
فتاوى وأحكام
رجل هالك كان قد
أوصى لأقربيه الذين لا يرثونه بمبلغ خمسمائة ريال عماني ، وقد ترك
أولاده وعائلته دون عائل سوى مبلغ المعاش والذي لا يزيد على الثمانين
ريالا إلا قليلا ، وقد سلم بعض ما عليه من ديون وبقي عليه من الديون
مبلغ وقدره ثمانون ريالا عمانيا ، فهل نسلمه من هذه الريالات الموصى
بها لأقربيه والباقي توزع عليهم أم لا يجوز ؟ وماذا ترى في كيفية
توزيعها عليهم ، هل على حسب مستوياتهم من ناحية الدخل أم بالتساوي
بينهم ؟ وإلى أي مرتبة منهم ترى توزيعها عليهم ؟ علما بأن صلة القرابة
كالآتي : إخوة (أخ من أم وأخت من أب) وأولاد أخ ، وخال ، وابن خال
، وأولاد عم بينه وبينهم أربعة جدود ، وأولاد عم يبعدون عنه بخمسة
جدود تقريبا ، وهؤلاء يتفرعون من ناحية جده ثلاثة فروع ، وهم فيما
أظن في مستوى واحد ، ولكل من أولاد العم أولاد ، فهل الذين هم أقرب
إليه أولى بإعطائهم من هذه الوصية دون غيرهم من الأولاد ؟
** لا تخلو هذه الوصية إما أن تكون في حدود ثلث المال أو أكثر من
ذلك ، فإن كانت في حدود الثلث مع باقي وصايا الهالك فهي ثابتة ،
ولا يجوز صرفها عن موضعها الذي خصصها له الموصي لقوله سبحانه وتعالى
: (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع
عليم) وإن كان على الهالك دين فالدين يقضى من أصل ماله الذي تركه
ويقدم على الوصايا وإن قدمت الوصية ذكرا في القرآن فإنها متأخرة
رتبة عند جميع العلماء ، لأن الدين حق ثابت بذاته على المدين ولو
لم يلزمه نفسه ، بخلاف الوصية فإنها تجب بإلزام الموصي بها نفسه
، وإنما قدم ذكرها في القرآن عليه للحض على عدم التفريط فيها ، وأما
ترتيب الحقوق الواجبة في المال بعد موت صاحبه فكما قال التلمساني
:
إن امرؤ قد قدرت منونه جهز ثم أديت ديونه
وبعد ذاك تنفذ الوصية ويقع الميراث في البقية
فإن كانت الديون التي على الهالك لم تقض فلتقض
أولا ثم ينظر في الباقي ، وتنفذ الوصايا من ثلثه والله أعلم .
* امرأة توفيت وخلفت مبلغا ماليا كبيرا يقدر بمائة وخمسين ألف ريال
عماني وليس لها من الورثة سوى عشرة من أولاد العم ، وكانت قد أوصت
قبل مماتها بوصية عن ضمان لأبناء الورثة ، فما حكم هذه الوصية هل
هي ثابته أم باطلة ؟
** لها أن توصي بثلث مالها تبرعا كما تشاء ، وأن توصي بأكثر منه
إن كان من ضمان والله أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
السنة والحديث (2-4)
قراءة في تراث المدرسة الجابرية
الحديث يكون دالاً على السنة في بعض الأحيان
ويكون معبراً عن جوانب منها في أحيان أخرى
تحدثنا في الحلقة الماضية عن معنى السنة في
استعمال فقهاء المدرسة الجابرية، وقلنا إن مصطلح السنة لديهم يدل
على سنن مورست عملياً ومثلت المقدار المتفق عليه بين المسلمين أوبعبارة
ابن بركة ما (أيده العمل أو وقع عليه الإجماع) وهذا هو معنى قولهم
(سنة ماضية)، وأحياناً يعبرون بالسنة عن المعاني الثاوية في مجموع
النصوص الثابتة في الكتاب والسنة.
الحديث والرواية في استعمال المدرسة الجابرية
هذه نصوص من تراث المدرسة الجابرية في استعمال مصطلحي الحديث والرواية.
قال الإمام جابر بن زيد: (كيف يمسح الرجل على خفيه والله تعالى يخاطبنا
في كتابه بنفس الوضوء؟! والله أعلم بما يرويه مخالفونا في أحاديثهم).
26. قال الإمام جابر: (وهذه الرواية تمنع من التيمم بغير التراب)
.
27. قال أبو المؤرج: (لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر، وقد كان أبوه
أمير المؤمنين رحمة الله عليه يقول بخلاف هذا القول).
28. قال أبو غانم في المدونة: (حدثني أبو المؤرج عن أبي عبيدة رفع
الحديث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه إذا قام إلى الصلاة قال:
سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ثم يتعوذ
من الشيطان الرجيم ويكبر).
29. قال أبو غانم في المدونة: (وروى لي أبو المؤرج عن أبي عبيدة
عن جابر بن زيد رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً
من الأنصار ذبح ضحيته ثم خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى،
فلما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام، وعاب ذلك عليه أصحابه.........).
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: عن الإمام يؤم الناس؛
كيف ينبغي أن يصلي بهم؟.
قال: حدثني أبو عبيدة فقال: من أم الناس فليخفف وليصل بأضعف من خلفه،
فإنه يصلي وراءه السقيم والضعيف وذو الحاجة والكبير والمريض والحامل.
ولا أحسبه إلا وقد رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم).
قال أبو غانم في المدونة: (أليس قد روى الناس عن النبي عليه السلام
أنه يتوضأ بنبيذ التمر إذا لم يجد الماء حين وفد الجن. قال أبو المؤرج:
قال الله أعلم بما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو نعلم أن
النبي عليه السلام فعل ذلك لأخذنا به) .
قال أبو غانم في المدونة: (سألت ابن عبدالعزيز وأخبرني من سأل الربيع
بن حبيب عما روى الناس ورفعوه إلى النبي عليه السلام أنه قال: البايعان
بالخيار ما لم يفترقا. قالوا جميعاً: بلغنا ذلك عن النبي عليه السلام،
والأمر عندنا كذلك، قال ابن عبدالعزيز: البيع جايز ماض وإن لم يفترقا
والله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه، والافتراق عندنا افتراق
صفقة البيع).
قال أبو غانم في المدونة: (قلت: أخبرني عن قول هؤلاء فيما رووه ورفعوه
إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: ليس فيما دون المائتين من الورق شيء،
ولا فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب شيء، ولا فيما دون الأربعين
من الشياه شيء، ولا فيما دون الثلاثين من البقر شيء، ولا فيما دون
خمسة من الإبل شيء، ولا فيما دون خمسة أوساق من الحنطة والشعير والزبيب
والتمر شيء. والوسق ستون صاعاً.
قال: كل حديثهم الذي ذكرت مستقيم، غير قولهم: ليس فيما دون ثلاثين
من البقر شيء، وزكاة البقر عندنا كزكاة الإبل يؤخذ منها ما يؤخذ
من الإبل، ويعمل فيها ما يعمل في الإبل، وسائر ما ذكرت من السنة
في الذهب والورق والغنم والحنطة والإبل والشعير والزبيب والتمر كما
ذكرت).
قال أبو غانم نقلاً عن أبي المؤرج: (لأن السنة عن النبي عليه السلام
على المدَّعي البينة والمنكر اليمين، والبائع الآن هو المنكر عليه
اليمين، فلست أن أحطها منه وأحولها إلى غيره ممن لم يجعلها عليه
النبي عليه السلام).
- من كل النصوص السابقة يتبين أن فقهاء المدرسة الإباضية الأولى
استعملوا مصطلح (الحديث) للتعبير عن معاني:
* أحاديث تنسب إلى الصحابي (قول للصحابي)، مثال ذلك (3 ، 4).
* رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم. مثال ذلك (5 ، 6).
- في النصوص (2، 3): استخدم فقهاء المدرسة الجابرية مصطلح (الرواية)
للتعبير عما تفرد به الآحاد من الرواة فيما يروونه عن النبي صلى
الله عليه وسلم، ومثال ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: جعلت لي
الأرض مسجداً وترابها طهوراً .
- في النصوص (1، 3، 7 ،8 ،9): اعترض فقهاء المدرسة الجابرية على
بعض الروايات والأحاديث التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم أو عن
غيره من الصحابة لمخالفتها ما هو أقوى منها في نظرهم، وحملوا البعض
الآخر على محمل مقبول اقتضاه النظر في الثابت من النصوص من الكتاب
والسنة.
من واقع الاستقراء للنصوص السابقة المأثورة عن فقهاء المدرسة الجابرية،
يتبين لنا:
- من هذا الاستقراء للنصوص الإباضية الأولى، نجد أن مصطلح:
1. السنة: استعمل للتعبير عما جرى عليه عمل الأمة واستقرت عليه الشريعة
وما اجتمعت عليه من السنن، دون ما ينفرد به الأفراد القليلون.
2. الرواية: استعمل للتعبير عن بعض ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه
وسلم من أقوال قيلت في مناسبات ووقائع لا تذكر في كثير من الأحيان
الملابسات والظروف التي قيلت فيها من قبل الرواة، مما ينفردون به
عن غيرهم.
3. الحديث: استعمل للتعبير عن أقوال أو أفعال تنسب إلى النبي صلى
الله عليه وسلم أو أحد من صحابته الكرام رضي الله عنهم، مما يرويه
الآحاد من الناس.
- إذن نلاحظ أن مصطلحي (الرواية) و(الحديث) متقاربان جداً وليس بينهما
سوى فروق طفيفة للغاية، بينما مصطلح (السنة) يعبر عن درجة أعلى ومستوى
من الثبوت أرقى، هذا ما بينه الاستقراء.
العلاقة بين السنة والحديث
قدمنا فيما سبق من تعريفات للسنة والحديث أن السنة تعبر عن الجانب
التشريعي المتيقن منه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما يعبر
الحديث عن وقائع متفرقة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم مما ينفرد
به الآحاد من الرواة.
إذن يكون بذلك الحديث دالاً على السنة أحياناً، وفي أحيان أخرى معبراً
عن جوانب منها، وفي أحيان أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام
الداخلي مع البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية
التي ترافق عملية نقله، ومن هذه العوارض: النسيان والخطأ والرواية
بالمعنى والبتر والزيادة وغيرها مما يعتري حتى أوثق الرواة، قال
الإمام أبو عبيدة مسلم في رسالته عن الزكاة التي وجهها إلى أتباعه
بالمغرب (فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ في رواية أو
خبر أو غير ذلك فمن نفسي، استغفر الله من جميع ما ليس هو له رضى)
وهذه الرسالة فيها من الأخبار والروايات عن الرسول صلى الله عليه
وسلم وعن صحابته الكرام، وأبو عبيدة راو من رواة الحديث كما يظهر
من مسند الربيع ومدونة أبي غانم، فقوله (وما كان من خطأ في رواية
أو خبر) ينصرف لمعنى الرواية والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم
أو صحابته.
لذا كان بعض علماء الصحابة ينكر على من يسرد الحديث عن النبي صلى
الله عليه وسلم بدون ذكر الوقائع والملابسات التي تكتنفه، فعندما
كان الصحابي أبو هريرة يروي ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت
السيدة عاشة تقول: (ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم) وكان عمر بن الخطاب يوصي بالإقلال
من الحديث والرواية، روى ابن ماجه (28) والدارمي في السنن (280)
والحاكم في المستدرك (347) عن قرظه بن كعب قال: بعث عمر بن الخطاب
رهطاً من الأنصار إلى الكوفة، فبعثني معهم، فجعل حتى أتى صرار ـ
وصرار ماء في طريق المدينةـ فجعل ينفض الغبار عن رجليه، ثم قال:
إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن، فيأتونكم فيقولون
قَدِم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث،
فاعلموا أن سبغ الوضوء ثلاث وثنتان تجزيان.
ثم قال: إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيقولون
قَدِم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث،
فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم فيه.
نخلص من كل ذلك أن الحديث يكون:
- الحديث دالاً على السنة.
- وفي أحيان أخرى معبراً عن جوانب منها.
- وفي أحيان أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع
البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية التي ترافق
عملية نقله.
(1) عندما يكون الحديث دالاً على السنة.
- روى الإمام الربيع : أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين
المرأة وخالتها).
قال أبو عيسى الترمذي بعد روايته للحديث عن ابن عباس وأبي هريرة:
(حديث ابن عباس وأبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند عامة
أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافاً أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين
المرأة وعمتها).
فهذا الحديث عبارة عن عمل مورس من قبل المسلمين عبروا فيه عن السنة
(الطريقة المتبعة) النبوية، وهذا التشريع في حقيقته موجود في كتاب
الله تعالى، فالله تعالى نهى عن الجمع بين الأختين (وأن تجمعوا بين
الأختين)، ونهى عن نكاح البنت إذا كانت الأم قد دخل بها الرجل (وربائبكم
اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن)، أما مجرد العقد على
البنت فيجعل الأم محرمة على الرجل (وأمهات نسائكم)، فمن تلك التشريعات
يظهر حرص الإسلام على الحفاظ على منظومة العلاقات الاجتماعية داخل
الأسرة من أن يقطعها الاشتراك في علاقة الزوجية (فهل عسيتم إن توليتم
أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)، وهذا يشمل القرابة من الدرجة
الأولى كالأم والبنت والأخت، وجاء النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها
والمرأة وخالتها من التشريع النبوي المفعل للتعاليم والرؤية القرآنية.
- روى الإمام الربيع: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال:
(التحيات كلمات كان يعلمهن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ومعنى
التحيات الملك لله)، وجاء في مدونة أبي غانم من كلام أبي المؤرج:
(التشهد أن تقول حين تجلس بعد كل ركعتين: التحيات لله والصلوات الطيبات،
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد
الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله. ثم تدعو بعد كمال الرابعة وبعد هذا التشهد
بما بدا لك وبما يصلح لك أن تدعو به. قال أبو المؤرج: قال أبو عبيدة:
فهذا تشهد عبدالله بن مسعود).
وهذه الأحاديث في التحيات (على اختلاف يسير في بعض ألفاظها) مثلت
السنة العملية المجتمع عليها بين المسلمين والتي حرص النبي صلى الله
عليه وسلم على تعليمها لأمته، (قال الربيع وأبو المؤرج: بلغنا عن
عبدالله بن مسعود أنه كان يعلم أصحابه هذه الكلمات من التشهد كما
كان يعلمهم السورة من القرآن، وكان ابن مسعود يقول: علمنيهن النبي
عليه السلام).
(2) عندما يكون الحديث معبراً عن جوانب من
السنة.
فالحديث عبارة عن نقل وقائع متفرقة من حياة النبي صلى الله عليه
وسلم يشهدها بعض الصحابة وينقلونها (مستلهمين في ذلك فهمهم في كثير
من الأحيان)، ومن خلال ربط تلك الأقوال أو الممارسات بالأصول الكلية
للدين من الكتاب والسنة يتبين لنا أن الأحاديث لا تخرج في طبيعتها
عن:
- القوانين الإلهية في كتاب الله تعالى، بالتشريع النبوي داخل القواعد
والمقاصد الكلية للكتاب العزيز، بتطبيق أحكامه وبيان معانيه ودلالاته.
- القوانين الكونية والاجتماعية: وهذه أيضاً تطبيق للقواعد والمقاصد
القرآنية في واقع الحياة المتغير، وهذا البعد لابد من إدراكه لدى
الفقيه في تعامله مع الأحاديث، إذ إن إدراك هذا البعد الزمني الذي
ورد في النص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفق مقاصد الشريعة
وقواعدها الكلية هو الذي يضمن عملية التفريق الدقيق بين التشريع
النبوي وبين تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم للنصوص وفق حركة المجتمع
والحياة.
ولنضرب على ذلك مثالين:
المثال الأول:
روى الإمام الربيع من طريق ابن عباس عن النبي عليه السلام أنه سئل
عن ضالة الغنم فقال: (خذها فهي لك أو لأخيك أو للذئب). ثم قيل له:
ما تقول في ضالة الإبل؟، فاحمر وجهه وغضب وقال: (مالك ولها، معها
حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها).
وروى الإمام الربيع ومن طريق ابن عباس أن أعرابياً سأل النبي صلى
الله عليه وسلم عن لقطة التقطها، فقال: (عرفها سنة، فإن جاء مدعيها
بوصف عفاصها ووكائها فهي له، وإلا فانتفع بها). قال الربيع: العفاص
الوعاء، والوكاء الخيط الذي تشد به.
وعند الربيع من طريق ابن عباس أيضا أن زيد بن ثابت التقط صرة فيها
مائة دينار، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له: (عرفها
سنة، فمن جاءك بالعلامة فادفعها له). فجاءه عند تمام السنة فقال
له: عرفتها يا رسول الله سنة. فقال له: (عرفها سنة أخرى). فجاءه
عند انقضاء السنة الثانية فأخبره أنه عرفها سنة أخرى، فقال: (هو
مال الله يؤتيه من يشاء).
وهذه الأحاديث رواها البخاري ومسلم وغيرهما.
ومن هذه الأحاديث نلحظ:
- أن حق صاحب اللقطة لا يسقط بالتقادم.
- وأن الانتفاع بالمفقود أولى من إهلاكه، فالمال يُعرّف سنة أو سنتين
ثم ينتفع به، ويلزم رده عند ظهور صاحب الحق.
- وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز التقاط ضالة الغنم ونهى عن
التقاط ضالة الإبل.
وهذه التشريعات مأخوذة من القواعد التشريعية العامة من الكتاب والسنة
العملية، فالله تعالى يقول: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى
أهلها) فمن ثوابت الإسلام ومن أخص صفات المؤمنين حفظ الأمانة وتأديتها
إلى أهلها (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون).
وكذا الانتفاع بها إن لم يعرف صاحبها بعد تعريفها هو من باب الحفاظ
على المال من الضياع والإهمال، وحق صاحبها لا يسقط بالتقادم، لأن
الحق لا ينتقل عن صاحبه إلا بموجبات شرعية كالهبة أو الهدية أو البيع
وما شابهها، فالله تعالى نسب المال إلى أصحابه (ولا تؤتوا السفهاء
أموالكم) (وآتوا اليتامى أموالهم)، ولا تنتقل هذه الملكية إلا بوجه
مشروع (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا
أن تكون تجارة عن تراض منكم(، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في
بيان أمام الأمة في حجة الوداع: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم
حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا).
أما ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في جواز إيواء ضالة الغنم والنهي
عن إيواء ضالة الإبل؛ فلأن ضالة الإبل (معها حذاؤها وسقاؤها ترد
الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) بخلاف ضالة الغنم.
فتجدون من كل هذه التشريعات النبوية أنها تُستَقى من أمرين اثنين:
- القواعد التشريعية العامة في الكتاب العزيز والسنة العملية.
- دائرة الوجود الإنساني الاجتماعي التي تعمل فيها هذه القواعد.
وقد أدرك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هذا الأمر، فلم يقفوا عند
ظواهر الألفاظ مستأسرين لحرفيتها، بل غاصوا في حقائق مراميها واكتشاف
قواعدها وأصولها، روى مالك في الموطأ (عن يحيى بن سعيد عن سليمان
بن يسار أن ثابت بن الضحاك الأنصاري أخبره أنه وجد بعيراً بالحرة
فعقله، ثم ذكره لعمر بن الخطاب، فأمره عمر أن يعرفه ثلاث مرات. فقال
له ثابت إنه قد شغلني عن ضيعتي. فقال له عمر: أرسله حيث وجدته).
و(كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها
أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا
جاء صاحبها أعطي ثمنها).
فعمر بن الخطاب أجاز إمساك وإيواء ضالة الإبل بشرط تعريفها ثلاثاً،
ثم إطلاقها إذا لم يتعرف عليها أحد، أما عثمان بن عفان فقد أمر بإمساكها
وبيعها، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها، فهل في فعل الخليفتين مخالفة
السنة؟، قد يحسب ذلك بعض ممن لا يفرقون بين السنن الماضية وما انبنت
عليه، وبين مواقف يتخذها النبي صلى الله عليه وسلم استناداً إلى
القواعد التشريعية في دائرة الوجود الاجتماعي.
والمدقق يرى أن (تكاثر ضوال الإبل في ولاية عمر يعود إلى انتقال
قبائل برمتها من الحجاز ونجد إلى العراق وخراسان والشام ومصر، وامتداد
سلطان المسلمين خارج الجزيرة وتخلف أعداد من الإبل في أحيائها القديمة)
، ولعل الناس قد خف الوازع لديهم، وكما يقال المال السائب يعلم السرقة،
فأجاز عمر إمساكها وتعريفها ثلاثاً.
ثم (رأى الخليفة عثمان أن ترك الإبل طليقة يحول دون الانتفاع بها
بعد أن تكاثر عددها في عهد عمر بن الخطاب وأصبحت كما روى ابن شهاب
إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها أحد أي تتوالد دون أن يعرف لها مالك،
لذلك أمر عثمان ببيعها والاستفادة من أثمانها في تنمية ثروة المسلمين،
بدلاً من تركها تتوالد وتموت دون أن ينتفع بها أحد، ولو تمسك بظاهر
النهي عن التقاط الإبل لخالف سنة رسول الله لتضييعه أموال المسلمين
وثرواتهم) ، وعليه (فمن وجد بعيراً ضالاً فيما لا يقدر فيه على الورود
ولا على الرعي، وأخذه قصداً إلى حفظه على ربه فهو مطيع لله في فعله؛
لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن أخذ مثل هذا)، ويؤيد خميس بن
سعيد الشقصي هذا الرأي بقوله: (ولا يبعد أن يكون هذا البعير في معنى
ضالة الغنم ونحوها، وقال عمر: من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها
فهذا يدل على أنه إذا عرفها وحبسها على ربها كان مأجوراً).
ويعلل ابن بركة هذا التوجه بقوله: (فإن قال قائل: لم أجزت أخذه والنبي
صلى الله عليه وسلم قال: لا يأوي الضالة إلا ضال وقال عليه السلام:
ضالة المؤمن حرق النار، والظاهر يمنع من أخذه؟.
قيل له: إنما هذا الوعيد لمن فعل ما قد نُهي عنه النبي صلى الله
عليه وسلم، وأما من تقرب إلى الله تعالى بأخذ البعير وحفظه على ربه
في حال كان فيها لو تركه لتلف، وليس معه شرطه الذي نهى النبي صلى
الله عليه وسلم عن أخذه لأجله، وإذا كان هذا هكذا كان مطيعاً في
فعله لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) .
وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من آوى الضالة فهو
ضال ما لم يعرفها فهذا يدل على أنه إذا عرفها فحبسها على ربها كان
مأجوراً.
وروى أصحاب الحديث من مخالفينا عن الزهري أنه قال:كانت الإبل أيام
عمر بن الخطاب مؤبلة تناتج لا يمسكها أحد، حتى كان أيام عثمان فأمر
ببيعها بعد تعريفها، فإن جاء لها رب دفع إليه ثمنها). وماذا عسانا
أن نقول في زماننا هذا الذي صارت فيه ضوال الإبل تهدد أرواح البشر
في الطرقات؟! إن إمساكها هو الوجه المعتبر في هذا الوقت حفاظاً على
أرواح الناس وممتلكاتهم، وهو التطبيق الصحيح للسنة النبوية.
أما مدة تعريف اللقطة؛ فجاءت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم
بتحديد السنة والسنتين، ولا يخفى على المتأمل أن البعد الاجتماعي
متداخل في هذه القضية مع الجوانب التشريعية، فتحديد مدة التعريف
يرتبط أساساً بطبيعة وسائط النقل والاتصال اللازمة للتعريف، ونعرف
أن تلك الوسائط تتطور بفعل حركة الحياة، وقد انتبه الفقهاء المحققون
باستمرار لهذه الظاهرة؛ فأبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي يقول
بأن اللقطة (تُعرَّف على قدرها) وأبو سعيد الكدمي يرى أن (ما قيمته
ثلاثة دراهم فصاعداً عُرِّف سنة، والدرهمان شهرين، والدرهم شهراً).
المثال الثاني:
روى الإمام الربيع : أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه سئل عام سَنَة ـ وإنما سُمِي عام سَنَة لشدة
غلائها ـ أن يُسَعِّرَ عليهم الأسواق فامتنع؛ فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (القابض الباسط هو المُسَعِّرُ، ولكن سلوا الله).
وعند أبي داود عن أنس قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسَعِّر
لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله هو المُسَعِّر
القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني
بمظلمة في دم ولا مال). والحديث رواه أيضاً ابن ماجه والترمذي وابن
حبان وآخرون.
وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحاطب
بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيباً له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب:
(إما ان تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا).
وقال البيهقي في السنن الكبرى (وهذا فيما كتب إليَّ أبو نعيم عبد
الملك بن الحسن الإسفرائيني أن أبا عوانة أخبرهم قال ثنا المزني
ثنا الشافعي عن الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد
عن عمر رضي الله عنه أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان
فيهما زبيبن فسأله عن سعرهما. فسعر له مدين لكل درهم، فقال له عمر
رضي الله عنه: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً وهم يعتبرون
بسعرك، فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف
شئت.
فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطباً في داره، فقال له: إن الذي
قلت ليس بعزمة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد،
فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع).
فالظاهر أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى في التسعير إلا أمراً يدور
مع تحقيق مصلحة البائع والمشتري ويرفع الظلم والضرر عنهم ولا يقتضي
حالة واحدة يلزمها.
قال ابن بركة بعد أن استدل بالحديث السابق في منع تسعير السلع (ولكن
إذا بلغ الناس حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام على ما في أيديهم
واستغنائهم عنه مع سوء حال الناس والشدة جاز للإمام أن يأخذ أصحاب
الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلاً من قيمته ويجبرهم
على ذلك، فإن قال قائل: فَلِمَ منعتم التسعير للإمام وقد جوزتموه؟
قيل له: جوزناه في حال الضرورة، وغيرها، وعلى الإمام أن يمنع أهل
الأسواق عن الغش؛ لأن في ذلك ظلماً من بعضهم لبعض، وكذلك يمنعهم
من كتمان العيوب التي يغش بها المتاع).
(وقال الشيخ أحمد بن محمد بن بكر: يجوز لقاض أو جماعة أن يسعروا
على قدر نظرهم، وما رأوه أصلح على الثمن أو على المثمن، وفي رواية
عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل أن يسعر لهم فامتنع، فقال: إني لأرجو
أن لا ألقى الله بمال مسلم فمن منع التسعير حمل الحديث على التحريم،
ومن أجاز حمله على التنزه والحوطة، كما يقول الإنسان: لا أقضي بين
الناس لئلا أظلم أجداً في مال أو نفس أو يقول: لا أبيع ولا أشتري
لئلا آكل أموال الناس، أو لئلا أربي.
وقال ابن بركة بعد أن ذكر الحديث الأول: فلا يجوز لهذا الخبر أن
يسعر أحد على الناس أموالهم أو يجبرهم على بيعها بغير طيب نفوسهم
من إمام ولا غيره، ولكن إذا بلغ الناس حال الضرورة من الحاجة إلى
الطعام وعزم أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم جاز للإمام أخذ أصحاب
الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلاً في قيمته، فيجوز
التسعير في حال الضرورة لا غير اهـ. وقيل: يجوز التسعير بلا ضرورة
وهو القول الأول الذي ذكرته عن الشيخ أحمد).
قال صاحب متن النيل وشفاء العليل عبدالعزيز الثميني: (وجاز لأهل
سوق مشهور وما حوله من منازل رد أسعار منازلهم لسعره) وعلل الشارح
محمد بن يوسف اطفيش هذا الرأي بقوله: (لئلا يقع اللبس على الناس
في السعر فيتوهم الإنسان أنه يبيع له البائع على سعر ذلك السوق مع
أنه باع له على غير سعره فيبيعون في منازلهم على سعر البيع في السوق).
من كل هذه النصوص المأثورة عن العلماء ابتداء بعمر بن الخطاب وانتهاء
بالعلماء المتأخرين يتبين أنهم عولوا على:
أن القضية برمتها في دائرة الوجود الاجتماعي المرتبطة بحياة الناس
اليومية فيما يتمنون به من سلع وبضائع، فهي تمثل العلاقة المتبادلة
بين ثلاثية: المنتج والموزع والمستهلك، وهذه العلاقة عند سبر نصوص
الكتاب والسنة الماضية تقوم على رفع الضرر والظلم وتحقيق المصلحة
(والأصل فى العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب
قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان
ليقوم الناس بالقسط، والقرآن نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن
الميسر لما فيه من الظلم، وكلاهما أكل للمال بالباطل، وما نهى عنه
النبي صلى الله عليه وسلم من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل
بدو صلاحه وبيع السنين وبيع المزابنة والمحاقلة ونحو ذلك هي داخلة
إما فى الربا وإما في الميسر)، فالواقعة المروية عن النبي صلى الله
عليه وسلم تحقيق لهذه المبادئ العظيمة، فلذا قال صلى الله عليه وسلم
فيما روي عنه: (وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة
في دم ولا مال).
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ {34} الَّذِينَ
إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى
مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنفِقُونَ {35 سورة الحج
خالد بن مبارك الوهيبي
أعلى
أطوار خلق الإنسان في ضوء الإسلام
القرآن الكريم يدعونا إلى التأمل فى الكون لنرى فيه آيات الله ودلائل
قدرته
النظريات العلمية لم تصل بعد إلى كشف سر السمع والأبصار
القاهرة من عزت دنيا : ما زلنا متواصلين مع
الندوة الفكرية ضمن خيمة الفكر المنعقدة بالقاهرة و تتمحورالحلقة
الاخيرة حول نشأة الإنسان وأطواره كما جاءت فى القرآن والسنة الشريفة
مما يضفي على هذا الحديث قدسية إسلامية جديرة بالاهتمام و أسرار
الله فى خلق الإنسان كما فى قوله تعالى : (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)
.
مراحل الخلق
يقول الدكتور عبد الغفار هلال الاستاذ بجامعة الازهر مستهلا حديثه
عن الإنسان الذي هو بؤرة الاهتمام فى هذا الكون ، وقد خلق الله من
أجله كل المخلوقات لتكون مسخرة له : ان الله خلق الإنسان أولا ـ
بإيجاده من العدم ـ من تراب حين بدأت الحياة بخلق آدم من الطين ،
والنفخ فيه من روح الله الذي بعث فيه الحياة ؛ مع أنه كان جمادا
له طبيعة لا تتفق مع الطبيعة الإنسانية المدركة ذات الخصائص والسمات
. ثم تم خلق بنيه ـ فردا فردا ـ بعد ذلك من تلك الخلايا المنوية
التي تتصل بالعنصر الانثوى ,فى تطور غريب لينشأ عنه الجنين الذي
يحمل كل الخصائص الإنسانية ,فمن نطفة إلى شيء يعلق بالرحم ,إلى قطعة
دم غليظة ,ثم إلى خلق العظام ,وكسوتها باللحم ,فى تسلسل دقيق لا
انحراف فيه وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك المراحل ؛ وأن الله صاحب
القدرة الباهرة وهو الذي جعلها تتخذ هذا الخط المستقيم فى مسيرها.
ولنقرأ معا هذه الآيات البينات الموضحة لذلك فى سورة المؤمنون (
لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) يعنى مرحلة خلق آدم من الطين
إذ السلالة هي الخلاصة .
وكيف تحول الطين إلى طبيعة إنسانية مدركة ؟ أن القرآن لم يصور لنا
كيف تم هذا الانتقال ، فالمراحل المتوسطة بين الطين والنفخ لا يرى
لها ذكر فى النص القرآني ؛ وفى العصر الحديث نشأت نظريات تتحدث عن
النشوء والارتقاء ، وتجعل له مراحل تفصل منها ما لم يذكره القرآن
مما بين المرحلتين ـ الطين والتكوين الانسانى ، ولكنها تتعرض للقبول
والرد والصحة ، والخطأ مع تغير الأبحاث العلمية التي تجرى كل يوم
.
وهنا ينبغي أن نقف عندما يذكره القرآن الكريم من هاتين المرحلتين
المشار اليهما ، ويكفى أن نفهم أن الانتقال بينهما تم عن طريق النفخة
التي هي من روح الله ، والتي حولت الطين إلى طبيعة إنسانية مدركة
( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) . أما الطور الثاني
من أطوار نشأة الإنسان فهو خلق أفراده واحدا واحدا ، وهو طريق ثانية
للخلق ، تقوم على أساس قطرة مائية منوية تضم خصائص الإنسان فيها
، فبالقدرة الإلهية اختصر الإنسان فى تلك الخلية التي تخرج من صلب
الرجل ، وتلتقي مع بويضة الأنثى ، بحيث يمكن بعد ذلك بروزها فى صورة
الجنين الذي ينشأ من تلك المكونات الأساسية التي أودعها الله تعالى
فى أصغر الأشياء ( ألم يك نطفة من مني يمنى.القدرة الإلهية ويبين
د. هلال أن القرآن تحدث عن مرحلة من مراحل خلق الأفراد تتم بعد أن
تلتقي النطفة التي هي الخلية الذكرية من الرجل بالبويضة التىهى الخلية
الأنثوية من المرأة ، وتعلق بجدار الرحم ( ثم خلقنا النطفة علقة
) ؛ والمضغة هي مرحلة ثالثة تحدث بصيرورة العلقة مضغة من الدم المتجمد
( فخلقنا العلقة مضغة ) ؛ ثم تلي ذلك مرحلتان أخريان تتحول فيهما
مضغة الدم المتجمدة إلى مجموعة من العظام تكون هيكل الجنين ثم تتم
كسوة هذا الهيكل العظمى باللحم . وهذا ما أثبته علم تشريح الأجنة
، فالثابت علميا أن عظام الجنين تتكون أولا ، ثم يكسوها اللحم بعد
ذلك ؛ ولم يثبت أن شيئا من خلايا اللحم ينشأ قبل ظهور العظام مما
يؤكد صدق الوحي الالهى فى هذا البيان القرآني المستقيم ( فخلقنا
المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ) .
و بعد ذلك يتم تحويل هذا المخلوق إلى صورة مختلفة تماما:( ثم أنشأناه
خلقا آخر) بنفخ الروح فيه؛ فيصير حيوانا بعد أن كان جمادا ناطقا
بعد أن كان أبكم ، وسميعا بعد أن كان الأصم ، وبصيرا بعد أن كان
أكمه ، وتصبح له بذلك خصائص عجيبة . وفى هذا دليل على ما ركب فى
جنين الإنسان من خصائص وسمات انفرد بها عن جنين الحيوان ، وهى التي
تجعله لا يصل إلى هذا التكوين الانسانى الخالص ؛ ولاعجب على تلك
الصورة البديعة التي قد يرى الإنسان أنها مألوفة لتكررها كل يوم
، لكنها عجيبة كل العجب لأنها اختراع ذو طابع فريد يختلف عما قد
يخترعه المخترعون ، وعما قد ينشئه المنشئون ، ويأخذ ألباب الناس
وإعجابهم ويلفت أنظارهم ؛ فان هذا الخلق وهذا الإبداع من الواجب
أن يلفت أنظارنا ، وأن يشد اهتمامنا ، لأنه صنع لا يقدر عليه أحد
غيره سبحانه فهو الذي جعل الطين إنسانا بشريا ، وجعل القطرة المائية
إنسانا له خصائص ، بل ان هذه القطرة لتكمن فيها تلك الخصائص التي
تجعلها تتطور ، وما ذلك إلا بنفخة من روح الله ، وعناية منه سبحانه
، تجعل هذا المخلوق العجيب يمر فى تلك المراحل دون عوج أو خلل ،
وهذه العناية هي التي أنشأته خلقا آخر له اتجاهه وسماته التي لايمكن
أن ينتقل إليها أي مخلوق آخر ؛ فلماذا ـ مثلا ـ لا نرى الحيوانات
تتطور أجنتها إلى مثل جنين الإنسان مع أنها تشترك معه فى مراحل النشأة
الأولى؟
لكنها لا تستطيع أن تتطور مثله ، لأن القدرة الإلهية العجيبة جعلت
لها حدا تقف عنده ، فتطورها محكوم بأوضاع خاصة وحدود معينة لا يتعداه
، تلك هي قدرة الله اللطيف الخبير ، حسن الصنعة والخلق ، فسبحانه
لا خالق سواه لا يستطيع ذلك الاه .
أعلى
(أبو حنيفة النعمان)
اسمه النعمان بن ثابت بن المرزبان ـ كنيته
أبو حنيفة ـ كان حسن الوجه، بهى المنظر ـ عذب المنطق ـ حلو الحديث
، كان يلبس أحسن الثياب ويتعطر بافخر العطور ـ اذا طلع على الناس
عرفوه من عطره قبل ان يروه.
عاش في آخر عصر بني أمية وأول عصر بني العباس ، وكان مبدأه في الحياة
ان يكرم نفسه وعلمه ، وعقد عزمه على ان يأكل من كسب يده ، دعاه الخليفة
المنصور ذات مرة الى زيارته ، فلما كان عنده ـ اكرمه ورحب به وقربه
من مجلسه وجعل يسأله عن كثير من شئون الدين والدنيا ، فلما أراد
الانصراف دفع اليه بكيس من النقود فيه ثلاثون الف درهم مع ان المنصور
كان يعرف عنه البخل والشح ولكن الامام ابي حنيفة النعمان رضي الله
عنه قال: يا أمير المؤمنين اني غريب في بغداد وليس لهذا المال موضع
عندي ـ واني اخاف عليه فاحفظه لي في بيت المال حتى اذا احتجته طلبته
منك ، فأجابه المنصور الى رغبته ، ولكن أبا حنيفة توفي بعدها بقليل
، ووجد في بيته ودائع للناس تزيد على اضعاف هذا المبلغ ـ فلما سمع
المنصور بذلك قال: يرحم الله ابا حنيفة فقد خدعنا وأبى ان يأخذ شيئا
منا ، وتلطف في ردنا ولاعجب في ذلك اخي المسلم فلقد كان مبدأ الامام
ابي حنيفة ان ما أكل امرؤ لقمة ازكى ولا أعز من لقمة يأكلها من كسب
يده. ولذلك كان يخصص جزءا من وقته للتجارة ، وكان يتاجر في الصفوف
والحرير وكانت تجارة رابحة وكان متجر مشهور يقصده الناس فيجدون فيه
الصدق في المعاملة ـ والأمانة في الأخذ والعطاء ، وكانت تجارته تدر
عليه خيرا وفيرا، وتهبه من فضل الله مالا كثيرا.
وكان يأخذ المال من حله ويضعه في محله ـ وكان كلما حال عليه الحول
، احصى ارباحه من تجارته واستبقى منها ما يكفيه لتجارته ثم يشتري
بالباقي حوائج القراء ، والمحدثين والفقهاء وطلاب العلم ، وأقواتهم
وكسوتهم ، وكان يقول لهم هذه ارباح بضعائكم أجراها الله لكم على
يدى ـ والله ما أعطيتكم من مالي شيئا ـ وانما هو فضل الله علي فيكم.
جاءته امرأة عجوز تطلب ثوبا من حرير ، فاخرج لها الثوب المطلوب فقالت
له: اني امرأة عجوز ولا علم لي بالاثمان وانها الامانة فبعنى الثوب
بالثمن الذي اشتريته واضف اليه قليلا من الربح فاني ضعيفة فقال لها
: اني اشتريت ثوبين اثنين في صفقة واحدة ـ ثم اني بعت احدهما برأس
المال الا اربعة دراهم فخذيه بها ولا أريد منك ربحا: وايضا رأى الامام
ابو حنيفة رحمه الله تعالى أحد جلساته وعليه ثياب رثة فلما انصرف
الناس ـ ولم يبق في المجلس الا هو والرجل فقال له : ارفع هذا المصلى
وخذ ما تحته فرفع الرجل المصلى فاذا تحته الف درهم فقال له أبوحنيفة
: خذها واصلح بها من شأنك ، فقال الرجل اني موسر وقد أنعم الله علي
ولا حاجة لي بها فقال له أبو حنيفة: اذا كان قد انعم عليك فاين اثار
نعمته؟ اما بلغك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ان الله
يحب ان يرى اثر نعمته على عبده) فينبغي عليك ان تصلح من شأنك حتى
لا تحزن صديقك).
وكان من جود وكرم ابي حنيفة رحمه الله ورضي الله عنه (انه كان اذا
انفق على عياله نفقة تصدق بمثلها على غيرهم من المحتاجين ـ واذا
اكتسى ثوبا جديدا كسى المساكين بقدر ثمنه ، وكان اذا وضع الطعام
بين يديه عرف منه ضعف ما يأكله عادة ودفع به الى الفقراء.
وكان لأبي حنيفة شريك في بعض تجارته واسمه حفص بن عبدالرحمن فكان
أبو حنيفة يجهز له أمتعة الخز ـ ويبعث بها معه الى بعض مدن العراق
، فجهز له ذات مرة متاعا كثيرا واعلمه ان في ثوب كذا وكذا عيوبا
، وقال له : اذا هممت ببيعها فبين للمشتري ما فيها من عيب ، فباع
حفص ، المتاع كله ونسي ان يعلم المشترين بما في الاثواب المعيبة
من عيوب ، فلما عرف بذلك ابو حنيفة بحث عن الذين اخذوا هذه التجارة
التي بها عيبا فلم يجدوهم ، فأخرج ابو حنيفة ثمن البضاعة كلها زكاة
وصدقة.
وكان من اخلاق ابي حنيفة رضي الله عنه ـ انه كان طيب المعاشرة ـ
حلو المؤانسة يسعد به جليسه ولا يتعب به من غاب عنه ، ولو كان عدوا
له ، حدث أحد اصحابه قال: سمعت عبدالله بن المبارك ، يقول لسفيان
الثوري يا أباعبدالله ، ما أبعد ابي حنيفة عن الغيبة ، فان ما سمعته
يذكر عدوا له بسوء قط ، فقال له سفيان: ان ابا حنيفة اعقل من ان
نسلط على حسناته ما يذهب بها.
وكان الامام ابو حنيفة رضي الله عنه ، مولعا باقتناص ود الناس حريصا
على استدامة صداقتهم ، وقد عرف عنه انه ربما مر به الرجل من الناس
، فقعد في مجلسه من غير قصد ولا مجالسة فاذا قام سأل عنه فان كانت
حاجة او فقر أعانه وان كان به مرض عاده ، وان كانت له حاجة قضاها
حتى يجره الى مواصلته جرا.
وكان الامام ابو حنيفة عليه رحمة الله تعالى ـ عرف عنه انه كان صوام
النهار قوام الليل ، صديقا للقرآن الكريم ، مستغفرا في الاسحار وكان
من اسباب تعمقه في العبادة انه اقبل ذات يوم على جماعة من الناس
فسمعهم يقولون ، ان هذا الرجل الذي ترونه لا ينام الليل ، فلما سمعهم
قال: اني عند الناس على خلاف ما أنا عليه عند الله تعالى.
والله لا يتحدث الناس عني منذ الساعة بما لا أفعل ، ولن أتوسد فراشا
بعد اليوم حتى القى الله ، ولقد عرف عن الامام أبي حنيفة انه صلى
الفجر بوضوء العشاء نحو من اربعين سنة ما ترك ذلك خلالها مرة واحدة
وكان اذا قرأ سورة الزلزلة اقشعر جلده ، وخاف قلبه ويقول يامن يجزي
بمثقال ذرة خيرا فخير ، ويامن يجزي بمثقال ذرة شرا شرا أجر عبدك
النعمان من النار ، وباعد بينه وبين ما يقربه منها ـ رحم الله هذا
الامام العظيم ، ونفعنا بعلمه اللهم آمين.
ابراهيم السيد العربي
أعلى
(لا يستويان ـ النور والظلام)
ان الانسان بغير عقيدة الايمان الصادقة يعيش
مقبورا في ظلمات الضلال والعمل بل هو في الحقيقة ميت القلب والعقل
فاقد الادراك والمعرفة يتخبط في دياجير الحيرة والشكوك محروم من
نور الحياة وحياة الايمان لانه يصير بلا هدف ويجري وراء سراب خادع
فلا يذوق للحياة طعما ولا للوجود معنى ولذلك بين الله تعالى بان
المؤمنين يحيون بحياة الايمان ويستضيئون بنوره وان المشركين والكفار
في عداد الأموات المطموسين بظلمات الشرك والخسران قال الله تعالى
(أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله
في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) سورة
الانعام آية 122، اي انكم بايمانكم لستم مثل الكافرين في شيء فليس
حال من كان كالميت في ضلاله فأنار الله بصيرته بالهداية التي هي
كالحياة وجعل له نور الايمان والعقيدة الحقة يهتدي به ويسير في ضوئه
كحال الذي يعيش في الظلام المتكاثف. وكما زين الله الايمان في قلوب
اهل الايمان زين الشيطان الشرك في نفوس الجاحدين المعاندين وقد اشار
سبحانه وتعالى الى ضلال الكفار واعمالهم الباطلة وضرب لنا مثلا مبينا
ماهم غارقون فيه من ظلمات لأنهم حرموا نور الهداية والاسلام.
وهذا مثل آخر الأعمال الكفار فمثلها كمثل ظلمات البحر الواسع العميق
، الذي تتلاطم أمواجه عند هياجه ويعلو بعضها فوق بعض ، ويغطيها سحاب
كثيف قاتم يحجب النور عنها فهذه ظلمات متراكمة لا يستطيع راكب البحر
معها ان يرى يده ولو قربها الى بصره ، فوقف متحيرا مبهوتا وكيف يرى
شيئا وينجو من هذه الحيرة بدون نور يهديه في طريقه وسيره وبقية الارتطام
والهلاك وكذلك الكافرون لا يفيدون من أعمالهم ولا يخلصون من ظلماتهم
ولا ينفكون عن عمايتهم وضلالهم ولا ينجون بأنفسهم الا بنور الايمان
وصحة العقيدة ومن لم يوفقه الله لنور الايمان الخالص فليس له نور
يهديه الى الحق ويدله على سبيل الاستقامة ، فيكون من الهالكين. كان
المستر براون وهو من اشهر البحارين الذين ركبوا البحر وكان على دراية
ببعض آيات القرآن والتي تتحدث عن علوم البحار وذات يوم وهو في خضم
البحر تكاثفت السحب وارتفعت الامواج حتى انه اخرج يده من جيبه فلم
يراها فنزل على شاطئ من شواطئ الهند وسأل عن عالم من علماء المسلمين
فجيئ له باحد علماء المسلمين فأخبره عما حدث له ثم قال: لقد قرأت
آية في كتابكم تتحدث عن بعض علوم البحر قرأت قوله تعالى (أو كظلمات
في بحر لجي يغشاه موج من فوقه، موج من فوق سحاب ظلمات بعضها فوق
بعض اذا اخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له
من نور) سورة النور آية 40.
فأخرجت يدي من جيبي فلم ارها فمن الذي علم رسولكم هذا علوم البحار
فقال علمه جبريل الواسطة بينه وبين الله ، الله الواحد الأحد الفرد
الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد فشهد الرجل ان لا
اله الا الله وان محمدا رسول الله. وأوضح سبحانه بان الاستجابة لله
ورسوله وما يدعو اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الايمان والطاعة
هو الحياة والنور ، قال الله تعالى (يأيها الذين ءامنوا استجيبوا
لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء
وقلبه وأنه اليه تحشرون) سورة الانفال آية 24، اي يا أيها الذين
صدقوا بالحق واذعنوا له ، اجيبوا الله بقلوبكم وجوارحكم لما يأمركم
به ، وأجيبوا الرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغكم به من عقائد واحكام
فيها حياة أجسامكم وأرواحكم وعقولكم وقلوبكم واعلموا علم اليقين
ان الله تعالى قائم على قلوبكم يوجهها كما يشاء فيحول بينكم وبين
قلوبكم اذا زين الشيطان لها الهوى ، فهو متوليكم ان اتجهتم الى الحق
المبين وانكم جميعا ستجمعون يوم القيامة فيكون الجزاء العادل الرحيم.
القارئ الكريم..فمن آمن بالله حقا عاش في نور الله وهدايته ونجا
من ظلمات الشر والباطل لأنه في ظل الولي الحميد ، قال الله تعالى
(الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا
أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات أولئك اصحاب النار
هم فيها خلدون) سورة البقرة أية 257. أي ان الله متولي شئون المؤمنين
وناصرهم ومؤيدهم بفضله فيخرجهم من ظلمات الشرك والحيرة والضلال الى
نور التوحيد والهدى والاطمئنان والكافرون بالله تعالى تستولي عليهم
الشياطين ودعاة الشر والضلال ، فهم يخرجونهم من نور الايمان الذي
فطروا عليه والذي ظهر بالادلة الواضحة والآيات البينة الى ظلمات
الكفر والفساد فهؤلاء هم الكافرون وهم المستحقون للخلود في النار
باتخاذهم الطاغوت أولياء من دون الله تعالى فمن اشرب قلبه بنور الاسلام
فهو على المحجة البيضاء والملة السمحاء يكون منشرح الصدر بنور الايمان
والهدى ، قال الله تعالى (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور
من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله اولئك في ضلال مبين) سورة
الزمر آية 23. أي وكل الناس سواء أحسن شرح الله صدره للاسلام وقبل
الحق فصار على بصيرة وهدى من ربه كمن اعرض عن التفكر في آياته فالعذاب
الشديد للذين قست قلوبهم عن ذكر الله لأنهم في هوة الضلال ساقطون
وعن طريق الحق الأبلج منحرفون فأهل الايمان هم الثابتون الراسخون
الذين لا تعصف بهم رياح الشكوك والريب فهم في رياض البهجة والسلام
يتنعمون وفي نعيم الايمان والهدى يعيشون ، قال الله تعالى (الذين
ءامنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) سورة
الانعام آية 82، أي ان الذين أمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أي لم
يخلطوا ايمانهم بعبادة غير الله تعالى ، هؤلاء وحدهم الآمنون المطمئنون
الذين لا يعرفون الحيرة والمخاوف وهم وحدهم المهتدون الى طريق النجاة
وسبيل السعادة فالايمان مصدر الخيرات كلها في الدنيا والآخرة ومنبع
النعم الظاهرة والباطنة قال الله تعالى (ولو أن اهل القرى امنوا
واتقوا لتفحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم
بما كانوا يكسبون) سورة الاعراف آية 96، اي ولو أن أهل تلك القرى
امنوا واتقوا لمنحناهم بركات من السماء والأرض وأنزلنا عليهم رزقا
من السماء كالمطر والنبات والثمار والأمن والسلامة من الآفات ، ولكن
جحدوا وكذبوا الرسل فاصبناهم بالبلايا والمحن عقوبة لهم وهم نائمون
بسبب ما كانوا عليه من الشرك والمعاصي فأخذهم بالعقوبة اثر لازم
لكسبهم القبيح وعبرة لأمثالهم ان كانوا يعقلون وقد ضمن الله تعالى
للمؤمنين الصالحين حياة الرخاء والهناء والاستقرار والأمن في الدنيا
والجزاء العظيم في الآخرة ، قال الله تعالى (من عمل صالحا من ذكر
أو انثى وهو مؤمن فلنجيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا
يعملون) سورة النحل آية 97.اي ان من عمل عملا صالحا سواء أكان ذكرا
أم انثى ، متجها الى هذا العمل الصالح بدافع الايمان والعقيدة ،
فاننا لا بد ان نحييه في هذه الحياة الدنيا حياة طيبة لا قلق فيها
تملؤها السعادة الحقة بالقناعة والرضا والشكر على نعم الله فيها
وفي الأخرة وافر الأجر وعظيم الثواب المضاعف والمغفرة الواسعة والرضوان
الأكبر وأوضح لنا جل جلاله ثمرة الايمان ونتيجة اليقين بان المؤمنين
في كنف الله وحفظه من الأعداء والسوء. قال تعالى (ذلك بان الله مولى
الذين ءامنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) سورة محمد آية 11. ذلك الجزاء
العظيم والنصر المؤزر للمؤمنين وقهرا الكافرين بان الله متولي الذين
آمنوا وناصرهم ومؤيدهم برعايته وفضله وان الكافرين لا مولى لهم ينصرهم
ويمنع هلاكهم وان المؤمنين عند الله هم السعداء حقا لما لهم عنده
من قدم راسخة ومقام كريم. قال الله تعالى (وبشر الذين آمنوا ان لهم
قدم صدق عند ربهم) سورة يونس آية رقم 2 القارئ الكريم أي وبشر الذين
آمنوا ان لهم المنزلة العالية والمكانة الرفيعة عند ربهم ولا يتخلف
وعد الله ابدا. فمن سعد بالايمان والتقوى خصه الله تعالى بكفلين
من رحمته واعطاه نورا يفرق به بين الحق والباطل وعاش قرير العين
مطمئن الخاطر ، قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر
لكم والله غفور رحيم) سورة الحديد آية 28 أي يا أيها الذين آمنوا
خافوا الله ، واثبتوا على ايمانكم برسوله صلى الله عليه وسلم يمنحكم
الله نصيبين من رحمته ويجعل لكم نورا تهتدون به في حياتكم لتسعدوا
في الدنيا والآخرة ويغفر لكم مافرط من ذنوبكم والله واسع المغفرة
عظيم الرحمة. وقد بين الله تعالى عاقبة الضلال والشرك وصورة حالة
المشركين وهم في أقسى حالات الضنك والضيق النفسي الرهيب وما عليه
اهل الايمان من انشراح في الصدر ونور في القلب. قال تعالى (فمن يرد
الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا
حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)
سورة الانعام آية 125 .
القارئ الكريم: أي فمن يرد الله له الهداية يتسع صدره لنور الاسلام
ومن يكتب عليه الضلال يكن صدره ضيقا شديد الضيق كأنه من الضيق كمن
يصعد الى مكان مرتفع بعيد الارتفاع كالسماء فتتصاعد أنفاسه ولا يستطيع
شيئا ولله الحجة على خلقه ببيان دلائل الحق على لسان رسوله صلى الله
عليه وسلم ولهذا فالعقيدة الاسلامية هي النعمة العظمى والفضل الكبير
لان الله تعالى تفضل علينا باكمال الدين واتمام النعمة بهذا الدين
الحنيف ، قال الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
ورضيت لكم الاسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فان الله
غفور رحيم) سورة المائدة آية 3 أي اكملت لكم أحكام دينكم واتممت
عليكم نعمتي الكبرى لسعادتكم وتثبيت اقدامكم واخترت لكم الاسلام
دينا لتنالوا الفوز العظيم في الدنيا والآخرة .
وان الايمان الخالص بدين الاسلام اذا خالطت بشاشته القلوب وتمكنت
في اعماق النفوس وجد المؤمن حلاوة الايمان الحق وذاق طعم السعادة
الكاملة وعاش في نعيم روحي ومتعة قلبية لا تمنحها لذائذ الدنيا بأجمعها
ولا يحصلها الانسان ولو ملك كل شيء من زخارف الحياة بأسرها قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام
دينا وبمحمد رسولا ، (وفي لفظ نبيا) أي تذوق طعم الايمان وشاهد نور
الحقيقة من صدق تصديقا جازما وسلم تسليما تاما ورضي رضاء كاملا بانه
عبدالله الواحد القهار وان الاسلام هو المنهج الالهي القويم والدين
الحق المستقيم وان سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الخاتم
والنبي المعصوم الذي تجب متابعته والايمان بما جاء به فالمؤمن الصادق
يحيا في نور السعادة الحقيقية ويحس بحلاوة البهجة والحبور لانه يحب
الله ورسوله حبا صادقا يغنيه عن كل شيء سواهما ويحب لله ويبغض لله
ويكره الكفر كما يكره الوقوع في النار. فعن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة
الايمان ان يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وان يحب المرء
لا يحبه الا لله وان يكره ان يعود في الكفر بعد اذ أنقذه الله منه
كما يكره ان يلقى في النار. رواه البخاري ومسلم. فالمؤمن الصادق
يحيا في نور الايمان وحلاوة اليقين ويذوق طعم قرب محبة الله تعالى
اذا استولت محبة الله ورسوله على سويداء قلبه واقطار النفوس فيحبهما
حبا عظيما أشد من حبه لكل ما سواهما من الموجودات ولا يحب اخاه الا
لما يرى من مسارعته لما يحبه الله ويرضاه.
عبدالرحيم محمد جاد الرب
أعلى
عمرك في يومك ! ( 1)
لا يشك أحد بأن الوقت هو الحياة , فعمر الإنسان
عبارة عن أيــام , كما قال الحسن البصري : يا ابن آدم, إنما أنت
أيام, إذا ذهب يوم ذهب بعضك. والأيام ما هي إلا ساعات ودقائق لهذا
على المرء أن يتفكر أين يذهب يومه , والإسلام اهتم بإدارة الوقت
الخاص إضافة إلى إدارة وقت العمل, ذلك أن الإسلام اهتم بوقت المسلم
بصفة عامّة وحثه على اغتنامه وعدم إضاعته فهو من الأمور التي يسأل
عنها الإنسان يوم القيامة يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال : عن عمره
فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه, و عن ماله من أين اكتسبه وفيما
أنفقه, وعن علمه ماذا عمل فيه , والإسلام نظم حياة المسلم ووقته
فقد نظم نومه واستيقاظه, وأداءه للشعائر, وانطلاقه إلى ميدان الحياة,
ليجعل عمله كله عبادة لله عز وجل يقوم على أساس الشعائر كلها وعلى
أساس من ذكر الله الملازم له..
وإذا أردنا أن نقدر أعمار هذه الأمة فقد روي عَن أَبي هُرَيْرَةَ
رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَليْهِ
وسَلَّم: أعمارُ أمَّتي ما بينَ السِّتِّينِ إلى السّبعِينِ وأقَلُّهُم
مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ , فإذا أخذنا بفرضية أن العمر سبعون سنة , اعلم
رحمك الله بأن كل خمس دقائق تقضيها يومياً تقدر من إجمالي عمرك بـ
ثلاثة أشهر تقريباً , وأن كل ساعة تقضيها يومياً تقدر بــ ثلاث سنوات
من إجمالي عمرك.
إذا علمت ذلك فعليك استثمار وقتك الاستثمار الأمثل بحيث لا تضيعه
وحاول أن تقدر الأمر كما ينبغي فتسأل نفسك لم ؟ وكيف ؟ ومتى ؟ وأين
؟ ونظم وقتك لكي لا تفقد الكثير منه بدون فائدة ويأتي يوم لا ينفع
مال ولا بنون وتقول ليتني فعلت وليتني قلت !!!
اعلم غفر الله لي ولك إنك مساءل عن هذا الوقت , فإن لم يكن لك فهو
عليك !!! وأن المغزى من خلق الخلق هو عبادة الله ,وهذا هو الهدف
الحقيقي والرئيسي الذي يجب أن يكون في حياتك , وعلى جوارحك أن تتحرك
وتعمل لتحقيق هذا الهدف وأن باقي الأعمال يفترض أن تصب في صالح هذا
الأمر. قال أحد العلماء: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا
غير هذا. أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى لا يمازجه
نفسٌ ولا هوىً ولا دنيا. ووقت الإنسان هو عمره في الحقيقة, وهو مادة
حياته الأبدية في النعيم المقيم, ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم,
وهو يمر مرَّ السحاب, فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره,
وغير ذلك ليس محسوباً من حياته... . فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو
والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة, فموت هذا
خير من حياته، وينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته, فلا
يضيع منه لحظة في غير قربة, ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل,
ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من
العمل.
سيف بن عبدالله الناعبي
أعلى