الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


أصداف
في الدوامة العراقية - 42 -
أطيــاف
أين القصر الزجاجي ؟
كل يوم
الوحدة الوطنية الفلسطينية ضرورة قصوى
باختصار

مرض عرفات والوجع فلسطيني

نافذة من موسكو
الروس والرئيس الأميركي القادم
صباح الورد...
لنجعل فرحهم حقيقيا
حكاياتي
برمجة خاطئة
رأي
ثقافة التهميش والإقصاء
رأي
الفلسطينيون على مفترق الطريق:هل هناك أزمة قيادة ؟
رأي
بين الأساطير والوقائع
رأي
العرب والانتخابات الأميركية ..مفارقات اللحظة الراهنة
رأي
الرئيس الاميركي المقبل و حلف الناتو
رأي
إلى متى يستمر خوف الناخبين الاميركيين من المرشحين الأذكياء ؟







أصداف
في الدوامة العراقية - 42 -

في كل يوم تفجع عشرات الأمهات بأولادهن، فلذات الأكباد، وإذا ما خرج الابن والزوج والبنت من عتبة الدار، حتى أشتد القلق، وأزداد الألم، وتحولت الدقائق إلى أثقال تضغط بقوة على الأم والزوجة والأخت.
ما أن يبدأ يفكر الشاب بالانخراط في سلك الشرطة أو الحرس الوطني، حتى تقفز الأم مذعورة، تسأل ولدها، إلى أين، تذهب إلى الموت برجليك، ماذا تريد أن تفعل بنفسك وبنا، تدخل في هذا الطريق، ألا ترى ماذا يحصل، ثم يسيطر عليها التعب، تغرورق عيناها، تذرف الدموع، أنها ترى الطريق الزاخر بالمخاطر، الذي يريد أن يندفع إليه ولدها، فلذة كبدها.
يتسمر الشاب في مكانه، يمسك صدغيه بقوة، يحاول أن يتحدث بكلمات تقنع أمه، لا يتمكن، لأنه هو نفسه غير مقتنع، بما يريد أن يتحدث به.
يتراجع عن خطوته، يتكأ على جدار الصبر، يمتحن نفسه، يحاول أن يجد مسرباً أو منعرجاً ينقذه من هذه المحنة المرعبة، لا يجد مخرجاً، لكن ثمة ضغوطات تجبره إلى العودة مجدداً، ليطرح مرة أخرى، رغبته في الانخراط في سلك الحرس الوطني أو الشرطة.
يجد ذات الصراخ من أمه، وقد حفرت السنون بوابات الألم في قسمات وجهها. لا يهدأ لها بال، حتى تتأكد أنه عزف عن هذه الفكرة.
يقف حائراً، بين الأثقال التي تجبره على هذا الطريق وبين ما يراه في اطراف ووسط طريقه، الذي يريد الولوج فيه.
الطرفان يعلمان طبيعة الصراع المحتدم في دواخلهما، هو يريد الإمساك بأي خيط يكسب من خلاله قوت عائلته، ويأتي بالدواء إلى والدته المريضة، ويعطي مصروفاً لأخواته الثلاث، اللائي يتوزعن على مراحل دراسية في الجامعة والثانوية والابتدائية، أما بالنسبة له شخصياً، فلا يطمح بأي شيء، تخلى عن الحلم بالسفر، وبعدها تنازل عن قيادة سيارة من الطرازات القديمة، ولم يعد يفكر بالعطر، ولا بالملابس الأنيقة، وانحصر طموحه في تحقيق الحد الأدنى من مستلزماته اليومية.
لكن الأبواب مقفلة أمامه، يعود متوسلاً بنظراته إلى أمه المتهالكة على أريكة قديمة، تدرك مايجول بخاطره، تعرف أنه في محنة مابعدها محنة، أنه بين ألف نار ونار، فالبحث عن عمل طال نسبة كبيرة جداً من العراقيين، وفرص العمل أصبحت نادرة، ولم يجد أمامه نافذة لنتفة من الأمل، إلا الذهاب في سكة الموت.
انزوى داخل نفسه، أغلق الصندوق على عينيه، سمع صوتا يتساءل عن الحكمة من وضع الشباب العراقي في دوامة الجوع، وتحكمه أغنى دولة في العالم وثروات العراق تضعه في مقدمة الدول الغنية. تأكد أن هواجس وحرص والدته أهم من المتطلبات الأخرى. أغمض عينيه دون أن يتمكن من ملامسة النوم، وهو الغارق في الإرهاق والتعب.

وليد الزبيدي
كاتب عراقي

أعلى






أطيـــــــــــــــاف
أين القصر الزجاجي ؟

لا اعني بالقصر الزجاجي سوى ذاك الذي جاء ذكر بعض ملامحه في القرآن الكريم ، في قصة النبي سليمان عليه السلام مع الملكة بلقيس. يقول تعالى : (قيل لها ادخلي الصرح ، فلما رأتـه حسبته لجُـّة ، وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير) .. الآية 44 من سورة النمل. يقول المفسرون بأن الصرح هو كل بناء عال مرتفع والقوارير هي الزجاج.
لقد أراد النبي سليمان عليه السلام لبلقيس أن ترى عظمة ملكه وقوته ، وقد علم أن قصرها باليمن كان عظيماً ورفيع البناء ، فيه ثلاثمائة وستون نافذة من مشرقه ومثلها من مغربه ، وقد تم تصميمه بحيث تدخل الشمس كل يوم من نافذة من جهة الشرق لا تدخلها باليوم التالي ، وتغرب من مقابلتها بالجهة الغربية ، فيسجدون للشمس كل يوم صباحاً ومساء ، ومن هنا جاء كلام الهدهد (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم * وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) .. الآية.
ولما علم النبي سليمان عظم وضخامة وروعة قصرها ، أمر العاملين تحت إمرته من الإنس والجن والشياطين ، أن يبرعوا ويبدعوا في بناء قصر عال ضخم لم ولن يكون له مثيل ، تنبهر به الملكة حين تراه . فبنى قصراً من زجاج بكامله ، وأجرى الماء تحته ، حتى يظن الداخل إليه أنه سيخوض في ماء . وهذا ما حدث مع الملكة بلقيس حين همت بدخول الصرح أو القصر ، فكشفت عن ساقيها ، تحسب أنها في الماء خائضة للوصول إلى داخل القصر. فقيل لها: إنه صرح ممرد من قوارير فرأت ملكاً هو أعز من ملكها ، وسلطاناً اعظم من سلطانها ، وأنها إلى نبي كريم وملك عظيم ذاهبة ، حتى إذا وقفت على النبي سليمان أعلنت إسلامها وتوبتها: (رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين).
هذا الملك العظيم ، وتلك الهندسة العجيبة في بناء القصور ، سواء قصور النبي سليمان عليه السلام أو حتى قصر الملكة بلقيس ، يدعو المرء منا أحياناً إلى التساؤل عنها وأين ذهبت ، ولماذا ، وهي بتلك الروعة في الهندسة والتصميم والبناء المحكم ، لم تبق إلى يومنا هذا ، شاهدة على عظمة ملوك ذاك الزمان ، وعلى رأسهم نبي الله سليمان عليه السلام ، في الوقت الذي نرى هنا وهناك آثارا إغريقية أو رومانية أو فرعونية وغيرها منذ آلاف السنين ، شاهدة على روعة عقول أولئك القوم في العمارة والهندسة ؟ أين هذا الصرح الممرد من قوارير ، وأين قصر بلقيس ذو النوافذ الكثيرة ، الشرقية منها والغربية ؟ هل من حكمة ربانية في اختفائها وخصوصاً قصر النبي سليمان الزجاجي وغير ذلك من قصوره وسلطانه ومُلكه ؟ ربما.

عبدالله العمادي


أعلى






كل يوم
الوحدة الوطنية الفلسطينية ضرورة قصوى

جاء تدهور صحة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مفاجئا، فقبل ثلاثة ايام اكتفت المصادر الطبية الفلسطينية بالقول انه يعاني من انفلونزا حادة لا غير.. وبعد وصول اطباء من الاردن وتونس للكشف على الرئيس وجدت انه يعاني من خلل في خلايا الدم ويقتضي علاجا خارج فلسطين. وهكذا نقل الى عمّان ثم الى باريس فورا لمتابعة العلاج.
ولسنا ندري اسباب هذا التضارب في الانباء حول صحة عرفات او طبيعة المرض الذي يعاني منه، بعد اكثر من عامين من الحصار المفروض عليه في مبنى المقاطعة في رام الله من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي.
على ان هذه الانباء احدثت قلقا واسعا في الاوساط الشعبية والسياسية الفلسطينية والعربية، خصوصا وان هذا المرض المفاجئ يأتي في ظل ظروف سياسية واقتصادية معقدة تواجه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
وعلى الرغم من ان الصحافة الاسرائيلية كانت قد سربت منذ فترة انباء عن مرض عرفات وتدهور صحته، الا ان الوقائع المعلنة من خلال ظهور الرئيس الرسمي في اكثر من مناسبة جعلت هذه الانباء مجرد رغبات واوهام!
وفي هذه الظروف الاستثنائية يقف الجميع الى جانب الشعب الفلسطيني في مواجهة هذه التحديات الصعبة والمستمرة. وتواجه القيادة الفلسطينية مخاطر عديدة وتتزايد المخاوف حول الوحدة الوطنية والقدرة على مجابهة الاخطار التي تعترضها. وقد كان المنتظر ان يعين عرفات نائبا له. غير انه لم يفعل، وان كانت هناك انباء عن قيادة ثلاثية تتولى مسئولياته تضم رئيس الوزراء الفلسطيني الحالي احمد قريع والسابق محمود عباس الى جانب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني او رئيس المجلس التشريعي. لكن هذه الانباء غير مؤكدة.
غير ان ما نرجوه هو ان يمن الله ـ سبحانه وتعالى ـ على الرئيس عرفات بالشفاء العاجل. وان كان امر ايجاد من يقوم بمسئولياته ومهامه الرئاسية خلال فترة خضوعه للعلاج التي قد تطول، يبقى ملحا. وهذا ما نأمل ان تتمكن القيادة الفلسطينية من التوصل اليه بسرعة حتى لا يكون هناك اي فراغ في السلطة يمكن ان يشكل ثغرة ينفذ منها الاعداء للاضرار بالقضية الفلسطينية.
وما ندركه جيدا هو ان الشعب الفلسطيني الذي استطاع ان يتجاوز الكثير من المحن والشدائد عبر تقديم اعظم التضحيات، قارد على تجاوز محنة مرض رئيسه وهو اشد ما يكون تماسكا ووعيا وفهما لطبيعة المخاطر التي تتهدد وجوده وقضيته. ومن هنا تأتي الدعوة الى تشكيل قيادة موحدة تنهض بمسئوليات الرئيس خلال غيابه وتعمل على تجاوز اي خلافات داخلية يمكن ان تستغل للاضرار بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، او تساهم في تهيئة الاجواء امام تدخل اسرائيلي لاستغلال الموقف.

محمد ناجي عمايرة


أعلى






باختصار
مرض عرفات والوجع فلسطيني

بدأ ياسر عرفات في صوره الاخيرة مثل طفل صغير مشتاق الى العالم والناس ولكنه مشتاق اكثر للمزيد من العمر قبل ان يطبق عينيه على أمل لم يتم تحقيقه وهو الدولة الفلسطينية . خرج عرفات من رام الله الى باريس على امل ان يتجاوز محنته الصحية التي لاتعنيه وحده وانما تؤرق اكثر من تسعة ملايين فلسطيني اضافة الى قوى عربية ودولية .. بل ان جسد عرفات هو المصاب لكن الوجع كما يبدو في الساعات الاخيرة فلسطيني بالدرجة الاولى.
يقول لك الفلسطينيون في لبنان اننا خائفون بعد موته واننا قلقون من تغيير قد يحصل في طبيعة العلاقة بين قيادة الداخل وابناء المخيمات الفلسطينية. فعرفات كان بالنسبة اليهم كالاب الحنون يهتم بامورهم ويرعى شؤونهم ويرسل لهم الاموال كي يتعلموا ويتطببوا ويتحركوا في اصعب موقع هم فيه أي في الساحة اللبنانية التي لاتقدم لهم حتى الان سوى الاقامة وحدها.
ويقول قادة فلسطنينون في لبنان اننا لن نتمكن من مقاومة الارادة الالهية في امر رحيل زعيمنا ورمزنا وقائد ثورتنا والحاضر الدائم بيننا منذ اكثر من اربعين عاما ، لكننا نستهول غيابه في هذه الظروف الصعبة وفي هذا التوقيت الذي تشتد فيه سبل الصراع مع اسرائيل ضمن محاولات انهاء القضية الفلسطينية او على الاقل ارجاء اسسها الى امد قد يطول.
الوجع فلسطيني هو الان بعمق جذور الشعب الفلسطيني.. لايتقبل احد من الفلسطينيين في لبنان خبرا مزعجا عن عرفات.. يتوقعون ان يعيش طويلا وان يتمكن من تحقيق احلامهم قبل ان يذهب في رحلة اللاعودة. لايتحدث الفلسطينيون فيما بينهم عن وفاة عرفات فهذه المسألة غير مقبولة ومنبوذ كل من يتحدث بها او يهمس بكلمات من هذا النوع غير المقبول.
يمضي عرفات في رحلة العلاج محمولا فوق دموع ابنائه الفلسطينيين الذين يخافون من اليأس بعده كما يقولون ومن الذين قد يقفزون الى السلطة الفلسطينية وهم اصلا غير مرغوبين من الشعب الفلسطيني.. ايامنا عصيبة بعد عرفات ومن الان احضر نفسي لاجد لي مكانا آخر او عملا محترما هذا ما يقوله قيادي فلسطيني في مخيم الرشيدية القريب من مدينة صور بجنوب لبنان.
اكثر من تسعة ملايين فلسطيني في الاراضي الفلسطينية وفي الشتات والمهجر يرفعون ايديهم بالدعاء من اجل زعيمهم الذي احبوه رغم انهم اختلفوا عليه لكنه يبقى ابونا الذي اهتم بنا في السراء والضراء. ذات مرة سئل الروائي البرتو مورافيا عن الذي اعجبه بعرفات حين التقى معه فقال كلمته التي اصبحت حكمة: عرفات صاحب كاريزما خطيرة لن ينتج الفلسطينيون مثيلا له في الوقت الحاضر.

زهير ماجد


أعلى

 






نافذة من موسكو
الروس والرئيس الأميركي القادم

يعتقد بعض الروس أن جون كيري يمثل الوجه المعتدل لأميركا ، ولهذا فإنه يستطيع في حال وصوله إلى البيت الأبيض في الانتخابات الأميركية المقبلة أن يصحح الصورة التي شوهتها إدارة جورج بوش . إلا أن البعض الآخر من المراقبين والمحللين السياسيين الروس لا يتفقون مع هذا الرأي ، ويشككون في قدرة كيري على إحداث تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية الأميركية . ومن هذا المنطلق يرى هؤلاء أن كيري لن يستطيع الانسحاب من العراق لأن واشنطن غرقت في هذا البلد بعد أن راهنت عليه في إطار لعبة الهيمنة على العالم. وأصحاب هذا الرأي يذكرون بأن الديمقراطيين أيضا سعوا في وقت سابق إلى السيطرة على العالم من خلال حربهم ضد يوغسلافيا (1999 ) ، ومهدوا بذلك للحرب التي شنتها الإدارة الجمهورية الأميركية ضد العراق. وإزاء ذلك يعتقد بعض الروس أن كيري وبوش يمثلان فلسفة واحدة تتوخى خضوع العالم للهيمنة الأميركية . وعدم انتقاد كيري خلال حملته الانتخابية غزو العراق وتركيزه فقط على انتقاد ما رافق الغزو من إدعاءات مثل وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق وعزلة الولايات المتحدة عن الأسرة الدولية والتكاليف الباهظة للأعمال العسكرية يجعل قسما من المحللين الروس يعتقدون بأن السياسة الخارجية الأميركية لن تتغير في جوهرها في حال فوز كيري. وفي الكرملين يلاحظ ميل شديد نحو الرهان على فوز بوش بولاية رئاسية ثانية استنادا إلى حجج مختلفة منها العلاقات التاريخية الجيدة بين موسكو وواشنطن في عهود الرؤساء الجمهوريين ، والتفاهم الكبير الحالي بين بوش وبوتين فيما يتعلق بقضية مكافحة الإرهاب ، وعدم التدخل الواسع النطاق من قبل الجمهوريين في الشؤون الداخلية الروسية باستثناء بعض الانتقادات (الخجولة) للسياسة الروسية في الشيشان . ويدللون على ذلك بما قاله وزير الخارجية الأميركي كولن باول مؤخرا من أنه لا يرى أن روسيا ـ بوتين تسير إلى الوراء نحو هاوية الاتحاد السوفيتي السابق . وذلك على عكس الديمقراطيين المقربين من كيري الذين يصورون الأمر وكأن بوتين يقود روسيا إلى نظام حكم أوتوقراطي، ويعتزم استعادة نفوذ روسيا الإمبراطوري . ويظن الكثير من المسئولين الروس أن الديمقراطيين قد يسعون ، في حال وصولهم إلى الحكم، إلى جعل العلاقات الأميركية الروسية رهينة لتطور الأوضاع داخل روسيا . وهذا ما لا يرضي الكرملين الذي يستعد لعمل تغيرات كبيرة وهامة في النظام السياسي الداخلي قد تسمح بمواصلة بوتين لحكم روسيا بعد انتهاء مدته الرئاسية القانونية في العام 2008 . ومن هنا يخشى الكرملين من وصول كيري إلى المقعد الرئاسي في الولايات المتحدة لأنه سوف يركز بشكل أكبر مقارنة بالجمهوريين على حالة الديمقراطية في روسيا . ورغم ذلك لا يتوقع المراقبون الروس أن يعلن جون كيري عن شن حرب باردة جديدة على روسيا . وأسوأ ما يتكهنون به أن يحيط الغموض بالعلاقات الروسية الأميركية لبعض الوقت . إلا أن هؤلاء يعتقدون أيضا بأن مقتضيات التعاون المشترك في محاربة الإرهاب والتعاون في مجال الطاقة سوف تبدد في نهاية المطاف حذر وقلق الديمقراطيين الأميركيين إزاء ما يحدث في روسيا وإزاء بوتين شخصيا . وبشكل عام يرى غالبية المحللين السياسيين الروس أن مجيء جون كيري إلى البيت الأبيض لن يُحدث تغييرا هاما في السياسة الخارجية الأميركية. وبجانب كل هذه الآراء يوجد رأي آخر يجري تداوله وسط النخبة السياسية الروسية يستحق التأمل ومفاده أن جورج بوش في حال إعادة انتخابه سيقوم بنفسه بتغيير سياساته السابقة إلى الأفضل تحت ضغط قسم من رجال الحزب الجمهوري الأميركي الذين يرفضون ممارساته الحالية.

هاني شادي

أعلى





صباح الورد...
لنجعل فرحهم حقيقيا

جميل أن يمد المسلم يد العون لأخيه المسلم ، رائعة روح العطاء التي تسكن الكثيرين ، يدهم البيضاء كفيله برفع سواد حزنهم ، اخوتنا الذين ضاقت بهم ظروف الحياة ، الذين يمرون بمحنة تكاد تقصم ظهورهم ، ولكن هناك من يسندونهم قبل السقوط ، ويمسحون دمعة عجز ، قد تذرفها عيونهم في ظلام ليل ساتر ، والجميل أن يكثر العطاء في هذا الشهر ذي النفحات الإيمانية الخاصة ، فكم من سقف يضم من لا تكفيهم اللقمة ، وكم من مائدة لا تحمل ما يكفي تلك الأيادي الممدودة ، والتي ترتد بعد بياض الصحن ،كأنها خنجر يطعن ذلك الذي يكافح من اجلهم ، من أجل هذه البيوت تستحق الصدقة ، الصدقة التي حين تخرج لا يعرف أحد عنها ، حتى تصل و الفرح معها .
هذه المقدمة الطويلة تفرض نفسها في ضوء مشاهدة منظر تلك السيارات التي تتوسط بعض الأحياء ويخرج منها ذلك العامل ليوزع الصدقات على المحيطين به ، فيخرج المحتاج يغلبه الحياء فيرده إلى الخلف ، وتعود الحاجة لتدفعه إلى الأمام ، ذلك المحتاج الذي كان يفضل أن يموت ألف مرة قبل أن يخرج ويمد يده ، وقد يمدها ويعود صفر اليدين ، وذلك بسبب الذين يخرجون دون ان تدفعهم حاجة ولكن (الطمع والجهل ) هو الذي يدفعهم ليتزاحموا على ما يحتاجه ذلك الفقير .
في الواقع اصحاب هذه السيارات لهم كل الشكر ،لأنهم يذكرون من في الأرض ، ولكن أعتقد إنهم لم يعرفوا حتى الآن كيف يتم توزيع هذه المعونات أو لنقول الصدقات ، فلو شاهد احدهم الطريقة التي يتم بها التوزيع لما قبل ما يحدث مطلقاً.
ولنطرح امرا ممكنا وبسيطا ، لكل منطقة شيخ ، ولكل ولاية والي،هم يعرفون تماما كل اسرة معسرة ، بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، عن طريقهم يمكن معرفتهم ،ويتم على اساس هذه المعرفة توزيع المعونات بكل سرية ، وهناك ألف طريقة وطريقة ، يمكن بها ان يتم التوزيع بكل سرية حتى يكتمل الأجر ، بل أن هناك الكثير من اصحاب اليد الكريمة ، تتبع ذلك ، بحيث أن الناس لا يعرفون حتى ممن تصلهم تلك المعونات .
نحن مازلنا في هذه الأيام المباركة ، والعيد على ابواب ، لنجعل فرحهم حقيقيا، لنقوم بهذا المجهود الذي يستحق كل تقدير واجر واحترام على اكمل وجه ، حتى إذا ما جن الليل ورفع هذا الفقير يده ، وشكر على المتصدق وبث ذلك لرب العباد ان يكون ذلك نابع من أعماق القلب ، وتخرج كلمته وشكره حاره ليس بينها وبين الله عز وجل من حجاب .
وصباح شتاء يجر الحنين
..
عبير محمد العموري


أعلى






حكاياتي
برمجة خاطئة

برمج الكثير انفسهم على ان شهر رمضان هو شهر الحرمان من الطعام وشهر اشتهاءة لذا يقضى النهار كله وهو يشتهى انواعه المختلفة، ويقرر ان يوفرها لنفسه متى ما افطر. لذا نرى ان الافراد عندما يمرون على المحلات فغالبا ما تركز حواسهم على انواع الطعام الموجودة، وخاصة اذا كانوا صائمين، هنا الحواس تعمل بشكل اكثر تركيزا على الطعام، وهكذا يعبئ الفرد قائمة متخيلة بالاطعمة التى يريد توفيرها لنفسه ولافراد اسرته عند الافطار او السحور. المهم عندما يبدأ الافطار تكون المائدة مكتظة بما تم تخيله واشتهاءة من الطعام، لكن هل المعدة تستطيع التحمل اقصاها لقمة من هنا ولقمة من هناك وشراب وبعض الحلوى اذا ضغط الانسان على نفسه ثم تعلن المعدة العصيان والتمرد، ويفاجئ الانسان الانتفاخ الذي يجعله جالسا او ممددا بلا حراك حتى يهضم كل الذي حاول ان يدخله الى معدته. وما ان تفرغ المعدة قليلا يتحرك مرة اخرى الى البحث عن الطعام، خوفا من أن يفاجأة الامساك فلا يستطيع تناول أي شيء، وهكذا تصبح ليالي رمضان متخمة بالاطعمة التى لا تجد سبيلا لها الا حاويات القمامة بدون اسف من اصحابها الذين صرفوا الاموال والجهد والتعب في اعدادها، وعندما اعدت ووضعت على المائدة اكلتها العيون فقط دون ان تمتد اليها الايدي، ويتكرر الامر كل يوم دون اي شعور بان ما يحصل يعني وجود خلل لدينا يجب ان نعالجه، خلل يجعلنا لانفهم رمضان الفضيل ومعانيه السامية فالشهر شهر تعلم حكمة الصبر على الجوع واراحة المعدة والتفكر في امور اخرى اهم كالطاعات والعبادات والتقرب الى الله تعالى، فاذا بالطعام يصبح مركز الكون للصائم، مركز تفكيره نهارا وليلا، ان واحدة من حكم رمضان المبارك الا نجعل الطعام امرا رئيسيا في حياتنا والا نجعله مركز الكون، وان يكون طعامنا زهيدا ومناسبا فنتاوله وقت الجوع الشديد فاذا بالامور تسير الى العكس، وعموما الزوجات لهن دور رئيسي في تشجيع الازواج على هذا المسلك، فالمرأة هي صاحبة المطبخ وتستطيع ان تكيف المطبخ لحكمة رمضان وليس العكس.

طاهرة اللواتى

أعلى





ثقافة التهميش والإقصاء

لم يكن مفاجئا للعديد من المراقبين والمتابعين لنشاط وعمل المجلس التشريعي الفلسطيني ، إقدامه في جلسته المنعقدة يوم الخميس الماضي من الشهر الجاري على التراجع عند مبدأ التدخل الايجابي لصالح المرأة ، والذي كان قد اقره في المادة (24) من قانون انتخاب هيئات الحكم المحلي المعدل في جلسة المجلس المنعقدة في 31.8. من العام الحالي . والتي تنص (أن لا يقل تمثيل أي من الجنسين في مجالس الحكم المحلي عن 20%).
وسبب عدم المفاجئة في التراجع عن المادة المذكورة في القانون يعود في الواقع لعدة اعتبارات ، منها ما يتصل أولا، بطبيعة وتركيبة المجلس التشريعي وهيمنة القوى التقليدية عليه ، والتي وصلت بالأساس إلى عضويته ارتباطا بمنشأها العائلي والعشائري ، والثانية بعدم مثابرة ومتابعة الاتجاهات الليبرالية والتقدمية في المجلس وحضورها الجلسات التي تستدعي حشدا لقواها عند إقرار قوانين وتشريعات تمس قوى اجتماعية يفترض أنها الأقرب على تمثيلها والتعبير عن مصالحها ، ومما لاشك فيه أن الأغلبية البسيطة والتي لا يعتد بها وبفارق صوت الذي اقر فيه التعديل يعكس حقيقة ما ذهبنا إليه من عدم مواظبة ومتابعة هذه الاتجاهات للشأن الاجتماعي العام.
أما فيما يتصل بالاعتبارات الأخرى فإن شدة وشمول الحملة على القانون بعد إقرار التعديلات عليه ورفعه للرئيس للمصادقة عليه، كانت تؤشر إن ممثلي التيار التقليدي المحافظ بمختلف اتجاهاتهم السياسية والفكرية، قد عقدوا العزم على إلحاق الهزيمة بالمكسب الاجتماعي الوحيد واليتيم الذي تحقق للمرأة الفلسطينية بإعطائها الفرصة للتمثيل بالحد الأدنى بـ20% في الانتخابات للمجالس المحلية والقروية ، وللأسف الشديد فقد استخدم شعار المساواة للتضليل وكغطاء لهذه الحملة المضادة لهذا المكسب الذي حققته المرأة الفلسطينية وهو بالمناسبة مكسب متواضع إذا ما قورن بنضالات وتضحيات المرأة الفلسطينية ومشاركتها في الحقل الوطني والاجتماعي منذ أن نشأت القضية الوطنية الفلسطينية مطلع القرن الماضي.
والتذرع بالمساواة بين الجنسين الواردة في القانون الأساسي من قبل اتجاهات هي لا تؤمن حقيقة وواقعا بالمساواة ، هي في واقع الأمر الذريعة الأكثر قبولا ورواجا لتمرير موقف رجعي في شكله ومضمونه ، فالحريص على المساواة في ظل مجتمع يفتقر للحد الأدنى من مقومات ترجمة هذه المساواة فإنه في واقع الحال يعمل على شطبها وليس إلى تكريسها وواقع الحال والتجربة المعاشة في المجتمع الفلسطيني ، والذي هو امتداد من حيث الطبيعة والتركيب للمجتمعات العربية والشرقية ،تدلل انه بدون ممارسة سياسة التمكين عبر التدخل الايجابي لصالح النوع الاجتماعي المظلوم والمهمش عبر تراكم مئات السنين لا يمكن أن تؤدي إلى المساواة ، وهذه السياسة التدخلية الايجابية وهي بطبيعة الحال مؤقتة ، الهدف منها تغيير واقع الحال في المجتمع من اجل الوصول للمساواة الفعلية وليس الشكلية.
ومما لاشك فيه أن تجربة أعضاء المجلس التشريعي أنفسهم بالانتخابات السابقة تدلل على مدى هذه المساواة المزعومة ، وكذلك تكافؤ الفرص أمام المرأة بالحصول على عمل أو الترقي بالدرجة الوظيفية حتى داخل مؤسسة المجلس التشريعي، ولا نريد أن نعمم في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني بشكل عام، تدلل على مدى انطباق وترجمة هذه المساواة المزعومة .
كما أن الادعاء بأن التمييز الايجابي يحرم نساء أخريات من المشاركة فإنه وكما يبدو يعكس جهلا مقصودا بآليات الانتخاب إذا أن التمييز الايجابي هو في الحد الأدنى لـ20% فقط وليس سقفا لمشاركة المرأة وتمثيلها في العملية الانتخابية .
إن الانقضاض على هذا المكسب اليتيم من قبل الاتجاهات المحافظة في المجلس التشريعي يترك أكثر من علامة استفهام حول أجندة الأولويات في المجلس التشريعي ومن يفرضها ويشير أيضا إلى أن التباطؤ والتلكؤ في بحث وإقرار قوانين أكثر إلحاحا مثل قانون الانتخابات، والأحزاب لا يخرج عن هذه الذهنية التي تقيم للحسابات الخاصة الوزن الأكبر على حساب المصالح العامة .
كما إن المضي في هذا النهج رغم تسلحه بإجراءات قانونية وديمقراطية شكلية ارتباطا بآليات عمل المجلس الداخلية ، إلا انه من جهة أخرى يقوض جوهر الديمقراطية القائمة على مبادىء المساواة والعدالة الاجتماعية والتعددية التي تتيح اكبر مشاركة واسعة تعزز وتقوي لحمة المجتمع الفلسطيني، ويضرب برأي الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني التي أظهرتها استطلاعات الرأي العام لأربعة مراكز استطلاع خلال السنوات العشر الماضية والتي تراوحت نسبها مابين 62-75%. هذا علاوة عن إدارة الظهر لرأي القوى والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأهلي الفلسطينية .
إن توجه الاتجاه المحافظ في المجلس التشريعي الفلسطيني وعبر تلاقيه وتقاطعه في آن واحد مع رغبات قوى التيار الديني المحافظ في المجتمع الفلسطيني، الذي دعا وبشكل علني إلى إلغاء الكوتا الخاصة بالمرأة بدون أن يقدم أي مسوغ حتى ولو كان شرعيا، سوى انه يشكل خطرا على المجتمع الفلسطيني بدون تبيان من أين يأتي مكمن هذه الخطورة، إن هذا التقاطع يشير إلى أن القوى المحافظة داخل المجلس وخارجه متوافقة بل ومتفقة بصرف النظر عن تلاوينها الفكرية ومرجعياتها السياسية على الانقضاض على أية مكاسب ديمقراطية وتقدمية يمكن أن تحصل داخل المجتمع الفلسطيني .
غير أن التصويت على إلغاء التعديل لا يجب بالضرورة أن يكون نهاية المطاف ولا طيا لهذا الملف الذي يعتقد الواهمون انه قد انتهى بالتصويت عليه بهذه الأغلبية البسيطة، بل مازال هناك متسع من الوقت ومساحة للتحرك سواء من خلال تحرك نشط وفاعل لكل القوى المعنية والمؤمنة بالمساواة والعدالة والحرية وتكافؤ الفرص أمام الجنسين، لممارسة ضغوط وتشكيل قوة رأي عام مجتمعي ، والتوجه للرئيس ياسر عرفات ومطالبته لرد مشروع القانون المعدل وفي إطار المدة القانونية للمجلس لإعادة نقاشه مجددا ، إن هذه المعركة التي فرضت على المجتمع المدني الفلسطيني من قبل التيار المحافظ، هي ليست معركة النساء فقط بل هي معركة كل المجتمع الفلسطيني والتي يتعين في خاتمتها إما إلحاق الهزيمة بثقافة التهميش والإقصاء التي عششت دهورا وسنوات طويلة في المجتمع الفلسطيني أو تكريسا لها .

د.أحمد مجدلاني
كاتب فلسطيني

أعلى

 






الفلسطينيون على مفترق الطريق:هل هناك أزمة قيادة ؟

إذا كانت ليلة 27-28 أكتوبر قد شهدت انتكاسة واضحة المعالم لصحة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فإنها قد أطلقت العنان للتأملات والمخاوف ولأنشطة تبادل الرأي في فلسطين وفي سواها من بقاع العالم حول مصير الرئيس وشعبه. وتبدو حالة هذا الرجل-الرمز (الذي ارتبطت القضية الفلسطينية باسمه من يوم تأسيسه لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1965 حتى اللحظة) وكأنها لتؤشر مفترقاً في تاريخ الصراع في منطقة الشرق الأوسط، ذلك أن احتمالات اعتلال صحة عرفات أو غيابه إنما ستطلق سلسلة متتالية من التفاعلات وربما المفاجآت التي لابد وأن تترك آثارها العميقة على مجريات الأحداث. وإذا ما تضاربت الأنباء وتصريحات المسؤولين الفلسطينيين المقربين من عرفات حول حقيقة وضعه الصحي (بين توكيد الغيبوبة وتعيين مجلس ثلاثي بديل من ناحية، وبين استقرار حالته وتكذيب ما تقدم، من ناحية ثانية)، فإن تواتر الأنباء عن الفرق الطبية المرسلة إليه في رام الله المحتلة من مختلف العواصم العربية تؤكد أن الرجل سائر نحو التحييد أو ربما التنحي عن لعب الدور القيادي الذي كان يضطلع به بقوة حتى أكتوبر عام 2000 عندما كان يتجول بين عواصم العالم بحرية مطلقة.
وليس من شك في أن القلق الفلسطيني على صحة وحياة الرئيس عرفات له كل مايبرره من الأسباب: فقد استقطب هذا الرجل الكاريزمي العواطف والولاءات المحلية بلا منازع، بينما جعل من قضية التحرير وتأسيس الدولة الفلسطينية محوراً لحياته وكينونته، الأمر الذي يبرر الخوف الهاجسي من غيابه بين الفلسطينيين. وليس من المبالغة تشبيه ما يشعر به الأخوة هناك بالأبناء القلقين من غياب الأب الذي بقي يخدمهم كخيمة طوال حوالي نصف قرن. حتى في السنوات الأخيرة حيث بدأت تطفو على السطح الفلسطيني بعض تعابير التبرم والاحتجاج حول مسألة قيادة الشعب الفلسطيني، بقي الرئيس عرفات رمزاً لا جدال فيه للوطنية الفلسطينية وللروح القومية التي استأثر من خلالها باحترام واعتراف عربي رسمي وشعبي واسع النطاق في ذات الوقت.

بيد أن التغيرات السياسية التي أعقبت دخول الرئيس عرفات إلى الحوار مع الحكومة الإسرائيلية، تلك التغيرات التي توجت باتفاقات واعدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق رابين ثم مع آخرين، تحت رعاية أميركية. بيد أن المباحثات والترتيبات التالية قد أفضت إلى شكوك إسرائيلية قوية حيال قدرات الرئيس عرفات على الإيفاء بالتزاماته وحيال تمكنه من بسط سيطرته المطلقة على كافة الفصائل الفلسطينية المتنوعة المشارب. وقد وصل الانزعاج الإسرائيلي من العمليات التفجيرية داخل الكيان الصهيوني حد أنها حكمت على عرفات بعدم الأهلية للحوار وللشراكة السياسية، حيث ترجمت الحكومة الإسرائيلية هذا الحكم إلى فرض الإقامة الإجبارية عليه بداخل بناية من بضعة أمتار في مدينة رام الله المحتلة وبرأيي، لقد ساهم هذا الإجراء الإسرائيلي في تغييب عرفات عملياً وفي إحالته إلى رجل مشلول عملياً في انتظار النهاية الأخيرة. فعندما يشعر مثل هذا الرجل بأن دوره السياسي آخذ بالتلاشي والغياب، لابد وأن تستجيب صحته البدنية والذهنية لهذا النوع من الحبس القسري عن طريق التراجع والتدهور. وهذا ما حدث فعلاً: فقد تسارعت إمارات الشيخوخة والهزال في الظهور على وجهه وصوته وعلى قدراته البدنية بعد هذا الإجراء الإسرائيلي القاهر وغير العادل. وقد لعبت هذه السلاسل الفولاذية الإسرائيلية المفروضة على حركة الرئيس عرفات دوراً قوياً في تحرير وإطلاق الطاقات الفلسطينية المنافسة والمتوثبة للسلطة التي راحت تعارض دور عرفات وتلقي بشكوكها على بنية فريقه القيادي ككل، الأمر الذي يفسر الهجمات التي أطلقت على مراكز القوة والأمن الفلسطينية وضد شواخصها. بل إن هذه الظاهرة قد تجاوزت الحدود نحو التشكيك في قدرة الرئيس على انتخاب الأكفأ لشغل المناصب الحكومية الهامة، مع إشارات خاصة إلى التهم المتواترة بوجود ثمة فساد مالي وإداري وحتى أخلاقي بداخل هذه البنية. بل إن عملية تشخيص ابن عمه، موسى عرفات، كواحد من الرموز التي يحتج عليها المناوئون كانت بمثابة نقد لاذع وملتوٍ لقدرات الرئيس عرفات على إدارة دفة الشؤون الفلسطينية، الأمر الذي يبرر المزيد من الانتكاس الذي إنعكس على صحة وبنية رجل قوي، ولكنه في خريف العمر. ومع هذا كله، تدل مؤشرات توافد الفلسطينيين إلى مقره وتعابير القلق على صحته على ثمة ( رعب ) من غيابه أو تغييبه. ومرد ذلك هو عدم بروز قائد كاريزمي بمستوى عرفات، زيادة على عدم الإتفاق الشامل على هيئة قيادية تحظى بتأييد جميع الفصائل الفلسطينية. وهذا يعني بأن وجود عرفات (حتى وإن كان رمزياً واعتبارياً) إنما يشكل (صمام الأمان) الذي يمنع الخلافات البينية الفلسطينية - الفلسطينية.

أما على الصعيد الحكومي الإسرائيلي، فإن الرئيس عرفات يمثل (عدواً) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، خاصة بالنسبة لرئيس الوزراء أرييل شارون. إن شارون يكن لعرفات أنواع الضغائن والمشاعر المعادية، ليس فقط بسبب ما يدعيه حول إخفاق عرفات في وضع حد للعمليات التفجيرية داخل إسرائيل، بل كذلك لأنه لا يجد في عرفات الرجل المناسب (لإسرائيل، وليس للفلسطينيين) للعمل كشريك في التسوية كما يراها الجانب الإسرائيلي. وهذا، بكل دقة، ما يبرر تعامل حكومة شارون فقط مع عرفات بهذه الطرق والأساليب اللاإنسانية والقسرية التي أدت به إلى هذه الحال الصحية على نحو غير مباشر. فعلى الرغم من دور عرفات في عملية التسوية، بشراكة ورعاية أميركية، وبرغم اعتراف العالم بأسره بهذا الدور (حيث تتوج ذلك بمنحه جائزة نوبل للسلام)، بقي شارون وفريقه الحكومي يشككان بنيات عرفات وبما يضمره من مشاعر لوجود الكيان الصهيوني ككل، خاصة مع تمسك عرفات المعلن بالقدس، عاصمة لدولة فلسطين المنتظرة. أما أن تعلن الحكومة الإسرائيلية الآن بأنها تفتح الأبواب على مصراعيها لخروج عرفات من صومعته للعلاج، فإن هذه، كما يبدو، مناورة لذر الرماد في العيون ولإظهار الحكومة الإسرائيلية بمظهر (إنساني) متسامح وطيب النيات. ولكن إذا ما ارتجع المرء إلى الوراء لبضعة أشهر فإنه لابد وأن يفاجأ بالنقيض لهذه الصورة الإنسانية، حيث الإعلان الإسرائيلي عن النية بالقضاء على الرئيس عرفات حتى وإن تطلب الأمر تصفيته جسدياً بنفس الطريقة التي تمت بها عمليات اغتيال العديد من القيادات الفلسطينية وهي تقود سياراتها في شوارع غزة. لذا يبرز هذا الحرص على صحة وحياة عرفات الآن مضحكاً ومدعاة للتندر: فالحكومة الإسرائيلية ترى في غياب عرفات أو تغييبه شرطاً مسبقاً لتحقيق رؤيتها الخاصة للتسوية والاستقرار.
إن الحكومة الإسرائيلية ستحاول أن تلعب دوراً أساسياً وتشكيلياً عن طريق استثمار حالة الرئيس عرفات الصحية بعد أن قادته إليها: فمن ناحية أولى، ستستغل هذه الحكومة اضطرار عرفات للخروج من رام الله للإستشفاء في دولة أخرى من أجل إغلاق منافذ العودة أمامه إذا ما تماثل للشفاء (على الرغم مما أشيع عن إعلان الحكومة الإسرائيلية بأنها سوف لن تمنع عودة عرفات إلى رام الله). وهي يمكن أن تبرر منع عودته في أية لحظة وبمختلف الوسائل، وأهمها مبررات كونه يمثل (عقبة) في طريق السلام. ومن ناحية ثانية، ستزج الحكومة الإسرائيلية بقوات كبيرة إلى رام الله وإلى المناطق الفلسطينية المحتلة بدعوى الحفاظ على السلام والأمن ومنع أي فوضى واضطرابات يمكن أن تؤثر على الأمن الإسرائيلي ذاته. بيد أن افتراض بقاء عرفات أو وفاته في مكانه برام الله يبقى قائماً، الأمر الذي يطلق أيدي الحكومة الإسرائيلية في التأثير على تشكيل السلطة التالية بالطريقة التي تفضلها هي. لا ريب في أن الحكومة الإسرائيلية تراقب الموقف عن كثب، وهي لديها تفضيلات معينة من بين التيارات الفلسطينية المتنوعة. وهذا يعني بأنها ستدعم البدائل التي تريدها من خلال امتطاء ذرائع منع حدوث اقتتال أهلي بين الفلسطينيين أنفسهم حول خلافة الرئيس عرفات.
إن جميع المؤشرات تدل على أن دور الرئيس عرفات آخذ بالتراجع والتضاؤل في حالة تماثله للشفاء أو في أي حالة أخرى، لذا فإن الساحة الفلسطينية لابد وأن تشهد عدداً كبيراً من التغيرات والتداعيات حول مسألة القيادة الجديدة. وسيكون الدور الإسرائيلي لحل هذه المسألة دوراً مهماً للغاية، خاصة وأن مصير الصراع لا يتحدد فقط بإرادة الفلسطينيين، بل بوجود الشريك الإسرائيلي المنافس والمتربص.

أ.د. محمد الدعمي


أعلى






بين الأساطير والوقائع

الأسطورة تختلف عن الخرافة والأخيرة تختلف عن الحكاية، ولكن الحكايات قد تصبح نوعاً من الأساطير وتغمر الذاكرة بفيض قد يكسف شمس المنطق للحظات.. والأسطورة تختزنها الذاكرة وتفسر للعقل البدائي كثيراً من الألغاز التي تحيط به مما يتصل بالخلق والمخلوقات وظواهر الطبيعة المستعصية على الفهم البدئي، وما يستعصي على الإنسان تفسيره من خوارق، وتريح النفس المتعبة من لهاث المفؤود في دروب الأسئلة المحيِّرة التي تثيرها الطبيعة أو يثيرها تفاعل العقل مع معطياتها وقوانينها وثوابتها. فالبشرة السوداء فسر الإغريق سبب وجودها بميل عربة أبوللو التي كانت تجر الشمس في السماء عن مسارها فأحرقت جلود الناس وأكسبتها اللون الأسود؟!
ولا أدري إلى أي مدى يستقر شيء من ذلك في لا وعي الناس الطيبين في القفقاس الذي تعيش أساطيره الحكايات في نفوس أنواع من الناس بعضهم لا يمت إلى تاريخ تلك البلاد والأساطير بأية صلة، وبعضهم يعيش على ذكرياتها من بعيد ويستطيب جريانها دماً ينعش ذاكرته التاريخية. فالذين أخرجوا من القفقاس والذين استقروا فيه قبل مائتي عام ونيف في العهد القيصري أو بعد ذلك بكثير في العهد السوفيتي، بعضهم يحمل التاريخ في ذاكرته والشوق في قلبه ولا يقطف من ذلك سوى الوجع، وبعضهم لا يحمل في عمق تكوينه من مقولاته الأساسية شيئاً شعبياً بالمعنى العميق، ولا تنغرس دروس طبيعته الساحرة وأسئلتها المحيرة وإيماءاتها الموحية في أعماقه ومع ذلك ينسبها إليه ولا أقول ينتسب إليها. إنهم يقطفون آخر عناقيد الشجرة اليانعة ويقولون إنهم هم الذين غرسوها أصلاً وتعهدوها بالعناية والرعاية؟! وتلك مغالطات ما أكثر انتشارها في الأرض وما أكثر تأثيرها على تاريخ الناس في الأرض، ذلك التاريخ الذي يبدو في بعض الأحيان أكاذيب مكدسة على صدر الحقيقة تغيبها أو تكاد. فالحكايات تصبح أساطير، والخرافات تتحول إلى حقائق، والحقائق تدخل بوابات الأساطير. في معظم مدن القفقاس كل جميل ينسبونه إلى ليرمنتوف، وتاريخ القفقاس ينحسر في ذاكرة البعض ليصبح تاريخ الروس فيه، والضابط الفاتح أو الذي ينفذ سياسة القيصر العدوانية ضد شعوب القفقاس هو البطل الرائع الذي يملأ الربوع وداً وحباً وكبرياء ويعطي لكل شيء من حوله مدلولاً ومعنى، حتى عدوانه الصارخ على بنات القبائل وزعمائها يصبح شيئاً من بركة جاذبية قلبه الدفيء وحنانه وفيض إنسانيته على أولئك المتوحشين الذين ينقلب دفاعهم عن أنفسهم وشرفهم وأرضهم وممتلكاتهم إلى قرصنة ووحشية بنظر (القوي).. أو إلى (إرهاب) في تعبير عصرنا الأميركي- الإسرائيلي؟! لا تعجبوا هذا يتكرر في مراحل التاريخ ومفاصل الأرض وجنبات المجتمعات، ثم ينشر جذوره في الثقافات ويغزو المفاهيم والمصطلحات ويصبح فلسفة استعلائية وعنصرية بغيضة.
قتل الشاعر ليرمنتوف في مبارزة مع ضابط زميل له كانا معاً في الكلية الحربية، حدث ذلك بعد سهرة مثيرة تم فيها تبادل آراء وكلمات وتلميحات وغمزات غير موفقة، أمام فتيات مثيرات في بيت الجنرال، الأمر الذي ترك ندبة عار لا يمحوها سوى الدم، فدعا مارتينوف زميله ليرمنتوف للمبارزة وأرداه قتيلاً على سفح جبل معشوقة الأخضر برصاصة اخترقت صدره ورئتيه وألقته فاقداً الحياة في اللحظة ذاتها التي أطلق فيها ليرمنتوف الرصاص في الهواء.. ليس ذلك أسطورة وإنما مفارقة تستحق أن يتوقف عندها المرء.
وقد شاهدت الغرفة التي قضى فيها ليرمنتوف ليلته الأخيرة في بيورسك، والمكان الذي تمت فيه المبارزة، وهو مكان جميل كثيف الشجر لا تكاد تخترقه الشمس، وحين تنظر إلى المنطقة كلها من أعلى يمتد أمام نظرك بساط أخضر لا يكاد ينتهي يتكون من أغصان الأشجار وقممها، كما شاهدت القلعة التي خدم فيها ليرمنتوف ضابطاً بعض الوقت، وكثيراً من المواقع التي نُسِبت فيما بعد إليه واتسمت بالجمال وغذَت النفس بالمتعة فأصبحت مواقع (ليرمنتوفية)، كما شاهدت ملابسه وبعض أدواته الشخصية. ولم يكن ذلك الشاب ابن السابعة والعشرين الذي ترك رواية وبعض القصص وأربع مسرحيات وعدداً كبيراً من القصائد، لم يكن قد نضج إلى درجة تكفي لتصنع حوله تلك الهالة الكبيرة، وتنسب إليه مواطن الجمال في بلد يحبه أهله وينتسبون إليه ويعشقون طبيعته، ولكن الموت يطيل رجل الميت كما يقولون، والزمن الذي يمر يعطي للماضين شيئاً من قداسة، والروس يريدون أن يضفوا على القفقاس انتماء خاصاً لهم، ولذلك يرفعون عالياً اسم من زاره أو عاش فيه أو مات على أرضه من أعلامهم. فبوشكين زار القفقاس وكذلك تولستوي، ولكن ليرمنتوف يكاد يختصر تاريخ ذلك الانتماء ويعطي لأجمل المناطق أسمه أو أسماءها.. أما أهل القفقاس فمغيبون بشكل ما.
في الأرض الجميلة يجتمع السحر والتاريخ والوقائع المرة، وفيها يستمر حضور ذلك كله في حالة تفاعل حيوي مستمر. وأجدني أسير كلمات أقولها في تلك المواقع الجميلة التي أتيح لي أن أزورها في:
- جلينزفودسك: التي تنتشر على سفوح جبل بيش تاو وجبل ومعشوقة تذكر الأسطورة التي تروى عن عشق الجبل للهضبة واشتعال الغيرة في أعماقه وتعرضه لضربة من الجبل الأب قسمته إلى قمم خمس وجعلته ينسى حب معشوقته التي تسكن قلب الجبل الأب؟!، وفي المنخفضات تحت أقدامهما طبيعة خضراء.. غابة شُقَّت خلالها الطرق واستظلت بها البيوت وأماكن الاستراحة والمصحات الكبيرة والكثيرة. في تلك المواقع غابت حقائق وعرَّشت وقائع التاريخ الدامية لتجعل القفقاس ساحة معاناة مستمرة.
ـ 2 ـ
وقد يكون للحكايات مرارة تنقعك في الملح والخل وتجلو عنك سحر الأساطير وتجعل الوقائع المرة اشد فتكاً.
في إقليم ستافروبل بدأ القطار يخطر بنا ويعرُج عند كل مقطع حديدي في سكتة التي تمتد مئات الكيلومترات، ومع مرور الوقت اعتدت على عرَجه ونعاسه في بعض المحطات. وبعد مجاوزته للسهوب الممتدة شمال جبال القفقاس بدأت تظهر من آن لآخر مستنقعات مليئة بحقول القصب الذي يحني رؤوسه في ولهٍ نحو الماء، فهو العاشق الظامئ أبداً الذي يبدو لك أنه لا يمكن أن يرتوي، إنه مثل الإنسان: ذلك القصب مجوف ثقيل الرأس الذي يغريه أنه مترفع فوق الطين والماء ولكنه عندما يخرج من جوفهما ويخرجان من جوفه يجف وييبس ويموت.
كان معي في القطار كاتب وصحفي شارك في الحرب العالمية الثانية يدعى فينوغرادوف، يقلقه ويؤلمه انهيار الاتحاد السوفييتي، ويحاول أن يخرج من الإحباط والمرارة من آن لآخر بسؤال استنكاري أو نكتة مرة أو شمخة رأس يلطمها حديد سقف العربة، قال سوف أروي لكم نكتة عن الروس واعتدادهم بأنفسهم:
عندما فتح الروس برلين دخل جندي مسوَدّ الوجه أغبر الهيئة على صيدلي في برلين وقال له: املأ كأساً من السبيرتو املأه تماماً وأعطني إياه، كان الجندي يشهر سلاحه وأخذت الصيدلي الرعشة من شدة الخوف، فملأ له الكأس تماماً من أقرب زجاجة إليه، وتناول الجندي الكأس وسكبه في جوفه دفعة واحدة، ثم مج نفساً طويلاً مرافَقاً بصوت تدفق الهواء من جوفه وخرج إلى الشارع. نظر الصيدلي إلى الزجاجة وارتعد لقد أعطاه شيئاً آخر غير السبيرتو، وأخذ ينظر إلى الباب ويتوقع أن يعود الجندي ليطلق عليه النار.
بعد دقائق عاد الجندي يرافقه جندي آخر وهما يشهران سلاحيهما في وضعية التصويب وأيقن الصيدلي أنه مقتول، قال له الجنديان: أعطنا كأسين كاملين من السبيرتو.
فسكب الصيدلي من زجاجة السبيرتو التي أمامه هذه المرة كأسين وأعطاهما للجنديين، فشرباهما ثم قال الجندي الأول: لمَ لم تعطنا من السبيرتو الأول هذا النوع أشرب منه منذ سنوات، الأول أفضل.
قال الصيدلي عفواً لقد أخطأت في المرة الماضية فلقد أعطيتك حمض الكبريت، أما هذه المرة فأعطيتك السبيرتو.. وبقي يرتجف خوفاً وينتظر ما سيحل به من عقاب.قال الجندي الروسي بهدوء.. آه.. صحيح.. لقد فهمت فعندما تبولت أذاب البول مقدمة حذائي..
وبدا لي أن هذا الرجل يحترق أو هو- كما توحي بذلك هيأته- قد أنهى احتراقه فجأة، وبدا كعود ثقاب أطفأته فوثب لهيبه وأصبح أشهب الرأس على قامة صلبة.
فينوغرادوف أنموذج لمحاربين حققوا نصراً في الحرب العالمية الثانية، وذاقوا لذة أن تكون ابناً لدولة عظمى من دون أن تشعر بالراحة أو السعادة لأنك مسحوق ومحتقر ومقهور وتخاف أن ترفع صوتك طالباً العدالة والرحمة، وفجأة تنهار أمامك سلطتك المرعبة وتنزلق من تحت قدميك الجبال الراسية الصلبة منسحبة إلى أعماق الماء.. إلى تيه الماء، وتجد نفسك بين الغرق والتجمد فاقداً التوازن إثر زلزال لم تعرف بعد كيف حدث ولا أين ألقاك بالضبط، ولكن الأشلاء وركام الحطام من حولك والبعد عن الشاطىء.. كل ذلك يجعلك في خضم المتاهة.. الواقع أو الواقع المتاهة، أنت.. أنت.. ولكنك لا تعرف كيف أصبحت لا شيء أو قريباً من ذلك، ويصعب عليك أن تسلّم بأنك انتهيت تقريباً، وبأن قراءتك للواقع وربما للتاريخ لم تكن دقيقة ولا سليمة؟! لا توجد أساطير هنا بل حكايات ووقائع تجعل الواقع أقرب على الأسطورة.
أصغيت لصوتين صوت الذاكرة يعيد المشهد وصوت العقل يقرأ على ضوء شموع الحاضر التي تكاد تنطفئ بعد أن ذابت حتى آخر قطرة.. ما أصعب الحال وما أشبه المآل بالمآل!؟
انتشلني من صمتي واستغراقي في هذا الموضوع صوت يقول لي: لقد اقتربنا من روستوف تعال انظر.
وشدني النداء، بل شدتني الكلمة التي كانت شمعة الجملة التي نقلت النداء، روستوف.. معنى هذا أننا على الدون ومرابع شولوخوف، وأسرعت إلى أقرب نافذة، لا أريد أن تفوتني رؤية الدون الهادىء. كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساء الاثنين 16/ سبتمبر/1996 كانت عربتنا وهي الثانية بين عربات القطار عند بداية الجسر والشمس بين جفنين من غيوم، وبؤبؤها غارق في حمرة مضيئة كأنها الوسن في الضحى. كان ماء النهر رمادياً مائلاً للزرقة ينساب في منحى لا يكاد يظهر لاتساعه، وقد أحاطت الأشجار بالمجرى فضاعفت ظلالها قتامة الماء الساحر الذي ينساب بهدوء مخيف. لم يكن على ذلك السطح الرمادي سوى مركب صغير لصياد يستغرق في البحث عن رزقه عند عتبة العتمة، وبدا لي الجسر القريب حديثاً لأن جدارين ضخمين للجسر القديم شكلا مع المركب والماء والشمس المحتضرة والأشجار الباسقة لوحة غروب أسطورية مؤثرة. آه لو أن القطار يخفف سرعته أكثر.. آه لو أنه يتوقف.. لو أن الزمن يراوح في مكانه لأستمتع أكثر بشيء أشتاق لرؤيته، ولكنه يمر خطفاً. عبثاً تحيا عند الإنسان الأمنيات، وعبثاً تردد.. لو أن.. لو أن.. لو أن.. كل شيء ترغب فيه يسرع قبل أن تمسكه.. لا يوجد استثناء.. لم أعرف استثناءً.. ومر الدون هادئاً عبر القاعدة ذاتها، فأنا الذي كان يسرع بي القطار هذه المرة حتى لا يحقق لي استثناءً ما.
كانت أضواء بيوت روستوف تتراقص في عيني من جرَّاء حركة القطار الأعرج.. ودخلنا المحطة التي لا تقل كآبة عن المحطات الأخرى، وهرول الباعة، شأنهم في المحطات الأخرى أيضاً، يقدمون ما يحملون لمن يريد شراء شيء مما يحملون. نزلت من العربة.. تمشيت قليلاً على رصيف المحطة.. كان للهواء البارد لذعة خفيفة خشيتها ولكنني كنت أحتاج إلى المشي والهواء الطلق ولذع من نوع ما يعيد إلي الذاكرة المنهوبة والإحساس الأدق والأعمق بكل شيء. لوحة الغروب الأسطورية أخذت بالزوال، والليل يشد زورقه الهائل ويبحر في السكون.. وأنا في موجات سكوني المتوحشة.
عدت إلى القطار ووقفت في الممر قرب النافذة أمام مقصورتي وسرحت نظري في السماء.. كان المنظر خصباً يسمح للخيال بالحركة.. لحظات وأيقظني شيء من شرودي، شيء شد عيني إلى الأفق الغربي، ها هو الهلال ابن يومين فقط.. قطعة من النور الباهت على أرضية زرقاء باردة تتزاحف ظلالها لتخنق بقايا الأشعة الهاربة من الاختناق.
في أثناء السفر تحتشد في فضاء ذاكرتي أشياء كثيرة ويسبب لي هذا في كثير من الأحيان ألماً وأرقاً يجعلاني أشعر بالغربة شعوراً مضاعفاً، وفي غربتي عن الوطن أكتشف أنني أكثر توقاً إليه وأكثر استغراقاً في همومه ومشكلاته، وحين أعود إليه أجدني أشد غربة فيه؟! ألم ممض يتشظى في مكان ما تحت القلب ويخترق الرئتين ولا تلبث أشعته السينيَّة أن تتصاعد إلى الدماغ ناشرة في العروق ناراً تحرق ببطء ويعسّ دخانها بين الأوردة والشرايين والخلايا ونقا العظام.
تلك أوقات نعيشها بين الأساطير والحكايات والنكات المرة والوقائع تجعل الاستغراق في التأمل نوعاً من الغرق في الألم.

علي عقلة عرسان
الامين العام لاتحاد والادباء والكتاب العرب


أعلى

 





العرب والانتخابات الأميركية ..مفارقات اللحظة الراهنة

ليس قدر العرب وحدهم، أن يعبأوا بانتخابات تبعد عن ديارهم آلاف الأميال، وإنما هو قدر اللحظة الراهنة في دورة العلاقات الدولية التي توقفت مؤشراتها عند نقطة مارقة تجذب الأنظار لوجهة واحدة، كأنما هو انتظار لمولود لا يعرف أحد ما إذا كان سيصرخ أم سيضحك في وجه الآخرين، الذين شغلوا بانتظاره. إنما قدر العرب أن عجلة التاريخ تقف الآن ببابهم، كما فعلت من قبل مرات ومرات وإن بمنظور مقلوب، فهم الآن محور اهتمام الكون لسبب واحد يلخصه وقوفهم المتواصل عند خطوة سابقة في مسيرة التاريخ اللامنتهية، دون استدراك ما تلاها من خطوات، فمساحة التجريب للقوة الباطشة أو بطش القوة تتسع في أرضهم بدءاً من احتلال للعراق ووأد لفلسطين (الحلم)، وتسكع في سياسات الأقطار، وغرس لقيم ومفاهيم تعبر بالفرد من روحانيات موروثة إلى وقائع ملموسة، ليس بينهما أدني رابط، وكأنما هو محاولة لإعادة تخليق وتركيب تتوافق ومصلحة الأقوى.
استعداد العرب للانتخابات الحالية لم يختلف كثيراً عنه في المرات السابقة، بيد أنه الآن أكثر وطأة ليس لإمكانية وقدرة العرب على تحويل الدفة من طرف إلى آخر، كما هي قدرة الغريم الإسرائيلي، وإنما لآن العرب وكما ذكرنا آنفاً من أشد المتأثرين بمبارزة كلا الطرفين المتبارين، يكفي أن كلا المرشحَين اللذين اختلفاً ذهابا وإياباً، لم يتفقا إلا في النظرة للشرق الأوسط وبالأخص خاصرته العربية.
مفارقة غريبة هي أن يراهن بوش وكيري علي استئناس العالم العربي بمختلف السبل، وأن يصبح هذا الاستئناس محط اهتمام الناخب الأميركي، في الوقت الذي يظل فيه هذا العالم مجذوباً نحو ترهات واهتمامات تفصيلية جل تركيزها أي المرشحَين سترسل له باقات التهنئة في محاولة استباقية لاستئناسه وخطب وده.
خلل القوة يكشف عن نفسه بـ(قوة) في نظرة العرب للانتخابات باعتبارها حدثاً شؤماً في كل الأحوال، خصوصاً بعد إدراكهم (المتأخر) لعدم نجاعة التساؤل المتكرر عشية كل انتخابات: أيهما أفضل فلان أم علان؟ فالكل بات على يقين بأن كليهما أسوأ من الآخر، ولكن لا مانع بعد تجربة الأسوأ أن نجرب السيئ الثاني، فلربما كان أقل سوءاً.
هكذا أصبح التفضيل بين خيارين أحلاهما مر، وبين بديلين كلاهما ينظر للعرب من نفس الثقب، ثقب الجمود والرجعية الموصل للعنف والإرهاب. والعرب كما الشاة تنظر لكلا الطرفين بمنظور أيهما يحمل سكيناً أسن من الآخر، فالنتيجة محسومة وهي بتر المخالفين وإن بدا اختلافهم شكليا. وكأن العرب لم يلبثوا إلا ساعة منذ الانتخابات السابقة، حتى وجدوا أنفسهم أمام مرشح جديد يحاول مضارعة جورج بوش، فلم يتحركوا قيد أنملة لشج الفروق بينهما، التي هي في نظرهم غير موجودة أصلاً.
أسوأ ما في الأمر أن اهتمام العرب بالانتخابات لم يقتصر على مجرد فرغ الأفواه انتظاراً لما سيحدث، وإنما أن يصبح اهتمام المواطن بها أكثر من اهتمامه بأي انتخابات تجري في بلده، أو بمأساة تدور على أرضه، فهو لا يعبأ كثيراً بانتخابات (داخلية) لن تقدم جديداً، الذي هو معروف سلفاً، كذلك لا يلتفت لرحى صراع دائر، هو في الحقيقة أبعد ما يكون صراعاً علي كسب رضائه أو إرضاء مطالبه.
ماذا كان بوِسع العرب عمله للتأثير في نتائج الانتخابات؟ سؤال بديهي لا يقل بداهة عن بلاهات متعددة طغت على العقل العربي، بحيث أفقدته مجرد التفكير في حدث بحجم الانتخابات الأميركية، أو لذة التصارع لأجل تحقيق مكاسب (محدودة) قد تخفف من وطأة الأوضاع الدرامية في المنطقة. سؤال (أبله) تشتق إجابته من رحم تساؤل أكثر (بلاهة) هو: وماذا فعلت إسرائيل للتأثير في الانتخابات؟ بل وكل انتخابات تجري منذ أكثر من نصف قرن؟.
منطق العرب في التعاطي مع حدث بحجم الانتخابات لا يختلف كثيراً عن تعاطيهم مع بقية الأحداث العالمية، ويعد بديهيا وليس استثناء على سلسلة من المواقف تطول حلقاتها، توصل في النهاية إلى نتيجة واحدة، مفادها مجرد الاهتمام الظاهري (المؤقت) الذي لا يلبث أن تتحول سخونته إلى برودة تحبس الألسنة داخل الأفواه. وكلما أسرعت عجلة الانتخابات الأميركية كلما زاد العرب تقوقعاً وتراجعاً، فهم يدركون أن صراعهم لنيل اهتمام أحد الطرفين، لا يختلف كثيراً عن صراعهم على دعم الحقوق العربية المهدرة سواء في فلسطين أو العراق، فكلا الصراعين محسومة نتيجته سلفاً، أو هكذا يظن البعض وهي عدم الالتفات له أساساً. برهان ذلك أنه رغم سوءات بوش وأخطائه المتكررة، إلا أن العرب لم يقدموا الكثير لكيري، الذي يتحدث البعض عن تفتحه العقلي ورصانته في معالجة قضايا الشرق الأوسط، وانحسر تبرير هذا الموقف في مقولة (كمن يستجير من النار بالرمضاء).
إنه نفس المنطق التبريري الذي يلوذ إليه العربي في كل مناسبة لا تقوى فيها السواعد على المجابهة، فبعض البلدان العربية، إن لم يكن جميعها، (كانت) تمتلك أوراقاً يمكنها ترغيب أو (تطميع) كلا المرشحَين، وذلك دون الخلط بين أوراق اللعب ونهج التنازلات.
إحدى هذه الأوراق كان الموقف من وضعية العراق، وإلى أي خيار يقف العرب، هل مع إدامة الاحتلال أم مع نيل الاستقلال؟ إدامة الاحتلال تعني التصويت لجورج بوش، وهو حدث (ضمناً) من خلال السكوت، والسكوت هنا يكفي. أما تحقيق الاستقلال (كان) يعني تشجيع كيري ودفعه نحو مقدمة السباق. هذا الاستقلال لم يكن ليكون (عراقياً) فحسب وإنما (عربياً) أيضا، فهو يعني بشكل أو بأخر التخلص من ربقة الإصلاحات المفروضة وفق المزاج الأميركي.
حقيقة الأمر أن العرب لم يفعلوا هذا ولا ذاك وأوقعوا أنفسهم في مأزق مزدوج، هل يؤيدون بوش فيتركونه يفعل ما يشاء في العراق، حتى يتبين له حقيقة أن فرض الديمقراطية قسراً أمراً غير مجدٍ فيتراجع عنها مع البقية العربية، أم يدعمون منطق كيري فيقبلون باستقلال (شكلي) للعراق على أن تستمر سياسة العصا والجزرة؟
ولعل من المضحكات المبكيات أنه عشية كل انتخابات أميركية، وبعد أن يكتشف العرب ضعف موقفهم في ذهن المرشح الفائز، تسود نغمة الانتظار، أي انتظار الانتخابات التالية على أمل أن يأتي من هو أفضل، فعلوها مع بيل كلينتون من قبل وكرروها معه جورج بوش الرئيس الحالي، انتظار وراء انتظار، حتى توقف التعاطي العربي مع الانتخابات الأميركية عند مجرد الانتظار، ونراكم في انتخابات 2008، بحول الله وعليكم خير.

خليل العناني
مفكر وكاتب مصري


 

أعلى

 




الرئيس الاميركي المقبل و حلف الناتو

من المتوقع أن يقوم رئيس الولايات المتحدة الاميركية المقبل سواء أكان بوش أم كيرى بالضغط على حلفائه الاوروبيين فى العام القادم بهدف الحصول على مساعدات أكبر فى التصدى للتحديات الثلاثية التى تواجه الولايات المتحدة فى العراق و أفغانستان بالاضافة الى الحرب على الارهاب . و سوف يعول الرئيس الاميركى المقبل أيا كان شخصه على المساعدات العسكرية التى قد يحصل عليها من حلف شمال الاطلنطى الناتو . و لكن هل سيكون الحلف مستعدا و قادرا على القيام بهذه الخطوة حتى و إن لم تكن الدول الاعضاء فى الحلف مستعدة للقيام بذلك ؟
سوف تحدد الاجابة على هذا السؤال درجة استجابة الاوربيين للاحتياجات الاميركية من عدمه. و لكن الحصول على رد ايجابي سوف يعتمد على التزام الولايات المتحدة بتعهداتها الخاصة التى كانت قد قدمتها لحلف شمال الاطلنطى . و تتضمن هذه التعهدات زيادة دعم الولايات المتحدة لعمليات انتشار القوات التابعة لحلف شمال الاطلنطى و تبادل التكنولوجيا العسكرية العالية و الموافقة على اقامة سوق مفتوحة لبيع الأسلحة الدفاعية فى نطاق الدول التابعة للحلف.
و كان حلف شمال الاطلنطى قد خضع الى تحولات كبيرة خلال عقد التسعينات من القرن الماضى وهو الامر الذى مكنه من التعامل مع المواضيع المتبقية من برنامج الامن الاوروبى فى القرن العشرين . وعلاوة على ذلك ، بدأ الحلف فى تنفيذ بعض العمليات خارج نطاق الدول التابعة له من خلال الاشراف على مراقبة عمليات حفظ السلام فى كل من البوسنة و كوسوفو . و خلال هذا العقد ، عمل الحلف على تطوير آلياته مرة أخرى كى يستعد لمواجهة تحديات حقبة ما (بعد الحرب الباردة) وخصوصا مع ارتفاع خطر الارهاب و زيادة الاضطرابات فى منطقة الشرق الاوسط . و قد أدت اتفاقية القيادة المشتركة الجديدة التى أقرها الحلف الى دخول تقنيات الحرب الحديثة الى أوروبا و هو الامر الذى عزز قليلا من نجاحات الولايات المتحدة العسكرية فى حرب العراق و أفغانستان . و كان حلف الناتو قد شكل قوة رد لها القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية محدودة فى أماكن بعيدة . و عمل الحلف أيضا على تعزيز شراكته فى برنامج السلام و الحوار مع سبعة دول فى منطقة البحر المتوسط . و فى مؤتمر القمة الأخير الذى عقده الحلف فى مدينة اسطنبول التركية أواخر شهر يونيو الماضى ، تبنى الحلف مبادرة التعاون مع دول الخليج العربى ، و تسلم قيادة قوات المساعدة الدولية التابعة للأمم المتحدة فى كابول و بعض المدن الأفغانية الأخرى . بيد أن هذه الدرجة من الاستعداد و القدرة لا تبدو كافية. و تنبع المشكلة من إعراض معظم حكومات الدول الأوروبية المستمر عن تقديم الدعم المادى للقوات التى يحتاجها الحلف كى يستمر فى أداء دوره المؤثر و خصوصا خارج حدوده التقليدية . و إضافة الى عدم توافق الرؤى بين الولايات المتحدة و الدول الأعضاء فى حلف الناتو بخصوص الوضع فى العراق ، تلوح فى الافق بوادر أزمة فى التعاون العسكرى بين الولايات المتحدة و حلف الناتو . و السبب الأول لهذه الازمة هو أن الولايات المتحدة تساهم بعدد قليل جدا من الضباط و الجنود فى قوة الرد التابعة للحلف و ذلك على الرغم من أن هذه القوة كانت قد تشكلت فى الاساس بناء على اقتراح قدمته واشنطن . و السبب الثانى هو أن الولايات المتحدة تبدو غائبة تماما عن المشاركة فى قوات المساعدة الامنية الدولية (الايساف) وذلك على الرغم من أهمية دورها فى تحديد مستقبل الحلف . و يشكو الاوروبيون من استمرار اعراض الولايات المتحدة عن تبادل تكنولوجيا (الصندوق الأسود) معهم. و فى المقابل ، تبدى (واشنطن) قلقها بشأن تسرب هذه التكنولوجيا الى بعض الدول الأخرى . و تبدو مشاعر القلق التى تنتاب القيادة الاميركية شرعية و لكن هذه المشكلة يمكن التغلب عليها بسهولة . و يجب علي الولايات المتحدة أن تسمح بتبادل العلم و التكنولوجيا و المنتجات العسكرية الشائعة مع حلفائها . و إذا لم تنفتح الولايات المتحدة على حلفائها ، فسوف يحدث لا محالة انخفاض فى مبيعات الاسلحة الاميركية الى أوروبا و ذلك فضلا عن تراجع التبادل المفيد للتكنولوجيا بين واشنطن و حلفائها الاوروبيين .

روبرت هانتر
مستشار بارز بمؤسسة راند الخيرية للابحاث . و سفير الولايات المتحدة السابق لدى حلف شمال الاطلنطى (الناتو) فى الفترة من 1993 : 1998 .
خدمة (كيه .آر . تى) ـ خاص بـ (الوطن) .

أعلى



إلى متى يستمر خوف الناخبين الاميركيين من المرشحين الأذكياء ؟

هل يبدو جون كيرى ذكيا جدا بدرجة تؤهله لرئاسة الولايات المتحدة ؟
تولد لدي هذا الشعور عندما قابلت (كيري) للمرة الأولى و الوحيدة أثناء حفل غذاء نظم على هامش المنتدى الاقتصادى العالمى الذى أقيم بمدينة ديفوس السويسرية عام 1998 .
وبعد تحدثى مع كيرى ، أدركت أنه يتمتع بدرجة عالية جدا من الذكاء والثقافة والمعرفة والاطلاع وذلك فضلا عن إلمامه بالخلفيات الثقافية والتاريخية وهو الامر الذى مكنه من التأثير في جموع الحاضرين. وبعدها عبرت لاحد مساعديه الذين كانوا متواجدين فى هذا المؤتمر عن أسفي لاحتمال أن تصبح قدراته العقلية الحادة عائقا أمام تطلعاته في الوصول الى البيت الابيض .
وبعد كل هذه السنين ، ومع إظهار معظم استطلاعات الرأى تفوق الرئيس بوش على منافسه الديمقراطى فى أعقاب المناظرات التليفزيونية الاخيرة التى أثبت خلالها كيرى أنه يتمتع بقدر أكبر من الذكاء والمرونة ووضوح الرؤية والقدرة على فهم العالم عن منافسه الجمهورى ، أخشى أن أكون محقا فى ملاحظتى التى كنت قد ذكرتها فى الماضى .
إلا أننى لا أستطيع - الى الان - أن أتصور الاسباب التى قد تمكن شخصا أخرق ومترددا وبليدا مثل بوش من السيطرة على أصوات نصف الناخبين الاميركيين .
هل هى ان الاميركيين يفتقدون للرؤية المستقبلية مثلهم فى ذلك مثل بوش ؟ أم أن المشكلة تكمن فى كيرى نفسه بسبب تعامله مع معظم فئات الشعب الاميركى على أنهم رفيعى الثقافة ؟ وهل ينظر الاميركيون الى براعة كيرى وعقليته الحادة والمعقدة على أنها نقطة ضعف ؟
وما يرثى له هو أن نزعة العداء للمفكرين والمثقفين لها تاريخ طويل فى الولايات المتحدة.
وكنت قد عاينت هذا التحيز المجحف والواسع عام 1952 عندما كنت في سن العاشرة . وكان الشعب الاميركي وقتها يستعد للمشاركة في الانتخابات الرئاسية . ولم يخامرنى ، وقتها ، أدنى شك فى قدرة أدلاى ستيفنسون مرشحى المفضل الذين كان يعتبر انحراف الناس ثقافة وحصافة ومعرفة في الولايات المتحدة من الفوز على الجنرال دوايت أيزنهاور الذى كان يفتخر بتفضيله للعب الغولف على قراءة كتاب نافع. وبعد أيام قليلة ، ظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية ، وحقق إيزنهاور فوزا ساحقا على مرشحى المفضل . وعندما سألت والدي عن الاسباب التى دعت الشعب الاميركى الى رفض شخص مثقف وذكي وحاذق مثل ستيفنسون ، أكد لى على أن هذا الاختيار يعتبر إنحرافا عابرا فى المعايير والقيم والاخلاقيات . وأوضح لي أن الناخبين الاميركيين كانوا قد تأثروا وقتها بالاتهامات المغرضة التى وجهها إيزنهاور الى ستيفنسون. ونجح ايزنهاور في اقناع الشعب الاميركى بأن الثقافة تعتبر مرادفا للخيانة وخصوصا عندما تكون الدولة مقبلة على مواجهة تهديدات قومية كبرى. بيد أنني تمكنت لاحقا من إدراك أن هذه الخطوة لم تكن مجرد انحراف عابر ومؤقت فى المعايير . فبعد مرور أحد عشر عاما على هذه الانتخابات ، نشر ريتشارد هوفشتاتر كتابه الشهير معاداة الثقافة فى الحياة الاميركية . وحاول هوفشتاتر جاهدا خلال كتابه الذى فاز بجائزة بوليتزر استكشاف الاسباب الأساسية التى تؤدى بالشخص الى الخوف والشك فى المثقفين . وكان هوفشتاتر قد أكد فى كتابه على أن نزعة العداء للمثقفين متأصلة فى العادات والأعراف الاميركية ، وسرد المؤلف الاسباب التى أدت الى انتشار هذه النزعة . وقد يصاب الشخص الذى يقرأ هذا الكتاب الرائد فى الوقت الحالى بالدهشة عندما يدرك أن المؤلف قد سبق عصره وتوقع صعود نجم حركة المحافظين الجدد والتشدد الدينى فى الولايات المتحدة الاميركية فى عصرنا الحالى . وقد يساعدك الكتاب على إدراك الاسباب الى دعت عدد كبير من الاميركيين الى القول بان كيرى لم يتمكن من إقناعهم على التصويت له فى الانتخابات المقبلة وذلك على الرغم من اعترافهم بأن المرشح الديمقراطى قد تفوق على منافسه الجمهورى فى المناظرات التليفزيونية الاخيرة .
وبامكان المرء فقط أن يأمل فى ألا يخشى الشعب الاميركى فى المستقبل من اختيار القائد الذى يعتقد أن الطريقة المثلى لمواجهة التهديدات الارهابية المتعددة التى ارتفعت في الوقت الحالى والتي سوف ترتفع بصورة أكبر في المستقبل تكمن في الاعتماد على الذكاء وإعمال العقل ، وهى الفرضية التى لا ينبغى لأى فرد أن يخجل منها.

آرييل دورفمان
كاتب ومحلل سياسي أميركي شهير
خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص بـ(الوطن).


 

أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر أغسطس 2004 م





تأملات في وادي الهجر

معتقلات غوانتانامو سيئة السمعة... مشكلة تبقى دون حل

الجنود العائدون من أفغانستان يقتلون زوجاتهم


.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept