|
البلسم الشافي لأدواء
القلوب (2/2)
ـ الإيمان الحق الذي يجعل الإنسان يستعلي على رغباته
ـ على المرء أن يجمع بين الخوف من عذاب الله ورجاء ثوابه
ـ الأعمال الصالحة هي سبب لصلاح القلب
ـ محبة المرء لأخيه ما يحب لنفسه شرط لبلوغ حقيقة الإيمان
الخوف والرجاء
إن الإيمان الحق الذي يجعل الإنسان يستعلي على رغباته ونزواته ويتحكم
في شهواته ونزعاته هو الإيمان القرآني الذي يصف الله سبحانه وتعالى
ويصف اليوم الآخر اللائق بجلال الله واللائق بعدله في الدار الآخرة
وهذا الإيمان هو الذي يجعل الإنسان يربط نفسه بخوف الله ورجائه فيكون
راجيا وخائفا يعدل بين الخوف والرجاء فهو من ناحية ينظر إلى فضل الله
سبحانه وتعالى وإحسانه فيرجو من الله أن يختم له بخواتم الصالحين فيدعو
الله باستمرار أن يمن عليه بحسن الخاتمة وأن يبوأه مبوأ صدق في الدار
الآخرة وأن يخلصه من أسر شهواته ورغباته حتى يكون عبدا مخلصا له سبحانه
ويرجو من الله سبحانه وتعالى أن يستجيب هذا الدعاء وأن يمن عليه بهذا
الفضل العظيم فينظر إلى هذا الجانب نظر الطامع برحمة الله وهو يتدارك
نفسه بالمغفرة عندما تقع منه اية زلة من الزلات عملا بقول الله سبحانه
(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله
يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا
له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون وأتبعوا أحسن ما أنزل اليكم
من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس
يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن لمن الساخرين أو تقول لو أن
الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون
من المحسنين) بجانب هذا أيضا يخشى عذاب الله سبحانه وتعالى وهو كما
أنه لا ييأس من رحمة الله تعالى لا يأمن مكر الله والله سبحانه وتعالى
يقول: (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) ويقول: (إنه لا ييأس
من روح الله إلا القوم الكافرون) يجمع ما بين الخوف والرجاء, الخوف
بحجزه عن الأعمال السيئة والرجاء يحفزه للأعمال الصالحة وهو يراقب
نفسه ويراقب من يختلج بقلبه لعلمه أن الله سبحانه وتعالى مطلع على
أمره وأنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء (ولقد خلقنا
الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى
المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب
عتيد) وبجانب كون الإنسان حذرا من زلات النفس وحذرا من أن ترفعه شهواته
إلى سوء, ينبغي أن يكون خائفا من الله وراجيا منه, فقد جاء في كتاب
الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن النجاة لمن خاف الله سبحانه وتعالى
وأن الاذكار إنما هو لمن خاف الله وأن الانتفاع بكل ما في القرآن الكريم
إنما ذلك راجع إلى من يخشى الله, فالله سبحانه وتعالى يقول: (إن في
ذلك لعبرة لمن يخشى) وعندما ذكر حصيد القوم الظالمين أتبع ذلك بهذه
الجملة من التذكير في فعل الله سبحانه وتعالى وبطشه عباده ففي ذلك
ذكرى لمن كان يخشى الله عز وجل ويقول الله تعالى: (وأما من خاف مقام
ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى), ويقول سبحانه: (فذكر
بالقرآن من يخاف وعيد) ويقول: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة
وأجر كبير), فإذن كل الخير منوط بهذا القول إن كان خائفا من الله كان
الخوف سببا لحجزه عن معصية الله سبحانه وتعالى وكذلك من كان راجيا
من الله كان رجاؤه سببا لدفعه إلى الأمام في مجال العمل بما يرضى الله
سبحانه وتعالى وقد جاء في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل
على مكانة الخوف في الإسلام فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما أخرجه
الإمام الترمذي من طريق أبو هريرة رضي الله عنه يقول عليه أفضل الصلاة
والسلام: (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزلة الا إن سلعة الله غالية
ألا إن سلعة الله الجنة) من خاف أدلج أي أسرع السير إذ من شأن الإنسان
عندما يخشى من ربه سبحانه وتعالى وليس الله سبحانه وتعالى عدوه إنما
الشيطان هو العدو فالذي يخشى من ربه سبحانه أن يعاقبه عندما يتبع طريق
الشيطان ويعلم أن الشيطان يلاحقه يسرع في طاعة الله عز وجل ويبتعد
عن الشيطان كثيرا حتى يكون بمشيئة الله تعالى بعيدا عن مكايد الشيطان
فعندئذ يكون قد بلغ المنزلة (من أدلج) أي من أسرع السير بلغ المنزلة
بلغ القصد الذي يقصده فهذا يبلغ بمشيئة الله القصد ثم يقول النبي صلى
الله عليه وسلم: (ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة)
فالجنة لا تنال بالأماني وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح فالله
عز وجل حكم على جميع الجنس البشري بالخسران إلا الذين جمعوا بين الإيمان
والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر يقول تعالى: (والعصر
إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق
وتواصوا بالصبر) (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) إنما
مغفرة الله لهؤلاء والجنة وعدها الله تعالى للمتقين يقول تعالى: (وسارعوا
إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين
ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله
يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا
لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)
ويقول تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات
تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله
بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب
النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار)
وهذا الجانب العقدي جانب مهم ولا يمكن في هذه العجالة أن نوفيه حقه
من الشرح وننتقل حتى لا نفرط في الجانب الآخر الجانب الذي يليه وهو
جانب الأعمال صلاح القلب بالعمل الصالح الأعمال الصالحة هي سبب لصلاح
القلب بخلاف الأعمال السيئة وقد علمنا أن الأعمال السيئة سبب لفساد
القلب ودواء هذا الفساد الأعمال الصالحة وفي مقدمة هذه الأعمال العبادات
التي شرعها الله فالصلاة تصلح القلب يقول الله تعالى: (وأقم الصلاة
إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) ويقول تعالى: (إن الإنسان خلق
هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين
هم على صلاتهم دائمون) ثم وصفهم بصفات متعددة واختتم هذه الصفات بالمحافظة
على الصلاة كما ابتدأها بالمداومة عليها وقال: (والذين هم على صلاتهم
يحافظون) وهذا عندما يقوم الإنسان للصلاة على النحو المشروع بحيث يشعر
أنه ماثل بين يدي الله وأنه يناجي ربه سبحانه وتعالى فكل كلمة ينطقها
في صلاته تسكب في نفسه شعورا بعظمة خالقه تعالى وتذكره بحقه عز وجل
عليه وتذكره بالدار الآخرة التي منقلبه إليها وهكذا تصنع هذه الكلمات
التي يقولها في صلاته وتصنع أعماله التي يأتيها في صلاته وكذلك الزكاة
هي مطهرة للنفس من آثار الشح يقول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة
تطهرهم وتزكيهم بها) فالنفس البشرية كما هو معلوم مجبولة على حب المال
وهذا الحب عندما يطغى على جوانب النفس يكون داء عضالا يستعصي علاجه
واستئصاله ولكن جعل الله سبحانه وتعالى العلاج مستمرا وهو الزكاة التي
يدفعها والإنفاق الذي ينفقه في سبيل الخير فإنفاقه المال في وجوه الخير
يفجر في نفسه مشاعر الرحمة ويرفق وجدانه ويرهف حسه ويجعله يشعر بضرورة
معاونته لبني جنسه وضرورة معاونته لإخوانه المؤمنين فيكون دائما يتألم
بآلام غيره ويفرح بفرح غيره وهكذا يتمكن من التحرر من أسر شهوة المال
التي هي جامعة وهي من أخطر الأخطار لأن الحرص على الدنيا من أخطر الأخطار
التي تجعل قلب الإنسان في عمى فحب الدنيا كما جاء رأس كل خطيئة وهكذا
الصيام يذكر الناس بالبؤساء والمحرومين والكادحين الذين يقضون سحابة
نهارهم وهم يكدحون من أجل الوصول إلى نعمة العيش التي يسدون بها جوعتهم
أو من أجل الوصول إلى طمر يسترون به سوأتهم ويشعر بالرقة تجاه هؤلاء
وهذا مما يجعله يتعاون معهم وكذلك الحج يربط ما بينه وما بين إخوانه
المؤمنين ويصل بين نفسه ونفوسهم فيتألم لآلامهم ويحب ما يحبونه لأنفسهم
وهكذا.. وكذلك ما شرعه الإسلام من معاملات كالكرم للضيف والجهاد في
سبيل الله من أجل تحرير النفوس, نفوس العباد من رقبة الاستعباد وهكذا
جميع أعمال الإسلام تدور في هذا الفلك إلى الإصلاح ويدخل أيضا الترك
في ذلك فترك المعاصي على اختلاف أنواعها مما يدخل أيضا في هذا الجانب.
أما الأقوال فإنها تصلح هذه النفس البشرية عندما يعود الإنسان لسانه
بأن لا ينطق إلا بحق فالنطق بالحق سبب من أسباب وصول الإنسان إلى إصلاح
قلبه وهذا أمر يؤدي بطبيعة الحال إلى إصلاح علانيته كما صلحت سريرته
فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الإنسان بأن ينطق بالصدق
وأن يتجنب الكذب يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: (عليكم بالصدق فإن
الصدق يهدي إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى
الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور
وأن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب
عند الله كذابا) ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: (يطبع المؤمن على
الخلال كلها ليس الخيانة والكذب) أي ليس من شأن المؤمن أن يكذب بحال
من الأحوال فلا يمكن أن يكون المؤمن كذابا إذ الكذب ليس من شيمة المؤمن
بل هو من صفات المنافقين وقد توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم عندما
قال عز من قائل: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) ويبين الله سبحانه
وتعالى أن الذي يفتري الكذب ليس هو من الإيمان في شيء عندما قال: (إنما
يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) فإذا تحري الصدق في الكلام
من جملة إصلاح القلب الذي يؤدي إلى صلاح العلانية وكل ما يقوله الإنسان
من خير من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو إرشاد لغوي أو تنبيه لغافل
أو تعليم لجاهل أو إرشاد لحائر كل من ذلك يؤدي بمشيئة الله سبحانه
وتعالى إلى إصلاح النفس وهذا يعني أن يتجنب الإنسان القول السييء ومن
ذلك النميمة وقد علمت أن الغيبة شأنها كشأن من ينهش من لحم أخيه الميت
والنميمة هي من أخطر الخطر فإنها تؤدي إلى القطيعة بين الناس ومن نم
ففي قلبه مرض عظيم لأنه يكره أن يرى الناس على وفاق وصلح خير وصله
فهو يسعى إلى تقاطعهم وتدابرهم ولذلك ينم الحديث بينهم من أجل الإفساد
فتجنب النميمة من جملة أسباب صلاح القلب وكذلك تجنب الكلمات التي فيها
التحقير للغير فقد علمنا تحذير الله سبحانه وتعالى وتحذير رسوله صلى
الله عليه وسلم من تحقير المؤمن للمؤمن فهذه الأقوال عندما تكون على
هذا النحو يكون بها صلاح القلب بمشيئة الله أما الجانب الخلقي فهو
جانب مهم فأولا قبل كل شيء يجب أن يكون الإنسان مخلصا لله سبحانه وتعالى
والإخلاص إنما ينشأ عن معرفة الإنسان الحق بربه عز وجل بحيث يعلم أن
الله وحده هو الذي يهبه جميع الهبات الخيرة في الدنيا والآخرة وأن
كل ما يأتيه من مضرة إنما هي من قبل الله فلو اجتمع أهل السماوات والأرض
على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له ولو اجتمعوا على
أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله تعالى عليه وهذا بطبيعة الحال
يقتضي بأن لا يراعى جانب أحد من خلق الله إنما عليه أن يراعي جانب
الله فلا يرائي بشيء من الأعمال والله سبحانه وتعالى بين لنا أن الرياء
يحبط للأعمال يقول سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا
صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم
الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون
على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) فهكذا شأن من يرائي
والله سبحانه وتعالى بين أن اليهود يراءون بأعمالهم ويبتغون بها وجوه
الناس فليس من شأن المؤمن المراءة وما للمؤمن والمراءة ويعلم بساط
هذا الكرم هو الذي من عليه بهذا الفضل فما للإنسان وللمراءة عليه أن
يكون في أعماله كلها مخلصا لوجه الله سبحانه وتعالى فالإخلاص عامل
مهم كما ذكرنا في إصلاح القلب بخلاف ما إذا كان مرائيا والإخلاص هو
سر بين العبد وربه كما جاء في بعض ما روي في الأحاديث القدسية الربانية
أن الإخلاص سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده
نعم قد تظهر الآثار: آثار الإخلاص أو آثار الضدية أما نفس الإخلاص
فهو سر بين العبد وربه والإنسان يبتغي بعمله وجه الله سبحانه ولا يريد
شيئا من زينة هذه الحياة الدنيا ولا يريد بعمله شيئا من التقرب إلى
وجوه الناس فالناس أنفسهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يملكون
له هو ومن الأخلاق التي بها صلاح القلب التواضع فإن الإنسان يجب عليه
أن يتواضع قبل كل شيء لربه وأن يتواضع لعباد الله هو في الحقيقة تواضع
لله سبحانه وتعالى فإن الله تعالى نهاه عن الاستكبار يقول الله تعالى
في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما
ألقيته في النار ولا أبالي) فليس للإنسان أن يتطاول على الله حتى لا
ينازع الله عز وجل شيئا من صفاته وقوله سبحانه في الحديث القدسي الكبرياء
ردائي والعظمة إزاري يعني اختصاصه سبحانه وتعالى للكبرياء واختصاصه
بالعظمة كما أن أحدنا لا يرضى أن ينازعه أحد في إزاره الذي هو مختص
به وفي ردائه الذي هو مختص به فرداء المرء لا ينازع فيه والإزار الذي
هو خاص به لا ينازع فيه فكذلك إذن الكبرياء صفة لا تليق إلا بالله
وليس لأحد من خلق الله سبحانه أن ينازع الله عز وجل فيها وكذلك من
الأخلاق التي تؤدي إلى صلاح القلب أن يحرص الإنسان دائما على حب الخير
لغيره لا سيما إخوانه المؤمنين كما يحبه لنفسه ففي الحديث الصحيح أن
الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه) أي الإنسان لا يصل إلى حقيقة الإيمان وجوهره, ويعد حقا من المؤمنين
الفائزين الناجين حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه فالإنسان المؤمن يشعر
بالراحة ويشعر بالاطمئنان ويشعر بسلامة باله عندما يشعر بأن إخوانه
المسلمين نالهم خير ويشعر بخلاف ذلك عندما يكون الأمر بعكس ذلك فهو
يتألم لآلامهم ويفرح لأفراحهم هكذا شأن المؤمن وهذا مما ينافي الحسد
فالحسد إذن داء فتاك ومرض يؤدي إلى فساد الظاهر والباطن فإن الحسد
يؤدي بالإنسان إلى أن يسعى دائما في محاولة الحيلولة بين الناس والوصول
إلى الخير وهذا داء يظهر أثره على كثير ممن بعدوا عن الإيمان فهم يسعون
دائما إلى الحيلولة بين الناس في أعماق النعيم ويسرون عندما يرون غيرهم
يكابد عنت هذه الحياة فهؤلاء في نفوسهم مرض لذلك وصف الله سبحانه وتعالى
اليهود بأنهم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فليس من شيمة
المؤمن أن يكون حسودا على أن الحسود عليه أن يفكر بأنه لا يضر إلا
نفسه فإن الحسد نار تأكل قلبه وهو يتألم عندما يرى غيره في نعمة ويرى
غيره في طمأنينة وراحة وهذا أمر خطير جدا.
وهكذا من شأن الإنسان المؤمن الذي يحرص على سلامة قلبه أن يحرص دائما
على البعد عن هذه الأمور وهذه المخاطر, وبهذا يضمن بمشيئة الله سلامة
قلبه وبهذا تكون أعماله الظاهرة مترجمة لصفاء سريرته ونقاء طويته.
سماحة الشيخ/ أحمد بن حمد الخليلي
أعلى
فحوصات ما قبل الزواج أمر يؤكده الإسلام ولا يفرضه
د. نصر فريد واصل : تقنين هذه العملية أمر واجب من وجهة النظر الشريعية
د. جمال أبو السرور : عملية مكلفة .. لكنها ضرورة ونشرها أمر هام !
د. محمد رأفت عثمان : الزواج من مصاب أمر مخالف للشريعة ..!!
القاهرة ـ من رمضان أبو إسماعيل: يشيع في العالم
العربي مجموعة من الأمراض الخطيرة التي ساعد علي انتشارها عادات اجتماعية
متأصلة ومنها عادة زواج الأقارب وإحجام الشباب عن فحوصات ما قبل الزواج
، تلك الثقافة التي لا يزال المجتمع العربي يرفضها ، ومن أهم هذه الأمراض
أمراض الدم الوراثية كفقر الدم المنجلي وأنيميا البحر المتوسط وانحلال
الدم، وأمراض الجهاز العصبي كمرض ضمور العضلات الجذعية وضمور العضلات
باختلاف أنواعها وضمور المخ والمخيخ، وأمراض التمثيل الغذائي التي
تنتج عن نقص أنزيمات معينة ، وأمراض الغدد الصماء خاصة أمراض الغدة
الكظرية والغدة الدرقية، ولذلك كله بات أمر نشر ثقافة فحوصات قبل الزواج
أمر حتمي لحماية المجتمع من هذا الخطر المحدق الذي يحيط به الضرر والضرار
في البداية يقول الدكتور نصر فريد واصل - مفتي مصر السابق - : نحن
الآن بصدد البحث عن علاج شرعي لقضية فحوصات الزواج ومعروف أن القانون
المصري يستقي من الشريعة الإسلامية طبقا لنص المادة "2"
من الدستور المصري ، ومن هنا يجب أن يكون لكافة الأحكام التي تشرع
متوافقة مع الشريعة الإسلامية، والزواج لا بد أن يقوم علي أسس من الجانب
العقائدي كي ينتج عنه أسرة علي أحسن مستوي لتحقيق الخلافة الشرعية
؛ فالإنسان مستخلف في الأرض ولا يتحقق الاستخلاف إلا إذا كان قوي معاف
غير مريض أو عليل، ولذلك فالمؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف
وفي ذلك يقول رسول الله - صلي الله عليه وسلم- يقول: تخيروا لنطفكم
فإن العرق دساس وكذلك قرر الشرع قاعدة ولا خلاف عليها وهي لا ضرر ولا
ضرار، ومن ينظر إلي مسألة الزواج بشيء من التأني يجد أن مقاصده تقوم
علي المودة والسكن والاستقرار حيث يقول تعالي : ومن آياته أن خلق لكم
من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، وهذا السكن
قد يكون مادي أو معنوي، فلابد أن تكون الأسرة عند تكوينها أن يعتقد
الإنسان لنفسه فيها السكن والاستقرار ،وعندما ننتظر الجنين بعد الزواج
يجب أن نوفر له حياة آمنة مستقرة ، وإذا كان الإنسان سيجني من وراء
زواجه - يقيناً - الضرر بنفسه وغيره فعليه ألا يفعل ذلك ويقول تعالي
: ولا تقتلوا أنفسكم والعبرة هنا ليس بالنفس فقط بل الناس جمعيا لأن
من قتل نفسا بغير نفس أو فساداً في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ،
وكذلك يقول تعالي: ولا تلقوا بأنفسكم إلي التهلكة ومنها أن يؤدي الإنسان
إلي ضرر بغيره. ويؤكد د. نصرأن من المتفق عليه وما أقره الإسلام أن
الأسرة هي أساس المجتمع، وكل أمر من الأمور الحادثة له حكمان : عقائدي
وقضائي وقضيتنا اليوم هي الإقدام علي زواج يضر الآخرين وهنا ـ إن لم
يكن هنا وازع ديني ـ علينا أن نمنع هذا الزواج عن طريق الطب والقانون
ويكون ذلك بسن قانون يمنع إتمام عقد الزواج إلا بشرط الحصول علي شهادة
من الطبيب تفيد خلوه وصلاحيته للزواج وكذلك الفتاة أيضاً ، والقانون
لا يتعارض كما يدعي البعض مع مبادئ الحرية الشخصية ، ذلك لأن الحرية
العامة تغلب علي الحرية الشخصية فإذا ما تعارضت حرية الأشخاص مع حرية
المجتمع فحرية المجتمع هي الغالبة ، ولذلك أري أن سن قانون لإلزام
الأشخاص بإجراء الفحوصات الطبية أمر شرعي ولا يتعارض مع مقتضيات الشريعة
الإسلامية ، لأنه وسيلة لحماية الأفراد من الأمراض الوراثية التي لو
انتشرت في المجتمع لأدى ذلك إلي وهنه وضعفه وهو ما يعد خطراً محدقاً
بالأمة ويجب محاربة أسبابه.
الاستشارة أولاً
ومن جانبه يري الدكتور جمال أبو السرور ـ مدير المركز السكاني الإسلامي
وأستاذ العقم وأمراض الذكورة ـ أن هناك مجموعة من الضوابط العامة للممارسات
الطبية ، منها احترام حرية الفرد في إتخاذ القرار والعدالة في التوزيع
والتعويض وعدم فعل ما يضر المريض، والاحتفاظ بسرية معلومات المريض
فالقاعدة هنا هي احترام سرية المعلومات كأن يأتي إلي مريض لإجراء فحوصات
طبية معينة ويتبين لي أنه مريض بمرض معين ، هنا لا يحق لي أن أفشي
سره إلي أي شخص آخر حتي لو كان السائل عن المعلومة هو والد المريض
أو زوجته، فمن حق المريض - هنا فقط - أن يفشي بسر مرضه لمن يريد، وهذه
القواعد الطبية ليست في الطب الإسلامي فقط بل هي قواعد أخلاقية عامة
معمول بها في كل النظم الطبية ، فالفحص الطبي قبل الزواج هو تلك المجموعة
من الفحوص الإكلينيكية التي تهدف إلي التعرف علي التاريخ المرضي والعائلي
والفحص الجسدي لطرفي الزواج بغرض حماية نسلهما من الأمراض الوراثية
التي لا يمكن الشفاء منها ، والوقاية من الأمراض المعدية لكل من الزوجين
وذريتهما، ويزاد علي هذه الفحوصات في بعض الأحيان فحوصات الخصوبة للتأكد
من قدرة الطرفين علي الإنجاب ، وربما يكون السعي وراء الفحوصات الطبية
قبل الزواج بحثاً عن ثقافة صحية سليمة بخصوص مسألة الزواج حيث يتم
مناقشة المقبلين علي الزواج في مسائل صحية هامة وما ينويان فعله بعد
الزواج بعد التأكد من سلامتهما وخلوهما من الأمراض وموافقة الطب علي
زواجهما فقد يري الشاب أو الفتاة أن يؤجل الإنجاب فترة معينة بعد الزواج
وهو لا يلقي بالاً للمسألة ويظن أن الأمر بسيط ؛ ولكن الطبيب هنا ربما
ينصحهما بعدم الإقدام علي ذلك لأن نتائجه غير مطمئنة أو ينصحهم بأن
الأمر لا خطورة فيه ويدلهم علي أنسب السبل لتأجيل الحمل.وهكذا يبدأ
الفحص بأخذ التاريخ المرضي للطرفين والوقوف علي حالتهم الصحية للتأكد
من خلوهما من الأمراض مستعصية العلاج لمنع انتشارها بمنع الزواج الذي
يوفر مقدرات الإصابة بهذه الأمراض لتجنب ولادة أطفال مصابين بها .ويشير
د. أبو السرور إلي أنه من الزيجات التي ينصح الطب بضرورة عمل فحوصات
طبية قبل إتمامها زواج الأقارب ، وهذا النوع منتشر بشكل كبير في المجتمعات
الشرقية بشكل عام وانتشار أمرض السكر والضغط والقلب يحتم من أهميتها
ومن خلال الفحص الطبي ينتهي الطبيب إلي رأي طبي ينصح به طرفي الزواج
كأن يقول لهم مثلا: زواجكما سوف ينتج عنه أبناء معرضون بنسبة كبيرة
للإصابة بهذه الأمراض الوراثية، بل في بعض الأحيان يتضح للطبيب أن
الزواج ربما ينتج عنه أطفال مشوهين وربما العقم كأن تثبت فحوصات السائل
المنوي الذكوري أن هذا الشاب يعاني من قصور شديد في إفراز الحيوانات
المنوية وهنا تقدم النصيحة كي تكون الفتاة علي إستعداد لتقبل هذا الوضع
، وربما اللجوء إلي وسائل الإخصاب المساعدة للإنجاب وهي عملية غاية
في الصعوبة ونتائجها غير مؤكدة ومراحلها طويلة وصعبة وتعاني فيها الفتاة
بشكل كبير ،فمن أهداف الفحوصات أيضا تثقيف المقبلين علي الزواج.
القيافة وعلم الجينات
ويرى د.محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون الأسبق بجامعة
الأزهر: هذا الموضوع من الموضوعات الهامة التي تمس حياة الإنسان ،
ومن قديم الأزل لاحظ الناس إنتقال بعض الأمراض الوراثية من جيل إلي
آخر فيتوارث الأبناء والأحفاد صفات كانت في آبائهم ولم يكن العلم قد
توصل إلي معرفة السر في ذلك، والأحاديث الشريفة تبين لنا هذا المعني
فقد جاء رجل إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن امرأتي ولدت
ولد أسود وكاد أن يعرض بنسب أبنه، فقال له رسول الله صلي الله عليه
وسلم- قال : هل لك من أبل ؟ قال الرجل: نعم ، قال رسول الله ـ صلي
الله عليه وسلم ـ : ما ألوانها؟ قال الرجل: حمر قال صلي الله عليه
وسلم : هل فيها من أورق؟ وهو لون ميال إلي الغبرة فقال الرجل: ما الذي
أتي به هل جئ به من فحل آخر؟ فقال الرجل : لعله نزعه عرق فقال ـ صلي
الله عليه وسلم ـ : وأبنك لعله نزعه عرق، وأيضا القصة المشهورة عندما
شكك المنافقون في نسب أسامة أبن زيد لأبيه حيث كان أسمر ووالده أبيض
فانتهز المنافقون الفرصة لعلمهم بمكانة زيد من رسول الله صلي الله
عليه وسلم وشككوا في نسبه وقالوا : قيس ليس أبن زيد أبن حارثة فجيء
بالقائف بعد أن وقف الأب والابن وراء ستار لا يظهر منهما إلا الأقدام
وعندما رأي القائف الأقدام قال: هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر رسول
الله صلي الله عليه وسلم فكانت القيافة من وسائل إثبات النسب هذه الأيام
، والآن توصل العلم إلي أمور جديدة في مجال الوراثة وكان آخرها علم
الجينات فعندما تم اكتشاف الميكروسكوب تبين أن أنسجة الجسم تتكون من
خلايا وهذه الخلايا تحتوي علي نواة التي تحتوي بدورها علي الحامض النووي.وأكد
أن الشريعة الإسلامية عامة وغير مختصة بقرن أو قرنين ولا تنتهي ولكنها
قائمة حتي يوم القيامة ، ولذلك نحن محتاجون إلى بيان الأحكام ، والحكمة
في بيان الأحكام آن بينت بعضها علي سبيل التفصيل كأحكام البيع والحدود
، وبعضها الآخر ترك للقياس والاجتهاد أمور المصلحة يبين فيها بعض التفصيلات
ويضع لنا قواعد عامة كأمور الطب والاقتصاد وغير ذلك من الأمور المتغيرة
كل ذلك منزل في أمور عامة، وهنا في هذا المجال كأن يرضي أحد طرفي الزواج
بالزواج من مصاب بمرض معين يؤدي إلى إصابة الأبناء لا يعد ذلك من منطلق
الحرية الشخصية ولكنه يخالف أمور دينه والإنسان مطالب في حياته أن
يتق الله في حياته لو كان علي يقين أن الزواج سينتج عنه على سبيل المثال
طفل منغولي ، هنا لا يجيز الإسلام ذلك والقاعدة التي تحكم هذه المسالة
أننا أمام ضررين ولا بد أن افعل أحدهما الزواج الذي سيؤدي إلى أبناء
مرضي أو عدم الزواج من هذه الفتاة وهنا يجب دفع الضرر الأشد بالضرر
الأخف أي نتحمل الضرر الأخف كي نمنع الضرر الأشد.
أعلى
العمل في الإسلام نظرة واقعية
خلق الله عز وجل الانسان وسخر له الارض لينتفع
بها من خلال ما يقدمه من جهد وعمل سواء أكان الجهد عقليا ام بدنيا,
حيث امر الله عز وجل الانسان ان يقدم ما يستطيع لاستثمار ما في الكون
من خيرات قال الله تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه
النشور).
والاسلام لا يرضى لاتباعه القعود عن العمل وتركه بحجة ان الله تعالى
هو الرازق بل على المسلم ان يعمل في اي مهنة يتقنها دون تفريق بين
هذه المهن ولو كانت المهنة جمع الحطب, قال صلى الله عليه وسلم (لأن
يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه
خير له من ان يسأل الناس اعطوه او منعوه).
انطلاقا من نظرة الاسلام الحاثة على العمل والتي تقدر قيمته فان العامل
في الاسلام شخص كريم ومكرم بعمله واعطاه الاسلام حقوقه كاملة وسوى
بينه وبين رب العمل في حين لم تستطع الحضارة الغربية حتى الآن ان تعطيه
الحقوق التي اعطاها الاسلام اياه وهذه بعض الحقوق التي اعطاها الاسلام
للعامل:
1ـ العامل في الاسلام محترم ومكرم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(ان الله تعالى يحب المؤمن المحترف)
2ـ حفظ حق العامل ففي الحديث القدسي يقول الله عز وجل (ثلاثة انا خصمهم
يوم القيامة ومن كنت خصمه فقد خصمته رجل اعطي بي ثم غدر ورجل باع حرا
واكل ثمنه ورجل استأجر اجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجرا).
3ـ تعجيل اجر العامل لقوله صلى الله عليه وسلم (اعطوا الاجير حقه قبل
ان يجف عرقه).
4ـ عدم تكليف العامل فوق الطاقة.
5ـ اعطاء العامل الاجر الكافي لعمله فقد هدد عمر حاطب بن ابي بلتعة
بقطع يده لانه لم يعط رعاة الابل اجرا كافيا فاضطروا للسرقة وامره
عمر بدفع ما سرقوه.
6ـ الضمان الاجتماعي للعامل في حالة مرضه او شيخوخته اخذا من قوله
تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) ومن حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وفي مقابل هذه الحقوق للعامل في الاسلام فان عليه واجبات منها:
1ـ اتقان العمل لقوله صلى الله عليه وسلم (ان الله يحب اذا عمل احدكم
عملا ان يتقنه).
2ـ ان ينصح العامل رب العمل في عمله فلا يغش ولا يخدع قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم. (من غشنا فليس منا).
3ـ الصدق والامانة لقوله صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق الامين
مع النبيين والصديقين والشهداء)
4ـ ان يبقى العامل مخلصا في عمله فلا يتقاعس ولا يتباطأ قال تعالى:
(وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله)).
5ـ عدم الخيانة لقوله صلى الله عليه وسلم: (من استعملناه على عمل فرزقناه
رزقا فما اخذه بعد ذلك فهو غلول) وبذلك يصون الاسلام حقوق كل من العامل
ورب العمل في الاسلام.
محمد بن سعيد آل ثاني
أعلى
الجهل بحكم الله فى مقاديره الغيبية
من المعلوم أن الإنسان مهما أوتي من علم فعلمه
قاصر ، كما أنه علم فى حدود المشاهد والحاضر وفيما مضى من أمره وشأنه
، وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى : كل من عصى الله تعالى فهو
جاهل وكل من أطاعه فهو عالم فكفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار
به جهلا 0000 والجهل بعلم الغيب سبب من أسباب اليأس ، يقول الله تعالى
فى كتابه الكريم فى سورة النمل 65 (( قل لا يعلم من فى السموات والأرض
الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون )) فمن الجهل أن لا يدرك حكمة
الله تعالى فيما يقضيه ويقدره من وقوع بعض الحوادث والنوازل التى ظاهرها
الشر والعذاب وباطنها فيها الخير والرحمة أو أن تكون كذلك من حيث الشدة
والعسر ثم يعقبها خير عميم ورزق كريم فالجهل يجعل الإنسان يصاب باليأس
من انكشاف الضر واندفاع السوء الذى نزل ، وذلك حينما لا يرى بنظره
القاصر وبصره العاجز إلا عذابا مستمرا وألما متواصلا يمليه عليه علمه
المحدود
ولو أدرك الإنسان عجزه وقصوره فى هذا الجانب وأن الأمر ليس إليه لما
أصابه اليأس 000 فكم ضاقت من أمور ، واستحكمت من حلقات ، حتى ظن أصحابها
ألا فرج ، فإذا بالفرج يأتى من موضع الشدة ، ويدخل على صاحبه من باب
العسر وتأمل معى قصة أم موسى حينما أمرها الله تعالى أن تلقى بموسى
فى البحر وهو الطفل الرضيع لينجو حينما تلقيه فى ذلك البحر من القتل
0 !! فسبحان من هذا كلامه (( فإذا خفت عليه )) ماذا إذا خافت عليه
0 ماذا تفعل ؟ خذيه واهربى بعيدا 00 خبئيه عن أعين الناس ؟ الجواب
لا 0 ماذا تفعل إذا (( فألقيه فى اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه
إليكِ وجاعلوه من المرسلين )) القصص 7 ـ الله أكبر فإذا بنجاته من
البحر والقتل تكون على يد من خافت عليه (( فالتقطه آل فرعون ليكون
لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين )) القصص 8
وأكثر من ذلك وأغرب فى حسابات البشر حينما يتربى موسى ويترعرع فى مهده
وصباه فى بيت فرعون وقد سجل القرآن الكريم ذلك على لسان فرعون وهو
يمن على سيـدنا موسى عليه السلام ويعـاتبه (( ألم نربك فينا وليدا
ولبثت فينا من عمرك سنين )) الشعراء 18 وهاهنا مثل آخر نلمسه فى قصة
نبي من أنبياء الله تعالى وهو يوسف عليه السلام وذلك حينما أجمع إخوته
على إنزال الضر به وإلحاق الأذى والضرر بحياته فدلوه فى البئر فى وسط
صحراء جرداء لا زرع بها ولا ماء فخرج منه ليتوج عزيزا على مصر ، ويأتيه
إخوته الذين عادوه وآذوه يسألونه حاجتهم يقولون له (( فلما دخلوا عليه
قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا
الكيل وتصدق علينا إن الله يحب المتصدقين )) يوسف 88 ويقولون له ((
000 تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين )) يوسف 91 ـ فأين
هذا من علم البشر المحدود أو تقديرهم القاصر
وتأمل معى هذا الحديث فى حياة خير نبي صلى الله عليه وسلم ألم يكن
فتح مكة قد سبقه ما سبقه من علامات هى فى حسابات البشر هزيمة وخسارة
، جعل بعض الصحابة يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى صلح الحديبية
كيف ترضى الدنية فى ديننا ؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يبشرهم ببشارة
الله تعالى له بفتح مكة 000 وبدخول مكة فاتحين منتصرين (( والله يعلم
وأنتم لا تعلمون )) سورة البقرة 216 ـ (( لقد صدق الله رسوله الرؤيا
بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين
لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا )) الفتح
27 وفى ذلك كله حكم عظيمة وبلاء وفتنة يمحص الله فيها المؤمنين ويمحق
الكافرين
وفى حادثة الإفك درس آخر تلك الحادثة التى سُجلت وقائعها بألوان شتى
من الألم وبهموم وأحزان ملأت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
شهرا كاملا ما يظن أحد أن فيها أدنى خير ، فإذا بالمولى سبحانه وتعالى
ينزل قرآنا يتلى إلى يوم الدين ، هو فى سابق علمه وتقديره ما ليس فى
علم البشر ولا حساباتهم يقرر فيه أن ما حدث هو خير لهم ، لا كما ظنوه
وقدروه فقال عز من قائل سبحانه (( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم
لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم
والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم )) النور 11 ، فمن ذلك الخير
? أن كشف الله عن الكائدين للإسلام فى شخص رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأهل بيته
? وأنزل حكمه فى تحريم القذف وأخذ القاذفين بالحد
? وبين مدى الأخطار التى تحيق بالإسلام والمسلمين حينما تطلق فيها
الألسنة فتصدق من قبل المسلمين بل حينما يكون بعضهم أٌذنا لها
? وكشف أيضا المنهج القويم فى مواجهة مثل هذا الأمر العظيم
? ويكفى آل أبى بكر الصديق رضى الله عنه فخرا فى الدنيا ورفعة فى الآخرة
وإظهار شرف لهم باعتناء الله عز وجل بأم المؤمنين عائشة الصديقة بنت
الصديق رضى الله تعالى عنها وعن أبيها وأصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم حيث أنزل الله تعالى براءتها فى القرآن العظيم وفى أبى بكر قوله
تعالى (( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين
والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله
لكم والله غفور رحيم )) النور 22
وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد خاض فى هذه الحادثة معركة
ضخمة لعلها أضخم المعارك التى خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وخرج منها منتصرا كاظما أحزانه وآلامه الكبار محتفظا بوقار نفسه وعظمة
قلبه وجميل صبره فلم تُؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف
احتماله صلى الله عليه وسلم والآلام التى مرت به فى حياته والخطر على
الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التى تعرض لها فى تاريخه 00
وهو كشف لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظيم الإيمان
والأخلاق فهذا كله من الخير الذى أخبر الله تعالى عنه بقوله (( بل
هو خير لكم ))
وفى واقعنا من هذه الأحداث التى تمر بنا فنسمع عنها أو نراها أمثلة
تدل على هذا الأمر والتى تعبر عن قصور علمنا وضعف تقديرنا واستعجالنا
لبعض الأمور 0
فكم يحدث لأناس من حزن وألم على فوات موعد طائرة ، أو تأخر عن إقلاع
، أو فوات سنة دراسية أو سنوات ، أو خروج مصلحة ما من أيديهم ، أو
حصول ضرر قد يمتد أعوام ، أو حصول حوادث تتعطل منافع دينية ودنيوية
، فيصيبهم من جراء ذلك أو بعضه يأس وقنوط فإذا بالخير كل الخير فى
الذى قدره الله تعالى وقضاة ، والسعيد هو من صبر واحتسب وحوقل ( قوله
لا حول ولا قوة إلا بالله ) قدر الله وما شاء فعل وشكر الله على كل
حال واستعاذ بالله من حال أهل النار واستعاذ للحال الذى هو فيه وآل
إليه 000 بذلك يكون قد نال الفوز والسعادة فى الدنيا والآخرة وقد تعجب
النبي صلى الله عليه وسلم من أمر المؤمن قائلا ( عجبا لأمر المؤمن
فإن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء
صبر فكان خيرا له ولا يكون ذلك لأحد إلا للمؤمن )
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا والله تعالى أعلى وأعلم
وفقنى الله وإياكم لما يحب ويرضى
أنس فرج محمد فرج
أعلى
معنى الصبر في فكر المؤمن 00
يتعرض الإنسان للصحة تارة وللمرض تارة أخرى ..
ويصاحب الصحة معاناة الحياة اليومية والانفعال النفسي والغضب والتوتر
العصبي ، وما يسبب كل ذلك من آلام
نفسية أما المرض النفسي فيصاحبه ألم عضوي ، وهكذا فالألم النفسي أو
العضوي رفيق الإنسان طول حياته منذ ولادته حتى موته وليست شدة الألم
مقياسا لخطورة
المرض، فقد يكون الألم شديدا والمرض ليس خطيرا مثل ألم سن من الأسنان
أو جرح في أصبع أو شوكة وقد يكون الألم بسيطا من مرض خطير مثل بعض
الأمراض الخبيثة ومرض السل في الرئة مثلا .. إنها أمراض خطيرة ولكنها
لا تشكل ألما يذكر .
ومهما يكن من أمر فالإحساس بالألم أهم أعراض الأمراض والإصابات والجروح
والألم هو الذي يدفع المريض إلى السعي إلى طلب العلاج ولو لم يشعر
الإنسان بالألم ماأسرع في السعي إلى طلب العلاج في كثير من الحالات
، فالألم خط دفاع وإنذار في الجسم..فيسعى الإنسان إلى إزالة أسبابه
فالألم إذن نعمة من الله تعالى على عباده ، وكل نعمة توجب الشكر للمنعم
تبارك وتعالى لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المؤمن (إذا
أصابته سراء شكر فكان خيرا له .. وإن أصابته
ضراء صبر فكان خيرا له).
وندرك نعمة الإحساس بالألم إذا تصورنا أن إنساناً فقد الإحساس بالألم
وحدث له التهاب على الزائدة مثلا فلا يشعر ولا يدري بما حدث في جسمه
.. ويزداد الالتهاب وتنفجر الزائدة .
ويحدث له التهاب بريتونى حاد وهو لا يشعر .. ثم تسمم دموي ولا يدرى
إلا أنه مشرف على الموت وقد فات أوان العلاج .
إذن فالإحساس بالألم ضرورة لبقاء جسم الإنسان حيا وصحيحاً .. ولابد
للإنسان من الصبر على الألم..ولن يدرك جيدا أن الألم نعمة من الله
تعالى وأنه ينبغي عليه
أن يبادر بالشكر لله عز وجل والصبر على الألم يعود على الإنسان بالفائدة
والخير في الدنيا والآخرة .. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
(الصبر نصف الإيان واليقين الإيمان كله).
وأخرج الامام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال في حديث له : ( واعلم أن الصبر على ما تكره خير كثير
)0
نعمة الإحساس بالألم والإحساس بالألم ليس نقمة وعذابا من الله تعالى
لعباده ، وإنما هو نعمة على
الإنسان لأنه خط دفاع هام لجسم الإنسان يحفظ الجسم من أخطار الأمراض
والإصابات ومضاعفاتها وندرك نعمة الإحساس بالألم إذا حدث لأحدنا التهاب
بالزائدة كما
تحدثنا من قبل..إذا فقد الإنسان الإحساس بالألم لا يشعر بما حدث له
. وتحدث
المضاعفات تباعا..وهو لا يشعر..حتى ينتهي الأمر به إلى الهلاك ..إذا
تصورنا إنسانا فقد الإحساس بالألم في قدمه مثلاً .. ماذا يحدث لهذا
القدم ؟ انه سيعرض للإصابات والجروح أو الحروق دون أن يشعر صاحبه..وقد
يتلوى المفصل أو ينكسر دون أن يدرى..فالإحساس بالألم وان كان يزعج
الإنسان نعمة من الله تعالى على الإنسان .. وكل نعمة يجب أن يشكر الإنسان
الله تعالى عليها ثم يسعى بعد ذلك للأخذ بأسباب العلاج المتاح له بعد
ذلك .
ولقد كان الأنبياء عليهم السلام، وهم يعلمون من الله تعالى ما لا يعلمه
غيرهم من الناس، ما يكاد نبي منهم يشعر بألم حتى يلج لسانه بالحمد
لله تعالى وينبض قلبه بالشكر له ، فسيدنا أيوب عليه السلام الذي قال
الله تعالى عنه :
(وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين )كان يناجي ربه
ويقول :أحمدك رب الأرباب أخذت منى الصحة والمال والولد،وفرغت قلبي
من كل ذلك فلم يعد يحول بيني وبينك شئ .. لو علم عدوى إبليس بما حباني
به ربه لحسدني والصبر على الألم مفيد للصحة النفسية فهو يقي النفس
البشرية من الانفعال النفسي والتوتر العصبي المصاحبين للألم.. وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحب خلق الله إلى الله كان أكثر
الناس إحساسا بالألم .. ولكنه كان في الوقت نفسه أشد الناس تحملا للألم
وأكثر الناس صبرا عليه .
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال :دخلت على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وكان يوعك ( أي يتألم ) فقلت يا رسول
الله انك توعك وعكا شديدا فقال صلى الله عليه وسلم: أجل اننى أوعك
كما يوعك رجلان منكم فقلت : ذلك أن لك أجرين فقال : أجل ذلك كذلك ..
ما من مسلم
يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة
ورقها .والصبر على الألم علاج نفسي للإنسان فهو خير له في الدنيا ،
والصبر على الألم
يكفر السيئات فهو خير للإنسان في الآخرة أيضا .
أثر الصبر على الشفاء وفى عصر العلم الحالي أثبت علماء النفس أن الصبر
على الألم بنفس راضية وقلب
مطمئن يفيد الإنسان ، فإذا جرج رجلان بنفس الدرجة.. وكان أحدهما يشكو
ويسخط ويتميز غيظا من الألم.. وكان الآخر صابرا راضيا مطمئنا ويستقبل
الألم بالحمد
والشكر لله تعالى..ترى ماذا يحدث في الرجلين؟ نجد أن الإحساس بالألم
في الرجلين اختلف فإذا كان المريض الصابر الشاكر يشعر بالألم درجة
واحدة فان المريض الثائر الساخط يشعر بنفس الألم عشر درجات.. لأن الطمأنينة
تزيد من قدرة الجسم على تحمل الألم.. وتزيد من إفراز المواد المزيلة
للألم في مراكز خاصة بالجهاز العصبي المركزي، أما التذمر والغيظ فيقلل
من إفراز تلك المواد.. وبالتالي يزداد الجسم حساسية للألم ، وتقل قدرة
الجسم على تحمل الألم، أن الصبر على الألم يريح الإنسان كثيرا وهو
خير له ، والله عز وجل .. يريحه في الدنيا لأنه يقلل الألم .. ويريحه
في الآخرة لأنه يكفر به عنه السيئات 0
ومع كل ذلك أفلا نصبر على ما تهبه لنا الحياة من أمور وشجون ربما لا
تسرنا في الحال ، وننزعج من أبسط الأمور ، والأنبياء قد ضربوا أروع
الأمثلة في الصبر عند الشدائد ، وتقبل شئون الحياة بوجه طلق وقلب راض
0
سيف بن عبدالله الناعبي
أعلى
النيرات المنيرات
(ب) نسيبة بنت كعب رضي الله عنها
*لقاء الوافدين*
رجع وفد الحجاج إلى المدينة بعد مقابلتهم لرسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وكانت نسيبة رضي الله عنها أول من قابل هذا الوفد, فراحوا يقصون
عليها مقابلتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، والحديث الذى دار بينهم
، واستماعهم لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وما تلا عليهم من
آيات الذكر الكريم ، وهى فرحة مسرورة متتبعة لكل كلمة قالوها وعيناها
تتساقط منها الدموع , وتكاد تطير بما وصل اليها من معلومات تؤكد ما
وقر في قلبها ، ثم نطقت بالشهادتين فقالت : ( أشهد أن لاإله إلا الله
، ,أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم )0 وجرت رضي الله عنها على
بنات جنسها تقص عليهن ما سمعت وعرفت وآمنت به وتدعوهن إلى الإيمان
برسالة هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن فيها سعادة الدنيا والآخرة
، لقد دارت نسيبة رضي الله عنها على دور أهل المدينة تنشر وتذيع ما
عرفت من القوم حتى انه لم يبق بيت من بيوت المدينة إلا فيه ذكر لرسول
الله صلى الله عليه وسلم ودعوته التى يدعو إليها 0
**العقبة الأولى **
كانت نسيبة رضي الله عنها على استعداد تام للذهاب إلى مكة في موسم
الحج الذى أعقب موسم اللقاء الأول فراحت تسأل عن الذين سيذهبون في
هذا العام ، فاتصلت بهم ، وكانوا اثنى عشر نقيبا من الأوس والخزرج
0 لقد رجتهم نسيبة رضي الله عنها أن يأخذوها معهم ، ولكنهم اعتذروا
عن أخذها وحدها إلا إذا كان معها أخرى ، فراحت تبحث عمن تذهب معها
، ولكنها لم توفق ، فبقيت والحزن قد استولى عليها ، لكنها كانت تأمل
أن يعودوا ويأتوها بأخبار تقوى من عزيمتها ، وتزيد من معلوماتها ،
وتملأ فراغ قلبها 0 عاد الوفد وكان عدده اثنى عشر رجلا بايعوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم على ألا يشركوا ، ولا يزنوا ، لا يقتلوا أولادهم
، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصونه في معروف
0 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن
غشيتهم شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له ، وان سترتم عليه
إلى يوم القيامة ، فأمركم إلى الله تعالى ، إن شاء عذب ، وإن شاء غفر
) رجع أصحاب العقبة الأولى إلى المدينة ، وكان عددهم اثنى عشر : اثنان
من الأوس وعشرة من الخزرج، نشروا الاسلام في مكة في بيوتهم , واصبح
حديث الناس عما يجرى في مكة من تعصبهم ضد الدعوة الجديدة ، وإيذائهم
للنبى صلى الله عليه وسلم وصبر عليهم ، وقوة احتماله على ما يلاقيه
من إهانة هو وأصحابه الذين آمنوا به 0استمعت نسيبة رضي الله عنها إلى
ما يقصونه عليها من قصص عجيب مما يدور بين سادات مكة المتعبين والنبي
الذى يجاهد بالكلمة الطيبة والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى 0 كان حينما
يقرأ عليهم القرآن تأخذهم نشوة عجيبة مما يسمعون من أفكار لم يسمعوها
من قبل بأسلوب مرتب منظم ، ولكن ما تكاد تمر لحظات قليلة إلا ويرجعون
إلى تعنتهم وبغضهم وحقدهم وإن كانوا يصدقونه في قرارة نفوسهم 0 لقد
حكوا كثيرا عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الصابرين المكافحين
الذين يزداد إيمانهم يوما بعد يوم يدفعون أعداء الدعوة بالحجة والمنطق
والكلمة الطيبة ، لكنهم لايستطيعون استعمال ، القوة ، لضعفهم 0 كانت
نسيبة رضي الله عنها تنصت إنصاتا شديدا لكل كلمة تسمعها ، والدموع
تتساقط من عينيها ، وتتمنى أن تنتقل إلى مكة لتشارك المسلمين في تحملهم
للعذاب ، بما يستمعون إليه من النبي صلى الله عليه وسلم 0 كانت ترى
أن نصر الله سبحانه وتعالى قريب ، وأن الدعوة سوف تنشر في انحاء البلاد
0 كانت تحرص على حفظ آيات القرآن وترديدها ، ومعرفة ما تدعو إليه ،
وتنتظر الساعة التى فيها النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه 0
إعداد / أم الزبرجد الشيبانية
أعلى
|