الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 





المفكر الإسلامي د.أحمد كمال أبو المجد:
ـ الإسلام احترم الوقت فازدهرت الأمة وفقدناه فهوت الآمال
ـ الصراعات مزقت وحدة الأمة.. وبثت الانهزامية
ـ مطلوب تصحيح صورة الإسلام في أميركا وأوروبا

الاسكندرية ـ من أحمد عبدالوهاب:في وصفة طبية دقيقة جدا تناولت أوضاع وأوجاع الأمة وسبل علاجها أكد العلامة والمفكر الإسلامي الكبير وعضو مجمع البحوث الإسلامية ووزير الإعلام الأسبق د.أحمد كمال أبو المجد في لقاء الأجيال بمعسكر أبي بكر الصديق بأبي قير بالإسكندرية الذي ينظمه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وبحضور قيادات الأوقاف بالإسكندرية ود.حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري ومايقارب من ستمائة شاب من جامعات مصر والدول الإسلامية الدارسين بالأزهر الشريف أن المأزق الذي تعاني منه الأمة الإسلامية الآن، ترجع أسبابه إلى عدة عوامل منها الاستهانة بقيمة العلم والعمل وتعطيل العقل عن البحث والاكتشاف والابتكار والاعتماد على التفسير الحرفي للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، مما أوقع الأمة في غياهب الجهل بالمقاصد الكلية للآيات والأحاديث وإعتمادهم على التشدد وعدم التفسير وبث روح اليأس والانهزامية وربما في بعض الأحيان المعاداة لكل تقدم، مخالفة بذلك ما نصت عليه الآيات والأحاديث مما جعلها غير قادرة على الخروج من أزمتها الحالية التي أوقعت نفسها فيها، وغاب دورها الذي أناطها الله به، فأصبح الوقت لدينا لا قيمة له لدى الشباب.
واتسم اللقاء بروح أبويه العالم العارف بقضايا الأمة الذي وضع يده على مكامن الضعف وأسباب القوة، وطالب خلال لقائه أن تتوحد الأمة وتندد أسباب الفرقة والاختلاف حتى تستعيد عافيتها.
في البداية أكد د. أبو المجد على ضرورة احترام قيمة الوقت باعتباره عاملا أساسيا من عوامل نهضة الأمم والشعوب واحد أبرز القيم الحضارية التي ساهمت بشكل كبير في تحقيق التنمية الشاملة في مختلف حضارات الأمم السابقة موضحا أن الأمة الإسلامية في أشد الحاجة الآن إلى غرس قيمة الوقت في نفوس أبنائها حتى تسترد من جديد ريادتها التي سلبت منها بفعل التخاذل واللامبالاه وعدم الإحساس بقيمة الوقت كقيمة فعالة داخل منظومة القيم الإنسانية والحضارية.
قيمة الوقت
وتابع: ان وقت الإنسان له قسمان هما الخاص والعام، وأن الوقت جزء كبير منه ملك للأمة وليس الفرد وطالب بأن تستثمر الأمة والمسلمون الوقت الذي يعود بالنفع والتقدم في كل المجالات وأن ذلك ليس من سياق الحديث وإنما هو من الفضائل التي دعا إليها الإسلام، وشدد على احترامها ووضع ضوابط تقسيمها وكذلك كيفية استغلاله فيما يفيد الفرد وأمته ومن هنا حدد الله تعالي للصلاة التي هي عمود الإسلام أوقاتاً معينة فقال جل شأنه (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتاً).. كذلك قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي فيه مناد من قبل الرحمن يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فاني لا أعود إلى يوم القيامة).. وبهذه النصوص القرآنية والنبوية صان الإسلام قيمة الوقت وحث على حسن استغلاله سواء في سبيل العمل للدنيا أو للدين، وعلى هذا قامت الحضارة الإسلامية وانتشرت في ربوع الدنيا ومن ثم فإن أول خطوة لعلاج ما لحق بأمتنا من أمراض وعلل هو أن نعيد للوقت قيمته التي حث عليها الإسلام من أجل خير الدنيا والآخرة كذلك ينبغي علينا لكي نستعيد ريادتنا من جديد ألا ننظر إلى أنفسنا كما لو كنا نعيش في جزيرة منعزلة فلا يجب أن نكون أمة ترى ولا ترى لأن من لا يرى غيره سيتعذر عليه أن يعرف مكانه وقدرته بين الأمم والشعوب الأخرى ولهذا علينا أن نتفاعل مع تقنيات الانتقال والاتصال والتقدم المعرفي حتى نستطيع أن نرتب خطواتنا نحو المستقبل.
أمثلة حية
وقد أدركت الكثير من الدول المتقدمة هذا كله وسعت إلى الاندماج والتفاعل مع تقنيات العصر مع احترامها لقيمة الوقت وحرصها على ألا تضيع ثانية واحدة إلا وتستفيد منها فعلى سبيل المثال لمست ذلك خلال رحلتي الأخيرة إلى (سنغافورة) والتي لا يتعدى سكانها أربعة ملايين نسمة وليس لديها موارد طبيعية فقرر أهلها أن يرفعوا قدرة وكفاءة الفرد إلى معدلات كبيرة جداً لدرجة أن رئيس الوزراء قال: إن من تتدنى كفاءته إلى 85% لا مكان له وننصحه بالهجرة وهذا هو سر النمو الهائل الذي حققته هذه الدولة الصغيرة في السنوات الماضية وذلك كله تم لأنهم أدركوا قيمة الوقت وعزموا على ألا تمر ثانية إلا وينتجوا فيها.
واقع الأمة
وتطرق إلى الواقع المرير الذي تعيشه الأمة في ظل المتغيرات والتحديات والذي أرجع معظمه إلى المسلمين أنفسهم، معللاً ذلك بخروجهم عن الإطار الإلهي الذي حدده الله، حتى أصبحت صورة الأمة مختلفة عما أراده الله للمسلمين كما وعدهم بقوله (وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) كما خرج واقع الأمة عن وصف الله تعالي لها بقوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس).. فأين هذا كله من واقع الأمة البائس والتي تكاسلت فيه عن أداء دورها ولم يعد لها مكان قيادة أو ريادة ولم تقدم للإنسانية شيئا على مدى الأربعمائة سنة الأخيرة بل إن الأمر بلغ حد انشقاق بعضها على بعض والعجب أن هذا يحدث في الوقت الذي ينشغل فيه الآخرون بتحصيل المعارف والعلوم والبحث في جنبات الكون لمعرفة ضوابطه وسننه واكتشاف موارده وثرواته وطاقاته في حين ينشغل المسلمون اليوم بالحديث عن ماض لم يكن لهم فضل فيه وانصرفوا عن الحاضر وعما يحاك ويدبر لهم ومن هنا تقدم الآخرون وتخلفنا نحن وقويت شوكتهم وضاع بأسنا وتجمعوا رغم اختلاف ثقافاتهم وافترقنا رغم وحدة ثقافتنا وعقيدتنا ولغتنا بل إننا انشغلنا في صراعات داخلية استهلكت طاقاتنا وشتت جهدنا وهذا بلا شك سبب أزمة كبيرة ومازلنا حائرين في كيفية الخروج منها.
اليأس من الواقع
وذكر د.أبو المجد أن الأمر لم يتوقف عند تلك الأزمة، وإنما وصل إلى مرحلة الضيق واليأس عند قادة العمل الإسلامي وعتامة في الرؤية إلى المستقبل مما أوصلهم إلى درجة كبيرة من الشك في كل شيء على السواء وتساوى عندهم العدو والصديق والقريب والبعيد، وتحولت طاقتهم من طاقة للبناء إلى طاقة للهدم ومن انفجار في وجه التحديات إلى انفجار في النفس مضيفا أنه يضاف إلى ذلك أن بعض التصرفات العدوانية من قبل بعض المسلمين جعلت العالم ينظر إلى الإسلام والمسلمين على أنهم يمثلون الخطر الحقيقي ضد الإنسانية.
ومن هنا كانت محاولات الغرب الدائمة لحصار المسلمين واقتحام أراضيهم وتهديد سيادتهم وكسر ما بقى من شوكتهم ومن هذا نستشعر الخطر المحدق الذي يحيط بأمتنا الإسلامية والذي بدأ بمحاولة فرض منظومة قيم علينا ومطالبتنا بتعديل مفردات ثقافتنا العربية والإسلامية وقد ينتهي باحتلال بلاد كثيرة من بلاد المسلمين، وأوضح أن أزمة المسلمين ليست وليدة يوم وليلة وإنما هي تراكمات لسنوات طويلة ومراحل عديدة تجمعت اليوم في صورتها النهائية، وهذا ناتج عن عدم معالجتها في البداية فأخذت تتصاعد وتنتقل من مرحلة إلى أخرى كما أن تشخيص الأزمة سهل ولكن الخروج منها ليس كذلك ومن ثم ينبغي أن يكون ذلك الخروج من الأزمة هي قضية اليوم والغد مشيراً إلى أن هذا الخطر الذي يحيط بأمتنا قد صاحبته ثلاثة أوضاع الأول الخصومة المحتدمة بين الشعوب العربية وحكوماتها وهذه الخصومة لا يكاد ينجو منها أي قطر عربي وقد أدت إلى فقدان الثقة بين الطرفين الأمر الذي تحول في بعض المناطق العربية إلى تشابك وعنف متبادل بين الجانبين.. الصراع بين قوى المجتمع الداخل حيث صارت تلك القوى تستدعي بعضها بعضاً ويستبعد بعضها بعضاً مما يستنزف طاقتهم في أمور داخلية وينصرفون عما يحيط بهم خارجياً... والإحساس بالعجز عن مواجهة التحديات وعن الاهتداء إلى أول طريق للخروج من دائرة الخطر وأخطر مظاهر هذه الأزمة وأكثرها تعويقاً للخروج منها هو اختلاط رؤية الإسلام عند كثير من المسلمين ولذلك فإن المشكلة ليست في الخطاب الديني وحده وإلا لكان العلاج يقتصر على تدريب الدعاة فحسب ولكن الأزمة امتدت لتشمل كثيراً من عناصر الفكر الإسلامي وصورة التدين الذي ينتشر ويزداد انتشاراً يوماً بعد يوم.
أسباب الأزمة
وحدد د.أبو المجد مداخل وملامح الأزمة التي تعاني منها الأمة الإسلامية في خمسة مداخل: المدخل الأول: يتمثل في التفسير الحرفي للإطار المرجعي للمسلمين والذي يتمثل في كتاب الله وسنة رسوله حيث إن التفسير الحرفي لهذا الإطار تغيب معه أهداف ومقاصد النصوص القرآنية والنبوية كما أرادها الله ورسوله ومن غاب عن رؤيته هذه المقاصد فيكون فهمه للإسلام فهما عشوائياً حينئذ مجرد مجموعة نصوص متطايرة لا ندري أيها أولى بالتقديم وأيها أولى بالتأخير.
ويتمثل المدخل الثاني: في التشدد الذي يلجأ إليه كثير من الدعاة في خطبهم ودورسهم الدعوية وهذا بالتأكيد خطأ جسيم يقع فيه الكثير من دعاة اليوم فالإسلام لا يعرف التشدد ويرفض المغالاة بل إنه جعل في مقابل ذلك التيسير سنة من سننه وفضيلة من فضائله وذلك استناد لقول الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وكذلك قول رسول الله صلي الله عليه وسلم: (بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) وقوله ايضاً: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) وهذا كله بالتأكيد دعوة صريحة للتيسير الذي حثنا عليه الله تعالى والذي يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه.
والمدخل الثالث للأزمة ـ كما يراه د.أبو المجد ـ فيتمثل في التهوين من قيمة العقل ومن دوره في حياة المسلمين والتصور التعيس للتناقض الموهوم بين العقل والنقل أي بين العقل وبين النصوص التي جاءت وحيا من الله تعالى ولا شك أنه يوجد في الفلسفة الإسلامية جهود كبيرة في فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال وفي توافق المعقول مع المنقول فالنقل رحمة من الله والعقل نعمة من الله أنعم بها على الإنسان وهي أساس المسئولية الإنسانية لقوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها).. ومن ذلك فإن آدم فضله الله على الملائكة بأن أعطاه الإرادة والعقل والقدرة على معرفة كل الأشياء وليس الأسماء فحسب فالعقل هو الملكة التي يدرك بها الإنسان حقائق الأمور فالإسلام إذن أكد على قيمة العقل وفرق بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون ومن ثم فإنه من غير معقول أو متصور أن الأمة التي خوطبت باقرأ قابعة في ظلمات الأمية وتتصور أن كل كشف جديد وكل سيطرة على نواميس الكون انتقاص من قيمة العقل.
العقل والنقل
ولا شك أن المسلمين وقعوا في خطأ جسيم عندما عزلوا العقل عن النقل وتصوروا أن استخدام العقل يؤثر سلبا على الشريعة وهذا ساهم بكثير في تشكيل الأزمة الطاحنة التي مازلنا نعاني منها وهو بدوره أيضاً أمر غير مقبول منطقيا لأن الشريعة تعرف بالعقل وقد قال معاوية ذات مرة مثل الذين يقرأون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا فانتابتهم روعة وهم لا يدرون ما في الكتاب ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فعلموا ما في الكتاب.
أما المدخل الرابع فيشير د.أبو المجد إلى أنه يتمثل في التصور الفاسد للعلاقة بين المسلم والآخر فالعلاقة بين الفكر والواقع علاقة جدلية فالفكر يغير الواقع والواقع يؤثر في الفكر فنري أن الهزيمة تخرج فقها والنصر يخرج فقها آخر والفرق بينهما أن فقه الهزيمة ضيق الرؤية وضيق الصدر وقليل الصبر بالناس ومشدد عليهم يرى الدنيا كلها أعداءً ويرى العالم كله متآمراً عليه ولما كان الإسلام عظيماً في قيمه ورسالته ودعوته فقد أفرز حضارة عظيمة شملت كافة جوانب الحياة فالحضارة ليست التشريع فحسب ولكن الحضارة تشريع وبناء ومعايش وعمارة وعلوم وفنون وآداب وقد قدمت الحضارة الإسلامية نماذج من هذه الأمور.
ويتمثل المدخل الخامس كما حدده د.أبو المجد في غياب قيمة العلم والمنهج العلمي الذي يقوم على الثقة بالعقل وقدرته على اكتشاف نواميس الكون وعلى أن هذا الكون محكوم بنواميس محددة وهذا ماجاء به الإسلام نفسه فهو ليس منهجا غيبيا إنما هو منهج علمي صارم محدد بإطارات علمية وعقلية بعيدة عن الخرافات والخزعبلات وهذا يتضح من موقف رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما كسفت الشمس يوم موت ابنه إبراهيم وقال بعض الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم فرفض الرسول صلي الله عليه وسلم ذلك وأخبرهم بأن الشمس والقمر آيتان لا تكسفان لموت أحد ولا لحياته وهذا يدل على احترام الإسلام لقيمة العقل في اكتشاف الحقائق العلمية ورفض كل التفسيرات الخاطئة والتي تقوم على أسس غير علمية وغير عقلية.
وصفة علاجية
وطرح د.أبو المجد سبل الخروج من هذه الأزمة بقوله هناك مجموعة من السبل والطرق من خلالها نستطيع الخروج من هذه الأزمة التي أدخلنا أنفسنا فيها ولكن هذا يتوقف على عزيمة المسلمين وإصرارهم على الخروج من هذه الأزمة واسترداد مكانتهم المسلوبة مشيراً إلى أن هذه السبل تتمثل في ستة عناصر أساسية وهي الأول يتمثل في نشر فقه المقاصد الحقيقية لكتاب الله وسنة رسوله ورفض التأويل السلبي والمنحرف لبعض الآيات القرآنية والنصوص النبوية فالمسلمون مطالبون بأن يعودوا إلى المقاصد الحقيقية للإسلام وفهم مبادئه وقيمه على الوجه الصحيح وهذا ما عبر عنه الإمام الشاطبي بقوله: اعلم أن تكاليف الشريعة ترجع كلها إلى تحقيق مقاصدها في الخلق. وقال الإمام الجوزي أيضا: اعلم أن الشريعة عقل كلها وقسط كلها ورحمة كلها وأن كل مسألة خرجت عن العدل إلى الظلم ومن القسط إلى الجور ومن الرحمة إلى ضدها فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ومن لا معرفة له بمقاصد الشريعة يعزل عن الفتوى لأنه يضر كالدواء الذي يعطي لغير مرض.
والسبيل الثاني يتمثل في العودة إلى التيسير ورفض التشدد والمغالاة فالتيسير منهج عام للإسلام قامت الحجة به وقام عليه الدليل ينبغي أن يعلم المفتون والدعاة والوعاظ والخطباء أن المسلمين يعيشون أياما صعبة وأن الأخذ بأحكام الإسلام ينبغي أن يكون فيه رفق فالمسلم يستطيع أن يكون تقيا عابدا بأشياء بسيطة لا تشق عليه ولا تكلفه ما لا يطيق كما أن التشدد فيه ضياع مصالح كثيرة.
ويتمثل السبيل الثالث في الأخذ بالمنهج العلمي ومعرفة أن العلم لا يقتصر على العلم الديني فحسب بل إنه يشمل كل علوم وفنون الحياة أيضاً. والسبيل الرابع يتمثل في إعادة الثقة في علاقة المسلم بغيره تلك العلاقة التي يشوبها الآن الشك والعداء والاختلاف ولهذا فإننا بحاجة إلى أن نعيد بناء هذه العلاقة على أسس راسخة وثابتة من الاحترام المتبادل والتعاون المشترك وقبول الرأي والرأي الآخر.. والسبيل الخامس يتمثل في ترسيخ قيمة العمل في نفوس النشء والشباب من خلال دعوة الإسلام إلى اتقان العمل والإخلاص فيه وأمتنا الإسلامية الآن أحوج ما تكون إلى فقه العمل كما جاء به الإسلام وخاصة في ظل ضعف متوسط العمل للعامل المسلم الآن والذي اعتاد على التكاسل واللامبالاة فقد آن الأوان أن ندرك أننا مطالبون بعمل كبير في كمه وجيد في نوعه في شتى مجالات العمل الديني والدنيوي وأن نضع أمامنا دائماً قول رسول الله صلي الله عليه وسلم (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).. فقد صار إتقان العمل فريضة غائبة في أيامنا هذه وأوشك أن يكون تدني أداء العمل في العالم الإسلامي علامة من علامات الأمة لولا بعض الاستثناءات البارزة في آسيا أكثر منها في العالم العربي.
أما السبيل السادس فيتمثل في ضرورة أن يشعر المسلمون أنهم ليسوا في حالة حرب مع الدنيا وأن يدركوا أن الحرب في الإسلام إنما هي استثناء وليست قاعدة، توجه الإسلام هو توجه سلام وليس توجه حرب وهذا ورد في كثير من الآيات القرآنية منها قوله تعالي: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).. وقوله أيضاً: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) وقوله أيضاً: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) وهذه الآية الأخيرة تشرع الحرب فقط في حالة الدفاع عن النفس والعرض والوطن.
التعايش السلمي
وأشار د.أبو المجد إلى أنه ينبغي على الدعاة أن يبرزوا رؤية الإسلام للسلام والتعايش السلمي المشترك بين المسلمين واتباع الحضارات الأخرى حتى نزيل بذلك تلك الصورة المشوهة عن الإسلام لدى الآخر ونصحح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام التي تصوره في صورة بعيدة كل البعد عن جوهر رسالته الحقيقية حيث تصوره في صورة الرافض والمعادي للحضارة والعلوم والفنون ومن هنا كانت حاجتنا إلى عرض الإسلام على الآخر بشكل إيجابي تتجلى فيه دعوته للتعاون والرحمة والسلام بين أفراد البشرية وكذلك دعوته إلى العلم والحضارة وهذا كله بلا شك يحتاج إلى همة وإصرار وعزيمة وينبغي أن تبدأ هذه العزيمة وتلك الهمة من اليوم وليس الغد فالخطر يدق أبوابنا والخروج منه ليس صعباً ولكن ينبغي في البداية أن نجمع شملنا وأن نتحد ونتفق على المضي نحو الخروج من هذه الأزمة الطاحنة وهذا بالتأكيد يتطلب منا الكثير من إعمال العقل واتقان العمل والإصرار على الإبداع والاكتشاف.
وعن دور الشباب في إخراج الأمة الإسلامية من أزمتها وخطورة الإحباط الذي يعانون منه والمسئول عن ذلك قال د.أبو المجد: القول الصحيح يقول لا يسأل الجهال لما جهلوا حتى يسأل العلماء لمَ لم يعلموا.. فالمسئولية في المقام الأول مسئولية الدولة ومسئولية الشباب تأتي من خلال شعوره بأهمية دوره وأنه ينتمي إلى مجتمع وعليه أن يزود ملكته، إنما الخروج من الإحباط هو مسئولية أجهزة الدولة بأن تشيع روح الثقة وأن تحترم الشاب في عمله وفي قيمته والانتماء ليس شعارا فالكلمة لا تغني عن الفعل فأجهزة الدولة تدل الشباب على الطريق الذي لم يعد سراً وعلى الشاب بعد ذلك أن يتجاوب معها واعلم أن الله لم يخلق داء إلا وخلق له الدواء فالقوة موجودة ولكنها مبعثرة غير موظفة ومهمة التنظيمات والجمعيات الأهلية والدعاة وزعماء الشباب ورؤساء الجامعات أن يضعوا في بالهم أن الأمة تحتاج إلى من يمد لها يده ليخرجها من بئر الإحباط فالإحباط هو أنك ترى أهدافاً ولا ترى طريقاً للوصول إليها فالانتماء يأتي من احترام الحكومات لرعاياها ولن يتأتى ذلك بالشعارات وإنما يتحقق من خلال المعاملات.

أعلى





الابتلاء ... سنة إلهية

جاء في لسان العرب : جماع معنى الفتنة : الابتلاء والامتحان والاختبار وأصلها مأخوذ من قولك : فتنت الفضة والذهب إذا أذبتها بالنار لتميز الرديء من الجيد أو إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.
معنى الابتلاء :
جاء في لسان العرب : بلوت الرجل وابتليته : اختبرته. وابتلاه الله : امتحنه والاسم : البلوى والبلاء. والبلاء : الاختبار يكون في الخير والشر.
وخلاصة المعنى الذي نريده في الفتنة والابتلاء في بحثنا هو الاختبار والامتحان للإنسان في الشدة والرخاء. وكذلك لفظ البلاء مع زيادة في المعنى الذي نريده بلفظ (البلاء) وهو الحادث الذي فيه شدة ومشقة وينزل بالمرء لغرض اختباره وامتحانه به.
وقد مضت سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر والخير أي يخبرهم بما يصيبهم مما يثقل عليهم كالمرض والفقر والمصائب المختلفة كما يختبرهم بما ينعم عليهم من النعمة المختلفة التي تجعل حياتهم في رفاهية ورخاء وسعة العيش كالصحة والغنى ونحو ذلك ، ليتبين بهذا الامتحان من يصبر في حال الشدة ومن يشكر في حال الرخاء والنعمة ، قال تعالى : (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) ، أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا والمصائب والشدائد كالسقم والفقر وغير ذلك مما يجب فيه الصبر. كما نختبركم بما يجب فيه الشكر من النعم كالصحة والغنى والرخاء ونحو ذلك فيقوم المنعم عليه بأداء ما افترضه الله عليه فيما أنعم به عليه.
إن من سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر كما يمتحنهم بالخير ، ومن امتحانه لهم بالشر إصابتهم بأنواع البلايا والمصائب والشدائد وما يشق على نفوسهم ، ومن هذا النوع من الاختبار ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز : (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).
أخبرنا الله تعالى أنه يبتلي عباده أي يختبرهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء كالمذكور في هذه الآيات وهو الخوف والجوع ونقص من الأموال ، أي ذهاب بعضها ، ونقص في الأنفس كموت الأصحاب والأقارب والأحباب ونقص في الثمرات فلا تثمر الحدائق والمزارع والأشجار كعادتها. فالذين يصبرون في هذه البلايا ويقولون : (إنا لله وإنا إليه راجعون) ، أي يقولون ذلك عن علم ومعرفة بأنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء وعلموا أنه لا يضيع عنده مثقال ذرة من خير ، ومن الخير صبرهم ، وعلموا أنهم راجعون إليه تعالى فيجازيهم على صبرهم يوم القيامة ، وهؤلاء الصابرون يبشرهم الله تعالى بما أخبرنا به وهو : (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) أي ثناء من الله ورحمه : (وأولئك هم المهتدون) أي مهتدون إلى الطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا الأمر لله تعالى.
امتحان الناس بزينة الدنيا :
قال تعالى : (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً. وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً). أي جعلنا ما يصلح أن يكون زينة للأرض ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها لنمتحن الناس بذلك ، وذهب الإمام القرطبي إلى أن (الزينة) تشمل كل وجه الأرض ، فلفظ الزينة في الآية عموم لأنه كل شيء على وجه الأرض دال على خالقه جل جلاله ، فكل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه.
ومعنى (لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) أي لنختبرهم في زينة الأرض ليتبين من هم أحسن عملاً. وحسن العمل الزهد في زينة الدنيا وعدم الاغترار بها ، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن به الشرع وأداء حقوقها والشكر على ما أوتي منها لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات والأغراض الفاسدة كما تفعله الكفرة وأصحاب الأهواء. ومراتب حسن العمل - أي الزهد في زينة الدنيا بالمعنى الذي نبينه - متفاوتة ، وكلما قوي الزهد كان العمل أحسن ، ولهذا قال الإمام سفيان الثوري في قوله تعالى : (لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) أي لنختبرهم أيهم أزهد في زينة الدنيا.
من سنة الله في الابتلاء امتحان المؤمنين بالشدائد :
قال تعالى : (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب). قال أكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في معركة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والبرد وسوء العيش وأنواع الشدائد. وقال بعض المفسرين : نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله ورسوله ، فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييباً ، واستدعاهم الله تعالى إلى الصبر ووعدهم على ذلك بالنصر.
(والبأساء) الشدة تصيب الإنسان في غير نفسه وبدنه كأخذ المال والإخراج من الديار وتهديد الأمن ومقاومة الدعوة. (والضراء) ما يصيب الإنسان في نفسه كالجراح والقتل. (وزلزلوا) أي أزعجوا إزعاجاً شديداً بأنواع البلاء ، وخوفوا من الأعداء.
ومعنى الآية : أم ظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تختبروا وتمتحنوا كما امتحن الذين من قبلكم من الأمم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا أي خوفوا من الأعداء تخويفاً شديداً وامتحنوا امتحاناً عظيماً حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه أخذوا يستفتحون على أعدائهم ويدعون الله بقرب الفرج والمخرج من الضيق الذي هم فيه. وكان الجواب لدعاء المؤمنين أن قال لهم الله : (إلا إن نصر الله قريب).
امتحان المؤمنين بأنواع الأذى :
قال تعالى : (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور). إن من سنة الله في عباده المؤمنين الداعين إليه المجاهدين في سبيله أن يبتلوا بأنواع البلاء ، يبتلوا في أموالهم بما يطلب منهم من الإنفاق منها في سبيل الله ، وما يقع فيها من الآفات. ومن البلاء الذين يمتحنون به البلاء في أنفسهم بالقتل والجرح والأسر في قتال العدو ، ويلحق به الحبس في زماننا حيث يسجن الطغاة الظلمة المؤمنين الدعاة إلى الله تعالى.
ومن البلاء الذي يبتلون به على وجه الامتحان وحسب مقتضيات سنة الله تعالى في الداعين إليه المجاهدين في سبيله ما يسمعونه من أهل الكتاب والمشركين وغيرهم من الكفرة من أنواع الأذى القولي كالطعن في الإسلام وفي الدعاة إليه وبإلصاق التهم الباطلة بهم لصد الناس عنهم وعن دعوتهم. وإن من عزائم الأمور الصبر على هذا الأذى والالتزام بالتقوى ، فهذا مما يجب أن يعزم عليه المؤمنون من الأمور التي تزهق الباطل وتنصر الحق وأهله.

أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل :

أ- أخرج الترمذي في جامعه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال ، قلت : يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء ؟ قال : (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة).
ب- وفي حديث آخر أخرجه الطبراني في معجمه الكبير عن أخت حذيفة بن اليمان فاطمة أو خولة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل).
والمقصود بالأمثل فالأمثل : الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة في الدين والفضل. وقال الراغب : الأمثل يعبر به عن الأشبه بالأفضل والأقرب إلى الخير. وأماثل القوم كناية عن خيارهم.
وإنما كان أكثر الناس بلاء - أي محنة - لتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم ويظهر الناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم ، ثم من بعدهم الأمثل فالأمثل من جهة شدة البلاء الذي يتعرضون له ، لأن البلاء في مقابلة النعمة : فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد ، فهم - أي الأمثل فالأمثل - معرضون للمحن والمصائب وطروق المنغصات والمتاعب ، ويشمل ذلك كل ما يتأذى به الإنسان من أذى مادي أو معنوي ، فيبتلى الرجل على حسب دينه ، أي على مقدار دينه أي بقدر قوة إيمانه وشدة يقينه ، فإن كان في دينه صلباً أي قوياً شديداً اشتد بلاؤه كمية وكيفية ونوعاً. وإن كان في دينه رقة أي ضعف ولين ابتلي على قدر دينه. فما يبرح البلاء بالعبد أي ما يفارقه حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ، كناية عن خلاصه من الذنوب فكأنه كان محبوساً ثم أطلق وخلي سبيله وما عليه بأس.
ويستفاد من الحديثين الذين ذكرتهما أن سنة الله العامة في البلاء والمبتلين أن أشدهم بلاء أي محناً هم الأنبياء ، ثم الأفضل فالأفضل في الصلاح والدين وتقوى الله تعالى. وهذه سنة ماضية وباقية في المؤمنين دون تخلف.
وتعليل هذه بالسنة العامة وهي : (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) أن الأنبياء يقومون بتبليغ رسالات ربهم ويدعون الناس إلى الله وعبادته فيكذبهم أهل الباطل ويؤذونهم بشتى أنواع الأذى كما قضت سنة الله في التدافع بين الحق والباطل.
وأما تعليل كثرة البلاء على الصالحين ثم الأمثل فالأمثل ، فإن الصالحين هم القائمون بما عليهم من حقوق الحق والخلق. ومن هذه الحقوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله ودعوة الخلق إلى الحق جل جلاله ، وما يترتب على ذلك - حسب سنة الله في التدافع بين الحق والباطل - من أذى بشتى أنواعه يلحق بهم ، وكلما كان المؤمن صلباً في دينه أي قوياً في إيمانه كان أكثر جهاداً في سبيل الله فيكون أكثر بلاء من غيره لما يلقاه من الكفر وأهل الباطل في جهاده ومدافعته لهم.
وأيضاً من تعليل هذه السنة العامة قول أهل العلم في تعليل هذه السنة في حق الأنبياء : (لتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم). قولهم بالنسبة لكثرة بلاء الأمثل فالأمثل : (إن البلاء بمقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد).
ولا شك أن نعمة الله على عباده المؤمنين الصالحين نعمة عظيمة إذ هداهم للإيمان وهذه النعمة تستحق الشكر وشكرها القيام بحقوق الله ، ومنها الجهاد في سبيله وما يترتب عليه من أذى يلحق بالمجاهدين.
ومن تعليل هذه السنة التي نحن بصددها أن في البلاء كالمرض ونحوه زيادة أجر للمصاب به وتكفير سيئات المؤمن كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن الحارث بن سويد عن عبد الله قال : (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت : يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً. قال : أجل ، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت : ذلك بأن لك أجرين. قال : أجل ، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى - حتى شوكة فما فوقها - إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها). ومعنى الوعك الحمى ، وقيل ألم الحمى ، وقوله : (ذلك كذلك) إشارة إلى مضاعفة الأجر بشدة الحمى. وقوله (أجل) أي نعم. فالحديث أثبت أن المرض - وهو نوع من البلاء - إذا اشتد ضاعف الأجر ، أو أن شدة المرض ترفع الدرجات وتحط الخطيئات أيضاً حتى لا يبقى منها شيء.
.
الاستعاذة بالله من الفتن :
إن الله تعالى وحده هو المتفرد بامتحان عباده وبجميع ما يتعلق بهذا الامتحان من جهة مفرداته وزمانه ومكانه ومدته ، وإنه لا يجوز الاعتراض عليه في شيء من ذلك أو يفرض على الله تعالى نمطاً معيناً من هذا الامتحان أو مفرداته، أو يعترض على نفس الامتحان. ولكن يجوز للمسلم أن يسأل الله تعالى ويدعوه ويتوسل إليه أن لا يمتحنه بما يشق عليه وبما لا ينجح فيه ، وأن يقيه شر الفتن التي قد يتعرض إليها ، ولذلك جاءت الأدعية المأثورة في الاستعاذة بالله من الفتن ، من ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم ، والمأثم والمغرم ، ومن فتنة القبر وعذاب القبر ، ومن فتنة النار وعذاب النار ، ومن شر فتنة الغنى ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال).
وكان الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه يقول في دعائه : (أعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات). وفي كتاب الله العزيز (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم).
وجاء في تفسيرها : قال قتادة : لا تظهرهم علينا فيفتنونا ، ويرون أنما ظهروا علينا لحق هو عليه. وعن ابن عباس : لا تسلطهم علينا فيفتنونا.-

إعداد / عبدالله اليعربي
المصدر : السنن الإلهية - د عبد الكريم زيدان

 

أعلى





التوبة أول الطريق

التوبة هي الرجوع من طريق البعد عن الله إلى طريق القرب منه جل في علاه ، وهى بداية طريق السالكين، ولها ركن ومبدأ وكمال ، فمبدؤها يكون بالإيمان الذي هو نور يقذفه الله في القلب يعرف به العبد أن الذنوب مهلكة فتشتعل فيه نار الخوف والندم وينبعث من هذه النار صدق الرغبة في الرجوع عن الذنب وتلافيه والاجتهاد في عمل الخير والعزم على عدم العودة إلى الذنب مرة أخرى وبهذا يكتمل الركن ويتم الكمال .
وهى واجبة على كل أحد إذ لا يخلو إنسان عن الذنب حتى أن الرسول صلوات الله وسلامه وهو المعصوم قال:(إنى ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة،وهى واجبة أيضا في كل حال،فان لم تذنب الجوارح بالمعاصي فقد يذنب القلب بالغفلة عن الله في لحظة من اللحظات ، وأن الله تبارك وتعالى ليفرح بتوبة عبده المؤمن أكثر من فرح أحدنا بعودة عزيز غائب إليه ، فقد جاء في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض فلاة دوية مهلكة ، معه راحلته وعليها طعامه وشرابه ، فنام نومة فاستيقظ ، وقد ذهبت راحلته فانفلتت ،فطلبها فلم يجدها ، فقال أرجع مكاني فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت ، فنام فاستيقظ ، فإذا راحلته عنده وعليها زاده وشرابه ، فالله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من هذا العبد براحلته وزاده .وإذا اجتمعت شروطها فهي مقبولة لا محالة وأهم هذه الشروط حل عقدة الإصرار
الذي لا حامل عليه سوى الشهوة والغفلة الناشئتين من مرض في القلب ، وأمراض القلوب أشد فتكا بالإنسان من أمراض الأبدان،لأن صاحبها لا يدرى شيئاً عنها بعكس
الثانية ثم إن عواقبها لا تكون في هذه الدنيا وإنما تكون في الآخرة ، فهي ليست نقدا وإنما نسيئة،وأيضا فإن أطباءها نادرين بعكس كثرة أطباء الأبدان لذلك فإن العلاج عزيز إلا على من وفقه الله،ولما كان علاج الأمراض بعلاج أسبابها فإننا نظرنا إلى مرض الإصرار فوجدنا أن أسبابه تنحصر في خمسة أسباب وضعناها هنا وذيلناها بالعلاج الممكن :

1- العقاب الموعود ليس بنقد ، والطبع يستهين بما لا يوجد في الحال .
العلاج: أن يتفكر المرء في أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد هو ما ليس بآت 0
وأن الموت أقرب إلى كل أحد من شراك نعله،فما يدريه لعله في آخر أيامه أو آخر أنفاسه وهو لا يدرى،ثم يتفكر كيف أنه يتجشم عناء السفر إلى البلاد البعيدة خشية الفقر فى المستقبل ومن أجل أن يكون ثروة ثم هو يتهاون في بناء مستقبل أبده ... ؟ ؟ إن اللذات والشهوات قد تأخذ بخناق الواحد منا حتى انه لا يستطيع منها فكاكا.العلاج:أن ينظر كل منا في نفسه كيف يستمع إلى نصيحة طبيبه إذا أمره أن يتجنب الملح والدخان والدهون لكي يحافظ على قلبه إن أصيب بضغط الدم أو بذبحة في قلبه، ثم كيف يتغافل عن أوامر ربه ورسوله التي تحضه على الخير وتنهاه عن الشر . التسويف، وهو قول الإنسان لنفسه ، سوف أتوب غدا ، وهو بناء على ما ليس في يديه .
العلاج : تذكر الموت في كل لحظة، والنظر إلى أي الأعمال يحب المرء أن يقابل ربه عليها إذ من منا ضمن لنفسه البقاء إلى الغد بل إلى الساعة التالية ، ومن ظن هذا فهو في غاية الجهل .
الطمع في كرم الكريم وعفو العفو سبحانه وتعالى . العلاج:هذا وان كان طمعا في محله إلا أن الذي أوله شرط فإن آخرة وقد قال صلى الله عليه وسلم : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . أن يكون والعياذ بالله شاكاً في أمر الآخرة وعلاجه تصحيح العقيدة.ويجب على الإنسان أن يتوب من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها فلا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع ندم واستغفار ، فالصغيرة تعظم إذا استصغرها العبد ولم يغتم بها بل فرح بها وتباهى واستهان بستر الله له عند اقترافها فجاهر بها وتعظم أكثر وأكثر أن صدرت من عالم يقتدى به،فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ، جعلنا الله ممن يحبهم ، وممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه0
إعداد / سيف بن عبدالله الناعبي


أعلى





محبة العبد لله

في لقاء مضي ذكرنا أو تحدثنا عن محبة الله تعالى لعبده وهذه المرًة إن شاء الله تعالى نتحدث عن محبة العبد لله تعالى ما معناها وما علاماتها ؟ويجيب عن هذا التساؤل الإمام الفخر الرازي في تفسيره المعروف بمفاتيح الغيب فيقول : أعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة وهي أن العبد قد يحب الله تعالى والقرآن ناطق به كما في قوله تعالى :( والذين آمنوا أشدُ حباً لله ) وكما في قوله تعالى ( يحبهم ويحبونه ) وكذا الأخبار: روي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت ,وقد جاء ليقبض روحه : هل رأيت خليلا يُميت خليله ؟فأوحى الله تعالى إليه : هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله ؟فقال : يا ملك الموت :الآن فاقبض,
وجاء أعرابي إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله : متى الساعة ؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تسأل عن الساعة وما أعددت لها ؟ فقال ما أعددتُ لها كثير صلاة ولا صيام إلا أني أُحب الله ورسوله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : المرء مع من أحب يوم القيامة فقال أنس بن مالك رضي الله عنه : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك وروي أن سيدنا عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر , وقد نحلت أبدانهم ,وتغيرت ألوانهم فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى ما أرى ؟ فقالوا : الخوف من النار فقال : حق على الله تعالى أن يؤمن الخائف , ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين,فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً , فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام ؟ فقالوا الشوق إلى الجنة ,فقال حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ,ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين .فإذا هم أشدُ نحولاً وتغيراً كأن وجههم المرايا من النور فقال :كيف بلغتم إلى هذه الدرجة ؟قالوا بحب الله ,فقال عليه السلام :أنتم المقربون إلى الله يوم القيامة ) إلى هنا انتهى كلام الفخر الرازي : وقال هرم بن حيان :المؤمن إذا عرف ربه أحبه ,وإذا أحبه أقبل إليه وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة ,وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه نظر إليه النبي وهو مقبل وعليه إهاب كبش قد تنطق به فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه , لقد رأيته بين أبويه يغذ وانه بأطيب الطعام والشراب , فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون ) معنى هذا أن سيدنا مصعب كان قبل دخوله الإسلام كان من المنعمين والمرفهين وبعد دخوله الإسلام وحبه لله ورسوله هذا الحب جعله يزهد في الدنيا ولا يفكر إلا في الآخرة ففاز بنعيم الدارين أخي المسلم لقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم صادقين مع الله وكان حبهم للقاء الله في مقدمة اهتمامهم ولنذكر على ذلك مثالا فهذا عبد الله بن جحش رضي الله عنه كان صادقا في دعائه مع الله تعالى ففي غزوة أحد قال عبد الله لسعد بن أبي وقاص ألا ندعو الله فكان من دعاء عبد الله بن جحش هذا الدعاء الصادق الخارج من القلب إلى أبواب السماء قال عبد الله في دعائه ( يا رب إني أقسم عليك إذا لقيت العدو غدا , فلقًني رجلاً شديداً بأسه , شديدا حرده , أقاتله فيك ويقاتلني , ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني , فإذا لقيتك غداً قلت : يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك ؟ فأقول : فيك وفي رسولك , فتقول :صدقت ,قال سعد : فلقد رأيته آخر النهار ,وإن أُذنه وأنفه لمعلقتان في خيط ,) فانظر أخي المسلم إلى الصدق في أبهى صوره والصدق مع من ؟ إنه الصدق مع من يعلم السر وأخفى وهذا الموقف يبين لنا مدى حب هؤلاء الصحابة الكرام لله رب العالمين لقد أحبوا الله ورسوله بإخلاص وتفانوا في طاعته وآثروا ما لله ولرسوله على ما لأنفسهم فمحبته تعالى قد رسخت في قلوبهم فظهرت على سلوكهم وأفعالهم .
ومعنى محبة الله تعالى إسلام الوجه لله سبحانه وتعالى والتفاني في طاعته والبعد عن معصيته , وأن يعتقد أن الكمال الذاتي لله وأن ينسب له وحده كل النعم , ويتمنى رضوانه فلا يؤثر عليه مالاً ولا ولداً ولا أهلاً (ثم) ما هي علامات محبة العبد لله تعالى العلامات كثيرة من أهمها (1 )أن يحب لقاء الله تعالى ويؤثر ما يحبه الله تعالى على ما يحبه هو فيداوم على الطاعة ويبتعد عن المعصية بكل أشكالها وأنواعها ويتقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل طالبا بذلك كثيرا من الدرجات ولذلك قال عبد الله بن المبارك في كلام طيب مبارك :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يُحب مطيع
وقال أحد العلماء : علامة الحب ,إيثاره علي نفسك , وليس كل من عمل بطاعة الله عز وجل صار حبيباً, وإنما الحبيب من اجتنب المناهي(2 ).ومن علامات محبة العبد لله حب ذكره تعالى وحب كلامه وهو القرآن الكريم والأنس به والتلذذ بسماعه فمن علامة حب الله تعالى حب القرآن وعلامة حب الله وحب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلامة حب النبي حب السنة المطهرة وعلامة حب السنة حب الآخرة , وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا , وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها الفرد إلا زادا يوصله إلى النجاة من النار (3 ) ومن علامة حب العبد لله أن لا يندم على ما يفوته مما سوى الله عز وجل ويندم على ساعة تمر عليه ولم يذكر الله تعالى فيها فعند الغفلة يسارع إلى ذكر الله تعالى ويتوب إليه ويستغفره .(4 ) ومن علامة محبة العبد لله تعالى : أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها بل يعبد الله عن حب وعن رضا وقناعة بأن الله تعالى يُجازي الكثير على العمل القليل ويكثر من قيام الليل وفي المواعظ والمجالس يقول أبو فرج الجوزي :المحبة شجرة تغرس في الفؤاد وتسقى بماء الوداد , أصلها ثابت في بطن السر وفروعها في سماء الهمة , وثمرها لطائف الأنس , تؤتي أكلها دائما .وهنا أخي المسلم تذكرة لمن يتذكر نقول أما آن لنا أن نستعد بزاد التقوى , أما آن لنا أن نحاسب أنفسنا ,لأن العمر محسوب ويجب علينا أن نمحو جميع القبائح فنتزود بالحسنات لأن الله تعالى يقول ( إن الحسنات يُذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) عجباً لمن ينام طوال الليل وهو مطلوب , لو علم قرب أجله لزهد في طول أمله ,أين نحن من السلف الصالح الذين سخًروا الدنيا من أجل الآخرة وجعلوها في أيديهم , ولم يجعلوها في قلوبهم , اللهم إنا نسألك يا ربنا أن تثبت محبتك في قلوبنا وترزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك اللهم آمين

إبراهيم السيد العربي


أعلى





(فبهداهم اقتده)
أيتها الأمهات الفاضلات:-

نتحدث في هذا اليوم بمشيئة الله تعالى عن حصافة أم سليم رضي الله عنها في تربية ابنها... فمن هي أم سليم رضي الله عنها؟؟؟
هذه هي امرأة من نساء الأنصار حلقت عاليا في سماء الفضيلة, وربت شابا كان أشهر من الثريا بين نجوم السماء وتفوق على كثير من شباب الأنصار في ميدان المكارم. أما المرأة فهي أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد النجارية الأنصارية الخزرجية المشتهرة بكنيتها أم سليم وهي من النساء السادة اللواتي جمعن العلم والشجاعة والكرم وحسن التربية المثالية في ظل أنداء الاسلام وفي معين رحيقه الصافي. وهذه المرأة المربية العاقلة قد دخل حب الله ورسوله قلبها من أول يوم دخل الاسلام المدينة المنورة فعاشت للاسلام وتربت على الاسلام وأحبت الاسلام وكان مهرها الاسلام. أما ابنها الشاب العاقل فهو الامام المفتي المقرئ المحدث راوية الاسلام وخادم النبي صلى الله عليه وسلم وتلميذه وتبعه وآخر أصحابه موتا إنه أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي من بني النجار. وهذان العلمان الكبيران لهما أثر وضيء في فجر الاسلام الى يومنا هذا,وكانت أم سليم سببا رئيسا في شهرة ابنها أنس بن مالك في عالم المشاهير فقد كان شابا من صلحاء صغار الصحابة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فانتفع ونفعها ونفع ذريته في الدنيا وفي الآخرة إن شاء الله. يقول محمد رشيد رضا في تفسير (المنار):- (ولا أنفع للانسان في مستقبله من الولد الصالح فهو ينفعه في دنياه كما هو ظاهر وفي دينه من حيث إن الوالد سبب وجوده وصلاحه وقد ورد في الحديث: أن الولد الصالح من عمل المرء الذي ينفعه دعاؤه بعد موته ولا يكون الولد صالحا إلا إذا أحسن والده تربيته فالأمر بالتقديم للنفس يتضمن الأمر باختيار المرأة الودود الولود التي تعين الرجل على تربية ولده بحسن خلقها وعملها كما يختار الزراعة في الأرض الصالحة التي يرجى نماء النبات فيها وإيتاؤه الغلة الجيدة ويتضمن الأمر بحسن تربية الولد وتهذيبه). ومن هنا نلمس أثر السيدة أم سليم في تربية ابنها أنس تربية جسمية وروحية وعقدية, تربية بلغت فيها مرتبة عظيمة بين مشاهير نساء الأنصار حيث غدت من ساداتهن. وما من شك في أن الاولاد أحق بالهداية فيسعى الوالدان لتربيتهم ورعايتهم بل عليهما أن يسعيا الى مراقبتهم وملازمتهم ومصاحبتهم والاشراف الصحيح الواعي على تربيتهم ورعايتهم وقد بين لنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم). يقول الأستاذ محمد شربجي: لاتتركوهم - أي أولادكم - هملا دون راع أو تتركوهم وتدعوهم لغيركم لأن الملازمة تغرس فيهم وعلى الدوام نوازع كريمة وتكون سببا عمليا في تقويم طبع الولد وخلقه وتنشئته تنشئة صالحة. فالوالدان مسؤولان عن تربية الأبناء مسؤولية كاملة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والأمير راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راع ومسؤول عن رعيته). فالأم من الفئة التي تتحمل مسؤولية التربية ولكن ماذا لو مات الأب؟ هل تقف الأم ولا تكون مسؤولة عن بيتها؟...
في الحقيقة لو قدر الله تعالى موت الأب أو فقده فعلى الأم حينئذ أن تتكفل بتحمل المسؤولية كاملة غير منقوصة وعليها أن تسعى سعيا حثيثا لتبحث عن المربين الذين يساعدونها في تحمل تربية أولادها ,وهذا ما فعلته الصحابية الجليلة أم سليم رضي الله عنها وارضاها...

إعداد/علي بن عوض الشيباني


أعلى





الصبر سيد الفضائل

فى الحقيقة الصبر هو أعظم الفضائل ومنزلة الصابرين عند الله تعالى من أشرف المنازل وكان الأمر من الله عز وجل فى القرآن الكريم للنبى العظيم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل 000 ) الأحقاف 35 وأسعد الناس من رزق لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وجسدا على البلاء صابرا وذلك هو المؤمن الكامل ويقول النبى الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم ( الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك ) ومن صبر ظفر ونال ما لم يناله الأوائل وما يثبت فى الحروب ويصبر فى الخطوب إلا الشجعان البواسل وبالصبر تهون الشدائد فإن أثبت الناس فى الشدائد والبلاء وأجملهم صبرا ، أفضلهم عند الله منزلة وأجلهم قدرا وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، وما يبتلى الله تعالى عبده بشيء إلا ليطهره من الذنوب أو يعظم له الأجر فما يعرض الذهب على النار إلا ليكون ذهبا خالصا بعد أن كان تبرا وإذا وقع المسلم فى مكروه وصبر جعل الله تعالى له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا وسيجعل الله بعد عسر يسرا ومن ضاق بالقدر ذرعا نسأل الله ألا نكون منهم وسخط قضاء الله تعالى وآتاه الأجل كان عاقبة أمره خسرا فقد قال الله تعالى فى سورة العنكبوت ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) والصبر صفة الأنبياء فلقد صبر سيدنا نوح عليه السلام على قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وهو يدعوهم إلى الله تعالى حتى أخبره الله تعالى بأنه لن يؤمن منهم أحد إلا من قد أمن ( وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن 00 ) هود 36 فما كان منه إلا أن دعا عليهم قائلا ( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا )) نوح 26 وصبر سيدنا إبراهيم عليه السلام على أبيه وقومه ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار حتى يئس من إيمانهم فقال ( وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين )الصافات 99 وكم لقى سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام وهما الكريمان على الله تعالى ؛ من فرعون وقومه وهم أعداء الله تعالى . وقد ابتلى سيدنا عيسى عليه السلام فى ذات الله تعالى فقوم يقولون فيه السوء ويتهمون أمه بالزنا وهى التى قال عنها القرآن فى ( ومريم ابنت عمران التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا 000 ) سورة التحريم 12 وقوم يقولون أنه ابن الله تعالى وقد قال الله تعالى ( ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) مريم 35 أما النبى الأكرم والرسول الأعظم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فقد آذوه قومه أشد الإيذاء فصبر على إيذائهم وقال الله تعالى ( ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا )) الأحزاب 48 وكذلك كان العلماء الصالحون يصبرون على مخالفة قومهم ويتحملون من سفهائهم ما يقولون وإذا نسب إليهم ما يكرهون قالوا كما قال يعقوب لبنيه ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) يوسف 18
فالعالم إذا صبر على مهمته فقد برئت ذمته وأُديت رسالته ـ والمقاتل إذا صبر فى الميدان وفتح الحصون وعلم أنه إما نصر وإما شهادة ـ والفقير إذا صبر وتحلى بالصبر والإيمان معا ، لأن الفقر المنسى يؤدى والعياذ بالله إلى الكفر حتى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم استعاذ منهما معا فقال ( اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر ـ والطبيب إذا صبر على معالجة المريض وعامله بالرفق والحنان فقد أدى ما عليه للإنسان ـ والمريض إذا صبر وفعل ما يلزم من علاج ودعاء وصبر على البلاء عجل له الشفاء بأمر رب الأرض والسماء ـ والوالد إذا صبر على حسن تربية أولاده والعناية بهم نال منهم البر والإحسان فكل هؤلاء الصابرون لهم يوم القيامة ثواب عظيم غير مدون فى ديوان الأعمال فيتجلى الله تعالى برحمته عليهم ثم يصب عليهم الثواب صبا وقد قسم العلماء الصبر إلى ثلاثة أقسام ، صبر على الطاعة من صلاة وزكاة وصيام وقيام ، وصبر على المصيبة فى الأهل والمال والولد ، وصبر عن المعصية بترك ما تشتهيه النفس من سائر أنواع الحرام وأفضل الصبر ما كان عند الصدمة الأولى ومعه الرضا والتسليم ومن الصبر الجميل أن تدفع بالتى هى أحسن وتعفو عن من ظلمك وتعرض عن من شتمك وأنت قادر على الانتقام صبرك أيها المؤمن المسلم يوم الفتنة وثباتك عند المحنة أمر هين ، ولكن صبرك عند فساد الزمان وإعراض الناس عن الأديان أصعب ما يكون والقابض على دينه آخر الزمان كالقابض على الجمر حين يوصف الكفار والعصاة بالعقل والدهاء ويوصف المؤمنون الأتقياء بالبلادة والتغفيل وقوف الإنسان المسلم عند حدود الله وصبره على أوامره ونواهيه دليل على أنه من الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون فاصبر تؤجر وأبشر بمعية الله تعالى وحسن رعايته وإن خالفك الناس فاعلم أن الله تعالى معك ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) النحل 128 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع ) ويقول صلى الله تعالى عليه وسلم ( من أُعطى فشكر وابتلى فصبر وظَلم فاستغفر وظُلم فغفر ثم سكت صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما له يا رسول الله قال : ( أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) وكذلك يقول الله تبارك وتعالى فى مدح الصابرين ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون )) سورة البقرة 157 جعلنا الله تعالى من الصابرين وبالله تعالى معتصمون ولقضائه وقدره مستسلمون ومسلمون والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون
وفقنى الله تعالى وإياكم لما يحب ويرضى

أنس فرج محمد فرج

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept