
فتاوى وأحكام
* ما حكم الوصية للحمل ؟
** لا مانع من الوصية للحمل، لأن الوصية ليست كالإرث، فالإرث لا
يستحقه إلا من كان مولودا إبان موت الموروث، أما الوصية فهي بخلاف
ذلك، ولذلك يمكن للإنسان أن يوصي للناس جيلا بعد جيل، فيوصي لهذه
الأسرة ثم لأولادهم فيما بعد ثم لأولاد أولادهم فيما بعد وهكذا كما
هو الشأن في الوقف عندما يوصي به الإنسان، ولكن الإرث لا يكون كذلك،
فالإرث لا يكون إلا للجيل الأول إلا أن ينتقل الى ورثة الوارثين
من خلال إرثهم لهؤلاء الوارثين لا من خلال إرثهم للموروث الأول،
فلذلك لا مانع من ان يوصي الإنسان للحمل والله أعلم.
* هل يجوز للطفل ان يوصي ؟ وهل تثبت وصيته ؟
** أولا نحن لا نسميه طفلا ما دام عاقلا، ووصية الصبي ان كان عاقلا
مختلف فيها بين العلماء، منهم من قال بأن الصبي لا يعتد بوصيته كما
لا يعتد بطلاقه ولا ببيعه ولا بابتياعه ولا بمعاملاته جميعا وهذا
هو قول الشافعي وأصحابه وكثير من العلماء، وذهب كثير من أصحابنا
والحنفية والمالكية الى ان الصبي ان كان عاقلا فإنه وان كان لا يباح
له ان يتصرف في ماله الا ان له ان يوصي، وزاد أصحابنا أيضا بأنه
له ان يعتق والله تعالى أعلم.
* ما حكم وصية المريض والصبي ؟
المريض له ان يوصي بل هو أحوج ما يكون الى الايصاء، والله تبارك
وتعالى يقول: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت)، وحضور الموت في الآية
يعنى به ان تكون أمارات الموت حاضرة سواء كان ذلك لمرض أو لأنه حكم
عليه بالإعدام أو نحو ذلك.
وأما الصبي ففي وصيته خلاف، فمنهم من رأى ان له ان يوصي لأن الوصية
تختلف عن العطية، ولأن الصبي يتقرب الى الله تبارك وتعالى بالقربات
فلا مانع من ان يوصي، وقد يلزم الصبي أيضا ضمان في ماله بناء على
ان بعض تصرفات الصبي يترتب عليها الضمان في ماله، فمن العلماء من
قال بأنه يلزم الصبي ما أكله في بطنه أو ركبه بفرجه، فهنا يلزمه
بعد البلوغ ان يؤدي ذلك من ماله، فقد يوصي بذلك من ماله لأنه حق
متعلق بالمال، هذا على، القول بأن هذين الحقين يتعلقان بمال الصبي
كما يقول بعض أهل العلم، ومنهم من منع وصية الصبي إلحاقا بسائر معاملاته
الممنوعة والله أعلم.
* الوصية لحفر القبور هل تجوز على اعتبار ان الحفر عمل إنساني واجب
؟
** لا مانع من ذلك، وفي ذلك بر ان شاء الله والله أعلم.
* رجل كتب وصية وأودعها أمانة عند أمين، وبعد سنوات توفي الموصي
كما توفي الشخص الذي كانت الوصية في أمانته من بعده بسنين، ووجدت
الوصية من ضمن أوراقه، والوصي لا يعلم، وكان الورثة قد اقتسموا التركة،
فهل على الوصي مطالبة الورثة بتنفيذ الوصية بعد مضي أكثر من عشرين
سنة من وفاة الموصي أو أنه يسعه السكوت عنها ؟
* نعم عليه ان يطالبهم بذلك، وان يرفع الأمر الى القضاء الشرعي ان
امتنعوا والله أعلم.
** أوصى رجل بثلث ماله بما يمتلكه من عقار ونقود ونخيل خيرا يصرف
ذلك بعد وفاته من جميع ما يحتاجه الميت من تجهيز دفنه وقراءة الأنعام
والفاتحة وختمة رطبة، والباقي من الخير يبنى به مسجدا في أي مكان
حسب ما يراه وكيله سالمين، فمن الوكيل الوحيد في التصرف بالثلث الذي
أوصى به المتوفى ؟
** بما ان الموصي عيّن وصيه الذي هو يتولى تنفيذ وصيته، والعمل المشار
إليه مما يتعلق بإنفاذ الوصية، فإنه هو الذي يقوم به، اللهم إلا
ان ثبت شرعا أنه غير صالح لذلك والله أعلم.
* في رجل توفي وأوصى بوصية وجعل وصيه على هذه الوصية شخصا من غير
ورثته وقد جعل له عن تنفيذ الوصية مبلغا وقدره مائة ريال عماني،
وأراد الورثة ان ينفذوا وصيته بأنفسهم ويعطوه المبلغ الذي أوصى به
المتوفى للوصي، فهل يجوز لهم ذلك ؟
** بما أنه وصي عينه الموصي بنفسه ولم يعتذر عن تحمل مسئولية إنفاذها
عندما علم ان الموصي اختاره لذلك فليس له التخلي بل يجب عليه الانفاذ،
وعلى الورثة ان يمكنوه من ذلك، إلا ان ظهرت لهم منه خيانة فعليهم
إقامة الحجة بذلك عند القاضي الشرعي والله أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
السنة والحديث (3-4)
قراءة في تراث المدرسة الجابرية
قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع البنية الهيكلية
للسنة
نماذج من تعامل فقهاء المدرسة الجابرية مع الحديث
قلنا في الحلقة الماضية: إن الحديث يكون:
- إما دالاً على السنة.
- وإما معبراً عن جوانب منها.
- وفي أحيان أخرى قد يحصل للحديث نوع من عدم الانسجام الداخلي مع
البنية الهيكلية للسنة نتيجة للعوارض الداخلية والخارجية التي ترافق
عملية نقله، فيحتاج الفقيه إلى عملية من المواءمة والموازنة (التأويل)
في قبول الحديث أو رده، لكن علينا التنبيه أنه في بعض الأحيان قد
تختلف أنظار الناس في هذه العملية بين القبول والرد بحسب تفكيرهم،
وهذا حاصل حتى في عصر الصحابة، فقد روى البخاري (556) ومسلم (826)
عن ابن عباس قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي
صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد
العصر حتى تغرب .
وقد تعقبت السيدة عائشة هذه الرواية فقالت: (وهم عمر، إنما نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها) وعند النسائي
(570): أوهم عمر رضي الله عنه، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: (لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها).
وقد نحا ابن عمر منحى السيدة عائشة في ذلك ووافقها على رأيها مخالفاً
لما يروى عن أبيه حيث قال: (أصلي كما رأيت أصحابي يصلون؛ لا أنهى
أحداً يصلي بليل ولا نهار، غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها).
الحديث بين القبول والرد
(قد يقع للصحابي أن يسمع من صحابي آخر حديثاً عن النبي صلى الله
عليه وسلم فيتوقف فيه، حيث لا يراه منسجماً مع ما فهمه من معاني
القرآن الكريم، وما سمعه هو من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا
إما أن يتوقف الصحابي في الرواية مجرد توقف، وإما أن ينكرها إطلاقاً،
حملاً لها على سهو الناقل وخطئه ووهمه).
كما علمنا في الفصول الماضية أن السنة هي الطريقة المتبعة المطردة،
لذا كان المعبر عنها بما استقر عليه العمل وما اجتمعوا عليه دون
ما يروى آحاداً، ومن خلال تتبع طريقة فقهاء المدرسة الجابرية تبين
أنهم عبروا عن الآحاد بمصطلحات الرواية والحديث، حرصاً منهم على
فصل ما يعبر عن طبيعة الدين ومصدره التشريعي المطلق عن التطبيق الزمني
الظرفي المولَد من التشريع الدائم المطلق.
لذا مارسوا فهم الحديث والرواية في ضوء السنة، مع التنبيه على أن
السنة لديهم لم تنفصل على الإطلاق عن القرآن، فهما يمثلان معاً المرجعية
العليا للإسلام، فـ(السنة مأخوذة من الكتاب) ، وهي (عمل بكتاب الله
وبه وجب اتباعها).
لذا لم يتردد فقهاء المدرسة الجابرية في ترك مئات الروايات الآحادية
أو تأويلها تعويلاً على فهمها وعرضها على السنة المتمثلة في السنة
العملية المتبعة وأنساق القواعد العامة والمقاصد الكلية للمارسات
العملية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تحقق ترابطها
وانسجامها الداخلي. ومن أمثلة ذلك عندهم:
(1) القنوت في الصلاة
قال أبو غانم الخراساني في مدونته (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة
قنوت؟.
قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها
قنوت، قال الله تبارك وتعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً)
فالصلاة كلها قنوت.
قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي
يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.
قال: هذا أمر محدث لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة). والقنوت
في نشأته الأولى عبارة عن لعن الخصم السياسي أثناء الصلاة لم يقبلوه
لمخالفته الأصل العملي، ولكونه من كلام الآدميين الذي لا يصح في
الصلاة، إنما هو الذكر والتسبيح وقراءة القرآن، وقد رووا ذلك عن
فقهاء الصحابة كما في مسند الربيع.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: كنا نصلي مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم فما رأيناه قنت في صلاته قط).
(أبو عبيدة قال: وقد سمعت عن ابن عمر أنه لا يرى القنوت في الصلاة
ولم يقنت في صلاته قط، وكان يراه بدعة).
(وعن الإمام رضي الله عنه (الإمام أفلح بن عبدالوهاب) مرفوعاً إلى
النبي صلى الله عليه وسلم من طريق جابر بن زيد أن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يقنت قط في صلاته ولا الخليفتان بعده).
(الإمام عن أبي غانم الخراساني عن حاتم بن منصور قال: حدثني من لا
أتهم قوله من أصحابنا وأنا بمصر أو في طريق مصر عن أبي أهيف الحضرمي
فقيه أهل مصر عن ابن عمرانة، قال: كان في الزمان الذي كان فيه أقرب
إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غيره.
قال حاتم بن منصور: حدَّثَني عن القنوت في صلاة الصبح بعدما سألته،
هل بلغك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قنت؟.
قال: فقال لي: لم يصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال حاتم: فقلت له: كيف كان يصنع فيما بلغك؟.
قال بلغني أنه كان إذا فرغ من القراءة الأخيرة قرأ بقل هو الله أحد
ولا يقنت).
(2) حديث أفطر الحاجم والمحجوم
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عبدالله بن
عبدالعزيز، وأخبرني محبوب عن الربيع: عن قول الناس أفطر الحاجم والمحجوم.
قالوا جميعاً: إنما يكره ذلك للصائم مخافة أن يضعف، فإن لم يخف ضعفاً
فليحتجم إن شاء).
(3) حديث النهي عن صيام الجمعة
قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج وابن عبدالعزيز: عن صيام
يوم الجمعة ويوم عرفة. قالا: حسن جميل.
قلت لهما: إن رجالاً يكرهونهما من أجل أنهما عيدان).
قال أبو المؤرج: سألت عن ذلك أبا عبيدة فقال: (إن أفضل ما صمت فيه
يوم الجمعة ويوم عرفة، إلا أن يكون يوم الجمعة التي يكره الصيام
فيها.
قلت: وما هي يا أبا عبيدة؟.
قال: يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك).
(4) حديث عن صيام آخر يوم من شعبان
جاء في الديوان المعروض: (باب في رجل يصوم آخر يوم من شعبان متحرجاً
لرمضان. قال قوم: حسن جميل، لأن الله لم يحرم صوم شعبان كله ولا
صوم بعضه، ولأنه يصام في الكفارة، وفي التطوع وصيام آخر يوم من شعبان
كصيام جميع الأيام، فإذا أصاب رمضان فكان موافقاً لرمضان، وإن لم
يوافق رمضان لم يكن عليه حرج في صيام يوم من الأيام.
وقال قوم: لا يصام آخر يوم من شعبان، ورووا فيه حديثاً والله أعلم
به. قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لأن أفطر يوماً من
رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم آخر يوم من شعبان).
ولسنا نرى أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا، لأن صوم رمضان
فريضة افترضها الله على النبي عليه الصلاة والسلام ولم يحرم عليه
صوم شعبان أو آخر يوم منه.
حدثنا هارون بن اليماني في هذا الحديث أنه قال: حديث مقلوب، إنما
قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (لأن أصوم آخر يوم من شعبان
أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان).
حدثنا هارون بن اليماني، رفع الحديث إلى أبي عبيدة عن جابر بن زيد
عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا
لرؤيته، فإن حال السحاب في صومه فعدوا لـه، وإن حال السحاب دونه
في فطره فأكملوا العدة ثلاثين يوماً).
(5) حديث البيعان بالخيار
روى الربيع (574): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (البَيِّعان بالخِيار ما لم يَفْتَرِقا).
قال الربيع: قال أبو عبيدة: (الافتراق بالصفقة أي يبيع هذا ويشتري
هذا، وليس كما قال من خالفنا بافتراق الأبدان، أرأيت إن لم يفترقا
يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر، فلا يستقيم على هذا الحال بيع لأحد).
قال أبو غانم في المدونة: (سألت ابن عبدالعزيز وأخبرني من سأل الربيع
بن حبيب عما روى الناس ورفعوه إلى النبي عليه السلام أنه قال: البايعان
بالخيار ما لم يفترقا.
قالوا جمياً: بلغنا ذلك عن النبي عليه السلام والأمر عندنا كذلك.
قال ابن عبدالعزيز: البيع جايز ماض وإن لم يفترقا، والله أعلم بحديث
النبي عليه السلام ما معناه، والافتراق عندنا افتراق صفقة البيع.
والرواية التي ناقشها الإمام أبو عبيدة وتلميذاه: الربيع بن حبيب
وعبدالله بن عبدالعزيز رووها بأنفسهم من طرقهم التي يثقون بها، لكنهم
سلكوا بها مسلك التأويل لمخالفة ظاهرها للأصول الكلية والقواعد التشريعية
فـ(الله أعلم بحديث النبي عليه السلام ما معناه)، ورأوا أنها لا
تتسق والأصول الكلية إلا بحملها على (افتراق صفقة البيع) كما قال
ابن عبدالعزيز، وأن (الافتراق بالصفقة أي يبيع هذا ويشتري هذا) كما
قال الإمام أبو عبيدة، (وليس كما قال من خالفنا بافتراق الأبدان).
والظاهر أنهم سلكوا هذا المسلك اعتماداً على:
- أن البيوع تدخل ضمن دائرة الوجود الاجتماعي بعلاقاته الشائكة التي
تتأثر باستمرار بمتغيرات الحياة المتسارعة، لذا كان الأصل في البيوع
التي تظهر هي الإباحة قال الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا)
وما كان محرماً منها فهي البيوع التي تشتمل على الغرر أو الضرر بالفرد
أو المجتمع، ومن استقراء واقع البيوع المحرمة التي جاءت بها الأحاديث
عن النبي صلى الله عليه وسلم يتبين لنا هذا، (والأصل فى العقود جميعها
هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب قال تعالى (لقد أرسلنا
رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)،
والقرآن نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم،
وكلاهما أكل للمال بالباطل، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم
من المعاملات كبيع الغرر وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين وبيع
المزابنة والمحاقلة ونحو ذلك هي داخلة إما فى الربا وإما في الميسر)
، فالاعتبار في الاقتصاد هو تحقق العدالة وارتفاع الظلم، وهذا ما
دل عليه استقراء الشريعة الإسلامية، وظهور أي معاملة من المعاملات
الاقتصادية إنما يحكم فيها هذا الأمر، والشروط المصاحبة للعقد ينظر
فيها هل تحقق العدالة وترفع الظلم فتجاز، أو توقع الظلم فتحرم.
- والحرج مرفوع في الشريعة قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين
من حرج)، وصاغ الفقهاء ذلك في قواعدهم الفقهية بقولهم (المشقة تجلب
التيسير) ، والمشقة الكامنة في هذا الأمر أن إلغاء صفقة البيع التي
تمت طالما البيعان في المجلس يؤدي أن (لا يستقيم على هذا الحال بيع
لأحد) وتتعرض المعاملات التجارية التي تقضي حوائج الناس للضيق الشديد
والعسر في التنفيذ.
(6) حديث (من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس)
قال أبو غانم في المدونة: (قلت لأبي المؤرج أبلغك ما يروي هؤلاء
عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام؟.قال: وما هو؟
قلت: يقولون إن رجلاً أفلس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان
رجل قد باعه متاعاً فوجد الرجل ذلك المتاع بعينه فرد عليه متاعه،
قال أبو هريرة: فإن كان بيع منه شيء فإن الناس يطلبون صاحب المتاع
كأحد الغرماء.
قال: الله ورسوله أعلم بهذا الحديث، وما قال رسول الله فهو حق، والقول
من الناس كثير، غير أن أصحابنا يروون أنه بين الغرماء بالحصص، ولست
أعرف بينهم في ذلك اختلافاً، إلا أن يكون الرجل المفلس خدع رجلاً
من المسلمين فاشترى منه بعدما أفلس ولم يطلع على إفلاسه، ثم علم
بعد ذلك؛ فذلك الذي يقول أصحابنا يأخذ متاعه، وليس لأحد من الغرماء
فيه شيء، لأنه بمنزلة قاطع الطريق، أو بمنزلة السارق.
قلت: فلو كان اشترى جارية على هذه الجهة التي أعلمتني بها، ثم علم
الرجل بإفلاسه، فانطلق إليه يأخذ جاريته، فوجد المفلس قد أحدث فيها
عتقاً؟.
قال: لا يجوز عتقه، ولا نعمت له عين). وهذا النص في المدونة تداول
فيه أبو غانم وأبو المؤرج رواية رواها الربيع (593) والبخاري (2272)
ومسلم (1559) والنسائي في السنن الكبرى (6272) وأبو داود (3519)
والترمذي (1262) عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس أو إنسان قد أفلس فهو
أحق به من غيره). قال أبو عيسى الترمذي: (حديث أبي هريرة حديث حسن
صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد
وإسحاق، وقال بعض أهل العلم هو أسوة الغرماء، وهو قول أهل الكوفة).
نتساءل ما الذي جعل فقهاء المدرسة الإباضية الأولى يرون أن مال المفلس
بين الغرماء بالحصص بلا خلاف بينهم في ذلك، بينما الرواية تنص على
خلاف ذلك؟.
أولاً: لم تكن الرواية تشكل طابعاً إلزامياً بفعل طبيعة نقلها الآحادية
لذا قال أبو المؤرج: (الله ورسوله أعلم بهذا الحديث) مع التنبيه
على عدم الاستخاف أبداً بما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم (وما قال
رسول الله فهو حق)، وبسبب كون المسألة لم تشكل سنة ماضية فـ(القول
من الناس كثير)، وآراؤهم متنوعة حولها استناداً إلى الأصول الكلية
والقواعد التشريعية في هذا الباب، ومن هؤلاء فقهاء المدرسة الإباضية
الأولى.
ثانياً: ومما يظهر أن الأصول الكلية والقواعد التشريعية التي قام
عليها هذا الرأي:
تحقيق العدل في إرجاع الحقوق لأصحابها قال تعالى (وإذا حكمتم بين
الناس أن تحكموا بالعدل)، إذ المفلس شخص (تزيد ديونه على موجوده)
يطالبه الناس بإرجاع حقوقهم من الأموال، وهو في كثير من الأحيان
لا يملك ما يغطي كل تكاليف ديونه، فما يملكه مما قد تعود ملكيته
السابقة لأي من الغرماء فيه نصيب لبقيتهم، فأخذ أي من الغرماء لأشياء
تعود ملكيتها السابقة له في حقيقته تعد على حصص بقية الغرماء، لذا
رأى فقهاء المدرسة الإباضية الأولى أنه بين الغرماء بالحصص، ليس
بينهم في ذلك اختلاف.
ثالثاً: أما الرواية فحملوها على حال كون (المفلس خدع رجلاً من المسلمين
فاشترى منه بعدما أفلس ولم يطلع على إفلاسه، ثم علم بعد ذلك؛ فذلك
الذي يقول أصحابنا يأخذ متاعه، وليس لأحد من الغرماء فيه شيء، لأنه
بمنزلة قاطع الطريق، أو بمنزلة السارق)، وهذا التوجيه للرواية لم
يذكر بالطبع في الرواية، لكنه محمل صحيح تفرضه الأصول الكلية والقواعد
التشريعية.
(قال ابن وصاف: المسألة من الجامع، ومن أخذ من قوم مالاً ثم أفلس
فهو بين الغرماء، وإن أخذه بعد أن أفلس ولم يعلم فتلك خيانة وصاحب
المال أحق به أدركه بعينه، وقال أبو الحسن: من أخذ مال قوم ثم أفلس
فهو بين الغرماء، ودين رب المال بالحصة عليه، وإن أخذه بعد أن أفلس
فعلى قول تلك خيانة والمال لربه أحق به إذا أدركه بعينه).
(وقال أبو معاوية عزان بن الصقر وتبعه أكثر من جاء بعده من فقهاء
الأصحاب: إن كان إفلاسه من بعد ما اشترى فالبائع والغرماء سواء في
المتاع، وإن اشتراه بعد إفلاسه ثم مات فهو بمنزلة المغتصب، فإن وجد
المتاع بعينه أخذه، وإن لم يوجد المتاع فثمن المتاع في ماله، وله
الوفاء دون الغرماء)، وكما يظهر من هذه القول ان هذا الرأي هو الذي
ساد لدى أكثر فقهاء المذهب الإباضي (وهو في غاية من التحقيق)`.
(7) حديث (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)
روى الإمام الربيع (89): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله
عليه). قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك ترغيب من النبي صلى الله
عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله.
يرى الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أن التسمية مندوبة وليست
فرضاً مع مجيء الحديث عنه صلى الله عليه وسلم بلفظ (لا وضوء لمن
لم يذكر اسم الله عليه) ومرد هذا الرأي فيما يظهر أنه نظر إلى:
أن فرائض الوضوء وأركانه الأساسية ثابتة بالكتاب العزيز (يا أيها
الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (وسن رسول الله صلى الله عليه
وسلم المضمضة والاستنشاق) ومسح الأذنين من خلال الممارسة العملية،
قال أبو غانم الخراساني (حدثني الربيع: أنه سأل أبا عبيدة مسلم بن
أبي كريمة عن الوضوء للصلاة، قال: تبدأ فتغسل كفيك، ثم تمضمض فاك،
ثم تستنشق بالماء، وتغسل وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وتمسح برأسك
وأذنيك ظاهرهما وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين)!.
فالوضوء بهيئاته وكيفيته ثابت بنصوص الكتاب العزيز والسنة العملية
المجتمع عليها، لذا فعندما وردتهم هذه الرواية تعاملوا معها بالشكل
التالي:
- نظروا إلى كونها تحث على الذكر في حال الشروع في الوضوء، وذكر
الله تعالى عند الشروع في الأعمال وردت بها بعض جزئيات الشريعة كالذبح
والصيد والجماع والأكل، وذكر الله تعالى على أي حال أمر مرغب فيه
(الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)، فالرواية لا تخرج
عن نطاق هذه الأصول.
- لكن رفعها لدرجة الإلزام يحتاج إلى مستوى من الممارسة العملية
في الوضوء ذاته، إذ ان بقية هيئات الوضوء ثبتت بهذه الكيفية، والدلالة
اللغوية للرواية المنقولة لا تكفي وحدها لرفع الأمر إلى درجة الإلزام
في مثل هذه الأبواب، لذا اكتفى الإمام أبو عبيدة بالقول باستحباب
ذكر الله تعالى عند الشروع في الوضوء وقال: (ذلك ترغيب من النبي
صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله).
خالد بن مبارك الوهيبي
أعلى
قراءة في كتاب : سماحة الإسلام في الدعوة إلى الله
د. عبد العظيم المطعني :
القتال في الإسلام له ضوابـط عديـدة .. منهـا احتـرام حـق الأسيـر
غزوات الرسول كانت للدفـاع عن النفس وليست للتعدي على المشركين
القرآن فضح المنافقين وكشف أسرارهم وحذر المسلمين من الانخداع بهم
القاهرة ـ من محمد عمر: الكتاب الذي نقدم له
عرضا اليوم لفضيلة الدكتور عبد العظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر
بعنوان (سماحة الإسلام في الدعوة إلى الله منهاجا وسيرة). يتصدى
فيه لخصوم الإسلام ودحض أخطر دعوى من دعاويهم التي يروجونها - الآن
- على نطاق واسع بعد أن كان أسلافهم من الكارهين لما أنزل الله يروجونها
في نطاق محدود ، تلك الدعوى هي أن الإسلام دين دموي وإرهابي عنيف
يصادر الحريات ولا يقبل من الناس إلا أن يُسلموا أو يُقتلوا وأنه
لا يرى وجودا في الحياة لغير المسلم وأن الإسلام طبع المسلمين على
التوحش والبطش فصار الإسلام بذلك هو عدو الإنسانية وحضارتها .. لذلك
يجب دحره أو القضاء عليه .
يقول د. عبد العظيم المطعني إنه من العجب والعجيب أن إعلام الغرب
الذي يصف الإسلام بهذه الاتهامات الحقيرة ينسى أو يتناسى تاريخ الشيوعية
والصليبية والصهيونية الملطخ بالدماء في كل سطر من سطوره قديما ووسيطا
وحديثا .. فالشيوعية كانت عبارة عن سيف مصلت على رقاب الناس غدر
وخيانة وقتل ، والصليبية ترى محاكم التفتيش الفظيعة هي عنوان تاريخها
، والصهيونية بدأ أسلافها بقتل الأنبياء وهذا لم يحدث في التاريخ
النبوي الممتد عبر ألف سنة من تاريخهم القديم إلا على أيدي أسلاف
الصهيونية.
تناول المؤلف في الفصل الأول سماحة الدعوة في القرآن الكريم حيث
واجه القرآن الكريم في مكة قبل الهجرة قضايا شديدة الخطورة بعضها
يتعلق بأصول الإيمان وبعضها يتعلق بالسلوك والأخلاق .. وبيَّن سماحة
الإسلام من خلال قضيتين من قضايا أصول الإيمان وهما قضية التوحيد
وقضية البعث .. وهما القضيتان اللتان أولاهما القرآن الكريم اهتماما
كبيرا لما كان عليه العرب حينذاك من شرك ووثنية وإنكار للحياة الآخرة
ولما أثاروه من جدل حول هاتين القضيتين.
القضية الأولى
أما عن القضية الأولى وهي قضية التوحيد فهي المحور الأساسي الذي
ركزت عليه الدعوة القرآنية قبل الهجرة وكان لابد من ذلك في بدء المواجهة
لأن القوم في مكة كانوا وثنيين يعبدون الأصنام والأوثان آلهة من
دون الله وقد زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوه حسنا.
وحينما واجه القرآن هذه الظاهرة طوقها من كل جهة ولم يدع وسيلة من
وسائل الإقناع السلمي إلا وقد استثمرها في خطاب القوم ونصب لهم من
الدلائل والبراهين ما هو كفيل بتحقيق الإيمان بالله.
كما كانت قضية البعث من أبرز القضايا بعد قضية التوحيد التي أحدثت
شقاقا خطيرا بين الرسل وأقوامهم ، ومشركو العرب ورثوا هذا الشقاق
عن أسلافهم من الأمم الغابرة.
وقد نهج القرآن الحكيم في رده على مشركي العرب المنكرين للبعث ما
نهجه في الرد عليهم في إنكار قضية التوحيد .. فهو في كل موضع يتصدى
فيه لهذه القضية يصور شبهات الخصوم تصويرا أمينا كما وردت على ألسنة
مدعيها ثم يفندها ويكشف عما فيها من زيف وجهل.
مواقف نادرة
تناول د. المطعني في كتابه مواقف نادرة من سماحة الإسلام سجلها القرآن
الكريم حول اتهام رجل من اليهود بالسرقة ظلما ، وكان المتهم له بها
بعض المسلمين دفاعا عن السارق الحقيقي وهو رجل مسلم منهم ورفع الأمر
إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وكل الأدلة كانت تتهم اليهودي فهمَّ
الرسول بقطع يده ويدعى زيد بن السمين وتبرئة السارق الحقيقي المسلم
طعمة بن أبيرق ولكن قبل أن يقيم الرسول الحد على المتهم اليهودي
البريء نزل الوحي الأمين بقوله تعالى : (إنا أنزلنا إليك الكتاب
بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما)
ومن أكرم مظاهر السماحة في الإسلام مع أهل الكتاب أن كتاب الله العزيز
يأمر المسلمين بالصبر على أذاهم والعفو عن بذاءاتهم بل إن العفو
يتجاوز حدود المعاملة مع أهل الكتاب إلى غيرهم من المشركين وجميع
الطوائف المخالفة للإسلام ومن توجيهات القرآن الكريم في هذه المجالات
قوله تعالى : (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا
الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن
ذلك من عزم الأمور).
انتقل د. المطعني بعد ذلك إلى ظاهرة أخرى وهي مواقف الدعوة السلمية
من النفاق والمنافقين وكيف واجه الإسلام هذه الظاهرة فقال إن القرآن
لم يصدر حكما بإعمال السلاح في رقاب المنافقين للقضاء على دابرهم
ولم يحل بينهم وبين حقوقهم في الحياة ولم يصادر حرياتهم لا في قول
ولا في فعل ولكنه وقف منهم موقفا سلميا فاقتصر دوره على فضح مؤامراتهم
وكشف أسرارهم وتحذير المسلمين من الانخداع بهم وتهديدهم بسوء المصير
ونهى الله صاحب الدعوة عن الركون إليهم والصلاة عليهم إذا ماتوا
ثم الاستغفار لهم أحياء وأمواتا.
كما أمره بجهادهم والإغلاظ عليهم في الجهاد .. والجهاد هنا لا يعني
القتل والقتال وإسالة الدماء في كل حال وإنما هو جهاد بالكلمة والدليل
والبرهان وهذا هو منهج الإسلام مع خصومه ما لم يبدأوا هم بالعدوان
.. قال تعالى : (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم
ومأواهم جهنم وبئس المصير).
مبدأ عام
أشار المؤلف إلى مبدأ إسلامي عام في التسامح وهو الفتن الدينية واعتبرها
من أعقد المشكلات حلا وأسوأها آثارا وأسرعها اشتعالا .. وتقديرا
من الإسلام لهذه الاعتبارات فإن القرآن العظيم نهى عن التجادل في
شئون العقيدة الدينية ولم يرخص لأحد كائنا من كان أن ينصب نفسه قاضيا
للفصل بين الطوائف الدينية لأن أحدا من الخلق لا يصلح للقيام بهذه
المهمة .. لذلك خطا القرآن خطوات واسعة في هذا المجال وأرجأ الفصل
في شئون العقيدة لله الواحد الديان يوم يقوم الناس لرب العالمين.
وفي الفصل الثاني سماحة الدعوة في القرآن الكريم ركز فيها المؤلف
على حرية الاعتقاد انطلاقا من قوله تعالى : (فمن شاء فليؤمن ومن
شاء فليكفر) وقوله جل شأنه : (إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف
الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر
بآيات الله فإن الله سريع الحساب).
سماحة الدعوة
وفي الفصل الثالث تحدث عن سماحة الدعوة إلى الإسلام في النشاط النبوي
ومكاتبات صاحب الدعوة وسماحة الدعوة إلى الإسلام في السنة العملية
والمرحلة الثانية للدعوة الإسلامية ومشروعية القتال وضوابطه كما
قال سبحانه وتعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى
عليكم)
وشرح المؤلف لماذا شرع القتال في الإسلام وأن الغزوات التي قام بها
الرسول والمسلمون معه كانت للدفاع عن النفس وليست للتعدي على أحد
من المشركين وسط ضوابط القتال في الإسلام ومنها احترام حق الأسير
ومعاملته معاملة طيبة وعدم إيذائه أو تعذيبه.
وكان الفصل الأخير عن علاقة المسلمين بغيرهم سلام أم حرب وأدلة القائلين
بالعلاقة السلمية وأدلة العفو والصفح العام والأدلة المؤذنة بالقتال
في الظروف الاستثنائية.
أعلى
(المفهوم العلمي لتسبيح الكائنات لرب العالمين) ندوة بالقاهرة
* التسبيح صفة عامة فى الكون و قاعدة من القواعد القرآنية
العاصمة من الضلال كل شيء في الوجود يسبح بحمد الله
* أسرار ذكر تسبيح الرعد فى القرآن الكريم
* المسلم يسبح بخالقه في قيامه وقعوده وفي السراء والضراء وكل احواله
القاهرة ـ من عزت دنيا: إذا كان الإنسان قد
وقف عاجزا عن تدبر الكون بما فيه من كائنات مختلفة، لما فيها من
اختلاف الرؤى والمفاهيم والكينونة تميز كل أمة عن الأخرى، إلا أن
هناك سرا إلهيا يربط بين كل هذه المخلوقات والأمم على اختلاف أسرار
لغتها وتكوينها ألا وهو أنها كلها مشتركة فى تسبيح الله الواحد القهار....
ندوة (المفهوم العلمي لتسبيح الكائنات) حاولت القاء الضوء على تسبيح
الكائنات سواء الضعيفة كالنمل، أو القوية مثل الرعد، الجامدة والعاقلة
وغير العاقلة كل يسبح لله سواء عظمت مساحته كالسماء والأرض، أو شهق
ارتفاعه كالجبال، وله فى ذلك حكمة بالغة تدل على أنه الواحد، ويقول
سبحانه: وان من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم...
التسبيح نسيج الكون
بداية يقول الدكتور كارم غنيم الأستاذ بجامعة الأزهر مقرر ندوة جمعية
الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، السابعة فى الموسم الثقافي السادس
عشر بمسجد مصطفى محمود بالقاهرة حديثه فى تقديمه لهذه الندوة بقوله
تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي
أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى).. وذكر أن كل شيء فى الوجود يسبح لله
منها السماء تسبح وكذا الأرض فى قوله تعالى: (سبح لله ما فى السماوات
وما فى الأرض وهو العزيز الحكيم) , والرعد أيضا يسبح فى قوله تعالى:
ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ، والملائكة تسبح يقول تعالى:
(ان الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) ،
والجبال تسبح والطير يسبح يقول تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن
والطير وكنا فاعلي ، وكل شيء فى الوجود يسبح حتى أعضاء جسم الكافر
كما فى قوله تعالى: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وان
من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم انه كان حليما غفورا)
. ولذا وجب على الإنسان هذا الكائن الحي المستخلف فى الأرض أن يسبح
خالقه ورازقه وموجده كما فى قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون وسبح
بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف
النهار لعلك ترضى) ، وقوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد
ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود).
خير خلق الله
ويوضح د. غنيم أن المسلم يسبح خالقه فى قيامه وقعوده فى السراء والضراء
فى الإنعام والابتلاء, فى صلواته وفى كل أحواله ما دامت فيه نفس
وحياه تدب فيه, فسبحان من سبحت بحمده الأرض والسماء, والريح والسحاب
والشجر والدواب, والحيوان فى الآكام والأزهار فى الأكمام وكل من
فى الأنام، سبحان من سبح بحمده النور والنار والليل والنهار, والظل
الممدود، والكون غير المحدود سبحان الواحد الأحد الذي لم يتخذ صاحبة
ولا ولدا، خالق السماوات بغير عمد، وخالق الخلق ومحصيهم عددا، سبحان
صاحب الملك والملكوت المتصف بالعزة والجبروت سبحان الله العظيم.
وقد ذكر القرآن الكريم أن خير خلق الله هم الأنبياء المرسلون وهم
يسبحون الله تعالي في مواقع كثيرة, وفي معرض أحداث عديدة فهذا يونس
يتوجه إلى الله سبحانه بقوله: (لا اله إلا أنت سبحانك انى كنت من
الظالمين) ، وهذا إقرار مقرون بالتسبيح وكان سببا فى نجاته من بطن
الحوت. وهذا كليم الله موسى يسبح الله بعدما أفاق كما في قوله تعالى:
(ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك، قال لن
تراني ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى
ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك
وأنا أول المؤمنين) الاعراف 143 .. ويضيف د. كارم غنيم الأستاذ بجامعة
الأزهر أن كلمة الله عيسى ابن مريم يسبح الله وينزهه عن الشريك فى
قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني
وأمي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي
بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك
انك أنت علام الغيوب) , كما كان التسبيح ديدن رسول الله صلى الله
عليه وسلم فى حياتها كلها إذا أوى إلى فراشه أو قام منه، إذا قام
إلى صلاته أو انتهى منها، وإذا هبط إلى واد وإذا صعد إلى جبل، إذا
رأى الشمس كاسفة وإذا غدا أو راح وإذا قدم أو ذهب.
ونجد أن كتب السنة المطهرة زاخرة بالتسبيحات النبوية.. هكذا التسبيح
صفة عامة فى الكون، كما أنه قاعدة من القواعد القرآنية العاصمة من
الضلال والزلل، وهو لغة تنزيه الله تعالى وهو ديدن المخلوقات حية
أو جامدة كما فى قوله تعالى: (وان من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا
تفقهون تسبيحهم)..
أسرار آيات التسبيح
يقول المفكر الاسلامى اللواء محسن عبدالحي حسن فى بداية حديثه عن
المفهوم العلمي للتسبيح: ان التسبيح ليس وردا يتلى، أو تسبيحا باللسان
دون وعى وانتباه بل ان التسبيح له مفهوم آخر؛ له تاريخ وجذور وحالات
وأوقات وكلمات وتوقيتات، وكل ذلك يراقبه الله مراقبة من فوق سبع
سماوات. ان معنى التسبيح هو التنزيه والتقديس والتعظيم وهو فعلا
لا يجوز إلا لله رب العالمين، وهذا التسبيح ليس موضوع اليوم بل ان
هناك آيات قرآنية وردت تخبرنا عن أن هناك تسبيحا يحدث الآن وسيظل
يحدث دائما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: سبح لله
ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم .... هل التسبيح لله انتهى
أي تم التسبيح لهذه الكائنات المذكورة فى الآية الكريمة وانتهى التسبيح
بالطبع لا، لأن التسبيح هو تسبيح دائم ومستمر دوام الحق تبارك وتعالى
قال: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وان من شيء إلا يسبح
بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم انه كان حليما غفورا) وهذه الآية رقم
44 الإسراء تعتبر عصب الحديث عن التسبيح بصفة عامة ولهذه الآية ثلاثة
محاور: الأول: يقول ان كل شيء يسبح , الثاني : ولكن لا تفقهون تسبيحهم
, والثالث: كلمة التسبيح كونية عظمى وهى الحمد لله رب العالمين،
لأن كل شيء يسبح بحمده.. والمقصود الاعتراف بنعمة الله وفضله علينا
قال تعالى: (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ، فوجب علينا أن نقول:
الحمد لله والشكر لله، فهناك أمور لا نستطيع تجاوزها حتى فى التسبيح
لله وهى ولكن لا تفقهون تسبيحهم ، وحتى نحاول الاقتراب من ذلك لأن
أحيانا الإنسان يفسر بعض الظواهر بأنها تسبح مثل تحرك أوراق الشجر
من الريح، وحين تعلو أمواج البحار بأنها تسبح وهذا يجب الحذر عندما
نقترب من هذا التسبيح لأن علمها عند الله.
فالمحور الأول أن كل شيء يسبح بدءا من حملة العرش والرعد والجبال
والطير والحيوان والنبات وأعضاء جسم الإنسان تسبح حتى لو كان صاحبها
لا يسبح وكافرا، وكل هؤلاء يسبحون تسبيحا حقيقيا؛ أن الله سبحانه
وتعالى يقول ويخلق مالا تعلمون والعجيب أن هناك ما لا نراه ولا نبصره
لأنها أشياء غيبية.
فضيلة التسبيح
ويؤكد المفكر الاسلامى محسن عبد الحي أن فضيلة التسبيح هي المميز
للملائكة قبل خلق آدم عندما أخبرهم الله تعالى بأنه خالق بشرا من
طين، وكانوا يقولون الحمد لله رب العالمين وهم يقولون كلمة الحمد
منذ الأزل ولكن فى هذه اللحظات وهى مفاجأة يقول الحق: وترى الملائكة
حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ، ويقول تعالى: (الذين يحملون
العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا).
إلى هذا الحد نجد أن كلمة التسبيح الحمد لله رب العالمين التي يسبح
بها حملة العرش وحوله والسماوات والأرض يقول تعالى: (تسبح له السماوات
السبع والأرض ومن فيهن وان من شيء إلا يسبح بحمده) , فتعتبر الحمد
لله هي التسبيحة الكونية... لكن هل فكر الإنسان حين يقول الله بنص
الآية قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا
ما تشكرون هذا هو موقف معظم البشر.
عمر الرعد تسبيحة
ويضيف المفكر الاسلامى أن هناك سورة كاملة باسم الرعد بها آية تقول:
(ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب بها
من يشاء وهم يجادلون فى الله وهو شديد المحال). فكيف يتكون الرعد
؟ كما يقول العلماء: ان السحب التي تتكون من هذه العواصف والأعاصير
تحدث فى السحابة الواحدة شحنة موجبة فى أعلى السحابة وتشحن بها البلورات
السلبية التي فى قمة السحابة وبتأثير الكهرباء الكهروستاتيكية يحدث
فى قاع السحابة على قطرات المياه التي فى أسفلها شحنة سالبة، ولكن
فى السحابة المجاورة تحدث شحنات كهر بائية مماثلة وتزداد الشحنات
مع الوقت مع ازدياد السحب والسالب يزداد بتأثير الكهرباء الكهرو
استاتيكية؛ والأعجب من ذلك أن الأرض تتأثر بهذه الشحنة السالبة فى
قاع السحابة... فقاع السحابة به شحنة سالبة فبتأثير الكهرواستاتيكى
تأخذ الأرض شحنة موجبة، وتتراكم هذه الشحنات بتراكم السحب، وفى الوقت
الذي يحدده الله سبحانه وتعالى، والمكان المحدد لمولد هذا الرعد
المسبح يحدث تفريق كهربائي بين الشحنات التي فى قاع السحابة والأرض
أو بين الشحنات فى السحب المجاورة فينتج من ذلك وميض ضوئي قوى يسمى
البرق يعقبه صوت مدو يسمى الرعد. وحكمة هذا أن هذا الرعد المسبح..
عبارة عن صوت ناتج بعد ضوء لا يستغرق مولده وحدوثه ثانية واحدة أو
أقل؛ لكن العجيب فى الأمر أن هذا الكائن يولد فى لحظة واحدة ثم يفارق
الحياة ويموت، ولكن خلال هذا الوقت القصير فى عمره الدنيوي للحظات
يسبح الله المعبود، وهذه عبرة الرعد ومن عظمة شأنه عند الله جعل
له سورة كاملة من القرآن تتلى حتى يوم القيامة، وأنه كائن من الكائنات
طول عمره لا يستغرق لحظة ولد ليسبح للحى الذي لا يموت ثم يموت فكأنه
خلق ليقول الحمد لله رب العالمين ويموت وهذه هي قمة العظة والعبرة
لباقي خلق الله وأولهم الإنسان (ان فى ذلك لعبرة لمن يخشى) وقوله
تعالى (وفى ذلك فليتنافس المتنافسون).
أعلى
حوار بين أسرة مسلمة
الإعجاز القرآني
الليلة العاشرة
فاطمة: سيكون حديثنا الليلة عن الإعجاز القرآني
في عالم البحار، أليس كذلك يا محمد؟
محمد: بلى يا فاطمة، فهل أعددتِ له جيدا؟
فاطمة: بالتأكيد، فقد قرأت كثيرا في كتاب الإعجاز العلمي في القرآن
الكريم المليء بآيات الله في عالم البحار.
الأم: الحمد لله الذي جعل الماء اصل الحياة، ( وَجَعَلْنَا مِنَ
الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ).
فاطمة: حقا يا أماه، فالماء أصل كل شيء في الحياة، وهو العنصر الأول
لكل خلية حية، ومن هذه الخلية يبني النبات والحيوان والإنسان أنسجته.
الأب: إن الماء أساس تكوين الخلية؛ وهو السبب في رخاوة الجسم، وليونته،
والماء يعادل 70% من وزن الإنسان؛ فالإنسان يعيش 60 يوما دون غذاء،
ولا يستطيع أن يعيش أكثر من أربعة أيام دون ماء، وصدق الحق عندما
قال: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ
يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
محمد: الماء أصل الإنسان (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ،خُلِقَ
مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)،
وأصل النبات (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا
بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ).
الأب: وتتعدد استخدامات الماء كما ذكرها القرآن الكريم ومنها:
استخدام الماء للشرب والسقاية، لقوله تعالى (فَأَنْزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ).
إخراج الحب والنبات والجنات من الأرض، قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا
مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً
وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً).
إحياء الأرض بعد جدبها وموتها، وقد وضح القرآن الكريم ذلك بقوله
تعالى (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ
الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا).
استخدام الماء للطهارة، وإزالة الأذى الذي يصيب الإنسان، قال تعالى
(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً)، إلى غيرها من الاستخدامات
التي نعجز عن حصرها.
محمد: ما رأيكم يا جماعة الخير أن ننتقل إلى الآيات المعجزة في عالم
البحار.
الأم (تشير إليه بيمينها): تفضل يا بني.
محمد: قال تعالى (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ،بَيْنَهُمَا
بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ)، (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً) هاتان الآيتان توضحان آية جليلة
في عالم البحار.
الأم (بتلهف): ما هي يا محمد؟
محمد: تشير الآية الأولى إلى التقاء بحرين مالحين، مع اختلاف خصائص
كل منهم، ووجود البرزخ أي الحاجز الذي يفصل بينهما، ولا نكاد نراه،
أما الآية الثانية فتشير إلى التقاء بحر مالح مع نهر عذب ؛وكذلك
يفصل بينهما حاجز يمنع دخول الكائنات الحية في البحر إلى النهر والعكس
صحيح.
الأب: وقد أوضح المفسرون قوله تعالى (وَحِجْراً مَحْجُوراً) بوجود
مكان يمنع الدخول فيه، وقد وجد العلماء عند التقاء البحر مع النهر
تتشكل منطقة ثالثة، وهي منطقة المصب، ليست من البحر ولا من النهر
تختلف في تركيبها عن البحر والنهر في الملوحة والتركيبة والكائنات
الحية الموجودة فيها، فلو ذهبت الكائنات الموجودة في النهر أو البحر
إلى المصب لماتت والعكس صحيح. فسبحان الله.
محمد: هل تستطيعين يا فاطمة أن توضحي بعض الأمثلة لذلك؟
فاطمة: نعم،فمن أدلة ذلك التقاء خليج عمان مع الخليج العربي، والتقاء
البحر المتوسط مع المحيط الأطلسي في مضيق جبل طارق، مع العلم أن
البحر المتوسط أكثر ملوحة وحرارة من المحيط الأطلسي، فسبحان الله
من أين علم محمدا بذلك كله كما يزعم الجاحدون ؟.
الأم: بارك الله فيكما يا ولدي.
فاطمة (بحماس): لو انتقلنا إلى آية أخرى من آيات الله في البحار،
قال تعالى (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ
مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا
فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ
لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)، فهذه
الآية تشير إلى الأمواج الداخلية والسطحية في البحار.
محمد: وهذا بالفعل ما كان يشكل صعوبة بالنسبة لسفن البعثات إلى القطب
الشمالي، تشق عليهم السير، حتى انهم أطلقوا عليها (أي الأمواج الداخلية)
(بالماء الميت).
فاطمة: ويظهر أن هذه الأمواج تنكسر عند التقائها بتيار الخليج أو
بتيارات أخرى قوية في بحر عميق،وصدق الحق تعالى عندما قال: ( يَغْشَاهُ
مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ).
الأب: مع العلم يا أبنائي أن هذه المواضع يقل فيها وهج الشمس، فما
بالكم باجتماع السحاب الذي تكثر فيه الظلمة ويصبح الواقع (إِذَا
أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ).
الأم: هلا وضحت لنا يا بني معنى قوله تعالى( ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا
فَوْقَ بَعْضٍ).
محمد: بكل سرور يا أماه، فكما هو معلوم أن الإنسان في الماضي لا
يستطيع أن يغوص بدون استخدام الآلات اكثر من 20م، ولكننا الآن نغوص
إلى أعماق البحار بواسطة المعدات الحديثة، فنجد ظلمات تزيد على عمق
200م.
فاطمة: وكلنا يعرف أن ألوان الطيف سبعة، فهذه الآية (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا
فَوْقَ بَعْضٍ) توضح وجود ألوان الطيف في أعماق البحر،حتى إذا ما
غصنا في أعماق البحار تختفي هذه الألوان واحدا بعد الآخر، ومع اختفاء
كل لون يعطي ظلمة، فالأحمر يختفي أولا ثم البرتقالي، ثم الأصفر،
وآخر الألوان اختفاء هو الأزرق، مع العلم أن هذا لا يوجد إلا على
عمق 200م كما ذكر محمد.
الأب: بمعنى أن مع اختفاء كل لون يعطي جزءا من الظلمة، حتى يصل إلى
الظلمة كاملة، وقد ثبت علميا أن هناك فاصلا بين الجزء العميق من
البحر والجزء العلوي، وأن هذا الفاصل مليء بالأمواج، فهناك أمواج
على حافة الجزء العميق المظلم من البحر، وهذه لا نراها، وهناك أمواج
على سطح البحر نراها، فكأنها ( مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ).
فاطمة: وقد أثبت هذه الآراء العلمية بروفيسور أسلم بعد أن أيقن استحالة
أن يكون هذا كلام بشر، فسبحان الله اما زال الملحدون يكفرون بأن
هذا من عند محمد،لا من عند الله.
منى بنت حمد الزيدي
أعلى
النيرات المنيرات
(زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم )
رأي وحكمة
لحق أبو سفيان بالقوم و ( كنانه بن الربيع ), وكادت الحرب والقتال
أن يقعا بينهما, فوقف أبو سفيان بعيدا,وراح يكلم( كنانه بن الربيع
) ويناديه قائلا : كف عنا نبلك حتى نكلمك.
فكف ( كنانه ) نبله , واستمع الى أبي سفيان , وقد تقدم حتى اقترب
منه اكثر , فقال ابو سفيان له : انك لم تصب يا ابن الربيع , خرجت
بزينب على رؤوس الناس علانية , وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا , وما دخل
علينا من محمد , فيظن الناس أن ذلك عن ذل أصابنا , وإن في ذلك ضعفا
ووهنا , ولعمري مالنا بحبسها عن أبيها حاجة , ولكن ارجع بزينب حتى
إذا هدأت الأصوات , وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها سرا , فألحقها
بأبيها.
بين هند وزينب
(رضي الله عنهما)
أما هند بنت عتبة ( رضي الله عنها ) فقد علمت بما جرى من القوم وزوجها
أبى سفيان , وكان لها حديث مع زينب ( رضي الله عنها ) , تحكيه بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتقول ( رضي الله عنها ) : بينما
أتجهز بمكة للحاق بأبي لقيتني هند بنت عتبة.
فقالت : يا بنت محمد صلى الله عليه وسلم ! قد بلغني أنك تريدين اللحاق
بأبيك ؟
فقلت : ما أردت ذلك .
قالت هند : أي ابنة عمي ! لا تفعلي... إن كانت لك حاجه بمتاع مما
يرفق بك في سفرك , أو بمال تتبلغين به إلى أبيك , فإن عندي حاجتك
, فلا تتحرجي مني , فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال...
ثم أكملت السيدة زينب ( رضي الله عنها ) كلمتها فقالت : والله ما
أراها قالت ذلك إلا لتفعل , ولكني خفتها , فأنكرت أن اكون أريد ذلك...
ثم تجهزت للرحيل إلى يثرب ( المدينة ).
ثم علمت هند بنت عتبة بما جرى من القوم وما جرى لزينب ( رضي الله
عنها ) من حدث , والرجوع بها إلى بيت خالتها , فآلمها ذلك , فراحت
تسخر من قومها وتلومهم قائلة : أمعركة على أنثى عزلاء ؟ فهلا كانت
هذه الشجاعة يوم بدر...!!؟
أفي السلم أغيارا جفاء وغلظة **وفي الحرب أشباه النساء العوارك
رجوع زينب ( رضي الله عنها ) إلى بيت خالتها
اضطر ابن خالتها أن يرجع بها إلى بيت خالتها بعد أن فقدت جنينها
فلزمت البيت حتى استراحت قليلا , ثم تابعت المسيرة حتى التقت بزيد
بن حارثةوصاحبه ( رضي الله عنهما ) , ثم وصلت المدينة .
حزن وغضب
كانت الأخبار قد وصلت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فحزن حزنا
شديدا وغضب من جراء ما أصاب ابنته , وتوعد وهدد , وأمر بالانتقام
لزينب ( رضي الله عنها ) من جراء ما أصابها .
قال أبو هريرة ( رضي الله عنه ) : (( بعث رسول الله صلى الله علية
وسلم سرية أنا فيها , فقال لنا : إن ظفرتم بهبار بن الأسود أو الرجل
الآخر - سماه إبن اسحاق , فقال : هو نافع بن عبد قيس - فحرقوهما
بالنار ... فلما كان الغد بعث إلينا فقال : إني كنت أمرتكم بتحريق
هذين الرجلين إن أخذتهما , ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار
إلا الله سبحانه وتعالى ,(فأن ظفرتم بهما فاقتلوهما).
في المدينة
عاشت السيدة زينب ( رضي الله عنها ) في المدينه مع طفليها في رحاب
والدها صلى الله عليه وسلم , كان يتردد عليها ويلاعب عليا وأخته
أمامة ( رضي الله عنهما ) , وكانت زينب ( رضي الله عنها ) تتردد
أحيانا على المسجد , فترى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شغل
بأمور المسلمين , وكانت الدعوة تنتشر في أنحاء البلاد كالبرق.
ولكن العداء بين مكة والمدينة لا يزال على أشده , والمسلمون لا يزالون
يتربصون بالكفار الدوائر , فهم لم ينسوا ما فعل بهم سادات مكة ,
وإنهم لينتهزوا الفرصة لإسترداد حقوقهم .
وكانت السرايا تتابع جموع أهل مكة وتجارهم كي يظفروا برجالها ومعهم
تجارة يستولون عليها , وبينما هم يجوبون الصحراء , وجدوا قافلة آتية
من الشام , فكمنوا لها , ثم أحاطوا بها , وأخذوا كل ما معهم , وكادوا
يأسرون الرجال , لولا أنهم فروا خوفا من القتل .
وكانت زينب ( رضي الله عنها ) تتابع مع أهل المدينة هذه الأخبار
, وتعلم أن رجال هذه القافلة قد فروا إلى مكة بعد أن استولى المسلمون
على ما كان معهم من أموال وبضائع ولم تكن تعلم أن أبا العاص معهم
, وإنه لم يرجع معهم إلى مكة , وإنه احتار فيما يفعل , وقد أعطاه
رجال من قريش أموالا طائلة وإنه ملزم بردها .
راح يفكر في طريقة يمكن أن تعيد إليه هذه الأموال أو بعضها أو يعمل
عملا يرجع به إلى مكة يعرف منه أنه لم يقصر أو يهمل في المال الذي
كان معه , وأنه فعل كل ما يقدر عليه .
في جوار زينب
لقد هداه تفكيره إلى أن يذهب إلى المدينة سرا , ويتجه إلى بيت زينب
( رضي الله عنها ) ابنة خالته ويستجير بها لعله يجد عندها مخرجا
مما وقع فيه , فيحفظ به ماء وجهه.
وعندما اقبل الليل , وتحت جنح الظلام , دخل المدينة , وتسلل حتى
صار على باب بيت ابنة خالته.
ناداها... مستجيرا بها فأجارته , وكانت بشائر الصباح قد لاحت , واستعد
المصلون لصلاة الصبح , وعندما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكبر الناس بعده , سمع صوت ينادي أنه صوت ابنته زينب ( رضي الله
عنها ) تقول : أيها الناس... إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع !
سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة بعد أن أتمها , وسلم
الناس معه , فأقبل على المصلين قائلا : (( أيها الناس هل سمعتم ما
سمعت ؟
قالوا : نعم يارسول الله .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والذي نفس محمد بيده ما
علمت بشيء من ذلك , حتى سمعت ما سمعتم , أنه يجير على المسلمين أدناهم
, وقد أجرنا من أجارت )).
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ابنته . فقالت له زينب
( رضي الله عنها ) : يارسول الله ! أجرت أبا العاص فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : (( أي بنية أكرمي مثواه , ولا يخلصن إليك ,
فإنك لا تحلين له ).
أم الزبرجد الشيبانية
أعلى
كفالة اليتيم
إن القيام من أجل رعاية اليتيم إحسان عظيم
وفضل عميم دعا اليه الشرع الحكيم وأمر به الرسول الكريم ودعت اليه
الفطرة السوية ورغب فيه القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها قوله
تعالى ( ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير) سورة البقرة الاية
220 وقوله تعالى ( ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن حتى
يبلغ أشده) سورة الاسراء آية 34 من اجل ذلك حث النبي صلى الله عليه
وسلم على كفالة اليتيم فكان ينظر اليه بعطف وحنان يرى اليتيم فيهش
له ويمسح رأسه بيده الشريفة حث على رعايته وكفالته وتعليمه وإدخال
السرور الى قلبه وهل هناك أجل منزلة من قول الرسول صلوات الله وسلامه
عليه ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وأشار بالسبابة والوسطى
وفرج بينهما شيئا) رواه البخاري فقد أخبر النبي صلى الله عليه ان
من قام بكفالة يتيم فأحسن اليه وأرشده وعلمه ورعى حق الله في ماله
من غير طمع ولا جشع ولا اغتصاب ولا اختلاس بل سلك سبيل التعفف والقناعة
والزهد والورع والتقى وأن من فعل ذلك فهو معه في الجنة سواء.
القارئ الكريم: ان الاسلام عظم حق الضعفاء كالمساكين والفقراء والارامل
والايتام وكم لهذا من التأثير النفسي القوى على مشاعرهم وأحاسيسهم
لاسيما ذلك اليتيم الذي فقد والديه أو أحدهما في الحياة فاصبح امانة
لدى جماعة المسلمين يحافظون عليه ويمدون يد العناية والاصلاح اليه
فرعايته من واجبات الدين فانه ان لم يجد اليد التي تحنو عليه والقلب
الذي يشفق عليه وان لم يتعهده احد في صغره بالتهذيب والتأديب شب
على مساوئ الاخلاق ونظر الى مجتمعه نظرة كراهية ومقت لانه عقه وأهانه
ونسيه وأهمل شأنه يصبح أدأه افساد وينشط في اذى العباد روى الامام
أحمد أن رجلا شكا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال
له ( امسح رأس اليتيم وأطعم الطعام) ولم يقصد النبي صلى الله عليه
وسلم بمسح رأس اليتيم ان يضع يده على رأسه فقط وانما قصد بذلك رعايته
دوبره لان اليتيم محل للعطف فالعطف عليه تذكير للانسان بأن اولاده
عرضة لان يكونوا كذلك فليختر لاولاد اخوانه ما يختار لأولاد والبرلايبلى
والأحسان لا يضيع له أولاد وفي بيته يتيم او يتامى فلينبه اولاده
عن ألا يمسوا خاطر اليتيم بسوء او يجرحوه بكلمة بذيئة.
القارئ الكريم: لقد اهتم الاسلام بشأن اليتيم الاهتمام البالغ من
ناحية تربيته ومعاملته وضمان معيشته حتى ينشأ عضوا نافعا في مجتمعه
ينهض بواجباته ويقوم بمسؤلياته فمن اهتمام القرآن الكريم بشأن اليتيم
أمره بعدم قهره والحط من شأنه وكرامته يقول تعالى (فأما اليتيم فلا
تقهر) سورة الضحى آية رقم9 ففي اصلاح مال اليتيم بتنميته اجر كبير
وفي اهمال شأن اليتيم مفسدة لخلقه ومضيعة لحقوقه وقد ذم الله عز
وجل في كتابه الكريم ذلك الذي يكذب بالدين فيسيء الى اليتيم ولا
يرحمه ولايحنو عليه ولا يحسن اليه ولو بكلمة طيبة بل يزجره وينهره
ويشتمه ويسبه بلا ذنب جناه ولا اثم ارتكبه قال تعالى ( أرأيت الذي
يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم) سورة الماعون الايتان 1-2 اي
يدفعه بعنف لا يريد بذلك تاديبه ولا تربيته وتقويمه وانما يريد بذلك
اهانته فكان الاجدر بهذا الزاجر ان يكون عليه عاطفا وان يبدأه بالكلمة
الطيبة فليتق الله اولئك الاوصياء الذين ينتهزون فرصة صغر اليتيم
فيبددون امواله ويأكلونها ظلما إنما يأكلون نارا حامية تقطع أمعاءهم
وتذيب احشاءهم قال تعالى ( إن الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما انما
يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) سورة النساء الاية رقم 10.
القارئ الكريم: ان ما يقدمه الوطن من رعاية واهتمام بهذه الشريحة
من المجتمع أكبر دليل على ان في الأمة قلبا ينبض بالعطف والرعاية
والاحسان وعلى الجميع كذلك ان يساعد في رعاية وكفالة اليتيم طلبا
للاجر والثواب العميم ولما في ذلك من تضافر وتكاتف للجهود وصولا
للهدف المنشود وان من تمام الايمان ان يحب المرء لغيره ما يحبه لنفسه
اذ فيجب على كل واحد من الاوصياء ان يحسن معاملة اليتامى حتى يهيئ
الله لهم من يحسن الى اولادهم من بعدهم والجزاء من جنس العمل واذا
كان القيم على مال اليتيم غنيا فلا يأخذ منه شيئا لان الله تعالى
أغنى عنه وان كان فقيرا أخذ منه ما يكفيه بالمعروف قال تعالى: (
ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) سورة النساء
الاية6.
القارئ الكريم: احرص على تربية اليتامى والرحمة بهم وراقب الله فيما
أئتمنك عليه من تربية اليتامى والرعاية بهم وضع نصب عينيك قوله تعالى
لنبيه الكريم ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما
بنعمة ربك فحدث) الضحى الايات 9 ،10 ،11.
واذا كان اليتيم عاجزا عن المحاسبة والمراجعة والرقباء في غفلة فما
ربك بغافل وأنه بالمرصاد لكل من تسول له نفسه تضييع حق اليتيم او
التعرض لماله بغير وجه مشروع فليتق الله هؤلاء الاوصياء وليعلموا
ان الدهر قلب والله تعالى بالمرصاد وكما تدين تدان وانهم قد يموتون
ويتركون اولادا صغارا يكون نصيبهم ذلك اليتيم ( وليخش الذين لو تركوا
من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليه فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا)
سورة النساء آية 9
فعلى الاوصياء ان يحافظوا على اموال اليتامى فلا يأكلوها اسرافا
وبدارا ان يكبروا وعليهم ان يراقبوا ربهم ويخلصوا النية في اعمالهم
ويقدموا النصح والتوجيه الصحيح لهؤلاء اليتامى وليجتهدوا في تربيتهم
وتعليمهم وليعملوا على اصلاح نفوسهم كما يعملون لاودلاهم حتى يتسلحوا
بالاخلاق الفاضلة وينشأوا على الاداب الصحيحة.
القارئ الكريم: ونحن على أبواب افتتاح المدارس قلاع العلم والمعرفة
ينبغي ان ننظر الى الايتام والفقراء والمعوزين نظرة اسلامية نظرة
رحمة وشفقة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تنزع الرحمة الا
من شقى) رواه أحمد وابو داود والترمذي عن ابي هريرة رضي الله عنه.
نعم لاتنزع الرحمة الا من شقى واي شقاء اضر بالافراد والجماعات من
ان يرى الانسان يتيما ذا مقربة او مسكينا ذا متربة أو فقيرا قد أضر
به وبأسرته الفقر او مريضا اقعده مرضه عن السعى والكسب ثم هو لايشمله
برحمته ولا يحيطه ببره وعطفه ولا يفيض عليه مما رزقه الله؟!.
عبدالرحيم محمد جاد الرب
أعلى
الصبر على البلاء
الابتلاء والامتحان في هذه الحياة الدنيا من
الأشياء التي ينبغي للمسلم العاقل أن يدركها تمام الإدراك فما من
مصيبة وبلية إلا ومن وراءها هدف مقصود لا يعلمه إلا العليم القدير،ليعلم
جلّ جلاله وتقدست أسماؤه الصابر من عباده والجازع فهناك شدائد ومصائب
ومحن تحلّ على بني آدم فمن الناس من يبتلى في دينه ومنهم في ماله
وعياله ومنهم في جسده...كل هذه الابتلاءات من صنيع الصانع المدبر
قال:جلّ شأنه (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس
والثمرات وبشر الصابرين الذين أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا
إليه راجعون)
إن أنواع الابتلاءات عديدة ومتنوعة فالأنبياء عليهم السلام كانوا
أكثر وأشد الناس بلاء فقد روى الإمام الدارمي (ت255هـ) في سننه قال:انه
سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء، قال: (الأنبياء
ثم الأمثل فالأمثل،يبتلى الرجل على حسب دينه،فإن كان في دينه صلابة
زيد صلابة،وإن كان في دينه رقة خفف عنه،ولا يزال البلاء بالعبد حتى
يمشي على الأرض ما له خطيئة).
إن المصائب والآم تعصف بالناس القوى والضعيف منهم والغنى والفقير،
فكل واحد من هؤلاء قد يبتليه مولاه بآفة ولوعة عظيمة إما في ذاته
وذريته وأما في قُوته ومعاشه...ففي هذا الابتلاء يمحص الله تعالى
المؤمنين من منهم يصبر على ما أصابه أم يجزع وقد أخبر الصادق المصدوق
أن أمور المسلم كلها خير في السراء والضراء فقد اخرج الإمام مسلم
(ت 261 هـ) أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (عجباً لأمر المؤمن
إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر
فكان خيرا له، وان أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له).
فالمسلمون المبتعدون عن المنهج الرباني القويم وهدي النبي الأمين
تراهم لا يطيقون الابتلاءات الصغيرة منها والكبيرة فمنهم من يتحسر
على أفعاله فيقول ليتني لم اعمل هذا ومنهم من يجزع على فراق ولد
أو حبيب له وهكذا يجره الشيطان إلى الجزع والخوف،وكم من الحالات
العقلية أصابت ضعفاء الإيمان بسبب عدم الصبر على البلاء فأصبحوا
في المشافي العقلية حالهم كحال الصبي الصغير.فلماذا لا يصبر الناس
على بلاء البالي في هذه الدار الفانية وقد أجاد الإمام الشافعي (ت204هـ)
حينما قال:
دع الأيام تفعل ما تشاء...وطب نفسا إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي ... فما لـحوادث الدنيا بقاء.
إن الواجب على المسلمين الصبر على المصائب والابتلاءات الدنيا لان
الصبر مفتاح الفرج والصبر كما أوضحه الغزالي (ت 505 هـ) هو (..ثبات
باعث الدين الذي هو في مقابله باعث الشهوة وثبات باعث الدين حال
تثمرها المعرفة بعداوة الشهوات ومضادها لأسباب السعادات في الدنيا
والآخرة...والصبر عبارة: عن احتمال النفس أمراً لا يلائمها إما لأن
مآله ملائم،أو لأن عليه جزاء عظيما فأشبه ما مآله ملائم،أو لعدم
القدرة على الانتقال عنه إلى غيره مع تجنب الجزع والضجر...). فالصبر
يثبت المسلم على العقيدة الصحيحة وهو كنز من كنوز الجنة،وفيه أيضا
النصر في جميع الأحوال وتيسير العسر والرحمة والمغفرة،وزيادة أجر
الصابر بغير حساب قال تعالى(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)
وقوله أيضا (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا). وأخيرا اعلم أخي
المسلم أن كل ما يصيب العباد من المصائب والمحن بتقدير من العلىّ
القدير،فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطئه لم يكن ليصيبه،وقد
لقنّ نبي الهدى صلي الله عليه وسلم أصحابه الكلمات النافعة والمواعظ
الهادفة تقيهم من الخوف والجزع فقد أخرج الإمام أحمد (ت241هـ) من
طريق ابن عباس (ت68هـ) أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال له (يا
غلام،ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن،قال:بلى،فقال:احفظ الله يحفظك،احفظ
الله تجده أمامك،تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة،وإذا سألت فاسأل
الله،وإذا استعنت فاستعن بالله،قد جف القلم بما هو كائن،فلو أن الخلق
كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا
عليه،وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه،واعلم
أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا،وان النصر مع الصبر،وان الفرج
مع الكرب،وان مع العسر يسرا). فعليك أخي المسلم بالصبر في جميع الأمور
ظواهرها وبواطنها،ولا تتجرأ على الخوف والجزع فسنة البارئ ماضية
فيك فأمرك قضاه بقلمه الباقي،اللهم إنا نسألك الصبر والعافية،هذا
وبالله التوفيق والسداد.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي
أعلى
عمرك في يومك ! (2)
يذكر الله تعالى موقفين للإنسان يندم فيهما
على ضياع وقته حيث لا ينفع الندم: أولهما: ساعة الاحتضار, حين يستدبر
الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة ويتمنى لو منح مهلة من الزمن ليصلح
ما أفسد ويتدارك ما فات: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم
ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا
مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى
أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين). ويكون الجواب على هذه الأمنية:
(ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون). ثانيهما:
في الآخرة, حيث توفى كل نفس ما عملت وتجزى بما كسبت, ويدخل أهل الجنة
الجنة, وأهل النار النار, هنالك يتمنى أهل النار لو يعودون مرة أخرى
إلى الحياة ليبدؤوا من جديد عملا صالحا. وإذا عرفنا ذلك يا معشر
المسلمين, فلنحرص على الاستفادة الكاملة من الوقت, فإن إضاعة الوقت
علامة من علامات المقت, وما أحسن ما قاله الحسن البصري: أدركت أقواما
كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم, فلنحرص
على الوقت ولنحافظ عليه ولنستفيد منه كله فيما ينفعنا في الدين والدنيا
وفيما يعود على الأمة بالخير والسعادة والنماء الروحي والمادي. فعندما
تفكر في تمضية وقتك , فكر بما يعود عليك بالنفع في آخرتك لأن معظم
وقتك ذاهب بالحسبة السابقة!!
فإن أردت ركوب السيارة للتنقل فقل دعاء الركوب لكي لا تحرم الأجر
عَن أبي إِسْحَاقَ عَن عليِّ بنِ ربيعةَ قَالَ: شَهِدْتُ عليَّاً
أتى بدابَّةٍ ليركَبَهَا فلمَّا وضَعَ رِجْلهُ في الرِّكابِ قَالَ:
بسمِ اللَّهِ, فلمَّا استوى عَلَى ظهرِهَا قَالَ الحمدُ للَّهِ.
ثُمَّ قَالَ: (سُبحانَ الَّذِي سخَّرَ لنَا هَذَا وما كُنَا لهُ
مُقْرِنين. وإنَّا إلى ربِّنَا لمُنْقَلِبونَ) ثُمَّ قَالَ: الحمدُ
للهِ ثلاثاً اللَّهُ أكبرُ ثلاثاً سُبحانكَ إنِّي قَدْ ظَلمتُ نفسي
فاغفرْ لي فإنَّهُ لا يَغفرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ ثُمَّ ضَحِكَ. فقُلتُ
مِنْ أيِّ شيءٍ ضَحِكْتَ يا أميرَ المؤمنين؟ قَالَ رأيتُ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليْهِ وسَلَّم صنَعَ كمَا صَنَعْتُ ثُمَّ
ضحكَ فقلتُ منْ أيِّ شيءٍ ضَحِكْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ إنَّ
ربَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عبدِهِ إذا قَالَ ربِّ اغفِر لي ذُنُوبي
إنَّهُ لا يغفِرُ الذُّنوبَ غَيْرُكَ وجدد نيتك وحرك شفتيك بذكر
الله وتذكر (عَن جُويريَّةَ بنتِ الحارثِ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مرَّ عليها وهي في مسجدها, ثُمَّ مرَّ
النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بها قريباً من نصفِ النَّهارِ
فقَالَ لهَا ما زِلتِ على حالكِ؟ قَالَتْ نعمْ, فقَالَ ألا أُعلِّمكِ
كلماتٍ تقولينها: سُبْحَانَ اللَّهِ عددَ خلقهِ, سُبْحَانَ اللَّهِ
عدد خلقهِ, سُبْحَان اللَّهِ عدد خلقهِ, سُبْحَانَ اللَّهِ رضى نفسهِ,
سُبْحَان اللَّهِ رضى نفسهِ, سُبْحَانَ اللَّهِ رضى نفسهِ, سُبْحَانَ
اللَّهِ زِنَةَ عرشهِ, سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عرشهِ, سُبْحَانَ
اللَّهِ زِنَةَ عرشهِ, سُبْحَانَ اللَّهِ مدادَ كلماتهِ, سُبْحَانَ
اللَّهِ مدادَ كلماتهِ, سُبْحَانَ اللَّهِ مدادَ كلماتهِ)، أو شغل
المسجل بالقرآن أو المحاضرة لكي لا تحرم الأجر ولا يضيع الوقت ,
وبهذا تكون أضفت لصحيفة حسناتك ساعتين يومياً أي بما يعادل 6 سنوات
من إجمالي عمرك. إذا أردت النوم فاذكر دعاء النوم قال النبي صلى
الله عليه وسلم: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره,
فإنه لا يدري ما خلفه عليه, ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه,
إن أمسكت نفسي فارحمها, وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)
واحتسب نومتك لقيام الليل وللتقوى على الطاعة لكي لا تحرم الأجر
ولا تضيع الوقت فعن أبي بردة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن, قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف,
قال: واليمن مخلافان, ثم قال: (يسرا ولا تعسرا, وبشرا ولا تنفرا).
فانطلق كل واحد منهما إلى عمله, وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه
وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا فسلم عليه, فسار معاذ في أرضه
قريبا من صاحبه أبي موسى, فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه, وإذا
هو جالس, وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه,
فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أيم هذا؟ قال: هذا الرجل كفر بعد
إسلامه, قال: لا أنزل حتى يقتل, قال: إنما جيء به لذلك فانزل, قال:
ما أنزل حتى يقتل, فأمر به فقتل, ثم نزل فقال: يا عبد الله, كيف
تقرأ القرآن؟ قال أتفوقه تفوقا, قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال:
أنام أول الليل, فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم, فأقرأ ما كتب الله
لي, فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وعن أبي الدرداء يبلغ به النبي
صلى الله عليه وسلم قال: من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من
الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه
من ربه عز . وتذكر أيضاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم (وفي بضع
أحدكم صدقة). قالوا: يا رسول الله ! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له
فيها أجر ؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟
فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا) وبهذا تكون أضفت لصحيفة
حسناتك 7 ساعات يومياً أي بما يعادل 21 سنة من إجمالي عمرك !! إن
أردت الذهاب للمسجد فتذكر بأن (وما من عبد مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء
ثم يمشي إلى صلاة إلا كتب الله عز وجل له بكل خطوة يخطوها حسنة أو
يرفع له بها درجة أو يكفر عنه بها خطيئة) فجدد نيتك واكسب الأجر.
إذا جلست مع الأصحاب فتذكر... عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه
وسلم; (أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى. فأرصد الله له, على مدرجته,
ملكا. فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية.
قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا, غير أني أحببته في الله
عز وجل, قال: فإني رسول الله إليك, بأن الله قد أحبك كما أحببته
فيه) فاعقد النية وأخلصها فالأجر عظيم والجزاء جزيل , والمنة لله
وحده. وأيضاً لا تنس (ما جلسَ قومٌ مجلساً لم يذكرُوا اللَّهَ فيهِ
ولمْ يُصلُّوا عَلَى نبيِّهِم إلاّ كَانَ عليهم تِرَةً فإنْ شاءَ
عذَّبهمْ وإنْ شاءَ غفرَ لهمْ). ولا تنس أخي كفارة المجلس (سبحانك
اللهم وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت, أستغفرك وأتوب إليك). وتذكر
(إذا أردت الذهاب للحمام فتذكر ألا تسرف في استعمال الماء امتثالاً
لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم , وعند الوضوء فجدد النية باتباعك
لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال لأمر الله , وتذكر عن أبي
هريرة; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأ العبد المسلم
(أو المؤمن) فغسل وجهه, خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع
الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة
كان بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل رجليه
خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) حتى يخرج
نقيا من الذنوب واستشعر ذلك الفضل. وتذكر أيضاً لكي لا يفوتك الأجر
قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ (أو
فيسبغ) الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله
ورسوله, إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية, يدخل من أيها شاء). الله
أكبر عمل خفيف وأجر كبير ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
إن أمر تجديد النية وإخلاصها عظيم , فعلى المرء أن يضع ذلك نصب عينيه
فقد لا يستغرق ذلك منك إلا ثواني معدودة تأتي بحسنات كالجبال !!
وتجديد النية وإخلاصها يضيف إلى صحيفة أعمالك من الحسنات ما لا يعلمها
إلا الله , وهي ليست بالأمر السهل , وتحتاج العزيمة والإرادة القوية
بعد توفيق الله , ومن السلف من كان يعالج نيته , قال الفضل بن زياد
سألت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد بن حنبل عن النية في العمل,
قلت كيف النية: قال يعالج نفسه, إذا أراد عملاً لا يريد به الناس.
قال ابن القيم رحمه الله: فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها, وإنما
تتفاضل بتفاضل ما في القلوب, فتكون صورة العملين واحدة, وبينهما
من التفاضل كما بين السماء والأرض.
ولأهمية أمر النية اقرأ حديث أبي كبشة عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو
يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم أن لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل,
وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً, فهو صادق النية فيقول: لو
أن لي مالاً لعملت بعمل فلان, فهو بنيته, فأجرهما سواء, وعبد رزقه
الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يتخبط في ماله بغير علم, لا يتقي
فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم فيه لله حقاً, فهذا بأخبث المنازل,
وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً وهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت
فيه بعمل فلان, فهو بنيته, فوزرهما سواء). وكذلك الحديث: (من سأل
الله الشهادة بصدق نية بلّغَه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه).
أرأيت ما الذي عملته النية!! قال الغزالي رحمه الله : (فمهما كان
قصده بطلب المال مثلاً التعفف عن السؤال ورعاية ستر المروءة على
الأهل والعيال والتصدق بما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه
النية من أعمال الآخرة). وأخيراً , إن الموضوع طويل , والهمة قد
قصرت والله المستعان هذا وأسأل الله أن يعيننا على الإخلاص في القول
والعمل , وأن يعيننا على تجديد النية في أعمالنا وألا يحرمنا وإياكم
من الأجر .
سيف بن عبدالله الناعبي
أعلى
أثر الإيمان في المجتمع
يقول الله جل شأنه في محكم التنزيل: (يا أيها
الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون,وجاهدوا
في الله حق جهاده ,هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة
أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا
عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا
بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير). إخواني وأخواتي الأعزاء:
ما أروع هذا النداء الإلهي الذي يوجهه الله إلى عباده المؤمنين الذين
يحبهم ويحبونه,فوصفهم بالإيمان الذي هو أجل نعم الله على عباده المؤمنين,وهل
من شك في أن العقيدة الصحيحة تتيح لصاحبها العزة والقوة في الحياة
الدنيا والنعيم المقيم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. فإذا أردنا
أن نكون مجتمعا إسلاميا سليما فعلينا أن نرجع إلى ديننا الحنيف وإلى
كتاب ربنا فالله جل شأنه قد بين لنا في آيتين كريمتين عناصر بناء
المجتمع الإسلامي,هاتان الآيتان الكريمتان من كتاب الله نجد في رحابهما
الخير الكثير والدعائم الفاضلة,وأن الحق تبارك وتعالى يبين لنا في
هاتين الآيتين ما يجعل المؤمن سليما قويا متينا,هذه العناصر خلاصتها
في الآتي,إيمان بالله,آداء لفريضة الصلاة,عبادة للخالق,فعل الخير,جهاد
في سبيل الله,اعتصام بالدين.. وهذه العناصرهي التي قام بها حبيبنا
محمد صلىالله عليه وسلم,وعلى أساسها كون الرسول صلى الله عليه وسلم
المجتمع الإسلامي الأول واستطاع صلى الله عليه وسلم أن يبني الدولة
الإسلامية وأن يوحد الصفوف وأن يجمع الملايين وأن يجعل أمته كالبنيان
يشد بعضه بعضا,فحولهم من الجهل إلى العلم,ومن الضعف إلى القوة,ومن
التفرق والتقاتل إلى الأخوة والتعاون,ومن القسوة إلى الرحمة. وكونوا
في فترة وجيزة دولة إسلامية قوية الجانب,موفورة الكرامة,وحينما نقف
وقفة يسيرة في جانب واحد من جوانب الرسول صلى الله عليه وسلم,فإننا
نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة ضد الكفر
نجده يركز على العقيدة,ويركز على الإيمان بالله تعالى,لأن الإيمان
بالله تعالى إذا نما في قلب إنسان أصبح هذا الإنسان قويا في عقيدته,قويا
في إرادته,قويا في كل شيء,فإن من آمن بالله وآمن بشريعته ورسله وآمن
أنه مبعوث ليوم عظيم يحاسب فيه على عمله,إن من آمن بكل ذلك لا يكون
إلا فردا صالحا في مجتمعه,نافعا لنفسه وللناس,محافظا على حقوق العباد,ومن
خلا قلبه من الإيمان كان قاسيا حائرا أنانيا, وصدق الله إذ يقول:
(ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم). إخوتي وأخواتي في
الله: الإيمان يوضحه الرسول صلى الله عليه وسلم,فيقول حينما سئل
عن الإيمان فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن
باليوم الآخر وتؤمن بالقضاء خيره وشره حلوه ومره), والإيمان لا يشمل
جوانب العقيدة فقط,وإنما يشمل الإيمان الأخلاق والسلوك والمعاملات...
ومن هنا نجد روعة الإسلام يعيش مع الحياة,ولذلك نجد القرآن الكريم
يقول: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون
الجنة).. والمجتمع الذي يستقيم أفراده بهدي الدين,ويتعاونون على
البر والتقوى,تتوفر له أسباب النجاح والأمن,وتحقيق الأهداف السليمة
العادلة,وقد وعدنا الله جلت قدرته بذلك إذ قال في كتابه العزيز:
(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض
كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم
من بعد خوفهم أمنا).. فنحن في مجتمعنا حين نتواصى باتباع مبادئ الدين,والحرص
على قيمه الفاضلة,وحين ننفذ ما عهدنا الله عليه,يحقق لنا أهدافنا
في إعادة بناء الحياة على أرضنا على مبادئ الحرية والكرامة والعزة,قال
تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين). ويبين لنا القرآن الكريم
اثر الإيمان في المجتمع,فيقول الله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا
واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض), هذا هو الإيمان بالنسبة
للفرد والمجتمع,وبالإيمان نستطيع أن نحقق المعجزات,قال تعالى: (والذين
جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين), (ربنا إننا
سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا
ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار). أيها القراء الأكارم:
إن القلب متى عمر بالإيمان تحول إلى طاقة من القوة لا تصدها الجبال,ولا
تقهرها الرجال,ولا تمنعها الأهوال,لقد تربى المؤمنون الأولون على
أخلاق الإسلام,فكانت قلوبهم نظيفة,وايديهم طاهرة,ووجوههم مشرقة بنور
الإيمان,فلما فتحت لهم البلاد,وخضعت لهم العباد,لم يأخذهم الغرور,ولم
تلههم الدنيا عن الآخرة,فأحسنوا القيادة,وسهروا لمصلحة الرعية,وكانوا
نجوما ساطعة في تاريخ البشرية,فاللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في
قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين برحمتك
يا أرحم الراحمين.
علي بن عوض الشيباني
أعلى
هيا نؤمن (9)
حب الرسول (6)
مظاهر الأدب معه:
ومن مظاهر الادب مع رسول الله :
1- طاعته واقتفاء اثره وترسم خطاه دنيا واخرى قال ذو النون المصري
(من علامات المحبة لله متابعة حبيبه صلى الله عليه وسلم في اخلاقه
وافعاله واوامره وسنته) قال الحسن البصري : كانت علامة حبهم اياه
اتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وكانوا يقيسون منزلة المؤمن باتباعه رسول الله وتطبيقه للسنة.
2- ان لا يقدم على حب النبي أي مخلوق كائنا من كان لا ولد ولا مال
ولا نسب ولا وظيفة مستعد ان يضحي بكل ذلك انتصارا لرسول الله.
3- موالاة من يوالي من الصالحين ومن امر بحبهم وكره من يكرهه والرضا
بما يرضى والغضب لما يغضب وتأمل في المواقف السابقة تجد ما يبرهن
ذلك من حياة الصفوة.
4- اجلال اسمه وتوقيره عند ذكره والصلاة عليه وتقدير شمائله وفضائله.
5- تصديقه بما اخبر حتى في الغيبيات.
6- حب الصالحين لحبه لهم وبغض المنافقين.
الصلاة على النبي:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى علي صلاة واحدة صلى الله
عليه عشرا وقال: من ذكرت عنده فليصل علي ومن صلى علي مرة واحدة صلى
الله عليه بها عشرا ويقول : البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ويقول
: ان اولى الناس بي يوم القيامة اكثرهم علي صلاة.
والرسول يعرف من يصلي ويذكره يقول : إن لله ملائكة سياحين يبلغوني
عن امتي السلام.
وحين سأل بنو اسرائيل موسى : هل يصلي ربك ؟ ناداه ربه : يا موسى
سألوك هل يصلي ربك ؟ فقل نعم انا اصلي وملائكتي على انبيائي ورسلي.
(ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه
وسلموا تسليما).
والصلوات الخمس لا تقبل الا بالصلاة على الرسول وذلك لان في الصلاة
على الرسول :
1- امتثالا لامر الله في كتابه حيث قال (يا أيها الذين آمنوا صلوا
عليه وسلموا تسليما).
2- لان في الصلاة عليه تمجيدا له.
3- لان في الصلاة عليه اجرا للمصلي ذكرناه في احاديث سابقة صلى الله
عليك وسلم يا رسول الله.
لحظة محاسبة:
هل تحب رسول الله ؟!
قف مع نفسك اسألها:
- هل انا صادق في دعوى حبي لرسول الله؟
- هل محبته لها قيمة مؤثرة في حياتي؟
- هل علامات محبته متحققة في؟
- ما موقفي من اسمه وذكره وسنته؟
- كم حديث احفظ له؟
- بماذا اشعر حين يذكر اسمه؟
- هل احافظ على سنته واذكاره؟
- هل علمت اهلي حبه وآل بيته؟
- كما اخصص من يومي لذكره وتتبع سيرته؟
- هل تطيعه في كل ما امر يقول رسول الله (كل امتي يدخلون الجنة الا
من ابى قالوا : ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال من اطاعني دخل الجنة
ومن عصاني فقد ابى).
- اخي هل تغار على رسول الله فمن المعلوم ان المحب يغار على محبوبه.
ماذا فعلنا حين خرج اليهود بعد استيلائهم على القدس عام 1967 بشعار
محمد مات خلف بنات.
ماذا فعلنا حين قال جيري فالويل (محمد كان ارهابيا ولصا وقاطع طريق)
وحين قال بات روبرتسون (كان متطرفا ذا عيون متوحشة مجنونة) وحين
قال جيمي سوجارت (كان شاذا جنسيا ضالا عن طريق الصواب)
آه لو كان ذلك على عهد الاسلام الصادق لكان لهؤلاء شأن اخر.
فكيف تكون دعوانا صادقة في حبه وحياتنا عصيان لسيرته وتمرد على شريعته
وخروج عن ادابه واخلاقه ما لنا نترنم بسيرته ومناقبه ونشدو بشمائله
ونشغل بها صحفنا وألستنا حتى اذا خرجنا الى الحياة والواقع والاسواق
والبيوت والعمل تركنا ذلك لمصالحنا وقدمنا حياتنا على حياته فهل
هذا شأن محب.
انظر لاهلك كم يتابعون التلفاز وسير واخبار النجوم والفنانين ويقدسون
السياسيين ولا يعرفون عشرة من اصحابه ولا اثار سيرته ومن احب احدا
احب من يحب وكره من يكره.
كيف نربي اولادنا على حبه:
لقد علم الرسول ابناء صحابته محبته حتى احبوه حبا ملأ عليهم افئدتهم
اعظم من حبهم لانفسهم فنجدهم يتسابقون على خدمته كأنس وابن عباس
مرتبطين بشخصه ويحب آل بيته كما كان يعلمهم القرآن ويحثهم على ذلك
قائلا : ادبوا اولادكم على ثلاث خصال : حب نبيكم وحب آل بيته وتلاوة
القرآن.
كما ربطهم بشخصه الكريم فالطفل من طبيعته التعلق بشخصه مثالية فان
لم تتعلق بالرسول هل يتعلق بشخصيات تلفازية واخبارية وسياسية ما
اجدر ان نعلم اولادنا محبة رسول الله قل له : حب رسول الله كرر عليه
ذلك.
يقول سعد بن ابي وقاص : كنا نعلم اولادنا مغازي رسول النبي عليه
الصلاة والسلام كما نعلمهم السورة من القرآن يقول الغزالي : الصبي
امانة في عنق والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة فان عوده الخير وعلمه
نشأ عليه وسعد في الدنيا والاخرة وان عود الشر واهمل اهمال البهائم
شقي واشقى وهلك واهلك.
ومن اهم الطرق التي توصلك الى تعليم ابنك محبة رسول الله وهو واجب
عليك:
1- قص عليه قصص اطفال الصحابة وقتالهم من يؤذيه وسرعة استجابتهم
لندائه وأوامره كقصة الزبير وعمره اثنا عشر عاما حين سمع ان قريشا
قتلت رسول الله فذهب ليقاتلهم بسيفه ومحاولة عمير بن ابي وقاص الخروج
للقتال وهو صبي.
2- حفظه ما تيسر من احاديث رسول الله وكافئه على حفظها كان الامام
مالك له ابنة حفظها الموطأ حتى كانت تصلح وتعدل لما يقرأ بعد ذلك
وكان النضر بن الحارث يعطي ابنه على كل حديث يحفظه درهما مع عوزه
وحاجته.
3- اشرح له سيرة الرسول ومغازيه وحمسه بأفعاله فقد كانت ترجمانا
للقرآن عاطفة ومعنى ففي طياتها تربية عظيمة على الحب والتضحية والجهاد.
4- وضح له مكانته عند الله وعناية الله به في حوادث ولادته صلى الله
عليه وسلم والاسراء والمعراج وغير ذلك.
سالم البوسعيدي
ادم
أعلى