كل سبت ..
مخالب الياسمين !!
- مدخل :
تجارة العواطف تمثل بطريقة او بأخرى تجارة بيع الضمير الملتزم ذي
الرأفة الإنسانية ذي الصبغة الطفولية ذي النظرة الحيادية البعيدة
عن انانية الذات .
بقدر ما شوّهت الاغاني الحديثة - الهابطة - سيرة الطرب القديم والحديث
بقدر ما أسهمت في تهبيط المستوى الذائقي العام للجمهور .. بقدر ما
صنعت عبثية اللا مبالاه في ذات البعض حينما اصبحت الياسمينة سلعة
الجذب لتجميل الفن الحديث الذين يدعونه بقدر ما يحاول الكثيروووووون
تطبيق هذه المعادلة في الحياة العاطفية الى ان اصبح النموذج المثالي
في الحب ضمن مجموعة هزلية للبيع في سوق - الخيانة - غير المقصوده
على حد قول بعض الشهود !!
بقدر ما جسدت معاناة الحب في الادب العربي والتي قرأناها بقدر ما
شوه الكثيرون معنى هذا الحب في الوقت الراهن !!
شاهد ضمير في هلوسة بدت لحد الجنون ( الحب هو الحياة ، البكاء ،
الفرح ، التضحية ، المعاناة ، الوصل .. الوصل .. الوصل ..الوصصصصـ
........ ل ) !!
هذا الشاهد الذي بكى بعد تلك الهلوسة يبدو انه جرب كل معاناة الحب
وعناصره والملاحظ انه يدخل في مرحلة التحدي من العنصر الذي ظل يكرره
حتى نهاية حديثه وهو الوصل .. !!
- الحب :
منذ البداية ارتبط تفسير أشكال الحب بالتوجهات
الفلسفية والآراء التي كانت سائدة حوله في مختلف الحضارات ،فكان
لدى اليونانيين القدماء نمط من الحب يعرفونه باسم (إيروس)، وهو الحب
الجسدي !! بينما يفسر أفلاطون هذه العاطفة من وجهة نظر فلسفية وينقلها
إلى الجانب الروحي ، أما سقراط فإنه يرى الحب على أنه جني عظيم أو
روح كبير يحتل منزلة وسطى بين الآلهة والبشر، فهو ليس خالدا ولا
فانيا، وهو ليس حكيما ولا جاهلا.
وعرف الغرب أيضا الحب العذري الذي تطور ضمن الشعر الغنائي والشعر
التروبادوري، وكان في بعض الأحيان حبا مفتعلا لم يكن الهدف منه سوى
إرضاء الحاجة الأدبية المعروفة بينما عرف البعض ان الحب عبارة عن
ظاهرة انسانية وعاطفة طرفاها رجل وامرأه تتوسع نظرته إلى اكبر مما
تعنيه هذه الكلمة.. والحب هو التضحية .. والتضحية تجمع بمعناها كل
عناصر الحب الأخرى واعتقد ان غابت التضحية اساسا فلن تتحقق العناصر
الحقيقية للحب وان غابت التضحية تقع كلمة حب بين قوسين مغلقين محاطين
بعلامات استفهام وتعجب ؟!
و الحب عند العرب قديما عاطفة تقوم على ميل القلب،ميل يتنفس في اللقاء
العف والتأمل في حركة النفس ولم تكن الامور الشهوانية جزءا من مفهوم
الحب بل على العكس كانوا يعتقدون ان الزواج يفسد الحب ويلغيه !!
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :( الأرواح جنود مجندة ، ما تعارف
منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ).
قال الأصمعي : سألت أعرابية عن العشق فقالت: جل والله عن ان يرى
، وخفى عن ابصار الورى ،فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر
، ان قدحته اورى ، وان تركته توارى.
وسأل المأمون ثمامة عن العشق فقال: العشق جليس ممتع وأليف مؤنس ،
مسالكه لطيفه ، مذاهبه غامضه واحكامه جائرة ، ملك الأبدان وارواحها
والقلوب وخواطرها والعيون ونواظرها والعقول وآراءها اعطى عنان طاعتها
، وقود تصرفها ،توارى عن الابصار مدخله وعمى في القلوب مسلكه.
- الخيانة :
منذ ان عرفنا الياسمينة وهي نبات عطري، يأخذ
في التدويح أكثر مما يأخذ في الارتفاع .. منذ ان عرفناه بستانيا
وبريا يتخذ في البساتين والدور معروف مشهور عند المؤرخين، وعند العامة
وتعتبر منطقة غراس في فرنسا، أكبر مركز أوروبي لإنتاج روح الياسمين
الذي يعد من ألذ أنواع العطور النباتية. وفي حقل الطب النباتي يعتبر
نقيع أزهار الياسمين مهدئًا، وعلاجًا فعالا لأوجاع الرأس .. !!
ومنذ ان قرأنا عن عشق قيس وليلى وعنترة وعبلة وتلك العلاقة الوطيدة
بين ثنائي يسكنه حب صوره لنا ادبنا العربي بحقيقته اللا مبالغة ..
وبين مواصفات الياسمينة التي عرفناها .. هل يخيّل ان نرى مخالب للياسمين
!!
( شاهد - عيّان - ) اصبح يبحث عن ياسمينته ولم يجد سوى مخالبها تدوس
على قلبه المنتظر للوصل .. ذاك الوجع الذي ملأ رأسه لم يكن الا من
تداويه بياسمينة يتداوى منها غيره .. في الوقت الذي اعلن الحقل الطبي
ان نقيعها مهدئا وعلاجا فعالا لأوجاع الرأس .. وبدأ يهذي : المتنبي
في هذيانه .. :
تقـولينَ مـا فـي النـاس مِثلَـكَ عاشِقٌ
جِـدِي مِثـلَ مَـنْ أَحبَبتُـهُ تَجِدِي مِثلي
هذيان .. العاشق .. آآآآآهٍ يا متنبي :
لَيــالِيَّ بَعــدَ الظــاعِنِينَ شُــكُولُ
طِــوالٌ ولَيــلُ العاشِــقِينَ طَـوِيلُ
ُبِــنَّ لِــيَ البَـدرَ الـذي لا أُرِيـدُهُ
ويُخــفِينَ بَــدراً مــا إليـهِ سَـبِيلُ
وَمـا عشـتُ مِـن بَعـدِ الأَحِبّـةِ سلوةً
ولكـــنني لِلنائِبـــاتِ حَـــمُولُ
وإِن رَحــيلاً واحِــداً حــالَ بَينَنـا
وفـي المَـوتِ مـن بَعـدِ الرَحيلِ رَحِيلُ
إذا كــانَ شَـمُّ الـرَّوح أَدنـى إلَيكُـمُ
فَــلا بَرِحَــتني رَوضــةٌ وقَبُـولُ
ومــا شــرَقي بالمــاءِ إلا تَذَكُّـراً
لِمــاءٍ بِــهِ أهـلُ الحَـبِيبِ نُـزُولُ
فهل اصبحت يا ترى تجارة المشاعر جزءا من بيع
ضمير الانسان يبتدي بالمدخل وينتهي بالخيانة ؟!
فيصل العلوي
fai79@hotmail.com
أعلى
أصداف
قصة الأسلحة الحالية في العراق
(3 ـ 3)
حصل أول متغير في موقف القوات الأميركية من الأسلحة العراقية، بعد
عدة أسابيع، وربما أدركت الخطأ الفادح الذي وقعت فيه، إذ أصدرت سلطات
الاحتلال بيانات لتسليم الأسلحة في موعد الخامس عشر من مايو عام 2003،
وحددت مراكز التسليم والآلية التي يتم فيها ذلك، إلا أن الذي حصل،
كان مفاجئاً، إذ امتنع العراقيون عن تسليم أسلحتهم، إلا القلة النادرة،
وقيل أن الأسلحة التي سُلمت كانت غير فاعلة.
الذي حصل بعد ذلك، أن ممارسات العنف، التي بدأت تمارسها القوات الأميركية
ضد العراقيين، سارعت بتغيير خطط البعض من الذين استولوا على الأسلحة
بهدف الاتجار بها، فبدأوا يتخلصون منها، ولأن عملية أبعادها ليست بالسهلة،
وسط التواجد الكثيف للقوات الأميركية ودورياتها المنتشرة في كل مكان.
هنا أخذت الأسلحة تتسرب إلى من يريد الاحتفاظ بها لأهداف واضحة، بعد
أن أصبح الاتجار بالأسلحة مهمة محفوفة بالكثير من المخاطر.
من خلال ذلك، يتضح أن تهريب الأسلحة إلى خارج العراق لم يكن بالأمر
الهين، كما أن نسبة ما عثرت عليه القوات الأميركية من الأسلحة، وما
تم الإعلان عنها، قياساً بكميات الأسلحة، تبقى نسبة ضئيلة، وهذا يعني
أن الكميات الهائلة من الأسلحة بقيت في داخل العراق، وإذا أردنا أن
نجري مقارنة لمجموع ما تعرضت له القوات الأميركية والقوات الأخرى،
من هجمات مختلفة، قياساً بما كان متوفراً من أسلحة في المخازن العراقية،
سنكتشف أن ما تم استهلاكه من تلك الأسلحة، لا يمثل إلا نسبة ضئيلة
جداً.
أردت بهذه المعلومات، التي أوردتها ضمن سياق قصة الأسلحة العراقية،
أن أقول لجميع الأطراف، أن الحديث عن أسلحة تأتي من الخارج، قد يكون
مبالغاً به، وربما لم يحصل ذلك على الإطلاق، وأن الذين يرون أن الحل
الصحيح في العراق، هو طريق العنف، إنما يركبون الموجه الخطأ، الأمر
الذي قد يقذف بنا في صخب أمواج مدمرة.
نحن لا نريد أن ندخل في تحليل الدوافع الأميركية وراء نشر هذه الكميات
من الأسلحة بين العراقيين، لكن علينا كعراقيين، أن نفكر ونعمل ونخطط
بروح وطنية صادقة، لكي لا ينجح أحد أو طرف في دفعنا بالاتجاه الخطأ.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

نافذة من موسكو
الاتهام بالخداع
بعد وقوع كارثتي الطائرتين الروسيتين توبولوف
134 و154 والتي راح ضحيتهما 89 شخصا ، شرعت وسائل الإعلام الغربية
والروسية تتهم الكرملين بالكذب والخداع بسبب تعمده إخفاء حقيقة ما
حدث. ويجمع الكثير من هذه الوسائل الإعلامية على أن تحطم الطائرتين
في آن واحد تقريبا ليس من قبيل المصادفة ، وشددت على أن العمل الإرهابي
المتعمد يقف وراء هاتين الحادثتين . كما أنه يوجد إجماع بأن الكرملين
تعمد الصمت لإنقاذ سمعة الرئيس بوتين عشية الانتخابات الرئاسية في
الشيشان . فصحيفة الغارديان البريطانية تشير إلى أن الكرملين يواجه
امتعاضا متزايدا من قبل الرأي العام الروسي لأنه يرفض الاعتراف بالعمل
الإرهابي كسبب لتحطم الطائرتين . أما صحيفة DIE WELT الألمانية فتفترض
أن السلطات الروسية سوف تعترف بتحطم الطائرتين نتيجة لعمل متعمد
بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية في الشيشان والتي تعتبر هامة للغاية
بالنسبة لخطة بوتين السياسية في هذه الجمهورية المتمردة. وقد صدرت
صحيفة نيزافيسيمايا غازيتا الروسية تحت عنوان كبير في صفحتها الأولى
يقول الحادي عشر من سبتمبر الروسي في إشارة واضحة إلى أن ما حدث
هو من قبيل الأعمال الإرهابية . وفي نفس الوقت كتبت الصحيفة الروسية
كوميرسانت ديلي تقول : على ما يبدو أن السلطة لا ترغب في الاعتراف
بحقيقة قدرة المقاتلين الشيشان على القيام بمثل هذا العمل قبل انتهاء
الانتخابات في جمهورية الشيشان. وانتقدت وسائل الإعلام الروسية بشدة
جهاز الأمن الفيدرالي الذي تسرع ، في رأيها، ونفى وجود أدلة على
عملية إرهابية تقف وراء كارثة الطائرتين. وفي مقابلة مع إذاعة صدى
موسكو أكد خبير المتفجرات أدولف ميشويف وجود متفجرات على متن الطائرتين.
وأشار إلى أنه يجب الانتظار حتى نهاية الأسبوع ( أي بعد انتهاء انتخابات
الشيشان ) وستتضح الأمور تماما . وعلى ما يبدو أن فرضية العمل الإرهابي
بدأت تنال الترجيح الأكبر مقارنة بفرضيتي الخطأ البشري أو الخلل
التقني . فقد تسربت معلومات من لجنة التحقيق أمس الجمعة بالعثور
على أثار لمواد متفجرة على متن الطائرة توبولوف 154 التي سقطت فوق
روستوف . كما تسربت معلومات بأن امرأتين شيشانيتين كانتا على متن
إحدى الطائرتين ولم يطلب أحد من عائلتيهما حتى اللحظة التعرف عليهما.
وإذا صدقت فرضية العمل الإرهابي ، حسب الكثير من المراقبين ، فإن
هذا سيعني أن روسيا قد دخلت دائرة الاستهداف المباشر مثلها في ذلك
مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى . وعلى كل حال سواء
ثبتت صحة فرضية العمل الإرهابي ، أو وجود عوامل أخرى غير إرهابية
وراء تحطم الطائرتين ، فمن الواضح تماما إخفاق أجهزة الأمن الروسية
في ضمان أمن الطائرات ، وهي مهمة صعبة للغاية في حقيقة الأمر لم
تقدر عليها الولايات المتحدة الأميركية أقوى دولة في العالم .
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى

باختصار
انتهت .. ولم تنته !
نجح آية الله علي السيستاني في اختيار اللحظتين : لحظة الضعف والخسارة
لدى مقتدى الصدر وفريقه ، ولحظة الاستئساد لدى القوات العراقية ومن
معها ، وقرر او هكذا اتفق ان يخرج الاتفاق على انقاض الطرفين كي
لايكون هنالك رابح وخاسر او حسب الطريقة اللبنانية ان لايكون هنالك
غالب ومغلوب لان المهم هو التعادل في النقاط العسكرية من اجل التعادل
في التسوية مستقبلا .
يظهر الاتفاق الاخير في النجف وكأن المسألة انتهت ، الا ان الواقع
يحمل في طياته نذرا عديدة لان الاطراف المتقاتلة مازالت على سلاحها
وما زال بينها عدم تجانس او ترابط او وفاق ، لان هنالك فرقا بين
الاتفاق والوفاق ، وفي الاصل فان الاتفاق يحصل بين طرفين متباعدين
وليس عليهما ان يتقاربا ان ارادا ذلك الا ان شروط الاتفاق تحكمهما
. فهل يمكن لهذا الامر ان يتحقق في النجف الاشرف ؟
من الواضح ان كل المسميات مازالت على حالها وان الاطراف المتقاتلة
لم تنه دورها ولا هي قبلت بوجود الطرف الاخر ، هنالك تعايش قسري
فرضته الضرورات او ماهو معنون في الربع الساعة الاخير . وسيبقى هذا
التعايش الى ان يحين موعد انفراطه في ظروف لها مقاييسها وحساباتها
، ربما نتشجع الان على البوح بان المعركة التي حصلت في النجف استقرت
على بداية في التجاذبات الايرانية الاميركية او مايمكن تسميته باعطاء
الحوار بين الطرفين مهلة جديدة تكون مضبوطة على ساعة النجف ، وما
قد ينتج عن ذلك الحوار يتقرر في الميدان ، فاما ثبات واما مرحلة
جديدة من القتال تكون عناوينها مختلفة هذه المرة .
قطف السيستاني اذن اتفاقه في اللحظة المناسبة التي يقال انها من
كتابة كاتب سيناريو قدير . وعلى الرغم من المقربين من السيستاني
يقولون بان الاطباء البريطانيين طلبوا من السيستاني المزيد من الراحة
الا انه آثر المجيء الى ساحة المعركة قبل ان تصل الامور الى نقطة
الحسم ، فان آخرين يرون ان وصول السيستاني كان بناء على طلب سريع
من جهات متعددة ان يتحرك في هذا الوقت وان يؤجل البت بمتاعبه الصحية
الى حين انتهاء متاعب المحيط الذي يقطن فيه .
معركة النجف في نسختها الاولى انتهت لكنها مازالت في اطار تحضير
النسخ الاخرى او الاجزاء التابعة .. وعلى اساسها تم تلميع صورة قائد
شاب يمكنه ان يلعب دورا سياسيا هو مقتدى الصدر ، في وقت اعيد فيه
الاعتبار للسيستاني الذي كادت مراحل المعارك الماضية ان تجعله خارج
اللعبة او غير صالح للحسم . وفي المقابل ظهرت حكومة اياد علاوي على
تجانس هندسي في قيادة عملية النجف عسكريا ومن ثم في كسب الرهان السياسي
على اخراج النجف من عهدة المسلحين وفي اعادة السيطرة الميدانية عليها
.
الكل لايربح في النهاية لكن احدا لايخسر بانتظار ماسيكون عليه الحوار
على الجبهة الايرانية الاميركية .
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

حكاياتي
الاطفال والسمنة والألعاب
اصبح اولادنا يعانون من السمنة، لانهم عندما يلعبون فانهم لا يتحركون،
بل اللعب يتطلب منهم الجلوس في مقاعدهم لساعات طويلة جدا، فاللعب
كله أمامهم على شاشة التليفزيون كل اللعب، مسابقات سيارات رياضية
وغير رياضية، الملاكمة والمصارعة، حروب النجوم وحروب الاسلحة، فهي
العاب الكترونية عنيفة جدا مليئة بالعنف والمؤثرات الصوتية كي تستطيع
جذب اللاعب قدر الامكان، وينسى الطفل نفسه، وينساه الاهل، لانه جالس
هادئ في مكانه بدون اي فوضى او عبث او تكسير، وهكذا نجد الكثير من
الاهالي يفضلون توفير هذه الالعاب لاطفالهم، لانها تشغلهم عن العبث
والدوران في البيت والرغبة في معرفة تفاصيل كل شئ والتدخل فيه، وتجد
هذه الالعاب اقبالا من قبل الاولاد والبنات على السواء، ونجد ان
الآباء يشفقون على الابناء فيأتون لهم بالطعام امام الشاشة ويأكل
الطفل بدون شعور او احساس فيأكل جميع ما امامه، ويطلب مياها غازية
كثيرة ليبلع بها الاكل، فلا وقت لديه لمضغ الطعام براحة وهدوء فاللعب
العنيف الذي يشارك به بكافة احاسيسه يمنعه من التمتع بالطعام، وهكذا
يأكل الاطفال وهم امام شاشة اللعب ولا يتحركون وبالتالي يكتسبون
الكيلوغرامات بسرعة شديدة ونلاحظ ان معظم الاطفال والمراهقين المدمنين
للالعاب الالكترونية يعانون السمنة وقلة الحركة، وشغوفون بالجلوس
امام هذه الشاشات لساعات طويلة ويتابعون ما يستجد من ألعاب في هذا
المجال بشغف شديد جدا، وكذلك نلاحظ انهم يعانون الانطواء والعزلة
وعدم القدرة والرغبة بالاختلاط مع الآخرين الذين في اعمارهم ولا
يعيشون حياة اجتماعية عادية، فنادرا ما نرى اقرانا لهؤلاء الاطفال
والمراهقين لانهم لا يعيشون حياة اجتماعية عادية، ولا يمارسون النشاط
الاجتماعي الذي يساعدهم علىا كتساب القدرة على التعامل مع الاخرين
بسهولة ومرونة، وبالتالي يتصفون بالخجل والارتباك امام الغرباء،
ويفضلون العودة بسرعة الى شاشاتهم الفضية كي يشعروا بالراحة، ويتخلصوا
من الارتباك، ومن الصعوبة بمكان ان نساعد هؤلاء على ان يكونوا اجتماعيين
لانهم لم يتعرضوا الى الحياة الاجتماعية الطبيعية، وحرموا منها،
فكل اوقاتهم كانت مشغولة باللعب المنفرد الذي وجدوا فيه اللذة، وبالتالي
لا اقران لهم حتى يعيشوا حياة اجتماعية قد نفرح نحن الاهالي والاسر
ونظن اننا بذلك نوفر لابنائنا ارقى تكنولوجيا في عالم اللعب ونتفاخر
بذلك امام الاخرين، ونتفاخر بان اطفالنا ومراهقينا ايضا يدخلون الى
الانترنت ليصلوا الى هذه الالعاب ويلعبوا بها كما يشاءون فهم متطورون
مع التقنية، وننسى اننا بذلك نحرمهم من حياة طفولة او مراهقة سوية،
واننا نساعدهم على الادمان، ادمان من نوع اخر، وكذلك نعلمهم كيف
يتعلمون المقامرة لان الكثير من هذه الالعاب تعلم المقامرة، وبالتالي
عندما يخسر الطفل او المراهق يتأثر ويتعكر مزاجه وينعكس سوء مزاجه
على الاخرين مثله مثل اي مقامر اخر.
طاهره عبدالخالق
tahira@edu4all.net
أعلى
صباح الورد...
شـــــرف المحاولة
قال لقمان الحكيم : إن الذهب يجرب بالنار ، وإن المؤمن يجرب بالبلاء.
والصبر من شيمة الأقوياء ، والمؤمنين بقضاء الله وقدره ، ونحن أحوج
إلى الصبر منه إلى الشعور بالهزيمة والاستسلام والإحباط ، وحين يصل
الإنسان إلى نقطة يقول فيها ( لماذا أنا من دون الناس ) فهنا يكمن
الضعف.
فجميل ان نبدأ حياتنا من جديد ، ان نمنح أنفسنا شرف المحاولة ، ان
نعطي هذه النفس الحق في ان تسمو وتعلو على عيوبها ، أن نمنحها حق
الحياة بطهارة وشرف ، أن نرسمها كما نتمنى ، وهذا يحتاج إلى قوة
، وإلى ترك ضعفنا ، فحين تختبرنا الحياة ونفشل ونسقط ، علينا ان
نتعلم الوقوف مرة أخرى ، تخبرني صديقة ..إنها تكاد تكتب كل عيوبها
على ورق ،حد ان تلطخ أوراقها ، وإنها تعرف كل زلاتها ، ولكنها تعجز
عن التوقف ، و عن مسح كل ذلك ، لتعيد بجهد يستحق العناء رسم حياتها
بصورة انقى .
لماذا نحن بهذا الضعف ، والقوة تخلف فينا مذاقها الرائع رغم المرارة
الأولى ، ونحن أشد إدراكا أن هذه الحياة حين تقدم المرء ، فإنها
كثيرا ما تختمه بما هو اجمل .
لا أدري لماذا نزحم أنفسنا بالأحزان وأفراح لا تطلب أكثر من عناء
الصبر حتى تشرق في حياتنا؟
لماذا لا نقف مع انفسنا لحظة ونحاسبها بصدق ، حسابا يخرج بنتيجة
ملموسة ، فكثيرا ما تؤذي زلاتنا الآخرين وحتى ان كانت لا تمسهم بصورة
حقيقية ، هناك من نحبهم وقد يصدمهم بصدق ان يعرفوا عدد ذنوبنا ،
إننا بحاجة إلى لحظة كهذه ، لحظة تبدأ فيها حياتنا من جديد ، بصورة
تشرفنا وتمنحنا الراحة النفسية ، فنحنا مهما تجاهلنا نداء الضمير
، ورفعنا أيدينا رافضين أن نسمعه ، فهذا كله لا يعني أبدا أننا نملك
تلك الراحة ، التي بها نستطيع ان نضحك من قلوبنا وننام بهناء .
قد نكره أن نتوقف عن بعض الأمور ونحن ندرك انها بعيدة عن الصواب
، قد نجد صوبة في ذلك ، فكم نوهم انفسنا بصعوبة الكثير ، رغم ان
الأمور تجد طريقها إلى التبسط ، قد نكره ذلك كله وننسى أننا قد نكره
ما هو خيراً لنا ولكننا لا نعلم ، لتعلم الاستفادة من تجارب الحياة
وأقصد مشاكلها تماما ، لاننا بعدها نستطيع ان نميز بحكمة اكثر الاخطاء
التي قد نسلكها ، ومن تلك التجارب ذاتها يمكن ان نتوقع النتيجة التي
، من الممكن جدا أن تكون كفيلة بإيجاد عزيمة التوقف في أنفسنا .
وصباح القلوب الرحيمة .
عبير بنت محمد العموري
أعلى

كل يوم
اصوات الديناصورات !
ما نراه في واقعنا العربي اليوم مؤلم ومحزن،
ويكاد يصل الى حد الكارثة. ذلك ان القوى المعادية للامة العربية
والاسلامية نجحت الى حد بعيد في ترسيخ الاقليمية (لا القطرية) وعزل
الدول العربية بعضها عن بعض، وتحييد دور كل منها في الشأن العربي
العام، لتعود الى (كانتوناتها) تعالج فيها ـ وحدها ـ مشكلاتها الخاصة،
وتلعق جراحها، وتداري همومها الذاتية.
فما يحدث في فلسطين والعراق والسودان وغيرها من اقطار الامة لم يعد
يحرك النفوس ولا المشاعر. واذا حرك نفوس الناس ومشاعرها، فهو لا
يفعل في الانظمة اكثر من فعل سحابة صيف عابرة، لا تلبث ان تنقشع،
بل ان المواطن العربي اعتاد على صور القتل والتدمير وحروب الابادة
الجماعية التي تحدث امام عينيه، كل ساعة، وهو يجد نفسه عاجزا عن
فعل اي شيء، اللهم الا بعض الدعوات الصالحات للشهداء والمصابين،
وبعض الكلمات التي تدين هذا الزمن العربي الرديء الاغبر.
وحين يسأل المواطن العربي: لماذا هذا الصمت العربي؟ لا يجد مجيبا،
واذا هو حول اسئلته الى صرخات كان كمن يصرخ في واد! والامر في غاية
الوضوح والشفافية، فالعجز والوهن وقلة الحيلة هي سيدة الموقف، على
كل صعيد.
والمواطن نفسه يدرك ان هذا العجز والوهن امر مصنوع لا مطبوع، وانه
نتيجة حققتها اسباب معروفة، اهمها غياب الموقف القومي، وتراجعه لصالح
القطري، او الاقليمي، تحت عناوين كثيرة تقع المصلحة على رأسها. والا
فان امكانيات الامة مجتمعة، لا اقطارها المتفرقة، ، كبيرة، وطاقاتها
وقدراتها وثرواتها لا تحد.
ولكن اني لها ان تجتمع وتتوحد، لتصب في هدف واحد لتخدم غاية واحدة،
هي تحرير الارض ومواجهة العدو المشترك، في ظل غياب ارادتها السياسية
المستقلة.
ولعل الانكى ان الاتفاق لم يعد قائما على هذا العدو المشترك الذي
لم يعد خارجيا، بل اصبحنا ـ جميعا ـ نبحث عنه في الداخل وصرنا نؤازر
العدو المشترك الخارجي على انفسنا وعلى بعضنا، ونفتح له قلوبنا قبل
بيوتنا، ووقائع ذلك ماثلة صارخة مما لا تحتاج معه الى اشارة او توضيح.
ولا ريب ان هناك من يبسط لنا الامور فيغري بعضنا بالانعزال، واغلاق
الابواب، على رياح العروبة والوحدة والامة، ويزين لبعضنا الآخر حب
الذات، وشهوات السلطة والسيادة، ويتحدث عن امن مفقود واستقرار ضائع،
لا تجلبهما الا منظومة عربية متكاملة، في ظل النظام العالمي الجديد،
والقطب الواحد وميل الدول والشعوب والامم الى الانتقال الى تكتلات
اكبر لحماية نفسها من آثار هذا الطغيان وقدراته التدميرية العالية.
وهذا التبسيط يكاد يودي بالجميع الى التهلكة ليبقى المشهد اليومي
على كل شاشات الفضائيات يتكرر امامنا، قتلا وذبحا وفوضى ودمارا وتقطيعا
بالجسد العربي الذي حزأناه الى اجساد، والوطن العربي الذي قسمناه
الى اوطان، وهو الذي لا يتعامل معه اعداؤنا الا على انه جسد واحد،
ووطن واحد فلا يفرقون في استخدام ادوات القتل والدمار والابادة بين
عربي وآخر، ولا بين مسلم ومسيحي، ولا بين سني وشيعي، وعلى الرغم
من ذلك فان لنا عيونا لا ترى، واذانا لا تسمع، وعقولا لا تفكر، الا
في ذاتياتنا وخصوصياتنا وجزئياتنا، وحدودنا التي صنعوها لنا، او
صنعها بعضنا لنفسه. حتى اصبح اولئك القلائل الذين يتحدثون عن وحدة
الامة وعروبتها وكرامتها ونهضتها الجديدة، مجرد ديناصورات منقرضة
تخرج من غياهب الصمت والنسيان!
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى
في الذكرى الثالثة لأحداث سبتمبر:
ما الذي تغير؟ (1 ـ 3)
تحل بعد أيام قليلة الذكرى الثالثة لأحداث
الحادي عشر من سبتمبر 2001، ورغم أنها كانت أحداث يوم واحد، إلا
أنها تضاهي -وربما تفوق- في تداعياتها أحداث بعض الحروب والأزمات
الدولية. وكثيرة هي الأحداث التي تمر في تاريخ الأمم والشعوب، ولكنها
قليلة تلك التي تظل عالقة في أذهان هذه الشعوب، باعتبارها تشكل مراحل
حاسمة في تحديد مسيرتها ومستقبلها وعلاقتها بالآخرين. وإذا كانت
العلاقات الدولية قد مرت بتقلبات وتغيرات جذرية، طيلة القرنين الماضيين،
فإنه لا جدال في أن أحداث سبتمبر 2001 ستظل إحدى العلامات الفارقة
في تاريخ هذه العلاقات، ليس انطلاقاً من كونها نالت من القوة العظمى
الوحيدة في العالم حالياً ممثلة في الولايات المتحدة فحسب، وإنما
أيضا لأنها دفعت نحو صياغة مفاهيم وأفكار جديدة، وأدخلت مفردات حديثة
لم تكن موجودة من قبل في قاموس العلاقات الدولية.
وفي الذكرى الثالثة لأحداث سبتمبر، يظل هناك دائما الجديد الذي يمكن
تناوله، ليس من باب التمعن في الماضي في حد ذاته، بقدر ما هو تلمس
لنتائج هذه الأحداث، وذلك بمقدار ما تمثله من بوصلة قد تحدد اتجاهات
العلاقة بين الولايات المتحدة وبقية أطراف الكون.
بل أتصور أن هذه الأحداث ستظل معيناً لا ينضب، ومرجعاً لا يستهان
به في فهم مفردات التحرك الأميركي الخارجي، وذلك بغض النظر عمن يحكم
الولايات المتحدة من ديمقراطيين أو جمهوريين.
وفي معرض تناولنا لتداعيات ذلك اليوم الحادي عشر من سبتمبر-من وجهة
نظر علمية وتحليلية بحتة- يمكن التعرض لتساؤل هام وهو: ما الذي تغير
أميركياً وعربياً ودولياً منذ وقوع تلك الأحداث؟
ونبدأ الإجابة على تفرعات هذا التساؤل بتناول البعد الأميركي في
هذه التداعيات، على أن نتعرض للبقية في الحلقتين المقبلتين. وفي
البداية تجدر الإشارة إلى أن الذي تغير في الولايات المتحدة منذ
وقوع تلك الأحداث وكنتيجة مباشرة لها، لا يكمن في طريقة تعاطي الولايات
المتحدة مع العالم الخارجي، وإنما في القدرة الإبداعية على توظيف
هذه الأحداث لتحديد مفردات هذه التعاطي بشكل أكثر مرونة وحرية، وبما
يخدم الأهداف الأميركية، حتى وإن لم تكن هناك علاقة مباشرة بين قضايا
بعينها وهذه الأحداث. ويزداد وهج تلك الأحداث بشكل خاص مع اقتراب
موعد الاستحقاق الرئاسي الأميركي في نوفمبر المقبل، وانطلاقاً من
هذه النقطة يمكن القول بأن الذي تغير في الولايات المتحدة منذ وقوع
هذه الأحداث وحتى الآن يجد صداه في الأبعاد التالية:
أولاً: البعد الفكري - الثقافي، وهو ذلك المتعلق بنظرة الأميركيين
للآخر، سواء ذلك الآخر العربي المسلم، أو الآخر الأوروبي، أو الآخر
الآسيوي، أو الآخر الأميركي اللاتيني، حيث تجذرت طبيعة الخوف اللإرادي
لدى الشعب الأميركي من كل ما هو يقع خارج الحدود، وهي حالة شعورية
أكثر من كونها واقعا حقيقيا. فمخزون الثقة لدى الشعب الأميركي، والرغبة
في التواصل الخارجي، لم تعد بنفس الدرجة التي كانت عليها قبل أحداث
سبتمبر، وبات الجميع يشكل خطراً على الأميركيين من وجهة نظرهم بالطبع،
لذا لم يكن غريباً أن تنعكس هذه الحال على سكوت الشعب الأميركي على
تحركات إدارته -الجمهورية- وتعاطيها مع الخارج، رغم سلبيتها ونهجها
التشكيكي في الآخر. ولذا لم يكن غريباً أن يصبح للولايات المتحدة
غريم في مختلف أرجاء المعمورة، واتسعت قائمة الغرماء لتشمل العالم
الإسلامي بحزامه الشرقي والغربي، يليه الخطر الإيراني وكوريا الشمالية،
ثم فنزويلا في أميركا اللاتينية، حتى أوروبا باتت تشكل نداً للولايات
المتحدة أكثر من كونها شريكاً، حتى وإن لم تكن ملامح هذه العلاقة
طافية على السطح حالياً، ولكن مؤشراتها تعضد ذلك.
ثانياً: البعد الأمني الذي بات يشكل هاجساً مسيطراًَ على تصرفات
الأميركيين شعباً وحكومة، وباتت حال الخوف والتوجس من كل ما هو غريب
مسلمة في مفردات الحياة اليومية الأميركية، بحيث بدت الولايات المتحدة
أقل إحساساً بالأمن، رغم إمكاناتها العسكرية واللوجيستية الهائلة،
فالأمر يتعلق هنا بالشعور أكثر منه بالواقع الفعلي. وغير خفي بالطبع
ذلك الدور الذي لعبته-وما زالت- الإدارة الحالية في تجذير هذا الشعور
وتعميق الإحساس به، واستغلاله بشكل أو بآخر لتحقيق منافع ذاتية تدعم
مواقفها داخلياً وخارجياً.
ثالثاً: السياسة الخارجية الأميركية والتي باتت أقرب إلى سياسات
الدول المارقة، والتي تتسم إلى حد كبير بالعشوائية في اتخاذ القرارات،
والعيب في اتجاهات هذه السياسية ليس في عشوائيتها بقدر ما هي في
عدم اتساقها مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية ذاتها. أي أن الجنوح
الحادث في السياسية الخارجية الأميركية لا يرتبط شرطاً بمصلحة حقيقة
خارجية، بقدر ارتباطه بسيطرة شعور الهيمنة والرغبة في تدعيمه، باعتباره
مستهدفاً في حد ذاته. فحال الخضة الذي سيطرت على الولايات المتحدة
عقب وقوع الهجمات، جعلها تجنح في سياستها الخارجية نحو تخويف وترهيب
الآخر، باعتباره خطوة استباقية في تحديد مستقبل العلاقة معه، وبشكل
يبرر أي فعل قد يحدث تجاهه.
رابعاً: ذلك التغيير الذي حدث في منظومة القيم الأميركية، بحيث تراجعت
قيم نبيلة وسامية كي تحل محلها قيم دخيلة على الشعب الأميركي، فقد
حلت قيم الانعزالية الثقافية، والانكفاء على الذات الفكرية، محل
قيم التواصل الثقافي مع الآخر، كما زادت قيم الاعتزاز بالنفس إلى
درجة الامتناع عن اكتساب أي موروث ثقافي خارجي، وذلك باعتبار أن
الثقافة الأميركية وصلت إلى حد الكمال.
أخطر ما في هذه الأبعاد أنها لن ترتبط بالإدارة الحالية ونهجها الفكري
فحسب، بل من المرجح لها أن تصبح ثابتاً في العقلية الأميركية بمختلف
تنوعاتها الفكرية، فالإحساس بالخطر لا يفرق بين ديمقراطي أو جمهوري،
وبين أبيض أو أسود، وعليه يصبح الحديث عن تراجع هذه الأبعاد تحت
دعوى تغير إدارات الحكم في البيت الأبيض بين جمهوريين وديمقراطيين،
مجرد تمني للزبد من خض الماء.
بكلمات أخرى يمكن تلخيص ما أحدثته تداعيات 11 سبتمبر على الصعيد
الأميركي في كلمات قليلة، هي أن الولايات المتحدة بدأت تدرك عن وعي
أنها الهدف الأوحد المسيطر على مخيلة الشعوب والأمم الأخرى، مما
يقتضي منها تحركاً مماثلاً يتواكب مع هذه الفكرة، فضلاً عن اقتناعها
بضرورة أن تصبح قاسماً مشتركاً على مائدة القرارات الدولية، وفاعلاً
أساسياً في تحديد اتجاهاتها.
خليل العناني
مفكر وكاتب مصري.
kalanany@yahoo.com
أعلى
مستقبل الديمقراطية في روسيا
استقى ريتشارد بايبس من جامعة هارفارد من خلال
قراءته للمعلومات المتوفرة عن الرأي العام والمرتبطة بقضايا الشئون
الخارجية في شهري مايو ويونيو الماضيين أن الشعب الروسي غير حريص
على الديمقراطية. وخلص إلى الاحتمال القائل بأن الجهود الرامية إلى
دفع عجلة الديمقراطية في روسيا ليست سوى مضيعة للوقت والمال. فقبل
اجتماع دول الثماني ساق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أسبابا متباينة
لرفض أي مساعدة تتعلق بالديمقراطية وقال بأن المساعدة الأجنبية لاتهدف
إلا لخدمة مصالح أجنبية. وكان سيرج سكميمان قد كتب في صحيفة نيويورك
تايمز عقب مقتل الصحفي بول كليبنكوف في روسيا أنه عندما تطأ السلطة
المؤسسات التي تعد قلب المجتمع الحر النابض فلنا أن نتساءل بتعجب
عن كيفية تقديم المساعدة واذا ما كان يجب علينا ذلك أو أنه فرض لازم.
ونتفق مع بايبس أننا نستطيع ذلك وهو واجب علينا. فيجب علينا أن نستمع
إلى شعب روسيا واذا ما فعلنا ذلك واستعنا بالمعلومات التي توفرها
لنا الدراسات نرى أنهم منقسمون بشكل حاد في رؤيتهم للديمقراطية.
ففي عام 2002 و 2003 سألنا عشرة آلاف شخص عن العبارة التي يعطيها
مما يلي:
(1) الديمقراطية شيء مفضل دائما
(2) الحكومة التي تخضع الفرد لمصلحة الدولة تكون أحيانا أفضل من
الديمقراطية
(3) شكل الحكومة لا يهمني في شيء.
وفي كلا العامين جاءت النتائج بأن 34 ـ 36% من المشاركين قالوا بأنهم
يفضلون أحيانا الحكومة الفاشستية (التي تخضع الفرد للدولة) أعلن
30 ـ 31% تفضيلهم للديمقراطية دائما ثم جاءت نسبة 33 ـ 36% بأنهم
لا يعيرون المسألة اهتماما. وفي دراسة مماثلة أيد 39% أن تسيطر الحكومة
على محتويات جميع التقارير الاخبارية. بينما ذهبت نسبة 43% إلى القول
بأن ذلك يعد شيئا سيئا. وقال 80% أنه اذا ما اوقفت الحكومة برنامجا
تليفزيونيا يتعرض ليساساتها بالنقد فإن هذا شي سييء. وقالت نسبة
26% أنهم سوف يختارون ستالين مرة أخرى لو فرض بأنه كان موجودا في
السياق الرئاسي بينما ذهب 19% بأنهم ربما لن يختاروه. وبالقطع فان
تلك الأرقام تسبب الكثير من القلق إلا أن 40% جزموا بأنهم لن يختاروا
ستالين بينما قال 44% أنهم يمكن أن يعطوا أصواتهم لصالح أندريه ساخاروف
في البرلمان. وبالطبع يجب أن يساورنا القلق عندما نجد واحداً من
كل ثلاثة روسيين يؤيد الحكومة الفاشستية التي تذهب إلى تقليص دور
الشعب وكبت الحريات الديمقراطية وهو ما يسعى إليه بوتين. إلا أن
المعلومات المتاحة لنا تتعارض مع ما ذهب إليه بايبس بأن الروسيين
منقسمون على انفسهم ونجد أن علينا أن نساند بقوة معسكر الديمقراطية
ونحاول اقناع المترددين.
وقد اصبحنا على قناعة بعد عامين من التعاون مع عشرات الناشطين الروس
في مجال حقوق الانسان بأن المساعدة الخارجية يمكن أن تأتي بنتائج
مختلفة. ويمكن أن يقود أحد أشكال الدعم إلى تقوية المجتمع المدني
بتمويل التسويق الاجتماعي وغرس أفكار تتعلق بوظيفة المجتمع المنوطة
بالاضافة إلى حملات التوعية الشعبية. فالناشطون الاجتماعيون في شتى
أرجاء العالم يستخدمون تلك الأدوات لتغيير واعادة صياغة الاتجاهات
والمعرفة والسياسات والسلوك من خلال رسائل التعليم والاقناع وربما
يلجأون إلى بعض التمويه وتقدم الدراسات التي تتناول طريقة تفكير
أفراد الشعب في قضايا مثل مخالفات رجال الشرطة والأزمات العسكرية.
والحرب في الشيشان وتدني مستوى الرعاية الصحية ـ كما من المعلومات
يحتاجها الناشطون للتواصل بمهارة مع الأشخاص الذين يرغبون في التواصل
معهم.
وتسهم حملات التوعية الشعبية في ارشاد المنظمات غير الحكومية إلى
ضالتهم من عامة الشعب.
ولقد رأينا هذا الكلام في تطبيق عملي. ففي مدينة ريازان الصغيرة
التي تبعد ساعات قلائل بالسيارة عن موسكو قام ناشطون مؤخرا بحملة
عن الشيشان جمعوا خلالها 1700 خطاب موقع وموجه إلى الحكومة الفيدرالية
تحمل تساؤلا يطلب معلومات عن تكلفة الحرب وقد لفتت ملصقاتهم بشدة
انتباه أفراد الشعب حازت تغطيه اعلامية. ومع صغر حجم نجاح الحمله
إلا أنها تبين امكانية استخدام التسويق الشعبي كأداة لاشراك أفراد
المجمع.
فمعسكر الديمقراطية في روسيا أكبر من أن يتم اقصاؤه غير أنه لا يزال
بعيدا عن الاقتناع التام به. ويجب على الدول الغربية والمؤسسات الخاصة
أن تزيد من دعمها للديمقراطية وحقوق الانسان في روسيا فيجب أن تبدأ
بتمويل جهود التسويق الاجتماعي كأداة لبناء منظمات غير حكومية تتمتع
بالقوة. وفي الغالب نجد أن صانعي السياسة في الغرب يتصرفون كما لو
أن بوتين قد أرسى قواعد الديمقراطية في روسيا. وهذا ربما يفسر نقص
تمويل العمل الديمقراطي في السنوات الأخيرة الأمر الذي فوض القوى
الداعمة لحقوق الانسان في روسيا. وزاد من المخاطر المحدقة بدعاة
الديمقراطية. فالآن أكثر من أي وقت مضى تتوقف عملية التحول في روسيا
على جهود الحكومات الغربية والمؤسسات التي يلقى عليها عبء القيام
بتلك المهمة التي لم تستكمل بعد.
غيربر أستاذ مساعد في علم الاجتماع جامعة ويسكونسين، مندلسون عضو
في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، شفيدوف عضو في جمعية حقوق
الانسان الروسية
تيوردور غيربر وسارا مندلسون وغريغوري شفيدوف
خدمة واشنطن بوست ـ خاص بـ (الوطن)
أعلى

صناع السلام
وأخيراً نجح السيستاني. بعد اسابيع من الاقتتال
الذي كان يهدد العراق بكارثة حمام دم يمكن أن تمتد عبر البلد شمالاً
وجنوباً، وربما عبر بلدان الجوار، تمكن المرجع الديني الأعلى آية
الله العظمى علي السيستاني من تفكيك العقدة المستعصية عبر توظيف
سطوته الإعتبارية وقيمته الروحية على الجمهور من ناحية، وعلى مقتدى
الصدر وجماعته من الناحية الثانية، ليفوز بلقب صانع السلام وصمام
الأمان في بلد كان ينحدر بسرعة نحو هاوية حرب أهلية تتمحور حول الصراع
الدامي بين حكومة وليدة وميليشيات يصعب القضاء عليها، خاصة وأنها
كانت تتمحور حول واحد من أقدس الأماكن. وإذا كان الاتفاق بين السيستاني
والصدر مساء الخميس (26/8/2004) قد أفضى إلى حل معضلة مستعصية كان
العراقيون يحبسون الأنفاس لما يمكن أن تجره إليهم، فإن هذا المنجز
يمكن أن يلقي الضوء على دور المرجعية الدينية سياسياً واجتماعياً
في العراق عبر السنوات الماضية وعبر الأعوام الآتية، وهو دور قد
لا يعرف حجمه العديد من المراقبين في الدول الأخرى.
ولكن قبل مناقشة دور المرجعية، ينبغي أن نلاحظ أن بنود الاتفاق لم
تكن تختلف كثيراً عن البنود والمقترحات الحميدة الأخرى التي قُدمت
من قبل المؤتمر الوطني، باسم حسين الصدر، ولا عن سواها من الأفكار
التي كان يقدمها الساسة والمحللون عبر الدوائر الحكومية وغير الحكومية
من خلال وسائل الإعلام. ينص الاتفاق الذي وافق عليه الصدر على انسحاب
القوات الأجنبية من النجف الأشرف أولاً، وعلى خروج أتباعه المسلحين
من الصحن العلوي الشريف ونزع أسلحتهم مع تعهد حكومي بعدم المساس
بهم أو متابعتهم قضائياً، زيادة على إستلام الحوزة العلمية بزعامة
السيستاني لمرقد الإمام علي وتعويض سكان المدينة القديمة الذين هدمت
مساكنهم وقُتل بعضهم وحُرموا من الحياة الطبيعية عبر المرحلة الزائلة
من القصف والقتال والمناوشات.
أما ما تحاول بعض الفضائيات أن تفعله عن طريق سكب الزيت على النار
من خلال تكرار عبارات من نوع إستسلام الصدر وحفظ ماء الوجه، فإنه
لا يزيد عن موقف إنتهازي لا مسؤول لاتهمه أرواح أبناء العراق، خاصة
وأن مثل هذه الفضائيات تحاول أن تعتاش على الفوضى وعلى نزيف دماء
العراقيين من خلال مثل هذا الدس المشبوه. إن مقتدى الصدر لم يُهزم
ولم يستسلم وإنما وافق بمسؤولية عالية على حقن الدماء، خاصة بعد
أن تجمع على حدود النجف الأشرف الملايين من البشر الذين جاءوا برفقة
السيستاني من مختلف مدن وقرى العراق. لقد كان يمكن لهؤلاء أن يتحوَلوا
إلى حطب في حريق لا نهاية لنيرانه ولألسنة اللهب المتصاعدة منه.
ويبدو أن هناك بعض الأيادي الخفية المندسة التي حاولت إستثمار هذا
التواجد الجماهيري الكبير على سبيل القيام بأعمال الإستفزاز وزرع
بذور الفرقة والعنف من خلال التفجيرات المجهولة والقذائف الموجهة
بطريقة ينقصها الشرف والضمير، كما حدث في الهجمة الدموية على واحد
من أقدم وأعز المساجد في العالم، مسجد الكوفة الملاصق لبيت الإمام
علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه). ولم يزل إحتمال أن يلعب المندسون
الآتون من خارج العراق دوراً على طريق وأد مولود السلام والمحبة
عبر مثل هذه الأعمال التخريبية التي ترنو إلى إشعال حرب بينية أهلية
في بلد نفطي سريع الإلتهاب.
ويبدو أن مقتدى الصدر قد تصابر وناور عبر الرفض المغلف بالإعتذارات
للوفود وللشخصيات التي ذهبت لمقابلته في النجف لإيجاد حل للأزمة،
ذلك أنه ما كان ليرضى بوساطة أو بجهد أقل شأناً وأهمية إعتبارية
من جهد السيستاني الذي يعد أكبر رجل دين مجتهد في الحوزة العلمية
النجفية. وبكلمات أخرى، منح مقتدى الصدر بُعداً دينياً وإجتماعياً
وسياسياً واسعاً لنفسه ولحركته عندما امتنع عن قبول وساطات من هم
أدنى مرتبة علمية من السيستاني الذي كان والد مقتدى يقترب منه منزلة
وإحتراماً من الناحية الاجتماعية والفقهية. لذا، فقد تصرف مقتدى
الصدر على نحو ذكي عندما قدم نفسه كابن بار للنجف الأشرف وللحوزة
العلمية، قابلاً بـالأبوية التي يمثلها علي السيستاني، بوصفه صوت
الحكمة القديمة الحاضرة التي تستقي مقوماتها من مناجم الفكر الديني
والتراث العربي الإسلامي. الآن أصبح موقف مقتدى الصدر قوياً، ذلك
أن قبوله بمبادرة الإمام السيستاني تنطوي على القبول بدور سياسي
قد يكون حاسماً في مستقبل العراق السياسي وفي تشكيل بنية الدولة
العراقية عبر الانتخابات التي ستجري بعد اشهر. وقد جاء هذا الموقف
موائماً لما كانت الحكومة العراقية تطلبه، وهو: نزع سلاح الميليشيات
والخروج من الصحن الحيدري الشريف والنزول إلى حلبة العمل السياسي
السلمي والفكري، بديلاً عن حلبة تبادل اللكمات والركلات، السباب
والشتائم.
وإذا كان نجاح علي السيستاني في إطفاء فتيل الأزمة قد أشر أهمية
طبقة المجتهدين من المراجع العليا عبر الأدوار السياسية التي يمكن
أن يضطلعوا بها، فإن تاريخ المرجعية في العراق الحديث كان تاريخاً
غنياً بقدر تعلق الأمر بتقرير مصير هذا البلد العربي والإسلامي المهم.
لقد لعبت المرجعية دوراً تشكيلياً في قيادة العشائر الثائرة في منطقة
ثورة 1920، إقليم الفرات الأوسط. وبعد تأسيس الدولة العراقية إثر
الثورة وظهور المرجع الأعلى، محسن الحكيم، (وهو والد محمد باقر الحكيم
وعبد العزيز الحكيم رئيسا المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) اضطلع
هذا المرجع بدور سياسي مؤثر للغاية: فقد كان رجلاً محبباً لأبناء
العراق بمختلف طوائفهم وإنتماءاتهم، الأمر الذي برر ذهاب الزعيم
عبد الكريم قاسم لزيارته في المستشفى فور نجاح عملية سيطرة الأخير
على السلطة. وقد قيل وقتها: ها هم الملوك يأتون إلى العلماء، وليس
العكس، بوصفها حالة صحية لمجتمع متمدن يكون العلماء فيه أعلى مرتبة
من رجال الدولة. كما يستذكر العراقيون محسن الحكيم بسبب دوره القوي
في مقاومة المد الشيوعي في العراق خلال فترة نهاية الخمسينيات وبداية
الستينيات من القرن الماضي. ولكن بعد سيطرة الديكتاتوريات القومية
على السلطة في العراق وقيامها بلجم كل قوة منافسة، تلاشى صوت الحكيم
ليغدو صوتاً سرياً يعمل في حدود دوائر العلم والفقه في النجف الأشرف
وفي سواها من حواضر العراق الدينية. حتى إذا ما مرت سنين قلائل،
لفظ محسن الحكيم أنفاسه الأخيرة وكانت جنازته مهيبة مليونية، إذ
شارك بها العراقيون من كل حدب وصوب، زيادة على اللبنانيين والإيرانيين
وسواهم من خارج العراق.
ومع وفاة محسن الحكيم وخروجه كعقبة، ذات وزن محلي ودولي كبير، عن
طريق النظام السابق، بدأت الحكومة العراقية بحملة هوجاء للقضاء على
تراث هذه الأسرة العلمية المحترمة عبر عمليات تهدف إلى قتل وتحطيم
أبناء الحكيم، الأمر الذي يفسر خروجهم من العراق وتعمدهم العمل المناويء
من خارجه. وبعد أن تسنم أبو القاسم الخوئي زعامة المرجعية، تواصل
الضغط عليه وعلى أتباعه من قبل النظام السابق. وقد وصل الإستهتار
بقيمة المرجع الأعلى أن النظام السابق حاول (بعد الحرب العراقية
الإيرانية) تسفير الإمام الخوئي بوصفه رجلاً إيرانياً (تبعية، حسب
إصطلاحات النظام المبتكرة) بغض النظر عن قيمته العلمية وأهميته العالمية.
ولكن ما لبث النظام (وبعد التحقق والتحقيق) وأن اكتشف بأن الرجل
لم يكن فارسياً ولا إيرانياً، ويقال بأنهم اكتشفوا بأنه كان تركي
الأصل، الأمر الذي أوقع الخوف في دواخل السلطة آنذاك خشية إستثارة
العواطف الروحية وغضب الحكومة التركية. وقد حاول الرئيس السابق استعمال
الإمام الخوئي في أحداث الانتفاضة في الجنوب بعد الخروج من الكويت
عن طريق مقابلته ومحاولة جعله يعلن تكفير المنتفضين عبر شاشات التلفاز،
بيد أن الإمام الخوئي تحدث على نحو عقائدي وديني عام دون أن يلزم
نفسه بموقف محدد، برغم إصرار الرئيس السابق على استنطاقه لإعلان
مثل هذا التكفير.
وقد بقي المجتهدون الكبار من أمثال المرجع الأعلى في حالة من الصمت
والإبتعاد السياسي عبر هذه السنوات الطوال، ناسكين في بيوت متواضعة،
لا يطلبون شيئاً من الدنيا ولا يقدمون سوى الفتاوي الدينية لمقلديهم
وأتباعهم بحدود شؤون الأحوال المدنية والفروض الإسلامية، خشية بطش
السلطة ورقابة البوليس السري. وقد كان النظام السابق يتعمد فحص هؤلاء
المجتهدين من حين لآخر، للتأكد من أنهم ضمن الخط المطلوب، عن طريق
طلب الفتاوي أو النداءات التي يمكن توظيفها لخدمة النظام بشكل مزدوج.
وبعد وفاة الإمام الخوئي وإرتقاء السيستاني كمرجع أعلى، بقي الرجل
زاهداً متمسكاً بنموذج التعفف والإرتقاء الروحي العلوي، حتى جاءت
الأحداث الأخيرة وبرز دور الميليشيات التي يقودها مقتدى الصدر. لقد
وجد علي السيستاني بأن بقاءة صامتاً لا يخدم هدفاً دينياً ولا اجتماعياً
في ظل الظروف الراهنة، فعمد إلى النطق: حيث أعلن عن تحفظات على فكرة
تأجيل الانتخابات العامة، ملاحظاً بأن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق
بدونها. كما أنه أعلن عن تحفظات حيال بعض النقاط الخاصة بقانون الدولة
المؤقت، وأخيراً اضطلع علي السيستاني بهذا الدور البنّاء كصانع للسلام
يحظى باحترام الجميع، فاستحق استذكار الاهزوجة العراقية الشهيرة:
دار مأمونة.
أ.د. محمد الدعمي
maldaami@yahoo.com
أعلى

الأسرى والمعتقلون جرح الأمة ومسؤوليتها
لا يوجد إحصاء دقيق للجرائم التي قامت بها الديموقراطية الصهيونية
العنصرية ضد العرب في فلسطين المحتلة، منذ قيام دولة الكيان الإسرائيل؟!،
ولا يظهر للعلن التمييز العنصري الفظيع الذي يجعل من عرب الـ 48
مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، يصنَّفون فئات وفق ما يخدم
سياسة العدو ومصالحه ويحقق له ضعفهم وتمزقهم، وتلك الدولة التي درج
بعض العرب المفرَّغين من محتواهم على تقديمها أنموذجاً سياسياً لما
ينبغي أن يكون عليه نمط الحكم في بلدانهم، تقوم على التمييز العنصري
حتى بين السفاراديم والأشكينازيم في البيت اليهودي ذاته، عدا عن
التمييز القائم بين شرائح المستوردين إليها وفق بلدانهم وثقافاتهم
والمجتمعات الأصلية التي ما زالوا جزءاً منها. وهي التي يقول عنها
من يعرفونها من الداخل من المتعصبين لمشروعها: إنها السجن اليهودي،
والـ (غيتو) الأوسع في تاريخ اليهود، وإنها كما يقول جان دانيال:
إسرائيل الآن تختنق تحت وطأة الفساد والطغيان والظلم. ولهذا فأنا
أرى أننا نشهد نهاية للمشروع الصهيوني على الأبواب... وهناك إمكانية
فعلية لأن يكون جيلنا هو الجيل الصهيوني الأخير. لقد تبين لي أن
نضال الألفي عام من أجل الدولة، انتهى بأن تكون لنا دولة مستعمرات،
تديرها عصابة من الفاسدين من صناع القانون ومخترقيه.
إن المثقفين والإعلاميين المقتنين ـ مصطلح لأحد الأسرى في سجون العدو
ـ من أجهزة المخابرات الغربية والإسرائيلية يراد لهم أن يكرسوا في
الأذهان، من خلال وسائل إعلام كثيرة ومؤثرة ناطقة بالعربية وموجهة
إلى العرب ومتفق معها على البرامج والأدوار التي تقوم بها، دونية
من نوع غريب، وترحماً على الاستعمار، ونبذاً لكل ما هو قومي ووطني
وأخلاقي متعارف عليه، وتغيير المعايير والمفاهيم وسلم القيم الاجتماعية
ليكون ما يقومون به من أفعال محكوم عليها بكل المعايير والقوانين
السائدة والشرائع والتشريعات القائمة، أفعالاً مباحة بل مشروعة ومحمودة
تدخل في حيز النضال المشروع وربما الجهاد؟! وليغيّروا بذلك المنطق
قواعد المنطق والعمل والحكم والاحتكام، فيصبح قدومهم إلى أوطانهم
على ظهور دبابات المحتل وبساط من دم مواطنيهم ودمار بلدهم وخسران
أمتهم نوعاً من الفتح المبين والشجاعة النادرة؟!
وقد أشير إلى بعض تفاصيل السياسة الأميركية لاقتناء مثقفين وإعلاميين
بَلْهَ السياسيين والطاقات الشابة والنساء ومَفْرَخَة المنظمات تحت
مختلف التسميات، كما أشير إلى بعض تمويلها الذي بلغ أكثر من 40 مليون
دولار أميركي عام 2004 وسيصبح أكثر من 65 مليون دولار عام 2005،
عدا المؤسسات الإعلامية والثقافية والاجتماعية..إلخ التي تتمتع بموازنات
خاصة وتستقطب عناصر على طريقتها، وأن كل هذا يذهب إلى العالم العربي
والإسلامي، حسب تقرير باتريشيا هاريسون، مساعد وزير الخارجية للشؤون
التعليمية والثقافية التي قالت أمام لجنة الشؤون الدولية في مجلس
النواب الأميركي يوم 19 أغسطس 2004 بعد الحادي عشر من سبتمبر، أوجدنا
مركز التواصل مع الوسائل الإعلامية (Media Outreach Center) في لندن،
الذي يعمل بقوة للتواصل الواسع مع الوسائل الإعلامية العربية في
لندن، التي تتمتع بتوزيع واسع في منطقة الشرق الأوسط. وأقمنا شراكات
مع المؤسسات المحلية في الخارج، ومع وسائل الإعلام والمنظمات غير
الحكومية وغيرها.. و.. إننا نساعد الصحفيين العرب والمسلمين على
إنتاج تقارير ومواضيع وثائقية موزونة حول مواضيع تتراوح بين السياسة
والثقافة. ونواصل إنتاج قصص تحمل أخباراً سارة عن إعادة الإعمار
في العراق وأفغانستان، أدخلها المحررون الصحفيون الأميركيون والأجانب
في برامجهم...
إن المثقفين والإعلاميين العرب المنخرطين في هذه الخطة يكرسون الأكاذيب
الكبرى التي تتحدث عن القيم والحقوق والحريات ويساعدون على إخفاء
سموم المشروع الإمبريالي الإسرائيلي الكبير الموجه ضد الأمتين العربية
والإسلامية، وضد المنطقة وشعوبها وثرواتها ومقومات حضارتها ووجودها..
ذلك المشروع الذي يفيض حقداً عنصرياً على العروبة والإسلام، ويريد
أن يمزق النسيج الاجتماعي والقومي المتداخل عضوياً لأبناء العالم
الوطن العربي والعالم الإسلامي والأقوام التي تعيش فيهما متآخية،
حيث يخرب ذلك النسيج تخريباً ويوظف شظاياه ونتوءاته الناشزة في خدمته
بعد تشويش الأفكار وتشتيت الرؤى وتشويه الصور وبعثرة التوجهات. وهو
يحاول أن يقدم العروبة حاكمة متحكمة في حين أنها تعاني من أشكال
الاضطهاد التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي والاستعمار الغربي والمرتبطون
بهما والموالون لهما منذ قرون من الزمن، كما يقدمها هوية مسمومة
عنصرية متخلفة محكوم عليها وينبغي نبذها والتخلص منها، ويقدم الإسلام
إرهاباً يقترن بقاؤه وتكريسه بتعليم القرآن الكريم واللغة العربية
والأخذ بالأصول الفقهية وإتِّباع المذاهب الشرعية؟! إنها الحملة
العنصرية الكبرى على عالمنا وهويتنا وديننا ومصالحنا وأوطاننا.
لقد رددت د. كونداليزا رايس مستشار الأمن القومي، في 23 أغسطس، 2004
في المعهد الأميركي للسلام قول الرئيس بوش: ..سوف تحارب أميركا وسوف
تكسب حرب الأفكار. وفي حرب الأفكار تلك يبقى الحليف العضوي الأول
للولايات المتحدة الأميركية والشريك الاستراتيجي المتماهي معها في
الحملة العقائدية الاستعمارية الإمبريالية، والقوة التي يُعتمد عليها
بالدرجة الأولى هو الكيان الإسرائيلي. يقول زبيغنيو بريجنسكي مستشار
الأمن القومي الأسبق: إن إسرائيل هي المرشح الوحيد لأن تشغل مركز
حليف أميركا.. إنها الحليف الإقليمي البارز أو المفضل عن سواه
في منطقة الشرق الأوسط... إنها القوة العسكرية المهيمنة في الشرق
الأوسط بعد أن أصبحت تمتلك الإمكانيات والقدرات التي لا ترشحها فقط
كي تكون قاعدة عسكرية أو منطلقا للولايات المتحدة الأميركية عند
نشوب أية أزمة إقليمية كبري في المنطقة, وإنما كي تقدم إسهامات
ملموسة واسعة لخدمة أية عمليات عسكرية تكون أميركا طرفا فيها، فهي
قادرة ومؤهلة. (المقتطفات من كتاب بريجنسكي الأخير ساقها مرسي عطا
الله في الأهرام.).
في السجون الإسرائيلية اليوم ما يزيد على 7400 أسير ومعتقل وسجين،
فلسطيني وعربي، تتراوح مدة أسرهم واعتقالهم بين سنة وست وعشرين سنة،
وهم يعانون الأمرَّيْن من أنواع التعذيب والإذلال والحرمان من أبسط
حقوقهم الإنسانية، ومن أبسط ما توفره الاتفاقياتُ الدولية لمن هم
في مثل أوضاعهم.. وهؤلاء لا يلتفت إلى آلامهم أو آلام أسرهم أحد،
وينساهم العرب والمسلمون وما يُسمى المجتمع الدولي الذي يدافع عن
الحرية وحقوق الإنسان والديموقراطية ويصبح من أصحاب الحضور والسطوة
حين يخرج من قبعة الحاوي عندما يخدم مصالح من يخرجونه؟! إنه الفزاعة
والشمّاعة في آن معاً، تقوده الدولة العظمى وتحركه، وتبعثه وتميته،
وتضعه في التداول وتسحبه من الأسواق، وتحتكره في الأوضاع والأوقات
كلها؟!
ويضفي الكيان الإسرائيلي، صفة الإرهابيين على أولئك المقاتلين الحقيقيين
من أجل الحرية والاستقلال وحقوق شعبهم والمدافعين بشجاعة وشرف عن
أنفسهم وأوطانهم وأسرهم وممتلكاتهم ومقدساتهم، رغم حصارهم وحرمانهم
من كل شيء.
لا يرتفع صوت من أجل أولئك منذ سنوات وسنوات.. لا في وطن العرب والمسلمين
ولا في المجتمع الدولي ذي المهابة والصلابة الذي عجز عن تمكين لجنة
تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الأمن الدولي من الدخول إلى مخيم جنين
إثر المذبحة الصهيونية البشعة فيها؟! وهاهم الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون
يرفعون الصوت اليوم ويحركون الشارع الفلسطيني وبعض الجيوب في الشارع
العربي بجوعهم وألمهم وعذابهم، ليقولوا للعالم هناك بشر يعانون ويضطهدون
ويُحرَمون من أبسط الحقوق في ظل تواطؤ وسكوت لا يمكن تسويغهما؟ فهل
يجرؤ المثقفون والإعلاميون المقتَنون والمتاجرون بالحرية والديموقراطية
وحقوق الإنسان من الأميركيين والغربيين أن يوجهوا كلمة ويقوموا بفعل
حقيقي ضد إسرائيل الموضوع فوق القانون وفوق المساءلة بالقوة المستبدة؟!
إن مأساة هؤلاء ضاغطة على كل ذي ضمير وكل من يرى الأمور من منظار
إنساني سوي ومنطق موضوعي مقبول، أما الذين تقتنيهم أجهزة استخبارات
ودول استعمارية ومؤسسات تعمل في فلكها من مثقفين وسياسيين وإعلاميين
ليقوموا بتزييف حقائق وترويج أكاذيب الهدف منها تلويث المفاهيم وإرباك
العقل والفهم ومن ثم تعطيل الإرادات والقوى والقوانين ومحاصرة التحركات
المؤدية إلى إحقاق الحق ووضع النقاط على الحروف، فأولئك عار البشرية
من أي جنسية كانوا، والعرب منهم يخوضون فوق ذلك الذي يرتكبونه من
خطايا وآثام وجرائم بحقهم وحق أمتهم والإنسانية فإنهم بفعلهم ذاك،
يخوضون في دماء إخوتهم وأبنائهم وذويهم وفي بحر من دموع أطفال ونساء
مشردين يتكوَّم بعضهم فوق ركام البيوت المدمرة وخرائب البساتين والمزارع
التي تقتلع باقتلاعها كل مقومات عيش الإنسان الفلسطيني وأمنه.. إن
أولئك والذين يحركونهم لا يأبهون بالقيم الأخلاقية والإنسانية ولا
بحقائق الانتماء ولا بما يصيب شعبهم وبلدانهم من دمار في ظل موجات
العدوان والاحتلال والكراهية المتتالية.. إنهم منبتَّون يوالون بلداناً
ويقدمون خدمات لبلدان وسياسات معادية كلياً لأوطانهم وثقافتهم ومصالحهم
وعقائدهم وللقيم التي يتشدقون بها ويعملون تحت لافتاتها.
إنه لممّا يؤسَف له أن تنتشر في وطننا نماذج من البؤس المطلق الشامل
تجرجر جثثها ومنطقها فوق جراح أمتنا، وتدلق علينا منطقاً يسوغ العمالة
والخيانة والولاء للعدو بذريعة التحرير والديموقراطية، وتهاجم الأمة
بأعز ما تملك، وتروِّج من الأكاذيب والأقوال والأفعال ما ينم عن
جهل مطلق وعداء وكراهية لا حدود لهما لكل ما هو عربي شريف وإسلامي
نظيف تحت لا فتات شتى؟! إنها لا تكتفي بالاعتزاز بقطريتها الضيقة
وإنما تعمل مع الأعداء على عزل الشعب والوطن عن مداهما الجغرافي
والتاريخي، وتلهج بما يريده الإسرائيليون والاستعماريون من أقوال
وأفكار وأهداف وغايات بالكلمات والصفات والمواصفات ذاتها.. ومعظم
أولئك ممن كانوا أبناء لهذا الوطن في هذا القطر أو ذاك، وأصبحوا
من أشد حملة السكاكين على الوطن وأقطاره وعلى أبنائه ومقومات الحياة
والهوية والحضارة فيه.. إنهم يأكلون بأثدائهم ولا يخجلون من ذلك
ولا من أن يكونوا عملاء للمحتل والغازي والعدو؟!.
إننا في وقت الاستهداف الأشد، ومن فلسطين على العراق على السودان..إلخ
تنوشنا جوارح الأمم ويفتك بنا المحتل ويوظف بعضنا ضد بعض ليقتلنا
بأيدي بعضنا بعضاً يوقف في الخلف يتاجر بالجميع ويصفي حساباته مع
الجميع، إن هو استطاع، وينصر مشروعه وعقيدته ويحقق أهدافه ومصالحه
البعيدة والقريبة، ولا خير ولا أمل ولا جدوى من أن نتوجه بنداء على
من يناصرون العدو على أمتهم ويفتحون له مغاليق أبوابها.. إن المطلوب
فعل يقظ مسؤول يغير الواقع ويفتح آفاق الأمل ويعيد ترتيب البيت العربي
والإسلامي بما يجعل هذه الأمة قادرة في الحدود الدنيا على الدفاع
عن نفسها وعقيدتها عندما تكون سكين الجزار فوق رقبتها. وفي موقف
يحرك شارعنا اليوم من داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية يقفه الأسرى
والمعتقلون هناك لا بد من موقف عربي قوي ومشرف فعال.. من عمل يحرر
الأسرى، فالكلام الذي نغدقه عليهم ويفيض بالإشادة ببطولتهم لن يطلق
سراحهم، والأمم المتحدة ومجلس الأمن وكل المؤسسات ذات الصبغة الدولية
والإنسانية معطلة الفاعلية تجاه إسرائيل، مثل لجنة مخيم جنين وقرار
محكمة العدل الدولية، لأن إسرائيل فوق القانون وفوق المساءلة ..
ومن ثم فإن وضع حد لمعاناة أبنائنا في السجون الإسرائيلية لن تكون
إلا مسؤوليتنا نحن بالدرجة الأولى، ويترتب علينا أن نستشعر مأساتهم
في كل دقيقة لأنهم لا يعانون في مناسبات كي نتذكرهم في مناسبات وإنما
يعيشون لحظات ليلهم ونهارهم معاناة قاسية من عنصرية صهيونية لا تعرف
الرحمة والقانون والقيم الإنسانية، وتعاني من تورم فظيع وتعال مقيت
ومن ادعاءات فارغة على رأسها: الشعب المختار؟!
إن الأسرى والمعتقلين ضحوا من أجلنا، وتحملوا هم وأسرهم الكثير في
سبيلنا، ليست القضية التي ناضلوا وأسروا على طريقها هي قضيتهم وحدهم،
إنما هي قضية الأمة، ومن يتاجر بآلامهم أو يتفرج على معاناتهم أو
يتعاطف معهم في المناسبات والمواسم لا يشعر بشعورهم بالمستوى المطلوب،
ولا يمت لنضالهم وبطولاتهم وقضاياهم العادلة بصلة كافية تفرضها المسؤولية
ويقتضيها الانتماء.
لسنا حيالهم من المحايدين، نحن أصحاب اللحم والدم والوشائج الكبيرة..
ولسنا حيالهم مجرد متفرجين على مشهد في التلفاز أو السينما، ولسنا
من طينة أخرى نرى إلى معاناتهم من قارة أخرى أو من كوكب آخر.. نحن
وأولئك لحم ودم وقضية ومصير .. فكيف نتركهم للمعاناة كل هذه السنين
ولا نعمل على حماية أسرهم وإطلاق سراحهم وقد عملوا من أجل حمايتنا
ومن أجل أسرنا؟؟ كل ما يحقق تحريرهم مطلوب، وتجربة حزب الله كانت
ناجحة ومفيدة في هذا المجال.. فهل يفعل العرب فعلاً ناجزاً، أو يمكِّنون
الفلسطينيين من القيام بفعل ناجز في هذا المجال، لأن الأسرى والمعتقلين
هم جرح الأمة ومسؤوليتها؟ أم إن هذا السؤال سيضاف إلى أسئلة كثيرة
وكبيرة تبقى أشواكها مثل أكواز الصبار في الحناجر؟! أياً كان الأمر
فسيبقى الأمل وسيبقى النضال وسيبقى الشرفاء وشرف الانتماء لأمة قدمت
الكثير للحضارة والتاريخ ولن تزول أبداً من تاريخ الحضارة وصفحات
التاريخ.. فلا يأس من الأمة، ولا يأس مع الحياة.
علي عقلة عرسان
الامين العام لاتحاد الادباء والكتاب العرب
alorsn@net.sy
أعلى
اختنـــاق الحرية في البيئــــة السياســــية الحالـــية
ان دستور الولايات المتحدة الأميركية هو دستور
عبقري. كما ان توازن السلطات قد اعتبر بمثابة الأساس لحريتنا ,الأمر
الذي وفر المرونة المطلوبة للتوفيق بين قرنين من التغيير والنمو
كما يدفع الناس حول العالم للكفاح من اجل الحرية.
ان الدستور مصمم كما يقول رئيس المحكمة العليا جون مارشال لكي يبقى
لسنوات قادمة. ولكن ميثاقنا القومي مهدد بشكل طائش لم يحدث من قبل
بغض النظر عن حكمته.
وبصفة خاصة منذ 11 سبتمبر 2001 وانا اشاهد بشيء من القلق تآكل حريات
الناس على يد السلطة التنفيذية ذات اليد الطولى والكونغرس الذي يتسم
بشدة الحذر. هذا البيت الأبيض يغلف نفسه في زي الوطنية وهو يطأ بكل
وحشية النماذج التي ضحى من اجلها الوطنيون الأميركيون السابقون.
وتعد ظاهرة القوة المطلقة المتغطرسة والمسيطرة على كل شيء والتي
لا تتشاور ولا تحظى بأي اجماع هي ظاهرة خطيرة, بخاصة في هذه الأوقات
المضطربة.
ان ادارة بوش هذه تعيش في حالة من الخوف ,وتقلب الحقائق وتعتمد على
السرية المبالغ فيها بشكل من اشكال الإحتقار للشعب الأميركي. ولنترك
الرئيس بوش يتكلم عن نفسه. (انا القائد),حسب قوله للصحفي بوب وودورد
لكتاب (بوش في حالة حرب). انظر, انني لا احتاج الى ان اوضح سبب قولي
لشيء ما. وهذا هو الشيء الشيق في ان تكون رئيساً. ربما ان شخصاً
ما يحتاج لأن يفسر لي سبب قوله لشيء ما ,ولكنني لا ادين لأن افسر
لأحد سبب قولي او فعلي لشيء ما.
في أميركا ,الناس يتمتعون بسيادتهم. واول ثلاث كلمات في مقدمة الدستور
هي نحن الشعب. الناس دائماً يدينون بتقديم تفسير لهؤلاء الذين يقدمون
لهم الخدمات. واي موظف عام يعتقد خلاف ذلك يكون مغروراً.
ولنضع في الإعتبار حجر الزاوية في سياسة بوش الخارجية ,وهي النظرية
الوقائية ,بمعنى حرب الضربة الأولى. هذه النظرية ليست دستورية. فهي
تخرج ممثلي الشعب والكونغرس من القرار المسؤول عن ارسال الأميركيين
للحرب والوفاة.
فلننظر الى العراق وهي اول ارض اختبار لهذه النظرية الأصولية. فأميركا
ليست آمنة بسبب حرب بوش.
وللأسف تسببت هذه الحرب في زيادة الكراهية والعداء ضد اميركا وهو
ما اطاح بجهود السلام في الشرق الأوسط وفي العالم ,وافسح المجال
لأجيال من الشباب يكنون العداء والكراهية لأميركا بسبب عدوانها واعمالها
المخزية داخل ابو غريب. لقد بددنا مشاعر العالم الطيبة تجاهنا. وهذا
هو ثمن نظرية بوش الوقائية.
كما فشل الكونغرس لضعفه في عملية التصويت في منع الحرب على العراق.
وضلت أميركا تحت ادارة لوحت بشبح الحرب منذ 11 سبتمبر ثم بعد ذلك
القت باللوم على صدام حسين رغم انه لا توجد اي دلائل على وجود علاقات
بينهما.
كما اقنعت آلة الدعاية التابعة للبيت الأبيض الدولة والكونغرس بأنها
لن تكون وطنية اذا سألت الرئيس عن اعماله, كما انه من المحبط لجنودنا
ان نتساءل عن جدوى الحرب, كما انه لايخدم اي غرض البحث في اسباب
ذهابنا الى الحرب. ولكننا يجب ان نتعلم من الأخطاء التي ارتكبت.
حيث توفي ما يقرب من 1,000 اميركي في العراق. كما يجب ان لا نمنح
اي رئيس مثل هذا التفويض ليفعل بجنودنا وبممتلكاتنا ما يشاء في المستقبل.
وكل جيل من الأميركيين لديه المسؤولية في تجديد الموروث القانوني
وجعل هذه الولة تسطع كآخر منارة من منارات الأمل في العالم. الحذر
الدائم هو ثمن الحرية. ويجب علينا ان نطلع انفسنا على الدستور مرة
اخرى ونصنع روابط جديدة مع تاريخنا. وعلى الكونغرس ان يعيد تفعيل
حمايته لحريات الناس. ووسط الضجيج والخوف في عام الانتخابات ,وجب
على الجميع ان ينظر الى نوع وشكل الدولة التي يريد ان يتركها لأبنائه
من بعده.
روبرت بيرد
سيناتور ديمقراطي من فيرجينيا ,مؤلف كتاب ضياع اميركا (مواجهة الرئاسة
المتغطرسة والمتهورة).
خدمة(لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست) - خاص بـ (الوطن)
أعلى