظة ، لكنها لن تكون أكثر فجاجة من تلك القوى التي فرضت علينا الاستسلام حول كل شيء.
* النص الابداعي يطرح أسئلة دون طرح إجابات ما تعليقك على هذه المقولة ؟
بالطبع ليس مهمة العمل الابداعي طرح الاجابة ، فهذا شأن المصلحين والأنبياء ، مهمة العمل الابداعي طرح الأسئلة الكبيرة ، ووضع علامات الاستفهام بحجم ما لهذا الوجود من قضايا عالقة ، لازالت ، وستظل هكذا طالما بقيت البشرية .. عندما يطرح العمل الابداعي إجاباته الجاهزة ، فإنه يكون قد أنهى نفسه ، وفجر القنبلة النووية في وجه القارئ ، وأباد كل شيء حي على الوجود .. هناك رغبة عارمة لدى كثير من النقاد ومتعاطي القراءه من أجل نيل الاجابات الجاهزة على اعتبار أن المسلمات والبديهيات هي من صلب القيم التي سارت عليه البشرية ، وبخاصة في مجتمعاتنا النامية ، التي اعتادات أن تتلقي الإجابة والحلول ، علي أيدي أولي الأمر ، وأصحاب الشأن والقرار السياسي .. نحن هنا في العمل الابداعي نقول أنه لا مجال للاجابات الشافية التي تروي العطش ، هناك أسئلة ، تكبر ، وتكبر ، كما هو الكون الذي يكبر في كل يوم باختراعاته ، وكما هي النفس البشرية التي لا تحتمل الطرح ، بقدر ما هي قائمة على التراكمات الكثيرة من الأسئلة.
* هل ترى أن النقد اهتم بأعمالك كما ينبغي ؟
إنني لا اكترث كثيرا بما يقدمه النقد ، وإنما ما يهمني هو كيف أستطيع أن أقدم شيئا للنقد ، المبدع الحقيقي ، هو الذي يفتح شهوة التلاقح مع النقد ، ويقدم الجديد في إبداعه ، ليكون درسا جديدا يتعلمه الناقد ، من أجل ايجاد لغة مشتركة تقوم على الندية ، المبدع ليس طالبا في فصل مدرسة يتلقى التعاليم من على سبورة المعلم ، وإنما هو إنسان يجتهد من أجل ايجاد الاسئلة ، وصياغة الوجود بصيغة مختلفة ، ومغايرة لما هو عليه .. أنا في اعتقادي أن الناقد مبدع آخر ، يقوم بالصياغة المختلفة ، ويعمل على كتابة النص الابداعي المطروح أمامه، من بدء ليوجد أسئلة أخرى ، الناقد مبدع حقيقي إذا استطاع أن يتخلص من قوالب المدارس الثابتة ، وتحول إلى تلميذ يطرح أسئلته بشكل واع ، وبعيدا عن الحدود الجامدة.
في الوطن العربي ، هناك نقاد يستحقون التقدير ، نقاد أثبتوا بالفعل أنهم كبار جدا ، لأنهم تجاوزوا حدود المعرفة الساكنة وتحركوا بعيدا عن السدود المائية الخانقة.
تمزق ثقافي
* التواصل بين المبدعين والكتاب العرب.· كيف تراه ؟
** من المحزن جدا ، أن التواصل بين المبدعين العرب ، رديف للتواصل بين أصحاب القرار العرب ، وما من شأنه الفتك في القيمة الابداعية العربية ، وتحويلها إلى دويلات ثقافية، متباعدة ، تسيء إلى الثقافة العربية ، وتحيق بها عدوى التمزيق والتشتت كما هو على الصعيد السياسي.· في الحقيقة نحن بحاجه إلي مبدعين ، يملكون قوة التأثير على نفوسهم، لكي يتخلصوا من التبعية السياسية والعقد الاجتماعية القائمة علي اختزال الأشياء و تفريغها من مضامينها.
- وما رأيك في فكرة تكوين سوق عربية مشتركة للكتاب العربي ؟
إذا كان الهدف من هذه السوق ، كما هو السوق الهدف من السوق الاقتصادية المشتركة ، أو ما عداها من منظمات ومؤتمرات عربية ، فأعتقد أنه لا جدوى من ذلك أبدا ، لأن مصيره الفشل الذريع .. نحن قبل هذا بحاجة إلى تصالح المبدع مع نفسه ، ووعيه لما يريد ، وفهمه لمقتضات الحاجة الملحة على صعيد الابداع العربي ، المشكلة في المبدع العربي أنه لا يزال يعيش وهم الانظمة، والانتماءات إلى أقطار لا أمة ، وهذا داء خطير.

 

أعلى




الشهر القادم.. انطلاق مهرجان الفحيص الرابع عشر بالأردن

عمّان ـ (الوطن): تنطلق بالعاصمة الأردنية عمّان فعاليات مهرجان الفحيص الرابع عشر في الحادي عشر من اغسطس المقبل بمشاركة نخبة من الفنانين والشعراء والأدباء والفرق المحلية والعربية.
وسيشارك في المهرجان، الذي يحمل شعار (الأردن تاريخ وحضارة)، الفنان نور الشريف ضمن حوار مع جمهور المهرجان، وستقام ندوة حول الراحل عبد الرحمن منيف، وسيكون العراق حاضراً بثقافته وتراثه وحضارته إذ تشارك فرقة ناظم الغزالي وفيها عازفون كانوا معه أثناء حياته، في فعاليات المهرجان.
كما سيشارك كل من المطرب السوري علي الديك صاحب اغنية (علوش)، والفنان اللبناني ملحم زين لأول مرة في الأردن.


أعلى





قرأة في فيلم
(عوكل).. سينما ضاحكة.. ولكن بلا عقل !!
محمد سعدينافس فيفي عبده ونانسي عجرم..!!
(أطاطا) شخصية إضافية.. تحاكي (الناظر)

القاهرة ـ (الوطن): الخاطر الذي يسبق ماعداه اثناء مشاهدة فيلم (عوكل) ان الممثل محمد سعد هو النسخة المصرية من الاميركي جيم كاري (1962 ...) لكل منهما وجه وجسد من المطاط يتمدد وينكمش بليونة مذهلة كلاهما يحرك رقبته في كل اتجاه بسرعة منضبطة وكأنه يسيطر عليها (بزمبلك).. وكل منهما مهرج حقيقي مزود بطاقة بدنية هائلة.. وكل منهما جاءه النجاح المدوي بين ليلة وضحاها. وكلاهما بدأ يلفت الانتباه بقدرته الجسمانية الكوميدية الخلاقة. مع احساس غريزي بالشخصيات التي يلعبها والتي عادة ما تمثل شخصيات سريعة التأثر بالضربات والجراح. وعرضة للهجوم ولاعتداءات الآخرين ولكل منهما خلقة عجيبة وحالة استثنائية وغير سوية إلى حد بعيد.
في لقطات كثيرة من (عوكل) يبدو المهرج المصري وكأنه يتمثل هذا المهرج الاميركي الذي حقق انتشاره السريع بفيلم (القناع)The Mask شخص (ميكانيكي) دينامي كل ما يأتي به من حركات أو كلمات تصب في خدمة المزاح والهزل.. الفارق ان الممثل المصري يعتمد بالكامل على تطوير إمكانياته هو الجسمانية والآخر تخدمه إلى جانب مؤهلاته عناصر التفوق التكنولوجي في مجال المؤثرات البصرية.
الخاطر الثاني: ان محمد سعد في هذا الفيلم يريد ان يعرض إمكانياته الكوميدية الصاخبة في أكثر من أو (نافذة) مثلما فعل الراحل علاء ولي الدين في فيلم (الناظر). بمعنى ان يلعب أكثر من شخصية وأكثر من جنس.. فهو رجل وامرأة.. عوكل.. و(أطاطا) الجدة (العجوزة).
نحن نتذكر ان فيلم (الناظر) نفسه كان بداية الغيث في مشوار محمد سعد أو وش السعد كما يقولون.. وأعتقد انه نجح في تحقيق ما يطمح إليه وسيطر بالكامل على الشاشة ولم يفارقنا طوال مدة العرض.. وخطورة هذه الحالة ان (الممثل) هنا يسيطر خارج الشاشة أيضاً ويكاد يحكم العملية الفيلمية برمتها.. ولدينا ميراث طويل من الأفلام التفصيل التي تجعل للممثل الناجح كوميديا (بلاكار).. دولاب ضخم يمتلئ بالأدوار التي قد يختلف مخرجوها لكن تظل (الخطوط) الاساسية واحدة.. والمقاس واحد.. والتصميمات هي نفسها باختلافات طفيفة ولذا فنحن نتوقع المزيد من هذا اللون الكوميدي الهزلي الحركي إلي حين إشعار آخر لا نملك توقيته ولا نستطيع التنبؤ بمساره لانه مرتبط أولاً وأخيراً باستمرار قابلية هذا الاسلوب عند الجمهور.
السمكري الجن
(عوكل) من عائلة (اللمبي اخوان).. يسكن في حي شعبي.. يعمل في ورشة للسمكرة. صنايعي ماهر. ولكن مهاراته تصطدم بإمكانيات الورشة الفقيرة المتخلفة. وهو يحلم بالسيما ويحبها (!!) وينتظر دوراً يأتي علي يد مجدي (علاء مرسي) ريجسير النجوم.. ولكنه يخرج من استوديو مصر بعد اداء البروفة مضروبا في أذنه ممزق الثياب.
وهو علي الرغم من تشوهاته التي تطول مظهره. وطريقة نطقه للكلام قادر علي الحب. يحب (أوشا) خطيبته ويخضع لابتزاز شقيقها (المليجي) الذي يركله في غفلة منه ويمنحها لخطيب آخر فيصاب بأزمة نفسية تجعله يسرح في الشوارع شبه مسطول وبيده زجاجتان من الخمر.. ومنولوج طويل يهرتل به امامنا.
وتحت ضربات الجوع والانهاك البدني والاحساس بالصدمة والاحتياج القاتل للنوم. ينزع (ميت) من صندوقه داخل عربة لنقل الموتي تركها سائقها لقضاء حاجته. ويرقد مكانه في التابوت.. ويصحو ليجد نفسه في تركيا ومطارداً من قبل عصابة لتهريب ألماس. كان (الميت) عضواً فيها.
وفي تركيا يلتقي مع (العمدة) (حسن حسني) صاحب المقهي الثري وصاحب لقب (عمدة المصريين) الذي يؤويه ويحن عليه هو وابنته شروق (نور) وبعد مغامرات ومطاردات ينجح عوكل في فرض نفسه على المجتمع الجديد وفي سحق ظروفه الصعبة والدخول في حياة عاطفية ثم زوجية سعيدة مع (شروق).
وبجوار هذا الخط الرئيسي الذي ينشغل بشخصية (عوكل) الإنسان (المفروم) الذي يستجمع أشلاءة ويصبح إنساناً سوياً يحب ويُحب.. يوجد خط آخر مواز يرتبط بالجدة العجوز (أطاطا) التي يؤديها محمد سعد ايضا).. يلعب دور المرأة القبيحة سليطة اللسان المدخنة التي ترفع (شبشبها) كلما اشتبكت في حوار أو خناقة وتنهال به علي من يعترض رغباتها أو يقف في سكة حفيدها.
وعوكل وأطاطا.. البطل والبطلة يشكلان عالماً من المزاح والضحك والفكاهة الخشنة شارك في (تأليفه) كل من سامح سر الختم ومحمد نبوي.. وهو عالم من الخيال الخالص.. لا أثر فيه لواقع أو حقيقة ولا يصح البحث عنها في فيلم هدفه المعلن والصريح ان يجعلك تضحك مع محمد سعد.. في (عوكل) و(أطاطا).
الطرافة كما ترى تبدأ من الاسماء ومن شروط الدخول إلي هذا العالم إلغاء عقلك حتي تستسلم بسهولة مختاراً لمهارات المهرج وهي ليست سهلة في الواقع ولا سخيفة كلها وحولك العشرات يضحكون ويحولونك دون قصد إلى متفرج (سخيف) إذ أنت لم تقهقه مثلهم .. ثم من الذي يحتاج (عقله) في هذه الأيام؟؟ وفي هذه الظروف الصعبة؟؟ انها خدمة جليلة يقدمها المهرجون الجدد في توقيت موات ومتفق مع ظروف الحصار السياسي والنفسي الذي يخيم على الجميع محلياً واقليمياً .. و(عوكل) يحقق خبطاته هو وجدته (أطاطا) في تركيا فقط وإنما في كل البلدان العربية والناطقين بها.. بدءاً من القاهرة وحتى في العراق.
عوكل ينافس فيفي عبده
في هذا الفيلم يكشف محمد سعد عن مهارات رائعة كراقص .. أفضل المشاهد في (عوكل) فعلاً هو مشهد الرقصة الاستعراضية التي يؤديها على أغنية (عوكلو) التي لم أفهمها ومع الممثلة اللبنانية نور.
في هذا المشهد برهان بصري بارع على مدي الليونة والديناميكية واللياقة الجسمانية التي يمتلكها هذا الممثل.. وأتصور أنه أقدر على احياء الأفراح والليالي الملاح وعمل الاسكتشات الراقصة. وتفجير حالة من المرح والصخب والهوس الترفيهي وسط الجمهور أكثر من أي راقصة على خريطة هذا المصنف الفني.. وأتصور والكلام بجد انه أفضل من روبي وفيفي عبده. ويا حبذا لو استبدل (نور) بنانسي عجرم.. ستكون توليفة نارية.
لا يستطيع أحد فعلاً ان ينكر الجهد العضلي والبدني والعصبي الذي بذله محمد سعد بحنجرته وسائر تفاصيل جسده .. اليدان والأقدام والرقبة والوسط والعينان .. الخ من أجل أداء شخصية (أطاطا) حولاء العينين. مكسورة الفكين . المضروبة في مشيتها . منفوخة الأرداف والصدر . منكوشة الشعر . الخ الخ أو من أجل أداء عوكل المنحوس فاقد القيد والوجود الذي تهبط عليه فجأة الثروة والحظ وبنت الحلال الجميلة.
لم يترك المؤلفان سمة بشرية قبيحة لم يمنحاها لشخصية الجدة (أطاطا) ولم يتركا صفة من صفات المهرج والصايع والعاشق والرجل الشرقي الغيور والمخلص الا ومنحاها (لعوكل).
ان فن كتابة السيناريو في (عوكل) مضروب بشبشب (أطاطا) حتي النخاع.
فلم يفكر (المؤلفان) في عنصر التشخيص على المستوى الفني أو الحرفي كما لم يتأملا صورة الشخصية الرئيسية والثانوية باعتبارها (انسان) له كيان وبنية متكاملة مقنعة ليست متناقضة ولا متنافرة التكوين هكذا .. فلا يمكن للرجل أن يكون بصفات المخبول والعبيط . والمشوه والمنحوس ثم هو نفسه المغامر الذي تهيم به أجمل البنات.. لا يكفي مونولوج (شروق) عن شكله وحقيقة انسانيته.. حتى نبلع الباقي.
تفصيل سييء
وبهذا النحو يظل محمد سعد الممثل القادر صاحب المهارات الخاصة لم يجد (الترزي) الشاطر الذي يضعه في إطار ثوب فني دون ان يفقد تأثيره على الناس.
انه يجسد المفروض شخصية (الخسران) الضائع الذي تلعب به الأيام والناس والذي تبتسم له الحياة لأنه في الحقيقة طيب وغني بالمهارات.
هذه الشخصية يمكن ان تكون محوراً لحبكة حقيقية واقعية ذات أبعاد انسانية ومضمون ايجابي جيدا لو وجدت من يحيكها (بتكنيك) دقيق.
لكن (عوكل) كفيلم مثل سابقيه (اللمبي) وإلى حد كبير (اللي بالي بالك) ليس سوى مجموعة من الارقام أو الاسكتشات التمثيلية .. التي تستعرض قدرات محمد سعد التمثيلية الفكاهية في عدد من الخناقات العضلية مع شقيق خطيبته وخطيبها الذي جاء بعده . وفي بعض المواقف الفكاهية داخل السجل المدني عندما نشب حريق يلتهم الدوسيهات ويأتي على السجلات كلها .. وداخل المقهى التركي وهو يخطب في الزبائن الذين جلسوا ينصتون اليه في بلاهة مصطنعة . أو في مطاردته لأعضاء عصابة الماس . أو وهو يتسكع في الشوارع ويضع نفسه في تابوت الميت أو أمام المدافن في تركيا عندما يتحرك هو داخل التابوت فيهرب المعزون خوفاً .. أو في حواراته مع جدته (أطاطا) .. أو أثناء حفل الزفاف التركي عندما يعلق على منظر العروس الحامل. الخ الخ.
ارقام كثيرة تمثل في مجموعها وجبة ضاحكة فيها من كل صنف.. فهل هذا ما يطمح اليه محمد سعد؟؟
مجرد مهرج شاطر في سوق الافيهات والارقام التمثيلية المربوطة برباط حذاء وليس بحبل سري مع مؤديها في بناء قوي يصمد؟!
نلاحظ ايضا كم (المرونة) في حجم اللقطات وتكوينها وخاصة التي اظهرت تركيبة جسد الممثل من كل الزوايا في مشهد اصلاح سيارة (صوفيا) السيدة الراحلة ام (شروق) وزوجه العمدة.. وهو مشهد بليغ في ترجمة مهارات السمكري في شخصية عوكل.. واخلاص عوكل للصنعة وأيضا اجتهاده الخاص لكسب ود واعتراف الانسانة التي احبها.. فقد كانت (شروق) تكن تعلقا خاصا بهذه السيارة التي كانت ملكا لأمها.. وهي السيارة التي شهدت بعد استرجاعها بدايات الغرام المكشوف بين عوكل ونور وبداية اعتراف العمدة به كإنسان موهوب وقادر على الكسب..
نفس العنصر الحركي كشفت عنه ادارة المخرج للعديد من الاشتباكات العضلية.. التي تورطت فيها (أطاطا) وفي مشاهد المطاردة.. وفي (نمرة) رجال البوليس التركي مع عوكل.. وسوء الفهم الذي جرى وما ترتب عليه من ردود فعل خارج سيارة البوليس وداخلها ايضا اثناء تصوير مشهد العرس.. والمشهد النهائي الذي جمع بين المدعوين وفرقة الموسيقي وقدوم (أطاطا) لحضور فرح حفيدها.. ادارة المشهد هنا اظهرت قدرة المخرج محمد النجار مثلما كشفت عن مهاراته في ابراز العناصر التي يقوم عليها (الإفيه) او مجموعة (الافيهات) التي تتولد من خلاله.
عناصر أخري
الديكور والمكياج في هذا الفيلم عناصر يمكن الاشادة بها.. بالذات ديكور الحديقة وحمام السباحة في المشهد الاخير وفي مشاهد الاغنية.. ومكياج أطاطا وملابسها كانا مناسبين تماما للصورة المرسومة للشخصية.. فبدون هذه العناصر لم يكن من المحتمل أن تظهر أطاطا بامكانيات اداء محمد سعد وحده خاصة وانه استنفد معظم ادواته في تجسيد عوكل..
ومن الظلم فعلا ان أنهي الكلام عن (عوكل) دون الاشارة إلي مجموعة السنيدة وكلهم ممثلون مجيدون يبحثون عن أدوار في صناعة تعتمد على النجم الأوحد: سعيد طرابيك وطلعت زكريا. وعلاء مرسي.. وغيرهم.
وأتوقف أمام الممثلة اللبنانية (نور) فهي لا شك اضافة حلوة تمرر للمتفرج علاقة شديدة الافتعال ولكنها مقبولة في اطار سينما الضحك للضحك.
توقف كذلك امام الممثل حسن حسني الذي يؤدي (الهزل) بجدية يحسد عليها!!.


أعلى




تشكيل
عادل السيوي.. الطبيب الذي امتهن الفن التشكيلي:
ارسم وجوهي بريشة الطبيب النفسي
عزلة الفن تأتي من الاهتمام أكثر بالحدوتة
الرسم بالكاميرا خطوتي القادمة في الفن التشكيلي

القاهرة ـ (الوطن): ترك مهنة الطب ·· ومضي في رحلة استكشاف في أعماق بحور الفن التشكيلي·· ليعزف علي أوتار لوحاته الفنية سمفونيات رائعة من الألوان والتابلوهات الفنية - وإقترب في معظم لوحاته من الوجوه ·· يسجل حركاتها وسكناتها ·· فدار حول الشفاه ورسمها ضاحكة باسمة لتعني التفاؤل الذي ملأ به قلبه وتجول في الوجوه وتفحصها ·· لتفترش بها لوحاته التي زادت عن خمسمائة لوحة لوجوه متعددة ومعالجات فنية مختلفة تعكس حسن وذوق الفنان وثقافة مبدع كلها تعبر عن لحظات فنية·· ويبدو أن رحلته في عالم الفن التشكيلي قد استهوته ، لدرجة أنه لم يعد يفكر في العودة إلي تخصصه العلمي الذي جاء بعد سنوات من المعاناة الدراسية بذل فيها عصارة فكره وجهده إنه الفنان الطبيب (عادل السيوي) ومعه كان هذا الحوار·
* درست الطب ·· وامتهنت الفن التشكيلي فلماذا التحول؟
** كانت البداية مع نكسة يونيو 1967 والتي أحدثت زلزالا داخل القلوب المصرية وخلقت داخلنا هموما لايمكن نسيانها·· وكنت في السادسة عشرة من عمري، وحينما وصلت الجامعة كان الشارع المصري يموج بحركات إحتجاج ومظاهرات حول الأمور السياسية والأوضاع في مصر فبدأت أفكر في دراسة الفن كهواية بجانب دراستي الأساسية للطب وحينها لم أتخيل أبدأ أن يصبح كل حياتي وسرعان ما أدركت أن رغبتي وإهتمامي بالطب بدأت تتلاشي، في مقابل ولعي وإهتمامي المتزايد بالفن فإلتحقت بكلية الفنون الجميلة·· وبدأت أولي خطواتي الجدية في الرسم وعندما عرضت رسومي في مهرجان الجامعات حصلت علي المركز الأول فكان ذلك النجاح الذي حققته وأنا مازلت طالبا ، أدرس الفن دافعا مهما للتقدم بخطوات ثابتة إلي الأمام، وفي عام 1980 تم افتتاح معرضي الأول في أتيليه القاهرة وكان لقائي بالفنان الراحل راغب عياد الذي افتتح المعرض لقاء مهما في حياتي ·
* وكيف سارت بك سفينة الفن بعد معرضك الأول؟
** سافرت إلي معقل الفن والفنانين إيطاليا- وأقمت فيها طيلة عشر سنوات عملت خلالها في مجالات متعددة وكان لاتقاني اللغة الانكليزية والإيطالية فضل في الحصول علي وظيفة بالشكل اللائق فعملت في الترجمة خاصة الكتب وكانت إقامتي بجوار أكاديمية الفنون مفيدا جدا فصرت أتردد علي كثير من الفنانين واتخذت هناك مرسما خاصا ، اشتغلت فيه علي إنجاز أعمالي الفنية ·
عالمي الخاص
* البعض يري الفن التشكيلي يعبر عن واقع خفي فكيف تراه وبماذا تعبر عنه؟
** كنت دائما ومازلت أؤمن بعالمي الخاص في هذا المجال، وهو نتاج صراعات مختلفة لأحاسيس متباينة قد تصل إلي درجة التناقض أحاول تجسيدها في العمل الفني الذي لاتتجمد الحركة داخله·· وعندما أرسم لوحاتي عن البحر فإنني لاأعتمد التجريد في شكل خطوط فقط بل أحاول أن أشتم منها رائحة البحر وصوت الأمواج والإحساس بالدفء والبرودة واللون عندي مرتبط بهدف يعبر عنه فأنا لاأسرف في استخدام الألوان لأعطي جاذبية ما للشكل - بقدر ما أحرص علي وحدة الكتلة اللونية وتأكيد إتصالها بالأجواء التي يعبرها الضوء ليصل إليها ، فتبدو الأشكال وكأنها في حالة رموز متحركة·
* يشكل الوجه لديك حقلا للفعل ومادة للتحري والبحث النفسي وإستطعت من خلالها اختراق الزمن والواقع ·· فما قصتك مع الوجوه؟
** كنت قبل رسم الوجه أبحث عن شيء ما أمسك به بين فوضي الأشياء والأماكن كنوع من الانهماك المؤقت وأقصد الخط أساسا التحديد والفصل وإعتدت علي أن لا أرسم وجها خاصا بشخصية معينة حتي وإن اقتربت الوجوه من التشخيص فالوجه عندي لايكون حاضرا ، إلا من خلال تحرره من شروط الزمن وحدود التاريخ ووجه الإنسان هو الوجه الذي يبحث عن نفسه أو عن وجهه في وجوه تتدافع أمام عينيه أو يترسمها في مخيلته ·· وفي إعتقادي أن الوجه لم يرتبط بصاحبه وإنما يخلق للأخر ولذلك فإن المشاهد لوجوهي يري وجهه وكأنما يشاهده في الحلم والكتب القديمة·· برغم ما يحمله من دفء يسكن هذا الوجه والقوة والألم والعمق الذي ينفجر داخله·· وربما يظن المشاهد أن وجوهي مكررة ويمكن إختصارها في واحد ولكن ذلك مجرد خدعة في محاولة مني لإقناعه بأنه يمكن إختصار وجوه العالم كله في وجهه هو وكذلك التاريخ والحياة والموت·· الرجل والمرأة والطفل·· وجه أمنحه من المعاني والتعابير القدرة علي إختراق الزمن والنظر إلي البعيد المجهول·
* وكيف تكونت ثقافتك كفنان تشكيلي ؟
** من خبرات الحياة الواسعة ، من الصور التي نراها في الدنيا خاصة في الفن المسرح - السينما - وتنصهر تلك الصور وهذه الرؤية - لتكون خليطا من الحسن والمشاعر والعاطفة التي تتولد في الفنان يحاول أن يترجمها علي لوحات بيضاء يخرج منها من حدود واقعة الضيق إلي عالم جديد· كذلك تأتي الثقافة الفنية من خلال السفر الدائم والاحتكاك بالفنانين من الغرب والشرق·
* وكيف تري الحركة التشكيلية في الوطن العربي؟
** تشهد الحركة التشكيلية في الوطن العربي تقدما ملحوظا فأصبحنا نسمع عن فنانين تشكيليين علي قدر كبير من التقنية - وأصبحت أعمالهم تعرض في العديد من المهرجانات والمعارض- وأصبح هناك إهتمام كبير بالجيل الجديد من الفنانين الشباب وأصبح سهلا أمامهم إقامة معارضهم ولكن الجانب السلبي في هذا المجال يكمن في سيطرة الأكاديمية علي الفن التشكيلي - فمعظم الفنانين علي سبيل المثال أساتذة في كليات متخصصة وليسوا فنانين وهناك فارق كبير بين تدريس الفن واحترافه·
عزلة الفن
* نسمع دائما عن عزلة الفن التشكيلي عن الجمهور فلماذا هذه العزلة وكيف تتخلص منها ؟
** كلمة عزلة تعني أن هناك أطرافا كثيرة تشترك فيها وهي هنا بين الفنان والناقد والمناخ الثقافي في المجتمع وفي إعتقادي أن السبب الأساسي وراء هذه العزلة يكمن في وجود هوة كبيرة بين الثقافة الفنية وثقافة الصفوة في المجتمع الواحد كما أن ارتباط الشعب العربي بفكرة الحدوتة أكثر من الصورة ·· تجعله يلهث وراء الاستماع كما يحدث في وسائل الإعلام والسينما فالناس تهتم بالقصة والسرد أكثر من الصورة ولذلك كان الحاجز كبيرا بين المتلقي والفنان ، حيث لايعتمد الفن التشكيلي علي الحدوته ولا علي منطق اللغة إتما يعتمد علي الرمز الذي يحتاج إلي تفكير عميق لمحاولة فك رموزه ولذلك نجد أن رواد هذا الفن والمتعاملين معه هم من المثقفين الذي تجاوزوا حدود الواقع المعتاد ·
الرسم بالكاميرا
* وهل كانت تجربة إصدارك لمجلة (عين) نوعا من تقريب المفهوم للفن التشكيلي للعامة؟
كان هدفي الإساسي من أصدار هذه المجلة هو الارتقاء بالمشاهد الذي إعتادت عينه أن تري القبح والفوضي وغير المألوف من الأشياء حتي كادت تغيب عنها الحقائق وإثارة الجدل حول مناطق الخلل في الواقع البصري وافتقارنا إلي ثقافة العين والمطالبة بتحريرها من التبعية لثقافة الكلام، وهي فرصة للتعاون أيضا مع طبقة المثقفين والشعراء والمبدعين والمجلة باختصار واحدة من أهم التجارب التشكيلية ·
* وما الجديد الذي تتمني تقديمه للفن التشكيلي ؟
** طموحاتي في الفن كبيرة - أريد أن أستبدل التشكيل بالخامة وأن أرسم بالكاميرا كنوع من التعبير عن الأشياء التي تتحرك من حولنا، وأحضر حاليا لمشروع سيكون مفاجأة غير متوقعة للخروج من حالة الرسم والتصوير وسأحاول أن أطرح قيما فنية جديدة لاتقتصر علي التشكيل·

أعلى




قضايا الشعر الإيراني في جديد مجلة الآداب اللبنانية

بيروت ـ رويترز: المشكلات التي يتحدث عنها ملف خصصته مجلة الاداب اللبنانية للشعر الايراني الحديث تبدو في كثير من وجوهها ومن حيث نشأة هذا الشعر تاريخيا كأنها حديث عن الشعر العربي الحديث.
الملف الذي جاء في نحو 50 صفحة من صفحات المجلة الشهرية الست والتسعين يشكل دراسة مكثفة لنشأة الشعر الايراني الحديث ومشكلاته من حيث الشكل والمضمون وقد احتوى على عدد من المقالات وعلى كتابات توثيقية هي عبارة عن شهادات لعدد من كبار شعراء الحداثة الايرانيين وقصائد لما لا يقل عن 12 شاعرا منهم.
والملف هو من اعداد وترجمة وتقديم موسى اسوار وهو شاعر ومترجم ومحاضر يعيش في طهران ويشغل منصب امين المجلس الاعلى للمراجعة والتدقيق اللغوي في مؤسسة الاذاعة والتليفزيون الايرانية والمقال الاول في الملف كتبه محمد حقوقي بعنوان (الشعر الحديث في ايران.. تاريخا وتحليلا وتقييما) وجاء فيه ان الشعر في ايران له ماض سحيق يعود الى عهد الفارسية الوسيطة في عهد الفرثيين والساسانيين ورغم ذلك ينبغي اعتبار الاشعار العروضية الاولى المنسوبة الى القرن الثالث المصدر الاساس للشعر الفارسي المعهود.
فعندما اسلم الفرس لم يعتمدوا اللغة العربية بل بادروا الى الترويج للفارسية المحدثة وعمدوا الى كتابة قصائدهم بها ولكن في بحور العروض العربية ويشرح اسوار بعض المصطلحات التي تختلف في الفارسية عما تعنيه بالعربية لكننا نلاحظ انها مع ذلك تذكر بعمود الشعر اي ما تقوم عليه القصيدة الكلاسيكية العربية فكلمة قصيدة عندهم مثلا تعني المطولة لا ما يكتب من شعر بعامة وغالبا ما تتناول المديح او الوصف او الوعظ وتستهل بالتشبيب ونتذكر ما جرى في العالم العربي وعوامل النهضة ومنها البعثات والمطابع والمدارس والترجمة وبشكل خاص ايام محمد علي ومن خلفه في مصر عندما نقرأ انه منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي تناهت الى الايرانيين انباء التطور في الغرب فعمد عباس ميرزا ولي العهد في حينه الى جلب اول مطبعة الى مدينة تبريز سنة 1805 ليعمد بذلك الى طباعة الكتب والمنشورات كما ارسل عددا من الايرانيين الى اوروبا في بعثات دراسية ليعودوا منها بوعي جديد وافكار حديثة ولتتوطد العلاقة بين الايرانيين والاوروبيين بقدوم الهيئات العسكرية والسياسية من البلدان الاوروبية.
وجرى اصدار صحف وتأسيس اول مدرسة على النمط الاوروبي وكانت السبب في مبادرة الاساتذة الفرنسيين بالتعاون مع طلبتهم الايرانيين الى نقل الكتب في مجالات شتى الى الفارسية مما شجع الكتاب التقدميين في ايران على تأليف ما يتناسب والاوضاع الراهنة وادت الى تعرف الايرانيين على ضروب الفكر والخيال في الغرب ويتضافر الوعي تدريجيا لدى جمهور القراء بوصول جمال الدين اسد ابادي المعروف بجمال الدين الافغاني الى ايران ومناهضته للاستبداد وبعد هذه الاسس التاريخية قال الباحث ان المنهل الاول للشعر الحديث في ايران كان منظومة افسانة للشاعر نيما اوشيج فقد كانت تختلف عن مجمل الاعمال المعاصرة سواء من حيث الجو الشعري او من ناحية الشكل اواللغة وفي الحديث عن اسس الشعر الحديث في ايران وسماته يورد نقاطا تنقلنا الى اجواء مشكلات الشعر العربي الحديث مع النمط الكلاسيكي ومن النقاط هذه مبدأ الوزن والموسيقى ويقول ان التحرر من التساوي في طول الاشطر تعتبر من الاسس الاولى للشعر الحديث والسمة الاكثر اثارة في الشعر النيماوي لحفيظة الاذهان المدمنة منذ الف سنة مبدأ ذلك التساوي ومن الاسس الاخرى حرية التخيل بعد ان كانت التشبيهات والمجازات البلاغية والعلاقات المحددة سلفا قد اكتسبت ٍفي غالبيتها على مر الزمن صيغة اتفاقية بفعل استخدامها الرتيب المتكرر.
وقال في الحديث عن اللغة تعتبر محورية اللغة الحديثة من مميزات شعر الحداثة وان شعرية القصيدة تنبثق من صميم اللغة وبناء على ذلك ليست اللغة شعريا وسيلة فحسب بل هي الغاية ايضا ومن سمات الشعر الحديث اعتماد على مبدأ البنية او الشكل الذهني والداخلي ومن السمات ايضا نوعية الغموض ولا يمكن تحري مثل هذا الغموض في الشعر القديم وقال حسين معصومي همداني في مقال اخر ان الشعراء المجددين راوا ان الشعر القديم يعاني ثلاث مشاكل رئيسية مضمونة الذي لم يكن موائما للحياة ولغته التي كانت نائية عن اللغة الطبيعية ودوره الاجتماعي الذي كان لدى بعض شعراء الحداثة مقتصرا على خدمة الفئات الحاكمة.
ومن النتاج الشعري الذي اورده الملف قصيدة لنيما اوشيج عنوانها (ضوء القمر) يستهلها بالقول: يرشح ضوء القمر وتومض الحباحب وما من لحظة تسهد فيها عين لكنما لهفي على الرقد القلة هؤلاء يحرم عيني المغرورقتين من النوم، ومن قصيدة (مخطط) لاحمد شاملو الذي وصف بانه اعظم شعراء الحداثة في ايران قوله: الليل كان صادحا بحنجرة دامية منذ امد بعيد والبحر يقبع في برودة وهناك غصن في عتمة الغابة يصرخ تجاه النور.

أعلى




(منامات) جوخة الحارثي .. رواية للزمن القادم

(دشداشته البيضاء تومض وتختفي كآخر نجمة في الافق انا خلف الوميض الهث وعبثا احاول اللحاق به اكتشف اننا نصعد سلما حلزونيا يلتوي على الاسطوانة الداخلية لبرج عال يشرئب الى سماء لا حدود لها..)
تستمر الاديبة العمانية الشابة (جوخة الحارثي) في سرد تفاصيل روايتها الاولى (منامات) في لغة قوية وعرض محكم وباسلوب يوحى الينا بأننا امام نمط روائي جديد ربما يختص به الادب العربي لسنوات قادمة فالكتابة تمكنت بمهارة شديدة وبساطة بالغة من ان تضفى على روايتها نوعا من الحداثة التجريبية التي تجذب عقول القراء على مدى التصاعد الدرامي للرواية فتنتقل من صيغة سردية تعتمد على ضمير المتكلم تحكى بها مناماتها وتصف بها خلجاتها، الى صيغة سردية اخرى تعتمد على ضمير الغائب في انتقال مفاجئ يحير عقل القارئ للوهلة الاولى ثم لا يلبث ان يعود لسياق الرواية مرة اخرى بعد استيعابه لهذا التغيير السردي ثم تعود الصيغة السردية من جديد لضمير المتكلم الى درجة قد يشعر معها القارئ قرب نهاية الرواية بشيء من التوحد مع بطلة الرواية بعد ان كان ضمير الغائب قد حقق ما يسمى عند (بريخت) (بالتبعيد) والذي يعطي احساسا بالانفصال بين البطلة وبين الكاتبة بعد ان اتاح هذا الضمير للكاتبة ان تشعرنا بهيمنتها على عالم روايتها ويبدو لنا ان (جوخة) قد نجحت في استخدام تقنية السرد بوعي شديد وهو ما يتضح لنا من التدرج في بناء الرواية على الرغم من التداخل الزمني في احداثها فعلى حين تبدأ الرواية بحلم تتجسد فيه كثير من صراعات الشخصية والتي تدور في عقلها الباطن وربما ايضا في عقلها الواعي نجد ان الرواية قد انتهت بتيقظها من احد المنامات وقد اوحى لنا المنام الاخير ببداية رحلة جديدة في حياتها او لنقل صفحة جديدة من حياتها وبين الحلم الاول والاخير متواليات سردية عديدة لاحداث ومنامات تمر بها البطلة تجسد الصراع ويفسر كل منهما الآخر.
والبطلة او الشخصية الساردة في الرواية هي التي تمتلك مفاتيح جميع عناصرها فهي التي تضع هذا التداخل الزمني بين الماضي والحاضر والتداخل بين الواقع والخيال فتارة تجنح الى الخيال وتارة تهبط الى ارض الواقع وتارة اخرى تهرب من الواقع ولكنها ترمز اليه،وهي التي تصف الشخصيات وتوظف الكاتبة وصف البطلة للشخصيات في خدمة البناء الدرامي بما في ذلك وصف الملامح الخارجية وحتى في وصفها للاشياء الجامدة نجده متناغما مع مجرى الاحداث لاسيما الجو النفسي للبطلة كما رأينا في وصفها للضفدع المرسوم على قميص اختها او يساعد في رسم ملامح الشخصيات مثل وصف هدية الام وهو ما يذكرنا (بتشيكوف) عندما قال اذا ذكرت ان هناك بندقية معلقة على الحائط في بداية القصة فلابد ان يكون لهذه البندقية دور في النهاية فالتوظيف الجيد لوصف اقل الاشياء يجعلنا امام كل كلمة لنبحث في مغزاها.
لقد لعبت المؤلفة على تيمة الغياب والانفصال فاعتمدت على التداعيات والتداخلات الزمنية والجمل القصيرة والوصف الدقيق والعبارات المركزة الموحية وتحريك النص واكسابه حيوية اكثر خاصة وان الشخصيات محدودة فكان لابد من ايجاد تيمة تضفي عامل جذب واثارة على النص فكان الاعتماد على السرد وعلى عنصر التداخل الزمني والاحلام اضافة قوية لبنية الرواية.
ان تجربة الاديبة العمانية الشابة (جوخة الحارثي) تجربة جديرة بان نقف امامها بتروء ثم نقف معها بموضوعية لنقدم للادب العربي عامة والرواية بصفة خاصة اضافة قوية وتجديد طال انتظاره.
الرواية صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الغلاف للفنانة المكسيكية فريدا كاهلوا وتقع في مائة واثنتى عشرة صفحة من القطع المتوسط.

عرض ـ وليد عادل
جامعة المنصورة ـ مصر

 

 

أعلى




الروائي ابراهيم اصلان:
الكتابة عندي لا تفكر أو تتكلم أو تختار للقارئ
التجارب الكبيرة تكون زادا للفن وليس موضوعا له

القاهرة - الوطن: وأخيراً فاز صاحب مالك الحزين التي حولتها السينما إلي الكيت كات وصاحب عصافير النيل ،خلوة الغلبان،حكايات من فضل الله عثمان ،وردية ليل، يوسف والدراء، بحيرة المساء فاز إبراهيم أصلان بجائزة الدولة التقديرية في الاداب ·· فاز بالإجماع وهو إجماع لا يحصل عليه إلا من يستحقه وأصلان أحق الناس بها·· وهذه الأحقية هي التي دفعت أكاديمية الفنون لترشيحه للجائزة·· وتخيل أصلان أن هذا الترشيح كاف ولم يتوقع الفوز بالجائزة·· ولكنه جاءته لأنه مبدع حقيقي·
* كيف التقطت عدستك الإبداعية لحظة الفوز·· أحك لنا تدفق المشاعر المخلوطة بنشوة الانتصار ولذة التفوق؟
** أحسست بقدر من الابتهاج برغم أن شغلي ليس كثيراً·· وحسب المعايير السائدة فإن كثرة الأعمال من الأشياء التي يعول عليها·· وأنا غير مؤمن بذلك على الإطلاق·· والتاريخ الأدبي يؤكد ذلك·· ويمكن يكون هذا سبب إحساسي بالرضا·· وأظنه سيكون مؤشراً للأصدقاء الأصغر سنا·· فالقضية ليست الكم المكتوب·· فالاتقان كان دائما حالة مزاجية مصرية وعلينا أن نستعيدها لأننا نفتقدها الآن·· وأنا أنتسب إلي الحرفيين أصحاب المزاج من مختلف الطوائف·· وفي الكتابة كلما بذلت المزيد من الجهد كانت النتائج أفضل·
ولا شك أني فرحت لحظة الفوز ، لكن ألاحظ أن الناس اللي مثلي يخافون يفرحون أكثر مما يجب·· بداخلهم إحساس يقاوم الفرح حتي لا يزيد عما يليق أما إحساسي بقيمة المال فليس إحساسا يقظا بمعنى معك مثلما لم يكن ·· وبعد هذا الفوز أظن يجب أن آخذ الكتابة بجد أكثر من هذا·
- هل ستسفر الجائزة نوعا من البهجة على شخوص روايتك المحبطين دائما؟
أرفض الربط بالطبع·· رغم قناعتي بمدى تأثير الحالة المزاجية للمبدع على شخوص أعماله الفنية.· لكني دعني أؤكد لك أن هذا يحدث في بدايات مشوار الإبداع·· أما مع تقدم العمر فالأمور تختلف كثيراً وتصبح الرؤية أكثر شمولية وتذوب الذات في العالم ويتلاشى تأثير الشخصية في إطار لا يلف الخصوصية بالطبع بل يحافظ عليها لأنها تكون قد تأكدت مع تراكم السنوات والتجارب·
أما تعريضك بشخوص روايتي السابقة وكونهم محبطين·· فأنا لا أراهم هكذا.· ومسألة البهجة هذه أظنها خصيصة مصرية·· وهي سلاح مصري قديم معروف وهذه الروح المرحة هي الوجه الآخر للاكتئاب المصري العميق·· والذي أصبح له الغلبة الآن وهذا أمر يسبب لي قلقاً شديدا أو ينبئ عن تغير مخيف فالاكتئاب يوشك أن يحقق انتصارا حقيقيا·· ولقد كانت تؤنسني دائما الضحكات القادمة من البيوت الفقيرة·· أنا الآن أفتقد هذه الضحكات·
مشروع الكتابة
* أعتقد أن اللحظة هي الأنسب لكي نرصد مشروعك الأدبي·· كيف تراه الآن؟
** أظن أن مشروعي الأدبي قد تأثر بفكرتي عن الكتابة وملخصها أن الكتابة طاقة عشق لا تصح إن لم أحب من أكتب عنهم·· والكاتب ليس قاضيا يحاكم الناس ويحكم عليهم بل هو شاهد أمين·· والكتابة عندي سعي نحو شيء معين والمبدع الحقيقي -وأنا لا أحب استخدام هذه الكلمة- هو من يحاول خلق علاقة صحية بين الإنسان والعالم·· بمعنى أنني أحاول جعل المتلقي يتلمس الوجود والأشياء بطريقة مرهفة وحذرة كالغدير بالضبط·· وذلك من أجل متعة اكتشافها والتعرف عليها·· ولقد تعودت ألا أفرض وصايتي على القارئ بتقديم حلول أدبية جاهزة إليه وبالتالي أترك مساحة واسعة أمامه تختلف باختلافه·
* هل تتعامل مع الواقع في كتاباتك من منظور راصد أم من موقع الناقد؟
** يجب أن يعبر الأديب عن الواقع بطريقة غير مباشرة ، فنحن نعيش الواقع ماديا ولا نقول رأينا فيه دائما·· والإنسان البسيط قد يستوقفه شيء لا يرضى عنه في هذا الواقع ولكن هذه الحالة تحدث مرة أو مرتين اليوم وقد لا تحدث إطلاقا·· وإذا جعلت شخصيتي الأدبية في حالة صدام أو اشتياق دائم مع بعضها بعضا أو مع الواقع فأنا أجعلها تقيم عالما من العلاقات تبعد المتلقي عن الشعور بواقعه بمعنى أنني بهذا أجعلها تعيش وتشعر بدلا من القارئ·· ومشروعي الأدبي كله نقيض هذه الرؤية فنحن نعيش في ظل مؤسسات اجتماعية ودينية وسياسية تفكر بدلا منا·· وتقول أراءها في كل شيء وتقرر مصيرنا باستمرار وتختار مواقعنا بعيداً عنا·· وأسلوبي في التعبير يتناقض مع كل هذا فالكتابة عندي لا تفكر أو تتكلم أو تختار للقارئ بل تحاول أن تجعله هو يفكر ويقرر ويختار·
حياة حقيقية
* علاقتك مع اللغة هل تعتمد على البساطة أم أنك تتساهل فيها؟
** أنا أسعى للبحث عن معنى في علاقتي باللغة وهذا يتطلب التعامل مع الكلمات كعناصر أولية غير مثقلة بالاستعارات والتشبيهات·· وأتمني وأطمع لأن ينتفي فصل القراءة حين يتعامل القارئ مع البعض·· أي أسعي لأن يرى ويسمع ويشم ويتذكر بوضعه أمام مشهد وحركة بداخل المشهد يعيشها لا يقرأها .. أريد للكلمات أن تشف حتى تتحول إلى حياة حقيقية·
* شارع واحد فرض خطته على الكثير من رواياتك فهل وقعت أسيراً للمكان؟
** إذا كان اسم شارع فضل الله عثمان تكرر في أكثر من عمل فلقد كان بإمكاني تغيير الاسم·· وهذه ليست قضيته ، لأن اسم المكان في ذاته ليس له قيمة.· وقيمة المكان تأتي من خلال الذاكرة المشتركة بينك وبينه.· وأنا لا أكتب بدون تصور عن جغرافيا المكان الذي تدور فيه الأحداث لأنني أسعى لتجسيد حالة·· والاتكاء على المكان كتجربة حية يتيح لك أن تنمو معها·· وأنا مدفوع بتأكيد علاقتي بأشياء وبشر وأحاول من خلال ذلك تفهم الأمر وتجاوزك لأي تجربة مرهون باستيعابك لها·· فالمسألة ليست في حالة ثبات فالشارع مع كل نص ليس هو الشارع والنص مع كل قارئ ليس هو ذات النص·· وليست لدي مشكلة أن أرتبط وجدانيا مع ملامح عالم ما وفي كل مرة أتعامل مع نفس المجال باعتباره مجالا آخر·· فأنت في سعي دائم نحو معرفة ما·· ليست معرفة جغرافية بل بشر·· والطابع الروحي لهؤلاء البشر·
* كيف تعاملت مع تجاربك الشخصية من خلال رواياتك؟
** كل بني آدم يعيش تجربة أو مجموعة تجارب يجد نفسه أمام طريقين·· إما أن يكتب هذه التجارب وهي وفرة واما أن يكتب بهذه التجارب·· وأنا أدركت مبكراً والفضل في ذلك ليحيى حقي·· أن الظاهرة الإبداعية واحدة وإن اختلفت الوسائط وكل وسيط له إمكانات·· وإغناء هذا الوسيط يتطلب جهداً·· بمعنى البحث عن حلول للمشاكل التي تعترضك ككاتب في فنون أخرى لديها نظراً لطبيعة إمكانياتها التعبيرية حلول لهذه المشاكل·· فما هو مرئي علي سبيل المثال مشكلة محلولة تماما في فن مثل السينما والفن التشكيلي·· ومتابعة سير وأحوال فنانين كبار يساعد كثيراً على ذلك·· ويستوقفني نموذج فان جوخ دائما لأنه مثال استثنائي في العذابات الروحية التي عانى منها .. وعلى كثرة ما رأيت من اعماله لم أر لوحة واحدة تتناول هذه العذابات التي عاشها بشكل مباشر·· فالتجارب الكثيرة تكون زاداً للعمل وليست موضوعا·· بمعنى أن عذابات فان جوخ كانت موجودة في العلاقات اللونية في لوحاته وليس في موضوعاتها·· وهذا ما يمنح هذه الأعمال قيمتها·
* هل أنت راض عن تعامل السينما مع روايتك مالك الحزين·· وهل انقطعت العلاقة بينك وبين السينما بعد أن عرض فيلم الكيت كات المأخوذ عنها؟
** السينما كوسيط فني تختلف عن الرواية كوسيط أدبي·· فالسينما محكومة باعتبارات لا نجدها في الرواية·· لهذا فتعاملي مع تناول أحد أعمالي من خلال السينما يجب أن يكون من منطق حيادي لايشوب التعصب لقدسية النص الأدبي·· لهذا فأنا راض عما قدمته السينما من رواية مالك الحزن رغم أن المخرج والسيناريست داود عبد السيد قد أستبعد بطل الرواية يوسف النجار وأعتمد في بطولته السينمائية علي شخصيته ثانوية هي الشيخ حسني وجعله محوراً للفيلم·· وكان لهذا مبررات درامية وأخري رقابية .. بشخصية يوسف تعبر عن كل ما هو سياسي في الرواية خاصة انتفاضة 18 و19 يناير 1977 ولهذا تم استبعادها ، وعلاقتي بالسينما لم تنقطع فهناك عمل آخر يجري الإعداد له مأخوذ عن عصافير النيل.

 

 

أعلى





من طيوب الذاكرة
حديث الإصلاح عند الكواكبي

بات ضرورياً أن يقوم الفكر العربي الراهن بمراجعة تأملية ونقدية عميقة لفكر عصر النهضة العربية الذي بدأ بالتكون منذ أواسط القرن التاسع عشر ، واشتد ونضج في مطالع القرن العشرين ، ويبدو أن أبرز مفكري النهضة حضوراً في الذاكرة العربية اليوم هو (عبد الرحمن الكواكبي) المفكر العربي القرشي (المنسوب إلى آل البيت) الذي ولد في حلب في بيئة دينية علمية عام 1855، فدرس علوم الدين والرياضيات والطبيعة ، وبدأ العمل في الصحافة في سن مبكرة وسرعان ما أصبح علما بين رجال الفكر والصحافة والثقافة، وواحداً من أبرز رواد عصر النهضة ، ومزية الكواكبي الهامة في حديثه عن الإصلاح أنه كان يقرن القول بالعمل ، فلا يكتفي بمكافحة الفساد بقلمه ، وإنما يحاربه مجابهة ومواجهة عملية ، حيث تقدم لنا سيرته الذاتية رواية كفاح تراجيدية مأساوية عن حياة مفكر فذ ، مناضل مغامر وجريء ، وقد بدأ الكواكبي حياته صحفياً في جريدة (الفرات) الرسمية في حلب ، لكنها لم تتح له ما يريد من حرية لكلمته ، فأنشأ صحيفة الشهباء ، ثم جريدة الاعتدال ، وبدأ ينشر في الصحف العربية الشهيرة في عصره ، وكان يدرس الحقوق ، فحين أغلقت صحفه ، توجه إلى العمل في الدوائر الحكومية ، فعمل في المصرف الزراعي ثم في مديرية المعارف ، ثم في الأشغال العامة ، وكان موقفه الفاضح للفساد سبب عزله عن عمله الرسمي ، وقد أنشأ شركة للتبغ لمقاومة الاحتكار والتهريب ،فتمكن المهربون وأعوانهم في مؤسسات الدولة من إفشال تجربته فاضطر إلى تسديد الخسارة للمساهمين في شركته من ماله الخاص ، واتجه للعمل في المحاماة ، فصار يسمى أبا الضعفاء ، لشدة مناصرته للحق ووقوفه إلى جانب المظلومين ، وحين أصبح قاضياً باشر بتنظيم ديوان القضاء ، وقضى على ظاهرة شهود الزور الذين كانوا يقفون على أبواب المحاكم مستعدين للشهادة وحلف اليمين كذباً لصالح من يدفع لهم ، وكانت لهم مصطبة أمام المحكمة يجلسون عليها ، ويعرفون بها فاسمهم الشعبي (شهود المصطبة) وقد جر عليه موقفه المكافح للفساد غضب السلطة الفاسدة ، فاتهمه والي حلب (جميل باشا) بالتحريض على محاولة لاغتياله ، وقد حصل على البراءة ، لكن والي حلب الجديد (عارف باشا) استمر في محاصرته فاتهمه بتحريض الأرمن وقدمه لمحكمة حكمت عليه بالإعدام ، وقد سجن الكواكبي وكاد أن ينفذ فيه حكم الإعدام ، لولا أنه استأنف الحكم في بيروت ونال البراءة ، وقد بقي ملاحقاً ، فاضطر للهرب لاجئاً إلى مصر عام 1900 إلا أن خصومه الفاسدين الأقوياء لاحقوه إلى مصر ، وتمكنوا من دس السم له في فنجان قهوة فمات مسموماً عام 1902.
ولعل هذه السيرة النضالية المأساوية هي التي منحت الكواكبي مصداقية خاصة فضلاَ عن تميزه الفكري عن كثيرين من رواد النهضة في عصره ، فهو أحد علماء الدين من سوية الأفغاني والشيخ محمد عبده ، ولكنه كان من أشدهم جرأة على نقد الخطاب الديني ، وكان يدرك خطورة نقد علماء الدين لأنهم يحظون بمكانة اجتماعية وسياسية تمنحهم حصانة دينية وأدبية ، وكان يرى أن مهمة النقد في مجال الدين من أخطر وأصعب المهام ، لأن الكثيرين من الناس يمارسون عقائدهم الدينية بالوراثة والتقليد أكثر مما يناقشونها بالاستدلال والتحقيق ، وهذا ما يجعل رجل الإصلاح يخشى الجهر بآرائه ، أمام غلبة الجهل على الناس (في زمان فشا فيه الفساد ، فعم البلاد والعباد ، وقل أنصار الحق ، وكثر التخاذل بين الخلق) كما يقول في وصف زمنه .
ولكن الكواكبي جهر بآرائه ، وانتقد علماء الدين الذين حولوا الجوامع إلى تكايا للبطالة ، وطالب المسلمين بالعمل معاً على صعيد الأمة الإسلامية ، وكان يرى للعرب مسئولية خاصة ، وقد أوضح هذه المسئولية في مناقشات مؤتمره المتخيل في (أم القرى) حيث جعل أكثر من نصف أعضائه من العرب (أربعة عشر عضواً من أربعة وعشرين) مع أن عدد العرب المسلمين في عصره أقل من ربع عدد المسلمين في العالم ، ويعتقد الدارسون للكواكبي أنه مثل نفسه في الشخصية الفاعلة في المؤتمر باسم (الفراتي) وهو الذي منح منصب رئاسة المؤتمر للأستاذ (المكي) تقديراً لمكانة مكة في نفوس المسلمين .
وعلى الرغم من الأهمية الأدبية والفكرية الواسعة لكتاب الكواكبي (أم القرى) إلا أن كتابه الشهير (طبائع الاستبداد) حاز على اهتمام أكبر عند مثقفي ودارسي عصر النهضة ، حيث لا تقتصر مكانة هذا الكتاب على القيمة التاريخية وحدها ، وإنما تبدو مستمرة ومتصاعدة لكونه يناقش قضايا إنسانية ما تزال راهنة إلى اليوم ، فهو يناقش ما سماه صدمة الاحتكاك بالغرب ، وهذا الموضوع أكثر حرارة اليوم مما كان في عصر الكواكبي ،وقد أجرى في الكتاب مقارنات لطيفة بين أبناء الغرب وأبناء المسلمين في الشرق ، فرأى على سبيل المثال أن الاستبداد أحكم وأشد رسوخاً في الغرب لكنه ألطف وألين ، بينما هو في بلاد المسلمين مقلقل لكنه مزعج ، وهو في الغرب محكوم عليه بالزوال ، لتحل محله العدالة ، بينما رآه في بلاد المسلمين باقياً ، فإذا زال مستبد جاء من هو شر منه على الغالب ، وقال إن الغربيين استبدلوا بثقالة الوقار الديني زهواً بالحرية (مشيراً إلى فصل الدين عن الدولة في بلاد الغرب) ورأى أن رابطة الاشتراك بحب الوطن حلت عندهم محل الاشتراك في الطاعة للمستبد ، وقد انتقد الكواكبي تعليق ضعف وهوان الأمة على القضاء والقدر ، حيث ما يزال كثيرون إلى اليوم يعتقدون أن ما يصيب المسلمين هو مجرد قدر لا راد له ولا مفر منه ، وقال إن ضعف الأمة نابع منها ومن هوانها على نفسها ، ولعل من أجمل وأصدق ما قال في طبائع الاستبداد تلك الحكمة التي يجدر أن يتأملها العرب والمسلمون اليوم (إذا لم تحسن أمة سياسة نفسها ، أذلها الله لأمة أخرى تحكمها ، إلى أن تبلغ الأمة رشدها فتسترجع عزتها) ولست أريد أن أسرف في الحديث عن الكواكبي فحسبي أن أشير إلى كونه ما يزال راهناً بفكره ، وهو يسهم معنا بعد مرور مائة عام ونيف على وفاته بأفكار ما تزال حارة وحية وقابلة للحوار .

د. رياض نعسان آغا

 

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر يوليو 2004 م





تأملات في وادي الهجر

معتقلات غوانتانامو سيئة السمعة... مشكلة تبقى دون حل

الجنود العائدون من أفغانستان يقتلون زوجاتهم


.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept