رأي الوطن
الاعتراف بالخطأ.. بدل العنترية الجوفاء
الحقيقة القائلة بأن أقدر القادة على صنع الحرب وتعظيم ويلاتها
هم أقدرهم ايضا على صنع السلام وبسط ميزاته، شارون يدرك ذلك بالطبع
وهو يمضي في اتجاه نهايته السياسية وشيخوخته الطاعنة.
وهو يعلم ايضا ان التاريخ لا يرحم، ومن ثم فهو لم يعد بحاجة الى
جلب مستعمرين ليعتمد على اصواتهم فلم يعد له في السلطة مطمع بقدر
ماله مطمع في ان ترحمه ألسنة العالم وتخفف من قبح صورته صفحات التاريخ،
واصراره على تنفيذ خطة اخلاء غزة من المستعمرين تشكل فرصته الاخيرة
لصنع ذلك التحول المأمول في نظرة العالم اليه، لقد اثبتت الاحداث
ان صناعة المستعمرات على النحو الذي كان تمت لأطماع شخصية، وهاهم
المستعمرون يشعرون انهم تعرضوا للتجاهل ليس فقط من جانب قادة اسرائيل
ولكن ايضا من جانب سواد الشعب الاسرائيلي في الداخل الذي لم يكترث
كثيرا لصراخ وعويل المستعمرين بينما كان افراد الجيش والشرطة يجبرونهم
على الرحيل، الشعب الاسرائيلي كان يعلم انها تمثيلية من الافضل لها
ان تنتهي سريعا، فالمهاجر الذي ترك وطنه الاصلي وجاء الى اسرائيل
يسهل عليه ان يترك منزلاً متنقلا في الصحراء وينتقل الى مكان آخر،
فالامر لا علاقة له إذاً بالعقيدة او المبادئ او الاساطير التي رددوها
طويلا من قبيل ارض اسرائيل الكبرى او ارض الميعاد او ما شابه، لان
حفنة من المستعمرين المنتفعين الانتهازيين لن تكون اشد حرصا من الكنيست
او مجلس الوزراء او الاحزاب او مؤسسة الرئاسة في اسرائيل وكلهم وافقوا
على اخلاء غزة لأسباب موضوعية لا يمكن تجاهلها. فالانتفاضة على سبيل
المثال افرخت تضحيات نادرة من اجل العقيدة والارض والوطن والحرية
والتحرر المادي والمعنوي. أما المستعمرون فليس فيهم واحد مستعد لتضحيات
بهذا الحجم وهذا هو الفرق بين الصدق والكذب وبين اليقين والادعاء..
وبين الاصالة والانتهازية الرخيصة. واذا كانت القضية قضية مسكن فان
بناء طابق واحد على ابنية اسرائيلية قائمة يمكن ان يستوعب كل المستعمرين
على الارض الفلسطينية المغتصبة بعد حرب 1967 والتي يعتبرها العرب
سقف التسوية، وايضا الاسرائيليون ليس لديهم مشكلة في التمويل فاوروبا
واميركا بنت بأموالها المستعمرات وستدفع من اموالها تعويضات الرحيل
عن غزة، فما دام الامر محصورا في الاموال فان اسرائيل ليس لديها
مشكلة، اما المشكلة الحقيقية التي تواجها اسرائيل بالفعل فهي انها
شعرت على كل المستويات ولأول مرة ان بقاءها في الوجود مهدد بعد ان
تعرض رعاتها لضربات موجعة بسبب دعمهم لها بلا حدود وتحريضهم لها
كي تعتدي على العرب وتكسر أنوفهم.
اذا قادة اسرائيل بدأوا يتخوفون من المستقبل ويميلون الى شيء من
الموضوعية في التعامل مع الازمة، وهذا ما لا يفهمه المستعمرون الذين
غشيت ابصارهم من كثرة الطمع وعميت بصيرتهم من طول الاغواء والتحريض
على الهجرة والاستيطان.
واذا كان الامر كذلك فان امام اسرائيل فرصة تاريخية للتسوية على
اسس موضوعية ودون ادعاءات لا قيمة لها في ميزان النضال من اجل التحرر،واذا
كان التسابق إلى ابراز القوة هدفا لدى قادة اسرائيل فان القوة الأبرز
هي الإقدام على التفاوض في المرحلة النهائية دون مراوغات تكلفهم
الكثير من الوقت والعناء والدماء، وها هي اسطورة ومزاعم ارض اسرائيل
تتهاوى والاستعمار يتقلص دون رجعة وتبقى الخطوة الاخيرة الاكثر شجاعة
لمن اراد شجاعة غير تلك التي اثبتوها في قتل النساء والاطفال وهدم
البيوت، انها شجاعة الاعتراف بالخطأ والمبادرة الى تصحيحه عبر مائدة
المفاوضات وبعيداً عن العنتريات الجوفاء.
أعلى