
نافذة من موسكو
أمل الانضمام لمنظمة التجارة العالمية
تأمل روسيا الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية
نهاية العام الجاري ، هذا ما يردده المسئولون الروس منذ بداية هذا
العام. غير أن هؤلاء المسئولين روجوا لهذه الآمال على مدار السنوات
الأخيرة دون جدوى. ومن المفترض أن تنهي روسيا خلال الشهرين القادمين
المباحثات الثنائية حول انضمامها لمنظمة التجارة العالمية ، كما
من المفترض أن تحل كافة القضايا التي تعيق هذا الانضمام. ومن المعروف
أن موسكو تجري مثل هذه المفاوضات منذ عام 1994 مع كل الأعضاء في
المنظمة. والمشكلة الرئيسية بالنسبة لروسيا ـ على حد قول المسئولين
الروس ـ لا تكمن في الفترة التي تستغرقها المفاوضات بل في شروط هذا
الانضمام. فهناك العديد من المشاكل العالقة بين روسيا وبعض دول منظمة
التجارة العالمية وعلى رأس هذه المشاكل مساواة الأسعار المحلية للغاز
الروسي مع أسعاره العالمية ، والسماح للبنوك وشركات التأمين الأجنبية
بالعمل في السوق الروسية، ودعم السلع الزراعية. وتشير مصادر وزارة
التنمية الاقتصادية والتجارة في روسيا إلى أن العدد الأكبر من المشاكل
التي تعوق انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية يبقى في الوقت
الراهن مع الولايات المتحدة الأميركية. فواشنطن تصر على خفض الرسوم
الجمركية على الطائرات التي تستوردها روسيا والتي تمثل حاليا حوالي
40 بالمائة. كما تصر الولايات المتحدة على تمكين البنوك وشركات التأمين
الأميركية من فتح فروع لها في روسيا. ويرى بعض المراقبين أن موسكو
لا ترغب في تقديم تنازلات في هاتين القضيتين تحت ضغط رجال الأعمال
الروس الذين يتخوفون من عدم القدرة على منافسة البنوك وشركات التأمين
الأجنبية. في نفس الوقت تصر سويسرا أيضا على أن تكون السوق المالية
الروسية مفتوحة. هذا بالإضافة إلى أن كولومبيا وأستراليا تعترضان
على نظام توزيع حصص السكر تبعا للبلد المصدر وضرائب الاستيراد المتعلقة
بالتداول في بورصة نيويورك. ويأمل الروس في إنهاء المباحثات مع سويسرا
والولايات المتحدة على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة
دافوس السويسرية من25 - 29 يناير الجاري. ويرى مكسيم ميدفيدكوف رئيس
الوفد الروسي إلى المفاوضات مع أعضاء منظمة التجارة العالمية أنه
من المهم بعد انتهاء المفاوضات الاتفاق على تقرير مجموعة العمل حيث
يبقى الخلاف على حوالي عشر قضايا كبيرة وخاصة عدم حماية الملكية
الفكرية في روسيا وعدد محدود من بنود الإجراءات الجمركية. ويعتقد
الخبير المالي الروسي أناتولي مارتينوف أن خطط المسئولين الروس المتعلقة
بانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية نهاية العام الجاري تتسم
بالواقعية. غير أنه يشير إلى أن بعض الظروف السياسية قد تؤخر هذه
العملية كعدم الاتفاق بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية بشأن
الملف النووي الإيراني.
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى

أصداف
موقف القوات الأجنبية في العراق
ما تدركه غالبية الدول التي ساندت الولايات
المتحدة في احتلالها للعراق، يختلف تماماً عن سلوكها السياسي، الذي
يفترض أن تبدأ خطواتها السليمة، استناداً إلى الفهم الدقيق للواقع،
الذي يراقبه الجميع، ويعرفون يوماً بعد آخر، أين يتجه المركب الأميركي،
وأين تتحرك الأمواج الأخرى.
فإذا كانت الدول التي سارعت إلى إرسال قواتها إلى العراق، لمساندة
الولايات المتحدة في تكريس سيطرتها على هذا البلد، لم تدرك بعد حقيقة
ما يجري، فأنها تتجه نحو الزاوية الأخرى، التي لا يمكن وصفها إلا
بزاوية التيه.
أما إذا كانت هذه الدول تدرك تماماً، أن الزورق الذي دلفوا بذيوله،
واندفعوا بقوة ليدفعوا بعجلة الاحتلال الأميركي للعراق، إلى أمام
ألف خطوة وخطوة، ومازالوا يعتقدون أن هذا الزورق يمتلك القوة والقدرة
على المطاولة في الساحة العراقية، فهم إما من الذين يتميزون بالغباء
السياسي المطلق، أو يتأرجحون بين بهرجة سحر السطوة الأميركية الفارغة،
والخيار الثالث أنهم ينفذون ما يرغب به السيد الأميركي القابع في
البيت الأبيض.
أخطر ما في الأمر، أن يقف وراء إصرار هذه الدول على إبقاء قواتها
في العراق، هو إدراكها لجميع الحقائق، وتتصرف استناداً إلى ما يريده
قادة أميركا، الذين يجلسون هذه الأيام على بحيرة من القلق والأزمات
الذهنية المستفحلة.
أسباب هذا الخطر، أن تلك الدول عندما سارعت إلى إرسال قواتها إلى
الساحة العراقية، كانت قد صدقت بصورة مطلقة، ما رسمه الأميركيون
من لوحة وردية زاهية للأوضاع في العراق، وأن هذه الدول ستشترك في
الكعكة العراقية، وأن إرسال قواتها سيكون البوابة لجلب العقود والاستثمارات،
إضافة إلى أهداف أخرى، يمكن مناقشتها لاحقاً.
لكن عندما أكتشف هؤلاء، إن هذه الكعكة تزخر بالسم العراقي الزعاف،
لماذا يصر هؤلاء على الوقوف في قائمة الخطر والمآزق الكبيرة.
ثم إذا أرادت هذه الدول أن تنأى بنفسها عن الأثم السحيق، فما عليها
إلا أن تنفض يديها من تلك الكعكة المسمومة، وتسارع إلى سحب قواتها
والاعتذار من شعب العراق، الذين أساءوا له ولشعوبهم وعملوا على تخريب
العلاقات الطيبة معهم.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

باختصار
برامرتس والمحامي العربي
باشر القاضي الالماني الجديد في قضية اغتيال
الرئيس رفيق الحريري سيرج برامرتس مهامه في لبنان بعد تنحي خلفه
الالماني ديتليف ميليس ، ويواجه برامرتس قضية شائكة تم تحريف بعض
نتائجها عن طريق شهود زور او عن طريق اتهامات مسبقة اسديت إلى سوريا
قبل ان تخرج النتائج إلى النور . ويبدو ان برامرتس يسعى لاعادة التحقيق
من اولياته ، واذا ماتحققت تلك المبادرة الصعبة فان مطلب النزاهة
والنظافة سيكون عنوان المرحلة المقبلة اذا اريد الخروج من الاحكام
المسبقة إلى فضاء التحقيقات الخالية من التسييس.
لعل برامرتس سيضع في حساباته ان ثمة جديدا برز على سطح المواقف والمعطيات
وعنوانه المحامي العربي عبر تجميع اكثر من الف محام عربي في دمشق
لدعم سوريا في مواجهة الهجمة عليها وفي مساعدتها في قضية اغتيال
الحريري وهي مناسبة جاء توقيتها ملائما للاندفاع الذي بدأته اللجنة
برئيسها البلجيكي الجديد وبعدد وافر من المحققين الجدد ايضا. ولابد
بالتالي ان يقرأ برامرتس ما اصدره المحامون العربي في توصياتهم بعد
انتهاء مؤتمرهم في سوريا من حرص على التحقيق وكشف الحقيقة لكنهم
اتبعوا ذلك بجملة من التوصيات التي تعني احتضان سوريا والوقوف إلى
جانبها وتسخير جوهر تحركهم من اجلها والتركيز على نقطة مركزية هو
رفض المؤتمر الكامل لطلب لجنة التحقيق الدولية بمثول الرئيس السوري
بشار الاسد للتحقيق معه لما يحمله ذلك من مخالفة للمواثيق والمعاهدات
والاتفاقيات الدولية التي تعطي لرؤوساء الدول حصانة من مثل هذا الاجراء
الذي من شانه المساس بسيادة سوريا وبكرامة الامة العربية كما جاء
في بيان المؤتمر الاخير.
لن نقول ان المحامين العرب قرروا مواجهة برامرتس ولجنته الدولية
وهم أعلنوا انهم مع كشف الحقيقة لكنهم ارادوا من خلال الرسالة التي
سلمت إلى الامين العام للامم المتحدة كوفي انان ان يعلنوا تضامنهم
مؤملين عدم تسييس التحقيق .. كما ان خطوتهم تعني في صميم تحركهم
حماية سوريا واعلان تحرك واسع قد يلحظ مستقبلا الكثير من القطاعات
النقابية والشعبية من اجل الدفاع عن سوريا بل ان المحامي سامح عاشور
كان قد اعلن من دمشق ان المحامين العرب لن يسمحوا للرئيس السوري
بالامتثال للتحقيق حتى لو اراد هو القيام بهذه المهمة.
القضية الجديدة ليست المواجة اذن مع ارادة اللجنة الدولية ولا مع
تحركاتها ولا مع مبتغاها. كشف الحقيقة مطلب دولي وعربي ولبناني وسوريا
وانساني لكنه برأي المحامين العرب يجب ان يستند إلى تحقيقات بعيدة
عن التسييس وهو هدف كانت قد طالبت به سوريا مطولا وقالت فيه بصراحة
منذ قيامه.
هل يمكن بعد هذا الاحتضان الحقوقي والقانوني العربي ان تحصل مواجهة
في المستقبل اما ان طبيعة التحقيق الجديد كما يشاع سيأخذ الامور
في اتجاهات مختلفة يبعد شبح تلك المواجهة. ربما اصبح الامر بيد المحامين
العرب الذين قالوا كلمة الفصل في الظرف الدقيق والخطير الذي تتعرض
له سوريا العربية.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

اقول لكم
ما يهمله التاريخ
باحثة لبنانية تدعو إلى اعادة كتابة التاريخ
من منظور نسوي، ولا أحد يضمن الحيدة والموضوعية إذا امتهنت ربات
الخدور حرفة التأريخ، فربما تثور شبهات حول تشبع مداد أقلامهن بمشاعر
أنثوية تنحاز عنصريا ضد المجتمعات الذكورية، وهذا الأمر ينسحب أيضا
على مؤرخين رجالا كتبوا التاريخ ملونا بخلفيات عرقية أو أيديولوجية
أو سياسية، وكثير من الأنظمة (الثورية) كانت تزيف التاريخ بشكل فاضح
بتعداد مثالب (العهد البائد) وبيان محاسن حكم الثورة، ومنها تقرير
أصدرته الحكومة الألبانية يؤكد ارتفاع معدلات خصوبة نساء ألبانيا
خلال العهد الثوري للرئيس الأسبق أنور خوجة!
طبعا هذا ليس تأريخا ولكنه نوع قاتل من النفاق أو القرع العسلي الذي
يستمزجه بعض الحكام دائما، يتساوى معه اقدام النساء على كتابة وتحديد
مسار التاريخ من خلال مشاعرهن الشخصية، فالغيرة الشديدة التي أبدتها
الزوجة الأولى لحاكم مصر عز الدين ايبك، دفعتها إلى قتل ضرتها الملكة
شجرة الدر ضربا بالقباقيب، ثم قامت (أم علي) بعد ذلك بتوزيع نوع
من الحلوى احتفالا بانتصارها على (أم خليل) .. وما زالت هذه الحلوى
تحمل حتى الآن اسم أم علي!
وفي الأدب، كانت الحقائق تروى بشكل متناقض تماما من خلال رؤى أربعة
أشخاص في رواية فتحي غانم: الرجل الذي فقد ظله، والكاتب الجميل غابريل
غارسيا ماركيز أرّخ لحياته في سيرة ذاتية روائية صنعتها ذاكرة غانياته
الحزينات، أما كارل ماركس فيحصر تاريخ العالم كله في (نضال) الطبقة
العاملة .. ويبقى أن مؤرخي بني اسرائيل هم أشهر من (كتب) التاريخ
وفقا لرؤية عنصرية مفادها أنهم أبناء الله وشعبه المختار، حتى أنهم
فرضوا على دول عديدة ـ آخرها تركيا ـ الاحتفال بأسطورة الهولوكوست،
ولو أكدت هيئة مؤرخين دولية محايدة هذا الوهم، فسوف أشعل ثماني شموع
في عيد الحنوكا!Hkأن
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

3 أبعاد
صوت قادم من الهند
عندما أيقظني جرس الهاتف في الواحدة صباحا
وكنت أغط في نوم عميق، سمعت على الطرف الآخر رجلا يحدثني عن حجز
مقعدي على الطائرة المتجهة من مدينة داخل اميركا إلى مدينة اخرى
داخل اميركا. لكن الصوت على التليفون كان قادما من خارج اميركا..
من الهند. لعنت فروق التوقيت وشرحت للرجل كيف ان الوقت متأخر في
اميركا رغم سطوع الشمس في الهند. لم يقل لي الرجل انه يتحدث من الهند،
لكن شيئين اكدا لي انه في الهند. الأول هو لهجته الهندية الثقيلة
حتى وهو يتحدث بانجليزية بليغة. والثاني هو معرفتي بأن اعدادا متزايدة
من الشركات الأميركية توظف اليوم اشخاصا في الهند للقيام بوظائف
متعددة عن طريق الهاتف والانترنيت وتوفر بهذه الطريقة اموالا طائلة
بسبب رخص اليد العاملة في الهند. الوظائف الأميركية تهرب إلى الهند
ولكن هناك اسبابا اخرى لذلك غير رخص اليد العاملة الهندية. فالهند
تتنافس اليوم مع الصين على البزوغ كقوة كبرى في العالم خلال هذا
القرن. ويسعى الهنود إلى تحقيق هذا الهدف عن طريق التكنولوجيا والتعليم
والديموقراطية واعداد الشباب المتزايدة. ولكن الهند التي تتفوق على
الصين ببعض هذه الميزات تعاني ايضا من بعض نقاط الضعف في المنافسة
مع الصين.
في التعليم يريد الآباء الأميون لأبنائهم من التعليم ما حرموا هم
منه. في اسرة دخلها الشهري 23 دولارا يدفع الآباء 13 دولارا كرسوم
تسجيل لأطفالهم في المدارس الخاصة مرة في السنة ، ثم دولارين ونصف
الدولار شهريا. وفي التكنولوجيا ليس ادل من اهتمام الهنود بالعلم
أكثر من الألغاز الرياضية والهندسية التي تنشرها الصحف على صفحاتها.
في أميركا تجتذب الصحف قراءها بالرسوم الكرتونية. وفي بريطانيا تنشر
صحف التابلويد صور نساء عاريات الصدور على صفحاتها. اما في الهند
فتنشر الصحف الألغاز الهندسية والرياضيات. والهند هي من اكبر الديموقراطيات
في العالم بسبب عدد سكانها. وليس هناك احتمال انقلاب عسكري أو حكم
عن طريق غير طريق الانتخابات. هناك بعض اعمال العنف السياسي في الهند
مثل الاغتيالات كما حدث لاسرة غاندي والعنف الطائفي كما حدث في المذبحة
ضد المسلمين في جوغارات عام 2002. وفي الهند عدد السكان من الشباب
يشكل حزءا كبيرا من مواطني الهند يعكس الصين التي استفادت من نظام
تحديد النسل وأخذت الأجيال الصينية في التقدم في العمر. لكن من نقاط
الضعف في الهند شبكة الطرق التي هرمت ولا تزال من الدرجة الثالثة
مقارنة بالتقدم الكبير الذي احرزته الصين في تحديث بنيتها الأساسية.
وفي الهند ينفقون ستة روبيات على نقل طعام قيمته روبية واحدة إلى
الفقراء في البلاد. وفيها لا تزال مشكلة مرض الإيدز تتفاقم وتتدهور.
ورغم كل التقدم التكنولوجي في الهند وانتقال الوظائف الأميركية إلى
الهنود فإن عدد الوظائف الجديدة في الهند في هذا المجال لا يزيد
عن مليون وظيفة فقط. أما الوظائف في مجال التصنيع والتي يمكن ان
تستوعب عدة ملايين من فقراء الهند في المناطق الريفية فلا تزال متخلفة
عنها في بنغلاديش.
والسباق بين الهند والصين على مركز القوة الكبرى الجديدة في القرن
الجديد سيكون سباقا بين الديموقراطية التقليدية وبين الحكم غير الديموقراطي.
حتى الآن وبرغم كل اوجه التقدم في الهند فإن الصين تحقق نموا اقتصاديا
اسرع ومن المرجح ان يستمر هذا النمو بحيث ستتفوق الصين على الهند
بحلول العام 2100.
أنا اشجع الهند على الفوز لأن مشكلتي في الرد على المكالمة التليفونية
التي ستوقظني من النوم في المرة المقبلة ستكون مضاعفة. شخص يتحدث
الانجليزية في الواحدة صباحا بلهجة صينية أثقل.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

أطيــاف
الأميركان والخليج (2)
الولايات المتحدة تعمل الآن على دخول
المرحلة الثانية ضمن المراحل المؤدية للوجود شبه الدائم أو الطويل
بالمنطقة ، وهي مرحلة تهيئة الأجواء المناسبة لنقل الآلاف المؤلفة
من الجنود والضباط وأهاليهم. هذا يعني توفير الأجواء التي اعتاد
الأميركان عليها في بلدهم بدءاً من السكن إلى المدارس إلى غيرها
من وسائل الترفيه المتعددة وغيرها من المظاهر المعروفة عن الحياة
الأميركية ذات الطابع الاستهلاكي الرهيب.
يذهب بعض المحللين وبعض مستشرفي مستقبل هذه المنطقة ، إلى أن ما
يحدث في العديد من دولها من نهضة عمرانية غير مسبوقة على شكل أبراج
سكنية ومجمعات سكنية فاخرة كبيرة وعديدة ، لا يمكن إلا أنها مقدمات
لعدد هائل من البشر قادم من الغرب بشكل عام ،إما على شكل مستثمرين
أم شركات مستثمرة ضخمة أم عسكريين وعائلاتهم ، وما يتطلب ذلك المجيء
البشري الكبير لمنطقة من بنية تحتية أساسية متمثلة في بيت ومدرسة
ومجمع تجاري ومقر عمل . تلك أساسيات مهمة لاستيعاب القادم في السنوات
الخمس القادمة .
لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة على أساس واقعها ، بمعنى
أنها لا ترغب كثيراً في التعامل مع العديد من الجهات في منطقة صغيرة
، بقدر رغبتها في توحيد أو تقليل تلك الجهات. وهذا ما أدى بعض مفكري
الخليج إلى الاعتقاد أو استشراف مستقبل المنطقة بأنها في مدة أقل
من عقدين من الزمن ، لا بد وان يحدث حادث وتندمج كيانات الخليج الستة
المعروفة بدول مجلس التعاون الخليجي ، إلى ثلاثة كيانات كبيرة سواء
بالرغبة أم بالقوة ،وهي ربما تتوافق مع رغبات أو رؤية الولايات المتحدة
لمستقبل هذه المنطقة الحيوية للعالم كله.
تعمل الولايات المتحدة على تهيئة الأجواء على جميع الأصعدة وبشكل
يضمن لها البقاء لأطول فترة ممكنة بالمنطقة. تعمل هي على عدد من
الخطوط في آن واحد. الخط الأول والأهم هو الخليج ، ثم الثاني إيران
، فالثالث العراق. هي لا تواجه تلك التعقيدات في دول الخليج ، وتعتبر
أي صعوبات أو تعقيدات إنما ناتجة عن سوء فهم للمقاصد وعلاجه سهل
يسير لا يتطلب ذاك الجهد الكبير. لكنها تواجه المأزق الحقيقي في
العراق وهي بصدد إيجاد كل ما من شأنه تمكينها من الإمساك بزمام الأمور
فيها ، وهي تدرك حجم وأهمية ودور إيران في ذلك ، وهذا ما يقودنا
إلى الحديث عن الخط الثاني الذي تعمل الولايات المتحدة عليه ، والمقصود
به إيران.
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى

في الموضوع
الأيام دول
عندما يتحدث الناس عن الحضارة، فان ذلك يعني
تحقيق انجازات تبقى على الارض، وتترك اثرها في تكوين البشر، وتبع
ذلك ان اصحاب الحضارة تكون لديهم القدرة على انتاج أوفر، يزيد عما
يحتاجون إليه لمواجهة المتطلبات الضامنة لحياتهم اليومية. ولا يكون
ذلك الا اذا توصلوا الى حالة من الرفاه او الوفرة في الثروة، تنتقل
بهم مما يسميه المفكرون حالة (الضرورة) الى حالة (الحرية). ومعروف
ان اولئك الذين يعيشون حالة (ضرورة)، يعانون من الحياة في جو نفسي
يضغط عليهم، ويفرض ترتيب اولويات الحياة، بطريقة تساعدهم على البقاء.
اما اولئك الذين يعيشون حالة (الحرية)، فانهم يشعرون بالانطلاق الفكري
دون قيود، ومن ثم يكون الابداع هو اهم ملامح حياتهم.
يكون هؤلاء الذين يعيشون حالة (الحرية) منتجين للحضارة، في حين يضطر
الذين يعانون من ظروف (الضرورة) الى استيراد الانتاج الحضاري لغيرهم،
ولأن الانتاج الحضاري يتضمن أنماطا معينة من السلوك فإن مستوردي
الحضارة يكونون تابعين لغيرهم وهذا هو حال دول (العالم الثالث) النامية
في هذه المرحلة من تاريخ البشرية، في مواجهة دول العالم الاول المتقدمة
في شمال كوكب الارض. وهذا هو الشكل العام للعلاقات بين الدول، فشمال
متقدم يقود، وجنوب متخلف تابع.
لكن سنة الدنيا جرت على ان (الايام دول) وان الحضارات البشرية تمثل
سلسلة متواصلة تبدأ في منطقة ما لظروف معينة، ثم تصل الى اقصى مراحل
النضج، وينتهي بها الامر الى الانهيار. تماما مثل حياة البشر. لكن
وتيرة حياة الحضارة في منطقة ما تستغرق وقتا اطول. وفي تاريخ الحضارة
العربية الاسلامية، ما يفيد انطباق هذه النظرية، على النحو الذي
جاء توضيحه في كتاب (المقدمة) لابن خلدون، وهو انجاز تفخر به الحضارة
العربية وكان موضع اهتمام الغرب في حينه عندما كان ابناؤه يتطلعون
الى التخلص من ربقة تخلف العصور الوسطى.
وهناك ما يشير الى ان الحضارة الغربية الحالية وصلت الى مرحلة النضج،
وبدأت مرحلة الانهيار، لكن الحديث عن قرب انهيارها الآن، ليس سوى
املا واهيا من جانب اولئك الذين يتعلقون بحضارات سابقة ويشعرون بالغيرة
من تفوق الاخرين عليهم، ويرفضون تحمل مسؤولية تصرفات بني جلدتهم
الذين اسهم تراخيهم في انهيار حضارتهم، والغريب في الامر هو ان اولئك
الذين يتبنون هذا الموقف يبدون عاجزين عن اتخاذ اي موقف جدي، يساعدهم
على اعادة بناء حضارتهم من جديد. هذا خطأ بالغ لكن اصحاب الحضارة
القوية ـ وهم الغربيون في هذه المرحلة. يقترفون خطأ بالغا ايضا.
فهم ـ من ناحية ـ يعانون من الغرور الشديد، ويدفعهم ذلك الى التقليل
من شأن الحضارات السابقة، وفضلها في تمكينهم من تحقيق انجازاتهم
الحضارية الحالية. ومن ناحية اخرى، فانهم يعجزون عن تبين ان اعراض
العجز بدأت تظهر على حضارتهم ويعني ذلك ان مرحلة الانهيار اصبحت
قريبة لان التدهور بدأ بالفعل.
النقطة المهمة ـ والمثيرة للجدل في الوقت نفسه ـ هي ان التدهور الذي
يسبق الانهيار تظهر اعراضه في البداية على نظام القيم. وعادة ما
يدفع الغرور اصحاب الحضارات القوية، على النظر إلى التغيير في نظام
القيم باعتباره من طبيعة الحياة، وتلبية لاحتياجات البشر الطبيعية،
في تجاهل كامل للأثر السلبي له على بنية الحضارة المعرفية ذاتها،
مادام لا يترك اثرا على الحضارة المادية. ونتيجة لذلك فان انهيار
الحضارات يكون اثرا لتدهور وضع نظامها، بينما تبقى انجازاتها المادية
عبر اجيال عديدة تالية. ومن ذلك ما يعتز به الناس من آثار قديمة
في دول كثيرة، وان كانت الحضارات التي اقامتها انهارت من زمن طويل.
والمتابع لما يجري في الحضارة الغربية حاليا، يلاحظ نقاطا سلبية
عديدة، ربما كان اولها هو اعتبار اساس انجازاتهم هو ما تحقق للحضارتين
اليونانية والرومانية، والزعم بأن حدود الحضارة الغربية لا تتعدى
الحدود الشرقية لليونان، مما يعني تجاهل انجازات الحضارات الاخرى،
وفضلها على الحضارة الغربية.
وتتضمن ذلك تقليلا من شأن الاخرين، وربما كان فيه موقفا عنصريا ضدهم،
على النحو الذي كانت تتبعه اليونان القديمة، من اعتبار الاجانب (برابرة)
غير متحضرين. وبطبيعة الحال،يمثل ذلك تناقضا في نظام القيم، لان
الغربيين يزعمون تبنيهم مبادئ حقوق الانسان، لكنهم لا يطبقون ذلك
في الواقع على سلوكياتهم.
والنقطة الثانية تتعلق بحدوث اختلال في نظام التقييم والنظرة الى
التطورات الجارية، والاتجاه الى تبرير خرق نظام القيم على انه جزء
من التطور فالعلاقات خارج اطار الزواج عندهم، جزء من التماشي مع
متطلبات الطبيعة.
وكأن مجتمع البشر المتحضر يتراجع الى مرتبة السلوك الحيواني في الغابات.
وكذلك تقنن الشرعية الدولية لعدم احترام سيادة الدول الاخرى بحجة
حماية حقوق الانسان، وان كان الهدف الحقيقي من وراء ذلك، هو تحقيق
مصالح ذاتية للاطراف الاقوى في مجتمع الدول. وكذلك يصبح الشذوذ الجنسي
جزءا من العرف المقبول، ويجري تفسير وجود افراد شاذين في المجتمع
على انه جزء من الاستثناءات الطبيعية للقواعد السائدة، ويتم قبول
الاشخاص الذين تدفعهم الغرائز المنحرفة والحرمان الى ذلك، على انهم
افراد في اقلية انسانية يجب احترامها، في حين لا يتم احترام الحقوق
المشروعة لجماعات انسانية اخرى مثل حق الشعب الفلسطيني في وطن حر
مستقل ـ على سبيل المثال.
ربما كانت تلك الظواهر التي تشير الى انهيار نظام القيم في الحضارة
الغربية، هو ما جرى في واقعة اختفاء كاهن مسيحي كاثوليكي ايرلندي
في منتصف السبعينيات من عمره، مع امرأة عمرها 31 عاما بعد ان تكشف
انه انجب منها طفلا دون زواج، فضلا عن ان تقاليد الكهنوت في الكنيسة
الكاثوليكية تحرم ذلك. الغريب في الامر هو ان الكاهن اختفى مع المرأة
لانه احس بالذنب وشعر ان ما فعله كان خطيئة لكنه بشر يمكن ان يقع
في الخطيئة ويعني اختفاؤه هروبا من المنصب الكنسي الذي كان يشغله،
الى حياة عادية مثل تلك التي يعيشها اي انسان. لكن اولئك الذين عرفوه
اعربوا عن دهشتهم واستغربوا حدث اختفائه لان ما فعله من خرق للقواعد
الكنسية لا يختلف عما يفعله ملايين اخرون في الغرب ـ وكاثوليك ايضا
ـ وبدأ هؤلاء يتحدثون عن ميزات شخصية الكاهن المختفي، دون تطرق الى
اثر تصرفه على نظام القيم السائد حتى وان كان ذلك النظام قاسيا.
صحيح ان هناك خروقات لنظام القيم تحدث كل يوم، لكن الحظر هو تبرير
تلك الخروقات والخروج بها من اطار الاستثناء الذي يتعين ادانته الى
القبول الذي يمكن تبريره.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى
ديموقراطية الإعلام في بريطانيا
يشهد حزب الديموقراطيين الاحرار البريطاني
حملة اعلامية غير مسبوقة من وسائل الاعلام الرئيسية البريطانية أطاحت
برئيسه بداية الشهر، ثم أطاحت بوزير داخلية الظل فيه الذي كان ينوي
المنافسة على رئاسة الحزب. ورغم ان رئيس الحزب تشارلز كيندي يعاني
من مشكلة كحوليات كان يعالج منها، وان النائب المستقيل مارك اوتن
ارتكب خطأ اخلاقيا لا يمكن الدفاع عنه، فلا يمكن إغفال عدة ملاحظات
على ما يتعرض له الحزب الثالث في الحياة السياسية البريطانية في
وقت يعلو فيه نجم حزب المحافظين المعارض ويخبو وهج حزب العمال.
أولى الملاحظات، أن الحملة تبدأ بفضيحة مثلا من صحيفة نيوز أوف ذي
وورلد ـ وهي أسبوعية فضائحية تعود ملكيتها لغول الاعلام روبرت ميردوخ
ـ ثم تتبعها بقية وسائل الإعلام الموصوفة بالرئيسية. وعلى طريقة
(من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) لا بد للمرء أن يتساءل لماذا
لا يحتفى إعلاميا بفضائح سياسيين آخرين من توني بلير وتعاملاته مع
رجال أعمال إلى الاخطاء الاخلاقية لقادة حزب الحكومة وحزب المعارضة.
وهنا نذكر بأن حزب الاحرار الديموقراطيين هو الحزب المبدئي ـ اي
ان سياساته تقوم على مبادئ ثابتة وليس مجرد شعارات تتلون بلون المصلحة
الطارئة ـ الوحيد بين الاحزاب البريطانية الثلاثة الرئيسية. ورغم
انه جاء في الانتخابات العامة العام الماضي في الترتيب الثالث بعيدا
عن أغلبية العمال ونسبة المحافظين الكبيرة، الا انه شكل تهديدا حقيقيا
للحزبين بإمكان حرمان كليهما من أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة اذا
استمر تصاعده في انتخابات عام 2009.
وكان الحزب عارض غزو واحتلال العراق قبل الحرب على أساس مبدئي يعارض
التدخل العسكري في الدول ذات السيادة، وليس كالمحافظين الذين أيدوا
الحرب ثم حاولوا معارضتها كتكتيك انتخابي في مايو الماضي ثم عادوا
عن المعارضة. كما انه حزب الحريات العامة، الذي يصوت نوابه في مجلس
العموم البريطاني ضد اي قانون يقيد الحريات العامة وينتهك حقوق الانسان
تحت دعوى مواجهة ما تصفه الحكومة بخطر الارهاب. وهو الحزب الذي يعارض
عمليات تعذيب المعتقلين المشتبه في كونهم ارهابيين محتملين ويتبنى
سياسات لحماية البيئة. وكل تلك المواقف لا ترضي عصابات الاعمال والانتهازيين
السياسيين من التيار الرئيسي، سواء كانوا في الحكومة او المعارضة.
وعودة إلى الاعلام، والوسائل التي يملكها ميردوخ تحديدا وفي مقدمتها
صحيفة ذي صن اليومية الشعبية التي توزع 4 ملايين نسخة ولا تجاريها
صحيفة اخرى في انتشارها، ثم صحيفة التايمز وشبكة سكاي التليفزيونية
للاخبار. ومن يضمن مساندة ميردوخ، وبالتالي يضمن تأييد وسائل إعلامه،
يصبح في حكم المؤكد في مقاعد الحكومة البريطانية. ودعك من الديموقراطية
ورأي الناس والتصويت الحر والمباشر، فكل ذلك صحيح لكن نتيجته محسومة
سلفا لمن يملك التأثير في رأي الجماهير التي تستقي وجهة نظرها من
وسائل الاعلام في الاغلب.
وكان تأييد ميردوخ لتوني بلير، ومشروعه المعروف بالعمال الجدد، السبب
الرئيسي في نجاحه في انتخابات عام 1997. وكما قال ميردوخ في تصريح
له مؤخرا ان بلير وعد بألا يتخلى عن منهاج رئيسة الوزراء مارغريت
تاتشر (وهي من حزب المحافظين المنافس) وقد فعل ـ على حد تعبير مردوخ.
والحقيقة التي يدركها من يعمل عقله منذ سنوات، واصبح الكثير من نواب
حزب العمال يدركونها الان، ان بلير فعل ببريطانيا ما كانت ستفعله
تاتشر لو لم يطح بها وتاتي حكومة جون ميجور المحافظة الضعيفة التي
بررت صعود العمال. ينطبق ذلك على السياسة الخارجية، من ذيلية للولايات
المتحدة خصوصا في دعم اسرائيل بالمطلق وغزو افغانستان والعراق إلى
السياسة الداخلية وزيادة الفجوة بين الاغنياء والفقراء في بريطانيا
وتحسين الارقام الكلية للاقتصاد على حساب تدمير الطبقة الوسطى وضرب
عرض الحائط بقيم وتقاليد ظلت تميز بريطانيا على مر قرون.
والان اختار المحافظون شابا يشبه إلى حد كبير بليرـ1997 هو ديفيد
كاميرون، ينصحه ميردوخ الان بان يعود إلى اصول الحقبة التاتشرية
كي يحظى بتأييده ـ وبالتالي تأييد صحفه وتلفزيوناته الكفيلة بتوصيله
إلى مقر الحكومة ـ والا يكتفي بان يكون صورة مشوهة من حزب بلير.
ورغم ان بلير اكد انه لن يترشح لفترة رابعة، وخلصت كل التحليلات
إلى ان وزير الخزانة غوردون براون سيخلفه ربما حتى قبل نهاية الفترة
الحالية للعمال في السلطة، فان دعم ميردوخ لكاميرون قد يقلب الامر
تماما. ولعل حزب العمال بالفعل قد استنفذ كل ما لديه من جهد لادارة
الدولة لصالح الشركات الكبرى ورجال المال والاعمال واصبح عبئا على
من ينفعهم، وبالتالي وجب التغيير بالاتيان بالمحافظين دون اي قلق
من صعود للاحرار الديموقراطيين او صداع انتخابات غير حاسمة.
اما غوردون براون، الذي ساند بلير في انقلابه الحزبي على مبادئ العمال،
فعليه ان يبلع امنياته بمرارة ويرضى بحقيقة ان كونه اسكوتلنديا لن
تمكنه من حكم بريطانيا. وقد يستغرب اهلنا في بلادنا العربية التي
تكتسب فيها الديموقراطية شكلا قبليا وطائفيا من ان اعتى الديموقراطيات
الغربية في بريطانيا تعير اهتماما بالجنس واللون والدين. صحيح ان
ذلك ليس امرا معلنا، ويخشى السياسيون من مجرد التلميح اليه كي لا
يلوثوا تطرهم السياسي الظاهري، الا انها حقيقة واقعة كما في زيمبابوي
وباكستان.
يبقى اخيرا ان الاعلام، على تطوره في بلاد البريطانيين، هو الحاسم
في ظل الديموقراطية الراسخة. ويبدو ان ديفيد كاميرون، الزعيم الجديد
لحزب المحافظين، هو مرشح الاعلام البريطاني للفوز بانتخابات حرة
ونزيهة يصوت فيها البريطانيون بشفافية تامة!
د. أحمد مصطفى
كاتب وصحفي عربي مقيم ببريطانيا
أعلى

الخطاب الإسلامي إلى العالم بعد قمة مكة المكرمة
انعقدت في مكة المكرمة يومي (7 و8 ديسمبر 2005م)
القمة الاسلامية الاستثنائية التي دعا إليها العاهل السعودي خادم
الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وحضرها معظم زعماء
57 دولة اسلامية هي الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي التي
كان قد تم تأسيسها بدعوة من العاهل السعودي الراحل الملك فيصل بن
عبد العزيز عام 1969م إثر حريق المسجد الاقصى الذي دبره يهودي متطرف
من أصل استرالي، وجعلت المنظمة الاسلامية التي تتخذ من مدينة جدة
بالسعودية مقرا لها، منذ ذلك الحين قضية القدس والحفاظ على هويتها
الاسلامية والسعي لتحريرها من قبضة الاحتلال الصهيوني هدفا مركزيا
للمنظمة.
ويمكن القول ان القمة الاسلامية الاستثنائية في مكة المكرمة قد احتلت
أهمية خاصة في ظل الظروف الاستثنائية القياسية التي يمر به العالم
الاسلامي منذ فجر الالفية الثالثة.
وقد اعلنت السعودية بلسان وزير خارجيتها الامير سعود الفيصل انها
تريد لهذه القمة الاسلامية الاستثنائية التاريخية ان تكون (نقطة
تحول في تاريخ الأمة الاسلامية) حيث تطمح لوضع برنامج عمل واضح لمواجهة
التحديات التي تواجه الامة الاسلامية مع مطلع القرن الواحد والعشرين.
وقد صدر عن قمة مكة المكرمة الاسلامية الاستثنائية ثلاث وثائق هامة
هي: (بلاغ مكة)، و(البيان الختامي للقمة) ووثيقة (الخطة العشرية)
او (برنامج العمل العشري لمواجهة تحديات القرن 21 خلال الفترة من
(2005م ـ 2015م).
بواعث عقد القمة الاستثنائية بمكة المكرمة:
يمكن القول ان ثلاثة أسباب رئيسية كانت وراء تبني السعودية للدعوة
الى عقد هذه القمة الطارئة بهدف مراجعة أوضاع العالم الاسلامي، والبحث
عن كيفية معالجتها واصلاحها.
اولا: التداعيات والمخاطر التي أحاطت بالأمة الاسلامية في أعقاب
أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وما نجم عن تلك الهجمات الارهابية
التي ضربت الولايات المتحدة الاميركة في عقر دارها من نتائج وخيمة
وآثار كارثية على صورة الاسلام والمسلمين في العالم من ناحية، وعلى
البلدان والشعوب العربية والاسلامية من ناحية أخرى.
فبالنسبة لصورة الاسلام والمسلمين في العالم، يمكن القول ان العالم
الاسلامي لم يشهد، ربما منذ عصر الحروف الصليبية، هجمة ضارية ووحشية
ضد الاسلام والمسلمين تريد تشويه صورته السمحة وقيمه المعتدلة وأخلاقياته
النبيلة ومبادئه السامية، وتعاليمه الحميدة، كما شهدها العالم الاسلامي
خلال السنوات القليلة الماضية التي اعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
فقد انطلقت ابواق الدعاية المضللة في الغرب وخاصة في الاعلام الاميركي
والدوائر السياسية والاستشراقية التي تسعى الى تشويه صورة الاسلام،
ومحاولة وصمه بتهم دين العنف والارهاب، والتحريض على التطرف، وقد
تعرضت السعودية بالذات الى حملة ضارية لان معظم من اتهموا بتدبير
هجمات 11 سبتمبر كانوا يحملون (الجنسية السعودية).
وفي غضون ذلك، ظهرت بعض الاصوات الاميركية والغربية المتطرفة التي
دعت الى الانتقام من الاسلام والمسلمين ردا على هجمات 11 سبتمبر
بقصف الاماكن المقدسة في ديار العرب والمسلمين في اطهر هذه البقاع
في مكة المكرمة والمدينة المنورة، خاصة ضرب الكعبة المشرفة، وهي
دعوات تعكس حالة الهيستيريا التي وصل إليها البعض في اميركا والغرب
في العداء للاسلام والمسلمين.
ورافق ذلك، دعوة بعض مراكز الابحاث وعدد من الباحثين والمثقفين في
اميركا والغرب، الى المطالبة بتعديل (القرآن الكريم) وإلغاء نصوص
منه يتهمونها بالتحريض على العنف، بل ظهرت دعوات تطالب بصياغة (كتاب
مقدس) جديد للمسلمين تماما كما فعل الغربيون بالنسبة للتوارة والانجيل.
ورافق ذلك ضغوط سياسة اميركية تطالب البلدان الاسلامية بتعديل المناهج
التعليمية وخاصة مناهج التربية الاسلامية. وفي الاجمال، كانت هناك
حملة غربية واميركية شرسة سياسيا وثقافيا واعلاميا، مازالت فصولها
تتوالى ضد الاسلام والمسلمين، وكان لابد من وجود حركة اسلامية مناهضة
للرد على هذه الافتراءات، ومن هنا جاءت مبادرة العاهل السعودي الملك
عبدالله لعقد هذه القمة لمنظمة المؤتمر الاسلامي بمكة المكرمة بالذات
التي كانت مبعث انطلاقة الدعوة الاسلامية الى العالمين، بمبادئها
الهادية المنيرة ليحمل انعقاد القمة في مكة بالذات دلالات رمزية
كبيرة إذ انها تشكل بالكعبة المشرفة وبيت الله الحرام قبلة المسلمين
التي يتوجه إليها المسلمون في مشارق الارض ومغاربها يوميا خمس مرات
خلال أداء فريضة الصلوات اليومية، فضلا عن أنها المكان المقدس الذي
يتوجه إليه المسلمون مرة كل عام لاداء الفريضة الخامسة في الاسلام
وهي فريضة الحج، فمكة المكرمة تعني الكثير لمعاني الوحدة الاسلامية
ووحدة المسلمين.
ومن هنا، كانت الرغبة السعودية في جعلها مكان انعقاد هذه القمة الاستثنائية
في التاريخ الاسلامي المعاصر.
ثانيا: المخاطر المتفاقمة لظاهرة الارهاب في
العالم الاسلامي.
فقد شهدت العقود الثلاثة الماضية تناميا جليا، للتيارات والحركات
الاسلامية المتطرفة التي تتخذ من أساليب العنف والهجمات الارهابية
سبيلا لتهديد الأمن والاستقرار في المجتمعات العربية والاسلامية،
في محاولة لهز استقرار أنظمة الحكم، وسعيا للوصول الى السلطة.
وهذه التيارات والحركات الاصولية، تتخذ من الدين الاسلامي اطارا
مرجعيا لتوجهاتها السياسية، وخطورة هذه التوجهات أنها لا تعتمد فكرا
سياسيا يمكن الحوار معه، ولكنها تتبنى نهجا يقوم على (تكفير) كافة
التيارات الفكرية والسياسية المناوئة لها، وكذلك (تكفير) المجتمعات
الاسلامية وأنظمة الحكم السائدة فيها، ولذلك تعطي لنفسها الحق في
العمل الارهابي العنيف لاسقاط هذه الانظمة، وتعتبر ذلك (جهادا مقدسا)
لنصرة الاسلام والمسلمين وإحقاق الحق، معتمدة أفكارا تحتكر لنفسها
وترفض الحوار مع أي رأي مخالف، ومعتبرة نفسها (الممثل الحقيقي والوحيد
لقيم الاسلام وتعاليمه الشريفة).
وبعد ان طالت الهجمات الارهابية التي تشنها جماعات ومنظمات اسلامية
متطرفة كثيرا من المجتمعات الاسلامية تمتد من اندونيسيا شرقا وحتى
المغرب غربا، مرورا بباكستان والفلبين وتايلاند وافغانستان والسعودية
والعراق والاردن وتركيا ولبنان ومصر والجزائز، كان من المهم ان تفكر
البلدان الاسلامية في كيفية مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة التي باتت
تهدد استقرار وتطور المجتمعات الاسلامية من ناحية، وتشوه صورة الاسلام
والمسلمين في العالم الخارجي من ناحية أخرى.
ولهذا، كان العمل لمواجهة التطرف والارهاب على رأس جدول اعمال القمة
الاسلامية الاستثنائية بمكة المكرمة.
ثانيا: أوضاع التخلف والضعف التي يعاني منها العالم الاسلامي
فرغم مرور نحو خمسة عقود على استقلال معظم الدول الاسلامية عن الاستعمار
الذي اتهم طويلا بالمسئولية عن تخلف بلاد المسلمين ونهب خيراتها
وثرواتها، فإن الملاحظ ان مسيرة التنمية في بلدان العالم الاسلامي
لم تتقدم كثيرا، بل تعثرت في كتير من الاحيان، وفي بلدان كثيرة ازدادت
أوضاع الفقر والبؤس والتخلف والامراض والاوبئة على نحو غير مسبوق،
وأصبحت البلدان الاسلامية بأوضاعها المتردية والمتخلفة تنمويا وحضاريا
تقدم نموذجا بائسا وصورة بالغة السوء لصورة الاسلام في نظر العالم.
وفي ضوء هذه الاحوال البائسة للمجتمعات الاسلامية، التي تكشف تقارير
التنموية الدولية، سنويا، أنها تحتل ذيل الترتيب بين دول العالم
في معدلات الانماء والانتاج والابتكار فضلا عن تراجع الحريات وسيادة
أنماط حكم تتسم بالاستبداد والديكتاتورية وانتهاك حقوق الانسان،
وإهدار حقوق المرأة وتخلف القوانين، فقد وجدت الدعايات المغرضة التي
تروج لها بعض الدوائر الاستشراقية في الغرب والتي تزعم ان (الاسلام
هو سبب تخلف المسلمين والمجتمعات الاسلامية) آذانا صاغية في كثير
من الاوساط والمحافل الدولية.
وتم استغلال تخلف الاوضاع الحضارية والتنموية لبلدان العالم الاسلامي،
للاساءة الى الاسلام ذاته، واتهامه بأسوأ الاوصاف والنعوت والاسلام
الحنيف براء من كل ذلك، وهو الدين الذي مكن العرب والمسلمين بفضل
رسالته المنيرة من اقامة واحدة من أرقى حضارات العالم تطورا وتقدما
وخاصة أبان العصور الاموية والعباسية والاندلسية في حين كان الغرب
الاوروبي تلفه دياجير الظلام والتخلف العلمي والتعصب المذهبي والحروب
الدينية.
ومن وهنا، يمكن القول ان التخلف العلمي والحضاري والتكنولوجي لبلدان
العالم الاسلامي وتراجع نسبة إسهام المسلمين في معدلات الانتاج العالمية
التي تشهد طفرات متسارعة، أصبح يستخدم كذريعة للاساءة للاسلام والمسلمين،
بما لا يقدم صورة مضيئة ومشرقة عن الاسلام والمسلمين.
ولهذا، رأينا العاهل السعودي في كلمته في افتتاح قمة مكة المكرمة
يشدد على الحاجة الى نهوض الامة الاسلامة حضاريا مرة أخرى قائلا:
(ان من المؤلم ان نرى كيف تداعت حضارتنا المجيدة من مراقي العز الى
سفوح الوهن.. وكيف تحولت أمتنا الواحدة بشموخها وكبريائها الى كيانات
مستضعفة).
وفي موضع آخر قال الملك عبدالله بن عبدالعزيز: (علينا ان نتذكر كيف
كانت حضارتنا الاسلامية منارة الاشعاع فأخذت منها الحضارات الاخرى
روح التسامح والعدل.. وكانت فيصل التقرير في عهود الظلمات.. إننى
أتطلع الى أمة اسلامية موحدة، وأتطلع الى حكم مسلم رشيد يقضي على
الظلم والقهر، وأتطلع الى تنمية مسلمة شاملة تقضي على العوز والفقر،
وأتطلع الى انتشار وسطية سمحة تمثل سماحة الاسلام، واتطلع الى مخترعين
مسلمين وصناعيين مسلمين وتقنية اسلامية متقدمة.
ومن هنا، يمكننا ملاحظة أن هناك استشعارا على مستوى القيادات الإسلامية
بخطورة استمرار واقع التخلف العلمي والتكنولوجي والحضاري على حاضر
الأمة الإسلامية ومستقبلها، وضروة التحرك في اتجاه إصلاح هذه الأوضاع
لأن استمرار ترديها وتراجعها يمثل اساءة للإسلام وخطورة على مستقبل
المسلمين.
ثالثا: قراة في حصاد القمة
تمثل الوثائق الثلاث التي صدرت عن قمة مكة الإسلامية أهمية بالغة،
وتشكل معا برنامج عمل متكامل يضع علامات مضيئة على طريق إصلاح أوضاع
الأمة الإسلامية.
ويلفت النظر في هذا السياق، ما جاء في برنامج العمل العشري لمواجهة
تحديات القرن الـ 21، الذي يمكن القول انه يمثل وثيقة شاملة للنهوض
الحضاري غطت معظم المحاور الحيوية المطلوبة لأي استراتيجية للنهضة،
ويمكن ايجاز أبرز محاورها على النحو التالي:
أولا: في مجال الاصلاح الفكري والسياسي
تحدث برنامج السنوات العشر عن أهمية الارادة السياسية كنقطة الانطلاق
الاساسية لتنفيذ هذه الخطة، لأنه بدون وجود الارادة والتصميم من
قبل الحكومات التي التزمت بهذه الخطة فإنها سوف تظل مجرد حبر على
ورق، وسوف تضاف إلى عشرات الوثائق والقرارات السابقة التي صدرت عن
منظمة المؤتمر الإسلامي، ومؤتمرات القمة السابقة التي عقدت منذ عام
1969، وعبرت عن نوايا طيبة لكنها افتقرت إلى خطط عملية لتنفيذ التوصيات
والقرارات، حتى غدت منظمة المؤتمر الإسلامي من أضعف المنظمات الاقليمية
أو الدولية التي تحظى قراراتها بأي تطبيق عملي، ولم يعد ينظر إلى
فعالياتها بأهمية حقيقية ليس فقط في الإطار الدولي ولكن أيضا من
جانب الدول الإسلامية ذاتها.
ولكن قمة مكة المكرمة هذه المرة، وفي ظل التحديات العظام والأعباء
الجسام التي تواجه الأمة الإسلامية، احتاطت لهذه الاشكالية، وتحدثت
عن أهمية الارادة السياسية أولا، وشكلت آلية عملية تتمثل في (ترويكا
ثلاثية) من دول المنظمة ضمت اليها بلد المقر والدولة الداعية لقمة
مكة المكرمة أي (السعودية) لتشرف على متابعة تنفيذ قرارات وأجندة
هذه القمة الرامية إلى إحداث طفرة في حركة النهضة والتنمية في العالم
الإسلامي.
ان المؤشر الوحيد الذي يؤكد امكانية ان تؤخذ قرارات هذه القمة على
مأخذ الجد هو أن الحكومات الاسلامية بدأت تستشعر مخاطر استمرار حالة
التفكك الإسلامي وغياب التضامن الإسلامي الحقيقي على مستقبل استقرار
المجتمعات العربية والاسلامية، وما يقود إليه تخلف التنمية من استشراء
مخاطر التطرف وظهور الحركات الارهابية فضلا عن زيادة الضغوط السياسية
الخارجية المطالبة للحكومات الإسلامية بالاصلاح.
وفي هذا السياق يمكن ملاحظة النقاط التالية التي أكدت عليها خطة
السنوات العشر:
(1) الاهتمام بالنهوض بحقوق الانسان في العالم الاسلامي من خلال
المطالبة بإنشاء هيئة إسلامية تعنى بحقوق الانسان انطلاقا من مبادئ
الاسلام، وهو توجه يعكس مواكبة للتطورات العالمية في الاعتناء باحترام
حقوق الانسان والاهتمام بإصدار إعلان إسلامي عالمي خاص بحقوق الانسان.
(2) الدعوة إلى الارتقاء بحقوق المرأة، وخاصة انطلاقا من تكريم الاسلام
للمرأة، والمطالبة بوقف أشكال التمييز ضدها، والدعوة إلى الإسراع
في وضع العهد الإسلامي الخاص بحقوق المرأة في الإسلام انطلاقا من
وثيقة سابقة للمنظمة الاسلامية بعنوان: (إعلان القاهرة بشأن حقوق
الإنسان في الإسلام)، والذي تضمن توصيات خاصة بحقوق المرأة وتشجيع
مشاركتها في جميع مجالات الحياة.
(3) الدعوة إلى الاهتمام بالشفافية ومكافحة الفساد في سياسات التنمية،
وهي دعوة لافتة في توجهات الدول الإسلامية، المتهمة أجهزتها البيروقراطية
بضعف الرقابة ورسوخ تقاليد الفساد وعدم الشفافية.
مكافحة التطرف والارهاب:
يلفت النظر في قرارات القمة الاهتمام بالتأكيد على ضرورة ترسيخ قيم
الاسلام باعتباره دينا للوسطية يرفض التطرف والغلو ويدعو إلى التسامح
والاعتدال ونبذ العنف، والتصدي لأصحاب الفكر المنحرف الذين يشوهون
قيم الاسلام في هذا الإطار.
وكان من المهم تأكيد القمة إلى ضرورة التصدي لمن يعملون على تشجيع
فكر التكفير واخراج بعض المذاهب الاسلامية المعترف بها من الملة،
وهو الأمر الذي يقود إلى مفاقمة المشاحنات بين المذاهب الإسلامية،
ويقود إلى نمو مشاعر الفرقة بين المسلمين، ومن هنا دعت القمة إلى
ضرورة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وهو توجه من شأنه المساعدة
على إشاعة أجواء من التقارب والتآلف بين المسلمين، تقود إلى تقليص
الخلافات بين أبناء الأمة الإسلامية.
وكان هناك اهتمام بتطوير مجمع الفقة الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر
الإسلامي ليكون مرجعية فقهية للعالم الإسلامي والتصدي لظاهرة الفوضى
الفقهية التي سادت العالم الإسلامي طويلا، وأدت إلى ظاهرة الاجتراء
في الافتاء من قبل أناس ليسوا أهلا لذلك، مما أحدث بلبلة وتشوشا
في فهم قيم الاسلام لدى فئات وقطاعات عريضة في المجتمعات الاسلامية.
وكذلك، يلاحظ الرغبة في تطوير دور مجمع الفقه الإسلامي ليواكب العصر
عبر امداده بأصحاب الخبرات العلمية والمعارف الحديثة ليكون قادرا
على مواكبة التحديات التي يفرضها التقدم العلمي في كافة مناحي الحياة
على أحوال وأوضاع المسلمين.
صورة الاسلام في الخارج:
كان هناك اهتمام واضح بذلك من جانب القمة، حيث حددت القمة هدفين
مركزيين للتحرك الاسلامي خلال المرحلة القادمة.
الأول: السعي للتصدي لظاهرة الاساءة للإسلام وحملات تشويه صورته،
واعتبارها شكلا من أشكال التمييز العنصري، والعمل على مواجهة ظاهرة
كراهية الإسلام والخوف منه، ومطالبة الأمم المتحدة بإصدار قرار يدين
هذه الظاهرة، ويطالب المجتمعات الأخرى بالتصدي له عبر كل الوسائل،
ويضاهي هذا التحرك ما قامت به الحركة الصهيونية مؤخرا من إصدار قرار
من الأمم المتحدة بالتصدي لظاهرة العداء للسامية، ولا شك أن هذه
خطوة هامة في التصدي لمحاولات تشوية صورة الإسلام في الخارج.
والثاني: مطالبة منظمة المؤتمر الإسلامي بإنشاء مرصد لمتابعة اتجاهات
الكراهية للإسلام في شتى أنحاء العالم وإصدار تقرير سنوي حولها والتعاون
مع المنظمات الحكومية وغير الحكومية للتصدي لها.
وهي خطوة هامة على طريق ردع الجهات التي تقوم بدعايات مضللة لتشويه
صورة الإسلام وعزلها وملاحقتها قانونيا وإعلاميا وسياسيا، ولاشك
ان هذا التوجه سيساعد فعلا على إعادة هيبة احترام الاسلام عالميا،
إذا أحسن المسلمون استخدام موارد قوتهم للتصدي لحملات التشويه المغرضة
ضد الإسلام.
الاهتمام بالتنمية والتقدم التكنولوجي:
فلقد لوحظ أن برنامج السنوات العشر ركز في كثير من بنوده على الخطوات
المطلوبة للنهوض بالتنمية في بلدان العالم الإسلامي، وخاصة مواكبة
ثورة المعلومات وتيسير نقل التكنولوجيا سواء فيما بين بلدان العالم
الإسلامي، أو من المجتمعات المتقدمة، والاهتمام بتطوير التعليم ليواكب
التحديات التنموية المستجدة، والدعوة لإنشاء معاهد علمية لتجذير
المعارف والخبرات العلمية والتكنولوجية اللازمة لنهضة المجتمعات
الاسلامية، وهذا توجه مهم يعكس إدراكا مطلوبا بأهمية هذه الركائز
لأي عمل جاد نحو النهوض بالمسلمين والمجتمعات الاسلامية.
ولاشك ان النجاح في تنفيذ هذه الاستراتيجية أو الخطة الطموحة سيكون
قرينا بالاهتمام بخطط اصلاح منظمة المؤتمر الاسلامي ذاتها، والتي
يسعى الأمين العام الجديد د. أكمل الدين إحسان أوغلو (تركيا) لتنفيذها،
وإخراجها من صورتها القديمة كمنظمة بيروقراطية رسمية لا تمتلك أدوات
الحركة والتنفيذ.
والملاحظ أن قمة مكة المكرمة قد دعمت توجهات الأمين العام الجديد
للمنظمة الإسلامية في الاصلاح والتطوير والانفتاح والتحاور مع العالم
الخارجي وخاصة في مجال حوار الأديان والثقافات والحضارات.
ونلاحظ أن الوثائق الختامية للمؤتمر قد صيغت بإحكام لافت، حيث عكف
على صياغتها مجموعة كبيرة من أبرز مثقفي وخبراء ومفكري الأمة الإسلامية
من كافة البلدان الاسلامية، ويبقى المحك الأن هو في كيفية تنفيذها
على أرض الواقع، وتوفير الامكانيات المادية اللازمة لتنفيذ برامجها
الاصلاحية والتحديثية الطموحة.
ان من الخطأ القاء مهمة تنفيذ هذه الوثائق الهامة على عاتق الأمانة
العامة للمنظمة الاسلامية وحدها، بل الحقيقة ان الحكومات الاسلامية
جمعاء تتحمل مسئولية مشتركة في ذلك، وهي التي يقع على عاتقها المسئولية
الكبرى في الالتزام بتنفيذ ما أقرته قمة مكة المكرمة، ونأمل أن يقدم
العالم الإسلامي هذه المرة نموذجا في قيم الالتزام والجدية والمصداقية
والفعالية تجعل العالم الإسلامي على طريق النهضة والتقدم وتسمح بتقديم
صورة جديدة للمجتمعات الاسلامية تتسم بالرقي الحضاري الذي يجعلها
نماذج مشعة تعبر تعبيرا مشرفا عن قيم الإسلام، وتقدم صورة مشرقة
له أمام العالم أجمع.
عبدالمالك سالمان
كاتب وباحث في العلوم السياسية
abdeImaIiksaIman@hotmaiI.com
أعلى
فليكن التركيز على النجاح في العراق
قد تثبت الانتخابات العراقية التي اجريت في
ديسمبر الماضي أحداثا قد تتطور في المستقبل. حيث سيختار البرلمان
الذي انتخب الشهر الماضي رئيسا جديدا ورئيسا للوزراء , بما يمهد
لأول حكومة عراقية منتخبة وفقا لدستور تمت الموافقة عليه في استفتاء
عام. قد تبحث هذه الحكومة عن أو على الأقل ترحب , بالتغيرات في الوجود
العسكري الأجنبي. إضافة إلى ذلك, فقد أوضح الرئيس بوش انها ستكون
في حاجة إلى زيادة المسؤولية عن اعادة اعمار الدولة وبنائها سياسيا
واقتصاديا , بينما تتولى القوات المسلحة العراقية مزيدا من المسؤولية
والتي تتمثل في هزيمة المقاومة واستئصال شأفتها.
لقد سبق الانتخابات وصاحبها جدل كبير في الولايات المتحدة حول مستقبل
الوجود الأميركي هناك. تواكب هذه الأحداث وتزامنها قد يوفر فرصة
فريدة لمراجعة دور القوات العسكرية الأجنبية والمجتمع الدولي في
الوقت الذي تتخذ فيه العراق خطواتها التالية إلى المجتمع الدولي.
هذه المراجعة يمكن ان تبدأ عن طريق التحول إلى اسئلة المؤرخين عن
كيفية واسباب ذهابنا إلى العراق. مهما كانت الأسئلة, فنحن هناك كقوة,
والقضية المحورية التي لازالت موجودة, والتي لازالت تواجهنا هي كيف
نتحرك إلى الأمام بطريقة اكثر فعالية.
ان المشاكل والعراقيل التي تواجهها الولايات المتحدة والعالم مشكلات
ضخمة. حيث ان العراق يقع في وسط منطقة حرجة بالنسبة للدول الثرية
في العالم. فجميع من حولها معني تماما بطبيعة و مستقبل تلك الدولة
وحكومتها. و اذا فشلت العراق, فقد يتحول الأمر إلى كارثة للشرق الأوسط
وطامة كبرى على العالم. في الوقت الحالي, فإن هذا النتاج سيكون حتميا
بدون الوجود الأميركي.
وهناك عنصران ضروريان على الأقل لتحقيق النجاح في العراق. الأول
هو حكومة مركزية تلبي احتياجات الشعب بدرجة كافية لتأمين دعمهم الدائم
, وإبداء الاهتمام الكافي بالأقلية وحقوقهم لكسب ولائهم و إظهار
تصميمهم على العيش في سلام مع جيرانهم.
العنصر الثاني هو وجود مؤسسة عسكرية و أمنية عالية التنظيم لا تدين
بالولاء لعناصر متعددة و إنما يكون ولاؤها فقط للحكومة المركزية.
والسؤال الجوهري للولايات المتحدة هو ما نوع السياسة التي من المحتمل
ان تؤدي إلى هذه النتائج وتفعل ذلك على حساب الجمهور الأميركي وتكون
معدة للبقاء. وخوفا من زيادة التبسيط في الأمور, يمكن القول ان الأجوبة
التي وردت في هذا الشأن تنقسم إلى قسمين. حيث تتراوح أسئلة الانسحاب
بين الانسحاب الفوري, وبين تحديد موعد مؤكد. أما بالنسبة لاقتراحات
النجاح فتتراوح بين البقاء في العراق , بدون تحديد موعد محدد وبين
زيادة عدد القوات حتى يتم تحقيق كل الأهداف التي من أجلها وقع الغزو.
أما الطائفة الأخيرة فهي طائفة الاقتراحات التي تركز أساسا على تقليل
تكاليف الدماء والجهود والثروات التي تهدرها الولايات المتحدة في
العراق. ويمكن تحقيق هذا من خلال قبول أو رفض المخاطرة الحقيقية
أن العراق لن تبرز كدولة تنبض بالحياة والنمو وان المنطقة سوف تنزلق
في حالة من العدم. اما الطائفة الأخيرة من هذه الطوائف تلك التي
تنتقد بشدة ما يعرف بالنجاح الأميركي في العراق. كما انهم يرون ان
الشعب الأميركي سيظل يدفع ثمن هذه الحرب واخطاء الذين ألقوا به في
هذه الحرب إلى ما لانهاية.
وكل البدائل لها جوانب غير جذابة وغير مقبولة. والتحدي الحقيقي هو
عدم الاختيار بينهم ولكن أن تجعل الخيار الأفضل هو تقليل الخسائر
والتكلفة ليقبلها الأميركيون.
ويمكننا تحقيق هذا النجاح من خلال عدة خطوات صممت خصيصا من أجل جعل
الوجود الأجنبي في العراق أكثر استشارية في طبيعته واكثر عالمية
في شخصيته, بحيث بشكل يشبه إلى حد ما نفس النهج الذي استخدمته الولايات
المتحدة في افغانستان. والأمم المتحدة مطالبة بدور سياسي عالمي اكبر
وخبرة اكثر في بناء وتنسيق المؤسسات والبرامج والهياكل. على كل,
لقد لعبت الأمم المتحدة دورا هاما عقب سقوط صدام حسين ونظامه, حتى
ادىانفجار قنبلة إلى خروجها نهائيا من العراق. وقوات التحالف المتواجدة
في العراق لازالت تسعى إلى قرار من مجلس الأمن ليضفي على وجودها
مزيدا من الشرعية.
ومع تحسن الوضع الأمني في العراق وزيادة القدرات العسكرية للقوات
العراقية, يمكن لهذه القوات الدولية استئناف عملياتها لحفظ السلام
التي قامت بها في الماضي. ويمكن لهذا ان يسمح باعادة هيكلة مهمة
الولايات المتحدة هناك وتقليل مستوى القوات الأميركية.
لقد حان الوقت للتركيز بقوة على أهدافنا طويلة الأمد في العراق وافضل
السبل لتحقيق هذه الأهداف بأقل تكلفة.
برنت سكاوكروفت
مستشار الأمن القومي للرئيس غيرالد فورد وبوش الأب ورئيس منتدى
السياسة الدولية
خدمة واشنطن بوست ـ خاص بالوطن
أعلى
شي غيفارا يستولي على السلطة في أميركا اللاتينية !
من كان يراهن في أواخر الستينات على عودة الروح
للزعيم الثوري الشهير.. شي غيفارا ؟ بل و استحواذه على السلطة في
أربع دول من أميركا الجنوبية ؟ و بالطرق الديمقراطية لا بحرب العصابات؟
من كان يتوقع حين عشنا نحن جيل الستينات تلك الملحمة ،بأن ذلك البطل
صاحب اللحية المهملة والسيجار الكوبي والعينين الخضراوين يمكن أن
يعود كأنما انبعث حيا ليتسلم السلطة في أربع جمهوريات أميركية جنوبية
؟ لا أحد كان يتكهن بالذي حصل في انتخابات رئاسية نزيهة جرت في كل
من البرازيل وفنزويلا وبوليفيا و تشيلي. وهي انتخابات لها أبعاد
وتداعيات تتجاوز أوطانها الأصلية وتتعدى في قيمتها القارة الأميركية
لتشمل العالم بأسره.
و يعرف كبار السن من بين القراء ما كان يحظى به الثائر الكوبي الأرجنتيني
أرنستو شي غيفارا من سمعة عالمية حين انضم ذلك الطبيب المثقف إلى
فيدل كاسترو في ثورته الكوبية منذ 1954 ثم تحمل مسؤوليات وزارية
في هافانا عندما نجحت الثورة ، لكنه فضل مواصلة الثورة المستمرة
ضد ما كان يسمى بالامبريالية في الستينات وقاد حرب أدغال في بوليفيا
إلى أن قتلته الامبريالية عام 1967 و حولته إلى أسطورة رومنطيقية
تستهوي الشباب في كل أرجاء المعمورة، و لقبه الطلبة الثوار في انتفاضة
مايو 1968 بالسربون بلقب المسيح الأحمر. وأصبحت الفانيلات الشبابية
تحمل صورته في القارات الخمسة وفي الولايات المتحدة الأميركية ذاتها
! من كان يتوقع بعث أفكار ذلك الشاعر الحالم المتمرد بعد أربعين
عاما لينتصر أنصاره في انتخابات الرئاسة وأن ينجحوا في إقناع جماهيرهم
بأن أفكار ذلك القائد الأسطوري لم تزل قابلة للتطبيق في عالم العولمة
وطغيان رأس المال وتغول الدول المهيمنة والزيادة من ضعف المستضعفين
واستكبار المستكبرين؟
فهذه الأيام يشاهد جمهور الفضائيات الرئيس البوليفي الجديد / ايفو
موراليس من أصول هندية وهو يطوف بين قصور الرئيس الفرنسي في باريس
و قصور الرئيس الصيني في بيكين مرتديا جاكتته الجلدية العادية و
فانيلة صوف ملونة و بنطلون جينز قديم وهو يتكلم بخجل وتواضع كأنه
ممثل لا يتقن دوره فظل يتلعثم و يداري حرجه عن مخاطبيه ! فالرئيس
موراليس كان هو الفائز في الانتخابات الرئاسية ليوم 18 ديسمبر 2005
بعد أن قاسى الأمرين في السجون والمنافي والقمع ، وهو نقابي لم يفقه
السياسة كما يعرفها الوصوليون والسياسيون المحترفون، بل جاء من الأرض
الزراعية من مقاطعة قبييلته/ أيمارا و رفع شعاراته الثلاثة لتعبئة
الفلاحين و العمال في بوليفيا وهي: لا تكن جبانا. لا تكن منافقا.
لا تكن عبدا. و بعد خمسة عشر سنة من الكفاح انتصر هذا المزارع المعجب
بالقائد الراحل شي غيفارا. و يمكن للقارئ الكريم أن يدخل على شبكة
انترنت ليكتشف الكم الهائل من الشتائم القذرة التي كانت تكال لموراليس
في وسائل اتصال أميركية و محلية تتهمه بتجارة المخدرات و الإرهاب.
أما في البرازيل فقد انتصر التحالف بين الحزب اليساري و الحزب العمالي
يوم 28 أكتوبر2002 و تسلم رئاسة الجمهورية العامل الصناعي الخبير
في خرط الفولاذ لويس ايناسيو لولا داسيلفا بنسبة 63 بالمائة من الأصوات
وهو منذ شبابه الأول أحد أنصار شي غيفارا شارك في مقاومة الدكتاتورية
العسكرية ووصل إلى أعلى هرم السلطة في بلاد كانت تعتبر إلى التسعينات
ضمن العالم الثالث وأصبحت اليوم تصدر السيارات إلى الولايات المتحدة
، ثم تحول الرئيس لولا داسيلفا إلى معبر عن مواقف البلدان النامية
بفضل مواقفه في المنظمة العالمية للتجارة لصالح المنتجين الفقراء
في العالم الثالث والدعوة لشراء المواد الأولية من المزارعين الفقراء
بسعرها الحقيقي العادل لا بالمساومات التي يفرضها صندوق النقد الدولي
و تحددها مزايدات منظومة بريتن وودس و البورصات الجائرة.
و في فنزويلا يظل الرئيس هوغو شافيز في رئاسة الجمهورية متحديا لا
واشنطن وحدها ولكن أيضا أعظم الشركات العابرة للقارات التي تعلن
صراحة دعوتها للإطاحة بهذا الثائر الوقح، فهو الذي نظم مؤتمر كاراكاس
لمن سماهم البؤساء و المحرومين مقابل مؤتمر منظمة التجارة العالمية،
وهو الذي يدير تكتلات المنتجين و يعيد النظر في سوق النفط بمقاومة
استغلال الشركات الكبرى و كسر احتكاراتها و توزيع الخيرات على الطبقات
العاملة من الشعوب.
وفي شيلي أعلن عن فوز المرأة الحديدية الاشتراكية/ ميشال باشلي على
منافسها الثري والليبرالي / سيباستيان بينرا بما يشبه الضربة القاضية
في الملاكمة وهي الطبيبة والمتمردة تماما مثل شي غيفارا وهي كذلك
الأم بدون زوج في مجتمع تقليدي مسيحي محافظ، وهي التي مات والدها
الجنرال في الطيران تحت التعذيب في مقرات بوليس الدكتاتور أوغستو
بينوشي عام 1974 حين غدرت الامبريالية بالرئيس الشرعي المنتخب سالفادور
ألندي و قتله غلاة الانقلاب و تحملت ميشال ابنته أمانة الكفاح ضد
الدكتاتورية إلى أن أطيح بالفساد والعمالة ، و ها هي المرأة المناضلة
تصل بالديمقراطية إلى سدة الرئاسة وتعج اجتماعاتها بصورة الكومندانتي
شي غيفارا.
هذه أحداث التاريخ المتقلب العجيب في قارة من القارات التي تستحضر
ماضيها لترميم حاضرها، و يعود شي غيفارا بعينيه الخضراوين و سيجاره
الكوبي من خلال صناديق الاقتراع لا من خلال قعقعة السلاح ! انه التاريخ
بعبره القاسية ودروسه الغنية وتحولاته المدوخة ! لكن حذار من الاعتقاد
بأن التاريخ يعيد نفسه وأن المواجهة متوقعة مع الولايات المتحدة
! أبدا، فالعالم تغير وهؤلاء الزعماء الاشتراكيون لا يؤمنون بالشيوعية
ولا بقمع الرأي الحر بل أصبحوا يتعاونون مع أميركا التي تغيرت هي
الأخرى وقبلت بهم قسرا لا طوعا لأن إرادتهم من حديد وأوطانهم فوق
كل اعتبار و هممهم عالية و رؤوسهم مرفوعة و قبل كل شيء منتخبون من
قبل شعوبهم.
د.أحمد القديدي
كاتب وسياسي عربي
alqadidi@hotmail.com
أعلى