الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 






فتاوى وأحكام

* ما قول سماحتكم في رجل أوصى بقطعة أرض ليعمل منها لبن للحود الأموات ولبنيان حيطان للبيوت، ثم إن الناس استغنت عنه باستعمال الأسمنت في البنيان والقبور وأصبح الطين لا داعي له، وبما أن هذه الأرض صالحة للسكنى لأنها قريبة من البلد، فهل يجوز أن يسكن فيها الناس لحاجة الناس لذلك خاصة وأن مطلب الموصي نيل الثواب؟
** إذا تعذر تنفيذ الوصية كما أوصى الموصي فالأولى أن يكون التنفيذ فيما هو قريب من نوع الوصية من المصالح، وعليه فإني أختار إيجار هذه الأرض وشراء سقوف للقبور من قيمة الإيجار وبناء حيطان بالأسمنت من هذه القيمة والله تعالى أعلم.
* كان الوالد مريضا لفترة طويلة في المستشفى ثم تعافى وخرج منه إلى بيت ولده الأكبر، ثم ذهب لزيارة إحدى بناته في منطقة مجاورة، وهناك كتب وصية دون علم أحد من أولاده سوى تلك البنت المقيمة هناك مع أنه كانت له وصية سابقة، وبعد فترة قصيرة وافته المنية في بيت ولده الأكبر. فبذلك كان له وصيتان: الأولى موجودة والأخيرة لم نحصل عليها أبدا ولا نعرف عن مضمونها شيئا مع مرور أكثر من عشر سنوات من البحث ومحاولة الحصول عليها، فماذا يلزمنا في ذلك؟ وهل نسير على الوصية الموجودة والتي يعلم بها جميع الورثة؟ علما أن الوصية الموجودة معنا تتضمن حجتين له ولزوجته الهالكة وقد نفذهما بعد أن تشافى من مرضه، وبعض الأمور في الوصية لم يتمكن من تنفيذها كاملة، فماذا علينا في ذلك ونحن نريد أن نقسم الميراث في أقرب وقت؟
** نفذوا الوصية التي وجدتموها ما لم يثبت عندكم نسخها، وبما أنه لم ينص على إلغاء الحجتين فهما ثابتتان ولو قام بتنفيذهما في حياته والله أعلم.
* والدتي أوصت بأن يكون الكفن على نفقتها الخاصة، وعندما توفيت قامت إحدى الجارات بإحضار الكفن، وبعد الانتهاء من العزاء قمنا بشراء الكفن من حساب والدتي لرجعه إلى الجارة ولكنها رفضت استلام الكفن، فماذا يجب علينا فعله الآن؟
** إن لم تقبله فتصدقوا به على الفقراء والله أعلم.
* عن رجل أوصى ببناء مسجد في منطقة سماها إلا أن الجهات المسؤولة منعت من بناء المسجد في تلك المنطقة وذلك لقربها من بعض المساجد، والسؤال هل ترجع الدراهم التي أوصى بها لبناء المسجد إلى الورثة أم أنه يبنى به مسجد في منطقة أخرى، والبحث إذا لم يرض بذلك الورثة أو كان فيهم بعض الأطفال ونحوهم ممن لا يصح رضاهم؟
** إن تعذر إنفاذ الوصية فالموصى به يرجع إلى الورثة يقسم بينهم حسب نظام الإرث الشرعي، إلا إن رضي الورثة بأن يصرف إلى وجه من وجوه البر كبناء مسجد آخر حيث تدعو الحاجة، فإن كان في الورثة يتيم أو من لم يرض بالنزول عن حقه فليكن ذلك في نصيب من رضي من المبلغ دون غيره والله علم.
رجل أوصى بخمسين ريالا لمسجدين أحدهما قائم ويصلي فيه والآخر اندثر،
فكيف يتصرف في هذه الحالة بنصيب المسجد المندثر؟
** هذه المسألة مما وقع الخلاف فيه، فقيل أقرب المساجد إلى ذلك المسجد الموصى له هو أولى بهذا المال إن كان يتعذر أو يتعسر أن يجدد بناؤه، وقيل بأن ذلك للمسجد الجامع، وقيل بأن هذه الوصية لا محل لها فهي ترجع إلى الورثة نظرا إلى أن كل وصية لا محل لها ترجع إلى الورثة، ولكن ينبغي للورثة بما أن والدهم ذكر بجانب المسجد المندثر مسجدا قائما أن يجعلوا الخمسين كلها للمسجد القائم والله تعالى أعلم.


يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى




الإسلام والمساواة بين الرجل والمرأة

مساواة المرأة بالرجل في الواجبات والمسؤوليات:
بقراءة لمفردات القرآن، يُلاحظ: أن لفظ (الإنسان) بكل اشتقاقاتها جاءت في القرآن الكريم 97 مرة، ولفظ (النفس) البشرية الإنسانية ورد 298 مرة، ولفظ (الناس) 241 مرة، أما لفظ النساء فقد ورد 24 مرة، ولفظ المرأة ورد 38 مرة، وأما لفظ الرجال فقد جاء 73 مرة.
إذن خوطب الإنسان على أنه إنسان في القرآن الكريم 636 مرة، ووجه الإسلام الخطاب إلى هذا الإنسان، ثم أعطاه كلمة أنثى أو ذكر.
وفي الإسلام مساواة كاملة في كل شيء بين الرجل والمرأة، وليس تشابهاً، فالمساواة في الحقوق والواجبات، والتشابه غير ممكن بحال من الأحوال، وهذا ما يبرر وجود أمور مختلفة بين الرجل والمرأة وهي تتعلق بالوظائف الإنسانية لكل من الرجل والمرأة في إطار المهمات الأسرية والاجتماعية.
فإنسانية الإنسان: ذكراً كان أم أنثى تتسع لكل جوانب الحياة، وان الإسلام لم يلغِ إنسانيَّة المرأة، ولم يُعفِ المرأة من مسؤوليتها.
وفي المساواة بين الرجل والمرأة نقرأ في القرآن الكريم صوراً من هذه المساواة في:
1 ـ الإنسانية والخلقة، يقول تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ( [النساء:1]،وقال تعالى:(وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ( [الأنعام: 98]، وقال عزَّ وجلَّ: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ ([الأعراف: 189]، وقال سبحانه: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ([الزمر:6].
2 ـ وفي الكرامة وحرمة النفس وصون الشخصية، فقد حرَّم الإسلام قتلها، قال تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ( [سورة التكوير: 8 ـ 9]، وحرَّم هتك عرضها، ورتب الحدود على من اعتدى عليها حفاظاً على إنسانيتها وكرامتها وعفتها، وتوعَّد الله الذين يستطيلون على كرامة السيدات الفضليات في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( [سورة النور: 23]، وأورد سبحانه في النهي عن الافتراء قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [سورة النساء: 19].
3 ـ وفيما يخص تكاليف العقيدة والعبادات ومطالب الروح، فإن المرأة تخاطب كما يخاطب الرجل، وتندب لكل ما يندب له من الفرائض التي تحمل بذور الخير والصلاح، قال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( [سورة الأحزاب: 35].
وتنفيذاً لهذه الآية وغيرها كانت المرأة تؤدي الصلاة في المسجد في عهد رسول الله (، وقد بايعت النبي ( كما بايعه الرجال، حيث شهد بيعة العقبة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان.
ويوم فتح مكة لما فرغ من بيعة الرجال أقبلت النساء عليه فبايعنه أيضاً ونزل الوحي الإلهي، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( [سورة الممتحنة: 12].
4 ـ وفي الجزاء هناك مساواة، قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( [سورة المائدة: 38]، وعن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ( فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ( يَسْتَشْفِعُونَهُ، قَالَ عُرْوَةُ فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ( فَقَالَ: أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟!، قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ( خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ: لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ( بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَزَوَّجَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ([البخاري، ومسلم].
5 ـ وفي تهذيب النفس وحسن الأخلاق وطهارة القلب جعل الإسلام مسؤوليتها خاصة بها، مستقلة عن مسؤولية الرجل فلا ينفعها ـ وهي صالحة ـ صلاح الرجل وتقواه، أو فساد الرجل وطغيانه، يقول تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [سورة النساء: 124].
6 ـ وجعلها الإسلام أهلاً للاشتراك مع الرجل في النشاط الاجتماعي وهما سواء في ذلك، يقول تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [سورة التوبة: 71].
7 ـ وأباح لها التصرف في مالها بالبيع والشراء والأخذ والعطاء، ولم يجعل ذلك متوقفاً على إذن الأب أو الأخ أو الزوج، فهو تصرف لا يحده إلا ما تقتضيه قواعد الرشد العامة للجميع.
8 ـ ولم يفرق الإسلام في التكليف الديني بين الرجل والمرأة، فكلاهما على السواء مطالب بإقامة دينه، والدعوة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد حمَّل القرآن الكريم الرجال والنساء جميعاً مسؤولية تقويم المجتمع وإصلاحه، ويظهر ذلك في مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( [سورة التوبة: 71]، كما أن من التقويم والإصلاح: الإسهام في حركة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة.
وإذا كانت المرأة هي نصف المجتمع أو ما يقاربه من حيث العدد، فإنها ثلاثة أرباع المجتمع من حيث تأثيرها في المجتمع؛ فهي الأم، والأخت، والزوجة، والبنت، وهي الموجهة والمسؤولة عن اقتصاد البيت كله واقتصاد الأسرة.

الدكتور: علاء الدين محمود زعتري

أعلى




قراءة في كتاب الظاهرة القرآنية (2):
نـزول القـرآن متفرقا .. أهم أسبـاب نجـاح الدعـوة الإسلاميـة
هـذه هـي علامـات نـزول الوحـي على الرسـول الكريــم ..
تنجيم القرآن .. الطريقة التربوية الممكنة لميلاد دين وبزوغ حضارة

القاهرة - من محمد عمر :في كتاب الظاهرة القرآنية للمؤلف الجزائري مالك بن نبي تناولنا في الحلقة السابقة مصادر القرآن وما لاقاه الرسول من إيذاء على أيدي كفار قريش ثم هجرته من مكة إلى المدينة لنشر مبادئ الدعوة الإسلامية .. وفي هذه الحلقة يتعرض الكاتب لظاهرة الوحي وهل هي مكاشفة ووحي نفسي أو احتمال وشك نفسي بينما يقين النبي صلى الله عليه وسلم كان كاملا مع وثوقه بأن معرفة الموحى به غير شخصية وطارئة خارجة عن ذاته.
ينتقل الكاتب إلى تفسير الكتّاب المحدثين لظاهرة الوحي ويقول إنهم لم يأخذوا في اعتبارهم أثناء تحليلهم للظاهرة القرآنية حقيقة جوهرية هي اقتناع النبي الشخصي - ومن نظر الكاتب - يقول إن الوحي في نطاق قيمته العقلية بوصفه برهانا مباشرا على الظاهرة القرآنية وعلى صفتها العلوية وهذه القيمة العقلية مرتبطة بالطريقة التي تنشئ الاقتناع في نفس النبي ومن ذلك كان النبي بحاجة إلى التثبت من مقياسين يدعم بهما اقتناعه وهما مقياس ظاهري للتحقق من وقوع الظاهرة ومقياس عقلي لمناقشتها وتسويغها فمن المقياس الظاهري نجد النبي صلى الله عليه وسلم قد جاءه الوحي وهو في سن الأربعين حيث وجد نفسه فجأة لظاهرة غير عادية حيث يسمع وهو في غار حراء للمرة الأولى يا محمد أنت رسول الله فيرفع بصره نحو الأفق وإذا بضوء يبهره محيطا بصورة غير مألوفة فيمضي مسرعا إلى زوجه خديجة رضي الله عنها كي يشركها في فكرته المسيطرة عليه ثم يعود الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء فتعاوده الرؤية ولكنها في هذه المرة أكثر قربا ومباشرة وتأثيرا ومادية نوعا ما فإن لها شكلا خاصا هو هيئة رجل متشح بثوبه الأبيض يأمره في أولى آيات القرآن قائلا : (اقرأ) سورة العلق فتترك هذه المشاهدة الحسية الخالصة فكره الموضوعي في حال حائرة مختلطة فيعود مسرعا إلى مكة كي يقص على زوجه فتدثره السيدة خديجة بعباءة كي تهدئ من روعه وعندما يذهب إلى غار حراء يتلقى آيات القرآن بقوله تعالى : (قم فأنذر) فيقول لزوجته خديجة : لقد أمرني جبريل أن أنذر الناس فماذا أدعو ومن ذا يستجيب ؟.
وعندما كان الوحي ينزل على النبي يسمع قبله دويا مؤذنا شبيها بدوي النحل وأحيانا أخرى يسمع رنينا كأنه صلصلة الجرس .. وعندما نزل الوحي عليه كان يصاحبه شحوب مفاجئ يتبعه احتقان في الوجه فيأمر أصحابه أن يلقوا على وجهه سترا كلما طرأت الظاهرة.
أكاذيب المستشرقين
ويسخر الكاتب من رأي بعض المستشرقين أنها كانت حالة تشنج ويقول إذا نظرنا إلى النبي وجدنا الوجه وحده هو الذي يحتقن بينما يتمتع النبي بحالة عادية وبحرية عقلية ليستخدم ذاكرته استخداما كاملا خلال نزول الوحي على حين يمحّى وعي المتشنج وذاكرته خلال الأزمنة ولتثبيت هذا الاقتناع النهائي سيمدنا القرآن الكريم بمقياس مكمل للمقياس الأول وبأساس للاقتناع والحكم النهائي لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما المقياس الثاني وهو العقلي فإن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أميا ليس لديه من معرفة البشر سوى ما يمكن أن يمنحه له وسطه الذي ولد فيه ومعارف العرب عن الحياة الفكرية والاجتماعية لدى الشعوب الأخرى ليست بذات قيمة عدا الشعر الجاهلي الذي يعد مصدرا قيما للمعلومات فالنبي في ذهابه إلى عزلته في غار حراء لم يكن لديه شئ من المعرفة سوى الشيء القليل الموجود في وسطه البدائي وعندما يأتي الوحي يقلب هذه المعرفة الضئيلة المحاطة بسياج من الجهل والأمية فيملك النبي بذلك البرهان الأدبي والعقلي على أن الوحي لا يصدر عن ذاته .. وعندما ينقطع الوحي فترة ينتابه الحزن وعندما يعاوده الوحي مرة أخرى يتحقق الرسول تدريجيا في نفسه من حقيقة الظاهرة القرآنية يعينه على ذلك تكيف مستمر لضميره الواعي وكأنما أريد إعداده منهجيا للاقتناع الضروري اللازم لدعوته فأبلغه الوحي منذ البداية خصائص هذه الدعوة العظمى ويتوالى نزول الآيات وبذلك لم يعد لديه أدنى شك أدبي وعقلي فإن الحكم الصادق هو الذي يهديه فكل ما يراه وما يسمعه وما يشعر به وما يفهمه يتفق الآن مع حقيقة واضحة تماما في ذهنه جلية في عينه هي الحقيقة القرآنية.
ويتابع الوحي نزوله بسور القرآن الكريم سورة سورة فتتزاحم في وعيه الحقائق التاريخية والكونية والاجتماعية التي لم يسبق أن سجلت في صفحة معارفه بل حتى في معارف عصره ومناحي اهتمامه وهذه الحقائق ليست تصميمات غامضة ولكنها معلومات محددة تضم تفاصيل هامة عن تاريخ الوحدانية فقصة يوسف مثلا والتاريخ المفصل لهجرة بني إسرائيل لا يمكن اعتبارهما مجرد اتفاق عارض بل هي وحي من الله للرسول صلى الله عليه وسلم كان على أساس منهجين مختلفين الأول ذاتي محض والثاني موضوعي يقوم على الموازنة الواعية للوحي المنزل وما ورد في التفاصيل المحددة في كتب اليهود والنصارى مثلا.
ظاهرة الوحي
وتحت عنوان (مقام الذات المحمدية في ظاهرة الوحي) يقول الكاتب : لو تناولنا الأمر من ظاهره فسنجد أن هذا الحوار يحدد منذ البداية الوضع النسبي للذات المحمدية في الخطاب القرآني .. فتوضع هذه الذات منذ الوحي الأول في مقام المخاطب المفرد وسينزل الوحي في الواقع على ذات مخاطبة تؤديه واسطة عن الذات المتكلمة تستعمل هنا مباشرة اللغة الإلهية لتأمر بالقراءة أميا لا يتخيل نفسه قارئا وهو لهذا قد اضطرب وأجفل.
وفي باب الفكرة المحمدية يتناول الكاتب فكرة تأبير النخل التي كان يستخدمها الأنصاري فأشار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم باستخدام طريقة معينة لم تحقق أقصى ما يمكن من المصلحة فأقر النبي الأنصاري على رأيه وقال إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل بينما نجد الرسول يحدث بآيات القرآن الكريم بحزم ولا يتخلى مطلقا عن آية قرآنية مهما كان الثمن فنحن أمام فكرتين تتمثلان في نظر النبي عليه الصلاة والسلام بقيمتين مختلفتين الفكرة الشخصية التي تنبعث من معرفته البشرية والوحي القرآني المنزل عليه ويظهر هذا التمييز أيضا لدى الأنبياء الآخرين وخاصة في بني إسرائيل.
وفضلا عن ذلك فإن القرآن ثبت تماما في النطاق الزمني هذه النسبة بين المصدرين فقوله تعالى : (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) فقوله (ما كنت) أي قبل غار حراء والنبي في تلك الفترة لم يكن لديه سوى معلوماته الشخصية وهي معلومات عديمة الصلة بالوحي القرآني لأن الآية قد مرت أولا بشعور النبي وتعرضت لنقده الذاتي الذي يجيد تماما هذا الفصل الضروري لاقتناعه الخاص فتاريخ الوحي القرآني يبدأ بعد القرآن وليس قبله كما في الآية .. ولكن يجب أن نأخذ في الاعتبار عنصر الصياغة الخاصة لكل من القرآن الكريم والحديث الشريف .. فالعبارة القرآنية لها نسق وجرس تعرفه الأذن ولها هيئة تركيبية وألفاظ خاصة ولذا فليس لأحد أن يرتاب فيما تحتويه هذه الآيات من فصل قاطع تاريخي ونفسي بين الفكرة المحمدية والوحي القرآني لأنه متى استقر في شعور النبي عليه الصلاة والسلام أضاء جوانب الظاهرة القرآنية.
الخصائص الظاهرية
وفي باب الخصائص الظاهرية للوحي يقول إنه ظاهرة تمتد في حدود الزمن يتميز بظاهرتين هامتين وهما تنجيم الوحي في وحدة الكمية .. أما التنجيم فيقول إن الآيات نزلت منجمة ثلاثة وعشرين عاما بين كل وحي وما يليه مدة انقطاع طولا وقصرا وضرب مثلا بهجرة أصحابه إلى المدينة بينما كان ينتظر أمرا من الله بالهجرة وكذلك في حديث الإفك عندما فصل الوحي فيه بعد شهر من الانتظار على مضض وقد أثار هذا نقد المستهزئين بقولهم ألم يكن من الممكن أن ينزل عليه القرآن جملة واحدة ؟.. ولكننا نقول إن في تنجيم الوحي أهمية قصوى لنجاح الدعوة إذ بماذا كنا نفسر من الوجهات التاريخية والاجتماعية والأدبية قرآنا يهبط كأنما البرق في ظلمات الجاهلية وماذا يعني هذا بالنسبة لتاريخ النبي لو أنه كان قد تلقى وحيا كليا مفاجئا لو أنه تلقاه بوصفه وثيقة ؟.. أي أمل كان يمكن أن يلتمسه عنده قبل بدر مثلا فتنجيم القرآن في الواقع هو الطريقة التربوية الوحيدة الممكنة في حقبة تتسم بميلاد دين وبزوغ حضارة وسيهدي الوحي خلال ثلاثة وعشرين عاما سير النبي وأصحابه خطوة خطوة نحو الهدف البعيد وهو يحوطهم في كل لحظة بالعناية الإلهية المناسبة .. ولو أن القرآن قد نزل جملة واحدة لتحول سريعا إلى كلمة مقدسة خامدة وإلى فكرة ميتة وإلى مجرد وثيقة دينية لا مصدر يبعث الحياة في حضارة وليدة.
ولنأخذ مثالا على الوحدة التشريعية ففي قوله تعالى (حرمت عليهم أمهاتكم) الآية من سورة النساء نجد نصا يقرر في نفثة واحدة من الوحي تشريع الزواج بجميع تفاصيله وشروطه القانونية الضرورية وهو ينظم بصورة ما المحرمات من النساء مشتملا على حكمين جوهريين هما الاستيعاب والحصر الكامل للحالات المشار إليها وتصنيفها في نظام منطقي فتعداد ثلاث عشرة حالة نفسية وتصنيفها يستوجب ملابسات نفسية وزمنية متنافية مع خصائص الوحي والنبي صلوات الله عليه وسلامه لم يجمع في نفسه هذه المحرمات قبل نزولها وما كان له أن ينظمها خلال ومضة الوحي إذ هو أمر يتنافى مع ظروف حالة تلقيه الوحي.
ثم يضرب مثلا آخر للوحدة التاريخية في قوله تعالى : (إذا جاءك المنافقون قالوا نعلم إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) ففي الآية أربع فقرات الأولى حضور المنافقين بين يدي النبي أما الأفكار الثلاث الباقية فتأتي وفق نظام طبيعي يتبع درجة الأهمية أي ينتقل من الفكرة الرئيسية إلى الفكرة التابعة وخاصة في الأسلوب الخطابي كما هو شأن القرآن الكريم والفكرة الرئيسية أن يعلن غدر المنافقين وأن يكذبهم في مقالتهم.
وفي مضمون الرسالة يقول إن رحابة الموضوعات وتنوعها لشيء فريد طبقا للتعبير القرآني نفسه فقد قال تعالى : (ما فرطنا في الكتاب من شئ) فهو يبدأ حديثه من ذرة الوجود المستودعة في باطن الصخر والمستقرة في أعماق البحار إلى النجم الذي يسبح في فلكه نحو مستقر معلوم وهو يتقصى أبعد الجوانب المظلمة في القلب الإنساني فيتغلغل في نفس المؤمن والكافر بنظرة تلمس أدق الانفعالات في هذه النفس وهو يتجه إلى ماضي الإنسان البعيد ونحو مستقبله كيفما يعلم واجبات الحياة وهو يرسم لوحة أخاذة لمشهد الحضارات المتتابعة ثم يدعونا إلى تأمله لأخذ العظة والاعتبار وفي الأخلاق يتعمق في الطبيعة البشرية كي يوضح النقائص التي ينهي عنها والفضائل التي يدعو إلى التأسي بها من خلال حياة الأنبياء والشهداء وبذلك يدفع القرآن الكريم المؤمن إلى الندم الصادق حين يعده بالغفران أساس التربية الجزائية في الأديان السماوية .


أعلى



الثقة بالنفس

بين الغرور والاعجاب بالنفس وبين استصغارها وعدم الاعتداد بها توجد الثقة بالنفس والشعور بذاتيتها واستعدادها للكمال الانساني ، وعلى حسب هذه الثقة بالنفس ـ قوة وضعفا ـ يكون عزم الانسان في العمل او كسله عنه ، فاذا كان ذا ثقة تامة بنفسه شاعرا بكرامتها فانه لا يزال بها طموحا الى المعالي ، وعزوفا عن الرذائل والنقائص .
واذا ضعفت ثقته بنفسه ولم يقدر قيمتها حق قدرها هان عليه امرها ورضي لها بكل صغار واحتقار ولا يبالي أصفعه زيد ام داسه بكر ؟ وعاش بها معيشة الحشرات في مستنقعات الخسة والمهانة .
ان الثقة بالنفس كما تكون في الفرد تكون في الامة فان الامة اذا كانت واثقة بنفسها شاعرة بوضعيتها ومنزلتها في الوجود تكون دائما خواضة في العظائم وجلائل الاعمال ، طماحة الى المعالي ، تواقة الى احراز مكانتها في قمم المجد والسؤدد ، غير هيابة ولا راهبة ولا قانعة ، ولا تقدر بحال ان تقيم على هضيمة او تنام عن ضيم .
ولان تبذل ما لديها من نفس ونفيس ، وتضحي بكل مرتخص وغال ، وخير لها من ان تصبر على القذى ، وكل فرد من أبنائها يرى نفسه انه الامة وحدة لما تنطوي عليه ضلوعه من الشعور بذاته والثقة بنفسه .
واذا لم تكن لها ثقة بنفسها ولا شاعرة بها لها من القوة والنبوغ والاستعداد الكامنة فيها فانها تتضاءل وتتصاغر وتنكمش وتتروي ، تحيا وهنة وكسلة قانعة وهي الى العدم اقرب منها الى الوجود لا امل لها ولا رجاء ولا غاية ، فتترع الثقة بالنفس من كل فرد من أبنائها ، فيعيش كذلك غير شاعر من نفسه بذرة من الكمال ، ظانا انه كالخرقة الملقاة لا يصلح لشيء ، وان بقية اخوانه مثله لا يليقون لشيء سالبا عنهم كل فضيلة ،ملصقا بهم كل رذيلة قياسا عليما يشعر في نفسه من النقص والحطة ، واستنادا على ما يرى من بعض الافراد من العجز والضعف والوهن .
ومن هذا فشا سوء الظن بالافراد والجماعات ، وساد التشاؤم بينهم ، وسارت كلمة (دع عنك المسلم ) مسرى الامثال ، فاذا هب احدهم لمشروع خيري واراد مشاركة اخوانه فيه والتعاون معهم عليه قيل له : (دع عنك المسلم ولا تأمنه ولا تثق به ، وفر منه فرار الشاة من الذئب) ، وانشد لسان حال قول الشاعر :
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى
وصوت إنسان فكدت أطير
واذا حدثت بالأمة بلية واستدعاه اخوانه لمشاطرتهم في امرها فر هاربا ، وانزوى في قعر بيته لا جبنا ولا شحا ولكن لسوء ظنه بهم ، وعدم وثوقه باعمالهم ، واتهامه لهم بأنهم سيخونونه ويوقعونه في ورطة لا مخلص لها ، ويا ليته لو اقتصر على هذا ولكنه ينفث سمومه في كل من يثق بكلامه ويختلق له وسائل التثبيط والانفصال عن بقية الجماعة لاضعافها واحباط مساعيها واظهار انه هو المدبر الحكيم ، فاذا اصغى هذا المسكين الى كلامه وآثر في نفسه اتهم الجماعة فانعزل وعاش فريدا مستوحشا في عزلة مسجونا عن بقية العائلة مدى الحياة ، وهو لا خير له ولا لأمته ولا ضيرا دفع .
وذا لم يصغ الى كلامه بل سار في سبيله واستعان باخوانه فظهرت من احدهم خيانة او ضعف او سوء تصرف ـ وذلك طبيعة البشر ـ او اعترضه عائق في طريقه ، فكابد المشاق وقارع الخطوب فعوض ان يسليه ويدله الى مكامن الضعف حتى يتدارك ما فات يجابهه قائلا : ألم أقل لك دع عنك المسلم والم احذرك من كل ذي برنوص ؟ فذق جزاءك واعتبر بمغبة عنادك واصرارك ! يريد بهذا ان يظهر له ان نظريته هي الصحيحة ، وانه انما اخفق لمخالفته لها واعتداده بأخيه المسلم لا لعوائق اخرى كالجهل بالوسائل وعدم اعداد معداته اللازمة وكأمور طبيعية خارجة عن مقدوره .
فاذا تمكن من سلب ثقته بأخيه هش وبش : اذ حال بينه وبين عضده وتركه في حالة سيئة لا ملجأ له منها الا به ، وتلك هي غايته ومرامه ، واذا لم يتمكن من ذلك حرمه كل انتفاع منه واغلق بابه دونه ، بل تتبع سقطته وتقصى اثره ، فاذا عثر استقلى على ظهره ضحكا وسخرية كأنه يتوهم لغروره أنه معترك لحياة فراش وثير ليس فيه الا الراحة والسكون ، وكأنه لم يتل قوله تعالى :
(الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)
وأدهى من ذلك وامر ان فشا في بعض الاوساط ذلك ، وبلغ بها الى ان صارت تتمثل فيها بينها بدون خجل بذلك المثل الذي سار ضدها من اعداء الاسلام والمسلمين من قولهم : ( أترافاي آراب) في كل عمل لم يتقنه صاحبه ، ينتحل اخصام المسلمين معائب ونقائص فيعطون لها حقها من الاذاعة والتشهير تنقيصا للاسلام وسخرية بالمسلمين ، ولا يشعر المسلم الضعيف الغبي الا وقد جرت على لسانه مجرى النصل ، وان كانت كخنجر أغمده في صدره من غير ان يشعر .
تلك طبيعة ضعيف النفس مع القوي ، يقلده حتى في اضر شيء لنفسه ودينه وجنسه وبلاده .
نعم لئن كان الشائع في كثير من الاوساط الاسلامية الجهل والخيانة والفساد والانحطاط حتى صارت وبالا عليها وعلى بقية المسلمين وحجة لاخصام الاسلام عليه ، فهل من المروءة فصل المسلم عن اخيه وابعاده عنه وتحذيره منه واضعاف ثقته به وايئاسه من معالجته ؟
وهل من الغيرة والوطنية تنقيص المسلم بما ينقصه به ضده ، وافساد سمعته وتشويهها واعانة خصمه عليه ؟
او ليس من المفروض تنزيه اللسان عن تنقيص المسلم وتلويثه بما يلوثه به خصمه ، والذود عن عرضه والدفاع عن كرامته ؟
او ليس من الفضيلة نصحه بكل وسيلة وارشاده لاتقان عمله وضبط اموره وتنسيق شؤونه قدر المستطاع ؟؟
ولكن قاتل الله الجهل وسوء التربية فانهما تجعل الانسان عدو نفسه وقوميته ، وتترك في نفسه على الدوام آثارا سيئة لا تحصى ولا تزيحها الا التربية الصحيحة والتعليم الصحيح .
وهناك امور تربي في الانسان الثقة بنفسه يجب عليه مراعاتها ان اراد لنفسه خيرا وسعادة الدنيا والاخرة منها الثقة بالله تعالى وافعام القلب ايمانا به سبحانه فان يقينه بالله وايمانه بانه لا يخلف الميعاد يملأ قلبه راحة وطمأنينة وانه لا محالة فائز بمطلوبه :
( والذين جاهدوا فينا لندينهم سبلنا )
ومنها الشعور التام بانه انما خلقه الله وكرمه وفضله على كثير من خلقه ، وسخر له ما في السماوات وما في الارض جميعا منه ، لا ليعيش ذليلا مهانا ولكن ليعيش حرا كريما وسيدا شريفا وقويا عزيزا اذا استقام على الطريقة .
ومنها ان يعلم ان الفوز والنجاح ثمرة السعي والكد ، وان الخيبة والاخفاق نتيجة الكسل وعاقبه التفريط وتضييع الفرص ، وان العامل لا محالة ظافر باحد الربحين اما العاجل او الآجل فلا يذهب جده وجهاده سدى .
ومنها مخالطة العاملين المخلصين ذوي العزائم الصادقة الواثقين بنفوسهم ومجانبة الوكلين الوهنين المتشائمين ، ودراسة حوادث وتراجم العظماء المفعمة بالجلائل والعظائم المتكونة من الثقة بالنفس.
ومنها تمزيق اغشية الجهل بالتعليم الصحيح ، فان الجاهل يطرق الحياة كالمتخبط في الظلام لا يكون واثقا بنفسه ولا بأعماله ما دام غير عالم بموارد الامور ومصادرها بخلاف المتعلم تعلما صحيحا ، فانه يكون دائما على بينة من امره لا تذبذب يعوقه ولا تزلزل يعرقله .
ومنها الثروة العائلية المادية والمعنوية ، فان هذا ينمي في القلب الثقة بالنفس والشعور بذاتيتها ، وبعكس ذلك الضعف العائلي المادي والمعنوي فان هذا يبري من قوة
القلب ويذيب الثقة بالنفس .

الشيخ أبو اليقظان إبراهيم

أعلى





الإسلام والحياة

ان الاسلام ليس مجرد نظرية في وجود العالم وخالقِه بل هو ايضاً نهج للسلوك واسلوب للعمل على اساس خدمة الانسان ومصلحته، وانه لا صراع ولا خصومة بينه وبين العلم، بل العكس هو الصحيح.. فأي استكشاف يصل اليه العقل البشري هو انتصار لدين محمد والقرآن، واي عمل ينفع الناس في جهة من الجهات فهو من هذا الدين في الصميم، لأن الهدف الاول منه بل ومن العلم والفلسفة والادب والاخلاق هو خدمة الانسان، وحمايته من الاستغلال والعدوان، وما شرع الله حكماً لعباده والزمهم بأي تكليف الا على اساس مصلحة الفرد والجماعة..فإن نسب اليه شيء لا يؤدي هذا الغرض فهو من جهل الجاهلين..
ان اي انسان يترك اثراً مفيداً لاخيه الانسان فإنه يلتقي بعمله هذا مع دين الله وارادته..مهما كانت عقيدته ووجهته.
ان طريق المعرفة لا ينحصر بالتجربة، ولا هي بأقوى الطرق واصحها، واثبت بالحس والمشاهدة ان الدليل العقلي يسير مع الدليل الحسي جنباً الى جنب من حيث الحجة والدلالة، وانه لا شيء اقوى واخصب من العقل في الكشف عن المجهول، وفي الابداع والاختراع.
ونتساءل هنا: هل يوجد دين بين الاديان يسمى بحق دين الحياة، ويصلح ـ بحلاله وحرامه وبقيمه ومبادئه العامة ـ لكل فرد ومجتمع في كل زمان ومكان بحيث اذا وضع تشريع وقانون في شرق الارض وغربها يحلل ما حرم هذا الدين، او يحرم ما حلل ـ يكون جهالة وضلالة؟.
ان هذا الدين موجود بالفعل، وهو الاسلام بعقيدته وشريعته ما دام السؤال عن صلاحية الدين للحياة فنتحدث عن الاسلام هنا من هذه الزاوية، اي من حيث آثاره، فنعرض الادلة من كتاب الله بالذات على وجود الصلة بين الاسلام والحياة وقوتها وثباتها. بين سبحانه في كتابه العزيز ان دعوته ودعوة نبيه الكريم انما تتجه الى العمل من اجل الحياة بشتى جوانبها وابعادها. قال عز من قائل: (يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه وانه اليه تحشرون). (الأنفال آية 24).
وليس من شك ان الحياة الحقيقية هي التي يتوافر فيها الخصب والامن والعلم والحرية والعدالة والمساواة، والتعاون والتجاوب بين القلوب والضمائر..
هذا، الى ان الحياة بطبيعتها كفاح ونشاط، وتقدم ونمو، وعليه فمعنى الآية ان دعوة محمد (صلى الله عليه وسلم) هي ان يحقق كل انسان وجوده عن طريق العمل والكفاح، وعلى مستوى العلم والعدل والمساواة: (كلكم لآدم، وآدم من تراب) كما قال نبي الهدى والرحمة.
وقرن سبحانه الدعوة الى الحياة بالسيطرة على القلب الذي لا سلطان لاحد عليه حتى لصاحبه وحامله، قرن الدعوة بهذه السيطرة وبالحشر والنشر ليشر الى قدرته تعالى على احياء العظام وهي رميم، والى ان الارض مرتبطة بالسماء، والدنيا بالآخرة، وان الانسان مسئول امام الله، ولن يفلت ابداً من الحساب اذا استنكف عن العمل وتكبر، او استغل واستأثر.
وفي آية ثانية: (والعمل الصالح يرفعه) (فاطر آية 10)، وصالح الاعمال عند الله ما كثر خيره، وعم نفعه، ومعنى يرفعه انه تعالى يرفع من شأن العامل بخير، يرتقي به على قدر ما بذل وعمل، بل ويزيده من فضله.
وفي آية ثالثة: (هو الذي جعل لكم الارض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور) (الملك آية 15) اي دونكم هذه الارض فإنها للجميع، فعمروها بالزرع والغرس، وبالمصانع والانابيب..
وفي آية رابعة: (ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم) (الاسراء آية 9) اي الى الحياة الاقوم، ومن هذه الآية جاء التعبير الشائع الذائع الحياة الافضل والاصلح والاكمل.
قد يظن ان اصول العقيدة الاسلامية ما هي الا مجرد تصورات ومعتقدات لا تمت الى اية حقيقة من حقائق الحياة..وهذا ظن خاطىء وبعيد عن الواقع، فما من اصل او فرع من اصول الاسلام وفروعه الا وله اثر ايجابي في اتجاه المسلم الحق وسلوكه، واهتمامه بالمصالح الانسانية المشتركة.
يبتديء الاسلام بكلمة لا اله الا الله فهي حجر الاساس، واصل الاصول، لان الله مصدر الوجود، واي كائن سواه فهو فيض من كلمته وقدرته.. والاله الواحد في دعوة محمد والاسلام يعني من جملة ما يعني المعاني التالية:
ـ ان الله ليس رمزاً لقيمة من قيم الاخلاق كالحق والانصاف، ولا روحاً تتصل بالاجسام والابدان، ولا مادة تُحس وتُلمس وتنفعل وتتأثر..انه ذات عليا لها وجود حقيقي فوق الطبيعة، وهو سبحانه حي ومريد، عالم وقادر يخضع له كل شيء، ولا يخضع هو لشيء، ويأمر وينهي، ويثيب ويعاقب، ويغفر ويرحم، ويعطي ويمنع ويحي ويميت، وهو حي لا يموت، ولا يقع شيء في الكون الا وله فيه قضاء وتدبير، هذا هو اله العالمين في الاسلام، يتفرد في جميع صفات الجلال والكمال، فذاته تقترن بالغنى والداوم، وعلمه بالثبات والشمول، وارادته بالحكمة والتدبير، وحكمته بالسيطرة والقدرة، وقدرته باللطف والرحمة.
خلق سبحانه الكون بما فيه على سنن وقوانين تحكمه وتسيره، وهي ثابتة لا تتغير وتتحول (كما قال سبحانه: ولن تجد لسنة الله تحويلاً (فاطر 43)، ولو حدث التحويل والتغيير في نظام الكون ـ لعمت الفوضى، وتعذرت الحياة، وما خضع شيء لقانون، ولا استطاع العلماء ان يضعوا اي تصميم، او يحققوا اي شيء على الاطلاق.. وهذا النظام الدقيق الثابت في الكون لا يمنع الافلاك من الحركة، والحياة من النمو والتطور، بل يحدث ذلك على اساس القوانين الثابتة، والنظام الذي لا تحويل فيه ولا تبديل.
تتجه المبادئ التشريعية في الاسلام دائماً الى مصلحة الانسان ودفع المضرة عنه، فلا توجب عليه شيئاً او تحرمه الا لأن التجربة تدل على ان ما اوجبته الشريعة الاسلامية يعود على فاعله بالحياة الطيبة، وان ما حرمته يعود عليه بالضرر والشقاء .. وأول هذه المبادئ ان الله سبحانه لا يكلف نفساً الا وسعها، وانه تعالى يريد بالانسان اليسر ولا يريد به العسر، وان له حريته الكاملة يختار بها طريقه في الحياة دون ما قهر او اكراه، ومن هنا حث القرآن النبي الكريم على التذكير بالحسنى، وبينات الاقناع: فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر (الغاشية آية 21.
ومن مبادئ التشريع الاسلامي مراعاة الاعذار ورفع التكليف مع الاضطرار: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه (البقرة آية 173) ومنها التعايش السلمي: (وان جنحوا للسلم فأجنح لها) (الانفال 61) وقد وصف سبحانه نفسه بكلمة السلام في سورة الحشر: هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام.. آية 23، ومنها عدم الاعتداء: (ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين) (البقرة 190) ومنها عدم التدخل في شؤون الآخرين: (ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً) (الحجرات 12) ومنها الاثراء غير المشروع: (ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل) (البقرة188) ومنها تحريم الاحتكار وكنز الاموال، لأن الاول يستدعي غلاء الاسعار، والثاني يحبس النشاط والنمو عن الحياة الاقتصادية: (كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم) (الحشر آية 7).
ومنها اقرار الملكية الخاصة، شريطة ان لا يلقي العنان لغريزة التملك بلا حد، ولا للسيطرة المؤدية الى الظلم الاجتماعي واستغلال الاقلية لمقدرات الجماعة، ومنها الجهاد ضد الطغاة، واستماتة الانسان دفاعاً عن دينه ووطنه وحقه الخاص: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) (البقرة 193).
وقال الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم): من مات دون عقال من ماله مات شهيداً، واوجب الاسلام القتال لنصرة المستضعفين والذب عنهم: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان) (النساء 75) وحرّم على المستضعفين ان يتحملوا الضيم، ولم يقبل الله لهم عذراً في الاستسلام الى المذلة والمهانة، والزمهم بالهجرة اذا تسلط عليهم الكبار والسادة، ولم يجدوا حيلة ولا وسيلة للدفاع والجهاد: (الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم) (النساء 97).
ومنها مساواة الجميع امام الله والحق: (يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة.. (النساء) ومنها وجوب التعاون والتكامل بالزام الفرد بالجماعة، والجماعة بالفرد: وتعاونوا على البر والتقوى (المائدة) ويسمى هذا التعاون على البر في لغة العصر، بالضمان الاجتماعي او العدالة الاجتماعية..الى غير ذلك من القواعد والمبادئ التي تحقق مصالح الناس، وتكفل سعادة الفرد والمجتمع. ومن هنا اتفق فقهاء المذاهب على انه حيث تكون المصلحة فثم شرع الله وشريعته.
ومن اجل هذه التعاليم وغيرها آمن بالاسلام كثير من الناس قديماً وحديثاً في مختلف انحاء العالم، آمنوا به طوعاً لا كرهاً، واجتهاداً لا تقليداً..والذين اسلموا اليوم في اوروبا واميركا وكندا ـ امثلة واضحة، وادلة قاطعة على ان الاسلام هو دين الحياة لكل مجتمع وفي كل عصر.

نديمة عيتاني

أعلى





الوقـت أمانــــة

كثير من الناس يشعرون بالملل والضجر والضياع، ولا يعرفون كيف يستفيدون من وقتهم الذي هو امانة في اعناقهم وسيسألهم الله عز وجل عن الاوقات التي اضاعوها، ومع الاسف فانهم يلجأون الى قتل هذا الوقت وتضييعه كما يحلو لهم ويروق، ولا يدركون ان الوقت هو امانة وانه سريع الانقضاء والمرور، وانه يمر مر السحاب، وان ما مضى منه لا يعوض ولا يعود.
ويقول احد الشعراء:
دقات قلب المرء قائلة له ان الحياة دقائق وثوان
وان الذي يقتلون الوقت إنما يضيعونه في المقاهي والبارات، وفي لعب النرد والزهر وفي المجالات، وفي الثرثرة والغيبة والنميمة والخوض في الاعراض ومراقبة الناس والتجمعات وفي الفضولية والتدخل فيما لا يعني حتى في الخصوصيات، وهكذا دواليك من الاساليب الهابطة المتخلفة التي تقود الى الاثام والاوزار وضياع الحسنات.
انهم اناس لاهون عبثيون منصرفون عن ذكر الله وعن الصلاة وعن الواجبات، غير مكترثين بأولادهم فلا يلازمونهم ولا يجالسونهم، وما يدري هؤلاء المساكين انهم يقتلون انفسهم من خلال قتلهم، واضاعتهم للوقت، انهم لا يدركون بأن الانسان عبارة عن مجموعة ايام كلما ذهب يوم بدون عمل ولا فائدة فانه يخسر جزءاً من نفسه.
الامام الحسن البصري والوقت:
في هذا المجال يقول الامام الحسن البصري بشأن الوقت (يا ابن آدم انما انت ايام مجموعة، كلما هب يوم ذهب بعضك) ولسلفنا الصالح اقوال اخرى تؤكد هذا المعنى، منها: من علامة المقت اضاعة الوقت، الوقت سيف ان لم تقطعه قطعكن من كان يومه كأمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون فهذه الاقوال تحث على الاستفادة من الوقت.
وعلى الانسان ان يحرص ان يكون يومه أفضل من امسه، وان يكون غده افضل من يومه، وهكذا، للدلالة على الحيوية والنشاط والابداع.
الاستفادة من الوقت وبيان اهميته:
لقد حرص ديننا الاسلامي العظيم على الاستفادة من الوقت، وسخر للانسان الليل والنهار فيقول سبحانه وتعالى (وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه، وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها) سورة ابراهيم الايتان 33و34 ويقول عز وجل في آية اخرى (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفه لمن اراد ان يذكر او اراد شكورا) سورة الفرقان الاية 62. أي ان الله رب العالمين قد جعل الليل يخلف النهار.، وجعل النهار يخلف الليل فمن فاته عمل في احدهما فانه يحاول ان يتداركه وان يعوضه في الوقت الاخر، وهذا للدلالة على اهمية الوقت.
فقد اقسم الله عز وجل في مطلع عدة سور في القرآن الكريم بأجزاء معينة من الوقت مثل: الليل، النهار، الفجر، الضحى، العصر، ويقول علماء التفسير في هذا المجال، اذا افسم الله سبحانه وتعالى بشيء من مخلوقاته فذلك ليلفت انظار الناس اليه، ولينبههم الى جليل منفعته والاستفادة منه، وكذلك لبيان قدرته جل وعلا، وعظمته في خلقه للكون والانسان والحياة.
حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الاستفادة من الوقت:
لقد حث رسولنا الاكرم صلى الله عليه وسلم على العمل النافع الجاد وعلى الاستفادة من الوقت الى اخر لحظة في هذه الحياة الدنيا بقوله (اذا قامت الساعة وفي يد احدكم فسيلة فان استطاع الا يقوم حتى يغرسها فليغرسها). رواه البخاري واحمد والبزار والديلمي عن الصحابي الجليل انس بن مالك رضي الله عنه.
والفسيلة: النخلة الصغيرة، وطلب منا (عليه الصلاة والسلام) ان نغتنم الفراغ من الوقت قبل الانشغال بشؤون الدنيا الفانية وذلك في عدة احاديث نبوية شريفة بهدف الاستفادة من الفراغ للقيام بالعمل النافع والجاد، وبالعبادة المستمرة من تلاوة القرآن الكريم والتكبير والتهليل والتسبيح، بحيث يكون لسان المرء رطباً بذكر الله عز وجل.
فيقول صلى الله عليه وسلم (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) اخرجه البيهقي في السنن الكبرى والحاكم في المستدرك وابو نعيم في حلية الاولياء وابن ابي شيبة في المصنف عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: صحيح عن شرطهما، ورواه الترمذي ايضاً مرسلا عن التابعي عمرو بن ميمون الاودي، وهو من كبار التابعين بالكوفة.
ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ) رواه البخاري عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، والمراد بالفراغ،: الخلو من المشاغل والمعوقات الدنيوية، وذلك ليستفيد الشخص من هذا الفراغ بالعبادة وطلب العلم النافع وملازمة الكتب والاطلاع على النشرات المفيدة والبناءة: علماً ان الفراغ قد ينقلب الى نقمة اذا اضاع الشخص هذا الفراغ باللهو ولعب الزهر والنرد ومشاهدة افلام الجنس والبرامج الهابطة او حضور مجالس الخمر او مجالسة الذين يغتابون ويفسدون في الارض، وغير ذلك من المحظورات والمحرمات.
سلفنا الصالح والوقت:
لقد حرص سلفنا الصالح على الاستفادة من اوقاتهم فحصلوا علوماً نافعة، وحققوا انتصارات باهرة ونفذوا انجازات عظيمة، وشيدوا حضارة راسخة، ويقول الامام البصري في هذا المجال: (ادركت اقواماً كانوا على اوقاتهم اشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم) هذا في فترة العصر الاسلامي الزاهر عصر التقدم والبناء وكانوا جديين في اعمالهم حتى درسوا الفلك والانواء.
فكيف بنا في هذه الايام عصر التخلف والتقهقر والنفاق والرجوع الى الوراء، كان اجدادنا وسلفنا الصالح يندمون على أي لحظة تمر دون فائدة فيقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه اجلي ولم يزد فيه علمي) وقال الشاعر:
اذا مرّ بي يوم ولم اقتبس هدى ولم استفد علما فما ذاك من عمري
الخـاتمــة:
نعم ان الندم على الوقت الذي لم يزدد فيه الانسان علماً ولا هدى ولم يشغله بالعمل المفيد، فينبغي على الانسان ان يضع لنفسه برنامجاً يومياً لتعبئة وقته والاستفادة منه، لان الوقت امانة وان الله رب العالمين سيسألنا عن هذا الوقت يوم القيامة، يوم الحساب لقول رسولنا الاكرم صلى الله عليه وسلم (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن اربع: عن عمره فيما افناه، وعن شبابه فيما ابلاه، وعن ماله من اين اكتسبه، وفيما انفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه) رواه البيهقي في شعب الايمان عن الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه كما رواه الترمذي والطبراني والبزار من طرق اخرى.

الدكتور الشيخ عكرمة صبري
مفتي القدس والديار الفلسطينية

 

أعلى

 

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept