
أطياف
الرئيس يقول ( أنا ) !!
في حديث متصل مع المقال الأخير عن الفرق بين
الرئيس والمدير ، نعيد التذكير بأن الرئيس ليس هو المدير والعكس
صحيح وغالباً يكون الطرفان مختلفين. وقلما تجد شخصاً هو الرئيس والمدير
في آن واحد هذا من نوادر الدهر .
لنواصل ذكر بعض الفروقات بين الاثنين كما يذكر ذلك مؤلف كتاب إدارة
المدرسة الحديثة ، ويليام غلاسر ، فيقول بما معناه ، الأول وهو الرئيس
، تجده في العمل يستند في تصرفاته وأوامره وقراراته وتوجيهاته إلى
السلطة ، فيما الثاني وهو القائد أو المدير فيستند في عمله بشكل
تام تقريباً إلى التعاون الذي يتكون شيئاً فشيئاً ، ويكبر بين العاملين
حتى يكون سمة العاملين والمؤسسة.
الرئيس يعرف الطريقة أو طريقة العمل ، ولكن المدير يبين تلك الطريقة
للعاملين ويوضح معالمها وأسرارها ويمكث معهم شارحاً مفسراً ومعيناً
لهم ، ليس له من هم سوى أن يعرف الجميع طريقة العمل ، فيما الأول
كما ذكرنا يعرف الطريقة جيداً ولكنه لا يعبأ إن كان من هم تحت إمرته
يعرفون أم لا ، فليست مهمة عنده تلك المعرفة ، بقدر أن يكون العمل
قد تم تنفيذه على أكمل وجه.
الرئيس وهو يعرف الطريقة ولا يبينها للعاملين والموظفين ويستند في
عمله إلى قوانين صماء مثل الحجارة لا روح فيها ولا حياة ، أو ما
نسميها بالسلطة .. هذا الرئيس بكل تأكيد يجعل العمل شاقاً متعباً
وكئيباً لا يرغبه أحد بل يتمنون زواله ، أو أن يحدث أي حادث يكون
من شأنه التأثير على العمل وتوقفه.
لكن بطبيعة الحال ، يكون المدير عكس الرئيس فالأول إن كان يجعل من
العمل جحيماً ومشقة ، فإن المدير يجعله على النقيض تماماً تجده وقد
حوّل العمل إلى متعة حقيقية يستشعرها كل من هم تحت إمرته ومظهر ذلك
التمتع أن تجدهم ينسون أنفسهم في العمل ، لا يشعرون بوقتهم ، بل
لا يكلّون ولا يملون ولا يتعبون .
وأخيراً ، وهو أمر طبيعي ، أن يقول الرئيس ( أنا ) بسبب داء العظمة
والمركزية ومجموعات النفاق حوله ، فيما العكس وبشكل واضح لا غبار
عليه ، المدير هذا الذي يرفض ( الأنا ) ويقول بدلاً منه ( نحن )
إنه ، أي المدير، يقدِّر العمل التعاوني الجماعي ، عكس الرئيس ..
وبكل تأكيد يكون النجاح حليف الجهة التي فيها قائد لا يعترف بالأنا
، بقدر اعترافه الواضح الصريح بنحن .. أي الجماعة أو الروح التعاونية.
عبدالله العمادي
emadi@atyaf.org
www.atyaf.org
أعلى
أقول لكم
أولويات
أمسك ورقة وقلما وأخذ يكتب أولوياته بدقة للمرحلة
القادمة, فكر أن عليه اولا اصدار بيان ادانه لمن ثقبوا الأوزون وتسببوا
في الاحتباس الحراري الذي يجعله متعكر المزاج طيلة الوقت، مع تأكيد
على الزام من فتقوا الثقب برتقه ومن احدثوا الاحتباس بتنفيسه، وتوجيه
شكر خاص لأميرة موناكو التي ترعى حملة لاستخدام الغازات صديقة البيئة،
فضلا عن ببغاء ماكاو الذي نصبوه أميرا للببغاوات، ربما لسرعته الفائقة
على اطلاق شتائم من العيار الثقيل .. تصيب كل من يقطع ـ او يحرق
ـ شجرة خضراء.
اعتقد ايضا ان من أولوياته الملحة البحث عن مساحة مناسبة في حديقة
منزله يزرعها ارزا وحنطة، فالعالم مقبل على مجاعة حقيقية بسبب ممارسات
ساسة مختلو العقل، وان يدع ما يرصده في سنابله لمواجهة سنوات عجاف
سوف تأكل الاخضر واليابس، مع اعداد صوامع مناسبة لحفظ المحاصيل،
وبالضرورة يرتبط هذا باستحداث نظام ري عصري يرشد استخدام المياه
.. تلك التي قد تخوض الامم والبلدان حروبا بشأنها في مستقبل ربما
لا يكون بعيدا، وتشجيع كل البحوث العلمية التي تستهدف تعزيز موارد
المياه المتاحة.
شعر بزهق بالغ وهو يكتب هذه الاولويات التي تنتمي الى عالم اللا
معقول، وقرر ان يصبح واقعيا واكثر تحديدا لأولوياته الشخصية التي
لا تعنى احدا سواه .. أحس بفراغ داخلي ووحشة ربما هما ما قد دفعاه
الى الفانتازيا، فأمسك القلم ووضع علامة × على كل أولوياته المجنونة
.. تلك التي اختزلها في مطلب وحيد متواضع: ان يشتري زوجا من ببغاء
ماكاو .. وقطا سياميا!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

أصداف
صحوة بريطانية..ولكن
خطوتان بريطانيتان صحيحتان ، مقابل إصرار دواننغ
ستريت على التمسك بالخطأ هذا عنوان طويل يعبر عن الموقف السياسي
داخل المجتمع البريطاني، إزاء سياسة حكومة توني بلير، خاصةً ما يتعلق
بتأييدها المطلق والكامل، للسياسة الأميركية، وانجرارها الواسع لمساندتها
في احتلالها للعراق.
الخطوتان البريطانيتان، عبر عنهما أساقفة الكنيسة البريطانية، وأعلن
الخطوة الثانية عمدة مدينة لندن ، والطرفان لامسا الحقيقة، وأعلنا
صراحة ، أن بريطانيا ممثلة بحكومتها التي تجر شعبها إلى منزلق ،
وأن هذه السياسة تخلق المزيد من العداء للبريطانيين ، وهذا ما يهدد
أمنهم ومصالحهم ، سواءً كانت داخل بلادهم أم خارجها.
أساقفة الكنيسة أعلنوا صراحةً ، أن الوقائع أثبتت بالأدلة القاطعة
، أن الحرب على العراق ، لم تكن دفاعاً عن الأمن العالمي ، كما روجت
لذلك الحكومتان الأميركية والبريطانية ، قبل غزو العراق ، محذرة
العالم من أسلحة الدمار الشامل ، التي تبين فيما بعد أنها ليست سوى
ذريعة لتنفيذ المخطط الأميركي ، وبهذا الخصوص ، قال الأساقفة: إن
تطورات الأحداث كشفت عن سبب الحرب الحقيقي ، الذي يرتبط بالمصالح
الأميركية في العالم ، ولم يكن هناك أي سبب آخر.
بعد أن توصل أساقفة الكنيسة في بريطانيا إلى هذه النتيجة ، قرروا
تقديم اعتذار للشعب العراقي ، إذا أصرت الحكومة البريطانية على موقفها
المتمسك بمساندة المحتل الأميركي.
هذه الخطوة إيجابية ، لأنها تدلل على أن ثمة من يعترف بالخطأ ، وهناك
من يفكر بطريقة سليمة للمحافظة على التعاون بين الأديان والشعوب
، بدلاً من جعل الأجواء متوترة ، وزرع الأحقاد وتنمية الانتقام.
لكن هذه الخطوة ، إن حصلت هي ليست كل ما يريد الشعب العراقي ، الذي
شاركت بريطانيا في تدميره وتحطيم بنيته الأساسية ، ودعمت دولة الاحتلال
أميركا في قتل واعتقال وإهانة العراقيين، ولحق بهذا البلد الكثير
من الخسائر.
أما الخطوة، التي أعلنها عمدة لندن، فقد جاءت بعد تفجيرات لندن،
وأعلن صراحةً، أن كل ما يحصل لبريطانيا ولأبنائها، نتيجة لدعم حكومة
توني بلير للسياسة الأميركية في احتلال العراق وأفغانستان.
هذا الاعتراف، يدلل على أن الكثير من النخب البريطانية، بدأت تمارس
الوعي السياسي، خارج تأثيرات السحر الأميركي، ولا شك أن ذلك الوعي،
بدأ ينتقل بسرعة من أبراج السياسيين ورجال الدين، إلى عامة الناس،
ولن يقتصر ذلك على الساحة البريطانية، التي أخذت تنظر إلى مصالحها
وعلاقات شعبها مع الآخرين، بل يشمل ذلك الكثير من شعوب العالم، التي
وقعت تحت ستار الكذب الأميركي.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

باختصار
عصر ميليس
هذا المشهد المتكرر : عدد من السيارات العسكرية
وقوى أمنية بكثرة تداهم مكانا ما بشكل مفاجيء لايشعر مواطنو ذلك
المكان بما يجري حولهم الا ساعة يتوقف ذلك الطابور من السيارات الضخمة
وحين يتحرك رجال الامن بسرعة في اتجاهات مختلفة ، واذا بهم يعتقلون
احدهم ويجر الى السيارات فيما يهبط عدد من رجال الامن ومعهم رجل
آخر ،يتطلع الناس الذين احتشدوا ، يبتسم مستسلما لقدره ثم يدخل السيارة
ويرحلون .
احد الزملاء الصحافيين نقل لي هذا المشهد بتمامه وكماله كما جرى
قرب بيته . أصبح كل مكان في بيروت وخارجها مباحا لساعات من الخوف
والتساؤل : من سيجر الى المحاكمة اليوم وعلى من سترسو القرعة في
النهاية ؟
احد السياسيين اللبنانيين وصف المشهد اللبناني الحالي بما يلي :
لقد حكم العراق بعد سقوط صدام حسين شخص اميركي معين مباشرة من الادارة
الاميركية وهو الذي أدار الوضع بكامله واسمه بريمر حيث تنقع الذكرى
.. وبرأي السياسي : لبنان اليوم في عصر ميليس .. كل شيء مضبوط على
تصوراته حركته لها أبعاد وهي تذهب في الاتجاهات التي يريدها كل شيء
تحت اوامره وكلامه الذي يصدره لايناقش ، وكل فعل يفعله له الحق في
فعله دون ان يقال له ماذا يريد او لماذا تريد لبنان كله مسير من
أجل القاضي الالماني وتحت تصرفه منذ اكثر من ثلاثة اشهر وهو مستنفر
في استقبال الشاهد تلو الاخرى حتى قيل إن اياما مرت عليه استقبل
فيها عددا منهم في اليوم الواحد : يستمع ويسأل ، يشرب القهوة مع
شاهده ، وأحيانا يحتسي البيرة كما فعل في فندق مسابكي في شتورة عند
عودته من سوريا بات اسم ميليس مقرونا بالخوف من الغد ومن تاريخ اشخاص
كان لهم حضور في الساحة اللبنانية وكانوا الآمر الناهي لم يعد هنالك
كبير امام اوامره واذا ماقرر فعلى القوى المولجة التنفيذ مباشرة
ودون مراجعة او تراجع او تردد او حتى سؤال .
ويضيف السياسي : نحن الان في عصر لبناني اسمه عصر ميليس لم يسبق
ان عرفناه من قبل ولا ان عشناه بهذه الطريقة ولا ان لمحناه يدخل
تحت جلودنا وفي عقولنا وبين اعصابنا ممنوع على أي كان الاقتراب منه
او التقرب من دائرته المكان الذي ينزل فيه ويحقق بداخله اصبح قلعة
حصينة محروسة من قوى الامن ومن الجيش ومن مدنيين لاتعرف هوياتهم
وهو ليس وحيدا في هذا المجال ، لديه جيشه من المحققين ولديه قواه
المتحركة ايضا التي تتوزع في بحثها على الامكنة وخاصة المكان الذي
وقعت فيه عملية الاغتيال قرب فندق فينيسيا في بيروت وليس فقط يحقق
ميليس مع الشهود انه اعاد للهواء وزنه وقيمته حين تم إعادة التنصت
على مخابرات هاتفية للخليوي وغير الخليوي جرت قبل واثناء وبعد عملية
الاغتيال وربما يأتي الوقت الذي يتم فيه فحص الخلايا الشمسية لقراءة
البصمات فيها لحظة الجريمة النكراء .
ويضيف السياسي ايضا : نحن امام محكمة دولية حقيقية ونحن أمام حاكم
فعلي له قوة دولية لاتعادلها قوة اي رئيس او مسؤول في العالم ولانه
يعرف ذلك فهو لايتردد في إضفاء قوته وفي اعطائها المشهد الذي تستحقه
تحركاته وتصرفاته ومعناها ويقول السياسي اللبناني : بات الوضع اللبناني
مضبوطا على مهارات ميليس وقدراته الشائعات كثيرة وهي تتقول ان تقريره
يقول كذا وفيه المعلومات التالية .. حتى باتت حركة اللبنانيين الداخلية
محسوبة على وقع خطواته فكثير أوقف أعماله وطموحاته بانتظار ما سيقوله
التقرير المنتظر في الخامس والعشرين من الشهر المقبل وربما قبله
كما يتوقعون حتى ان بعض النكات بوشر تداولها بين الناس حيث اذا ما
أخطأ أحدهم بحق آخر او تقاتلت زوجة مع زوجها فانه يقول لها غدا سأجلب
ميليس ليحقق بيني بينك .
انه عصر الحاكم ميليس كما ينهي السياسي كلامه وعلينا ان نكون جميعا
متأهبين لساعة الحقيقة التي يقررها فيتقرر بناء عليها مستقبل لبنان
وربما وضع منطقتنا باسرها .
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com

كل يوم
حقائق التاريخ ومزاعم شارون!
لم يرحل الاحتلال عن قطاع غزة اختيارا فقد
ظل القطاع المحتل أتونا من نار يحيط بالقوات الاسرائيلية ويقض مضاجع
قادتها، ويقلق وجودهم الطارئ .. ولهذا رأى شارون ان يتخلص من هذا
الكابوس بالانسحاب وتفكيك المستعمرات اليهودية في قطاع غزة، وجزء
من الضفة الغربية.
غير ان هذه الحقيقة يجب ان لا تخفي عن اعيننا حقيقة اخرى هي ان شارون
لم ينسحب نهائيا وان حرية غزة لا تزال منقوصة. وها هو رئيس وزراء
اسرائيل يعبر عن هذه الحقيقة بمرابطة قواته في عدد من المعابر، وفي
انتزاع قطعة من ارض غزة يسميها (منطقة عازلة) لتحول بين الفصائل
الفلسطينية والوجود الاسرائيلي في باقي فلسطين سواء المحتل من عام
1948 او عام 1967.
ومن حق الفصائل الفلسطينية ان ترفض هذا الوجود الاسرائيلي ومن حقها
ان تحاربه لانه يشكل تكريسا للاحتلال الذي يدعي شارون انه رحل بقواته
ومستعمرية عن القطاع لينهيه.
ومن حق الفلسطينيين جميعا ان يقاوموا الوجود الاسرائيلي بكل قواهم،
حتى يخرجوا الاحتلال من ارضهم التي لم تكن ابدا (ارض الميعاد) و(لا
ارض اسرائيل) كما ادعى شارون في خطابه بلغته التوراتية المواربة
امام الامم المتحدة.
ومن العجيب ان خطاب شارون لم يلق من يعترض عليه، ولا من يدين لغة
الهيمنة والسيطرة والاغتصاب التي كانت تفوح منه، ولا من يتذكر ان
الخطاب العنصري جاء في ذكرى الجريمة النكراء التي وقعت في صبرا وشاتيلا
على الارض اللبنانية قبل ثلاثة وعشرين عاما والتي كان شارون منفذها
ومخططها الرئيسي اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان واحتلال عاصمته
بيروت عام 1982 وذهب ضحيتها اكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني في المخيمين.
وفي الوقت الذي يدعي شارون بأنه يعمل من اجل السلام والامن فإن شيئا
لم يتغير على ارض الواقع اذ ما زال رئيس الوزراء الاسرائيلي يراهن
على احتراب الفلسطينيين فيما بينهم، ويعمل على اذكاء نار الفتنة
بينهم، محاولا الادعاء ان السلطة الفلسطينية غير قادرة على (تحقيق
الامن ومكافحة ما يسميه الارهاب ..) وبذلك يفتقد وجود شريك فلسطيني
في المحادثات النهائية على خلفية خارطة الطريق لاحلال السلام في
المنطقة.
ويتمسك شارون بشروطه وآرائه، ضاربا عرض الحائط بالالتزامات المطلوبة
منه، ومن حكومته، في الضفة والقطاع .. ويصر على ان الانسحاب من غزة
كان خيارا أحادي الجانب، وانه لا يمكن ان ينسحب من الضفة الغربية
( يهودا والسامرة) او يساوم على كون القدس عاصمة ابدية موحدة لاسرائيل
او تنفيذ قرارات الامم المتحدة المتصلة باحتلال اسرائيل لارض فلسطين
جزءا بعد آخر، مدعيا ان (القرارات الدولية هي التي الحقت افدح الظلم
باسرائيل وجودا وحقوقا)!
وقد تابعنا الخطابات العربية امام الامم المتحدة لكننا لم نجد من
بينها ما يشفي الغليل في الرد على (أكاذيب شارون) ولا في تصحيح (
ما زوّره من تاريخ المنطقة العربية بعامة والقدس بخاصة)! فالعرب
مشغولون بشؤونهم وشجونهم، ولم تعد فلسطين في وارد اهتماماتهم حتى
المتأخرة منها، ولا في اولويات اجندتهم العامة!
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

في الموضوع
احترام الخصومة
بعد مفاوضات صعبة وطويلة شاركت فيها الصين
واليابان وروسيا مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية
من اجل الاتفاق على وقف البرنامج النووي لهذه الدولة الاخيرة استمرت
شهورا وتوقفت مرارا دون التوصل الى نتيجة استيقظ العالم صباح 19
سبتمبر على أنباء اتفاق مفاجئ تتخلى بمقتضاه كوريا الشمالية عن برنامجها
النووي وتلتزم باتفاقية حظر انتشار الاسحلة النووية وتسمح للوكالة
الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش على منشآتها النووية مقابل اعلان
الولايات المتحدة الاميركية تأكيدات بعدم شن هجوم عسكري عليها وقبولها
مبدأ حق كوريا الشمالية في تطوير الطاقة النووية للاستخدام في الاغراض
السلمية ومناقشة موضوع تزويدها بالماء الثقيل الذي يستخدم في تشغيل
المفاعلات النووية في وقت مناسب على النحو الذي يتفق عليه الطرفان.
ورغم ان المراقبين يرون في البيان المشترك الصادر بهذا الشأن خطوة
كبيرة الى الامام بعد الصعوبات التي اعترضت المفاوضات لفترة طويلة
الا ان هناك من يرى صعوبات كبيرة في تنفيذ مضمونه مستقبلا لان خلافات
قد تنشأ حول تحديد الوقت المناسب كما ان الولايات المتحدة الاميركية
قد تضع شروطا بشأن تقديم الماء الثقيل اضافة الى ان الهدف الاميركي
الواضح حسب الايديولوجية التي يلتزمها المحافظون الجدد وهم القوة
الاساسية الصانعة للسياسة الاميركية في هذه المرحلة تعمل من اجل
القضاء على آخر قواعد الشيوعية في جنوب شرق آسيا وفي حين ترى في
الانفتاح الاقتصادي بالصين خطوة على هذا الطريق وحالة الضعف التي
تعاني منها فيتنام خطوة اخرى فانها تستغل التناقض بين القوة العسكرية
والصعوبات الاقتصادية في كوريا الشمالية لاحداث الاثر المطلوب في
هذه الحالة.
وفي تعقيب على ما جرى في اللحظات الاخيرة التي سبقت التوصل الى الاتفاق
واعلان البيان المشترك قال مراقبون انه بينما قطعت كوريا الشمالية
المفاوضات مرات عديدة فان الولايات المتحدة الاميركية كانت توشك
على مغادرة القاعة اذا شعرت ان التفاوض لن يحقق النتيجة المرجوة
وقد اضطر ذلك كوريا الشمالية الى تقديم تنازل عن الوعد بالتخلي عن
كافة برامج اسلحتها النووية عند ذلك كان من الضروري على الولايات
المتحدة الاميركية اعلان التزامها بعدم شن هجوم على كوريا الشمالية
ومساعدتها في تطوير التكنولوجيا النووية للاغراض السلمية اضافة الى
التعاون الاقتصادي معها لحل المشكلات التي تعاني منها وفي هذا السياق
عرضت كوريا الجنوبية حليف الولايات المتحدة الاميركية تقديم محطة
توليد قوى طاقتها 2 ميجاوات لكوريا الشمالية.
النقطة المهمة في هذا السياق هي ان المفاوضات الصعبة اسفرت عن نتائج
ايجابية في النهاية والسبب في ذلك يرجع الى ان كلا من الطرفين الاساسيين
كوريا الشمالية والولايات المتحدة الاميركية يعرف اوراق اللعبة الموجودة
في يد الطرف الآخر وكل ما حدث هو ان كلا منهما كان يريد الحصول على
اكبر كسب ممكن في ضوء الموازنة بين نقاط القوة والضعف في عملية التفاوض
وقد شعر العالم بارتياح كبير مما جرى لان المشكلة كانت تهدد بتفجير
حرب في منطقة جنوب شرق آسيا ورأت اطراف عديدة بمن فيها بعض اولئك
الذين شاركوا في المفاوضات ان آثارها يمكن ان تمتد الى دول مجاورة
او بعيدة بعد ان ثبت للجميع ان الصواريخ البعيدة المدى لدى كوريا
الشمالية يمكن ان تصل الى اليابان وربما السواحل الغربية للولايات
المتحدة الاميركية وليس فقط قواعد القوات الاميركية في كوريا الجنوبية.
ويطرح التوصل الى هذا الاتفاق نقطة اخرى مهمة لان التوصل اليه يغلق
ملف التوتر في منطقة جنوب شرق آسيا حيث كانت الولايات المتحدة الاميركية
تتعامل مع الخصم الكوري الشمالي بما يمكن تسميته الخصومة المحترمة
لكنها في الوقت نفسه لا تحترم الخصم الآخر الايراني في منطقة الشرق
الاوسط الذي تتفاوض معه حول نفس القضية لكن بصورة غير مباشرة عن
طريق حلفائها الاعضاء الكبار في الاتحاد الاوروبي وقد وصلت هذه المفاوضات
الى مفصل صعب بعد انتخاب الرئيس الايراني الجديد محمود أحمدي نجاد
ثم الكلمة التي القاها اخيرا امام قمة الامم المتحدة رفض فيها التدخل
الاجنبي في شؤون بلاده وشدد فيها على ضرورة متابعة ايران برنامجها
النووي وان اكد الالتزام بان ذلك البرنامج لا يستهدف سوى الاغراض
السلمية.
ما تجدر الاشارة اليه هو ان الولايات المتحدة الاميركية لا تعتمد
مبدأ احترام الخصومة في التعامل مع ايران ويطرح البعض تساؤلات عديدة
في هذا الشأن يذهب بعضها الى ان يران ليست لديها اسلحة نووية بالفعل
كما هو الحال بالنسبة لكوريا الشمالية ويقول البعض ان فقدان عدم
الاحترام في الخصومة يرجع الى ان ايران دولة اسلامية او الى ثأر
قديم بين واشنطن وطهران بسبب الاهانات والهزيمة التي لحقت بالاميركيين
عند قيام الثورة الايرانية عام 1979 ويشير آخرون الى ان السبب الحقيقي
في ذلك يرجع الى المواجهة الواضحة في الشرق الاوسط بين ايران التي
تؤيد المقاومة الفلسطينية واسرائيل التي تحاول بمساعدة الولايات
المتحدة الاميركية فرض مخطط السلام الصهيوني لاحتلال الاراضي الفلسطينية
ولذلك فان دول الاتحاد الاوروبي تحاول الآن اعادة مناقشة القضية
النووية الايرانية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاحالة ملفها
الى مجلس الأمن وفرض عقوبات دولية عليها.
ولذلك فانه في الوقت الذي يرحب فيه العالم بانتهاء التوتر في جنوب
شرق آسيا يتحسب لاحتمال نشوء ازمة اخرى في غرب تلك القارة بسبب الفشل
الاميركي لاسباب عديدة في اتباع مبدأ احترام الخصومة.
عبد الله حموده
mrhomouda@aol.com
أعلى
كيف يمكن التعامل مع الصراعات ؟
تقلصت أعداد الحروب حول العالم بعد أن بلغت
ذروتها في بدايات التسعينيات لتبلغ 50 حربا إلى أن وصلت في وقتنا
الحالي إلى 25 تقريبا وعند الحديث عن أعداد القتلى في تلك الحروب
نجد أن الأعداد تقلصت خلال المائة عام الأخيرة عما كانت عليه في
السابق وهناك أحيانا بعض الصراعات التي بدأت حديثا مثل الصراع في
نيبال , وإذا دققنا ملاحظتنا عن الحروب نستنتج انه عند بدء حرب ما
ينتهي في مقابلها اثنتان, ولذلك يمكننا القول: إن أعداد الحروب في
نقصان دائم وأحدث مثال على تلك الحروب الأخبار التي تردنا من بوروندي
وعند النظر للآثار السلبية التي خلفها الصراع في بوروندي , نجد أن
200.000 قتيل هي حصيلة عشر سنوات من الحرب الأهلية هناك ناهيك عما
خلفته تلك الحرب من مئات الآلاف من اللاجئين إضافة إلى الدمار الذي
حل بالبنية الأساسية للدولة . وفي العام الماضي , وبمساعدة منظمة
الأمم المتحدة إلى جانب المجتمع الدولي, تم التوصل إلى دستور للبلاد
وإقامة انتخابات ديموقراطية أدت إلى نقل السلطة إلى رئيس منتخب من
قبل الشعب إضافة إلى طلب الأمين العام للأمم المتحدة من مجلس الأمن
إرسال قوات لحفظ السلام في بوروندي للمساعدة في حفظ الأمن هناك أثناء
فترة نزع السلاح وتسريح الجيش .
وفي نهاية المطاف يجد الشعب البوروندي سبيلا للتفاؤل في شكل أفضل
للحياة , وعلى العالم أن يستمر في دعمه لبوروندي حتى تصل لحالة الاستقرار
ويسود السلام .
والى جانب ذلك نرى الكثير من الصراعات حول العالم وقد تمت السيطرة
عليها ففي النصف الآخر من العالم يعلن الجيش الجمهوري الايرلندي
عن نهاية للصراعات المسلحة الدائرة هناك , وليبيريا تنعم الآن بالسلام
بعد نزع سلاح 100.000 مقاتل , وفي تيمور الشرقية وسيراليون حزمت
قوات حفظ السلام حقائبها بعد أن أدت مهمتها فاتجه بعضها إلى السودان
للمساعدة في التوصل إلى اتفاق سلام ينهي عقدين من الحرب التي أدت
إلى قتل مليوني شخص , ويبدو الاتفاق مهزوزا بوجه عام ولكنه صمد بالرغم
من مقتل جون قرنق , زعيم التمرد العتيد في جنوب السودان ورغم إحلال
السلام في كثير من بقاع العالم لكن تلك المناطق مازالت معرضة لعودة
الاضطرابات من جديد لان السلام يحتاج وقتا طويلا , ربما عقدا كاملا,
ليترسخ في تلك المناطق .
وعلى الجانب الآخر هناك الكثير من المناطق التي ما زالت تتأرجح بين
الحرب والسلام من أفغانستان والكنغو وصولا إلى هاييتي ولكن أعداد
الصراعات تقل من آن إلى آخر وحتى بالنظر إلى تلك المناطق نجد أن
الأمل في إحلال السلام بها مازال موجودا .
وبالنظر للجهود المبذولة في أفغانستان نلاحظ قيام موظفي الأمم المتحدة
بالاستعدادات والتجهيزات لإقامة انتخابات برلمانية هي الأولى من
نوعها منذ الإطاحة بحكم طالبان أما عن الكونغو فهي الأخرى تستعد
للقيام بالانتخابات المحلية وذلك بعد فرار الجماعات المسلحة في الشرق
بسبب تلقيها ضربات عنيفة من قبل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة
وبالنسبة لهاييتي فهي تسير قدما في تشكيل حكومة ديموقراطية في وجود
قوات حفظ السلام التي تساعد في إزالة الأخطار وتعزيز الوضع الأمني
الهش .
وإذا سألنا عن الأسباب التي قادت بعض الدول بأن تنأى بنفسها عن النزوع
نحو الحرب نجد أن النمو الاقتصادي هو أحد تلك الأسباب والذي قام
بدور فاعل في أن تنأى دول شرق وجنوب آسيا بنفسها عن الانخراط في
مثل هذه الصراعات . وهناك سبب آخر جنب بعض الدول التي لا تتمتع بنمو
اقتصادي من أن تكون فريسة لمثل هذه الحروب ألا وهو حسن التعامل مع
الصراع لإنهائه .
وجدير بالذكر أن معظم الصراعات التي نراها , إضافة إلى الصراع المنتهي
في بوروندي , تحدث جميعها نتيجة للحروب الأهلية وتنشب في اكثر الدول
فقرا والتي تعاني في أغلبها من انهيار وتدمير لأجهزة ومؤسسات الدولة
.
ورغم أن أمراء الحرب يستغلون النزاعات العرقية والخلافات الدينية
إلا أن اهتمامهم الكسب المادي للثروة أكبر من اهتمامهم بالأفكار
والمبادئ ويصعب على القوى الخارجية التدخل لإنهاء هذه الحروب ولكننا
في المقابل نملك عدة إجراءات تساعد في دفع الأمور في المسار الصحيح
, ومن هذه الإجراءات الحد من المكاسب التي يجنيها أمراء الحرب من
سلب للثروات الطبيعية مثلما فعلنا في ( تجارة الماس الدموية ) التي
كانت تمول حروب غرب أفريقيا .
ويمكن الحد من هذه الحروب عن طريق أعمال الوساطة والمفاوضات مثلما
فعل نيلسون مانديلا عندما توسط وبذل جهدا كبيرا لإنهاء الصراع في
بوروندي. وعندما يتم التوصل لاتفاق في أي صراع في العالم يمكن بعدها
إرسال قوات حفظ السلام والتي بدورها تقوم بحفظ الأمن لفترة معينة
وتقوم بتنظيم عملية نزع سلاح الأطراف المتحاربة وتساعد في إقامة
انتخابات والوصول إلى دستور للحكم , ووقتها يكون الجميع على استعداد
, وبحب, لمد يد العون والدعم الاقتصادي لمثل هذه المناطق من العالم
, وبالطبع كل هذا ليس بالأمر الهين أو غير المكلف أو حتى بعيدا عن
المخاطر ولكن يعد هذا أمرا غاية في الأهمية بل ويعتبر أساسيا عندما
نعرف أن البديل له هو الحرب .
لقد كنت في بوروندي أثناء تنصيب الرئيس الجديد وفي غضون ذلك كانت
الأجواء مشحونة بالبهجة من قبل اتباع الرئيس الجديد وكان الشعور
العام الذي ينتاب معظم الذين قابلتهم هو الإحساس بالارتياح بسبب
انتهاء الصراع وإمكانية العمل سويا من جديد على إعادة كل شيء إلى
طبيعته .
إن النجاح الذي تحقق في بوروندي يوضح مدى الإنجاز الذي يمكن أن يتحقق
لشعب عانى من الحروب ومزقته الصراعات إذا ما حصل على الدعم اللازم
من المجتمع الدولي ومن كل المحيطين حوله ولعلنا نرى لأول مرة في
التاريخ سيطرة قوات حفظ السلام على مجريات الأمور وإحكام قبضتها
على الصراع في بوروندي .
جين ماري جوهينو
نائب الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام
خدمة انترناشيونال هيرالد تريبيون نيويورك تايمز خاص بالوطن
أعلى
وصمة كولن باول وكارثة كين كلارك
إن اعتراف وزير الخارجية الأميركي السابق الجنرال
كولن باول وندمه على أعماله المشجعة والمبررة لغزو العراق واحتلاله
ليست في توقيتها وحسب وإنما من موقعه السياسي ودوره في صنع القرارات
التي اقترفت انتهاكات خطيرة بحق القانون الدولي والإنساني وميثاق
الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية ولا ينفعه كثيرا الإقرار بأن
ما اقترفه وصمة في سيرته وان الأجهزة الاستخبارية غشته، مثلما لا
يجدي تأكيده ببطلانها كمبررات للغزو وعدم وجود صلة بين تنظيم القاعدة
والنظام العراقي قبل الغزو، وان ما قدمه أمام العالم من وثائق كانت
مزورة وكاذبة، وكل تلك الصور والمعلومات لفقت داخل مؤسسات الاستخبارات
الأميركية ولكن بلا شك أن هذا الاعتراف هو شهادة أولية له كمتهم
أمام القانون الدولي بجريمة المشاركة بالحرب والعدوان على بلدان
آمنة وعضو بهيئات الأمم المتحدة والإقليمية وتشملها كل القوانين
الضامنة لها من أي عدوان، حيث يعتبر أي عدوان جريمة حرب، وهذا ما
أراد باول قوله محاولا تبرئة نفسه من عواقب الجريمة القانونية، والمثول
أمام العدالة الدولية، عاجلا أم آجلا، هو وكل من اشترك بجرائم الحرب،
في أي مكان من العالم، وخصوصا في منطقتنا العربية.
لقد كان باول كغيره من موظفي الإدارة الأميركية يدافع بشراسة عن
سياسة بلاده العدوانية ، وتثبت سيرته الشخصية إخلاصه الوظيفي للإدارة
التي عمل فيها عسكريا ودبلوماسيا، دون أن تتأثر مصداقيته الفردية
من الأعمال التي مارسها واكتشف مؤخرا أن المبادئ التي كان يدافع
عنها كما كان يصرح في أكثر من مؤتمر صحفي هي جملة أكاذيب وخدع مرتبة
في دوائر أمراء الظلام الأميركي ، واستخدم هو وأمثاله لترويجها دون
اختبار صدقية أو اهتمام فعلي باحترامها لكلمة المبادئ أو القيم أو
الأعراف التي تخدم الإنسانية وتبني علاقات بين الأمم والشعوب عادلة
ومنصفة وصادقة.
تصريحات باول الأخيرة كشفت تجاهله لكل الأصوات الأخرى التي فندت
واقعيا وعلميا عبر وسائل الاعلام العالمية كل ما قام به في ذلك اليوم
المشئوم في الأمم المتحدة، وقبل الغزو وبعده، إذ أن ما قدمه من (براهين)
و(إثباتات) على وجود مصانع لأسلحة الدمار الشامل في شمال العراق،
ومساع لتطويرها، وخطط لاستخدامها، لم تصمد أمام وقائعها، وقبل أن
تفضحه تقارير اللجان الأميركية التي قدمت بعد احتلال العراق وكذبت
كل براهينه، كان هناك كذبة عيانيا، حيث قام صحفي بريطاني بزيارة
ميدانية لمناطق عرضها باول أمام الأمم المتحدة بأنها أماكن صنع أسلحة
كيمياوية، ونشر تقريرا مصورا في صحيفته البريطانية بعد أسبوع واحد
فقط من إعلانات باول في الخامس من فبراير 2003، وضح فيه خداع الادعاءات،
وعدم وجود أي أثر لمصانع أو مواد كيماوية بالمنطقة، وأن سكانها طلبوا
منه حبوب إسبرين لشفاء مرضاهم، وقصفت الطائرات الأميركية تلك المناطق
بكل أنواع الأسلحة المحرمة وقتلت العديد من سكانها بسبب ما قدمه
باول من أكاذيب كما أن عالما وفنيا عراقيا عمل في مؤسسات علمية عراقية
يقيم خارج العراق حاليا رد على تلك التصريحات في وسائل إعلام أميركية
مفندا بأسلوب علمي ومن خبرته الفنية ومعرفته بالتفاصيل وما حصل لتلك
المؤسسات، كل تلك المعلومات والبراهين الاستخبارية التي قادت إلى
الحرب والغزو والاحتلال، مؤكدا على أنها حجج واهية لا تصمد أمام
الواقع والضمير والأخلاق العلمية والسياسية والمهنية في كل الأحوال.
بالتأكيد لا يعني كثيرا اعتراف كولن باول وندمه لما حصل بالعراق
منه، ومن غيره من أسلحة الخداع الشامل التي مارستها الإدارة الأميركية
وحلفاؤها ضد الشعب العراقي وضد العراق والمنطقة حاليا ولكن أن يعترف
أحد رموز حزب الرئيس الحاكم وأحد رجال اليمين الأميركي له دلالاته
ومعناه، بأن ثمة انتباهة جديدة تدور في أجواء الإدارة الأميركية
ورموزها وتصارعها بين أجنحتها ومؤسساتها التي تقرر سياستها العدوانية
وبلا شك لولا صمود الشعب العراقي ومقاومة الوجود العسكري الأميركي
ورفضه الاحتلال وسياساته العدوانية وتكبد قوات الاحتلال خسائر بالغة،
لما اعترف باول ولا غيره من المشرعين الأميركيين والدبلوماسيين وغيرهم
ومطالباتهم بإعادة النظر في سياسات الإدارة والبحث عن مخارج جديدة،
بما فيها الانسحاب العسكري السريع وكسب ماء الوجه بدلا من الهروب
والهزيمة المدوية المنتظرة.
ومثلما يجري في أروقة الولايات الأميركية، يحصل مثله في بريطانيا،
الحليف الرئيسي لعدوان الإدارة الأميركية وسياساتها الخارجية، لاسيما
داخل حزب المعارضة، اليمين البريطاني، حزب المحافظين، بشكل ملفت
للنظر حيث صرح المرشح لرئاسة الحزب كين كلارك في حملته الانتخابية
أن قرار المشاركة البريطانية في الحرب على العراق كان كارثيا وأن
المبررات التي قدمت إلى البرلمان لغزو العراق كانت ملفقا هذا الاعتراف
من زعيم محافظ يأتي أيضا ضمن هذه الأجواء، وليس هو الأول من حزبه
من عارض الحرب، ولكنه الأول من أعلن في حملته الانتخابية لرئاسة
حزب المحافظين مثل هذا الاعتراف والموقف من الحرب على العراق واحتلاله
الآن وبلا شك الخسائر الكبيرة التي تدفعها بريطانيا عسكريا وبشريا
واقتصاديا هي من العوامل الرئيسية في كل ذلك فأعداد القتلى من الجنود
الأميركان والبريطانيين حسب إحصاءات وزارات الحرب بلغ الألفين وعدد
الجرحى تجاوز العشرين ألفا، والخسائر المادية المباشرة لإدامة الاحتلال
تجاوزت الستة بلايين دولار شهريا، يضاف لها بلايين أخرى تدفع بشكل
غير مباشر، لعقود مدنية ومساعدات خارجية ونفقات إضافية لأبواب مختلفة
من صفحات الحرب والاحتلال وكل هذه الأرقام تؤثر مباشرة على حياة
المواطنين في البلدين مباشرة ويوميا، من أخبار القتلى والجرحى إلى
دفع الضرائب وارتفاع الأسعار وبالتأكيد جاءت عواقب إعصار كاترينا
فضيحة أكبر لجبروت الإدارة الأميركية وحلفائها وعماها السياسي وعجزها
عن حماية سكان بلادها من كوارث طبيعية معروفة ومحسوبة مسبقا وفي
تعليقات مختلفة على تصريحات كلارك من أعضاء حزبه أشير فيها إلى صحة
ما استمر عليه من مواقف مناهضة للحرب وتصعيدها إلى تسميتها باسمها
الصحيح، الكارثة، وما حصل بعدها من (إرهاب عام) داخل العراق وخارجه،
ومنها بريطانيا، جعل كلامه أكثر أهمية من السابق للمحافظين خاصة،
الذين يتحالفون مع الإدارة الأميركية اليمينية دون اعتراض، وذكر
أحدهم بقول للمستشار السابق لشئون الأمن القومي الأميركي بريجنسكي:
ليس دائما الرئيس الأميركي على صواب وطالبوا بأخذ ما قاله كلارك
على محمل الجد، والانتباه لما يحصل داخل الإدارة الأميركية ولاسيما
من أولئك المعروفين بمواقفهم المؤيدة للإدارة والذين بدأوا يدقون
أجراس الإنذار لها قبل فوات الأوان.
صحوة المعتدلين في اليمين الأميركي والبريطاني والانتباه إلى عواقب
الكارثة التي وصلوا إليها، هل تقنع أصحاب القرار من المتطرفين اليمينيين
في إدراك خطورة ما يرتكبون بحق الشعوب، ويقرون بوصمة العار التي
جلبوها لشعوبهم ؟.
كاظم الموسوي
كاتب وصحفي عربي ـ لندن
k_almousawi@hotmail.com
أعلى
سكان كوكب بعيد..!
لو أن أحد سكان كوكب آخر بعيد عن المجموعة
الشمسية استمع يوم 15/9/2005 إلى كلمة أرئيل شارون أمام الجمعية
العامة للأمم المتحدة لاحتاج الى عدد من المناديل الورقية لتجفيف
الدمع , وهو يرى رقة وعذوبة وشفافية الرجل ويصغي الى (حلم) قوم بوطنهم
استمر أكثر من ثلاثة آلاف عام ولهتف :( يا له من رجل سلام يا له
من كريم) , إذ يعرض على هؤلاء الفلسطينيين قطعة أرض في فلسطين التي
هي (أرض الميعاد)..!
لكن المشكلة أن الذين استمعوا الى أرئيل شارون من سكان الكرة الأرضية
, وهم قد خبروا ورأوا وقرأوا وعاشوا وعرفوا كل المسألة وكيف أن فلسطين
كانت لآلاف من السنين عربية وضمت أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين
, وأنها كانت مهدا للسيد المسيح, وأن الأديان الثلاثة عاشت في القدس
وعموم فلسطين في وئام حتى جاءت الحركة الصهيونية واستحصلت على وعد
(بلفور) وأرسلت الى فلسطين المهجرين اليهود, لكي ينظّموا العصابات
ليحتلوا أرض فلسطين ويشردوا شعب فلسطين, وإن ارئيل شارون ذاته صاحب
خطوة كبرى في اقتراف المجازر في فلسطين ومخيمات الفلسطينيين في لبنان,
صبرا وشاتيلا شاهدين أبد الدهر.. وأن شارون ذاته هو الفائز برئاسة
الوزارة في دولة الاحتلال بوعد إنهاء الانتفاضة الفلسطينية خلال
(مائة) يوم فقط..!
خطاب أرئيل شارون جاء بعد إنهاء الانسحاب من قطاع غزة, وهو انسحاب
من طرف واحد.. وجاء شارون يطلب الثمن, مع أن الانسحاب كان في صالح
دولة الاحتلال, أمنيا وإعلاميا وسياسيا والذي يقرأ خطاب شارون يشعر
أن هذا الرجل إنما يجود على شعب فلسطين بفتات من أرض هذا الشعب وبشروط
عدة في مقدمتها:
ـ تفكيك البنى الأساسية للفصائل الفلسطينية.
ـ إشهار السلطة الفلسطينية الحرب على ثقافة (الكراهية) ـ وكأن هذه
الثقافة غرس فلسطيني بحت, وهي اللفظة التي يطلقها الاحتلال على من
يطالب بحقوقه المشروعة.
ـ الإقرار الفلسطيني بأن المقاومة إرهاب.
ـ التخلي عن القدس لأنها يجب أن تكون العاصمة الأبدية الموحدة للاحتلال.
ـ الإصرار على بناء الجدار العازل.. وتوسيع الاستعمار في الضفة الغربية.
ـ على الضحية إثبات رغبتها في السلام دون أن يكون هذا السلام مشروطا
ومصحوبا بالعدالة.
ـ على المجتمع الدولي عموما والعربي خصوصا أن يكافىء دولة الاحتلال,
على انسحابها العسكري من غزة, وليس بالتصفيق حسب, بل بإقامة أفضل
العلاقات معها.
الكرة , إذن , في الملعب الفلسطيني , حيث يجب أن يثبت الفلسطينيون
أنهم قد تخلوا نهائيا عن حق العودة الى فلسطينهم المحتلة منذ عام
1948 وعليهم أن يتخلوا عن القدس, وعليهم أن يقبلوا بقطع وببقع من
الأراضي في الضفة الغربية يجود بها عليهم المحتلون, بعد أن يثبتوا
جدارة في إدارة قطاع غزة, سياسيا وأمنيا وثقافيا واقتصاديا, وبعد
أن يزرعوا بذور الاستسلام والتسليم والمعايشة دون أن يحصلوا على
حقوقهم, وعليهم كذلك نسيان جميع قرارات الأمم المتحدة ـ التي كانت
ظالمة جدا للاحتلال ـ والغريب أنهم يتمسكون بها مع أن المحتل يعرض
عليهم المحبة والسلام والأمن والدولة بعد حين..!
نسي شارون أن ذاكرة الشعوب والأمم قوية وأن ذاكرة شعب فلسطين ليست
مثقوبة , نسي الحقائق الجغرافية والتاريخية وزّور كما أراد واشتهى
, وبكي على سلام مفقود , وأعلن التضحية القاسية جدا وهو يقول أنه
مستعد للتنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل في سبيل المساكين الفلسطينيين
الذين عاشوا في هذه الأرض ولم يحلموا بالعودة إليها طوال ثلاثة آلاف
عام.
إن قلب الحقائق ممكن في ظل الجهل والجهالة والتجهيل , لكن في عالم
اليوم يغدو الذي يحاول أن يقلب الحقائق كمن يغطي شمس الكون بالغربال,
ويبلّط البحر بالدموع , ويؤكد أن الشمس تطلع من الغرب وتغيب من الشرق
إن مخاطبة العالم في القرن الحادي والعشرين يجب أن تستند الى قدر
كبير من الاحترام للعالم وليس إلى تصور المقدرة على النجاح في التضليل
وقلب الحقائق وتزوير الوقائع وإعادة كتابة التاريخ من منظور (الوقائع
المصنوعة) بالقوة وبالغدر والمناورة ليس هناك في العالم من يقول
إن العرب (شنّوا) على إسرائيل أربع حروب خلال أقل من ستين عاما,
بل إن دولة الاحتلال هي التي شنّت هذه الحروب العدوانية التوسعية
على العرب وليس في هذا العالم من يصدق أن شعب فلسطين إرهابي وقد
ترعرع على ثقافة الكراهية إذ ـ على الأقل ـ أن الدين الإسلامي الذي
يدين به معظم أبناء فلسطين هو دين المحبة والسلام والعدالة. لذا
فإن شارون في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تصور أنه
يخاطب أناسا من عوالم أخرى ومن كواكب أخرى, لم يشهدوا أحداث القرن
العشرين, وهم لا يعرفون شيئا عن سكان كوكب الأرض وحتى يدرك شارون
أنه يخاطب أهل كوكب الأرض فإن ثمة فاصلة مكانية خطيرة قادمة.. فاصلة
زمانها تفرضه حقائق التاريخ وإرادة الحق والعدالة والسلام المضيّع,
وفاصلة إمكانية تؤكد أن جغرافية فلسطين جزء من جغرافية أمة العرب
والمسلمين وأن العدالة التي يمكن أن تتحقق تبدأ بالعودة الفلسطينية
وحق التعويض, وبدولة عاصمتها القدس, وقابلة للحياة والنمو, وبسجون
بيضاء خالية من الأسرى الفلسطينيين في أقل تقدير سوى ذلك رجم لرحمانية
المظلومين المتكلين على الله في تحصيل حقوقهم وإنهاء معاناتهم وإحقاق
الحق وإزهاق الباطل.
نواف أبو الهيجاء
كاتب فلسطيني
nawafabulhaija@yahoo.com
أعلى

تحت المجهر
تكاتفت الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة
في الأسبوع الماضي لتضع ما يدور في معظم بلدان العالم وبين هذه البلدان
تحت المجهر وكان أهم هذه الأحداث وأولها إعصار كاترينا الذي أظهر
للشعب الأميركي أولاً وللعالم ثانياً أن البشرية كلها في قارب واحد
وأن على البشر جميعاً أن يتكاتفوا لدرء أخطار الطبيعة التي قد تنزل
بهم أشدّ الأذى في أي لحظة بغض النظر عن قوة الدولة وعظمة قدراتها
التكنولوجية أو الاقتصادية ، ولعلّ ذلك شكـّل دافعاً للجميع ليعيدوا
النظر بالانتهاكات التي اقترفها الإنسان ضدّ البيئة والغابات والموارد
الطبيعية خلال ثورته الصناعية المستمرة منذ قرون، وضرورة العودة
إلى الأساسيات في التعامل مع البشر والشجر وظهرت هذه الدعوات أكثر
ما ظهرت في المبادرة التي دعا إليها الرئيس الأميركي السابق بيل
كلينتون والتي حضر اجتماعاتها في نيويورك مؤخراً مئات المشاركين
من قادة سياسيين ورجال أعمال وقادة منظمات ومفكرين وشخصيات عامة
ركـّزت المبادرة على مكافحة الفقر ، وتبني الحكم الرشيد، وإنهاء
النزاعات بين الأديان، والتعامل السليم مع البيئة وسرعان ما اكتشف
الجميع خلال المداخلات أن كلّ هذه المواضيع متداخلة ويؤثر أحدها
في الآخر سلباً أو إيجاباً وقام بعض الحضور بتوقيع التزامات لمحاولة
التخفيف من حدّة الهوّة بين الفقراء والأغنياء، وتكريس بعض الموارد
للقضايا الملحّة في آسيا وأفريقيا على التوازي مع هذه المبادرة كانت
الجمعية العامة للأمم المتحدة منشغلة بتلاوة عشرات الرؤساء خطباً
لن يتجاوز تأثيرها الخبر الذي كـُتِبَ عن بعضها بينما كانت الوفود
منشغلة بوضع اللمسات النهائية القليلة على الوثيقة الختامية لنتائج
القمة العالمية لعام 2005، فهذه الوثيقة ستكرر سابقاتها، والتي ستنضمّ
إلى مئات الوثائق والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تنتظر
لترى طريقها إلى حيّز التنفيذ وتبلـّور في النقاشات الدائرة في مدينة
نيويورك قلق عالمي حول التحوّل الذي تشهده البشرية اليوم وإلى أين
سوف يقود هذا التحوّل فقد عبّرت القوى التي تقود النظام والاقتصاد
العالمي اليوم عن قلقها من سرعة نموّ قوى جنوب آسيا وخاصة الهند
والصين واللتين سجلتا نمواً سيجعل منهما قوى لا يُستهانُ بها في
المستقبل القريب بينما عبّرت الدول الأفريقية عن قلقها من نوايا
الولايات المتحدة وأوروبا في دعم منتوجاتها الزراعية وعدم رغبة أيّ
منها بالتخلـّي عن هذا الدعم مما يؤثر سلباً على أيّ منافسة أخرى
لهم كما عبّرت دول إسلامية عن قلقها من وضع الإسلام كدين والمسلمين
جميعاً في قفص الاتهام بالإرهاب واختلاق معارك بين المسلمين والغرب
سواء أكان المسلمون في الغرب أم في بلدان ذات أغلبية إسلامية، كما
عبّر أصحاب الحقوق عن قنوطهم من الاحتفاء بمن يعيد فتاتاً من الحقوق
بينما تبقى المسائل الجوهرية عالقة على ضمير الإنسانية واتفق الجميع
على أن الإعلام اليوم هو سيّد الموقف وأنّ أحداً لا يتمكن من التعرّف
على حقيقة الأمور حيث إن الإعلام هو الذي يصيغ المفاهيم ويقود الآراء
ويحدد المواقف بحيث أصبح من المتعذّر جداً التوصل إلى قناعات مخالفة
لما يُشاع في وسائل الإعلام، الأمر الذي يُملي على أصحاب القضايا
إيجاد الوسائل الإعلامية المناصرة لهم إذ أنّ ساحات المعارك تحوّلت
إلى وسائل إعلامية مرئية ومسموعة ومقروءة وإلكترونية كما ظهر اتفاق
غير معلن أن العالم يتخبّط اليوم ويبحث عن معالجة نتائج توجّهات
غير ناضجة وغير مدروسة وغير واضحة وأنّ المطلوب هو التأمل والتأني
في رسم السياسات المتـّبعة بدلاً من البحث عن وسائل معالجة نتائج
سياسات متسرّعة أو مغرضة مع إدراك الجميع أنّ الأهداف الحقيقية للسياسات
تبقى طيّ الكتمان لأنها لا تتلاءم والكلام الوردي والمثالي الذي
يتم التعبير عنه في مثل هذه المناسبات الاحتفالية والخطابية فما
إن يلتقي المساهمون خارج قاعة الاجتماع حتى يتحدّثوا صراحة عن حاجة
العالم إلى المصداقية والشجاعة والقيادة الصادقة والجريئة، وأنّ
التقدّم التقني لم يترافق مع محاولة إشاعة المساواة والعدالة الاجتماعية
مع المكانة المحفوظة للكرامة الإنسانية بغضّ النظر عن الزمان والمكان
.
ولعلّ أهم ما نتج عن هذه النقاشات هو العودة إلى الأساسيات وربما
البديهيات في الحياة الإنسانية ومنها الصراع بين الفكر والمادة،
وبين من يحاولون إصلاح مسار الأحداث في العالم وبين من يستثمرون
كلّ مسار من أجل مضاعفة الثروات بغضّ النظر عمّا تسببه هذه السياسات
من فرقة أو تمييز أو ألم إنساني. ولكنّ الأكيد في كلّ هذا هو أن
القوى والبلدان تتسابق اليوم من أجل تسخير التحوّل الذي يجري اليوم
في حركة التاريخ لصالحها وصالح شعوبها وأنّ الجميع مُدرك أننا في
مرحلة يتحوّل بها التاريخ من شكل إلى آخر والجميع يحاول أن يُؤثر
في هذا التحوّل أو يغيّر في مساره وبغض النظر عن نقاط الاتفاق أو
الخلاف في أيّ من المواضيع المطروحة فإن الشيء المؤكـّد هو أنّ المعركة
اليوم فكرية ومعرفية لأنّ القناعة المشتركة للجميع هي أن الفكر هو
الأصل وهو المحرّك الأساسي لحركة الإنسان والتاريخ أوليس هذا ما
اكتشفه العرب قبل غيرهم منذ قرون حين كانت مكتبة قرطبة تشعّ نوراً
ومعرفة للإنسانية جمعاء. فكيف حاول الآخرون إقناع من كان سبّاقاً
في إنتاج الفكر واللغة والأدب وقبل كل ذلك، الأبجدية طبعاً، إن المال
والمادة هما الأساس وأن من لا يمتلكهما لا يمتلك شيئاً، بينما عادوا
أنفسهم اليوم يتسابقون لجذب الأفكار والمفكـّرين والعلم والعلماء
مدركين أن الفكرة هي الأساس وأنّ من لا يمتلك الفكر لا يمكن أن يمتلك
شيئاً من عناصر القوّة.
لقد عبّرت المساهمات المختلفة لأبناء شعوب وبلدان وحضارات مختلفة
عن انقضاء عصر العولمة بمفهومه التسطيحي الذي أريد له أن ينسحب على
كلّ البشر وكلّ الأشياء بشكل قسري ونموذج واحد وأكـّد الكثيرون على
خصوصية رؤيتهم أو ثقافتهم أو معاناتهم أو توجّههم مع الاعتزاز بالتفرّد
والدعوة غير المعلنة لاحترامه والتعلـّم منه كل هذا يعيد للمعرفة
المحلـّية قيمتها ومصداقيتها وللثقافات والتراث المختلف ألقه ودوره
في الحضارة البشرية، ويجب أن يُعيد للدول المستضعفة عسكرياً أو مادياً
شعورها بالقدرة على الإغناء بالفكر والرؤية والعطاء الإنساني، ويُعيد
للبشر جميعاً أهمية العودة إلى الأساسيات في التقييم الأخلاقي والإنساني
حيث تحتلّ الشجاعة والقيادة موقعاً هاماً في تحوّل التاريخ.
كلّ هذا يجب أن يقشع الضباب الذي أصرّت دوائر عدّة على إشاعته عن
الحداثة والعصرنة وارتباطهما بالقوة لإحباط أصحاب الحقوق وصنّاع
الحضارة والتاريخ ودفعهم إلى اليأس والقنوط قبل أن تبدأ المعركة
لقد وضعت أحداث إعصار كاترينا والنقاشات الحادة والمتنوعة في نيويورك
حركة التاريخ في عالم اليوم تحت المجهر لتثبت من جديد أنّ الإنسان
هو غاية الحياة ومنطلقها وهو الذي يوجّه الحدث ويصنع التاريخ وأنه
هو الرأسمال الأهم لأنه هو صانع الحدث وموجّه التاريخ.
د. بثينة شعبان
وزيرة المغتربين في سوريا
أعلى
التوجه الانعزالي هو التهديد الأكبر لأميركا فيما بعد كاترينا
لعله من المثير للسخرية ان الرئيس الفنزويلي
اليساري هوغو شافيز والمرشح الرئاسي الاميركي اليميني بات بوكانان
كان لديهما نفس رد الفعل عقب الفترة الكارثية لاعصار كاترينا حيث
ذكر كلاهما ان امبراطورية الولايات المتحدة قد تكون في حالة احتضار.
هل هذا حقيقي ؟ فهل كاترينا هي كارثة جغرافية سياسية بالنسبة للولايات
المتحدة كما يدعي المتطرفان على جانبي الطيف السياسي؟
قبل الاجابة على هذه الاسئلة دعونا نلقي نظرة على ما قاله كل من
شافيز وبوكانان حيث تحدث حاكم فنزويلا الذي يصف نفسه بانه ثوري في
خليج مونتيغو في جامايكا في 7 سبتمبر لدى توقيعه على عقد لتزويد
دول منطقة الكاريبي بالنفط باسعار تفضيلية قائلا: امبراطورية اميركا
الشمالية ربما تكون قد اصيبت اصابة قاتلة ونأمل ان تكون قد اصيبت
بشكل قاتل واضاف اما ان تلقى هذه الامبراطورية حتفها ام ان العالم
سوف يفنى .
وكرر شافيز الذي كان يتحدث بجوار الرئيس الكوبي فيدل كاسترو نظريته
بانه في الوقت الذي تغرق فيه اميركا ببطء في ازمة سياسية جراء الرد
الحكومي غير الفعال على كاترينا والارتفاع في اسعار النفط العالمية
والحرب على العراق فان العالم يتحرك صوب اشتراكية القرن ال21 حيث
سيكون رموز مثل كاسترو في كوبا هم النجوم السياسيون الجدد.
في غضون ذلك كان بوكنان في الولايات المتحدة يذكر ان الصيف قد انتهى
بالنسبة لاميركا وان الصورة الموحدة لبوش بوصفه القائد الاعلى على
كومة من الانقاض في نيويورك في أعقاب 11 سبتمبر 2001 قد تم استبدالها
باتهامات قبيحة لمن اضاع نيو اورلينز كما كتب في صحيفة ميامي هيرالد
والذي اضاف فيه بان الامبراطورية في ازمة لانها مدت نفسها باكثر
من اللازم وقال: مع صعود العجز في الميزانية الفيدرالية بسبب كاترينا
الى 400 بليون دولار وعجز تجاري بما يتراوح بين 700 الى 800 بليون
دولار وادخار الاميركيين 1% فقط من دخلهم فاننا لم نعد نستطع تحمل
بعد مثل هذا الهراء حيث يجب ان ينتهي خفض الضرائب او دولة الرفاهية
او الامبراطورية الاميركية الجديدة فلم نعد نستطع تحمل كل ذلك.
يردد الكثيرون الكلام المؤثر للساسة المحافظين المتطرفين في اميركا
ووجهات نظرها تذكر ان الحل هو حكومة اصغر فهم يريدون خفض الانفاق
العام وغلق الحدود وتقليص الالتزامات العسكرية والاقتصادية الاميركية
في أرجاء العالم بما في ذلك اتفاقيات التجارة الحرة مع اميركا اللاتينية.
لعله من المهم انه في الوقت الذي يسوق فيه بوكانان حججه ان تكشف
الامم المتحدة عن تقرير ضخم يذكر ان بلدانا غنية مثل الولايات المتحدة
لم تف بالتزاماتها للقضاء على الفقر في العالم وانه يجب على واشنطن
ان تزيد بشكل كبير معونتها الخارجية ويذكر تقرير التنمية البشرية
للامم المتحدة في 2005 ان المعونة الدولية هي من اكثر الاسلحة المؤثرة
في الحرب على الفقر واليوم فان هذا السلاح قيد الاستعمال مشيرا الى
انه في الوقت الذي تعد فيه الولايات المتحدة هي اكبر متبرع في العالم
الا انه تقريبا في اخر البلدان الغنية في المعونة الاجنبية التي
تقدمها اذا قارنا حجم التبرع بحجم اقتصادها.
استنتاجي هو ان اكبر تهديد في فترة ما بعد كاترينا في العالم ليس
احلام شافيز بمنافس شيوعي شمولي بل هو في توق بوكانان الى ولايات
متحدة منعزلة ومنكفئة على نفسها وهو الذي يمكن ان يقلص التزاماتها
بمساعدة فقراء العالم والدفاع عن حقوق الانسان والحريات الاساسية.
فرؤية شافيز لرأسمالية يقضي عليها بالاعدام مشوشة لدرجة انها قد
لاتحتاج الى تعليق حيث في الحقيقة فان النجاح الاقتصادي الظاهر في
الصين والهند وشرق اوروبا سابقا في السنوات الاخيرة قد يجد طريقه
في التاريخ بوصفه اكبر ثورة رأسمالية في التاريخ.
لاول مرة على مر قرون ينخفض الفقر في العالم بمقدار النصف تقريبا
من
40% الى 21% منذ ان بدأت الصين والهند انفتاحهما على الاقتصاد العالمي
قبل عقدين حسب ارقام البنك الدولي في هذه الاثناء فان الفقر في فنزويلا
قد ارتفع بنسبة 10% منذ تولي شافيز للسلطة حسب الارقام الرسمية الفنزويلية
وباتت كوبا احدى دول اميركا اللاتينية ذات ادنى مستوى في نصيب الفرد
من الدخل القومي.
من غير المحتمل ان يمثل اعصار كاترينا نهاية لوضع الولايات المتحدة
كقوة عظمى فالاقتصاد الاميركي قد تضرر بشكل كبير جراء العجز في الميزانية
ان التحدي الاكبر امام الانتعاش الاميركي والامل الاكبر لفقراء العالم
ليس في التعرض للعوامل الطبيعية بل في التوجه الانعزالي.
أندريس اوبنهايمر
مراسل صحيفة ميامي هيرالد في اميركا اللاتينية خدمة(كيه ار تي) خاص
ب(الوطن.)
أعلى