|

فتاوي واحكام
* ما قولكم في رجل اشترى ضاحية في وسطها مفسل وقف مجهول الأرباب وليس
من أهل البلد، فما حكم هذا المفسل، هل يفسل أم يباع أم ماذا يفعل مالك
الضاحية للتخلص من هذا الوقف؟
** يفسل ويبقى كما كان من قبل، إلا إن اقتضى رأي أهل النظر والصلاح
بيعه للمصلحة والاستعاضة عنه بما هو أصلح، وإذا جهل أربابه فمرد منفعته
إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
* رجل أسس منزلا وقد أوصى له بمال وأيضا ورثته من بعده قاموا يوصون
له بمال إلى أن مضى عليه أكثر من مائتى سنة، والآن المنزل تهدم وجميع
المشاركين فيه استغنوا عنه وبقي داثرا وأن غلات ذلك المال لم تنفذ
في شيء، فما يكون في تلك الغلة، هل يحق لهم أن ينفذوها في شيء من الصلاح
الذي يؤدي لمجتمعهم أم تبقى مجموعة لديهم؟
** إذا كان البيت موقوفا لمخصوصين واستغنوا عنه واتفقوا على أن ينفذوا
غلته أو غلة المال الموقوف لإصلاحه فيما ينفعهم جميعا فلا حرج من ذلك
والله أعلم.
* امرأة أوصت، ومن وصيتها أنها أوصت بأرضها التي ورثتها وقفا بعد موتها
لأولاد خالد ولأولاد حمد وأولادهم ما تناسلوا لكل واحد منهم موجود
بالبلاد، والخارج منها فليس بداخل معهم، وبثلاثمائة ريال وقفا لهم
عن ضمان لزمها لهم وكذا الأرض السابقة عن ضمان لزمها لهم. هؤلاء الإخوة
الموقوف لهم الوقف المذكور لا مصلحة لهم فيه ولا لنسلهم من بعدهم،
وفي النهاية يتلاشى ولا يستفيد منه أحد، وعندهم سبلة عامة لهم ولأولادهم
ولجماعتهم ويريدون صرف هذا الوقف وبيعه في مصلحة السبلة، فهل ترى لهم
ذلك؟
** نظرا إلى أن هذا الوقف ليس خاصا بهؤلاء، وإنما هو لهم ولأعقابهم
من بعدهم، أرى بيعه وجعل ثمنه في سبلة الجماعة تبديلا للوقفية، وعليه
فالأسلم إن كان لايستفاد منه أن يبيعوه ويستعيضوا بثمنه عقارا يعود
مصلحته على الموقوف لهم والله أعلم.
* وقف للمسجد أو للمدرسة هل يجوز صرفه من الوقف الذي يوزع يوم تاسع
الحج؟
** يجب أن يصرف كل وقف فيما وقف له ولا يجوز صرفه في مصرف آخر، لأن
ذلك من التبديل غير الجائز شرعا والله أعلم.
* من المعلوم لدى العمانيين بأن بيت الرباط بمكة المكرمة أوصى به أحد
المواطنين ليكون مقرا لفقراء الإباضية العمانيين والزائرين لبيت الله
الحرام، فهل يعد خلافا لما جاءت به الوصية أن يسكنه أشخاصا من نفس
المذهب إلا أن رواتبهم الشهرية لا تقل عن أربعمائة ريال عماني وهم
والحمد لله ميسورون؟ وكذلك إذا كان ذلك البيت فارغا خاصة في غير مواسم
الحج، فهل يجوز للأغنياء أو ميسوري الحال الإقامة به؟
** أما من لم يكن من الفقراء فلا ينزل به إلا إن كان يعوض عن نزوله
مبلغا يصلح به البيت مع الحاجة أو يعود إلى مصلحة الفقراء الذين ينزلون
فيه للحج أو العمرة، وذلك نحو تسديد فواتير الماء أو الكهرباء، ولابد
من اشتراط أن لا يزاحم المستحقين ويضايقهم عندما يتكاثرون ويضيق بهم
البيت والله أعلم.
* هل يجوز بيع بئر موقوفة للسبيل وشراء محلات تجارية بثمنها لتكون
وقفا لأيتام المسلمين أو بناء مسجد بهذا المال؟
** إن كانت البئر موقوفة للسبيل فلا يجوز صرفها إلا لما وقفت له والله
أعلم.
* ما الحكم إذا تعذر إنفاذ الوقف فيما وقف له؟
** إن تعذر إنفاذ الوقف فيما وقف له فإنه ينفذ في باب من أبواب البر
التي هي أقرب شبها إليه، فالموقوف لأكفان الموتى مثلا إذا لم يوجد
له مصرف يصرف فيه حسب مقتضى الوقفية لا يمنع من إنفاذه في حفر قبور
الموتى، لأن في كلا الأمرين سترا للميت وقياما بالمشروع في حقه والله
أعلم.
* قبيلتنا لديها سابقا مال أسس لسبلة الجماعة تابعة لقبيلتنا من ذكور
وإناث، والآن السبلة التغت ونرغب في دمج مال السبلة إلى مال وقف القبيلة
الذي يوزع يوم عرفة، فهل يصح ذلك؟
** إن كانت السبلة لنفس القبيلة ولم يكن للسبلة وجود قائم فلا مانع
من صرف الغلة فيما تصرف فيه غلة وقف القبيلة إن أرادوا ذلك إلى أن
يعود وجود السبلة فيعود الوقف كما هو والله أعلم.
* شيخي الوقور توجد لدينا بئر ماء ولدينا لها ملكية من وزارة البلديات
الإقليمية والبيئة وموارد المياه وجعلناها موردا للشرب لمن يسكن حولها
أو يمر عليها أو يحمل منها إلى منزله بسيارة أو خزان فوق السيارة أو
على الدواب، ولكن لم نجعلها بأنابيب ويؤخذ منها للمنازل، فما حكم المورد
الموقوف في الشرع؟ وهل يصح أن يجلب الماء بأنابيب ويوصل إلى خارج المنطقة
الموقوف لها؟
** إن كنتم وقفتموها لجهة خاصة وثبتت الوقفية فلا يجوز تجاوز تلك الجهة
الموقوف لها والله أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
نظرة الإسلام إلى الإستهلاك المفرط
إعداد ـ سيف بن عبدالله الناعبي : عندما
نتحدث عن ترشيد الاستهلاك، فإننا نهدف بذلك على الصعيد الخاص إلى (توجيه
الأنماط والعادات الاستهلاكية الغذائية، بحيث يتسم السلوك الاستهلاكي
للفرد أو الأسرة بالتعقل، الاتزان، الحكمة، الرشادة، الموضوعية والمنطقية،
وبحيث يكون استغلال الفرد من الأغذية حسب احتياجات جسمه وبالكميات
والنوعية التي تحقق له اتزان الفائدة الغذائية، والتي تفي بكافة احتياجاته
من السعرات الحرارية اليومية دون زيادة أو نقصان، مما يزيد نشاط وحيوية
الفرد، وينعكس بدوره على إنتاجية الفرد واستهلاك الأسرة، ومن ثم على
استهلاك المجتمع وحيويته).
ونهدف على الصعيد العام الى (تحسين نمط الحياة، والعمل على رفع مستوى
المعيشة، وتطوير الاقتصاد من خلال تنمية مختلف القطاعات، وبالأخص التطبيق
المنظم والشامل لسياسات الغذاء والزراعة والمناطق الريفية، والتي تشارك
فيها الحكومة والسلطات المحلية، إضافة الى توفير الكمية المناسبة من
الأغذية ذات النوعية الجيدة والمأمونة صحيا وذات الأسعار المناسبة).
والجدير بالذكر أن هذه الدعوة الى ترشيد الاستهلاك لا يقصد بها الحرمان
من التمتع بملذات الدنيا، بقدر ما يقصد بها العمل على تربية النفس
حتى يتمكن الانسان من القيام بدوره في النهوض بواجبه الاستخلافي في
الارض وفقا لقول الله عز وجل: (وما خلفت الجن والانس إلا ليعبدون).
كما يقصد منها الدعوة الى التوسط وعدم الاسراف في الاستفادة من نعم
الله عز وجل، والتي حث عليها الله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات
القرآنية، مثل قوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين).
وقوله سبحانه: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه
كفورا).
لذا فإن هذه الدعوة الى ترشيد الاستهلاك لا تنطلق من فراغ وإنما ترتبط
بحسن عبادة المؤمن لربه، وذلك في مجالات عدة:
ـ يأتي دور المسلم في حماية الارض والبيئة وتأمين الحياة السليمة للأجيال
التي تأتي بعده، ذلك ان العبادة بمعناها الشامل لا تقتصر فقط على أداء
الشعائر الدينية فقط، إذ إن (حسن استغلال البيئة عبادة، والمحافظة
عليها وصيانتها لتستمر الى ما شاء الله تنتفع بها البشرية كافة حتى
يرث الله الأرض ومن عليها عبادة، وإماطة الأذى عن الطريق عبادة، وعدم
تلويث الماء والهواء عبادة، وحسن استعمال المرافق العامة والخاصة من
طرق ومياه وكهرباء ومؤسسات مختلفة (مدارس ـ مستشفيات ـ مصانع وغيرها).
بأسلوب راشد عاقل عبادة، هذه السلوكيات الاسلامية البناءة في التعامل
مع مكونات البيئة الطبيعية والمشيدة، أمر الله سبحانه وتعالى عباده
بها بقوله: (وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض ان
الله لايحب المفسدين).
ـ وليس ثمة شك ان حسن استغلال مكونات البيئة الطبيعية والمشيدة وصيانتها
فيه نفع كبير للبشرية كافة، وأن سوء استغلالها والعمل على سرعة استنزاف
مواردها أمر فيه ضرر بالغ للبشرية جمعاء.
ـ ومن الأمور اللافتة للإهتمام حدوت كثير من التصرفات الاستهلاكية
في أوساط إسلامية حيث يستخدم الإسلام كحجة للإسراف، مثل إهدار المياه
على تنظيف البيت، تحت حجة أن الإسلام يحث على النظافة والطهارة، مع
أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن الإسراف في استخدام المياه حتى
أثناء الوضوء، فقال لسعد: (لا تسرف وإن كنت على نهر جار...).
ـ دور المسلم في تطبيق منهج الله في الوسطية وعدم الإسراف، قال سبحانه:
(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)، وليس ثمة شك ان
دعوة الإسلام الى الاعتدال ونبذ الاسراف التي أعلنها الله عز وجل منذ
أربعة عشر قرنا (بدأت تدركها مؤخرا المجتمعات غير الاسلامية في الشرق
والغرب، حيث بدأوا ينادون بالاستخدام العاقل أو الراشد المعتدل، ونبذ
الاستخدام الجائر أو المفرط (الاسراف) بعد ان بدأ الاسراف في الاستخدام
موارد البيئة يهدد البشرية بأخطار كثيرة فمثلا أدى الاسراف في قطع
الاشجار والنباتات الى بروز مخاطر كثيرة مثل: (جرف التربة، الفيضانات
العنيفة، تدهور الدورة المائية ونظم المطر، انتشار التصحر، الاختلال
في دورة الأكسجين، ثاني أكسيد الكربون وغيرها كما يؤدي الاسراف في
استخدام المياه الى مشاكل عديدة مثل تملح التربة وتغدقها، سرعة نضوب
موارد المياه الجوفية، نقص موارد المياه وغيرها).
هذا وتبدو الحاجة الى التوسط على المستوى الفردي نتيجة سوء الادارة
والهدر في الاموال والارزاق التي تبدو على تصرفات كثير من المسلمين،
فعلى عكس الانسان الغربي الذي يشتري الفاكهة بالقطعة، يعرف المسلم
بكرمه وسخائه داخل أسرته، لذا لا يكتفي الرجل بشراء كيلو واحد من طعام
معين، ولا يرضى بشراء نوع واحد من الفاكهة كما لا تطبخ المرأة نوعا
واحدا من الطعام، ولا تقبل بشراء ثوب واحد في السنة، والنتيجة ماذا
؟ طعام يرمى في سلة النفايات، وأثواب تلبس سنة واحدة ثم تنتهي موضتها
فتزين الخزائن بدل أن تزين الاجساد..
ـ فإلى متى سيبقى المسلمون عاجزون عن تحديد الكميات المشتراة من الأغذاية
حسب حاجة الأفراد والأسرة الضرورية والفعلية ؟ والى متى سيبقون عاجزون
عن إدراك ان (الزيادة عن الحاجة قد تتلف أثناء التخزين الطويل وتقل
قيمتها الغذائية وبالتالي تسبب خسائر مادية) ؟
ـ دور المسلم في تربية نفسه، ذلك أنه إضافة الى كره الله عز وجل للمسرفين
فإن من نتائج الاسراف، خاصة في الطعام والشراب، إماتة القلوب، قال
صلى الله عليه وسلم: (لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب
كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء)، وورد في الحكمة: (ان البطنة تذهب
الفطنة)، وقال أحد الصالحين: (إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست
الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة).
وإذا كانت هذه الحاجة الى ترشيد الاستهلاك ضرورية في كل حين، فهي أشد
ضرورة في أيامنا هذه خاصة في هذه المرحلة التارخية الهامة التي تمر
بها الأمة الأسلامية والتي تحتاج من المسلم ان يستعد للجهاد في أية
لحظة، والمسلم إذا لم ينجح في جهاد نفسه وشهواتها ويتغلب عليها، فهو
سيعجز عن تحمل جهاد الأعداء من هنا تبرز أهمية التربية على ترشيد الاستهلاك
بالنسبة لكل مسلم، ذلك أن الدنيا هي كل يوم على حال، وعلى المؤمن ان
يستعد في أوقات الرخاء على مواجهة أوقات البلاء، قال سيدنا عمر رضي
الله عنه: (اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين)،
وقال ابن خلدون في مقدمته: (فالهالكون في المجاعات إنما قتلهم الشبع
المعتاد السابق لا الجوع الحادث اللاحق).
أما بالنسبة للقياديين الجهاديين فإن جهادهم للنفس أشد حاجة، ذلك لأن
(صناعة التاريخ تحتاج الى رجال قياديين خرجوا من أنفسهم تماما، ونسوا
حظوظهم تماما، وتجاهلوا مصالحهم تماما، وبالتالي لديهم المقدرة على
ألا يأخذوا مما يجري إليه الناس سوى ضروراتهم فقط وضرورات أبنائهم
وزوجاتهم).
أخيرا أختم بدور المسلم في النهوض بمجتمعه وتحويله من مجتمع استهلاكي
الى مجتمع منتج، ذلك ان الزيادة الكبيرة في استهلاك الافراد، يؤدي
الى إنفاق كل الدخل الفردي والقومي لتمويل شراء السلع الاستهلاكية،
والتي في معظمها قد لا تكون من السلع الضرورية.
أعلى
الإنسان والقرآن
إن منزلة الإنسان في القرآن اشرأبت إليها أعناق
الملائكة المقربين, فالقرآن يذكر أن الإنسان مخلوق كريم على الله ,
خلقه بيديه , ونفخ فيه من روحه, وأسجد له ملائكته, وميزه بالعلم والإرادة,
وجعله خليفته في الأرض, ومحور النشاط في الكون, وسخر له ما في السموات
وما في الأرض جميعاً, وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة, فكل ما في الكون
له ولخدمته أما هو فجعله تعالى لنفسه, جاء في بعض الآثار الالهيه (ابن
أدم, خلقتك لنفسي, وخلقت كل شيء لك, فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته
لك عما خلقتك له, ابن آدم, خلقتك لنفسي فلا تلعب, وتكفلت برزقك فلا
تتعب . ابن آدم, اطلبني تجدني, فإن وجدتني وجدت كل شيء, وإن فتني فاتك
كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ) .
القارئ الكريم :
إن القرآن الكريم بين أن الإنسان شيء ضئيل بالنسبة لسعة الكون من حيث
حجمه وحياة جسمه ولكنه من حيث روحه وكيانه المعنوي شيء كبير, فالله
جعله سيدا في الكون, وخليفته في الأرض, وهذه الخلافة مشتركة بين جميع
الناس على اختلاف طبقاتهم, وما آتاهم الله سبحانه وتعالى, يقول الله
سبحانه وتعالى ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات
ليبلوكم في ما آتاكم ) سورة الأنعام آية رقم [165 ] .
فالناس كلهم مشتركون في هذه الخلافة,الحاكم والمحكوم, والقوى والضعيف,
والجاهل العالم, والرجل والمرأة,والحر والعبد,والموظف والتاجر,والمدرس
والطبيب,وجميع أصحاب الأعمال المتنوعة,والحرف المختلفة,فأنهم جميعا
مستخلفون في الأرض,لأنهم يعمرونها بما أتاهم الله سبحانه وتعالى من
مواهب فطرية,وقوى عقلية,وقد جعل الله سبحانه وتعالى عمارة هذه الأرض
لا تقوم إلا على الحياة الاجتماعية التي خص بها النوع البشري من سائر
الكائنات الموجودة في هذه الأرض.
وقد قص لنا القرآن الكريم بدء خلق الإنسان فقد قال عز من قائل ( وإذ
قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد
فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون.
وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء
هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا انك
انت العليم الحكيم. قال ياآدم انبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم
قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم
تكتمون) سورة البقرة آية رقم[33,32,31,30] .
القارئ الكريم :
فالله سبحانه وتعالى يذكر لنا في القرآن, عندما أراد أن يوجد هذا الإنسان
آذن الملأ الأعلى بشأنه تنويهاً بقدره ورفعة لمكانته, وقد كان ما كان
من سؤال الملائكة لله رب العالين عن سر إختصاصه الإنسان بهذه المكانة
العالية, والقدر الرفيع, وبين الله سبحانه وتعالى لهم بيانا عمليا
قدر هذا الإنسان, وإنما آتاه ذلك لما آتاه الله سبحانه من علم, فقد
جعل الله سبحانه وتعالى الإنسان بفطرته متمكنا من استيعاب العلوم قادرا
على استنباطها, ولذلك امتحن الله الملائكة فسألهم عما سألهم عنه من
أسماء الأشياء عجزوا عن التعبير بأسمائها فلما سأل آدم, وقد من الله
سبحانه وتعالى عليه بمعرفة الأسماء, أجاب عنها فتبينت بذلك مكانته
فأمر الله عز وجل ملائكته الكرام المقربين أن يسجدوا لهذا الإنسان
كما جاء في القرآن, تنويها بقدره وتعريفا بمكانته .
القارئ الكريم :
فعلى الإنسان أن يشكر نعم الله عليه, والتي أسبغها عليه ظاهرة وباطنة,
وأن يقدر هذه المكانة التي رفعه إليها, فلا ينحط في دركات الرزائل
ولا يقع في معاصي الله سبحانه وتعالى والتي تبعده عن رضوانه وجنته,
وعلى الإنسان أن يذكر نعمة الله عليه والتي بسطها في هذا الكون فقد
سخر الله سبحانه له منافع الكون بأسرها, يقول الله تعالى :( هو الذي
خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) سورة البقرة آية رقم [29 ] .
لقد سما القرآن الكريم بالإنسان فاعترف به كله, روحه وجسده, عقله وقلبه,
إرادته ووجدانه, غرائزه الهابطة وأشواقه الصاعدة, لم يضع في عنقه غلا,
ولا في رجله قيداً, ولم يحرم عليه طيباً, ولم يغلق في وجهه باب خير,
ولم يدعه للمتاجرين بالدين يتلاعبون به, بل خاطبه خطاباً مباشراً قال
تعالى : ( يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم . الذي خلقك فسواك فعدلك
. في أي صورة ما شاء ركبك ) سورة الانفطار آية 6 ,7 ,8 .
ويقول تعالى ( يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ) سورة
الانشقاق آية رقم [6 ] هذه صورة سريعة, ولكنها واضحة التقاسيم, لمكانة
الإنسان كما رسمها القرآن .
إن القرآن الكريم قد عرف طبيعة الإنسان حق معرفتها, وقدرها حق قدرها,
لأن القرآن كتاب الله, والإنسان من خلق الله, وخالق الشيء وصانعه لا
يجهل طبيعته وكنهه, يقول تعالى (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
) سورة الملك آية رقم [14 ] .
وقد خلق الله هذا الإنسان جسماً كثيفاً , وروحاً شفافاً , جسماً يشده
إلى الأرض, وروحاً يتطلع إلى السماء, جسماً له دوافعه وشهواته وروحاً
له آفاقه وتطلعاته, جسماً له مطالب أشبه بمطالب الحيوان , وروحاً له
أشواق كأشواق الملائكة
القارئ الكريم :
هذه الطبيعة المزدوجة ليست أمراً طارئاً على الإنسان, ولاثانويا فيه,
بل هي فطرته التي فطره الله عليها, وأهله بها للخلافة في الأرض, منذ
خلق آدم خلقا جمع بين قبضة الطين ونفخة الروح (ذلك عالم الغيب والشهادة
العزيز الرحيم . الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين .
ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين . ثم سواه ونفخ فيه من روحه. وجعل
لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) سورة السجدة آية رقم
[6, 7, 8, 9 )
عبدالرحيم محمد جاد الرب
أعلى
شاب نشأ في طاعة الله
لقد اعتنى الإسلام عناية بالغة بالإنسان في جميع
أطوار حياته وفي جميع مراحل عمره حتى يكونه على أسس سليمة وقواعد مستقيمة
، فيتمكن من تأدية الرسالة المناطة به والخلافة الملقاة على عاتقه
قال تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل
فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني
أعلم ما لا تعلمون (.
والشباب هي أهم مرحلة ركز عليها الإسلام في تشريعاته للبشر ؛ لأنها
مرحلة القوة والشكيمة ، مرحلة النضارة والبهجة ، مرحلة الصلابة والجلد
، مرحلة التطلع والاستشراف والتأمل والاستكشاف ، مرحلة البناء والتعمير
والإنشاء .
وها هو القرآن يضرب لنا صورا حية ، ويعطينا نماذج رائعة من نماذج السلف
الصالح الذين باعوا دنياهم لأجل دينهم وضحوا بأموالهم وثرواتهم من
أجل آخرتهم وباعوا أنفسهم رخيصة في سبيل الله . فيوسف عليه السلام
لما راودته امرأة العزيز عن نفسها وأرادت إغواءه بجمالها وحسنها أبى
أن يستجيب للغريزة الجنسية ، أبى أن يخضع للشهوة الحيوانية أبى أن
ينصاع للنفس الأمارة بالسوء ، أبى أن يسقط في حبائل الشيطان ومكائده
قال تعالى ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت
هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد
همت به وهم بها لولا أن رءا برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء
إنه من عبادنا المخلصين).
أين الشباب من هذا الثبات على المبدأ ؟ أين هم من يوسف عليه السلام
؟ أما آن لهم أن يعودوا ويرجعوا إلى صوابهم ؟ أما آن لهم أن يحاسبوا
أنفسهم ويحذروا الانزلاق في أوحال الدنيا ؟
لقد فضل يوسف حياة السجن بدلا من حياة الضياع ، ودعا الله سبحانه قال
تعالى ( فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم * ثم
بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين).
وقصة أصحاب الكهف تحكي لنا صورة أخرى لشباب آمنوا بربهم ولم يستهوهم
ما كان عليه قومهم من كفر وضلال قال تعالى ( إنهم فتية آمنوا بربهم
وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض
لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا * هؤلاء قومنا اتخذوا من
دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله
كذبا * وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم
ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) .
إن الشباب في هذه الفترة معرض لكثير من الانزلاقات العقدية ، والمخاطر
الخلقية ، والعقبات السلوكية ؛ فلا بد أن يستند إلى سند يكشف له الخطأ
الموجود وراء تلك الآفات ، ويحذره من البلاء الذي يحصل له إن لم يبتعد
عنها ويتيقظ لها .
إنه سند يتمثل في الأبوين اللذين يعرفان الابن طريق الصلاح ، ويضعانه
في قارب النجاة ، ويخبرانه بأشواك الفساد وعقبات الضلال والإلحاد .
لذلك كله وقف لقمان مع ابنه وفلذة كبده موقف الناصح الأمين الذي تهمه
سعادة ابنه قال تعالى ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك
بالله إن الشرك لظلم عظيم * ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا
على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك
على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا
واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون * يا
بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في
الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير * يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف
وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور * ولا تصعر
خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور * واقصد
في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ).
والشباب هم الذين يقودون الشعوب إلى ما فيه صلاحها ونجاحها ، ويرشدونها
إلى أسباب عزها ، ويجعلونها في مصاف الأمم وصدارتها قال تعالى ( واذكر
في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا * وكان يأمر
أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ) .
لقد بين رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن مرحلة الشباب قيمة
ثمينة وجوهرة غالية لا بد من التركيز عليها واستغلالها فيما يجدي وينفع
وإلا يسأل عنها صاحبها في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى
الله بقلب سليم ، يوم يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه
.
يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تزل قدما عبد يوم
القيامة من عند ربه حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه
فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيما
علم ) .
فمن أفناه في طاعة مولاه وإصلاح شعبه وأمته فاز ونجح ، ومن أهدره في
الذنوب والمعاصي والجري وراء المفاسد والمجازي فقد خسر ورسب.
وروي عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال : (اغتنم خمسا
قبل خمس شبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك وصحتك قبل مرضك وحياتك قبل
موتك وفراغك فقبل شغلك ) ففترة الشباب تقابلها فترة الهرم ، ومن أصلح
شبابه صلح هرمه ، ومن استغل شبابه فقد كسب هرمه ، ومن خسر شبابه خسر
هرمه ، فالذي يصل إلى الهرم ولم يروض نفسه على الطاعة في شبابه فإنه
يصعب عليه ترويضها والعكس صحيح .
إن الشاب الصالح هو: ذلك الذي يتبع تعاليم القرآن ويستفيد من توجيهات
النبي عليه السلام فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت رديف النبي
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال : ( يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ
الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت
فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك
إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك
إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ) .
إن المتأمل في تاريخ الصالحين وتراث الأقدمين يجد أنهم استقوا من معين
الأخلاق ، وارتووا من آداب الإسلام ، واستوعبوها أيما استيعاب ؛ لذلك
امتثلوها في واقع حياتهم .
فالصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ لما ظهر تحريم الخمر قاموا إلى
أوعية الخمور وكسروها حتى أن المدينة المنورة سالت أودية من الخمور.
ولما آخى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بين المهاجرين والأنصار
في المدينة أشرقت نفس الأنصاري إيمانا بالله تعالى ؛ فآثر أخاه المهاجر
في كل شيء حتى في الزوجة ، فمن كانت عنده زوجتان طلق إحداهن ليتزوجها
أخوه ؛ لذلك امتدحهم الله في كتابه فقال تعالى : ( محمد رسول الله
والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا
من الله ورضونا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة
ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب
الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم
مغفرة وأجرا عظيما ) .
إن الرجل الذي ابتلي بجب المال وجمعه أو بسلعة من سلع الدنيا يخوض
في سبيل الوصول إلى مبتغاه نيرانا من العذاب الواصب في جلد لا يتزعزع
، لأن حب فؤاده قد تغلب على آلام جسمه أو مشاعره ، و لأن شدة تعلقه
بالغاية التي يطمح إليها طغى على العقبات القائمة دونها ، إنه يذلل
في سبيل ذلك نفسه وينسى عزته وكبريائه ، لأنه يرى أن جميع مقومات شخصيته
لا قيمة لها ولا جدوى منها إذا لم تحقق الغاية التي يصبو إليها.
هذه هي حالة من افتتن بشيء من متاع الحياة الدنيا وأهوائها ، فكيف
تكون حال من تعلق قلبه بخالقها وفاضت مشاعره حبا له وتعظيما وإجلالا
؟ وقد أيقن بملء عقله وفكره أنه الضار والنافع ، وأنه الذي يخلق سر
السعادة في قلب السعيد ومعنى الشقاوة في مشاعر الشقي ، ثم ذاب كيانه
تحت قوله عزوجل ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) .
أيها الشاب :
غذ هذه العلاقة في كل من فكرك وقلبك ، ولتتأمل أنك في قبضة خالقك جل
جلاله ، وأن مصيرك إلى الوقوف بين يديه ، وأنك عبده الذي لا تملك أمامه
من أمر نفسك ووجودك شيئا .
غذ هذه العلاقة بالتأمل المستمر في هذه الحقيقة ، واستعن على ذلك بذكر
الله في البكور والآصال ، والهج بتسبيحه واستغفاره بين الحين والآخر
، ثم اذكر أنه ما من نبي إلا وعانى من المحن والمصائب أكثر مما نعاني
نحن ؛ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا .
ولتكن على يقين خلال ذلك كله أنك إن صبرت ملتجئا إلى الله بالدعاء
والضراعة النابعين من أعماق نفسك أخرج لك من أسباب السعادة ما يغنيك
عن أي انحراف ، ويبعد وقع المهيجات عن قلبك ، فقد تعهد ربك جل جلاله
بذلك بنص قاطع لا خالف فيه ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من
حيث لا يحتسب) .
أحمد بن حمدان بن محمد الحراصي
أعلى
مظهران للإيمان
أداء فرائض واجتناب نواه
نقطة الخلاف بين الإسلام وأعدائه فى هذا العصر
أنهم يريدون أن يستبيحوا المحرمات دون فهم ولا علم فيريدون الإنسان
لا حظر أمامه ولا قيد . ولكن الإسلام يرى أن ذلك إفساد فى الأرض وضياع
للطمأنينة والسلام والأمن والأمان وهم لا يستطيعون أن يثبتوا بديل
العلم أو العقل أن فى شيء مما حرم الله سبحانه وتعالى خيرا للفرد أو
الجماعة ولكنهم يهرفون بما لا يعرفون ويستترون وراء كلمات جوفاء وشعارات
خرقاء .
ويحرضون المؤمنين بأننا نعيش فى عصر النهضة عصر العلم والمدنية وأن
الحلال والحرام نظرة قديمة للإنسان وهم بهذا يجهلون ويخرجون عن حد
الإنسانية ولا يعلمون أن الإنسان هو الإنسان فى كل زمان ومكان فمن
فجر تاريخ الإنسان وهو يرى مثلا أن الفاحشة خطيئة مستنكرة لأنها تهدد
أمن المجتمع بالاضطراب وأن العلاقة السائغة بين الرجل والمرأة هى الزواج
وأن الأسرة هى الوضع الطبيعى الذى يستقر فيه الإنسان ويجد فيه طمأنينته
وسلامه فإذا كانت تلك نظرة البشرية من قديم الزمان والتى سارت عليها
الأجيال واستقرت فى فطرة الإنسان ، فما الذى طرأ على البشرية فى هذا
العصر حتى يريد المفسدون أن يشيعوا الفاحشة وأن يمهدوا لها الدعائم
وأن يوهنوا نظام الأسرة ويضعوا فى طريقه الصعاب.
والمرأة التى كانت قبل الإسلام تألف التبرج وتستهين بالعقاب جاء الإسلام
فصان كرامتها وأخذ بيدها إلى مستوى الإنسانية وحدد لها رسالة تقوم
بها فى الحياة ، فلماذا يريدون لها فى هذا العصر أن تنتكس وتعود إلى
الجاهلية شيئا فشيئا وأن تمتهن كرامتها وتكتسب بعرضها وتعيش على حساب
أنوثتها ؟ وأى سند لهذا العبث من علم أو فكر وأى صلة له بالتقدم والحضارة
؟
والخمر التى أثبت العلم أنها داء مدمر وعدو مخيف من أجل هذا حرمها
الله تعالى أى صلة لها بالحضارة والتقدم حتى تصبح طابعا عصريا للمدنية
فى هذا الزمان فالإنسانية توشك على الانزلاق فى مهاوى الهلاك والهبوط
إلى درجة الحيوانية وهى تسير وراء المفسدين الذين يتملقون الغرائز
ويسترضون الشهوات فإن التحرج من الشهوات والمحرمات شارة من شارات النبل
والارتفاع ودليل يقظة الفكر وكمال العقل والذى لا يتحرج مما حرم الله
تعالى يسهل عليه الانفلات من كل قيد والهروب من كل تبعة والخيانة فى
كل عهد .
وعلة التحريم فى كل ما حظره الإسلام جلية واضحة تستهدف خير الإنسان
وترعى نفع الإنسانية وليس ذلك سلبا للحرية ولا إعناتا لحق الإنسان
فكل مجالات الحياة فيها مباحات وفيها محظورات يُمنع الفرد منها رعاية
لصالحه وصالح الجماعة فى السياسة وفى الاقتصاد وفى الحرب وفى كل مجالات
الحياة وكل المعاملات والارتباطات فالإنسانية لا يمكن أن تتقدم بغير
هذا السلوك فإن الفوضى والإباحية لا تتفق مع حضارة ولا تقدم ولا تصلح
بها حياة ولا يطمئن فى ظلالها إنسان قال تعالى (والله يريد أن يتوب
عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) . النساء
27
إن فى المجتمعات الإنسانية المعاصرة قوى نشطة تعمل بخطط مرسومة وبرامج
محددة لتغرى المسلمين بالانفلات من دينهم وانتهاك حرماته حتى تبعث
الشقة بينهم وبين صراطه المستقيم .
ولكن المسلم الحقيقى يعلم أن للإيمان مظهران فعل وترك وإن جوهر الدين
يتمثل فى أداء الفرائض واجتناب النواهى بل إن اتقاء المحارم أجلى مظهرا
للعبادة وأقرب طريقا إلى صدق الإيمان كما قال الرسول صلى الله عليه
وسلم ( اتق المحارم تكن أعبد الناس ) وقال الله تعالى فى كتابه الكريم
( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين
إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا
الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق
ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) الأنعام 151.
ومن هنا يحاذر المسلم أن يتعدى حدوده أو ينتهك الحرمات فيجانب المحرمات
وعليه أن يجعل بينها وبينه سدا منيعا من الخشية والتقوى وهو أن فعل
ذلك بإيمانه وتقواه واستقامته وهداه فإن حقائق الحياة تثبت صدق نظرته
وسلامة اتجاهه فإن المحرمات تمثل مجال الخطر الذى يهدد الإنسانية ويجلب
عليها الدمار هكذا أثبتت حقائق العلم والحياة ولهذا حرمه الله قال
تعالى (ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم
). الأعراف 157
من هنا يطمئن المسلم فى سعيه ويصم أذنه عن صيحات الفساد والإلحاد ولا
يسمع إلا نداء الإيمان.
إن المسلم يعلم أنه ليس فى شيء مما حرمه الله تعالى خيرا أبدا فإن
الله سبحانه وتعالى لم يحرم عليه إلا العدوان والفساد فى الأرض وما
يتلفه ويشقيه ويرديه إلى أسفل سافلين وذلك ما يقطع به نظر العلم والعقل
أما الجهالة واتباع الهوى فهى التى تغرى الإنسان بانتهاك الحرمات وتزين
له طريق الغواية.
ومن هنا وجب على العلماء والدعاة أن يجعلوا الحقائق تنضج فى أنفس الناس
فيفهمون دينهم ويعقلون أهدافه ويحسون بالخطر الذى أولاهم وأخراهم من
هذا الفساد الذى ملأ شعاب حياتهم فإن الباطل لا يعيش إلا فى غيبة الحق
أما حين ينتشر نور الحق وتعم هدايته فإن الباطل سيفر بطبيعته لأن هذه
هى سنة الحياة قال تعالى (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان
زهوقا ) الإسراء 81.
والله الموفق إلى سبيل الرشاد
أنس فرج محمد فرج
أعلى
|