
3 أبعاد
غزة اللبنانية
الفوضى الأمنية المتفشية في قطاع غزة تدلل لأعداء الدولة الفلسطينية
على أن الشعب الفلسطيني ليس قادرا على إدارة اقليم فلسطيني ، فما
بالك بإدارة دولة كاملة. ويقول مراقبون إن غزة اليوم تشبه لبنان
اثناء الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاما وانتهت عام 1990.
ويقولون ان غزة تشبه ايضا افغانستان والصومال في التسعينيات. في
كل هذه الأمثلة كانت هناك حكومة مركزية ضعيفة ، اولا حكومة، مما
سمح للميليشيات والجماعات المحلية المسلحة أن تحكم بدون احترام لحكم
القانون. السلطة الوطنية الفلسطينية تقول إن الفوضى في غزة مرجعها
رغبة بعض الفلسطينيين في منع إجراء الانتخابات في الخامس والعشرين
من هذا الشهر. ولماذا يريد هؤلاء الفلسطينيون منع الانتخابات؟ السبب
هو خشيتهم من ان تفوز حماس بعدد كبير من المقاعد في تنافسها مع فتح.
وهذا يعني ان اعضاء وانصار فتح هم انفسهم وراء الفوضى الضاربة في
غزة. وإذا تحرينا احداث العنف الأخيرة في القطاع يمكن ان تتضح لنا
الصورة عمن تقع عليهم المسئولية. في الأيام الأخيرة اقتحم مائتان
من رجال الشرطة الفلسطينية مكاتب وزارة الداخلية الفلسطينية في رفح
وحطموا النوافذ. وقال رجال الشرطة هؤلاء إنهم كانوا يحتجون على فشل
حكومة الرئيس محمود عباس في مكافحة الأعمال الخارجة على القانون.
وفي اليوم التالي اقتحم عدد من اعضاء جماعة فتح المسلحين مكاتب وزارة
الداخلية هناك للمطالبة بالإفراج عن زملاء لهم قبض عليهم بسبب اختطافهم
ناشطة بريطانية في حقوق الإنسان ووالديها. وبعد ذلك قامت مجموعة
من الفلسطينيين بهدم الجدار الحدودي بين مصر ورفح باستخدام بلدوزر،
فتح الحدود أمام مئات من الفلسطينيين الذين تدفقوا عبورا داخل مصر،
مما اسفر عن اشتباكات سقط فيها شرطيان مصريان وجرح فيها عشرون آخرون.
واشعل المتسللون النار في مركبة عسكرية مصرية على الحدود.
وإذا اضفنا الى هذا حقيقة ان حماس لها ميليشياتها الخاصة، وكذلك
جماعة الجهاد الفلسطينية، فضلا عن جماعات تسمي نفسها لجان المقاومة
الشعبية، لأدركنا أن أكثر من مليون فلسطيني في غزة يعيشون تحت سيطرة
ورحمة ميليشيات مسلحة لا تخضع للحكومة المركزية في رام الله. بل
إن بعض اعمال العنف يأتي من جماعات مرتبطة بالحكومة في رام الله.
لكن الصورة لا تزال اسوأ. ففي سيناء، عبر الحدود داخل مصر تنخرط
الشرطة المصرية في معركة ضد متطرفين مصريين اقترفوا اعمال عنف في
شرم الشيخ وطابا. أي ان هناك تواصلا عبر الحدود المصرية الفلسطينية
لأعمال العنف والخروج على القانون. في لبنان أثناء الحرب الأهلية
كان العنف اللبناني يستهدف اللبنانيين. وفي العراق اليوم نجد ان
قدرا كبيرا من العنف العراقي يستهدف العراقيين. وفي غزة نرى معظم
العنف الفلسطيني يستهدف الفلسطينيين. ليست هناك صلة واضحة بين العنف
الفلسطيني الأخير في غزة وبين الحملة الانتخابية الفلسطينية. على
الأقل، ليست هناك صلة بين الوقائع التي اوردناها وبين الانتخابات،
كما تحاول السلطة الوطنية الفلسطينية اقناعنا. إذا استمر العنف الفلسطيني
بعد الانتخابات فربما كان على حكومة رام الله أن تلجأ الى جامعة
الدول العربية التي وضعت ، في الطائف ، نهاية للمذابح اللبنانية
في الحرب الأهلية ، وتحاول اليوم ، في القاهرة ، وضع نهاية للمذابح
العراقية ضد العراقيين. وسيكون على عمرو موسى أن يذكر المسلحين الفلسطينيين
في غزة بأنهم تحولوا، بسلاحهم ، من مقاومة الاحتلال العسكري الإسرائيلي،
الى قتل مقومات الحياة لدولة فلسطينية ظلوا يحلمون بها ويضحون من
اجلها ردحا طويلا من الزمن.
عاطف عبد الجواد
agawad@aol.com
أعلى
رأي الوطن
أداء المناسك بين التنسيق والوعي الشخصي
حين يشد حجاج بيت الله الحرام رحالهم الى الاراضي
المقدسة لأداء هذه الشعيرة العزيزة على قلب كل مسلم، انما يكونون
مغمورين بفرحة ادائهم لها إلى حد ينسيهم وعثاء السفر ومشاق الترحال،
خاصة إذا كانوا من كبار السن او النساء او الاطفال المسافرين بصحبة
والديهم، وتظل هذه الفرحة تواكب المسيرة ومراحلها حتى رمي الجمار،
حيث يؤدي التدافع في مرات عديدة الى سقوط المئات ضحايا هذا المنسك
وامس أدمت حادثة وفاة 345 حاجاً القلوب حيث كان الضحايا يؤدون آخر
خطوات المنسك الشريف وهي رمي الجمار ويتأهبون للعودة الى ديارهم
للقاء الاهل والاحبة والاستمتاع بشعور المؤمن الذي قضى فرضه وأرضى
ربه ونال بذلك خيري الدنيا والآخرة.
لقد اجرت المملكة العربية السعودية الكثير من التعديلات والاضافات
على منطقة رمي الجمرات لتجعل الامر اكثر سهولة ويسرا واقل خسائر
في الارواح، لكن اضافة التعديلات على الموقع تظل مجرد ضلع من مربع
الاهتمامات التي ينبغي بحثها بجدية لاستكمال هذه المهمة الصعبة والثلاثة
اضلاع الاخرى تتعلق حسب ما نعتقد في دور كل دولة مع حجاجها ودور
الدول الاسلامية في علاقاتها التنظيمية قبيل الشروع في عملية ترحيل
الحجاج الى مكة والمدينة، ثم هناك ما يتعلق بسلوك الحاج نفسه وحتمية
التزامه بالتعليمات التي توجه اليه لحماية حياته وحياة الآخرين وإسباغ
مناخ التقديس والتبجيل على تحركات الحجاج خلال اداء مناسك الحج.
فكل دولة ينبغي ان تنظم لحجاجها دورات تشرح فيها كيفية اداء المناسك
وتحذرهم من مخاطر لا تكون في حسبانهم يتعرضون لها بعفوية وحسن نية،
واحيانا عن شيء من الجهل بعوامل السلامة التي ينبغي الالمام بها
في اماكن الزحام كما ان على الدول الاسلامية ان تتدارس فيما بينها
افضل السبل للتنسيق والترتيب الزمني لتحركات حملات الحج في الذهاب
والاياب والتحذير الصارم من تجاوز ما يتم الاتفاق عليه من لوائح
منظمة بالاستعانة بفتاوى معتدلة تحوز اتفاق الغالبية العظمى من اهل
الفتوى وبخاصة فيما يتعلق بالرخصة التي تحتمها الضرورات، وما من
ضرورة اكثر اهمية من ضرورة حفظ النفس من التهلكة حيث لا ضرر ولا
ضرار في الاسلام، ورغم ان ثمة رخصة لرمي الجمار قبل الزوال الا ان
البعض يحرص على التشديد برميها بعد الزوال وهو امر لم يعد يستقيم
مع وجود هذه الملايين من البشر في وقت واحد في مكان واحد.
اما السلوك الشخصي للحاج فلعله اهم ضلع من اضلاع المربع الذي تحدثنا
عنه فرغم هيبة المقام وقداسة الشعيرة الا ان الانشغال بأمور الدنيا
يظل يمسك بتلابيب بعض الحجاج الذين يهتمون بالشراء وحمل المتاع الثقيل
معهم الى موقع الرمي وهذا خطأ جسيم ينبغي تجنبه، ثم هناك من ذوي
الظروف الشخصية غير المعينة من يصر على الرجم بنفسه مع وجود رخصة
تتيح له ان ينيب عنه من يقدر على تحمل الزحام.
ان اعتبارات القداسة هي التي ينبغي ان يتمثلها الحاج في كافة تحركاته
فاذا كانت وصايا قيم وآداب الحج تبدأ من التحذير من امور اقل من
التدافع حتى الموت (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فمن باب
اولى يكون التزاحم والتدافع خروجاً على آداب الحج مهما كانت المبررات
لمثل هذا الفعل المتكرر، وكأن احدا لا يتعلم من تجارب الماضي فمازالت
حوادث التدافع في (نفق المعيصم) وحريق منى وغيرهما من حوادث مؤسفة
ماثلة في الاذهان وذكرياتها الاليمة تلح علينا ان نتوخى الحذر من
الوقوع مرة اخرى في براثن مبطلات الحج من حيث اردنا اتمام مراحله.
والامل معقود في ان تجد هذه المآسي المتكررة نهاية قريبة تجعل الحج
اكثر اكتمالاً ومهابة وقداسة وبمنأى عن عوامل التهلكة.
أعلى
كان على الزعماء الاوكرانيين اتخاذ خطوات من قبيل إيجاد احتياطي
غاز اكبر ورصد اموال لتيسير الانتقال الى الاسعار الاعلى والتوقيع
على عقود مع مزودين اخرين. لكن بدلا من ذلك فان حكومة يوتشينكو وجدت
نفسها عاجزة عن صنع سياسة اقتصادية مع عجزها عن اصلاح علاقاتها مع
روسيا.
مناورة الغاز غير المدروسة من قبل روسيا
ارييل كوهين*
بعد قرن من الزمن تقريبا من اندلاع الحرب العالمية الاولى يستخدم
الوقود كسلاح حربي.وان كان في هذه المرة وعلى الرغم من ان الوقود
محل النزاع هنا هو الغاز الطبيعي فان الحرب هنا اقتصادية وليست عسكرية.
كما ان المشاركين فيها مختلفان ايضا وهما روسيا واوكرانيا. حيث عندما
اعترض المسئولون في اوكرانيا على الارتفاع الكبير في المبالغ التي
كان عليهم دفعها لروسيا مقابل الغاز الطبيعي قطعت شركة غازبروم وهي
الشركة المملوكة للدولة التي تحتكر هذه السلعة الامدادات في مطلع
هذا العام الى ان تم ابرام اتفاق فيما بعد ثلاثة ايام تم بمقتضاه
رفع ما ستدفعه اوكرانيا من 50 دولارا الى 230 دولارا للالف متر مكعب
من الغاز الطبيعي الروسي.
وان كان ذلك ليس بالقاصمة الكبيرة بالنسبة لاوكرانيا كما يتراءى
للوهلة الاولى.حيث ستتجه الى تركمانستان لتكون المزود الرئيسي لها
بالغاز كما ستشتريه ايضا من كازاخستان واوزبكستان بسعر 95 دولارا
للالف متر مكعب لمدة 5 سنوات وهو ما يعادل ثلث السعر الذي تدفعه
غرب اوروبا تقريبا.
ومن خلال مضاعفة سعر الغاز الروسي الى نحو اربعة اضعافه حاولت موسكو
توجيه ضربة قوية للرئيس فيكتور يوتشينكو الذي يرى فيه الزعماء الروس
بانه موال لاميركا ومعاد لروسيا وللتاثير على نتيجة الانتخابات البرلمانية
الاوكرانية في مارس المقبل.وسوف تتكبد اوكرانيا ثمنا فادحا حيث ان
ما يتراوح بين 5 الى 10%من ناتجها المحلي الاجمالي سيتجه الى تغطية
النفقات الجديدة للطاقة ويمكن ان يقلل ذلك نموها الاقتصادي.
ومع ذلك فان مثل هذا التصرف ربما يكون خطوة خاطئة من قبل روسيا.
ذلك لان عزمها على التسييس المبالغ فيه لامدادات الطاقة قد اضر بصورتها
بوصفها منتجا للطاقة يعول عليه. حيث ان عشرات البلايين من الدولارات
في شكل استثمارات اجنبية مستقبلية وعقود قد باتت معرضة للخطر وهو
ما يزيد في قيمته كثيرا على قيمة واردات الغاز الاوكراني.
ونتيجة لهذه المناورة غير المدروسة من قبل موسكو فانه من المرجح
ان يتحول الاوروبيون الى تركمانستان واذربيجان والجزائر ونيجيريا
وقطر وايران لتنويع امداداتهم من الغاز.حيث سيغدون قلقين من الاعتماد
على غازبروم.
وان كانت اوكرانيا تتحمل قسطا من اللوم.حيث انها تجاهلت مشكلة الغاز
المدعوم ولم تعد اقتصادها لارتفاعات الاسعار الحتمية من خلال زيادة
الكفاءة في الطاقة وتحسين الادارة.حيث كان سعر الغاز الروسي الذي
يتم تزويد اوكرانيا به خلال عامي 2004 و2005 هو اقل من ثلث السعر
الذي يدفعه الاوروبيون وكان من الواضح ان البئر يمكن ان ينفد بعد
الثورة البرتقالية التي كانت تنتقد روسيا بشدة.
وكان على الزعماء الاوكرانيين اتخاذ خطوات من قبيل إيجاد احتياطي
غاز اكبر ورصد اموال لتيسير الانتقال الى الاسعار الاعلى والتوقيع
على عقود مع مزودين اخرين. لكن بدلا من ذلك فان حكومة يوتشينكو وجدت
نفسها عاجزة عن صنع سياسة اقتصادية مع عجزها عن اصلاح علاقاتها مع
روسيا.حيث تتهم روسيا اوكرانيا بانها تاخذ من الغاز الروسي المنقول
عبر اراضيها الى اوروبا وهو الشيء الذي تدعي اوكرانيا بانه من حقها.كما
يتم اتهام الشركات الاوكرانية والمسئولين الاوكرانيين حسب الادعاء
باعادة ببيع الغاز المدعوم الى اوروبا بسعر السوق.
والتسوية الجديدة تجعل الاشياء اكثر تعقيدا حيث انها تسلم كل واردات
الغاز الاوكرانية الى شركة روس اوكرانيرجو التي مقرها سويسرا والتي
يخص نصفها غازبروم والنصف الاخر يديره بنك ريفسين النمساوي نيابة
عن حملة الاسهم غير المعلنين.وثمة ادعاءات معلنة بان شركة روس اوكرانيرجو
لا تتمتع بالشفافية بل انه ربما تكون ذات صلة بالجريمة المنظمة.
والولايات المتحدة من جانبها من مصلحتها الاستقرار السياسي والشفافية
والنمو الاقتصادي في اوكرانيا ووسط اوروبا.حيث انها تدعم بشكل كبير
حكومة يوتشينكو ولن تتنتظر لترى فشلها قبيل الانتخابات التشريعية
الحاسمة في مارس المقبل.ومن المرجح ان يلقي النخابون باللائمة على
يوتشينكو الذي لا يتمتع بالفعل بشعبية في العجز عن الحفاظ على اسعار
الغاز منخفضة.
كما انه لدى الولايات المتحدة رهانات كبيرة ايضا في النجاح على دمج
روسيا بوصفها مزودا رئيسيا بالطاقة في الاقتصاد العالمي،اذا كان
ذلك لايزال ممكنا مع التسليم بقبضة الدولة الحالية على مصادر الطاقة.ان
تحويل النفط والغاز ليستغلا كأدوات سياسية كما فعلت من قبل منظمة
اوبك في السبعينات يضر بالمصالح الغربية.فضلا عن ذلك فان شركات الطاقة
الاميركية تامل في توسيع شراكاتها في مجال الطاقة مع روسيا بما في
ذلك تطوير حقل غاز شتوكمان العملاق في بحر بارنتس والاستثمار في
حقول جديدة مثل المشاريع الثلاثة في جزيرة سخالين في المحيط الهادي.
ولعله من المصلحة الكبرى لروسيا واوروبا الولايات المتحدة الانتقال
الى جدول متدرج للزيادة في الاسعار وكفاءة الطاقة والادارة الجيدة
والشفافية في اقتصاد اوكرانيا.كما انه من مصلحة روسيا كما هو من
مصلحة الولايات المتحدة تماما ان تركز كل الاطراف المعنية على اقتصاد
الطاقة الذي يفيد البلدين.اما الاعمال الاستفزازية والتصعيد فانها
لا تفيد احدا.
*باحث بارز في دراسات روسيا واوراسيا وامن الطاقة العالمي في مؤسسة
التراث بواشنطن.خدمة"كيه ار تي"خاص ب(الوطن).
أعلى
إدارة الرئيس بوش، وفي الوقت الذي كان روبرتسون يُشخِّص بالتعاون
مع يوئيل "المرض السماوي" في دماغ شارون، قالت شاكيةً
شكوى فضيلة في زمن الرذيلة" "إنَّ التلفزيونات العربية
تُصوِّر الولايات المتحدة (إعلامياً) على غير حقيقتها"، ولا
بدَّ، بالتالي، للإدارة مِنْ أنْ تبذل الجهد (الإعلامي) في سبيل
نَقْل فكرها ورؤيتها (مِنْ غير تشويه أو مسخ) إلى عقول العرب.
بأوهام "العهد القديم".. روبرتسون
يُشخِّص مرض شارون!
جواد البشيتي*
أسوأ ما في "السياسة" أنْ تَسْمَح باستنساخ ما يشبه "الديانة
السياسية" مِنْ "الإيمان الديني" للبشر، فتُقْحَم
السماء والأنبياء والكتب المقدَّسة في صراعاتهم الدنيوية ، ويُقاس
كل أمْرٍ سياسي بـ "الميزان الديني للحلال والحرام". ومع
كل التطوُّر الذي عَرَفَهُ عالَم السياسة، فِكْراً وعملاً، ما زال
مُقَصِّراً في عملٍ لا بدَّ منه، وهو "تجريم" كل مَنْ
يسعى في إقحام الدين في السياسة لمآرب ليس فيها شيء مِنَ الالتزام
أو الإيمان الديني.
لقد تَحَدَّث "المسيحي المحافظ" بات روبرتسون (الذي يَتْبَعَهُ
عشرات الملايين مِنَ البشر في الولايات المتحدة) في برنامجه التلفزيوني
"نادي 700" الذي يشاهده نحو مليون شخص يومياً، عن أسباب
المرض الذي أصاب دماغ شارون، فاكتشف أو قرَّر أنَّ مسبِّبها هو غضب
الرب على هذا الذي تطاوَل على حقِّهِ (حق الرب) في تملُّك تلك "الأرض
المقدَّسة"، وسعى (عَبْرَ إخراجه للمستوطنين والجنود الإسرائيليين
مِنْ قطاع غزة) إلى تقسيمها. ونَسَبَ إلى "نبي" يُسمَّى
"يوئيل" تصريحاً يؤكِّد فيه أنَّ الرب "يُخاصِم"
كل مَنْ "يُقَسِّم أرْضاً يَعْتَبِرْها الرب أرضه".
وحتى لا يحلَّ برئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل ما حلَّ بشارون حذَّره
روبرتسون، أو نصحه، قائلاً: "الويل لكَ إذا ما سوَّلت لكَ نفسك
فعل ما فعله (أو حاول فعله) شارون!".
المُبشِّر روبرتسون يتوفَّر منذ زمن طويل على "تهويد"
المسيحية، وجَعْل "العهد الجديد" نسخة مِنَ "العهد
القديم"، وكأنَّ المسيحي القويم المبدأ هو الذي يَتَّخِذ الأوهام
التلمودية جوهراً لمعتقده الديني (والسياسي).
روبرتسون ليس هذا فحسب، فهو كان مرشَّحاً جمهورياً للرئاسة في الولايات
المتحدة، وما زال يَمْلكُ تأثيراً كبيراً في سياسة الحزب الجمهوري،
وفي البيت الأبيض.
إدارة الرئيس بوش، وفي الوقت الذي كان روبرتسون يُشخِّص بالتعاون
مع يوئيل "المرض السماوي" في دماغ شارون، قالت شاكيةً
شكوى فضيلة في زمن الرذيلة" "إنَّ التلفزيونات العربية
تُصوِّر الولايات المتحدة (إعلامياً) على غير حقيقتها"، ولا
بدَّ، بالتالي، للإدارة مِنْ أنْ تبذل الجهد (الإعلامي) في سبيل
نَقْل فكرها ورؤيتها (مِنْ غير تشويه أو مسخ) إلى عقول العرب.
ولكنَّها لًَمْ تَجِدْ في نفسها ما يكفي مِنَ الشجاعة للاعتراف بأنَّ
"فكر" روبرتسون هو ما يؤلِّف معظم المتاع الفكري للإدارة
الجمهورية، التي مِنْ هذا "الإيمان الديني" لروبرتسون،
والذي جُبِلَ مِنْ أسوأ أوهام "العهد القديم"، اسْتَنْسَخت
كثيراً مِنْ وجهات نظرها السياسية، وكَتَبَت "رسالة الضمانات"
التي سلَّمتها إلى شارون، الذي لولا تأثيره هو، أيضاً، فيها لانضمَّت
إلى روبرتسون في تحريمه "تقسيم أرض الرب".
وقد أثبت "الجمهوريون" أنَّهم لا يملكون مِنْ مضادات الفكر
السياسي ما يكفيهم شرَّ الوقوع في أحابيل الأوهام التلمودية التي
يُبشِّر بها روبرتسون ويَحْقِن بها سياسة الحزب الجمهوري، فرأوا
في دعمهم وتأييدهم للعداء الشاروني للفلسطينيين وحقوقهم القومية
ما قد يُسرِّع في العودة الثانية للمسيح. ولا شكَّ في أنَّ نمطاً
مِنَ المصالح "الواقعية" للولايات المتحدة هو الذي يحتاج
إلى إحياء ونشر تلك الأوهام التلمودية، وإلى مبشِّرين مِنْ طراز
روبرتسون.
إنَّني لا أعرف كيف نجحت الزعامة القديمة لبني إسرائيل في أنْ تنفث
في روعهم أنَّ للرب جزءاً مِنَ الأرض يَمْلِكَهُ، ثمَّ يُمَلِّكَهُ
لهم بعدما اتِّخذهم شعباً له مُفَضَّلاً على سائر البشر. ولكنَّني
أرى أنَّ حُكْم الأموات للأحياء ما زال مستمراً في مُعَلِّمٍ مثلا
روبرتسون، وفي أتباعه وتلامذته.
والعِلْم (والسياسة عِلْم) سيظل عاجزاً مُقَصِّراً إلى أنْ ينجح
في غسل العقول مِنْ كل تلك الأوهام التلمودية، التي فيها تكمن الدوافع
لكثير مِنَ الجرائم السياسية.
والقائلون بتحريم تقسيم "أرض الرب" لا يقفون عند ذلك،
فالبذاءة عندهم تأكَّدت أكثر بتهجُّمهم حتى على النبي العربي. لقد
زُرْتُ عشرات "المواقع" على شبكة "الانترنت"
التي تتهجَّم على الإسلام والقرآن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتَهَجُّمها ليس فيه مِنَ "المحتوى الفكري"، و"المفردات"
و"العبارات"، ما يَحْمِلنا على النظر إليه على أنَّه مِنْ
نمط "الانتقاد الفكري الموضوعي"، وكأنَّ "حرِّيَّة
التعبير عن الرأي ووجهة النظر" هي حرِّيَّة "السبِّ"
و"الشتم" و"التطاول على الحقائق الموضوعية"،
وكأنَّ المتهجِّمين يفهمون "الحرِّيَّة" على أنَّها "تَجاوُز
كل الحدود"، التي بعضها لا يمكنكَ أنْ تتجاوزها مِنْ غير أنْ
تتجاوَز، في الوقت نفسه، "حدود الحقيقة".
ورأيْتُ في "المواقع الإسلامية المضادة" فشلاً (فكرياً)
في الدفاع عن النبي العربي والإسلام، فلم أرَ مِنَ "الدفاع"،
أو "الرد"، إلا ما يغري المتهجمين المتعصِّبين بالمضي
قُدُماً في حربهم الحقيرة.
إنَّ هذا التهجُّم، المُفْعَم بالبذاءة، مع "مواقعه" التي
تُعَدُّ بالمئات، هو جزء مِنَ تلك "الحرب الفكرية" التي
يُصوِّرون فيها "الإسلام" على أنَّه عقيدة تقطر دماً مِنْ
رأسها حتى أخمص قدمها، أي أنَّ "السيف"، والسيف وحده،
هو الذي تولَّى نشرها عالمياً. وهذه العقيدة هي التي تَخْلق أتباعها
على مثالها، فلا تُنْتِجَ إلا "التزمُّت الديني" و"الإرهاب"،
وليس في وسعها إلا أنْ تكون حرباً دائمة (بالحديد والنار) على "الآخر".
هذا ظُلْمٌ ليس للإسلام فحسب، وإنَّما للتاريخ وحقائقه، ولـ "الموضوعية"،
و"التاريخية"، في النَظَر إلى الأمور، فـ "المسيحية"
لو لَمْ تَحْمِل في يدها، بَعْدَ المسيح، "السيف الروماني"
لَمَا انتشرت عالمياً.
ولولا تلك "الإمبراطورية" التي هيمنت على العالم القديم،
و"ألَّهَت السيف"، لَمَا عَرَفَ التاريخ تلك "العوْلَمة"
للدين المسيحي. إنَّ "روح المسالَمة" في المسيحية لَمْ
تمنع نشرها وانتشارها بقوَّة "السيف الروماني"، فلو لَمْ
يأتها هذا السيف لَمَا بَلَغَت ما بلغتهُ مِنْ نفوذ عالمي.
أمَّا "اليهودية" فقد وقف الغرب منها موقفاً لا تُقرِّهُ
"عقلانيته"، و"علميته"، وقيمه ومبادئه الديمقراطية،
فهو احتضنها وتبنَّاها وحاباها مع أنَّها كتاب كُتِبَ بمداد الأوهام
والخرافات والأساطير. وقد سُمِحَ لهذا المداد بأنْ يتحوَّل إلى دم
فلسطيني إذ سُمِحَ لوهم "الوعد الربَّاني" بأنْ يتحوَّل
إلى جريمة تُرْتَكب في حق الشعب الفلسطيني.
العلامة محمد حسين فضل الله كان محقِّاً إذ تساءل في استغراب عن
السبب الذي يحمل "دوائر إعلامية وسياسية غربية" على تفضيل
الأوهام والخرافات والأساطير اليهودية (التي قَبْلَ أنْ تتحوَّل
إلى جريمة في حق الشعب الفلسطيني كانت جريمة في حق العقل الإنساني)
على الإسلام.
*كاتب فلسطيني ـ الأردن
أعلى
منذ بداية تولي شارون مهام حياته العسكرية كان ديدنه حب العنف واللهث
وراء سفك الدماء ، وكانت يداه المخضبة بالدماء هي اهم ملمح بارز
عند كافة محطات حياته بدءا من المذبحة التي أدارها في قرية قبية
عام 1953 والتي قام فيها رجاله بتدمير منازل بأكملها على رؤوس ساكنيها
من الرجال والنساء والأطفال
أكذوبة معاصرة : شارون صانع السلام
ساري مقديسي *
مع انتهاء حياة شارون العملية تجري عملية غسيل
وتبييض لتاريخه المهني ، وما بين عشية وضحاها أصبح يشار إليه على
أنه رجل الشجاعة والسلام الذي منح الأمل وضخ الدماء في حياة اتفاق
سلام كان يصعب الوصول إليه من قبل. وكما نقرأ في الحملة الانتخابية
عن وعود بإنهاء الصراع مع الفلسطينيين.
وحتى إذا كانت العادة قد جرت على أن التقييم الذي يواكب نهاية الخدمة
قد دأب على المبالغة الى حد الإفراط وعدم التقيد بالحقائق ، وحتى
إذا كان هناك عدد كبير من الأشخاص قد انخدعوا بما اعتقدوا أنه معجزة
تحول المحارب القديم الى رجل سلام تبقى الحقيقة أن زمن المعجزات
قد انقضى وقلما يكون هناك مثل هذه الهوة السحيقة بين الكلمات والحقائق.
ومنذ بداية تولي شارون مهام حياته العسكرية كان ديدنه حب العنف واللهث
وراء سفك الدماء ، وكانت يداه المخضبة بالدماء هي اهم ملمح بارز
عند كافة محطات حياته بدءا من المذبحة التي أدارها في قرية قبية
عام 1953 والتي قام فيها رجاله بتدمير منازل بأكملها على رؤوس ساكنيها
من الرجال والنساء والأطفال ومرورا بغزوه المدمر للبنان عام 1982
عندما حاصر بيروت بجيشه وقطع عنها إمدادات المياه والكهرباء والطعام
وضرب طوقا محكما من الحصار على سكانها المغلوبين على أمرهم برا وبحرا
وجوا.
وأعقب ذلك عرض سخي من شارون وجيشه بإقدامهم على ارتكاب مذبحة ضد
الفلسطينيين الموجودين في مخيمات صابرا وشاتيلا وكانت المحصلة النهائية
لمغامرة شارون في لبنان هي مقتل حوالي 200 ألف جميعهم تقريبا من
المدنيين الأبرياء.
ولم يطرأ تغيير كبير على توجهات شارون وأفكاره
التي يعتنقها ، ويكاد حاله اليوم وهو يرتدي في أعين البعض ثياب صانع
السلام لا يختلف قيد أنملة عن حاله بالأمس عندما أعلن حربا تلو الأخرى
، فكانت عمليات الاغتيال التي لا تمت للشرعية بصفة بالإضافة الى
هدم المنازل بطريقة جماعية وإقامة الحواجز والأسوار لإحكام القبضة
على الفلسطينيين وضم مناطق أخرى من خلال توسعات غير شرعية ، وهذا
هو رصيده الذي ادخره كرجل الشجاعة والسلام.
وقد يستسيغ البعض ترديد أكذوبة أن شارون قد
تحول إلى رجل سلام بيد أن الواقع يكذب تلك المقولة لتظل الحقيقة
ان شارون لم يجنح يوما عن دعوته التي أطلقها عام 1998 باقتناص أكبر
مساحة ممكنة من الأراضي المحتلة ما أمكنه الى ذلك سبيلا. وجاءت خطته
للوصول الى سلام مع الفلسطينيين منطوية على تطبيق عملي لهذا المبدأ
وضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية لتصبح في التسوية النهائية جزءا
من اسرائيل ، ولم يتنازل سوى عن قطع ممزقة معزولة مقطعة الاواصر
من الأراضي التي لا يجدر بعاقل أن يطلق عليها اسم " دولة فلسطينية
"
وربما اشتملت (التضحيات المؤلمة) التي قدمها
شارون مؤخرا على تنازل عن جزء قليل مما أسماه أرض اسرائيل- إن لم
يكن الواقع أنها قد زادت في المجمل العام - وهي الأرض التي احتلها
جيشه من قبل عنوة وضمها بطريقة غير شرعية واحتفظ بها أكثر من أربعة
عقود . ويبدو ان قليلا هم الذين أدركوا أن تنازل شارون عن جزء من
أرض كان قد اغتصبها من قبل لا يمكن بحال أن يطلق عليه " تضحية
" .
وكان انسحابه من غزة الذي واكبه دعاية صاخبة
قد ترك 1.4 مليون فلسطيني داخل أكبر سجن موجود في العالم ، وهو في
حقيقته مقطوع عن العالم الخارجي وما يزال خاضعا لهيمنة واحتلال اسرائيل
كما كان الحال من قبل . هذا الى جانب قطع الطريق أمام الاحتمالات
القائلة بوجود دولتين متجاورتين لإنهاء الصراع ، وما حدث هو ان الفلسطينيين
أصبحوا يعيشون في مناطق مشتتة وقرى منعزلة تقع جميعها تحت رحمة الاحتلال
الإسرائيلي.
وما فعله شارون ليس سلاما بحال ، ولا يعدو
كونه محاولة لتهدئة شعب بأكمله وإجباره على الرضوخ للعيش في أوضاع
غير إنسانية. ولن يتسنى لأي محاولة سوى ارتكاب عمليات قتل جماعية
لكي تقنع الشعب الفلسطيني بالاستكانة والقبول بمثل تلك الترتيبات
أو أن يجد لنفسه مخرجا آخر.
وبصرف النظر عن الوريث الذي سيخلف مقعد شارون السياسي الملطخ بالدماء
فسوف يظل الفشل هو النهاية المحتومة لمثل هذا التوجه لتحقيق السلام.
أستاذ اللغة الإنجليزية والادب المقارن بجامعة
كاليفورنيا ولوس انجلوس
* خدمة لوس انجلوس تايمز خاص بـ(الوطن)
أعلى