الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

 

 

 






فتاوي واحكام


* ما تقول شيخنا في أموال وقفها أناس لحارة البلد، وقد كان جميع أهل البلد يقطنون في تلك الحارة، وكان يوزع على جميع الساكنين، وفي الآونة الأخيرة ونظرا لتوسع العمران خرج الأهالي من الحارة وبنوا بيوتا خارج الحارة، فكيف تصرف المبالغ العائدة من هذا الوقف، علما بأن الوقف لم يحدد لأشخاص معينين ؟
** إن كان البناء الجديد توسعا في الحارة السابقة بحيث صار امتدادا لها فالوقف يشمل أهله، وكذلك إن رأى أصحاب الحارة السابقة أن مساكنهم لا تصلح فاستبدلوا بها مساكن أخرى في مكان لم يشاركهم فيه مشارك، بحيث أصبحوا فيه يشكلون نفس الكيان الذي كان لهم سابقا في حارتهم القديمة والله أعلم.
* يوجد وقف لإحدى الحارات كغيرها من حارات الولاية، وقد اتفق الأجداد السابقون على أحقية توزيع هذا الوقف للأشخاص الذين يملكون مساكن في هذه الحارة، أما الأشخاص الذين ينتقلون منها فإن نصيبهم يسقط منه، وفي هذه الآونة خرج عدد كبير من سكان هذه الحارة لتزايد عدد أفراد الأسرة وعدم وجود أماكن يقيمون عليها المباني في نفس موقع هذه الحارة حتى أنه بقي حاليا بالحارة عدد بسيط جدا من السكان يتمثلون في منزلين فقط، وقد أوقف الوكيل توزيع نصيب الأسر التي خرجت من هذه الحارة مدعيا بأن الاتفاق المنصوص عليه من قبل السلف والأجداد السابقين يقضي بذلك وعليه ألا يخالف ما تم الاتفاق عليه، كما أن أصحاب أملاك هذه الحارة يريدون الآن توزيع هذه العوائد على الجميع ما عدا شخص واحد بالرغم من أن كافة ممتلكات هذه الأسر التي خرجت من هذه الحارة موجودة ومملوكة لهم وتتمثل في المنازل، كما أن الاتفاق كان من قبل أهالي الحارة السابقين وقد هلكوا جميعا، وفي الوقت الحاضر اتفق الأهالي جميعا على توزيعه، علما بأن جميع الحوائر بالولاية يتم توزيع نصيب الوقف لأي شخص منهم الساكن والخارج عن حارته متمشيا حسب ظروف الزمان ومطالبه الحالية، لذلك يطالب أهالي هذه الحارة بنصيبهم من عوائد هذا الوقف مبررين ذلك أنهم لم يخرجوا لعدم حبهم لحارتهم ولكن الظروف السكنية هي التي أجبرتهم على ذلك، كما أن جميع الأهالي يتساءلون لماذا تلك العوائد توزع بشكل يختلف عن الحوائر الثانية بالرغم من أن تلك الحارة تقع وسط هذه الحوائر وان كانت الحجة هي الاتفاق مع الاجداد فإن الاجداد الآن هلكوا، فما قولكم في ذلك ؟
** إن كان هؤلاء الذين خرجوا لا يزالون مرتبطين بها ولا يعدون منفصلين عنها فلهم الحق في هذا الوقف والله أعلم.
* نحن جماعة أولاد عمران أوصى لنا جدنا عمران بأرض تكون وقفا لأولاده يوزع عائدها عليهم، وقد مضى على ذلك سنوات طوال، ولكن مع تقلب أحداث الزمن وتوزع مصادر الرزق اضطر بعض أولاده الى الهجرة خارج الولاية فسكنوا واستقروا هناك، ومنهم من غير قبيلته ومنهم من بقي عليها، فهل يحق لأولاده الذين غيروا قبيلة جدهم أن ينتفعوا من هذا الوقف ؟
** إن كان هؤلاء من ذرية الواقف والوقف هو لذريته فلهم منه نصيبهم والله أعلم ؟
* ما قولكم في وقف مخصوص لقوم في بلدة، وبعد فترة انتقل بعض أهل هذه البلدة وسكنوا بلدة أخرى واستقروا فيها لسنين عديدة، فهل يبقى لهم حق في الوقف بعد انتقالهم من بلدتهم الأصلية أم يسقط، والوقف مسمى لأهل البلد الذي فيه فيها الوقف ؟
** إذا كان الوقف مشروطا فيه وجود الموقف عليهم في بلد معين فلا بد من اعتبار هذا الشرط، وأما إن كان موقوفا عليهم وقفا مطلقا بدون قيد فلا وجه للتقيد والله أعلم.


يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي

المفتي العام للسلطنة

أعلى





مولد النبي وميلاد الأمة
- البعثة النبوية كانت ولا تزال خلاصاً للبشرية من الضلال
- خلاص الأمة وارتقاؤها مرهون بالتمسك بالهدي النبوي
- البشرية اليوم في أشد الحاجة إلى حس الرحمة النبوية ونداها
- كان القرآن النبع الأول الذي استقى منه جيل الصحابة

رزحت البشرية إبان العهد الجاهلي تحت وطأة الضلال والتيه والضياع ، وتقاتل البشر من عرب وعجم على الكلأ والمرعى والنقير والقطمير ، وصار البشر يمشون وسط ظلام دامس بغير هدى ، وفي هذا الخضم وجدت طائفة من الناس عرفوا بالحنفاء بقوا على دين نبي الله إبراهيم عليه السلام ولم يلقوا بأنفسهم بين براثن الشرك والوثنية ، وقد تناقل أولئك ومن بقي من أهل الكتاب البشارة بمبعث سيد الأنام ومصباح الظلام محمد صلى الله عليه وسلم الذي تطلعت البشرية إلى الخلاص والنجاة بمبعثه عليه الصلاة والسلام .
وتعيش الأمة اليوم ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم وهي تئن من جراح الفرقة والشتات وتكالب الأعداء ، إلا أن كتاب الله الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه سيبقى العاصم للأمة من الضياع والتلاشي وسيبقى دستور المسلمينما بقي الليل والنهار ، وذكرى المولد النبوى الشريف تبعث في نفوس المسلمين ملامح الشخصية النبوية التي بها يقتدي المسلم وإلى هداها يلجأ وبنورها يستضيء .
اسم أحمد في القرآن :
جاء في عمدة الحفّاظ، للسمين الحلبي، أنّ لفظ ( الاسم ) مشتق من السُّمو، وهذا قول البصريين. وقيل من الوسم، وهو قول الكوفيين. وعليه فالأصل في الاسم أنّه رفعة وعلامة. وتستخدم الأسماء لتمييز الذوات عن غيرها، ويغلب أن تشير الأسماء إلى صفات، ومن هنا يميل الناس إلى اختيار الأسماء ذات الدلالات الإيجابية، وهم يأملون أن يكون للمرء من اسمه نصيب.
و المستقرئ للقرآن الكريم يجد أنّ الاسم يدل على صفة، وأسماء الله تعالى كلها تدل على صفاته عزّ وجل. وعليه يكون المعنى في قوله تعالى: ( هل تعلمُ له سَميا) : أي هل تعلم له مثيلا في صفاته. وقد أخطأ من ظن أنّ أسماء الله مجرد أعلام، فقال إنّ معنى ( هل تعلمُ له سميا ) : أي هل تجد من تسمّى باسمه. وهذا غير مقبول، لأن هناك من تسمّى برحمن، ورحيم، وكريم...الخ
و جاء في سورة الرعد: (وجعلوا لله شركاء قُل سمّوهم ) . يقول السمين الحلبي، في عمدة الحفاظ: ( ليس المعنى أظهروا أساميها فقولوا : اللات، والعزّى، وهبل، ونحو ذلك، وإنما المعنى أظهروا حقيقة ما يدّعون فيها من الإلهية. وإنكم تَجدون تحقيق ذلك فيها؟ ) ويقول في قوله تعالى: (تبارك اسم ربّك ) أي يتزايد خيرهُ وإنعامه. والمعنى أنّ البركة والنعمة الفائضة في صفاته...) .
و جاء في سورة الصف: ( ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد...) : أي أنّ صفاته، عليه السلام، تستجلب الحمد في أقوى صوره، وأجلاها، وأفضلها. فهو إذن يُحمدُ أكثر من غيره، لأن صفاته تجعله يُحمد من الناس أكثر. أمّا ( محمّد) فدال على كثرة حمد الحامدين إيّاه. وعليه فإذا قصدنا بالاسم الصفة الذاتيّة، التي تدفع الناس إلى حمده، عليه السلام، فهو (أحمد)، أمّا إذا نظرنا إلى ردّة فعل الناس عندما يصفونه، عليه السلام، بما يليق بصفاته، فإنّه يكون عندها (محمدا)ً. فهو، عليه السلام، (أحمد) في ذاته، (ومحمّد ومحمود)ُ من قبل الناس.
وبعبارة أخرى : المقدّمات الموجودة في ذاته، عليه السلام، يلخصها اسم أحمد، أمّا النتيجة الموجودة خارج الذات فيعبر عنها اسم محمد.
و لقد اشتهر النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل الإسلام بأنّه الصادق الأمين، وكانت هذه الشهرة نتيجة لما لمسته قريش من صِدقه وأمانته، عليه السلام، أمّا اليوم، وبعد أكثر من ألفٍ وأربعمائةِ سنة، فإننا نجد أنّ الشخصية التي تُمتدح أكثر، وذلك لما يتجلى فيها من صفات حميدة، هي شخصية الرسول، عليه السلام، فهو أحمد من غيره على مدى التاريخ البشري وإلى يومنا هذا. فتبشير عيسى، عليه السلام، كان برسول يأتي من بعده، صفته أنّه أحمد من غيره.
الرسالة الإسلامية رحمة للعالمين :
وما من شك أن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم إيذان ببزوغ فجر الرسالة السماوية الخاتمة التي اشرأبت إليها أعناق العقلاء من البشر إبان العهد الجاهلي الذي غرقت فيه البشرية في مستنقع الضلال وضاعت فيه في أوحال الهوى والإنحرافات وأكل البشر بعضهم بعضا ، ومن هنا كانت البعثة النبوية رحمة للعالمين كما جاء في الكتاب العزيز .
وحول قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) يقول الأستاذ المفكر سيد قطب : لقد أرسل الله رسوله رحمة للناس كافة ليأخذ بأيديهم إلى الهدى , وما يهتدي إلا أولئك المتهيئون المستعدون . وإن كانت الرحمة تتحقق للمؤمنين ولغير المؤمنين . .
إن المنهج الذي جاء مع محمد [ ص ] منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة .
ولقد جاءت هذه الرسالة للبشرية حينما بلغت سن الرشد العقلي:جاءت كتابا مفتوحا للعقول في مقبل الأجيال , شاملا لأصول الحياة البشرية التي لا تتبدل , مستعدا لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر , وهو أعلم بمن خلق , وهو اللطيف الخبير .
ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم لحياة إنسانية متجددة . وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها ارتباطات حياتها النامية المتجددة , واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة وملابساتها , دون اصطدام بأصول المنهج الدائم .
وكفل للعقل البشري حرية العمل , بكفالة حقه في التفكير , وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير . ثم ترك له الحرية في دائرة الأصول المنهجية التي وضعها لحياة البشر , كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة الناس في هذه الأرض .
ولقد دلت تجارب البشرية حتى اللحظة على أن ذلك المنهج كان ولا يزال سابقا لخطوات البشرية في عمومه , قابلا لأن تنمو الحياة في ظلاله بكل ارتباطاتها نموا مطردا . وهو يقودها دائما , ولا يتخلف عنها , ولا يقعد بها , ولا يشدها إلى الخلف , لأنه سابق دائما على خطواتها متسع دائما لكامل خطواتها .
وهو في تلبية لرغبة البشرية في النمو والتقدم لا يكبت طاقاتها في صورة من صور الكبت الفردي أو الجماعي , ولا يحرمها الاستمتاع بثمرات جهدها وطيبات الحياة التي تحققها .
وقيمة هذا المنهج أنه متوازن متناسق . لا يعذب الجسد ليسمو بالروح , ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد . ولا يقيد طاقات الفرد ورغائبه الفطرية السليمة ليحقق مصلحة الجماعة أو الدولة . ولا يطلق للفرد نزواته وشهواته الطاغية المنحرفة لتؤذي حياة الجماعة , أو تسخرها لإمتاع فرد أو أفراد .
وكافة التكاليف التي يضعها ذلك المنهج على كاهل الإنسان ملحوظ فيها أنها في حدود طاقته , ولمصلحته ; وقد زود بالاستعدادات والمقدرات التي تعينه على أداء تلك التكاليف , وتجعلها محببة لديه - مهما لقي من أجلها الآلام أحيانا - لأنها تلبي رغيبة من رغائبه , أو تصرف طاقة من طاقاته .
ولقد كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده والمبادئ التي جاء بها كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية , لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الواقعية والروحية من مسافة . ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئا فشيئا من آفاق هذه المبادئ . فتزول غرابتها في حسها , وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى .
لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية . لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد . . وكان هذا غريبا على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يومذاك . والأشراف يعدون أنفسهم من طينة غير طينة العبيد . . ولكن ها هي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر قرنا تحاول أن تقفو خطى الإسلام , فتتعثر في الطريق , لأنها لا تهتدي بنور الإسلام الكامل . ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج - ولو في الدعاوي والأقوال - وإن كانت لا تزال أمم في أوربا وأميركا تتمسك بالعنصرية البغيضة التي حاربها الإسلام منذ نيف وأربعمائة وألف عام .
ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس أمام القضاء والقانون . في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات , وتجعل لكل طبقة قانونا . بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع . . فكان غريبا على ضمير البشرية يومذاك أن ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم بمبدأ المساواة المطلقة أمام القضاء . . ولكن ها هي البشرية شيئا فشيئا تحاول أن تصل - ولو نظريا - إلى شيء مما طبقه الإسلام عمليا منذ نيف وأربعمائة وألف عام .
وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما أرسل رحمة للعالمين . ومن آمن به ومن لم يؤمن به على السواء . فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة , شاعرة أو غير شاعرة ; ولا تزال ظلال هذه الرحمة وارفة , لمن يريد أن يستظل بها , ويستروح فيها نسائم السماء الرخية , في هجير الأرض المحرق وبخاصة في هذه الأيام .
وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها . وهي قلقة حائرة , شاردة في متاهات المادية , وجحيم الحروب , وجفاف الأرواح والقلوب . .

الرسالة النبوية صانعة الجيل القرآني :
إن الجيل الذي عاش في أحضان العهد النبوي جيل عايش عهدين هما نقيضان لم يشهد التاريخ تناقضاً مثلهما ، عهد الجاهلية وعهد الإسلام ، وحين ذاق ذلك الجيل حلاوة الإسلام بعد أن تجرع مرارة الجاهلية أصبح منارة للعالمين يشاهدها القاصي والداني ويستظل بظلها العربي والعجمي .
وفي وصف ذلك الجيل يقول الأستاذ سيد قطب : لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلاً مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه . ثم لم - تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى . نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ . ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم ، في مكان واحد ، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة .
هذه ظاهرة واضحة واقعة ، ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه ، طويلاً لعلنا نهتدي إلى سرِّه .
إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا ، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه العملي ، وسيرته الكريمة ، كلها بين أيدينا كذلك ، كما كانت بين أيدي ذلك الجيل الأول ، الذي لم يتكرر في التاريخ .. ولم يغب إلا شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل هذا هو السر ؟
لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميًّا لقيام هذه الدعوة ، وإيتائها ثمراتها ، ما جعلها الله دعوة للناس كافة ، وما جعلها آخر رسالة ، وما وكّل إليها أمر الناس في هذه الأرض ، إلى آخر الزمان . .
ولكن الله - سبحانه - تكفل بحفظ الذكر ، و علم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبمكن أن تؤتي ثمارها . فاختاره إلى جواره بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الرسالة ، وأبقى الذين من بعده إلى آخر الزمان . . وإذن فإن غيبة شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تفسر تلك الظاهرة ولا تعللها .
فلنبحث إذن وراء سبب آخر. لننظر في النبع الذي كان يستقي منه هذا الجيل الأول ، فلعل شيئا قد تغير فيه . ولننظر في المنهج الذي تخرجوا عليه ، فلعل شيئا قد تغير فيه كذلك .
كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو القرآن . القرآن وحده . فما كان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه إلا أثرًا من آثار ذلك النبع . فعندما سُئلت عائشة رضي الله عنها - عن خُلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالـــــت : ( كان خُلقه القرآن ) أخرجه النسائي .
كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون منه ، ويتكيفون به ، ويتخرجون عليه ، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة ، ولا ثقافة ، ولا علم ، ولا مؤلفات ، ولا دراسات . . كلا ! فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها الذي لا تزال أوروبا تعيش عليه ، أو على امتداده . وكانت هناك مخلفات الحضارة الإغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها ، وهو لا يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم . وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها ونظم حكمها كذلك . وحضارات أخرى قاصية ودانية : حضارة الهند وحضارة الصين إلخ . وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تحفان بالجزيرة العربية من شمالها ومن جنوبها ، كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة. . فلم يكن إذن عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده .. في فترة تكونه .. وإنما كان ذلك عن (( تصميم )) مرسوم ، ونهج مقصود . يدل على هذا القصد غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى في يد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صحيفة من التوراة . وقوله : (( إنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني )) رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي جابر .
وإذن فقد كان هناك قصد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل .. في فترة التكون الأولى . . على كتاب الله وحده ، لتخلص نفوسهم له وحده . ويستقيم عودهم على منهجه وحده . ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -يستقي من نبع آخر.
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد صنع جيل خالص القلب . خالص العقل . خالص التصور . خالص الشعور . خالص التكوين من أى مؤثر آخر غير المنهج الإلهي ، الذي يتضمنه القرآن الكريم .
ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده . فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد .. ثم ما الذي حدث ، اختلطت الينابيع .! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم ، وأساطير الفرس وتصوراتهم . وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى ، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات . واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكرم ، وعلم الكلام ، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا . وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل ، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا .
وما من شك أن اختلاط النبع الأول كان عاملاً أساسيا من عوامل ذلك الاختلاف البيِّن بين الأجيال كلها وذلك الجيل المميز الفريد.
هناك عامل أساسي آخر غير اختلاف طبيعة النبع . ذلك هو اختلاف منهج التلقي عما كان عليه في ذلك الجيل الفريد ..
إنهم - في الجيل الأول - لم يكونوا يقرأون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع ، ولا بقصد التشوق والمتاع . لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة ، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولاً يملأ به جعبته . إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها ، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته ، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه ، كما يتلقى الجندي في الميدان (( الأمر اليومي )) لا ليعمل به فور تلقيه ! ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة ، لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه ، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
هذا الشعور . . شعور التلقي للتنفيذ .. كان يفتح لهم من القرآن آفاقًا من المتاع وآفاقًا من المعرفة ، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع ، وكان ييسر لهم العمل ، ويخفف عنهم ثقل التكاليف ، ويخلط القرآن بذواتهم ، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي ، وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف ، إنّما تتحول آثارًا وأحداثًا تحوِّل خط سير الحياة .
إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن بيقبل عليه بهذه الروح : روح المعرفة المنشئة للعمل . إنه لم يجئ ليكون كتاب متاع عقلي ،ولا كتاب أدب وفن . ولا كتاب قصة وتاريخ - وإن كان هذا كله من محتوياته - إنما جاء ليكون منهاج حياة . منهاجًا إلهيًّا خالصًا . وكان الله سبحانه يأخذهم بهذا المنهج مفرقًا . يتلو بعضه بعضًا :

{ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } [ الإسراء :106]
لم ينزل هذا القرآن جملة ، إنما نزل وفق الحاجات المتجددة ، ووفق النمو المطَّرِد في الأفكار والتصورات ، والنمو المُطَّرِد في المجتمع والحياة ، ووفق المشكلات العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعية - وكانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة والحادثة المعينة تحدث الناس عما في نفوسهم ، وتصور لهم ما هم فيه من الأمر ، وترسم لهم منهج العمل في الموقف ، وتصحح لهم أخطاء الشعور والسلوك ، وتربطهم في هذا كله بالله ربهم ، وتعرِّفُه لهم بصفاته المؤثرة في الكون ، فيحسون حينئذ أنهم يعيشون مع الملأ الأعلى ، تحت عين الله ، في رحاب القدرة . ومن ثم يتكيفون في واقع حياتهم ، وفق ذلك المنهج الإلهي القويم .
إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول . ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرَّج الأجيال التي تليه . وما من شك أن هذا العامل الثاني كان عاملاً أساسيًا كذلك في اختلاف الأجيال كلها عن ذلك الجيل المميز الفريد

إعداد / محمد بن عامر العيسري

أعلى





فضائل الصلاة على النبي

للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فضل عظيم.. نذكر من ذلك بعض ما ثبت بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة:
أولا: أن العبد حين يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يوافق في ذلك رب العزة سبحانه وتعالى الذي يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مع اليقين أن الصلاتين مختلفتان؛ فصلاة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ثناء وتشريف، أما صلاتنا فهي دعاء وسؤال إلى الله تعالى أن يعلي قدر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويعظم من شأنه.
ثانيا: التخلق بخلق الملائكة الكرام الذين يصلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: اتباع الأمر الإلهي الوارد في القرآن بالصلاة والسلام على إمام المتقين صلى الله عليه وسلم.
رابعا: يحصل من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة على فضل عظيم، وهو أن الله تعالى ينعم على هذا العبد بأن يعطيه عشرة أضعاف ما فعل، مع اختلاف عظيم ألا وهو أن ذكر الله لعبده أعظم وأجل من ذكر العبد للنبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلي علي واحدة صلى الله عليه عشرا) رواه مسلم وغيره. بل ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله: (من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين مرة) رواه أحمد بإسناد حسن.
خامسا: أن المصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع له بها عشر درجات، ويحط (يمحى) عنه عشر خطيئات للحديث: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات ، وحط عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات) حديث صحيح.
فما أسعد المصلي المسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يمن الله عليه بكل هذا الخير بهذا الفعل اليسير المحبب لقلوب كل المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
سادسا: أن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعدل بالإضافة إلى ما سبق عتق عشر رقاب، وهذا المعنى وإن كان قد ورد في حديث ضعيف ولكن يؤكد معناه ما ورد ثابتًا عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: (الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل من عتق الرقاب).
سابعا: ومن فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنها سبب في شفاعته سواء أكانت الصلاة مستقلة بذاتها، أم مقرونة بسؤال الوسيلة له، صلى الله عليه وسلم. روى الطبراني بسند حسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال اللهم صلى على محمد وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي).
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشر، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي).
ويستمر المؤمن يقطف الثمار المرجوة من أفضال الصلاة والسلام على النبي المختار فيجد أنها: سبب لغفران الذنوب، ومن منا لا يذنب.
ثامنا: وكذلك جعلها الله سببًا لكفاية العبد ما أهمه في أمر الدنيا وآخرته.
والدليل على الأمرين السابقين حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، قال أبي بن كعب: فقلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة فكم أجعل لك في صلاتي (دعائي)؟ قال: ما شئت، قال: قلت: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: فقلت: فثلثين؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، فقلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذًا يكفي الله همك ويغفر لك ذنبك)، وفي رواية عند الطبراني بإسناد حسن: (إذًا يكفيك الله ما أهمك في أمر دنياك وآخرتك).
تاسعا: والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لقرب العبد منه يوم القيامة للحديث: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) رواه الترمذي وحسنه وصححه الألباني فسعدًا لمن يكون قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
عاشرا: وهي سبب في رد الرسول صلى الله عليه وسلم السلام والصلاة على المصلى والمسلم عليه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لحديث أبي هريرة: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام) رواه أبو داود بإسناد حسن، وحكم السلام كحكم الصلاة.
حادي عشر: (أن الملائكة تحمل صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم وتبلغها له للحديث: إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام) صحيح.
ثاني عشر: وهي سبب في أن يقوم العبد على الصراط بعد أن كان يزحف ويحبو عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحيانًا ويتعلق أحيانًا فجاءته صلاته علي فأقامته علي قدميه وأنقذته).
كذلك فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تسكن من رعدة العبد وهو يسير على الصراط لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ورأيت رجلاً من أمتي يرعد على الصراط كما ترعد السعفة فجاءته صلاته علي فسكنت رعدته).
ثالث عشر: ومن فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرجى قبول الدعاء إذا قدمها الداعي أمامه فقد روى النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلاَتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّى".‏ ثُمَّ عَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يُصَلِّى فَمَجَّدَ اللهَ وَحَمِدَهُ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "ادْعُ تُجَبْ وَسَلْ تُعْطَ).
رابع عشر: أن الدعاء إذا كان بين صلاتين على النبي صلى الله عليه وسلم فذلك أرجى لقبول الدعاء لوجوده بين مقبولين. وهي سبب في صلاة الملائكة على المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم للحديث: (من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلي علي.. فليقل عبد من ذلك أو يكثر) حديث صحيح.
خامس عشر: أن الصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم أداء لأقل القليل من حقه علينا، ومهما فعلنا فلن نؤدي حقه علينا، ولكن الله سبحانه وتعالى رضي منا أن نصلي ونسلم عليه.
سادس عشر: أنها سبب في زيادة الإيمان.
سابع عشر: أنها تبلغ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلب منا الاجتهاد في الدعاء فقال: (صلوا علي فاجتهدوا في الدعاء، وقالوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد).
أخي المسلم هذا رسولك:
هذا رسولك الذي أرسله إليك الله ليرشدنا إلى طاعته، ويبين لنا طريق الجنة ويهدينا إلى سواء السبيل.. هذا حبيبك الذي تتمنى رفقته في الجنة، وشفاعته يوم الحساب.. هذا هو الأمين محمد حبيب الرحمن وخليل الرحمن.
هذا النبي صلى الله عليه وسلم من حقه أن تصلي عليه ولقد علمت كم لهذه الصلاة على حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفضال.
فهل سارعت لذلك؟ وهل أفسحت لها في قلبك حتى تؤديها حبا وشوقا طاعة للرحمن، وأداء لحق الرسول صلى الله عليه وسلم عليك؟.
أخي المسلم: وإذا كان هذا الأجر العظيم تحظى به كلما صليت وسلمت عليه صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا كنت من جند الإسلام المخلصين؟ فكيف إذا عمقت الإيمان في قلبك وأديت العبادات على الوجه الذي نقل عنه صلى الله عليه وسلم دون بدعة أو ضلال؟.

عبد الخالق الشريف



أعلى





في ذكرى ميلاد الحبيب صلى الله عليه وسلم

يوم الثاني عشر من شهر ربيع الاول يوم مولد خير البشر واكرم الخلق على الله تعالى هو سيدنا ونبينا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب صلى الله عليه وسلم ولد صلى الله عليه وسلم في فصل الربيع في ربيع الاول وهو ربيع في الدين والدنيا.
قال الامام القطب رحمه الله تعالى في هذا الشأن:
لهذا الشهر في الاسلام فضل
ومنقبة تفوق على الشهور
بمولود لديه وسم ومعنى
وآيات بهرن لدى الظهور
ربيع في ربيع في ربيع
ونور فوق نور فوق نور
فهو صلى الله عليه وسلم ابن الذبيحين فالذبيح الاول هو اسماعيل بن ابراهيم الخليل عليهما السلام وقد اخبر القرآن الكريم بذلك في الايات من 102 - 107 من سورة الصافات.
قال الله تعالى بعد ان بشر نبيه ابراهيم الخليل بغلام حليم الذي هو اسماعيل من هاجر عليهما السلام (فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني ارى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين فلما اسلما وتله للجبين وناديناه ان يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين ان هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم).
اما الذبيح الثاني فهو والده عبدالله بن عبدالمطلب وقصة ذلك كما بينها القطب رحمه الله وهي (لما ان اراد عبدالمطلب حفر بئر زمزم بعد ان دفنتها جرهم صار يعارض له ويحتقر ونذر لئن رزقه الله تعالى عشرة ابناء ليذبحن احدهم عند الكعبة وماله حينئذ الا الحارث وكمل له عشرة بعبدالله ابو النبي صلى الله عليه وسلم فضرب القداح عليهم فخرج سهم عبدالله فلما ان اراد ان ينفذ النذر في ولده عبدالله فمنعه زعماء قريش من ذبحه فردوه الى كاهنة بني سعد تسمى قطبه فأمرته الكاهنة ان يقرب عشرة أبعرة ولا يزال يقرب عشرة ما دامت تخرج عليه القداح حتى وقعت القداح عليها (اي الابل) فتمت مائة بعير فذبحت فصارت بعد ذلك دية للرجل قال رجل من الاعراب للنبي صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين فتبسم عليه السلام ولم ينكر عليه فالذبيح الاول هو اسماعيل لا اسحاق لأن اسحاق ولد بعد اسماعيل بسنين والثاني ابوه عبدالله.
ان الذبيح هديت اسماعيل
نطق الكتاب بذاك والتنزيل
شرف به خص الاله نبينا
وابانه التفسير والتأويل
وامه امنة بنت وهب من بني زهرة وابوها سيد بني زهرة - زوجها لعبدالله ابوها وقيل مات ابوها وزوجها عمها اخوه ويسمى وهيب بن عبد مناف فولدته صلى الله عليه وسلم عام الفيل وولد عليه الصلاة والسلام ساجدا مضيئا للشرق والغرب واقرب ما يكون العبد من ربه اذا كان ساجدا قال الله تعالى (واسجد واقترب) وخرج معه نور حين ولد حتى اضاء قصور بصرى بالشام اشارة الى النور المعقول وهو دين الاسلام قال الله تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين).
وروي عنه صلى الله عليه وسلم : ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم واجمع المسلمون على انه عليه الصلاة والسلام افضل المخلوقات على الاطلاق من ملائكة وجن وانس وغيرهم وولد صلى الله عليه وسلم بعد مقدم الفيل بشهر عام 570م هذا وقد ظهرت قبل مولده صلى الله عليه وسلم خوارق وغرائب وآيات باهرة لانه صلى الله عليه وسلم موجودة صفته في التوراة والانجيل.
فمن هذه الدلائل قصة تبع اليمن سيف بن ذي يزن لقد روى ابو سعيد النيسابوري عن ابن عباس رضي الله عنهما بعد مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ان سيف بن ذي يزن لما ظهر على الحبشة اتته وجوه العرب واشرافها وشعراؤها تهنيه وفيهم عبدالمطلب واتوه بصنعاء اليمن في قصر يقال له غمدان فاستأذنوا عليه فاذن لهم فاذا هو متضمخ بالعبير والمسك من مفرقه وسيفه بين يديه وعن يمينه ويساره الملوك وابناء الملوك والمقاول فدنا عبدالمطلب فاستأذن في الكلام فقال له سيف بن ذي يزن ان كنت ممن يتقدم بين يدي الملوك اذنا لك فقال له عبدالمطلب ان الله قد احلك ايها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا وانبتك نباتا طابت ارومته وعزت جرثومته وثبت اصله وبسق فرعه في اكرم معدن واطيب موطن وأنت أبيت اللعن أس العرب الذي له لن تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي يلجأ اليه العباد وسلفك خير سلف وانت لها منهم خير خلف فلن يخمل ذكر من انت سلفه ولن يهلك من انت خلفه ايها الملك نحن اهل حرم الله وسدنة بيته اشخصنا الذي ابهجنا بكشف الكرب الذي فدحنا . فنحن وفد التهنئة لا وفد الرزية.
قال سيف : وأيهم انت ايها المتكلم فقال انا عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف قال ابن اختنا ؟ قال نعم ، قال فادن فادناه ثم اقبل عليه وعلى القوم فقال مرحبا واهلا وناقة ورحلا ومستناخا سهلا وملكا ربحلا يعطي عطاء جزلا أو جزيلا قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم فانتم اهل الليل والنهار لكم الكرامة ما اقمتم والحباء اذا اظعنتم ثم نهضوا الى دار الضيافة والوفود فأقاموا شهرا لا يصلون اليه ولا يؤذن لهم في الانصراف واجريت عليهم الانزالات.
ثم انتبه لهم انتباهة فارسل الى عبد المطلب فادناه واخلى مجلسه وقال يا عبد المطلب اني مفض اليك من سر علمي امرا لو كان غيرك لم ابح له به ولكن وجدتك معدنه فاطلعك عليه فليكن عندك مكتوما حتى يأذن الله فيه فان الله بالغ فيه امره اني اجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لانفسنا واحتجبناه دون غيرنا خبرا جسيما وخطرا عظيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة قال عبد المطلب ايها الملك مثلك سر وبر فداؤك اهل المدر والوبر زمرا بعد زمر قال سيف اذا ولد بتهامة غلام به علامة كانت له الامامة ولكم به الزعامة الى يوم القيامة فقال له عبد المطلب أبيت اللعن لقد ابت بخبر ما آب به وليد قوم ولولا هيبة الملك وعاظامه واجلاله لسألته من بشارته اياي ما ازداد به سرورا فان رأى الملك ان يخبرني بافصاح فقد اوضح لي بعض ايضاح فقال له هذا حينه الذي يولد فيه او قد ولد اسمه محمد بين كتفيه شامة يموت ابوه وامه ويكفله جده وعمه وقد وجدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا انصارا.
يعز بهم اولياءه ويذل بهم اعداءه ويضرب بهم الناس عن عرض ويستبيح بهم كرائم الارض يعبد الرحمن ويدحض الشيطان ويكسر الاوثان ويخمد النيران نيران فارس التي كانوا يعبدونها قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله فخر عبد المطلب ساجدا فقال له الملك ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا كعبك فهل احسست من علمه شيئا قال نعم ايها الملك كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا فزوجته كريمة من كرائم قومه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فجاءت بغلام سميته محمدا مات ابوه وامه كفلته انا وعمه بين كتفيه شامة وفيه كل ما ذكرت من علامة قال سيف والبيت ذي الحجب والعلامات ذات النصب انك يا عبد المطلب لجده غير الكذب وانه الذي قلت لك فيه فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود فانهم له اعداء ولن يجعل الله لهم اليه سبيلا واطوا ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فاني لست آمن ان تدخلهم النفاسة فيبغوا لك الغوائل وينصبوا لك الحبائل وهم فاعلون او ابناؤهم.
ولولا ان الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى اصير بيثرب دار مملكته فاني اجد في الكتاب الناطق والعلم السابق ان في يثرب استحكام امره وهم اهل نصرته وموضع قبره ولولا اني اخاف عليه الآفات واحذر عليه العاهات لأوطأت اسنان العرب كعبه ولا غلبت على حداثة من سنه ذكره لكني صارف ذلك اليك بلا تقصير ثم امر لكل واحد منهم بمائة من الابل وعشرة اعبد وعشر اماء وعشرة ارطال ذهبا وعشرة ارطال فضة وكرش مملوءة عنبرا وحلتين وامر لعبد المطلب بعشرة اصناف ذلك كله ثم قال ائتني بخبره وما يكون من امره عند رأس الحول ومات الملك سيف قبل الحول فكان عبد المطلب يقول ايها الناس لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فانه الى نفاذ ولكن ليغبطني بما بقي لي ولعقبي شرفه وذكره وفخره فاذا قيل له ما ذاك؟ قال سيعلم ولو بعد حين نقل ذلك ابو الربيع الكلاعي وابن القطان (السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة للعلامة الامام القطب اطفيش).
هذا وان الله ايد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات اللامعة القوية والتي لا تعد ولا تحصى.
ومن هذه المعجزات انه صلى الله عليه وسلم نفث على يد معوذ بن عفراء وقد قطعها عكرمة بن ابي جهل يوم بدر وجاء يحملها فالصقها عليه الصلاة والسلام فالتصقت ونفث صلى الله عليه وسلم على ساق علي بن الحكم يوم الخندق وقد انكسرت فبرئ مكانه ومن هذه المعجزات رد عين قتادة وأيده الله تعالى بالملائكة في بدر وايده بالملائكة وبالريح في الاحزاب وايهده بالسكينة والملائكة يوم حنين ولكن اعظم هذه المعجزات واجلها القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وهو حبل الله المتين والذي لا يخلق على كثرة الرد والذي لا تفنى عجائبه والذي لم تنته الجن حتى قالوا انا سمعنا قرآنا عجبا وهو معجزة لكل عصر.
لقد تحدى الله كفار قريش وكل العرب على ان يأتوا بمثله قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
ثم تحداهم الله بأن يأتو بعشر سور مثله مفتريات كما في الآية الكريمة الثالثة عشرة من سورة هود الآية 14 من هذه السورة ثم تحداهم الله بان يأتوا بسورة من مثله كما جاء في الآيتين الكريمتين 23 و24 من سورة البقرة ولكنهم عجزوا واقروا بعجزهم.
وهو صلى الله عليه وسلم آخر الانبياء بصورته وأولهم بمعناه وانه سيد الخلق اجمعين وان امته آخر الامم وهي خير امة (كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).
وخصه الله بالشفاعة العظمى يوم القيامة وبحوض الكوثر الذي ترده امته وهو اول من تنشق عنه الارض وأول من يفتح له باب الجنة وبيده لواء الحمد والشفاعة وامته اكثر الامم.
اللهم صل وسلم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

احمد بن سعود بن سليمان الكندي


أعلى





قراءة في كتاب :(قالوا عن محمد)
إحياء ذكرى المولد النبوي .. لا ينبغي أن يقف عند السيرة الزمنية فحسب
الرسـول جاء في مقدمة الخالدين لأنه أرسى أصول الشريعة بين النـاس
محمد أخرج البشر من ظلمة استعباد قوى الطبيعة إلى نور العزة والكرامة

القاهرة ـ من محمد عمر: ولد الرسول الكريم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عام 570 ميلادية وهو العام المسمى (عام الفيل) الذي شهد محاولة أبرهة ملك الحبشة تدمير بيت الله الذي ببكة مباركا مصطحبا أفيالا معه لتساعده وتساعد جيشه في التغلب على العرب وأرسل الله جل وشأنه (طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول) .. وقد جاء مولد الرسول بعد حادثة الفيل بخمسة وخمسين يوما ولم يكن الناس قد نسوا ما جرى بعد وكان مولده يوم الاثنين 12 ربيع أول .. وظل يوم الاثنين مرافقا للرسول في فترات كثيرة من حياته فقد صادف هذا اليوم يوم بعثه ويوم وفاته.
بهذه الكلمات بدأ الكاتب عبده مباشر كتابه (قالوا عن محمد الرسول المصطفى) الجزء الثاني الذي يتعرض فيه لبعض ما كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدا أن كثيرين شاركوا في الكتابة عن النبي الكريم وتختلف أسباب كل كاتب كما تختلف الزوايا التي اختاروها للوصول إلى الهدف .. فمنهم من كتب لدحض باطل أو لمواجهة محاولة تشويه أو حبا وسعيا لتوضيح معالم القدوة في شخصية المصطفى .. وحين يكتب الكتاب والمفكرون عن شخصية المصطفى ورسالته فإنهم بذلك يريدون أن يضعوا أمام الأجيال المتعاقبة نموذجا متجددا للمثل العليا والقيم النبيلة إسهاما منهم في تحقيق الرقي الإنساني والسعادة البشرية .. ولاشك أن كل كتاب يشكل إضافة ذات قيمة لتاريخ وسيرة سيد الرسل صلى الله عليه وسلم.
بدأ الكاتب بكتاب (على هامش السيرة) للدكتور طه حسين فيقول فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام في قومه دهرا لا يعرض لهم بشيء يكرهونه وإنما يدعوهم إلى كلمة الحق ويذيع فيهم البر والمعروف ويستجيب له من أشراف قريش القليلون ويستجيب له الكثيرون من الفقراء والمستضعفين .. ويتنبأ أبو جهل عمرو بن هشام بالصدام بين محمد وقريش ويستنكر القوم هذا القول حتى جاء يوم امتلأت مكة بحديث كان له في قلوب الناس وقع غريب فقد تحدثوا أن محمدا دعاهم إلى دين جديد فيه التوحيد فعرضوا عليه المال والشرف والسيادة والملك والسلطان والطب ولكنه رد عليهم كل هذا وظل على موقفه.
يستعرض بعد ذلك كتاب (حياة محمد) للدكتور محمد حسين هيكل الذي يقول إن الطريقة العلمية التي اعتمد عليها المصطفى أسمى ما وصلت إليه الإنسانية وغايتها أن يخلع الإنسان من نفسه كل رأي وكل عقيدة سابقة ويبدأ في الملاحظة والتجربة ثم بالموازنة والترتيب والاستنباط القائم على المقدمات العلمية ليصل النتيجة القابلة للتمحيص ولكنها تظل نتيجة علمية .. فعندما يعبد الناس من دون الله أصناما وملوكا وفراعنة ونارا وشمسا فإن ذلك وهم باطل غير جدير بالكرامة الإنسانية وهذا هو جوهر الدعوة المحمدية.
عبقرية محمد
أما كتاب (عبقرية محمد) للكاتب محمود عباس العقاد يحكي أن العالم قبل البعثة كان عالما متداعيا قد شارف النهاية خلاصة ما يقال إنه عالم فقد العقيدة كما فقد النظام يتطلع إلى نبي .. وكان محمد مستكملا للصفات التي لا غنى عنها في إنجاح كل رسالة عظيمة من رسالات التاريخ فقد كانت له فصاحة اللسان واللغة والقدرة على تأليف القلوب وجمع الثقة وقوة الإيمان بدعوته وغيرته البالغة على إنجاحها وكانت له صباحة ودماثة تحببانه إلى كل من رآه وكان جامعا للمحبة والثقة كأفضل ما تجتمعان.
والكاتب توفيق الحكيم كان ممن تحدث عنهم عبده مباشر في كتابه باختياره كتاب (محمد) للحكيم الذي يسرد الأحداث على هيئة مناظر بأسلوب مسرحي فيبدأ بتبشير عبد المطلب بمولد محمد وسرد الرؤيا التي رآها عبد المطلب لذلك ثم جهر محمد بالدعوة ومخاطبة أهل قريش وتتوالى المناظر حتى يصل إلى هجرة المسلمين إلى الحبشة ورفض النجاشي تسليمهم لكفار قريش ثم منظرا لحديث الإفك الخاص بالسيدة عائشة رضي الله عنها.
أول العظماء
انتقل المؤلف بعد ذلك إلى الكاتب مايكل هارت من الكتاب المستشرقين الذين أنصفوا محمدا حيث اختاره أول العظماء الذين تحدث عنهم في كتابه (الخالدون مائه أولهم محمد رسول الله) ذاكرا أن الرسول العظيم هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي ، وقد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا وبعد 13 قرنا من وفاته فإن أثره مازال قويا متجددا.
يوضح المؤلف لماذا وضع سيدنا محمد في أول القائمة في حين وضع عيسى عليه السلام في المركز الثالث وموسى عليه السلام في المركز السادس عشر فيقول إن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم دوره أخطر وأعظم في نشر الإسلام وتدعيمه لأنه المسئول الأوحد في إرساء أصول الشريعة والسلوك الاجتماعي والأخلاقي وأصول المعاملات بين الناس في حياتهم الدينية والدنيوية وفي القرآن الكريم الذي نزل على محمد وجد المسلمون كل ما يحتاجون إليه في دنياهم وآخرتهم .. كما أن القرآن الكريم سجلت آياته وهو ما يزال حيا وكان تسجيلا في منتهى الدقة فلم يتغير منه حرف واحد.
وكتاب (أصول الحديث النبوي) للدكتور الحسيني هاشم يتعرض فيه الكاتب إلى عناية الصحابة بحديث النبي حتى أن الواحد منهم إذا شغله عمل أرسل صاحبه الثقة ليخبره بما يقول الرسول فسطروا السنة على صفحات قلوبهم وحرصوا على نشره وتبليغه فضلا عن أن منهم من بدأ يكتب الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وكتاب (الرسول في رمضان) للكاتب علي حسن الخربوطلي يستعرض الأحداث التي شهدها الرسول في رمضان بداية من نزول القرآن الكريم في هذا الشهر حتى الغزوات والسرايا وفتح مكة ونهاية الوثنية في مكة ومولد الحسن بن علي بن أبي طالب حفيد الرسول وزواجه من زينب بنت خزيمة .
معجزات مادية
يتعرض عبده مباشر لكتاب (محمد رسول الله) للكاتبين اتيين دينيه وسليمان إبراهيم فيقول الكاتبان إن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الوحيد الذي استطاع أن يستغني عن مدد الخوارق والمعجزات المادية معتمدا فقط على بداهة رسالته ووضوحها وعلى بلاغة القرآن الإلهية وفي هذا الاستغناء أكبر معجزة على الإطلاق.
يسأل الكاتب حسين الشافعي في كتابه (في مولد النبي) كيف نحيي المولد النبوي ؟.. ويجيب على سؤاله بأن إحياء ذكرى المولد النبوي لا ينبغي أن يقف عند السيرة الزمنية فحسب بل يجب أن يتجاوزها إلى مستوى النفع بالقدوة الحسنة والدعوة للاقتداء بالمثل العليا المتجددة في أخلاق وجهاد هذا النبي العظيم فيأخذ عنها كل عصر أمام كل حدث ما يواكبه وما يلائمه.
يتحدث الكاتب أنور الجندي في كتابه (أقباس من السيرة العطرة) عن شمائل الرسول التي تكاملت الشخصية الإنسانية أوفى ما تتكامل في إنسان وبرزت الرجولة التي تتسم بالزهد والتواضع والشجاعة والوفاء فيقول الكاتب إنه صلى الله عليه وسلم كان متواصل الأحزان دائم الفكر ليست له راحة ولا يتكلم من غير حاجة طويل السكوت يخطو تكفؤا ويمشى هونا إذا التفت التفت جميعا خافض الطرف أشد الناس حياء لا يثبت بصره على وجه أحد إذا أشار أشار بكفه كلها وإذا تعجب قلبها وإذا تحدث اتصل بها وضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى وإذا غضب اعترض وأشاح وإذا فرح غض طرفه جل ضحكه التبسم .. يرفع يديه حين يدعو حتى يبدي بياض إبطه وينام وقلبه مستيقظ .. إلى جانب الكثير من الصفات والشمائل الحميدة التي كان يتمتع بها الرسول الكريم.
أحقاد وحملات
يواصل الكاتب عبده مباشر عرضه للكتب فيتطرق لكتاب (التبشير والاستشراق أحقاد وحملات النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبلاد الإسلام) للكاتب محمد عزت إسماعيل الطهطاوي الذي قال إن الحرب على الإسلام وصحبته بدأت منذ أشرق نوره قبل أربعة عشر قرنا وظلت الحرب سجالا بين تيارات الإيمان وتيارات الإلحاد والكفر التي دأبت على نشر الأضاليل عن الإسلام حتى وصل بهم المكر إلى أن يعكسوا الحقائق الإسلامية إما عن جهل أو سوء فهم أو عن سوء نية وقصد .. وتعرض ما قاله بعض المستشرقين الحاقدين على الإسلام والمنصفين له.
ثم يعرض كتاب (الفكر الخوالد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم) للكاتب محمد علي الباكستاني الذي يصف المجتمع العربي قبل مولد الرسول بأنه كان غارقا إلى الأذقان في أحط ألوان الوثنية والجهل والفرقة ثم تحققت المعجزة الكبرى واستطاع محمد أن يوحد كل تلك العناصر المتنافرة ويخرج بني البشر من ظلمة استعباد قوى الطبيعة لهم إلى نور العزة والكرامة ورفع العالم برمته إلى الكمال دون أن يختص بذلك أمة بعينها ولا قوما بذاتهم.
وفي كتاب (دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة) يتعرض الكاتب أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي لمعجزة الرسول وهي القرآن العظيم بأنه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة بكلام مفهوم المعنى فدل على أن العجز عن الإتيان بمثله دليل على رسالته وصحة نبوته .. ثم تعرض لأسماء الرسول وكنيته وشمائله.
طريق السلام
أما كتاب (محمد المحارب) للكاتب محمد فرج فيوضح أنه كان أمام محمد صلى الله عليه وسلم طريقان لنشر الدعوة طريق السلام وطريق الحرب وقد اختار المصطفى الطريق الأول داعيا إلى الدين الجديد .. كذلك كتاب (خاتم المرسلين) للدكتور يوسف الشال يوضح أن الله شاء أن يجعل معجزة الرسالة الخاتمة شيئا لا ينفصل عن جوهرها فجعل حقائق الرسالة ودلائل صحتها كتابا واحدا وجعل من أصول الدعوة وأساليب عرضها البرهان الأكبر لدعوى الرسالة والسند الأعظم لصدق صاحبها.
يقول الكاتب مأمون غريب في كتابه (آخر رسل السماء) إن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ الكمال في كل شئ وكانت له من الأخلاق والصفات ما جعله إنسانا عظيما بكل مقاييس العظمة وأمام هذه الشخصية لا يستطيع الإنسان إلا أن يؤثرها على نفسه.
الكاتب محمد عبد الرحمن عبد اللطيف يرى في كتابه (في رحاب السيرة) أن محاولة إخضاع السيرة النبوية لأساليب التحليل والدراسة الحديثة ومناهج البحث المستوردة محاولة عقيمة من وجهة النظر الروحية التي يجب أن تقرأ بها السيرة لأننا لا نستطيع أن نخضع أسلوب نبوة وعقيدة سماء إلى منهج من مناهج البحث الحديثة.
عظمة الإسلام
وكتاب (نبي الإنسانية) للكاتب أحمد حسين يؤكد أن عظمة الإسلام لا تتجلى في شيء قدر تجليها في رفع سلطان العقل ، فمعجزته الكبرى القرآن معجزة عقلية بحتة .. وأن البشرية لم تعرف مصلحا أو زعيما جاء يدعو لدين جديد وسلوك جديد ثم ترك الناس أحرارا في اتباع ما يدعو إليه عن طواعية ورضا لا عن إكراه وضغط.
والكاتب الدكتور رءوف شلبي يخلص في كتابه (بشائر النبوة الخاتمة) أن الأمة العربية بخصائصها النفسية ومزاياها الآدمية كانت خير أمة لاستقبال هذا الدين الحنيف.
وفي كتابه (محمد وطفولته وصباه) يتناول الكاتب محمد شوكت التوني مراحل حياة الرسول الكريم المختلفة منذ مولده حتى صباه وشبابه وبعثته.
يقول الكاتب عبد الكريم الخطيب في كتابه (النبي محمد) أن هناك علاقة بين الاسم وصاحبه بمعنى أن دلالة الاسم تتحقق في المسمى وتفسر في صفاته وفي سلوكه في الحياة ويتحدث كذلك عن النبي والنبوة وآراء الكتاب المؤيدين والمعارضين لفكرة النبوة.
يسرد الكاتب عبد اللطيف السبكي في كتابه (الوحي إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم) إرهاصات الأنبياء والرسل قبل محمد ويعدد إرهاصات الرسول الكريم منذ بداية الخلق حتى قبل مولده وبعده حتى المبعث ويقول إن سنة الله جرت على أن يختار نبيه من بين قومه ليكونوا على معرفة بشخصيته وعلى علم بسيرته وبكل ما يدور حوله فيهم.

أعلى





فضل النبي صلى الله عليه وسلم

القاهرة ـ من عزت دنيا : يعتبر الأنبياء للبشرية سفراء بينهم وبين الله سبحانه وتعالى ، لذلك اختار الله سفراءه ورسله من خيرة خلقه وأكرمهم بعراقة الأصل ورجاحة العقل وكذا أيدهم بالمعجزات وعصمهم من الدنايا والهفوات ، وجملهم بكريم الخصال والصفات ، ومن ثم منحهم خصائص ومزايا فاتخذ الله ابراهيم خليلا ، وكلم الله موسى تكليما ، وسخر لداود الجبال رفقاء فى التسبيح والتهليل والطير كذلك وألان الله له الحديد وأعطى لسليمان نبوة وملكا وسخر له الريح والجن وعيسى يكلم الناس فى المهد ويحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص بإذن الله .
أما النبي الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلقد أرسله الله إلى الناس كافة مع أن كل نبي كان يبعث لقومه كما فى قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)، وفوق ذلك أرسله سبحانه إلى الإنس والجن فقال تعالى : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ،يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) ونصره الله بالرعب مسيرة شهر وأعطاه سبحانه جوامع الكلم ، وأحلت له الغنائم ، وما أحلت لنبي قبله ، وخاطب الله كل نبي قبل الرسول باسمه إلا رسولنا الكريم فكان خطابه بشرف الرسالة وعز النبوة فيقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ربِّكَ).
ونجد أن هناك دلائل وعلامات لعظم شأن نبينا الكريم بين الأنبياء والمرسلين وعند رب العالمين ، فمما اختص الله نبي هذه الأمة وخاتم الأنبياء على سائر الأنبياء أن الله دافع عن حبيبه ومصطفاه .فقد كان كل نبي يرميه قومه بالاتهامات الباطلة , فيدفع عن نفسه ...فهذا نوح اتهمه قومه بالضلال كما يحكى القرآن : (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ), فدافع نوح عن نفسه قائلا: (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) .. وهذا هو هود عليه السلام اتهمه قومه بالسفاهة والجنون والكذب إذ قالوا له : (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ، نجد أنه دافع عن نفسه قائلا : (يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) ... وهذا هو فرعون مصر يقول متعجرفا مع سيدنا موسى عليه السلام ويقول له : (إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا) ، فعلى الفور يرد عليه سيدنا موسى فى حوار مباشر كما فى قوله تعالى : (وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا).
أما النبي الكريم فقد رماه قومه بالباطل وافتروا عليه الكذب ومن ثم تولى الله الدفاع عن حبيبه ومصطفاه، اتهمه قومه بأنه شاعر أو كاهن فدافع الله سبحانه وتعالى عنه قائلا : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) وكذلك فى قوله تعالى : (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ ؛ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ؛ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)، واتهموه بالضلال والانحراف ، فدافع عنه ربه قائلا : (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ،مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) ؛ واتهموه بالجنون فقال ربه عز وجل نافيا هذه الخرافات التي رموا بها الرسول عليه الصلاة والسلام : (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ، مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ).
ولقد تعهد الله سبحانه بحفظه وعصمته من كيد الناس وآذاهم فقال تعالى له : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ربِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) .. ويكفى رسولنا فخرا وتكريما وتفضيلا أن ربه وصفه بالنور فقال عز من قائل : (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) ، ومما اختص به رسولنا الكريم أنه تعالى أقسم بحياته فقال تعالى : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) ، وصلى الله وملائكته على ذاته ، وفرضها على المؤمنين فرضا مؤكدا فقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، ومن ثم بعثه الله رحمة للبشرية كافة بمن فيهم الأنبياء ، ولذلك قال تعالى فى حقه صلى الله عليه وسلم : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).
وهناك من الدلائل الكثيرة التي بينها الحق سبحانه برفعة شأن النبي فقد قرن الله اسمه باسم الرسول فى عظائم الأمور التي من أهمها الشهادتان والتشهد والأذان والإقامة كما قال الشاعر فى ذلك :
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه .... إذ قال فى الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله .... فذو العرش محمود وهذا محمد
هذا بعض من فيض شرف وعظيم مكانة نبينا الحبيب فى ذكراه العطرة وفى شهر مولده الكريم الذى أضاء قصور كسرى وقيصر الروم بالشام ، فها هو بفيضه تغمرنا نفحات نوره ، وتضيء قلوبنا نسمات ضيائه ، فهو شمس الحقيقة فى وقت أظلمت القلوب قبل العقول ، فسطع نور ضيائه فبدد الظلمات إلى الهدى المبين ، فآمن به الأعمى قبل البصير وفى ذلك قرآن يتعبد به كما فى قوله تعالى : (عَبَسَ وَتَوَلَّى ، أَن جَاءهُ الأَعْمَى ،وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ؛ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى) ، وفى ذلك تحدثت السيرة العطرة عن فضل النبي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله اتخذ ابراهيم خليلا ، وموسى نجيا واتخذني حبيبا ... ثم قال : وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي) ومنها قوله : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وقال أيضا : (أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، لواء الحمد يومئذ بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربى ولا فخر) .
ورحم الله البوصيرى إذ قال :
كيف ترقى رقيك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء
لم يساووك فى علاك .......وقد حال سنا منك دونهم وشاء
هكذا نجد أن كل من فى الوجود احتفى بمقدم سيد الخلق محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليمات فالقرآن بين فضله عند ربه وعند الأنبياء وعند الناس كلهم لأنه الخاتم ... فلا شك أن احتفالنا بسيد الخلق ماهو إلا نقطة من عظيم فضله على أمته فقد جعلهم خير أمة أخرجت للناس ، وشهداء على الناس يوم العرض على الرحمن الرحيم ... فهلا جميعا نفخر ونحتفل فى هذه الأيام بمولد رسولنا الكريم ، ونحيى سنته وقرآننا الانسانى بقول السيدة عائشة عن الرسول فى وصفه كان قرآنا يمشى على الأرض ،والسماوي بتدبر معانيه وقراءته لأن من أراد أن يكلمه ربه فليقرأ القرآن.
وكل عام وأنتم بخير.




أعلى





ولد الهدى

الحمد لله المنعم المتفضل الكريم المنان امتن علينا بارسال خير البشر وسيد الرسل وخاتم الانبياء وامام الاتقياء والصلاة والسلام على صاحب الذكرى ذي المقام الاسنى والمكان الاسمى وعلى اله وصحبه الابرار واتباعه الاخيار ما سجا ليل او اضاء نهار وبعد .. فان يوم المولد الشريف هو درة الايام وباكورة الليالي وتاج الزمان كان هذا اليوم ولا يزال يوم عز للدنيا وفخر للحياة وسعادة للاحياء استنار به الكون بعد ظلمة وانيرت به العقول بعد جهالة وثلمة وعادت البشرية فيه الى رشدها بعد ضلالة واضحى العالم كله يرمي بطرفه ليطالع النور ويغمره السرور بشخص النبي المختار ويتيه فيه اجلالا وتعظيما ويزهو بسيرته اعجابا وتكريما فقد ولد الهدى خرج الهادي البشير والسراج المنير صاحب الخلق العظيم والسلوك القويم ورأينا انقلاب الموازين واعتدال القيم المعوجة واستقامة الاخلاق المعتلة حدثت ارهاصات وظهرت دلائل وبزغت براهين على ولادة سيد الكونين وامام الثقلين تمثلت في ظواهر كونية ومعجزات الهية فهزم ابرهة المتأله وتشتت هو وجماعته في الارض وتنفست الارض معنى العدل قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل . ألم يجعل كيدهم في تضليل . وأرسل عليهم طيرا أبابيل . ترميهم بحجارة من سجيل . فجعلهم كعصف مأكول) ذهب الظلم ادراج الرياح وراحت الغطرسة دبر الوجود وهو رمز لانقشاع الظلم وتدمير الظالمين وأن اي ظالم لن يفلت من عدالة السماء وسمى ذلك بعام الفيل وهو رمز من رموز الميلاد السعيد فان جند الله هم الغالبون (وما يعلم جنود ربك الا هو) فهذا الفيل كان اذا وجه الى بيت الله برك في الارض لا يريم ولا يقوم واذا وجه تلقاء الحبشة حيث ابرهة قام ونشط وتحرك وما برك انها العناية وتمام الرعاية واشارة البدء بزوال الظلم وانحسار الكبر ودمار المتغطرسين قال تعالى (ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب) وذاك ايوان كثرى الذي كان مضرب الامثال ومحط الرحال تصدع وتضعضع وسقطت منه سبع عشرة شرفة من هذه الشرفات التي كان يقف فيها يفوح الكبر من اردانه وينطق الظلم من لسانه زالت هذه الاماكن وهو اعلام كذلك بميلاد العدل والتواضع في الكون وزوال المتبطرين الجبابرة الذين استعبدوا الناس في الارض ولعلك لاحظت كتب السيرة وهي ترصد تلك الامارات وهاتيك العلامات ومنها بحيرة ساوا التي غاض ماؤها وغار فورانها وكان سحاحة لا تعرف الغيض وانما تدر المياه كالفيض وهذه نيران فارس تخمد وتنطفئ وما عهدت يوما تخبو أو يقل اوارها ويخفت لهيبها تلك النار التي كانت تعبد من دون الله وكل ذليل دليل على ان الوثنية لم يعد لها مكان تحت الشمس وان عبادة الحجر لم تعد تنطلي على احد من البشر مولد الهدى انبعاث للعقل الواعي والانسانية الشامخة في تفكيرها ومنطقها واتزانها رأت آمنة وهي تضع وليدها العظيم ضياء أنار ما بين الخافقين واضاء ما بين المشرقين حتى رئيت قصور كسرى وقيصر وهو رمز لان يصل هذا الدين بميلاد النبي الى هذه الديار البعيدة ويعم خيره وينتشر سناه ويصل الى جميع المحال والديار وما يقع عليه الليل والنهار وتتوالى الخيرات بالمولد السعيد فينذر عبدالمطلب ان ولد له ولد ان يذبح مائة من الابل فولد له عبدالله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه ولد ومعه الخير والعطاء والصدق والوفاء والحب والاخاء والعزة والاباء عرف الكون بميلاده طعم الحياة وشبت القلوب على حب النجاة وطاعة الاله جل في علاه عرف البذل وظهرت التضحية والفداء ونما التعاون وشبة الايثار وتحول العرب من امة مقودة الى امة قائدة تحسن السير في ظلم الليل ترود ولا تراد وتقود ولا تقاد متبوعة لا تابعة متقدمة لا متأخرة مستقرة غير حائرة تنسمت الدنى عبر الحياة وعبق السعادة وشذا الرضا وقامت امة الاسلام راعية حكيمة حادية امينة فهدت الناس من ضلالة عمياء وجهالة جهلاء الى دنيا الصفاء والتوحيد والنقاء فكان الميلاد ولادة حقيقية لهذه البشرية الحيرى على مفترق الطرق المتمزقة بالملل والغرق سعد الوجود شرقه وغربه شماله وجنوبه ابيضه واسوده احمره واصفره وشاع العدل في زوايا الارض وامن الناس في حنايا الكون عز الفقير ووقر الكبير ورحم الصغير وما عاد فيها حقير فالكل في حق الحياة سواء عرفت فيها المنازل واحترمت فيها المقادير ورأينا الاشاوس المغاوير الذين يذودون عن حياض الدين وفطم الناس عن الفسوق والعصيان وراقب الله في كل احيانه الانسان يحمد الله جل جلاله على نعمة الميلاد لهذا الشخص النبيل والنبي العظيم الذي تجمعت فيه كل قيم الارض وكمالات البشر ولعلي اقتطف بعض ابيات قالها امير الشعراء في مولد الهادي البشير من الهمزة النبوية الشهيرة يقول فيها احمد شوقي - رحمه الله تعالى :
ولد الهدى فالكائنات ضياء
وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله
للدين والدنيا به بشراء
والعرش يزهو والحديقة تزدهي
والمنتهى والسدرة العصماء
والوحي يقطر سلسلا من سلسل
واللوح والقلم البديع رواء
يا خير من جاء الوجود تحية
من مرسلين الى الهدى بك جاؤوا
هم ادركوا عز النبوة وانتهت
فيها اليك العزة القعساء
بك بشر الله السماء فزينت
وتضوعت مسكابك الغبراء
وبدا محياك الذي قسماته
حق وغرته هدى وحياء
يوم يتيه على الزمان صباحه
ومساؤه بمحمد وضاء
حقا ولد الهدى وحل النور وعم الخير وتبسم الزمان واثنى الكون وتعطرت الدنيا وسعد الوجود صلى عليك الله يا نور الوجود ونبع الطهر وينبوع الهدى وعلى آلك وصحبك الغر الميامين ومن اتبعك واستن سبيلك واهتدى بهديك الى يوم الدين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وكل عام وانتم بخير.

د. جمال عبدالعزيز احمد


أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept