رأي الوطن
أزمة المدائن .. اختبار لوحدة الشعب العراقي
مرت أزمة المدائن العراقية بسلام حسب ما تواتر
عنها من انباء، لكنها شكلت اختبار عزيمة ربما كان الاقوى منذ تفكك
عرى الدولة العراقية بتأثير الغزو الاجنبي منذ عامين، فقد اثبت الشعب
العراقي انه نجم اللحظة الحاضرة من حيث اصراره على عدم اعطاء الفرصة
للدسائس الاجنبية لتمزيق الروابط المتأصلة بين ابناء هذا الشعب الشقيق.
فمنذ الاطاحة بالنظام السابق وهناك محاولات تجري على قدم وساق لاحداث
وقيعة بين مختلف اطياف المجتمع العراقي، وربما كان اختبار المدائن
احدث واقوى هذه الاحداث من حيث سفور وعشوائية الاعلان عن تفاصيل
الاحداث والتي اريد لها ان تكون مجرد مواجهة بين السنة والشيعة في
تلك المدينة العراقية العريقة في تاريخها المتنوعة في تركيبتها السكانية.
وتبقى تساؤلات عديدة عن الجهات (الاجنبية) التي تتدخل لزعزعة وحدة
الشعب العراقي امام المحنة التي يمر بها والتي يبدو ان لديه عزيمة
لا تلين كي يثبت انه قادر على الخروج منها سالما واشد تماسكا، فكيف
يمكن للاجنبي الوافد إلى المدينة أن يميز بين الشيعي او السني حتى
يتسنى له احداث الوقيعة المطلوبة باختطاف بعض المنتمين الى احدهما
واتهام الطرف الآخر بالتسبب في اختفائه، لكن تبقى حقيقة مؤكدة هي
ان التدخلات الاجنبية لا تصنع شروخا في مجتمع تتوفر له العزيمة الكافية
لتفويت كافة المؤامرات الخارجية التي تتربص به.
ان العراق يعيش اليوم مرحلة انتقال الى الديمقراطية التي هي السبيل
الوحيد لبقاء ذلك البلد موحدا رغم التباين الطائفي الذي يتمتع به
الشعب العراقي، والذي اعطى دروسا جديدة في الديمقراطية بقبول رئيس
دولة كردى لاكثرية عربية وبقبول رئيس الدولة الانتقالية لان يتحول
الى نائب للرئيس بمنتهى الرضا والانصياع لارادة الناخبين، كما ان
ثمة درسا آخر في فهم طبيعة التوازنات السياسية واثرها في بناء مستقبل
الدولة ويتمثل في رفض الرئيس الحالي جلال طالباني التوقيع على قرار
لاعدام الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين اذا ما طلب منه ذلك. فطالباني
المعارض يختلف عن طالباني الرئيس الذي يريد ان يثبت انه رجل سياسة
محنك وليس مجرد طالب ثأر او ساع الى الانتقام حين تواتيه الفرصة
لذلك.
كل هذه الشواهد التي مرت على المسرح السياسي العراقي في الآونة الاخيرة
تبعث على التفاؤل بمستقبل ديمقراطي افضل لبلد كان رائدا في عملية
صياغة وتشكيل تاريخ المنطقة، وحين قدم العراق قائدا كرديا ليقود
العرب ويقهر الصليبيين هو صلاح الدين الايوبي، لم يثر اي احتجاج
على زعامته لانه قدم من اسانيد استحقاقه للزعامة ما ينفى التساؤل
حول العرق، وها هي دورة الزمن تعود من جديد لتكرس نفس المشهد ولتضيف
الى رصيد العراق النضالي صفحات جديدة مشرقة قائمة على قناعات راسخة
بأن الديمقراطية نقيض الفئوية والتعصب للعرق او المذهب او القبيلة
حيث يكون المرشح للمنصب متجردا من كل انحياز سوى الانحياز لمصلحة
الوطن العليا، فالعالم بأسره يراقب العراق وهو يتحول الى بلد ديمقراطي
تعددي والعراقيون يعرفون ذلك ويرغبون بشدة في اجتياز التجربة بنجاح
رغم انف المتآمرين عليهم من الخارج.
أعلى