
في الموضوع
التعامل مع القوة الأعظم
في عالم السياسة يعمل القادة المسؤولون من
أجل تحقيق مصالح بلادهم، ويتطلب ذلك البحث عن افضل الوسائل التي
توفر لهم ذلك، في حدود الامكانيات التي لديهم، وتوازنات القوى السائدة
في علاقاتهم مع الآخرين.
وفي هذا السياق، فإنه من الناحية النظرية ـ على الأقل ـ يفرض الأقوياء
مواقفهم على غيرهم، سواء كان ذلك بمقابل محدود او بمجرد التلويج
باستخدام القوة، ويعمل أصحاب القوة المتوسطة من أجل صفقات توفق بين
تحقيق مصالحهم ـ او بعضها ـ ومصالح للآخرين ايضا، اما الضعفاء فانهم
يتلقون ما يفرض عليهم او يعطى لهم وهم ـ في هذا الشأن. يعجزون عن
دفع معظم ما يفرض عليهم، ويعملون للتخفيف من أثر وقعه عليهم، وان
افلحوا فانهم يجتهدون في تنظيم فائدة ما يعطى لهم، او على الاقل
الزعم بشيء من ذلك لحفظ ماء الوجه.
هذه المقدمة النظرية تمهد للبحث عن كيفية للتعامل مع القوة الاعظم
في عالم اليوم ـ وهي الولايات المتحدة الاميركية. التي يشكو اصدقائها
الاوروبيون من انها لا تريد ان تتعامل معهم بطريقة الحلفاء، وانما
تريد تخفيض وضعهم الى مرتبة الاتباع، كما تعمل في علاقاتها مع الدول
الاخرى ذات الاهمية المحدودة، وان كانت لدى الدول الغربية والاوروبية
القدرة على الحد من اثر الاستعلاء الاميركي، خاصة وان الولايات المتحدة
الاميركية تحتاج اليهم، لأداء وظائف معينة في النظام العالمي بالوكالة
عنها، ولأن هناك خلفية تاريخية واحدة لهذه الدول جميعا، خاصة في
الممارسات الاستعمارية والرؤية الفكرية لحضارتهم الغربية الرأسمالية،
فان هناك ارضية مشتركة تجمعهم. ومن ناحية اخرى فان قضية الدور الاسرائيلي
في منطقة الشرق الاوسط، وتغلغل الحركة الصهيونية العالمية في مجتمعات
تلك الدول وأنظمتها السياسية، تجد حالة اضافية من التناسق في سياساتها
تجاه الآخرين، خاصة اولئك المتضررين من ايجاد دولة اسرائيل، وسياساتها
القمعية تجاه الشعب الفلسطيني والعدوانية تجاه العرب والعاملة من
اجل اختراق الآخرين.
ونتيجة لتغلغل الصهاينة في المجتمعات الغربية، ودورهم الواضح في
تشكيل ملامح سياسات دول تلك المجتمعات، تبدو الدول الغربية في حالة
تناقض فكري ـ وربما تصادم سياسي بدرجات متفاوتة ـ مع مواقف ومصالح
الدول العربية خاصة، والعديد من دول العالم الثالث ايضا. وتتصاعد
معدلات هذا التناقض ليرتفع الى مرتبة التصادم، كلما كانت هناك حالة
عداء بين دول معينة واسرائيل. ويظهر ذلك بوضوح حاليا في حالتي كل
من ايران وسوريا، والموقف الاميركي والغربي من منظمات اسلامية متطرفة،
اتبعت طريق التشدد بسبب ضيق المساحة الموجودة في بلادها من حرية
التعبير والمشاركة، وخلصت الى ان الدعم الاميركي والغربي لانظمة
الحكم في بلادها، يشجع تلك الأنظمة على تجاهل الحريات ويدفعها الى
الاستبداد بالحكم، ومع حرمان تلك الأنظمة من التأييد الداخلي الذي
يوفر لها الشرعية، تصبح بحاجة اكثر الى دعم الاطراف الغربية، وتخضع
لارادتها بشكل متزايد، ومن ثم تتفاقم المشكلة.
القضية هنا، هي ان ذلك التناقض يؤدي الى عدم الاستقرار في المجتمعات
العربية، ولا يكون الا لمصلحة اسرائيل، كما انه يتجاهل اهمية البحث
عن اساليب عملية للتواصل مع صانعي القرار في المجتمعات الغربية ـ
خاصة في الولايات المتحدة الاميركية ـ لمحاولة توضيح الصور الحقيقية
لما يجري امامهم. والمشكلة في هذا الموضوع، هو أن بعض نظم الحكم
العربية تعمل على احتكار العلاقات مع الأطراف الاجنبية، ولا تسمح
بها لأي منظمات او اطراف وطنية اخرى، لانها تريد وحدها الاستفادة
من هذه العلاقة. كما ان حالة الضعف لدى المنظمات والاطراف الاخرى،
تجعلها في حالة تؤهلها للتبعية للدول الاخرى، بشكل لا يقل عن تبعية
انظمة الحكم نفسها لتلك الدول، ومن ثم تصبح اي علاقة لأي من تلك
المنظمات مع الدول الكبرى، وسيلة لاختراق من نوع آخر للمجتمعات الضعيفة،
ويحتاج الامر الى تأهيل ـ يصعب الحصول عليه ـ لتلك المنظمات والاطراف،
قبل الدخول في علاقة من هذا النوع، تتوفر لها فيها فرصة التكافؤ
الفكري لطرح الحجة، والعمل على كسب قناعة الآخرين بها واحترامهم
لها، واحساسها بإمكان تحقيق مصالحها بطريقة مشروعة، تتحقق من خلالها
مصالح الآخرين ايضا.
بطبيعة الحال، فان الموقف الاسرائيلي وتوجهات الحركة الصهيونية ـ
باعتبارها المستفيد الاول من ضعف العرب، وسوء العلاقة مع الدول الغربية،
رغم المظاهر الدبلوماسية التي يقتضيها العمل لتحقيق المصالح ـ يدفع
باتجاه الاستمرار في قطعية من هذا النوع، وتشويه أي محاولة من أي
طرف عربي مؤهل لبناء علاقات حميمة ومحاضرة أي طرف في الغرب يمكن
أن يفكر في إقامة علاقات من هذا النوع حتى يظل الحال على ما هو عليه،
وتستمر فرصتهم في تحقيق مصالحهم على حساب الآخرين.
النتيجة الوحيدة لمثل هذا الموقف، هي ان مراكز البحث التي تعد لصنع
القرار في الدول الغربية، تعاني هي الأخرى من هذا الحصار، ولا يستطيع
القائمون على شؤونها الاقدام على خطوة لمحاولة تفهم ما يريده الآخرون
ـ والمعني بذلك العرب وغيرهم ـ لانهم يمكن ان يتخطوا الخطوط الحمراء
ويفقدوا الأمان الذي يشعرون به بعيدا عنها، ومن ثم يعيشون في اطار
عقلي منعزل خاص بهم، ويدفعهم للتمسك به ـ اضافة الى التخوف الفردي
او المؤسسي ـ احساس بغرور القوة في بلادهم، واستعلاء يخرج عن قواعد
الفهم الموضوعي للقضايا. ويتداخل غرور القوة والاستعلاء مع التخوف
والحاجة الى الحياة في سلام، ليكرس في نفوسهم استسلاما لواقع يرتاحون
فيه حتى وان كان خاطئا، وقدرة على رفض ما يخالف فكرهم، حتى وان كان
صحيحا، ومن ثم تتوالى دورات الاخطاء السياسية في وضع الاستراتيجيات،
والكوارث التي تصيب الجميع في تنفيذها، وتظل مشكلة التواصل مع العقل
الغربي والاميركي تطرح نفسها، باعتبارها من القضايا الملحة، لكن
ذلك يحتاج الى تأهيل طرف عربي، يستطيع ـ رغم حالة الضعف السائدة
ـ كسب الاحترام والثقة، للتوصل إلى فهم متوازن للمواقف، يقود ـ في
النهاية ـ الى سياسات متوازنة.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى

أصداف
جواسيس ألمان في العراق
وليد الزبيدي*
تثير فضيحة تجسس الدبلوماسيين الألمان في سفارتهم
ببغداد، لصالح القوات الأميركية إبان غزو العراق، العديد من علامات
الاستفهام على أهداف وفعاليات وجود الأجانب في العراق، قبل وأثناء
وبعد الغزو.
علامات الاستفهام الخطيرة، التي تثيرها هذه الفضيحة، تدفع بالمسألة،
وأقصد هنا وجود الأجانب في العراق، إلى طاولة النقاش الموضوعي، الذي
يتعلق بوجهات النظر المتناقضة، حول وجود هؤلاء في بلد يرزح تحت الاحتلال
الأميركي.
هنا قد يضطر الكثيرون إلى إعادة النظر بجدية بموقفهم، الذي يرى في
وجود الأجانب في العراق علامة إيجابية لاستمرار تواصل هذا البلد
مع بقية دول العالم، ويضطره لإعادة النظر بذلك، ما كشفته الجهات
الرسمية الألمانية، عن عمليات تجسس نفذها الدبلوماسيون الألمان لصالح
قوات الغزو الأميركية في ربيع عام 2003.
لذلك فان السؤال، الذي يطرحه المراقبون من جديد، يندرج تحت إعادة
تقييم لدور الأجانب في العراق، الذين يتواجدون في ظرف أمني في غاية
الخطورة، وقد يصل بهم الحال إلى القتل أو الاختطاف.
أنا لا أريد أن أدخل في عملية تقييم لأعمال ونوايا وفعاليات هؤلاء
الأجانب، الذين يجازفون، أو ربما تصدر اليهم أوامر من جهات أخرى،
للبقاء في بلد تسوده الفوضى، وتحف المخاطر حياة الأجانب وأهل البلد
في كل يوم وساعة. لكن ما أريد أن أسلط الضوء عليه، هو قصة التجسس
وتلك الأعمال، التي قام بها الدبلوماسيون الألمان في العراق أثناء
الهجوم العسكري الواسع، الذي نفذته قوات الاحتلال الأميركية في العشرين
من مارس عام 2003، والذي انتهى باحتلال هذا البلد.
فإذا كان الدبلوماسيون الذين يمثلون دولة مهمة مثل ألمانيا، يمارسون
التجسس لصالح قوات الاحتلال الأميركي، وإذا كانت هذه الدولة (ألمانيا)،
قد وقفت بقوة ضد المشروع الأميركي الهادف إلى احتلال العراق، من
خلال مواقفها المعلنة في الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى،
وإذا كان الكثير من الناس قد عولوا كثيراً على موقف ألمانيا، الذي
اعتقد البعض أنه قد يصل إلى منع شن الحرب الأميركية ضد العراق، وإذا
كانت الصورة تقول إن الألمان يقفون ضد الحرب جملةً وتفصيلاً وبعد
كل ذلك يكتشف العالم إن الخراب قد وصل إلى برلين وقيادتها، وأن ما
يقوله المستشار ووزراؤه يتناقض تماماً، مع فعالياتهم ونشاطاتهم التجسسية،
التي وضعت جميع إمكاناتها لخدمة الغزو الأميركي للعراق. وهذا الأمر،
يدفع بالكثيرين إلى إعادة النظر بجدية بموقفهم من الأجانب الآخرين،
الذين تواجدوا في العراق، ومازالوا يتوافدون، لأن الصورة أصبحت جلية،
وأهداف الغالبية من هؤلاء، لم تعد بعيدة عن الزاوية الوحيدة المعروفة.
* كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى
إن فوز طبيبة الأطفال باشليه، والتي خضعت للتعذيب والنفي، كما والدها
جنرال الطيران، الذي تم إعدامه بعد اعتقاله وتعذيبه من قبل حكم الدكتاتور
(الملاحق قضائيا) بينوشيه بعد انقلابه على نظام حكم الرئيس (الذي كان
منتخبا من غالبية الشعب في تشيلي) سلفادور الليندي .. يعيد الى تشيلي
قضية في غاية الاهمية لها وهي الوئام الاجتماعي الجماهيري، الذي افتقدته
بعد الانقلاب المذكور
ا
نتصار يساري لا يتبنى جديدا
د. فايز رشيد*
بفوز مرشحة يسار الوسط في تشيلي، ميشال باشليه،
تكون الدول ذات الاتجاه اليساري في اميركا اللاتينية قد ازدادت دول
جديدة، اضافة الى كوبا بزعامة كاسترو، وفنزويلا بقيادة هوغو شافيز،
وبوليفيا برئاسة ايفو موراليس اول رئيس من سكان البلاد الاصليين،
والبرازيل برئاسة لولا دي سيلفا، وكذلك هو الحال في الارجنتين والاوروغواي،
وما يتوقعه المراقبون من انتصار لليسار في معظم الانتخابات الرئاسية
التي ستجرى هذا العام في احدى عشرة دولة في اميركا اللاتينية.
ما يلفت النظر فيما يجري في اميركا اللاتينية: لجوء معظم دولها الى
الانتخابات والاحتكام الى صناديق الاقتراع، وما يعنيه ذلك من تعزيز
للديموقراطية ليس على صعيد هذه الدول، واميركا اللاتينية فحسب، وانما
على صعيد ما يسمى بالعالم الثالث ... الذي تتهمه دول الشمال الغنية
بأنه يقوم في غالبية دوله على الانظمة الدكتاتورية.
لقد ادركت دول القارة اللاتينية سمات العصر الجديد وتعاملت مع روحه،
وذلك سيترك تداعياته الكبيرة على صعيد العالم بالانتقال الى صناديق
الاقتراع حققت معظم الدول اللاتينية قفزة كبيرة من الاعتماد على
البنادق وحرب العصابات، التي كانت سمة بارزة للعديد منها في اواسط
ونهايات القرن الزمني الماضي، لصالح الاحتكام الى عموم الجماهير
.. وهنا لابد من ذكر ان الكنيسة الكاثوليكية لعبت دورا اساسيا في
هذا الانتقال .. من حيث وقوفها المبدئي، الصلب والحازم مع قضايا
شعوبها والفقراء منهم تحديدا .. او من خلال دورها في التسويات الداخلية
التي تم التوصل اليها في دول لاتينية عديدة، والتي تقوم على مبدأ
(السلم الاهلي) واستطاعتها تحقيق نتائج وخطوات كبيرة على هذا الصعيد.
مما يلفت النظر ايضا في التجربة اللاتينية .. استفادة معظم احزابها
اليسارية من اخطاء تجربة الاتحاد السوفيتي وعموم المنظومة الاشتراكية،
فهي لا تطرح نفسها باعتبارها احزابا شيوعية .. وانما كأحزاب جماهيرية
تتلمس القضايا الحياتية والاقتصادية والسياسية الملحة لشعوبها، بالاستناد
الى السيادة الوطنية وعدم التبعية للغير، وضمن فهم متطور للمتغيرات
الدولية والحقائق الجديدة للعصر .. ولذلك استطاعت كوبا الصمود رغم
كل هذه المتغيرات .. ورغم انها لا تبعد جغرافيا عن الولايات المتحدة
بأكثر من ثمانين ميلا بحريا ليس الا.
من ناحية اخرى .. فإن ما جرى في العديد من الدول اللاتينية هو ثورة
حقيقية على مبدأ الولايات المتحدة، باعتبار هذه الدول (حديقة خلفية)
لواشنطن .. فقد كان ادارتها تنصّب هذا الرئيس وتخلع ذاك، وكانت مخابراتها
تصنع الانقلابات وتجهزها (كما حدث في تشيلي عام 1973) في هذه الدولة
او تلك ... ولم تتواني قواتها عن التدخل العسكري المباشر (خليج الخنازير
في عملية كوبا في عام 1958) او حتى القيام باعتقال رئيس دولة (نورييغا
في بنما) ونقله سجينا الى واشنطن!
التجربة اللاتينية الحالية هي خلاص لاتيني من الغوص في المستنقع
الاميركي، ومؤشر على انحسار كبير لنفوذ الولايات المتحدة في دول
المنظومة اللاتينية ... وهي مؤشر ايضا على ان عجلة التاريخ لن تدور
الى الوراء مرة اخرى.
وعلينا ان لا ننسى ان الدول اللاتينية مدت اياديها للتعاون مع العالم
العربي ولتأييد قضاياه .. كما حصل في القمة العربية ـ الاميركية
الجنوبية التي عقدت في مايو من العام الماضي، والبيان القوي الصادر
عنها في دعم الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في اقامة
دولته المستقلة على حدود عام 1967، وإدانة الاحتلال الاميركي للعراق،
والتفريق بين الارهاب والمقاومة المشروعة للشعوب المحتلة .. وكافة
القضايا الاخرى التي تركز على التعاون الاقتصادي والآخر السياسي
بين الجانبين.
إن فوز طبيبة الأطفال باشليه، والتي خضعت للتعذيب والنفي، كما والدها
جنرال الطيران، الذي تم إعدامه بعد اعتقاله وتعذيبه من قبل حكم الدكتاتور
(الملاحق قضائيا) بينوشيه بعد انقلابه على نظام حكم الرئيس (الذي
كان منتخبا من غالبية الشعب في تشيلي) سلفادور الليندي .. يعيد الى
تشيلي قضية في غاية الاهمية لها وهي الوئام الاجتماعي الجماهيري،
الذي افتقدته بعد الانقلاب المذكور.
لقد كانت باشليه واضحة في تصريحاتها، ومن جملتها قالت: (بأنه يتعين
عدم إعادة اميركا اللاتينية الى الحرب الباردة، فالرئيس شافيز والرئيس
موراليس، هما رئيسان منتخبان من شعبيهما، ولا بد لتشيلي من التعامل
معهما) وذلك في إشارة واضحة الى الولايات المتحدة .. وإلى ان مفهوم
(جمهوريات الموز) لم يعد قائما.
· كاتب فلسطيني
أعلى
علينا من اجل هزيمة الارهاب فكرياً ان نفهم دوافع الارهابيين ونعمل
على تثقيف الاشخاص الذين يتعاطفون مع تلك الدوافع، علينا الإقرار
اننا لا نستطيع تحقيق النصر من خلال السلاح فقط، الا ان القوة ضرورية
لانجاز ذلك النصر.
لا وجود لمؤامرة إرهابية عالمية
جون ميجر*
اذا اراد العالم النجاح في محاربة الارهاب
فعلى السياسيين ورجالات الدول التخلي عن مواقفهم القديمة والبدء
من جديد. لن يكون الامر سهلا دائما، لان ذلك يعني احيانا النظر الى
الاشياء من وجهة نظر الارهابيين اتذكر الاحراج الذي شعرت به اثناء
رئاستي للوزارة عندما كنت امضي الساعات الطوال احاول ان اتقمص دور
عناصر الجيش الجمهوري الايرلندي والتفكير بأسلوبهم. على الآخرين
ان يفعلوا الان ما كنت افعل في السابق، لكن على نطاق واسع.
لقد حل الخوف من الارهاب العالمي محل الخوف من الحرب العالمية. لكن
بالرغم من ان الارهاب اصبح اكثر قوة وفتكا من قبل، الا انه فشل حتى
الان في تحقيق اهدافه. عندما تخلصت اسبانيا والبرتغال واليونان من
الارهاب فلم يكن للارهاب فضل في ذلك، وعندما تهاوت الشيوعية في الاتحاد
السوفيتي ودول شرق اوروبا، لم يكن ذلك بسبب الارهاب . واستطاع غاندي
تحقيق تغيرات لم يستطع ابن لادن مجاراتها.
ما هو هدف الارهاب؟ العديد من الجماعات الارهابية تريد اضفاء التطرف
على الاسلام وتحريض المسلمين ضد غير المسلمين واشاعة الحقد والكراهية.
يريد تنظيم القاعدة (وهو خروج عن خط الاسلام المعتدل) تطبيق الشريعة
الاسلامية على نحو متشدد. يريد ابن لادن واتباعه رؤية العالم منقسماً
إلى جزأين الاول للمسلمين والاخر لغير المسلمين واساليبهم معروفة
تحريف معاني القرآن وتنفيذ الاعمال الارهابية والدعوة للجهاد ضد
كل من يقف بوجوههم.
تتبنى مجاميع ارهابية اخرى، مثلا في ايرلندا الشمالية وتايلاند برامج
سياسية محددة في قضايا لم تحسم بعد والهدف دائما هو ايجاد الفوضى.
ان تأثير الارهاب على الاقتصاد يتمثل في زعزعة الاسواق في حين يتمثل
التأثير السياسي للارهاب في تقويض سلطة الدولة والمجتمع.
ان الارهاب والديمقراطية قطبان متناقضان وطالما انهما كذلك علينا
ان نطرح على انفسنا السؤال التالي: هل يمكن تحديد هوية مفهوم واضح
للارهاب وعزله ودحره؟ الجواب نعم لكن علينا ان نتذكر دائما ان المجاميع
الارهابية لا يمكن ان تنهزم بشكل قاطع ونهائي، لان مجاميع اخرى صغيرة
تضم في صفوفها اكثر المتشددين تشددا تحل محل الاولى. الا انه وبمرور
الزمن يمكن دحر الارهاب والتحرر من خطره.
اذا كانت الديمقراطية قادرة على دحر الارهاب، فكيف يتسنى لها ذلك؟
الاجابة معقدة. في المقام الاول علينا التخلص اولا من فكرة وجود
مؤامرة ارهابية عالمية. بالتأكيد ان لبعض المجاميع وجودا واسعا ومتناميا.
واحيانا يحدث تعاون بين عدة منظمات لان بعض الارهابيين يمكن تأجيرهم
كمرتزقة ولا يحركهم شيء سوى الحقد والطمع. الا انه لا توجد مؤامرة
عالمية. تمتاز غالبية المجاميع الارهابية بحسن التنظيم، وهي في العادة
منظمات صغيرة لها اهدافها، وهي اهداف غير سوية، وطموحاتها وهي طموحات
مريضة. وقد تتداخل هذه الاهداف، واحيانا تتوحد، الا ان تلك المجاميع
او المنظمات لا تتوحد في مجموعة او منظمة واحدة.
علينا في البداية الاقرار بأن علينا العمل ضد المجموعات الارهابية
الموجودة اليوم وان نطبق اجراءات سياسية نمنع من خلالها عودة تلك
المجاميع غدا. ولتحقيق ذلك على الدول التي تتعرض او تعاني من الارهاب
التوحد. على هذه الدول العمل مجتمعة لحرمان الارهابيين من قواعدهم
ووقف تمويلهم وسد الطريق على عمليات التجنيد. وفوق هذا وذاك على
هذه الدول دحض شعارات الارهاب وافكاره.
وعلينا من اجل هزيمة الارهاب فكرياً ان نفهم دوافع الارهابيين ونعمل
على تثقيف الاشخاص الذين يتعاطفون مع تلك الدوافع، علينا الإقرار
اننا لا نستطيع تحقيق النصر من خلال السلاح فقط، الا ان القوة ضرورية
لانجاز ذلك النصر.
الا ان هذه الاجراءات وحدها غير كافية لتحقيق النصر، بالرغم من اهميتها.
علينا مواصلة العمل وان نسأل انفسنا السؤال التالي: ما الذي يوجد
الارهاب؟ وما الذي يدفع البعض إلى دعم الارهاب؟ ماذا بوسعنا عمله
لجعل الارهاب ممقوتا، وبذلك نعزل الارهابيين؟ ان الاجابة على هذه
الاسئلة لا تبدو دائما مستساغة لقد أشاع الفكر المتطرف أن الإسلام
يتعرض للهجوم. ويقوم تنظيم القاعدة بترديد ذلك يوميا.والمتطرفون
يستغلون هذا الامر لاقناع الاخرين بالانضمام إليهم. وساهمت حربا
افغانستان والعراق كثيرا في تعميق هذا التوجه، اي ان الاسلام يتعرض
للهجوم. كما ان فشل محاولات تحقيق السلام في الشرق الاوسط قد ساهم
في تعزيز ذلك.
ان المتطرفين على خطأ، الا ان دعايتهم فعالة، ولدحض هذه الدعاية
على الدول الديمقراطية العمل على عدم اعطاء الفرصة للغوغائيين لاستغلال
الظروف الصعبة للدعوة الى الارهاب. يجب العمل بجد للوصول الى عقول
وقلوب من صب الارهاب في اذانهم سمومه وغايته. ان الكلام لوحده لن
يحقق شيئا. على هذه الدول تحمل المسئوليات التي تعكس جوهر النظام
الديمقراطي. عليها ان تجتهد للقضاء على الفقر والظلم والمرض.
على الدول الصناعية الغنية الاهتمام بجميع القضايا التي اثيرت حول
العولمة وعلينا الاهتمام بالتوزيع غير العادل للثروات، كما ان علينا
ان ندرك ان السوق الحرة تجلب معها تغيرات قد تمس ابجديات معتقداتنا
الاساسية وعلينا ان نعي ايضا التأثيرات الكبيرة الناجمة عن فرض الافكار
الليبرالية على الثقافات القبلية المتزمتة.
لقد نمت الليبرالية الاقتصادية والتطرف المسلح جنبا الى جنب ـ لماذا؟
إحدى الاجوبة تقول ان الليبرالية الاقتصادية قد اهملت البعض ـ وان
التهميش الاجتماعي والاقتصادي يشجع التطرف السياسي. ان الدول الغنية
تدرك ذلك الامر الا انها لم تفعل الكثير ازاءه. لذلك يمكن وصف هذه
الدول احيانا بأنها دول لا تعير الاخرين اي اهتمام.والجماعات الارهابية
تجند المزيد بعزفها على هذه النغمة.
الا اننا لا نستطيع ان نبرئ تماما ساحة الدول الغنية. ظلت أوروبا
والولايات المتحدة الاميركية ولسنوات عديدة تنفق على دعم اسعار الطعام
المقدم لشعوبها (بالرغم من ان هذه الشعوب لا تحتاج ذلك) سبعة اضعاف
ما يقدمه العالم لاطعام الجوعى. لمحاربة التطرف علينا رفع الضيم
وازالة الكراهية، عندها نستطيع قطع دابر رسالة الحقد التي تغذي التطرف.
في الوقت نفسه علينا ادراك ان بعض الاحداث او الصراعات ستستخدم على
الدوام للترويج للارهاب. والصراع العربي الاسرائيلي هو احد تلك الاحداث.
لقد اصبحت القضية الفلسطينية الحجر الذي يعكر مياه العلاقات بين
الاسلام والعالم.
ان الدعم المقدم لاسرائيل ناجم عند التقدير لشعب عانى من الاضطهاد.
ان دعمنا لاسرائيل لا يعني وقوفنا بوجه الشعب الفلسطيني، الا ان
هذا الدعم يعتمل بالضغينة في عيون العالم الاسلامي الذي يرى الظروف
القاسية التي يعيشها الفلسطينيون في الاراضي المحتلة.
لن تعيش اسرائيل بسلام دون قبولها من الدول العربية،الا ان الفلسطينيين
يجب ان يكون لهم مستقبل. ان عملية سلام فاعلة مهمة للجميع والا سيحل
الفراغ الذي سيملأه الارهاب والحقد. في مناسبات كثيرة فقد الفلسطينيون
والاسرائيليون الأمل. ان الصراع المستمر قد اوجد مرتعا للارهابيين
وادى خلال ذلك الى تعكير الاجواء السياسية في الشرق الاوسط فضاعت
الثقة وتبدد الامل في الوصول الى حل نهائي. وهذا ما يناسب الارهابيين
لان القضية بدأت تثير المزيد من اللغط لذلك استخدمت لتبرير عمليات
ارهابية في اماكن شتى من العالم.
احيانا لا يبدو ان هناك فرصة لانهاء هذا العناء والوصول الى سلام
نهائي. وهذا أمر محزن، لكن ذلك يدفعنا الى مواجهة الواقع وهو ان
التقدم السياسي في فلسطين او اماكن اخرى يبقى هو الخيار الوحيد.
وان هذا التقدم يتطلب فهما اكبر لدوافع الارهابيين. علينا وكما اسلفت
ان نفكر بعقلية هؤلاء الارهابيين.
هنالك الكثير الذي نتعلمه من التجربة. نستطيع ان نتعلم ان الانتعاش
الاقتصادي هو رديف للديمقراطية وان الارض التي تخلو من الامل تكون
مرتعا خصبا للكراهية. لكن علينا الا نتوقع ان تحل الثقة محل الريبة
في ليلة وضحاها. من الصعب دوما التوصل الى حلول وسط بين فرقاء يغلب
عليهم التعصب. ان شجب الارهاب عمل ممتاز وناجح سياسيا، لكن من اجل
انقاذ الارواح من الضروري التحاور مع الارهابيين ايضا. وحينما تتهاوى
جسور الثقة سنحتاج الى الدبلوماسية الدولية لمؤازرة الجهود الوطنية
ان هذه الدروس خالدة.
ماذا بوسع الحكومات ان تفعل ايضا؟ هنالك الكثير. يمكن للحكومات في
الدول الاسلامية ان تتحدث عن المعاني الحقيقية للاسلام لمواجهة الطروحات
الارهابية. يمكن لجميع الحكومات ان تعمل سوية لتشجيع الحوار بين
الديانات. ويجب الضغط على المدارس التي تعلم التطرف ان تغير مناهجها
صوب الاعتدال. وفي المقام الاول يمكن لحكومات جميع دول العالم دراسة
ظاهرة التهميش في مجتمعاتها.
وكل هذا يجب ان يكون ضمن حملة لمواجهة الارهاب. اذا اردنا دحر الارهاب
نهائيا علينا ان نفكر بأساليب اخرى غير العمل العسكري والامني. يجب
ان تتوحد السياسة والدبلوماسية مع الاجراءات العسكرية لدحر المسلحين
والعقول المريضة على حد السواء. ولن ينجح اي اسلوب سوى ذلك.
* رئيس الوزراء البريطاني الاسبق
نقلا عن مجلة (السبكتيتور) البريطانية
أعلى
مع تزايد الطلب على النتائج العلمية وتخطيه قدرة الباحثين لتوفير
هذه النتائج, برز سوق البائعين الذي تصل فيه البضائع الى ارقام خيالية
تفوق ثمنها الحقيقي مع قلة جودتها ورغم ذلك يخطفها المشترون الشغوفون.
هذا هو الاطار والسياق الذي ظهرت فيه دراسات العالم الكوري هوانغ.
الجدل والأمل في أبحاث خلايا المنشأ
ديفيد شايويز*
اثارت عملية اختلاق نتائج الأبحاث الخاصة بخلايا المنشأ للعالم الكوري
الجنوبي هوانغ ووسوك قلقا كبيرا وسط العلماء مما سيؤدي بدوره الى
اعادة تقييم علم خلايا المنشأ بالكامل, كما ان نشر التقرير النهائي
لكلية سيئول الوطنية حول هذه الضجة من المؤكد انه سيضيف وقودا الى
النار المتأججة بالفعل.
العديد من المنتقدين لأبحاث خلايا المنشأ (حتى بعض المؤيدين) بدأوا
يتساءلون ما اذا كان هذا الأمر سيمثل البداية للنهاية. ومن المحتمل
ان يؤدي هذا الجدل المحتدم ايضا بين العلماء الى حالة من الشك في
كثير من النظريات والمسلمات العلمية وبخاصة ما يتعلق بالأبحاث السابقة
في هذا العلم بالذات.
ان الصعود السريع لابحاث خلايا المنشأ الى دائرة الضوء يعكس تصادم
وتعارض العلوم الحالية مع الأخلاقيات غير الموثقة. وقد اشعل قرار
الرئيس بوش في 9 اغسطس 2001, بمنع استخدام الأموال العامة من اجل
انتاج خلايا جذعية من الأرحام البشرية, الاهتمام بهذا المجال, حتى
بعدما جعل الأمر اكثر صعوبة على العلماء الأميركيين في اجراء ابحاثهم.
ان القلق الناجم عن اعاقة علم طبي هام بهذا الحجم بسب قرار الحكومة
الفيدرالية قد اثار غضب الكثير من المدافعين عن المرضى مما زاد الطلب
على النتائج.
وفي الوقت ذاته نجد ان ابحاث خلايا المنشأ في حد ذاتها, قد قطعت
شوطا طويلا وسارت ببطء, بسبب كل الأسباب المعتادة. ان البحث العلمي
صعب, ويتقدم تدريجيا, ولهذا فإن ابحاث خلايا المنشأ هي الأخرى تنمو
ببطء. علاوة على ذلك, فإن القيود الحكومية قد اعاقت بشكل كبير قدرة
الباحثين على السعي والاجتهاد وثبط عزيمة العديد من الباحثين الشبان
الراغبين في دخول هذا المجال.
ومع تزايد الطلب على النتائج العلمية وتخطيه قدرة الباحثين لتوفير
هذه النتائج, برز سوق البائعين الذي تصل فيه البضائع الى ارقام خيالية
تفوق ثمنها الحقيقي مع قلة جودتها ورغم ذلك يخطفها المشترون الشغوفون.
هذا هو الاطار والسياق الذي ظهرت فيه دراسات العالم الكوري هوانغ.
وبينما شعر غالبية العاملين في مجال ابحاث خلايا المنشأ بالصدمة
والضيق من تدليس وكذب الأبحاث, الا انه كان من الشائع ان النشر الصحفي
والاعلامي في هذا المجال كان منخفضا بشكل واضح للغاية, ورغم هذا
كانت مجلات الأبحاث ذات الشهرة العالمية تتنافس فيما بينها لنيل
امتياز وحق نشر الأخبار الجديدة في هذا المجال. ادت نتائج هذا الجنون
العلمي الى انتشار مجموعة ادبية كاملة يراها البعض الآن محل شك كبير
وبخاصة في صفوف الباحثين في مجال ابحاث خلايا المنشأ.
والأخبار السارة هي انه رغم كل هذه الفوضى, الا ان هناك علما حقيقيا
يحدث. وقد اثبتت خلايا المنشأ انها اكثر سحرا وفتنة مما كنا نتوقع,
وفهم عملية اختيار خلية جذعية لخلية دون الأخرى مثل العصب أو البنكرياس
تعد من اكثر الأسئلة في مجال البيولوجي التي تتردد بين جيل العلماء
الحاليين.
وترجمة هذه العلوم الى تطبيقات عيادية ذات معنى من المؤكد انه سيستغرق
وقتا اطول وسيواجه المزيد والمزيد من التحديات. ولكنه قد يتحقق في
النهاية. واذا كان هذا الجدل سيسبب لنا عزوفا عن البحث في هذا المجال
المثير والجديد, فسيكون عارا وكارثة علينا.
ان ما نحتاجه حقا هو اعادة تقييم هذه الأبحاث. ولايعني اطلاقا اننا
يجب ان نتخلى عن طموحاتنا أو طلباتنا من الباحثين في هذا المجال.
وانما علينا ان نتعرف اكثر واكثر على ما ستتمخض عنه هذه الأبحاث.
ولانقف عند هذا الحد وانما علينا ان نضع في اعتبارنا ان البيانات
لاتصبح عقيدة لاتقبل الجدل ولا الشك عند نشرها, ولكن فقط عندما يقرها
العلماء بشكل مستقل.
ومن هذا المنطلق فإن البحث الجيد هو السبيل الوحيد للمضي قدما في
هذا المجال. واذا تحققت وعود خلايا المنشأ, فإن هذه المساعي سوف
تحتاج الى مؤسسة علمية, يمكن الاعتماد عليها والرجوع اليها للتحقق
من صحة اي بحث او دقته.
* أستاذ الغدد الصماء بمعهد هارفارد لخلايا
المنشأ
* خدمة واشنطن بوست ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى
(السلاح) في حد ذاته ليس هو المشكلة، والموقف من السلاح إنما هو،
في المقام الأول، موقف من اليد السياسية التي تحمله وتستعمله. وإن
كل من قرأ قصة حظر (أو منع) انتشار السلاح النووي يعرف على خير وجه
أن النتيجة النهائية (العملية) لكل الجهود والمساعي المبذولة في
هذا الاتجاه هي تمكين دولة من امتلاك هذا السلاح (أو غض النظر عن
سعيها لامتلاكه وعن امتلاكه) ومنع غيرها من امتلاكه.
العرب والبرنامج النووي الإيراني
جواد البشيتي*
حاضراً ومستقبلاً، تحتاج إيران إلى مزيد من الكهرباء، فالإيرانيون
يطلبون مزيداً من الطاقة الكهربائية، ولا بد لحكومتهم من أن تعمل
على تلبية هذا الطلب الداخلي المتزايد. ومحطات توليد الطاقة الكهربائية
تحتاج إلى وقود. ولطهران، على ما يبدو، مصلحة استراتيجية في اتخاذ
الطاقة النووية، المتأتية من عملية تسمى تخصيب اليورانيوم، وقوداً
لمحطات توليد الكهرباء، فإيران، وعلى الرغم من كونها بلداً غنياً
بالنفط والغاز، لا تريد غير الطاقة النووية وقوداً لتلك المحطات.
على أن جعل اليورانيوم من النقاء بمكان، عبر عملية تخصيبه، يسمح
لإيران (علمياً) بصنع أسلحة نووية، فهذا التخصيب المُنْتِج لـ(الوقود)
قد ينتهي إلى إنتاج قنبلة نووية.
إيران تحتاج إلى الكهرباء، وإنَّ أحداً حتى من خصومها لا يشكك في
حقها في إنتاج مزيد من الكهرباء، أو في حاجتها، واشتداد حاجتها،
إلى هذه الطاقة. ولكن التشكيك بدأ إذ تساءل خصومها الكبار (الولايات
المتحدة والترويكا الأوروبية وإسرائيل) عن السبب الذي يَحْمِل إيران،
وهي الغنية بالنفط والغاز، على استخدام الوقود النووي في محطات توليد
الكهرباء.
وقد جاء في الجواب الإيراني أنَّ إيران تريد لاقتصادها (ولحياة مواطنيها)
استقلالية متزايدة عن الثروة النفطية الإيرانية (الناضبة). كما تريد
تنمية مخزونها من القطع النادر عبر زيادة نسبة ما تُصَدِّر مِنَ
النفط والغاز. ولا يمكن التوصل إلى ذلك من غير استخدام الوقود النووي
في محطات توليد الكهرباء.
تشكيك الخصوم ازداد إذ اقترحوا على إيران شراء الوقود النووي من
السوق الدولية، وإذ اقترحت روسيا (بتأييد من الولايات المتحدة والترويكا
الأوروبية) أن تُنْجَزَ في أراضيها (وبالتعاون مع إيران) تلك الأجزاء
المثيرة للقلق من عملية التخصيب.
وقد جاء في الجواب الإيراني أن لإيران حقاً معترفاً به دولياً في
تخصيب اليورانيوم لأهداف مدنية غير عسكرية، وفي أن تقوم بهذه العملية
في أراضيها، وبما يتفق مع حقها السيادي.
وتأكيداً لحُسن نياتها، ولالتزامها المبدئي ـ الديني عدم إنتاج أسلحة
نووية، وافقت طهران على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار
النووي، والذي يُخْضِع منشآتها النووية لرقابة دولية مشدَّدة، تتولاها
الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
على أنَّ خصومها لم يروا في هذه الرقابة ما قد يحول بين طهران وبين
إنتاجها السري لأسلحة نووية. وقد فهموا النظام الأمني الذي أقامته
طهران لحماية منشآتها النووية، والذي قد يقيها ضربة عسكرية على غرار
تلك التي تعرَّض لها المفاعل النووي العراقي، على أنه دليل على الأهداف
العسكرية الكامنة في البرنامج النووي الإيراني.
السلاح في حد ذاته ليس هو المشكلة، والموقف من السلاح إنما هو، في
المقام الأول، موقف من اليد السياسية التي تحمله وتستعمله. وإن كل
من قرأ قصة حظر (أو منع) انتشار السلاح النووي يعرف على خير وجه
أن النتيجة النهائية (العملية) لكل الجهود والمساعي المبذولة في
هذا الاتجاه هي تمكين دولة من امتلاك هذا السلاح (أو غض النظر عن
سعيها لامتلاكه وعن امتلاكه) ومنع غيرها من امتلاكه.
إسرائيل امتلكت السلاح النووي، وامتلكت منه نحو 200 قنبلة نووية.
وكل الدول العربية تعرف ذلك، وتؤمن به، ولكنها لا تستطيع إقامة الدليل
على أن الدولة اليهودية غدت قوة نووية عظمى (إقليمياً). وبعد هذا
العجز، الذي يقلقنا أكثر من الترسانة النووية الإسرائيلية ذاتها،
لم نر سعياً عربياً جاداً وحقيقياً في سبيل كشف الحقيقة النووية
الإسرائيلية، والعمل، من ثم، على درء المخاطر النووية الإسرائيلية
ولو من خلال إقناع إسرائيل، بالتي هي أحسن، بأهمية وضرورة تخليها
عن سلاحها النووي.
ومع أن الولايات المتحدة لا تؤكد ولا تنفي امتلاك إسرائيل لأسلحة
نووية فإنها تكاد أن تقول إن لهذه الدولة حقاً في امتلاكها لأن وجودها
لم يعد بعد بمنأى عن الخطر، ولأن ديمقراطية نظامها السياسي تجعل
سلاحها النووي في أيدٍ غير شريرة، فهذا السلاح خير في أيدي الأخيار،
وشر في أيدي الأشرار!
وبحسب هذا المعيار لـ(الخير والشر)، يحق لإسرائيل الاحتفاظ بترسانتها
النووية، ويُحظر على إيران كل مسعى نووي يمكن أن يفضي إلى حيازتها
سلاحاً نووياً.
في المُعلَن من الأهداف، نرى، أو يراد لنا أن نرى، أن مقصد كل الجهود
والضغوط هو منع البرنامج النووي الإيراني من التحول من مدني إلى
عسكري.
وبناءً على تأكيد طهران أن صنع القنبلة النووية ليس هدفاً لها، وأنها
لا تعتزم سوى بناء محطات لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية التي تريد
إنتاجها بما لا يتعارض مع حقها السيادي، لا نرى في الملف النووي
الإيراني مشكلة مستعصية الحل إن كان المقصد هو ذاك المقصد، فرقابة
دولية من نمط فعَّال يمكن أن تكون كافية لمنع عسكرة البرنامج النووي
الإيراني.
أما إذا كان المقصد هو تغيير إيراني في الاتجاه الذي يريده خصوم
البرنامج النووي الإيراني، فإن الجهد سيُبذَل في سبيل جعل نظام الحكم
الإيراني يأسر نفسه بنفسه بمواقف تسمح بتعريضه لضغوط خارجية (مختلفة)
تَبذر في إيران بذور الفوضى البناءة، على أن يسترشد الساعون إلى
هذه الفوضى بما انتهت إليه التجربة العراقية من دروس وعبر.
وفي هذا السياق نفهم السبب الذي منع الولايات المتحدة حتى الآن من
اتهام نظام الحكم الإيراني بامتلاك ترسانة من الأسلحة الكيميائية
والبيولوجية وهو الذي لا يصعب عليه امتلاكها إذا ما افترضنا أنه
لم يمتلكها بعد، فهذه التهمة تحتاج إلى جهد لا تستطيع بذله إدارة
الرئيس بوش بعدما ثبت وتأكد أن اتهام نظام حكم صدام حسين بامتلاكه
ترسانة كهذه كان باطلاً ولا أساس له من الصحة.
وأحسب أن العرب إذا هم استمسكوا بمصالحهم الحقيقية لا مصلحة لهم
في أن يقفوا ضد البرنامج النووي الإيراني، مع أن النفوذ الإيراني
المتسع في العراق لا ينزل برداً وسلاماً على المصالح القومية العربية.
وبعض الحجج التي ندلي بها ضد هذا البرنامج لا سند لها لا في المنطق
ولا في المصالح العربية. وأخص بالذكر حجة أن المساعي النووية الإيرانية
تُدخِل الشرق الأوسط في سباق تسلح جديد، وكأن القنبلة النووية الإيرانية
التي لم تولد بعد، وليس الترسانة النووية الإسرائيلية، هي التي يمكن
ويجب أن تفضي إلى جولة جديدة من سباق التسلح، مع أن هذا السباق،
الذي نفهمه على أنه رجس من عمل الشيطان ينبغي لنا اجتنابه، هو وحده
الذي يمكن ويجب أن يؤدي إلى كسر الاحتكار الإسرائيلي للسلاح النووي.
من حقنا أن نخشى تسرُّب شيء من مفاعل بوشهر، فهو عند مياه الخليج،
ويَبْعُد 120 كلم عن إحدى دول الخليج العربية، بينما يَبْعُد عن
طهران 900 كلم. كما أنَّ إيران ليست عضواً في اتفاقية الإنذار المبكر.
ومن حقنا أن نُتَرْجِم هذه الخشية بـ(مطالب)، تسمح تلبيتها، إيرانياً
ودولياً، بجعل دولنا ومجتمعاتنا (القريبة من هذا المفاعل) مع أراضينا
ومياهنا وأجوائنا، بمنأى عن مخاطر تسرُّب شيء من مفاعل بوشهر، الذي
لأسباب أمنية استراتيجية، تعمدت طهران إقامته حيث ناقلات النفط تشق
عباب البحر، وحيث يتركز النفط إنتاجاً وتصديراً.
على أنَّ هذا الحق أو ذاك لا يتفرع، ويجب ألا يتفرع، منه حق آخر
ليس بـ(الحق)، وهو حقنا في أن نقف ضد البرنامج النووي الإيراني،
والحقوق النووية الإيرانية المشروعة دولياً، والقنبلة النووية الإيرانية
إذا ما صنعتها طهران، التي ما زالت تؤكد أنها غير عازمة على صنعها،
وأنَّ مبدأً دينياً (إسلامياً) يردعها عن صنعها (وعن صنع غيرها من
أسلحة الدمار الشامل) وإن كانت الواقعية السياسية تقضي بأن نربأ
بعقلنا السياسي عن تصديق هذا الرادع المبدئي الديني، فعندما يصبح
للبشر مصلحة واقعية في فعل شيء ما فإنهم لن يعجزوا عن إيجاد المبرِّر.
إننا لا نستطيع أن نقف ضد إيران في برنامجها النووي، أكان مدنياً
خالصاً أم مدنياً ـ عسكرياً. ولا نستطيع أن نقف ضد ما تراه إيران
مناسباً (من المواقف) في سعيها إلى درء المخاطر عن برنامجها النووي.
وأحسبُ أنَّ إيران في مقدورها أن تقول في برنامجها النووي ما قالته
إسرائيل في برنامجها النووي الذي أفضى إلى حيازتها نحو 200 قنبلة
نووية. إنها تستطيع أن تقول إنها لن تكون أول دولة تُدْخِل السلاح
النووي إلى المنطقة.
إنَّ تقصيرنا في (أو عن) أن نُعِدَّ لإسرائيل ما استطعنا مِنْ رباط
الخيل النووي هو ما جعلها لا ترهبنا، وتمضي قدماً في تسلحها النووي
حتى باتت تملك نحو 200 قنبلة نووية، وحتى بِتْنا لا نملك في مواجهة
الدولة اليهودية النووية سوى ما يملكه كاهن في مواجهة صاعقة توشك
أن تنقضَّ عليه.
وهذا التقصير نُتَرْجمه، في بياناتنا السياسية، بهذا القول البليغ:
ندعو إسرائيل إلى الانضمام إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية،
وإخضاع منشآتها النووية لأنظمة التفتيش النووية للوكالة الدولية
للطاقة الذرية.
وهذا القول البليغ يُتَرَجَم عملياً بصنع إسرائيل لمزيد من الأسلحة
النووية، وببيعنا بثمن سياسي بخس برامجنا السرية لصنع شيء من الأسلحة
الكيميائية، يَعْدل قطرة في بحر أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية.
إننا لا نحتاج إلى منع إيران من التسلح النووي، إذا ما كانت تعتزمه،
فما نحتاج إليه فعلاً إنما هو أن نتسلح كما تتسلح إيران، وأن نحمي
تسلحنا كما تحميه.
ولو كان لدينا من العقلانية السياسية ما يكفينا شر الوهم السياسي
لما ضربنا صفحاً عن حقيقة انك، قبل ومن أجل أن تنزع السلاح من يد
خصمكَ ينبغي لكَ أن تتسلح، فمتى رأينا نزعاً للسلاح بغير هذه الطريقة؟!
* كاتب فلسطيني ـ الأردن
أعلى
لم يكن لأحد في السابق أن يتنبأ بأن الإسرائيليين
سينصبون وجوههم الى شارون أملا في أن يأتي بالحل للصراع مع الفلسطينيين.
وكعسكري كان شارون معروفا بأنه لا يمانع في وقوع ضحايا من المدنيين
الفلسطينيين خلال الغارات الجوية التي تشنها اسرائيل على أهداف فلسطينية.
وتحت إمرة شارون وقيادته قامت ميليشيات لبنانية مسيحية بتنفيذ مذبحة
صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982.
هل سترقد آمال تحرك عملية السلام مع شارون؟
ترودي روبين*
بينما يرقد ارييل شارون في اغماءته يتساءل
كثيرون عن الطريقة التي سيتعامل بها من يخلفه مع المسألة الفلسطينية.
ومن بين المفارقات الغريبة في حياة شارون المهنية أن هناك من كان
ينظر اليه على أنه أفضل من سيأتي بالحل في قضية الصراع مع الفلسطينيين،
في حين أنه هو نفسه الرجل الذي يصب عليه العرب اللعنات على انه حجر
عثرة أفسد المفاوضات مع الفلسطينيين. ولا ننسى أنه قام بسحب قواته
من غزة في خطوة احادية الجانب.
وقد آثرت الإدارة الأميركية الجلوس على المقعد وترك شارون يقود سياستها
الخاصة بعملية السلام على أمل أنه بصدد القيام بعمليات انسحاب أخرى
من الضفة الغربية. وقليل هم الذين يعتقدون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي
الجديد الذي سيخلف شارون سوف يسير على نهج سلفه ويكمل مثل تلك الخطوات
الجريئة. ومع رقدة شارون ترقد آمال تحرك القضية الفلسطينية.
ولم يكن لأحد في السابق أن يتنبأ بأن الإسرائيليين سينصبون وجوههم
الى شارون أملا في أن يأتي بالحل للصراع مع الفلسطينيين. وكعسكري
كان شارون معروفا بأنه لا يمانع في وقوع ضحايا من المدنيين الفلسطينيين
خلال الغارات الجوية التي تشنها اسرائيل على أهداف فلسطينية. وتحت
إمرة شارون وقيادته قامت ميليشيات لبنانية مسيحية بتنفيذ مذبحة صبرا
وشاتيلا في بيروت عام 1982.
وكان شارون مهندس الخطة الإسرائيلية الخاصة بإقامة مستعمرات لليهود
في قطاع غزة والضفة الغربية، كما أنه اعتاد على التصريح بأن كل مستعمرة
يجري إنشاؤها تمثل ضرورة للحفاظ على أمن اسرائيل. وخلال ممارسته
لمهام منصبه كرئيس وزراء لإسرائيل استمر شارون في توسيع المستعمرات
اليهودية، واقترح مساعدوه أن الفلسطينيين يمكنهم إقامة شبه دولة
تتألف من أجزاء صغيرة متفرقة بين الكتل الاستيطانية، على أن يتم
ربط الأجزاء الفلسطينية فيما بينها بالانفاق والجسور. وبالقطع فإن
هذا الحل غير قابل للتطبيق على أرض الواقع.
ولم يكن شارون أبدا حريصا على التفاوض حول حدود الدولة الفلسطينية
القادمة خاصة عندما كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يتولى
منصبه. وبدلا من ذلك فقد عمد شارون إلى إقامة جدار عازل لفصل إسرائيل
عن الضفة الغربية على أن يضم الكتل الاستيطانية إلى داخل اسرائيل.
بيد انه يبدو أن هناك شيئا ما قد تغير في طريقة تفكير شارون خلال
الأعوام الماضية، ربما يرجع إلى أنه قد أدرك ما سبق وحذر منه الوسط
واليسار الإسرائيلي من أن توزيع السكان الفلسطينيين يمكن أن يهدد
بقاء اسرائيل كدولة يهودية. ومالم يتخل الإسرائيليون عن الضفة الغربية
وقطاع غزة فإن الفلسطينيين سرعان ما سيمثلون أغلبية سكان إسرائيل
الكبرى، وإذا ما منع الفلسطينيين من حقوقهم السياسية فسوف تتوجه
أنظار العالم الى عقد مقارنة لحكم اسرائيل في الضفة الغربية وغزة
مع ممارسات التفرقة العنصرية السابقة في جنوب إفريقيا.
وليس ثمة شك في أن التهديد الديموغرافي هو الذي حمل شارون على اتخاذ
قرار الانسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات التي أشرف على إنشائها في
السابق. ولا أحد يعرف ما إذا كان شارون سيقدم على تنفيذ المزيد من
الانسحابات. وقد اعتقد معظم الفلسطينيين أن الانسحاب من غزه كان
يهدف الى احكام السيطرة على الضفة الغربية وهو ما صرح به بعض مساعدي
شارون مثل دوف ويسغلاس في مقابلة مع صحيفة هاآرتس في اكتوبر عام
2004.
غير أن صحيفة معاريف نشرت قبل أيام من إصابة شارون بالسكتة الدماغية
أنه ينوي ان القيام بخطوة جريئة في الضفة الغربية بإنهاء كافة المستعمرات
فيما عدا من 8 إلى 12 مستعمرة مقابل اتفاق مع الولايات المتحدة تعترف
فيه بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على القدس. كما ذكرت الصحيفة ان
هذا الاتفاق يتضمن أيضا رفضا أميركيا لحق عودة الفلسطينيين من لاجئ
عام 1948 الى اسرائيل.
ومن الواضح أن هذا النوع من التفاوض مع إدارة بوش وليس مع الفلسطينيين
يبرز نوايا اسرائيل في تفعيل وصاية اميركية على الشعب الفلسطيني.
وليس هناك ما يدعو لذكر أن الفلسطينيين قد رفضوا مثل هذه الفكرة،
ولا يسعني أن أعتقد بأن إدارة بوش قد وافقت عليها.
وربما كانت الجرأة والحزم التي ظهر عليها شارون هي الدافع وراء توحد
الجبهة الفلسطينية، ومع ذهاب شارون لن يكون هناك هذا الدافع المؤثر.
كما أن إدارة بوش ليس لديها سياسة خاصة تحمل تصورا لحقبة ما بعد
شارون، ومن الصعب أن نحدد الآن من الذي سيدفع عملية السلام الفلسطينية
الإسرائيلية قدما إلى الأمام.
* كاتبة عمود وعضو في أسرة تحرير صحيفة فيلادلفيا
إنكوايرر
* خدمة كيه ار تي ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى
إن أولئك الذين يمتلئون خوفا وقلقا على شارون
ـ والذين يمكن فهمهم وفهم موقفهم ـ لا ينبغي أن يسمح لهم بالسيطرة
على الأجندة. لا شك ان السياسة في إسرائيل وفي المنطقة ستواجه تعقيدات
أكثر بكثير بدونه. وبالطبع ليس هناك خليفة واضح له. وتتعدد الأسئلة
يوميا حول احتمالات الانتخابات القادمة في
إسرائيل والقوة الباقية لحزب شارون.
باب السلام يجب ألا يغلق بعد شارون
جون بيرسيا*
إن أي شخص يلاحظ الأزمات والصراعات والاضطرابات التي لا تنتهي في
الشرق الأوسط خلال نصف القرن الماضي سيركن على الأرجح إلى تشخيص
قاتم للحالة: ألا وهو فقدان الأمل واليأس. والتمزق والتشويش الحالي
في إسرائيل, المتمركز على المأساة الشخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي
ارييل شارون, يمكن أن يقدم توكيدا لوجهة النظر تلك.
غير أن هناك سببا كبيرا للأمل, إذا نفض المرء الغبار عن الرؤى الفاسدة
والعقول التي يملؤها الخوف والأصوات الرافضة.
وأول من يجب إغفالهم وتجاهلهم هم المتطرفون اليهود, بمن فيهم أولئك
الذين يرون تدخلا إلهيا في موت شارون. وبدءا من بات روبرتسون, الذي
تكلم بحماقة عن معاقبة شارون عقابا إلهيا مستحقا على تقسيم أرض الله
إلى الراديكاليين اليهود في إسرائيل والراديكاليين غير اليهود في
دول أخرى الذين بدوا متشابهين لبعضهم بعضا في القول ان دعواتهم قد
استجيب لها, فهم غير مرحب بهم بالمرة وغير مفيدين. وإذا كان أولئك
الناقدون قد استثمروا وقتا وجهدا في المساعدة في حل الصراعات في
الشرق الأوسط مثل الوقت والجهد الذي استثمروه في التفاهات القبيحة,
لكانوا قد ساعدوا كلا من الموقف الراهن وأنفسهم على السواء.
وبقولي هذا, أنا لا أدافع عن شارون ولا اشير الى التصديق على أعماله
في حياته, والتي شملت تجاوزات كثيرة. لقد ناقشت عدم موافقتي على
سياسات شارون وممارساته في مناسبات عدة. ولكني أقدر فيه صفة ليست
موجودة إلا في حفنة من أسلافه: وهي القدرة على اتخاذ خطوات مفاجئة
تبدو غير منسجمة مع مواقف ماضية, لتعديل مرتكزات أيديولوجية. فهم
شارون أنه من الممكن تحقيق تقدم نحو حل الخلافات المستديمة بين الإسرائيليين
والعرب, بدءا من وضع الفلسطينيين والمستعمرات اليهودية في قطاع غزة.
بل أنه حتى ذهب مذهبا بعيدا حتى الآن ليدشن حزبا جديدا, وهو طريق
ثالث من النتائج في السياسة الإسرائيلية.
إن أولئك الذين يمتلئون خوفا وقلقا على شارون ـ والذين يمكن فهمهم
وفهم موقفهم ـ لا ينبغي أن يسمح لهم بالسيطرة على الأجندة. لا شك
ان السياسة في إسرائيل وفي المنطقة ستواجه تعقيدات أكثر بكثير بدونه.
وبالطبع ليس هناك خليفة واضح له. وتتعدد الأسئلة يوميا حول احتمالات
الانتخابات القادمة في إسرائيل والقوة الباقية لحزب شارون.
ولكن غياب حقبة شارون لا يغلق باب التفكير التقدمي. كما لن يسبب
غيابه بالضرورة عن مائدة المفاوضات أن يبقى السلام بعيد المنال.
فالقادة الجدد ـ وربما يكونوا أشخاصا عظماء ـ ينتظرون على الهامش
ويتمنون من ديمقراطية إسرائيل أن تمنحهم فرصة لتجربة أياديهم في
المشاكل الضاغطة.
إن أزمة اللحظة الراهنة ستمر؛ فقضية السلام تستحق أولوية كبرى. والقادة
الإسرائيليون لا يحتاجون إلى النظر لما هو أكثر من مقومات الأمل.
فالغالبية على امتداد الشرق الأوسط ترغب وتنشد السلام والاستقرار,
وليس الحرب وعدم الأمن. لقد ظلت حياتهم ـ لوقت طويل جدا ـ يحددها
الصراع. غير أنهم لم يتخلوا عن أحلام الحياة الأفضل والأكثر أمنا.
إن شارون يمكن أن يكون قد استخدم مرارا وعلى نحو شهير أدوات الحرب
لتحقيق غاياته, ولكني أعتقد أن ميراثه الطويل سيعكس أنه التقط ـ
في السنوات الأخيرة من حياته العملية ـ أدوات السلام.
* حائز على جائزة بوليتزر في الكتابة الصحفية
لصالح صحيفة أورلاندو سينتينيل الأميركية في عام 2000, ومساعد خاص
للرئيس الأميركي لقياس وجهات النظر العالمية وأستاذ بجامعة سنترال
فلوريدا الأميركية
* خدمة كيه آر تي ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى