
أقول لكم
لو كانت المنار يهودية؟!
لباركها البيت الأبيض وحملة المباخر في معابد
النظام العالمي، وقساوسة اليمين الأميركي المحافظ الذي يصور المسيح
عليه السلام مقاتلا يحمل راجمة صواريخ بدلا من غصن الزيتون ، وحاخامات
اليمين الاسرائيلي المتعصب الذين تضج أسفارهم الموضوعة بدعوات القتل
والهدم والتشريد لكل (الأغيار) .. لكن المشكلة ان (المنار) قناة
عربية تقدم رؤية من منظور اسلامي تفضح الغشاشين وأصحاب المعايير
المزدوجة والكذابين وحملة الشعارات الخادعة المضللة و.. ولهذا كله
صدر قرار وقف بثها في باريس مع تأهب واشنطن لاعتبارها (تنظيما ارهابيا)
!
ويبدو غريبا ومستهجنا أن تضيق المجتمعات التي تتشدق بالديمقراطية
ذرعا بالكلمة فتحاول ان تخنقها وتكمم أفواه من ينطقون بها، ولو صحت
ادعاءاتهم بحرية الرأي واحترام الآخر لواجهوا (المنار) بالحجة والمنطق
وليس بقرارات الايقاف وادعاءات الارهاب، رغم انهم يبثون عشرات القنوات
التي تحمل رؤاهم المضللة وتروج لهيمنة الأخ الأكبر في زمن ما بعد
انتهاء الحرب الباردة، وتفوح منها روائح العنصرية الكريهة والنظرة
الاستعلائية المغرورة الجوفاء.
ولأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، فان العرب جميعا مدعوون لايقاف
عشرات القنوات الغربية التي لا تقدم إلا العهر والبذاءة والأكاذيب
التي فضحها الرأي العام العالمي، إعمالا لقاعدة توراتية تؤكد ان
العين بالعين والسن بالسن.. والمنار بـ ... و... و... والقائمة طويلة
جدا.. واذا فشل العرب في اتخاذ هذا الموقف الدفاعي، فانهم مدعوون
لمواصلة الاستمتاع بكوكتيل الجنس والكذب والغش والخداع في قنوات...
و... و... !!
أعلى
باختصار
رفض عسكرة الانتفاضة
عادت نغمة رفض عسكرة الانتفاضة حوارا ساخنا
داخل المجتمع الفلسطيني . تلك الجملة التي سقطت على وعي الفلسطينيين
اوقفت زحف التأييد المطلق لانتخابات كان يراد لها ان تكون كاسحة
ماسحة كما يقولون . لم تستطع تلك الجملة ان تمر على حواجز الحنين
الى عمل دائم له قدسيته ولا يجوز التهديف عليه في هذه الظروف ذات
العنوان المعين .
ثار الشارع الفلسطيني على الجملة المرفوضة وعلى الذين اعادوا تكرارها
. مازال للفلسطينيين امل باهر بان يفعلوا مابوسعهم في المجتمع الاسرائيلي
وان يجربوا فيه الضرورات التي تمنعه من ان ينام على هدوء . وثار
الفلسطينيون لانهم لم يريدوا ان يسمعوها من ابو مازن بالذات في توقيت
ليس في مصلحته ولا هو في مصلحتهم . انهم يخشون على ضياع حقوقهم اذا
ماالتزم ابو مازن بجملته الشهيرة التي صارت من الامثال التي تهز
المجتمع الفلسطيني في صميمه .
رغب الفلسطينيون من ابو مازن ان يدعوهم الى حوار الشجعان في مابينهم
، بين الفصائل التي لم تجد حتى الان صوتا نشازا في صفوفها يدعوها
الى وقف عسكرة الانتفاضة او اعادة النظر بها . تمنوا على الرجل المرشح
لقيادة المرحلة المقبلة من التاريخ الفلسطيني ان يكون قد نسي تلك
الجملة التي رفعها مرارا ابان رئاسته للوزارة الفلسطينية عندما كان
حارس القضية الفلسطينية ياسر عرفات مازال على قيد الحياة . يومها
استجابت الفصائل اكثر من خمسين يوما لهدنة وليس لوقف العمل المسلح
. ثمة فرق بين اعلان الهدنة مع الالتزام التام بمعاودة العمل المسلح
وبين مفهوم رفض عسكرة الانتفاضة . مفهوم الرفض بحد ذاته يحمل معناه
البعيد وربما الاستراتيجي الذي تخافه الفصائل وتتوقع ان لاتلتزم
به اذا ماجاء ثابتا .
وفي الوقت الذي كان شعار رفض عسكرة الانتفاضة يلوح مثل علم كان موقف
شارون على وضوحه : لاعودة للاجئين الفلسطينيين.المنطق الشاروني لايسمح
للفلسطينين بالكثير من التأمل في موضوع الانتفاضة. انه كمن يدعوهم
اليها وحمل السلاح كما يقتضيه منطق الدعوة .
من الصعب اقناع كثير من الفلسطينيين بوقف عسكرة الانتفاضة مهما بولغ
في اقناعه . لقد اختار العمل المسلح لانه يعرف حقوقه وكيفية الدفاع
عنها ويعرف ايضا كم الكذب الاسرائيلي والمواقف الاسرائيلية المتعنتة
واللعبة الشارونية .. واختار العمل المسلح لانه الطريق الوحيد الذي
اظهرت كل المعطيات انه لابديل عنه امام منطق الجبروت الاسرائيلي
.
صحيح ان خسائر الفلسطينيين باهظة لكن في حرب الارادات لايعود هناك
نظرة اشفاق الى مايخسره الفلسطينيون . لهذا السبب يرفض الكثير من
الفلسطينيين وقف عسكرة الانتفاضة التي هي طلتهم الاولى والاخيرة
على حلم يريدون صناعته مهما كان الثمن غاليا ومهما كانت المصاعب
عالية.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى
فرصة ثانية للسلام في الشرق الاوسط
في العام الماضي ، تولى الفلسطيني المعتدل
محمود عباس رئاسة الوزراء لفترة وجيزة ، وفشلت الولايات المتحدة
وإسرائيل والمجتمع الدولي في اعطائه الدعم المطلوب بشدة مما جعل
من السهل على ياسر عرفات ان يقوض جهوده.
الان ثمة فرصة ثانية متاحة. فقد غاب ياسر عرفات عن الساحة ، وعباس
هو الزعيم المفضل للفوز بانتخابات الرئاسة في الشهر القادم ، وهو
جعل الوقف الكامل للعنف اول اولوياته.
وهو يسعى حاليا للحصول على التزام من الفصائل الفلسطينية بوقف اطلاق
النار ، وعازم على وضع كافة الاجهزة الامنية تحت السيطرة. ولسوف
يعطي اعترافه بالمسئولية الفلسطينية عن التحرك بحسم لوقف التحريض
والارهاب اسرائيل ما كانت تفتقده: الشريك في السلام.
على ان عودة عباس للظهور تثير ايضا مسألة جوهرية: عرفات كان لديه
القدرة على صنع السلام ولكنه افتقد الى الارادة. اما عباس فلديه
الارادة ولكن هل لديه القدرة على التغلب على العنف والفساد والاحساس
بأنه ضحية وكلها ميراث قيادة عرفات؟
ان اسرائيل والولايات المتحدة والمجتمع الدولي يتحملون مسئولية مشتركة
لمساعدته على بناء قدرة على صنع السلام.
وقد بدأ رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون بالفعل اتخاذ خطوات
لتسهيل الانتخابات والتعامل مباشرة مع القيادة الفلسطينية معلنا
استعداده لتقديم تنازلات مؤلمة من اجل سلام حقيقي ودائم ، على حد
قوله. وفي اعتقادي ان شارون مخلص في ذلك.
على ان هناك الكثير يتعين على اسرائيل ان تفعله لدعم عباس -اذا هو
برهن على التزامه بوقف الارهاب.
اولا ، يجب ان تلزم الفلسطينيين بمعيار صعب وان كان غير مستحيل فيما
يتعلق بالعنف. فلا خلاف بين شارون وعباس على ان سوريا وايران توجهان
العديد من الانشطة الارهابية ، ومستقبل الاسرائيليين والفلسطينيين
ينبغي الا يكون في يد زعماء راديكاليين في هاتين الدولتين. ومن ثم
ينبغي ان يكون الاختبار بالنسبة للفلسطينيين هو ما اذا كانوا سيبذلون
جهدا منسقا مستمرا ضد الارهاب. وكلما اسرعوا في الوفاء بالمسئوليات
الاساسية التي هي من صفات الدول ، سرعان ما سيحصلون على دولة.
ثانيا ، على اسرائيل ان تنقل مسئولية الامن الى الفلسطينيين حيثما
يبرهنون على استعدادهم لتحمله ، وتفكيك نقاط تفتيش لا تشكل اهمية
للامن الاسرائيلي.
ثالثا ، على اسرائيل ان تنسق خطة فك الارتباط عن غزة مع الفلسطينيين
؛ ومصر لها دور تلعبه في تدريب قوى الامن الفلسطينية ومكافحة تهريب
السلاح.
رابعا ، يتعين على اسرائيل ان تقنع الفلسطينيين بأن خطة فك الارتباط
هي بالفعل (غزة أولا) لا (غزة اخيرا). وعلى شارون ان يعيد التأكيد
على التزامه بخارطة الطريق للشعب الفلسطيني بطريق مباشر. ولقد اتخذ
شارون خطوة رمزية مهمة بالدعوة الى ازالة كل المستوطنات في غزة واربع
اخرى في شمال الضفة الغربية. وذلك اختراق لا يمكن التقليل منه يكشف
عن تفهمه للضغوط الديموغرافية التي تواجهها دولة اسرائيل. فإذا ما
عادت عملية السلام الى مسارها ، فيجب عليه ان يتحرك بسرعة لازالة
المراكز الاستيطانية غير المرخصة ويوقف النمو الاستيطاني.
وكما هو العهد دائما ، للولايات المتحدة دور حاسم تلعبه في هذه العملية.
علينا ان ندعم قدرة عباس على توصيل منافع ملموسة الى الشعب الفلسطيني.
فحماس حلت محل السلطة الفلسطينية كهيئة اقتصادية واجتماعية ، وتقدم
مبالغ لا بأس بها لتعليم الشباب الفلسطيني في المدارس والكليات ،
وتوفر خدمات اجتماعية للمحرومين.
بيد ان على عباس ان يحصل على الوسيلة التي تمكنه من إعادة الاولوية
للسلطة الفلسطينية ؛ ونستطيع ان نقدم يد العون بتمويل مشروعات كبيرة
للغاية -كبناء المستشفيات والمدارس- والتي تساعده على تشغيل الاف
الناس. وربما يثبت مؤتمر تعهدات دولي تجري مشاورات لعقده في اواخر
ربيع 2005 اهميته ؛ ولكن عباس لا يستطيع الانتظار طويلا.
ان الرئيس بوش يستحق التأييد لمقترحه توفير 20 مليون دولار للفلسطينيين
؛ الا انه يتعين عليه ان يفي في النهاية بتعهده الذي قطعه في يونيو
2003 بالمثابرة على خارطة الطريق بتعيين مبعوث رفيع المستوى يحمل
كل طرف على الوفاء بالتزاماته.
اخيرا ، يتعين على الولايات المتحدة ان تطالب الدول العربية المجاورة
بقطع خطوات واضحة نحو التطبيع مع اسرائيل. يجب على الاردن ومصر ان
يعيدا سفيريهما الى اسرائيل ، وعلى الدول الاخرى في المنطقة ان تبدأ
في معاودة الالتقاء العلني مع الاسرائيليين للتباحث في الامور الاقتصادية
وفرص الاستثمار وامدادات المياه والامن الاقليمي والبيئة والقضايا
الاخرى ذات الاهتمام المشترك. ورغم ان ثلثي الفلسطينيين والاسرائيليين
يؤيدون حل الدولتين ؛ الا ان نفس النسبة تقريبا في المجتمعين تعتقد
ان الجانب الاخر يريد حقيقة حل الدولة الواحدة. والان ، بوسع الزعامة
العملية من الفلسطينيين واسرائيل والولايات المتحدة كسر هذا الحاجز
واستئناف عملية السلام. واذا كان تكرار الفرص لمرة ثانية امر نادر
، فإن أحدا لم يسمع بتكررها ثلاثا. لقد دقت ساعة العمل الان.
جوزيف بيدن
سيناتور ديمقراطي وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الاميركي
أعلى

حزب (العمل) الإسرائيلي والاختبار الصعب
في الوقت الذي يتمزق فيه حزب الليكود بسبب
الصراعات الداخلية بين معسكر شارون ومعسكر المتمردين، حول قضية أساسية
في أيديولوجيا هذا الحزب - مستقبل المستعمرات ، تدور في حزب العمل
، والمفترض أن يكون رأس حربة المعارضة السياسية في إسرائيل، معركة
المتمرد الواحد) ، آلا وهو أيهود باراك ، والذي على ما يبدو أنه
يسعى فقط لإعادة احتلال رئاسة الحزب.
رغم ان من حق باراك أن يتنافس على رئاسة حزبه، لا يقل عن حق الآخرين
في ذلك، يبدو واضحاً أن قراره العودة إلى السياسة، في هذه الأثناء
بالذات، لا ينبع إلا من دوافع ذاتية، أكثر من أي شيء آخر.
حقيقة أن بارك نجح في فرض إجراء انتخابات تمهيدية في- يونيو القادم،
على حزبه من شأنها أن تحرف الحزب نحو صراعات شخصية بالذات في الأشهر
الحرجة، التي يتعين على كل أعضاء حكومة الوحدة فيها أن يشمروا عن
سواعدهم لتنفيذ الانسحاب من قطاع غزة.
مما لا شك فيه أن قرار ارييل شارون بالانسحاب من قطاع غزة وشمالي
الضفة الغربية، وكذا تصريحه السابق بأن الاحتلال يجب أن ينتهي في
اقرب وقت ممكن، وأن تقوم دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، شكل بدون
شك انعطافة تاريخية، هذه الأمور التي كانت في الماضي تشكل العامود
الفقري للبرامج الانتخابية لأحزاب اليسار.
يدرك (حزب العمل) جيداً بأنه لا توجد له أية ضمانة في أن يكون تفكيك
مستعمرات، من قبل رئيس وزراء من اليسار مقبولا لدى الجمهور الإسرائيلي،
أو متفهماً مثل تفكيك يقوده زعيم اليمين، وعليه أن يعترف بأن هذه
المهمة الصعبة يقوم بها آخرون، فهو لم يتمكن من تنفيذ الانسحاب اللازم
حين كان يمسك بمقود السلطة.
لقد صادق مكتب حزب (العمل) مؤخراً بأغلبية الأصوات على طاقم الحزب
للمفاوضات الائتلافية مع حزب (الليكود)، لتشكيل حكومة وحدة وطنية،
كما أن شيمون بيريز رئيس الحزب، صرح : علينا أن نساهم في تقدم السلام
دون حسابات جانبية، وكحزب مسؤول، فان مصلحة الدولة ومطلب الشعب هما
إقامة حكومة وحدة وطنية.
مما لا شك فيه أن حزب (العمل) ، والذي سبق أن لعب أدواراً تاريخية
مؤسسة ومهمة في التاريخ الإسرائيلي الحديث، لاسيما في الفترة من
عام 1948 وحتى 1974، ارتكب الكثير من الأخطاء، التي غيبته عن الساحة
السياسية، وجعلته يذوب ويغيب عن الأحداث، ويصبح حزباً عاجزاً عن
وضع أي اشتراطات جدية، بل أصبح دوره دوراً مكملاً لدور حزب (الليكود)،
بل أكثر من ذلك كان في أحيان، المنقذ له، وطوق النجاة له من خطر
حدوث انتخابات مبكرة.
سبق لحزب (العمل) أن ارتضى في مرحلة سابقة، ومع شارون نفسه، هذا
الدور المذل والمهين لتاريخه السياسي، المفترض أن يكون تاريخاً عريقاً
وله مكانته في الساحة السياسية الإسرائيلية، فمنذ الانتخابات الأخيرة،
لم يقدم حزب (العمل) كحزب معارض رئيس في إسرائيل، أية حملة عامة
ذات أهمية ضد الحكومة، فعدد المقاعد التي يحصل عليها في الاستطلاعات
لا يتجاوز بالحد الأقصى 24 من أصل 21، و بقيت صورته في الشارع الإسرائيلي،
كما هي في الانتخابات الأخيرة.
من نافلة القول الاعتقاد، بأنه في ضوء عدم وجود أي خطة ذات قيمة
لمعارضة، فمن الجائز بمكان الاعتقاد بأن كل نشاط معارض، من قبل حزب
(العمل) في هذا الوقت بالذات، يمكن أن يمس باستقرار حكومة الطوارئ
، التي ستقوم على ما يبدو في الأيام القريبة القادمة في إسرائيل.
من الجدير بمكان، التذكير أنه في مثل هذا الشهر طرحت مبادرة جنيف،
وطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون، خطابه في مؤتمر (هرتسليا)
الذي رسم فيه الخطوط العريضة لخطته لفك الارتباط عن قطاع غزة، فهو
سارع إلى التحرك في مواجهة موجات التأييد، التي حظيت بها مبادرة
جنيف في البلاد والعالم، الأمر الذي لم يحظ به معسكر السلام الإسرائيلي،
الذي تصرف في جزء هام من عام 2004، مثل ظبي فزع يجد نفسه أمام مصابيح
سيارة مارة.
يبدو أن ارييل شارون، يوشك على تنفيذ خطوة تقرب إسرائيل، من ذات
التسوية السياسية الشاملة، لكن يبقى ذلك محكوماً بمدى تنفيذ المرحلة
الأولى من خطته لفك الارتباط، وهل يعتزم الاكتفاء بالانسحاب من قطاع
غزة، أم مواصلة توسيع وتسمين المستعمرات في مناطق الضفة الغربية،
أم أنه متمسك بإعلانه ضرورة قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.
يجب على حزب (العمل) أن يدرك، بأن هناك معركتين يتوجب عليه خوضهما.
الأولى هي الكفاح من اجل كل انسحاب، والثانية البحث عن كل فرصة للحل
على أساس دولتين للشعبين، الأمر الذي من شأنه أن يحدث كفاحاً ضد
صيغة شارون للحل، في حال إذا كان شارون يخطط، للتنازل عن قطاع غزة،
من اجل الاحتفاظ بالضفة الغربية.
فإذا ما صحت رؤية المتشككين من خطوات شارون، وتبين أن خطته لفك الارتباط،
ليست سوى خطوة ترمي إلى تعميق سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية،
فعندها يصبح لازماً على حزب (العمل) ، المبادرة لإيجاد حل بديل،
ولكن لا احد يستطيع الجزم، هل سيستطيع تحقيق ذلك؟ وهل سيقع الحزب
في نفس أخطائه السابقة، أم هو معني فعلاً باستعادة أمجاده التاريخية؟
إبراهيم عبد العزيز
كاتب وصحفي فلسطيني
أعلى

أميركا والعالم الإسلامي .. رواسـب.. إخفاقـات .. لجـان
في استجابة (في أغلب الظن) لدعوة كان قد أطلقها
الرئيس جورج بوش قبل بضعة أشهر لاضطلاع الأميركان ببناء جهاز ضخم
من المتخصصين بالشؤون الإسلامية وباللغة العربية ولغات الدول الإسلامية،
برزت اليوم أمام المتابعين لموضوع العلاقات بين العالم الإسلامي
والولايات المتحدة أوائل إثمارات إطلاق الرئيس الأميركي لما يمكن
أن نسميه بـحملة أميركا لمعرفة الإسلام والشعوب الإسلامية، باعتبار
أن المعرفة إنما هي القوة. هذه الإثمارة الأولية تتجسد في تقرير
رفعته إلى الإدارة الأميركية لجنة استشارية متخصصة عنوانها هيئة
الدفاع العلمية. ومن الملاحظ أنها لجنة منبثقة من وزارة الدفاع الأميركية،
وليس من أي من الوزارات التي يفترض أن تكون أكثر اهتماماً بمثل هذه
المواضيع المتصلة بالثقافات والمثاقفات. إن المهتمين بالشؤون الأميركية
يعرفون جيداً بأن النشاط المرتبط بالبنتاغون (وليس بغيره من المؤسسات
الفيدرالية الأساسية) إنما يحظى بأكبر دعم اعتباري ومادي. والدليل
هو أنه حتى الدراسات الألسنية وفقه اللغة Linguistics قد انطلقت
بأقوى صورها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بسبب رعاية البنتاغون
لها، الأمر الذي يفسر تفوق الأميركان عن سواهم في هذا الحقل. ولكن
هذه اللجنة التي لا يمكن أن تكون بمنأى عن مثل هذه العناية الفائقة
لم تقدم خلاصات خطيرة من النوع غير المعروف سابقاً.
ولمراجعة ما تناقلته أخبار الساعة عما قدمته هذه اللجنة للإدارة
الأميركية، فإن للمرء أن يستمكن خلاصة بديهية تفيد بأن واشنطن قد
أخفقت في إيضاح أبعاد خطواتها الدبلوماسية والعسكرية المتخذة في
بلدان العالم الإسلامي. كما أن تقرير اللجنة لم يفلت من ملاحظة تؤشر
كتلاً هائلة من المسلمين الذين يعتبرون ما تعلنه أميركا حول نشر
الديمقراطية في العالم الإسلامي إنما هو نوع من أنواع النفاق السياسي
الذي لا يرنو إلى الخدمة الإنسانية لذاتها، بقدر ما يرنو لخدمة مصالح
أميركية وحيدة الجانب. ويوصي تقرير اللجنة أعلاه الإدارة الأميركية
بتحاشي فرض أفكار التسامح والتعايش قسراً على الشعوب الإسلامية،
لأنها تلاحظ، محقة، بأن مثل هذا الفرض القسري إنما يصب في زيادة
تصلب هذه الشعوب ومقاومتها للوافد الغريب، خاصة إذا ما كان قادماً
من العالم الجديد. مثل هذه الخلاصات تبدو هزيلة ومتكررة: فقد ردد
العديد من المفكرين والكتّاب العرب والمسلمين أفكاراً قريبة منها،
زد على ذلك ما ذكره الكثير من الدبلوماسيين والاستراتيجيين الأميركيين
Think Tanks أنفسهم حول هذا الموضوع المثير، الأمر الذي يلقي بظلال
من الشك على حقيقة أن مشروعاً من هذا الحجم والعيار الذي يتكفله
البنتاغون (وليس جامعة أو وزارة أخرى كالخارجية) لا يمكن أن ينتهي
قط إلى مثل هذه المخرجات التي لا يمكن إلا أن توصف بأنها مبتسرة،
إن لم نقل ساذجة. لذا تكون خلاصة المتابع (العارف بشيء عن آليات
التفكير الإداري الأميركي) من نوع وبعد آخر، وهو: أن نتائج تقرير
اللجنة المسربة إلى الإعلام لا تمثل سوى رأس جبل الجليد الذي لا
يتجاوز أن يكون جزءاً صغيراً من حجم الجبل المغمور أو غير المرئي.
فليس من المعقول ولا المنطقي أن تشكل لجنة متخصصة في مثل هذا الموضوع
الحاسم من قبل البنتاغون، (وبالتأكيد بعضوية أهم العقول المتخصصة
في الشؤون العربية الإسلامية والشرق أوسطية من الجامعات ومراكز البحث
الكبرى هناك) لتخرج بمثل هذه الأخبار القديمة، أو الأخبار البائتة،
كما يقال باللهجة العامية.
بيد أن هذه الظاهرة المهمة لا ينبغي أن يتعامى عنها المراقبون، خاصة
المسلمين والعرب منهم، وهي حقيقة تفيد بأن الإدارة الأميركية تعاني
من مأزق سوء فهم مع العالم الإسلامي، وإنها ترده إلى نوع من الإخفاق
والنكوص من جانبها بسبب عدم تمكنها من إيصال رسالتها إلى هذا العالم
بوضوح ودقة مقنعة. هذا ما يمكن أن يفسر لهم الأعداد المتزايدة من
رماة الحجارة على القطار الأميركي الذي يغزو أراضي هذا العالم بصوت
عالِ يرج في مسيره المهول سكون قرون طوال من السكينة المبتناة على
المتوارث، خاصة قبل عصر النفط في المنطقة العربية. لكن سوء الفهم
وإخفاق اللغة وغياب قنوات الحوار لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن
ترد إلى ما يجري اليوم مع تجليات أميركا في مختلف بقاع العالم الإسلامي.
ربما يكون أعضاء هذه اللجنة غير عارفين بحقيقة وأبعاد هذا الأمر:
لقد جهزنا التخصص بالاستشراق بالأدوات الكافية نسبياً للـتنقيب في
قعر العقل الجماعي الأميركي بقدر تعلق الأمر بطرائق تناوله للثقافة
وللمجتمع العربي والإسلامي على نحو خاص. وإذ لا يمكن أن يمخر هذا
البحر المتلاطم من الأفكار الراسية في الذهنية الأميركية، فإن للمرء
أن يكتفي باستذكار بعض المحطات والمحكات المهمة في هذا الحقل: فمن
ناحية أولى، أرسى مؤسسو الثقافة الأميركية (خاصة أبو الأدب الأميركي
واشنطن إرفنغ Irving وعميده رالف والدو إمرسون ( Emerson أفكاراً
ومفاهيم خاطئة نسبياً حول الثقافة الإسلامية والمجتمع العربي، مؤكدين
على قدريته وعلى غياب المؤسسات فيه بوصفه مجتمعا طاف على محيط لا
زمني من اللذات واللاجدوى. ومن ناحية ثانية، بقي اهتمام العقل الأميركي
بالشرق لعقود متركزاً على أقاليم شرق آسيا وجنوبها Ociania (كما
يسميها المفكر هرمان ملفل Melville) بدلاً عن الاهتمام بالشرق العربي
الإسلامي Orienda الأقرب إلى أوروبا جغرافياً وتاريخياً. لذا كان
إخفاق الرؤيا الأميركية حيال العالم الإسلامي ظاهرة تاريخية، لم
تتمكن براغماتية واشنطن من الإهتمام بها ومعالجتها على نحو جاد حتى
نهاية الحرب العالمية الثانية بعدما سقطت أوربا الغربية برمتها تحت
المظلة النووية الأميركية عبر عصر الحرب الباردة الزائل. ورجوعاً
إلى الوراء، يمكن للمرء أن يستذكر الاستجابة المتشنجة للسلطان العثماني
عندما طلب منه إرسال ممثل عن الدين الإسلامي للاشتراك في برلمان
الأديان World Parliament of Religions المنعقد على هامش معرض شيكاغو
التجاري الدولي عام 1893 ، حيث حضر ممثلون عن جميع الأديان العالمية
للإشتراك في مناظرات ونقاشات دينية أمام الجمهور الأميركي الذي بدا
وكأنه يراجع التراث الروحي والديني لأمم العالم القديم على نحو دوني
سوية مع تجواله في معرض تجاري لـينتقي و يستل ما يخدمه فقط.
وإذا كان البعض من المتابعين الأميركان والمسلمين قد غيبوا التراث
الثقافي الأميركي المشوب بالمفاهيم الخاطئة التي بُذرت داخل العقل
الجمعي والثقافة الشعبية، فإن للمرء أن يرتجع إلى أواسط القرن الزائل
(خاصة فترات آيزنهاور وكنيدي) لملاحظة الإعجاب الكبير الذي حققته
مظاهر الثقافة والتقنيات الأميركية بين صفوف الشبيبة المتطلعة عبر
بلداننا العربية والإسلامية، وهو ذات الإعجاب الذي وصل حد المحاكاة
العمياء وتقديم ملايين من طلبات الهجرة إلى أميركا. بيد أن هذا الشيوع
المحبب بين النشء والشباب للأنموذج الأميركي ما لبث وأن تعرض لهزة
عنيفة مع الحملة الإعلامية والثقافية الأميركية ضد كل ما هو إسلامي
أو عربي عبر مراحل الحروب العربية-الإسرائيلية، خاصة مع وبعد حرب
5 يونيو 1967، وما تبعها من أزمة طاقة مع حرب أكتوبر التالية. ولن
يبالغ المرء إذا ما ذهب إلى أن المواقف الرسمية الأميركية إبان هذه
المرحلة، معززة بالدعم العسكري والمالي لإسرائيل، قد دق اسفيناً
بين أميركا والعالم الإسلامي، وهو الحاجز النفسي المتجسد في تعاظم
العواطف المضادة لأميركا وتزايد الضغائن المنبعثة، بشكل خاص، من
مقارنة ومقاربة هذا الانحياز الأميركي مع آلام ومعاناة الفلسطينيين،
العرب المسلمين. لقد كانت هذه السنوات تشكل، بحق، لحظة تاريخية في
مسيرة العلاقات بين ثقافتين وإرادتين متناقضتين: الأولى، إرادة تشعر
بالضيم واللاعدالة والتحامل؛ والثانية، إرادة تشعر بفوقية واضحة
وترنو إلى فرض رؤاها من الأعلى إلى الأدنى. هذا ما يستفز العقل المسلم
والعربي، وهو العقل المعروف بمحافظته وميله إلى التحسس من الأجنبي
والدخيل والقسري.
يمكن لهذا الجدل الأولي أن يلقي الضوء على انزلاق الإدارات الأميركية
المتتابعة إلى غياهب مواجهة يمكن للبعض تصويرها بأنها مواجهة مصيرية
ضد الإسلام. لقد كان من الممكن لهذه الإدارات الاكتفاء بـالنصر على
الاتحاد السوفييتي ومنظومته الإشتراكية لـتجنب الإحتكاك بقوى إسلامية
كانت (بغض النظر عن مدارسها ومشاربها) أقرب إلى أميركا وربما صديقة
وحليفة لها قبل سقوط الإتحاد السوفييتي. بيد أن الإنتشاء المنبعث
من القوة قد كان أقوى، الأمر الذي حدا بالإدارات الأميركية إلى المزيد
من التعامل الفوقي مع الشؤون العربية والإسلامية، وإلى المزيد من
الانحياز الذي يصل حدود اللامنطقي، إنه الانتشاء الذي قاد إلى تراكم
الأحقاد بديلاً عن الاحترام، والضغائن بديلاً عن التعاون، وأخيراً،
إلى الصدام بديلاً عن الحوار.
أ.د. محمد الدعمي
باحث وأكاديمي عراقي
أعلى

التوطين..!
الأنباء التي تحدثت عن ضغوط صهيونية لحسم القلق
الصهيوني الدائم من شعب فلسطين وحقوقه في العودة والتعويض وبحسب
القرارات الدولية وفي مقدمتها القرار 194، لا تجانب الحقيقة، ولكن
الحديث عن ضرورة حسم هذه المسألة قبيل استئناف المفاوضات غير منطقي
تماماً، لأن الصهاينة، لا بد أن يفكروا بصفقة ـ نهائية، مع سلطة
فلسطينية شرعية منتخبة ديمقراطيا..!
إذاً، لا بد أن التفكير الصهيوني المنصب أساساً على تصفية القضية
نهائياً أن يمرر الانتخابات، ضمن اشتراطات وضغوطات معقولة (!) ولأن
واقعية الأمر مرهونة بقدرة القيادة الفلسطينية، بعد رحيل عرفات،
على تخطي "المحرّمات" الفلسطينية المعروفة.
مسألة "التوطين" ليست جديدة، بل هي متزامنة مع قيام الكيان
الصهيوني في عام 1948.
لماذا (التوطين)..؟!!
بقي في فلسطين المحتلة عام 1948 نحو ثمانين الف عربي فلسطيني، وهم
الآن نحو مليون فلسطيني.
خرج من فلسطين نحو مليون لاجىء في عام 1948، والاحصائيات تقول الآن
أن شعب فلسطين العربي أصبح تعداده تسعة ملايين، في الداخل وفي الشتات.
لا يستطيع الكيان الصهيوني مجاراة الشاسع ديموغرافياً مع شعب فلسطين،
التوقعات تقول أن السنوات الخمس والعشرين القادمة ستشهد أكثر من
مجرد توازن سكاني، في الكيان الصهيوني، بين العرب وغيرهم من سكان
فلسطين المحتلة.
وبعملية حسابية بسيطة فإن المتوقع أن يبلغ عدد العرب آنذاك، داخل
الأراضي المحتلة منذ عام 1948 أكثر من ثلاثة ملايين نسمة. وفي الشتات
والضفة الغربية وغزة يصبح عددهم أكثر من اثني عشر مليون فلسطيني،
أي يوازي شعب فلسطين العربي ـ في عدده ـ عدد يهود العالم..! ومن
المستحيل نقل (جميع يهود العالم) إلى فلسطين ـ كلها..!
على هذا يشكل العامل الديمغرافي الهاجس الأول المقلق للصهاينة، فهم
يرونه عامل حسم من شأنه أن يضع حداً للمشروع الصهيوني.
وإذا ما وضعنا القضية في اطارها السليم فإن الكيان الصهيوني يصبح
"نقطة" في بحر يزخر بنحو (350) مليون عربي.
لذلك يشكل التوطين شرطاً رئيسياً لكي يتبدّد القلق الصهيوني من المصير..
وهو قلق مصيري، إذ تنتفي كل ميزات التفوق (العسكري) الصهيوني، كما
أن أية تسوية (سلمية) تصبح عامل تآكل لجرف الكيان الصهيوني.
على هذا يصبح الحديث عن (دولة اسرائيل) الباقية في ذمة التاريخ..
حتى ضمن حدود (مقبولة صهيونيا) لدولتهم، فإن التوازن السكاني يميل
أو يتجه إلى مسار لا يرضي العقلية الصهيونية التوسعية أو حتى تلك
الباحثة عن هيمنة صهيونية على (الدولتين) ضمن المشروع الراهن ـ دولة
فلسطينية مقيدة ومنقوصة الإستقلال والسيادة، ودولة اسرائيل ضمن حدود
وداخل غيتو من جدار الفصل وتقطيع الأوصال، وبناء خندق بين (الدولتين).
على هذا أيضاً تصبح مسألة التوطين أكثر من مجرد ازاحة لثقل يحرم
الصهاينة في فلسطين من النوم الهادىء العميق.. بل يبقى النوم الصهيوني
قلقاً مؤرقاً.. وإلى أن يشاء الخالق.
هذا عن الجانب الموضوعي من المسألة، أما إن حان وقت المناقشة الفعلية
لموضوعة (توقيع) فلسطيني مسؤول على صكوك التنازلات، وفي مقدمتها
التوقيع بقبول (التوطين) فإن الواقع الفلسطيني ـ الراهن ـ لا يمكن
أن يفرز قيادة من النوع الذي يتحدى شعب فلسطين، وتحت أي ظرف. كما
أن الواقع العربي على هزاله وضعفه غير مستعدّ لقبول نتائج مثل هذه
الكارثة، حتى لو أفرز محددات ومكونات جديدة (تسمح) عمليا، بمثل هذا
(الحل) لأنه ببساطة شديدة سيكون مؤقتا ورهنا لعوامل المتغيرات في
المنطقة، وخاضعاً لمفاجآت لا يعرف أحد مدياتها..! إن كان ذلك في
لبنان أم في سوريا أم في الأردن.. بل يمكن التوكيد هنا على أن مثل
هذا الحل سيكون خطراً حقيقياً على (الأردن ولبنان) قبل سواهما..
هذا إذا ما تجاوزنا حقيقة مؤكدة تقول بأن شعب فلسطين يرفض التوطين
ويصر على نيل حقوقه الوطنية المشروعة الثابتة. وإذا كان لا بد من
اضاءة عبر الواقع الراهن لفلسطين ـ الضفة والقطاع ـ فإن المعروض
ليس أكثر من عملية ترقيع وقتية لحال لا يمكن لأي رقع مهما بلغت من
الدقة أن تغني عن الثوب الأصيل..!!
ما يجري ترتيبه الآن، بدءاً من انتخابات الرئاسة في التاسع من الشهر
المقبل، لن يكون المدخل الفعلي لفرض التسوية كما يراها الصهاينة،
من جهة، ولا هو المدخل الحقيقي للتصفية النهائية للصراع العربي الصهيوني
(وليس النزاع الإسرائيلي الفلسطيني) لأن القضية صراع بين مشروعين
متناقضين هما المشروع العربي النهضوي والمشروع الصهيوني النافي للأول
والمضاد له على طول الخط.
يمكن أن يشهد عام 2005 بداية ـ من دون أسس راسخة، لفترة انشغال ـ
سلمي ـ فلسطيني حول (السلطة) و(مشروع الدولة)، وربما يصل الأمر إلى
تصادم فلسطيني ـ فلسطيني بشأن مستقبل الإنتفاضة، والخلاف الحاد حول
(عسكرتها) وهذا ما سوف يجعل الإحتلال الصهيوني في حال من الإنتظار
كما يجعل المنطقة في الحال ذاتها. وحتى لو تم الحسم لصالح حملة (السلاح
المشروع)، فهو حسم ظرفي وكمن يضع ثقله ـ بالكامل ـ على درب يعرف
أن ألغاماً كثيرة مزروعة في جوانبها وعلى اطرافها يمكن أن تنفجر
في أية لحظة.
قد يرد هنا تساؤل مشروع: إذاً، ما الحل..؟! لا بد من الإقرار بأن
(الحل) النهائي هو أكثر من (حل) وأقل من نهائي ـ بحسب رؤى مختلفة
ومن زوايا متعددة لما يسمى بقضية (الشرق الأوسط) أكان هذا الشرق
الأوسط مصغراً أن مكبراً، في المنظور من الزمن هناك (حلول) وسطية،
وهناك مسكنات (ألم) لكن الإلتهاب الذي وصل إلى (عموم اعضاء الجسم)
لا يتلقى العلاج اللازم، والعلاج اللازم هو القائم على عدم اضاعة
حقوق العرب في فلسطين.. وهو القائم على رفض الإستسلام أمام (الأمر
الواقع) لأن هذا الأمر وسواه ليس ثابتاً ونهائياًَ ومسلماً به عملياً
كل شيء قابل للتغيير لأن الإطلاق على وجه البسيطة ليس علمياً وليس
دقيقاً ولا هو صحيح.
المنطلق الأساس لشيء من الطمأنينة الفلسطينية الشعبية هو مسلّمة
واحدة تقول: لا يمكن لقيادة فلسطينية أن (تبصم) على ورقة (حل نهائي)
تتجاهل حق العودة وتقرير المصير وحق التعويض أيضا.
المطروح الآن في الدهاليز والأروقة والغرف المغلقة هو (التعويض مع
التوطين) ونسبة الفلسطينيين المستعدين للقبول بهذا (الخلاص) هي أقل
بكثير مما يظن المحتل ومن يحالفه، عبر خلاصة تقول أن عذابات وآلام
أبناء المخيمات والمشردين سوف تدفعهم إلى القبول بما هو معروض عليهم
ـ أي (التعويض والتوطين) وثمة (المهاجر) الجاهزة لمن شاء من الفلسطينيين
إلى دول غير عربية..!
نسبة من يرفض الترقيع من بين أبناء فلسطين تتجاوز التسعين بالمائة
وهي ليست قابلة للنقصان مع كل ما يعانيه هؤلاء الفلسطينيون في الشتات
من ضغوطات وآلام.
أما الحل الذي يتحدث عن (دولة ديمقراطية) محتلة في فلسطين عام 1948
فهو طوباوي لأن العامل الديمغرافي يمكن أن يحول هذه الدولة (اليهودية
ـ الصهيونية) إلى دولة (يهودية عربية) تحكمها ديمقراطياً قيادة (عربية)،
فتنتهي بذلك أحلام الصهاينة ويطوي الزمن حكاية المشروع الصهيوني.
وهذا ما تدركه تماماً عقلية المحتل الصهيوني التي تتطلع إلى نوم
عميق في بيت اغتصبته من أهله بالقوة..!!
نواف أبو الهيجاء
كاتب فلسطيني
nawafabulhaija@yahoo.com
أعلى
الجنود الأميركان الشجعان بحاجة إلى وزير دفاع أفضل من رامسفيلد !
فى خطاب لوزير الدفاع دونالد راسمفيلد أمام
حشد من الجنود فى معسكر بوهرنغ فى الكويت في الثامن من ديسمبر الجاري
قال كما تعلمون , تذهب الدولة إلى الحرب بالجيش الموجود لديها ,
بعد فترة نكتشف أنه ليس هذا هو الجيش الذي نريده جميعا.
في الواقع لدينا جيشا قويا أبلي بلاء حسنا في المعارك التي خاضها
وتفوق في آدائه لمهامه على آداء وزير الدفاع نفسه . الرئيس بوش قرر
أن يساند وزير دفاعه ربما لأنه لا يريد أن يُحدث تغييرا في هذه الوزارة
قبل الثلاثين من يناير - موعد الإنتخابات العراقية . ولكن بالتأكيد
دونالد رامسفيلد ليس وزير الدفاع الذي يريده بوش في ولايته الرئاسية
الثانية.
على القارئ العادي أن يقارن بين الآداء البطولي للجنود الأميركان
فى ساحات المعارك المختلفة في الفترة الأخيرة وبين العجرفة والغرور
والتعالي الذي يتميز به رامسفيلد . لنبدأ التعليقات من الرقيب توماس
ولسون من قوات الحرس الجمهوري الأميركي في تينيسي:
منذ بداية الأزمة العراقية والجيش يطالب بأن يتم توفير المعدات المدرعة
اللازمة لحماية الجنود - من المعروف أن تقتنيات المعدات المدرعة
لحماية الجنود قد تقدمت كثيرا وشهدت عمليات توسع وتطوير عما كانت
عليه فى السابق ولذلك يطالب الجنود بأن يتم توفير مثل هذه المعدات
لهم في الوقت الحالي . أستطيع أن أوكد لك أن اللواء شوميكر والقيادات
الأخرى في الجيش وبالتأكيد اللواء وايتكومب متأكدين من أن وسائل
التدريع والحماية لا تتوفر في كافة المعدات ولكنهم يحاولون العمل
وفق ما هو مُتاح لهم.
تحدثت مع عدد كبير من الأشخاص الذين يحاولون طرح هذا الموضوع في
البنتاغون والسعى وراءه ولكن للأسف الجميع تواجههم عقبة عدم توفر
التمويل الكافي لتوفير المعدات المدرعة الكافية .
طرح هذا الموضوع فى البتاغون مرارا وتكرارا بالتأكيد ليس بالأمر
الممل فقد قال رامسفيلد للجنود الذين نفذو مهماتهم في ظل عدم وجود
المركبات المدرعة الكافية (لو فكرت فى هذا الأمر فستتوصل إلى أن
المسألة ليست مسألة معدات مدرعة فربما تتوفر لديك دبابة أو مركبة
هامفي عليها كافة وسائل التدريع وفجأة تنفجر هذه الدبابة أو هذه
المركبة الهامفي).
ما ذكره رامسفيلد أمر يبعث على الضحك والسخرية فى آن واحد لأنه يثير
تساول هام إذا ما هى حاجتنا إلى المدرعات من الأساس ؟ علينا جميعا
أن نتخيل ماذا كان الوضع لو أن جون كيري كان قد تفوه بمثل هذه الكلمة
قبل شهرين؟ كانت هذه الكلمات ستصبح , ولا شك , مثارا للجدل والسخرية
والإستهزاء من قبل المحافظين.
ربما يكون رامسفيد كان في غير حالته المعتادة أو كان اليوم شؤما
بالنسبة له. ولكن ماذا عن تصريحات الأسبوع الماضي عن مستوى الجنود؟
لقد قال رامسفيلد عند سؤاله عن عدد القوات الجدل الكبير حول عدد
الجنود هو أمر خارج نطاق سيطرتي. أحقا يا وزير رامسفيلد ليس تحت
سيطرتك؟ حسنا , عدد الجنود الموجودين تحت أمرتك هم عدد القوات التي
طلبها اللواء فرانكس واللواء أبيزيد.
لننحي جانبا الحقيقة التي مفادها أن موضوعنا ليس موضوع عدد الجنود
التي ذهبت إلى الحرب على العراق ولكن ما هو الوضع بالنسبة لعدد الجنود
الذين نحتاج إليهم في فترة ما بعد الحرب على العراق والحاجة إلى
بسط الأمن على هذا البلد الشاسع؟ لننحي جانبا أن اللواء تومي فرانكس
قال بأنه ربما سيكون بحاجة إلى ربع مليون جندي أميركي على الأرض
لإنفاذ هذه المهمة وأن الإدارة الأميركية وعدته بأن توفر له عشرات
الآلاف من القوات الدولية. لننحي جانبا أن رامسفيلد قد أبدي على
مضض وغضاضة استعداده للتكيف مع الحقائق التي أصبحت موجودة على الأرض
منذ ابريل عام 2003 م ولننحي جانبا أن القيادات العسكرية الأميركية
كانت يُمارس عليها ضغوط قوية بعدم طلبهم أى قوات إضافية في العراق
خوفا من أن الإنتشار الواسع يؤدي إلى إضعاف قواتنا. ما يحدث هو النتيجة
الحتمية لموقف رامسفيلد الرافض لزيادة حجم القوة العسكرية بعد أحداث
الحادي عشر من شهر سبتمبر.
على أية حال , القرارات الخاصة بمستوى القوات في النظام الأميركي
ليست من صناعة قائد عسكري أو مجموعة من اللواءات العسكرية ولكن تقوم
القيادة المدنية بالبت في هذا الأمر. أقر رامسفيلد الأسبوع الماضي
بذلك قائلا: أنا أعني أن كل منا يرغب أن يتحمل المسؤولية الرئيس
وهو أمر جيد. (عدا لو فشل في تحمل السمؤولية).
مما لا شك فيه أن كافة وزراء الدفاع ارتكبو أخطاء عدة في عملهم فبعضهم
تمادى في خطئه بشكل كبير وأصر على غيه ولكن هل حاول أى منهم التملص
من المسؤولية بهذ الشكل؟
استشهد جون برنز في صحيفة سن دي نيويورك بجزء من خطاب الأسبوع الذي
وجهه المقدم مارك سميث الذي يقود الكتيبه الثانية الإستطلاعية في
الوحدة 24 التابعة لقوات مشاة البحرية الموجودة في بغداد إلى عائلات
أسر الجنود : اسأل نفسك كيف يمكن للجنود - وهم على أرض المتناقضات
وخلال الأوقات العصيبه التي يغلب عليها العنف وتفتقر إلى أبسط الإمكانات
وتجعلك تعيش وكأنك فى العصور الحجرية - أن يكون لديهم الهمة العالية
والنشاط والمشاعر المتأججة ؟
كانت إجابة سميث هؤلاء يدافعون عن دولة ليس لها مثيل على مر التاريخ
, عن دولة لا تميز بين أحد وآخر على أساس اللون أو العرق أو الدين
, عن دولة السيادة والكلمة العليا فيها للقانون . هؤلاء هم جنود
مشاة البحرية الأميركية والذين يعدون بمثابة أفضل مثال على قيم الجندية
النبيلة.
الخلاصة هى أن هؤلاء الجنود الشجعان يستحقون وزير دفاع أفضل من الوزير
الحالي.
ويليم كريستول
محرر في صحيفة ويكلي ستاندرد.
أعلى
هل تستطيع القاعدة الآن تكرار 11 سبتمبر ضد أميركا ؟
يبدو أن القاعدة لم يعد لديها خلايا نائمة
داخل الولايات المتحدة الأميركية قادرة على القيام بهجمات مماثلة
لتلك التى قامت بها فى 11 سبتمبر 2001 أو أنها تستطيع الآن حتى القيام
بعمليات محدودة ضد أهداف صغيرة كأحد المراكز التجارية مثلا . واذا
ما افترضنا ان القاعدة تتمتع الان بهذه القدرة لسارعت تلك الخلايا
بالفعل الى ممارسة نشاطها مع بدء الحرب فى العراق فى ربيع 2003 أو
خلال الانتخابات الرئاسية فى أميركا. وبوجه عام فان جميع من وجهت
اليهم اتهامات فى الولايات المتحدة منذ 11سبتمبر لا تعدو اتهامات
بتقديم مساعدات مادية للإرهابيين وليس تخطيط عمليات ارهابية . وأكثر
من ذلك فان المجتمع المسلم داخل الولايات المتحدة يرفض منذ أحداث
11 سبتمبر أفكار أسامة بن لادن .
ومن ثم فإن أخطر التهديدات التى تتعرض لها أميركا ليست من الداخل
ولكنها من الخارج وهى متمثلة فى تلك المجموعات الموجودة فى أوروبا
. وتقف الهجمات التى وقعت فى أسبانيا وتسببت فى مصرع 191 شخصا كبرهان
على ان مجموعات الجهاد المرتبطة بالقاعدة والتى تتواجد على الاراضى
الأوروبية تمثل تهديدا حقيقيا.
وكما أنه يصعب تخيل أن هجمات 11 سبتمبر لم يكن لها ان تتم دون وجود
خلية هامبرغ فإن اى هجمات أخرى متوقعة فى المستقبل ضد أمن الولايات
المتحدة سوف يكون لها ارتباط قوى بأوروبا . وعلى سبيل المثال فان
أعضاء القاعدة الموجودين فى أوروبا يمكنهم التسلل الى الولايات المتحدة
للقيام بهجوم مشابه لما وقع فى مدريد أو أنهم قد يلجأون الى تفجير
الحى المالى فى لندن بقنبلة قذرة مما قد يحمل معه آثارا مدمرة على
الاقتصاد العالمى والاقتصاد الاميركى بالقطع .
ويمكن القول إن مستقبل القاعدة أصبح رهنا بنجاحها أو فشلها فى الغرب.
وعلى الرغم من اعتناق عدد قليل من المسلمين الموجودين فى أميركا
لأيديولوجية منظمة القاعدة الا أن الحال ليس كذلك بالنسبة لـ 20
مليون مسلم موجودين فى أوروبا . وهناك بالقطع أسباب تقف وراء ذلك
فبوجه عام يتعرض المسلمون فى أوروبا لتفرقة فى المعاملة لا يتعرض
لها المسلمون فى الولايات المتحدة . فالجزائريون فى فرنسا والباكستانيون
فى بريطانيا يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية وهم غير مندمجين
فى المجتمعات التى يعيشون فيها مقارنة بالمسلمين فى أميركا. وكمواطنين
فى دول الاتحاد الأوروبى يسعى هؤلاء المؤيدون لأفكار القاعدة الى
التنقل عبر البلدان الأوروبية المختلفة بشكل مستمر.
وتفسر احدى عمليات التفجير التى وقعت فى اسرائيل هذا التهديد ، ففى
30 ابريل 2003 دخل بريطانيان من اصل باكستانى وهما من الطبقة المتوسطة
الى أحد المقاهى الشعبية فى تل أبيب على مقربة من السفارة الأميركية
، وكان أحدهم قد حضر اجتماعا لجماعة المجاهدين الاسلامية فى بريطانيا
التى تتعاطف مع أهداف القاعدة ، وما ان أصبحا داخل المقهى حتى قام
الاصغر سنا بتفجير قنبلة تسببت فى مقتله بالاضافة الى ثلاثة آخرين
كانوا متواجدين فى الموقع كما أصيب العشرات وتمكن الرجل الاخر من
الهرب. وكانت تلك هى المرة الأولى التى ينفذ فيها بريطانى عملية
تفجير داخل اسرائيل .
وبالقطع فان تلك الحادثة يمكن ان تتكرر فى الولايات المتحدة ، فقد
كان الشخص الذى حاول تفجير رحلة طيران الخطوط الأميركية المتجهة
من باريس الى ميامى فى ديسمبر عام 2001 مواطنا بريطانيا . وكان الأساس
الذى استند اليه رفع درجات الانذار فى الولايات المتحدة فى يوليو
2004 هو القول بأن احد عملاء القاعدة البريطانيين والذى يدعى عيسى
البريطانى قد قام بتصوير المؤسسات المالية فى نيويورك ونيوجيرسى
قبل 11 سبتمبر.
والقاعدة هى منظمة وحركة سياسية فقدت معسكرات التدريب الخاصة بها
فى حرب أفغانستان الأمر الذى الحق الضرر بهيكلها الرسمى بيد أن الحرب
فى العراق ساعدت فى الترويج لها كحركة أيديولوجية. وتبرز أهم الامثلة
التى تدل على تنامى دعاوى أفكار القاعدة فى القارة الأوروبية الى
جانب هجمات مدريد ما حدث فى امستردام بهولندا عندما قام شخص مغربى
باغتيال المخرج السينمائى ثيو فان جوخ وذكر أنه قام بذلك لأن المخرج
سب الإسلام ، وكذلك اعتقال مجموعة من الاشخاص كانوا يقومون بتجربة
لمادة الريسين السامة التى تستخدم فى عمليات الاغتيال الى جانب احباط
الشرطة البريطانية خطة للقاعدة كانت تهدف الى مهاجمة مطار هيثرو.
ومن المتوقع ان يزيد عدد المسلمين فى أوروبا بشكل كبير خلال العقود
القادمة حيث ان نسبة السكان الأصليين فى الدول الأوروبية آخذة فى
التناقص وسوف تحتاج هذه الدول الى استيراد قوى عاملة من شمال افريقيا
والشرق الاوسط لكى تغطى احتياجاتها وتدعم الانفاقات على سكانها المتقدمين
فى العمر.
وسوف يتوقف أمن الأميركيين - الى حد كبير - وتفادي أى هجوم قد تقوم
به القاعدة ضد الولايات المتحدة على ما تبذله حكومات الدول الاوروبية
فى معالجتها لمشكلة اندماج السكان المسلمين بها مع باقى أفراد المجتمع.
بيتر بيرغن
أستاذ مساعد للدراسات الدولية المتقدمة فى جامعة جون هوبكينز
أعلى
اختراق البديهيات
في العقل العربي
خلط شديد ذلك الذي ترتبه مسـألة البحث في البنية
العقلية والسلوكية للمجتمعات العربية، ومدى ارتباط ذلك بالأزمة الفكرية
التي تبعث بإشاراتها في مختلف اتجاهات الفكر والثقافة العربية حالياً.
ذلك أن قصر النظر على الأمور الحياتية المعتادة وما ترتبه من جدالات
قد تغلب مصلحة فئة على الأخرى، قد ساهم في (تجذير) كثير من الممارسات
الخاطئة في توجيه النقد المجتمعي، وبفعله تحولت تلك الممارسات إلى
بديهيات يُقاس ويُبني عليها لاحقاً.
وجزء لا يستهان به من هذه الأزمة، هو الفشل في اختراق كل ما هو (بديهي)
في العقل العربي، أو بالأحرى كل ما تواطأ الجميع، دون قصد، على اعتباره
كذلك.
ولعل إحدي البديهيات الضارة التي غممت الوعي لدى البعض من نخبتنا
المثقفة وانتقلت بدورها إلى قطاع عريض من الشعوب، هي تلك التي تبدأ
من النظرة إلى فكرة الاختراق في حد ذاتها، ولكل من تصيبه الحساسية
عند ذكر هذه الكلمة ووقعها في وعيه، والتي تحولت أيضا إلى بديهية،
يمكن القول بأن هناك نوعين من الاختراق أولهما حميد، ونقصد به ذلك
الذي يعبر بالأمة من حال السكون إلى الحركة، وبدونه تظل عجلات المجتمع
في الدوران ولكن بدون حركة فعلية، أي أنها مجرد مراوحة عبر المكان،
ويظل الوعي (المجتمعي) كما البالون ينتفخ ولكن باتجاه الانفجار.
والثاني خبيث وهو ذلك الذي يرتب أفكاراً تتحول بعدها إلى (بديهيات)،
أخطر ما تفعله أنها تقلب المعايير وتعمم المفاهيم بدرجة يصعب معها
التمييز بين الضار والنافع، وقد يصل الأمر إلى حد الدفاع المستميت
عما هو ضار للاعتقاد بأنه جاد ونافع. وتنطبق صفة الاختراق على كلا
النوعين منه، الداخلي والخارجي، وكلاهما اختراق انطلاقاً من القدرة
على التأثير، وتغيير الفكر القائم.
واختراق البديهيات لا يعني هدم (الثوابت) أو بتر (العقائد) خاصة
فيما يتعلق منها بالنواحي الدينية، وذلك على غرار ما قد يحلو للبديهيين
أن يرددوا، بل يقصد به أساساً أن إخضاع كل ما هو واقعي وملموس، خاصة
فيما يتعلق بالعادات والسلوكيات الإنسانية للمراجعة والتفكير النقدي،
وألا تؤخذ الأمور على علتها وكأنها قدر محتوم.
وتتقاطع البديهيات في المجتمع العربي علي كلا المستويين الفكري والعملي
حتي تشعر أن الكون من حولك مجرد (كيان) جامد وليس نظاما system متفاعلا
ومتجددا ، أو أن العقل بات مبرمجاً على وجهة بعينها لا يقصد سواها
وإن تفاقم الوضع وتوالت النوازل.
والأمثلة (البديهية) عديدة ومتنوعة وتضرب بجذورها في مختلف المجالات
السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي تبدأ من تلك المفاهيم التي
تخص التنشئة والتربية الأسرية، سواء ما يتعلق منها بآلية الحوار
واتخاذ القرار أو سلوكيات الفرد داخل أسرته ومحيطه الضيق، فهو لابد
وأن يتبع نظاماً صارماً من المراجعة وربما التردد قبل الإدلاء بدلوه
في مسألة ما، ويمتد الأمر إلى النظام التعليمي العربي الذي يعتمد
في جُله علي رأي (المعلم) بغض النظر عن صوابه من عدمه، وهو الذي
يعتمد بدوره علي (حكمة) من هو أعلى منه في السلم الوظيفي.
وإذا تعمقنا أكثر في المعاملات الاجتماعية - الوظيفية، زادت حدة
العامل البديهي، وبات هامشاً كبيراً من آلية تسيير العمل اليومي
وقضاء الحوائج يعتمد على هذه (البداهة) اللافتة ، بدءاً من إجراءات
تحديد هوية الفرد، وانتهاء بتلك الخاصة بتشييعه، وبينهما دهر طويل
من الممارسات (البداهية) التي يجب ألا يخطئها العقل. ولعل أسوأ ما
في هذه الحلقة الطويلة من السلوكيات البداهية أنها تحولت، بفعل عوامل
كثيرة ليس أقلها غياب الرقابة والمساءلة، إلي (نظام) عمل يعتد به
في كل المؤسسات الخدمية، ويصبح التنازل عنه أو تغييره أمراً غير
مباح، وشذوذاً عن قواعد (البداهة) .
وبالانتقال من المستوى المنظور (الممارسات) إلى المستوى غير المنظور
(الفكر) في هذا الوضع البديهي، تتضح مدى ضخامة الأزمة التي تعيشها
(الأمة) العربية، فجزء كبير من المنظرين وصانعي الفكر والثقافة ومتخذي
القرار يحملون نفس الفيروس (البداهي)، ويتنقل بينهم كالوباء، وما
يلبث أن ينتشر (انطباع) حول فكرة أو أفكار بعينها حتى تصبح مضغة
تتناقلها العقول، ربما دون قناعة أو تمحيص.
وأمثلة هذه البداهات كثيرة، منها ما يتعلق بالخلط الشديد في المفاهيم،
سواء الأهلية أو تلك المنقولة عن الغرب، ولعل إساءة التعامل مع هذه
المفاهيم هو الذي يسقط كثيراً من رونقها وجاذبيتها في العقل العربي،
رغم نجاعتها في العوالم الأخرى، وذلك بعيداً عن التحجج بفكرة (الخصوصية)
التي تحولت بدورها إلى حقيقة (بديهية) تزاحم كل جديد.
ودعنا نأخذ نموذجين من هذه المفاهيم الملتبسة، كالأصولية مثلاً والتي
خلط فيها البعض المفهوم مع الممارسة، وتم تصويرها علي أنها ضد المجتمع
والدولة، وأنها في حالة عداء مع الحداثة وتبغي الردة عن كل ما هو
متطور. في حين أنها -نظرياً وتاريخياً- قد تبدو عكس ذلك تماماً فهي
تفتش في أصل الأشياء الضاربة في عمق التاريخ الشعبي، وشكلت هامشاً
كبيراً من الوعي لدى المجتمعات في الأزمنة السالفة. ولو أن الأشياء
رُدت إلى أصولها الحقيقية لما تشتت همم وتحجرت عقول عند تفسيرات
(سطحية) للأمور الحياتية الجارية. وهذه الأصولية لا علاقة لها بدين
معين أو طائفة بعينها فهي في العالم العربي كما في نظيره الغربي،
بلُه في الشرق الآسيوي وشبه القارة الهندية، فيما يعرف حالياً بـ
(صعود الأصوليات) .
النموذج الأخر هو فكرة الليبرالية، والتي تحتل حيزاً مطرداً في الفكر
العالمي منذ أوائل التسعينيات، خاصة مع تحقيق النموذج الرأسمالي
لنجاحات (اقتصادية) ملموسة ومتزايدة، وهذه الفكرة كثيراً ما يتم
المصادرة عليها في عقول الكثير من مثقفينا باعتبارها ضد الهوية وانتزاعا
للمجتمع من (أسسه) و(ثوابته) ، وكأن المجتمعات الأخرى التي تطبقها
ليس لها (ثوابت) ولا (أسس). وأغلب الظن أن اللبس الذي تحدثه فكرة
الليبرالية، خاصة مع تصنيف البعض لها بوصفها مقابلاً للوطنية، إنما
يعود في جزء كبير منه إلى قصور فهمها لدي المتحدثين باسمها والمتلحفين
بعباءتها، فضلاً عن قصور الوعي لدي معارضيها. وكان منطقياً أن يفرز
الجدل بين الفريقين حالاً من التشويش وترسيخ الانطباعات المسبقة
عن (أجنبية) الفكرة وتحديها للثقافة الوطنية.
نماذج (البديهيات) العقلية في المجتمع العربي
كثيرة، وهي تجابه في ظاهرها أفكار التحديث، ومتغلغلة بين الخاصة
والعامة، ومن المفارقات أننا نرفض الاختراق الصريح لهذه البديهيات
في حين أننا بالفعل نتعاطي معه كما هو الحال مع ثورة الاتصالات والانترنت
والسلوكيات (الدخيلة) ونمط المعيشة، وهو مجرد اختراق شكلي لا يفت
في البديهيات الموروثة بل يوجد غيرها أكثر تشوها، وكل هذا لا يوحي
بالضرورة بأن المجتمع في حالة تطور أو دينامية، ذلك أن حركة المجتمعات
لا تقاس بمدى لحاقها لكل ما هو جديد وإنما بالمساهمة فيه، وهذا هو
لب الأزمة (العقلية) التي تعيشها البلدان العربية حالياً.
خليل العناني
مفكر وكاتب مصري.
k_anany@hotmail.com
أعلى