أعلى
صوت
حال الثقافة وسقوط بغداد
ماذا بقي من الحلم العربي؟
لعلها من المناسبة ونحن نودع عاما ونستقبل
عاما جديدا ان نقف وقفة تأمل نحتسب من خلالها كم نحن أمضينا
من العمر على الصعيد الشخصي وكم قرونا مضت من الزهو العربي بين
بغداد عاصمة الخلافة العباسية ودمشق عاصمة الخلافة الاموية,
هاتان الحضارتان اللتان كانتا مصدر اشعاع للنهضة العربية ومصدر
قوة لبناء أسس الدولة العصرية كيف لا وبغداد في عهد الرشيد عاشت
ازهى ايامها والذي تمثل في تشجيع الثقافة في مختلف الفنون والآداب
وكانت احدى الحواضر المهمة في التاريخ العربي بينما تقف على
الطرف الآخر الدولة الاموية تمثل مركز الخلافة الاسلامية التي
امتدت حتى الاندلس حضارة العرب الخالدة لكن بعدما انهار الذي
انهار وسقط الذي سقط وتبخر الحلم العربي الذي كان في يوم من
الايام والى وقتنا الحاضر يمثل هاجس التنوير لكثير من الشعوب
العربية جيلا بعد جيل لم يعد مجديا التغني على الاطلال كما لم
يعد الصمت مجديا والعراق محتل كامل اراضيه والشعب العراقي الذي
ما زال عبر التاريخ وعبر تاريخ العراق القديم والحديث يعيش صراعا
مع الغزو بدءا من الغزو الفارسي في القرون الماضية مرورا بالغزو
الاوروبي بزعامة هولاكو الذي جعل من اطنان الكتب وسيلة لعبور
جنوده انهار العراق حتى تغير لون المياه الى اللون الاسود نتيجة
امتزاجه باحبار الكتب التي كانت تمتلئ بها مكتبات بغداد.
ونحن في الواقع عندما نستعيد تلك الذاكرة الممتدة الى قرون عديدة
وترسيخها في ذهنية جيلنا الحاضر الذي فتحت عيناه على مشاهد المجازر
والصور المريعة التي تتناقلها القنوات الفضائية التي وجدت هي
الاخرى وسيلة لترويج الدعاية الاميركية والغربية وتمرير مشاريعها
السياسية المعنية بالشرق الاوسط وهي اشبه بالدعاية للمأكولات
السريعة هذه المشاهد في الواقع وهذا الاستسهال الكبير بعقلية
المواطن العربي من قبل القنوات الفضائية التي اصبحت هي الاخرى
تنكمش على نفسها لفقدها الكثير من الشروط التي تمكنها من المواجهة
من خلال تقديم البرامج المفيدة او اخفاقها في ذلك هو الذي يقودنا
اليوم ونحن نودع عاما مضى ونستقبل عاما جديدا ان نتذكر ولو من
بعيد ما يجري اليوم على ارض العراق وعاصمة الرشيد بغداد من تشويه
وطمس متعمد لمعالم وتراث هذا البلد والمجازر التي تحصد الارواح
كل يوم من ابناء الشعب العراقي ولنرى ماذا فعلت هذه الامة بقيادة
زعاماتها لتحرير العراق وتضميد جراحه من آثار العدوان وعندما
نتذكر العراق فاننا نتذكر ايضا حال كتابنا ومثقفينا الذين يتخذون
من الكتابات الانشائية والمدائحية توجها ومبدأ يمكن ان يقوم
عليه ركام الادب وأساسا تتبناه الثقافة.
لا يمكن في الواقع والحال على ما هو عليه مجابهة وتحدي الواقع
من خلال لغة هامشية وافتعالية ولا يمكن الوصول الى منبر ثقافي
نهضوي وتنويري بطرق دعائية وانما يأتي كل ذلك من خلال تراكم
المعرفة وتنشيط حركة التأليف والنشر وتبني الكتابات المؤسسة
والفاعلة والرصينة, الكتابة المشتعلة والمحرضة وبغير ذلك لا
يمكن تحقيق اي مسار خصوصا على صعيد تحقيق المكاسب الثقافية ويأتي
من وراء ذلك كله فتح المجال للمؤسسات الثقافية الفاعلة التي
تفي بالابداع وبالثقافة وبحركة التأليف والترجمة والنشر وتفي
وتقترب من الكتاب بمختلف اطيافهم الابداعية والى جانب ذلك لا
بد من اعطاء المجال للتنوع الثقافي وتخصيص أهم المرافق الحيوية
في كل دولة كالشوارع وغيرها لدور النشر والمطابع والمكتبات والمقاهي
لان وجود مثل هذه المؤسسات من شأنها ان تعطي الانطباع لكثير
من الزائرين والسياح عن مدى التحضر والاهتمام من قبل الدول بالثقافة
وبالفنون وبالكتب بصفة خاصة. كما ان وجود مثل هذه المؤسسات تولد
لدى المواطن الاحساس بالحيوية والانتعاش عندما يجد المكتبات
تعج بحركة الكتب الحديثة. ومن هنا في الواقع تبدو الآمال والتطلع
الى الواقع، والى المستقبل بنظرة واعية للأمور والعمل على تحقيقها
ليس بالشيء الصعب عندما يتوفر العمل الصادق في خدمة الشعوب والاوطان،
وان تحقيق الحلم اي حلم وتحقيق الحلم العربي لابد سيأتي ذات
يوم، وعلينا دائما ان نتذكر جرح العراق الكبير وقبلها فلسطين
وكما يقول الشاعر:
اذا احتربت يوما وفاضت دماؤها
تذكرت القربا ففاضت دموعها
والاهتمام بالثقافة في الواقع لا يمكن
ان يأتي بطريقة عشوائية وانما لابد من تخطيط منظم واخذ تجارب
الدول المتقدمة التي استطاعت ان توجد لها ذلك الارث والتنوع
المعرفي والتراكم الثقافي عبر الاجيال المتعاقبة، ونحن مازلنا
نعتقد ان المناخ اصبح مهيأ اكثر من ذي قبل لايجاد التنوع الثقافي
وذلك عبر المؤسسات وكل من لديه الاهتمام من اجل الوصول والارتقاء
بأهداف الثقافة الأسمى. ومن هنا في الواقع فان التراجع عن رسم
الملامح وطرح البرامج المحددة للارتقاء بالثقافة، لا يمكن بلوغ
ذلك المسار الذي يمكن ان يعول عليه في بناء ارث ثقافي جديد في
المدى القريب او البعيد وعندها تتلاشى كل الطموحات والآمال وستدخل
دائرة الثقافة في وحل ونفق مظلم لا يمكن الخروج منه. ولذلك يبدو
السعي الى ايجاد مناخ مغاير ومتميز للتنوع الثقافي. هو الحل
الأفضل لخلط الاوراق للوصول بالثقافة الى عصرها الذهبي كما كانت
عليه في العصور السابقة، عندما كانت الحواضر العربية والاسلامية
تعيش عصرا مزدهراً في كافة الفنون والآداب.
ولنكون دائما في مستوى الاحداث لانه وكما قال الشاعر:
وسوى الروم خلف ظهرك روم
فعلى أي جانبيك تميل
محمد الرحبي
أديب عماني
أعلى
صوفيتي
صوفيتي، تُعطى الأهمية المباشرة والقصوى
للجسد بوصفه مثولاً متصلاً بالأشياء، وبالعالم، وبالنور (أدونيس)
دربٌ إلى جســـــدٍ يفضي إلى جَسَــــــــدِ
والـــــروح بينهما حــبلٌ من المَسَــــــــدِ
للاشــــــتعال وللإطــــفاء رغبتـُــهُ
كما أودّعُ أمســـي في قـــــدوم غـــــدي
للحُــــــلم شُـــرفةُ إعـــــياءِ تـــراودُنــي
أُطِـــلُّ منها عـــلى ذاتـــي، على بلَــــدي
على رحـــــيليَ عــن ذاتــي إلــى وجـــع
ٍ
تذيـــبهُ الأرضُ في الترحــــال كالبَــــــرَدِ
أصــغي إلى جـــرس الأصفـــاد تقـــرعهُ
روحــــي التي سكــنت زنـزانة الجَسَـــدِ
وهاهــو القلـــبُ معـــزولاً ومنـــزويــــاً
مجــــرّداً من جــــراح الحـــب والكَمَـــدِ
مــرّت به الريــــحُ يومـــاً فامتطى
لَــعِـباً
حصـــانَ هـــاويةٍ يهــــوي إلى الأَبَــــــدِ
ما قلـــتُ للطــــلل الموهــــــوم أُغـــنيـةً
إلاّ تيــقّــــنتُ في إغـــوائـــهِ رَشَـــــــدي
دمــي يجــــفُّ وللشـــــريان ذاكــــــــرةٌ
لغــــيمةٍ رَحَــــلَتْ يومــــاً ولـــم تَعُــــــدِ
لم انتظـــر فــيضَ مـاء البـــئر من ظمـأ
لكــــن حفــــرتُ لأقصـــى قاعهـــا بيدي
أُهِــــــيْلُ مـن زمـــني عـــني وأدفنــــــهُ
كي أستعـــــيدَ مكـــانَ الدهشـــة الأبــدي
لا لـــيــلَ للشــمس يحمــيها وقـد نُسِــيَت
في شـــارعٍ يســـتفيء الظــــلَّ بالصهـــدِ
قــد مــرَّ ألــفُ نهـــارٍ وهـــي واقفــــة
بــــلا مغـــــيبٍ ولا غــــربٍ ومُلتَحَــــــــدِ
للنــــاس دونهــــمُ الأبـــــوابُ مغلقــــةٌ
فمــن يُغـــيثهُــمُ إلاّك يـــا سَـــــــــنَدي؟!
محمد السناني
شاعر عماني
أعلى
مرافئ
اربيل ـ كونا: افتتح أمس الأول في مدينة
أربيل (شمالي العراق) مركز ثقافي الماني أسس من قبل مجموعة من
المثقفين الألمان والأكراد، وقال مدير المركز فريدمارج زيكو
في مؤتمر صحفي: سيقوم المركز بالتعريف بالثقافة الالمانية في
شمال العراق واقامة دورات لتعليم اللغة الالمانية وانشطة عديدة
عن التراث الالماني، وأوضح زيكو من خلال هذا المركز سنقوم بدعوة
السياسيين والمثقفين والفنانيين الالمان الى اقليم كردستان لتقديم
الندوات والمحاضرات عن جميع جوانب الحياة في المانيا وكذلك للتعرف
عن قرب على الثقافة الكردية، وأشار الى ان المركز الذي سيمول
من قبل عدد من المثقفين الاكراد والالمان سيعمل على افهام المواطن
الالماني بان كردستان العراق منطقة آمنة وان بمقدورهم زيارتها.
لندن ـ أ.ش.أ: عثر علماء الآثار في بريطانيا
على موقع يحوي آثارا رومانية خلال العمل في مدرسة كنجز أوف ويسكس
في شيدار بمقاطعة سومرست البريطانية، ومن بين الاثار المكتشفة
هيكل عظمي لرجل يبلغ من العمر 50 عاما، وقال ستيفن ميمبري خبير
الاثار بمجلس مقاطعة سومرست رغم أننا نعتقد أنه ربما يكون هذا
الرجل قد دفن في أواخر الحقبة الرومانية إلا أنه من الممكن أن
يكون قد عاش فعليا خلال القرن الخامس أو السادس بعد الميلاد.
لندن ـ أ.ش.أ: في أول مؤشر على نجاحه الجماهيري
استطاع فريق قرود القطب الشمالي الغنائي البريطاني الجديد أن
يوزع 120 ألف نسخة من ألبومه الجديد ليتربع على رأس قائمة أكثر
الالبومات الغنائية مبيعا لهذا العام، واستطاع الفريق الذي سطع
نجمه على مدى الشهور القليلة الماضية الاستحواذ على جانب كبير
من سوق مبيعات الالبومات الغنائية بفضل حركة الشراء عبر الانترنت،
تأسس فريق قرود القطب الشمالي في عام 2003 من أربعة موسيقيين.
القاهرة ـ أ.ش.أ: صدرت للقاص والروائي
المصري المقيم في استراليا ماهر ابو السعود رواية جديدة بعنوان
(اسطورة شنيدر)، الرواية تكشف كيف يختلق الانسان المعاصر اساطيره
ويعيشها كما لو انه لم يختلقها بنفسه ولتكشف لعبة الشعوب مع
العالم والاحداث تبرز من خلال عالم الجريمة في أحد الاحياء الشعبية
والتاريخية، وقد لجأ القاص إلى طريقة فنية خاصة وهي من خلال
الفصول المتوازنة التي تجيء فيها كل حكاية من حكايات الرواية
متزامنة مع الاخرى، يذكر أن المؤلف سبق له أن أصدر ثلاث روايات
هي (حكاية ليلة طويلة) و(أمير المدينة) و(القاهرة باريس ملبورن)..
وبجانب هذا له مجموعة قصصية بعنوان (محكمة الشرق والغرب).
أعلى
كل سبت ..
أمسيات خاصة !
في هذه الإطلالة البهية لصفحتكم المشرقة
صفحة (الأدب الشعبي) نرحب بكم من جديد ونحن نحتفل بعامنا هذا
ومسقط عاصمة للثقافة العربية ، نرحب بكم وكل الأمل يحدونا بأن
يجدد هذا العام توافق المؤسسة والمثقف ويدفعه نحو تواصل مستمر
لا ينقطع مستقبلا فينشأ من خلاله نتاجا يسمو بالثقافة العمانية
مدى الحياة.
- أمســيـــات !!
في الأسبوع الماضي اقيمت أمسية شعرية خاصة
للشاعرات في إطار الفعاليات الثقافية لمهرجان مسقط والملاحظ
ان الأمسية ( شعبية ) لأن أغلب المدعوات للمشاركة فيها هن من
اللاتي يكتبن المفردة الشعبية ولأن الأمسية لشاعرات ارتأت اللجنة
بأن تستكمل العدة وتجعل الدعوات قاصرة على النساء فقط وتكون
الأمسية نسائية خاصة وهذا ما يؤكد الرجوع عشرين خطوة للوراء
واعتقد ان شللية الجمهور كانت حاضرة في هذه الأمسية لأن أغلب
الجمهور في معظمه ليس جمهور شعر ، والسؤال ألم تكن تطمح الشاعرة
الخليجية التي تم استضافتها بحضور جماهيري في قاعة مفتوحة الأبواب
للجميع؟ ، في هذا الأمسية وقع اسم شاعرة عمانية مخضرمة - سهوا
- بين المجموعة! فالمكان المخصص لها في تلك الأمسية غير مناسب
من جانب وغير متوافق لتجربتها من جانب آخر ، كذلك الحال للشاعرة
الخليجية الضيفة !
الا تعتقدون بأنه - من المفترض - ان نرتقى لمستوى يؤهل بأن تكون
هنالك امسية لشاعرات شعبيات محليات - إن وجدن - في إطار حدث
ثقافي راقِ ، أما كان من الأجدر التأكد من هوّية المشاركات حتى
يتم تحديد الفئات العمرية المناسبة والمستوى الفكري المناسب
لصناعة مثل هذه الأمسية ولوضع لمسة خليطة راقية لعامة الجمهور
تؤكد من خلاله المرأة العمانية الشاعرة تجربتها على الساحة من
ناحية وتبرهن لنا وللجميع (من يشكك بشاعرية المرأة) بأن هذه
الشاعرة الشعبية العمانية موجودة / نسمع صوتها / ترسّخه بالذاكرة
ويصفق لها الجمهور ، اما كان من الاجدر حينما تتاح مساحة للبوح
لـ ( ا ل ش ا ع ر ة ) العمانية - الشعبية - بأن تتاح لها كافة
السبل الأخرى لما يفترض ان تنتجه تلك المساحة.أأس
اعتقد ربما ليس من الثقافة ان تقنن الأمسية لحضور نسائي بحت
خاصة وأن المشاركات واضحة اسمائهن لدى المتابع ولا اعتقد في
الوقت نفسه ان ثمة - حساسية - ترمى على عاتق (العادات والتقاليد)
هذه المرة ، خاصة وان اغلب الشاعرات المشاركات في الأمسية ظهرن
أمام كافة شرائح الجمهور في محافل ثقافية أخرى وإن كان الطلب
من (فرد واحد) فليس من الجميل ان نقول علشان (خاطر عين تكرم
ألف عين) وخاصة اننا في العام 2006 ، ما أخشاه ان تخصص أمسية
شعرية (رجالية) يمنع دخول النساء فيها !!
في الكثير من المسائل التنظيمية نخفق في شيئ واحد وللأسف انه
ما زال مستمرا وهو باختصار ( عدم إعطاء الخباز خبزه) وحينما
نصل لقناعة قوية وقوية جدا لا تنتمي للانحياز مهما كانت العلاقة
الشخصية فأننا سنصنع ثقافة نجلب من خلالها الجمهور حتى يسمو
برقي الثقافة المتاحة أمامه او الفن المتاح أمامه ، وللأسف فأن
معاناة (عدم إعطاء الخباز خبزه) أثرت في العديد من المحافل الثقافية
منها والفنية سواء على المستوى المحلي او العربي او حتى العالمي
، ولكن ما يجعلنا نركّز بهذه المسألة فينا انها متكررة ومستمرة
لا يلتفت لها القائمون على الأمور ولا أعلم هل هو تعمّد وتجاهل
ام هي عدم رغبة إبداء الجديد!!
في طرحنا السابق الدعوة لعدم توسيع الفجوة بين المثقف والمؤسسة
ولتلافي سلبيات الماضي وصناعة مجد ثقافي راقي على صعيد (الشاعر
- الذكر والأنثى) ولوضع ركيزة جيدة نبني على أساسها طريقا سليما
لشاعرة شعبية ناضجة تمشي على طريق السلامة فكل التوفيق للتجربة
الشعرية الشعبية النسائية ونتمنى المثابرة للمضي نحو طريق الصواب
في كتابة القصيدة ، ونتمنى أن تقام أمسية شعرية شعبية للشعراء
- الرجال - في فعاليات مهرجان مسقط يتم وضع فيها توازن مبني
على أسس في حالة انه تم الاتفاق على ازدواجية الأمسية بين الشعبي
والفصيح حتى لا يكون نصيب الشعر الفصيح واحد من مائة ، واعتقد
بل أجزم أنها سترقى لمستوى الحدث، على اقل تقدير ان الخيارات
متاحة عند انتقاء الشعراء أكثر من الشاعرات والأسباب واضحة ،
فكل التوفيق للجميع وللساحة الشعرية الشعبية.
فيصل العلوي
fai79@hotmail.com
أعلى
لحظات ..بلون ممقوت
فجر المنطيفه ..
12/ يناير / 1980
في ذلك الصمت الذي ينسج خيوطه منذ الغروب
...كان صرير الحديد المتآكل يمتزج ليصبح هو والريح واحد ..لم
تكن لتكف عن التأرجح ..حتى وإن علا صوت الأذان..مع (المرنجوحة
) كانت ترتفع ..إلى حيث تعانقها الريح وتهبط ..لترى القمة التي
ستصلها من جديد بسرعة تفوق فرحتها ..
تناديها الأصوات وهي غارقة في أحلامها ..تناديها وهي لا تفهم
من عكر صفو سكونها ..فجأة تتوقف أرجوحتها بكل قسوة ..حتى لتكاد
تسمع دقات قلبها ..
- متى بتوبي وبترجعي البيت مثل كل الصغييرين قبل أذان المغرب
..
صوت قاسي تعرفه ..وتعرف أن الصوت سيمتد ليتجسد في أصابع قوية
تشد ظفيرتها المشعثة وتطبع على جسدها ذلك اللون الذي باتت تمقته..تفكر
أن الأبيض هو لونها الأبدي ..لحظة ويتشتت كل تفكيرها ...
* * *
على زاوية الباب كانت تقف ،تخفي نصفها ..تنظر بزاوية عينها اليمنى
التي في تلك اللحظة ثمة ما يلمع فيها ..وكانت تختلس النظر ..حيث
جسد ضئيل ، متكور يتلافها الركلات ، وصوت خشن يتلفظ بالكثير
الذي يرعبها ..
- متى بتوبي عن خرجات العصر والمعصرات ..متى بتكوني مثل الحريم
..
وكان ثمة أصابع خشنة ، تطبع وجودها على جسد ونفس ولكن بلون يفوق
لونها الممقوت...
* * *
أمس اشترالي عروسه ووداني الداكان وخذيت كل الشكليت الي اباه
، وأنتيه وين وداش.؟
- وداني المرنجوحة ، وخلاني ألعب إلين الليل ، وعطاني هدية أنا
وأمي ..ما أنساها أبدا ..أكبر من كل العرايس ..بس ما يآكلوها
..ما مثل الشكليت ..
كانت تعرف إن صوتها لا يشببها في تلك اللحظة ..فكرت ولكنه فعل
ذلك ،ألم يفعل؟!!!
* * *
في صباح باكر ..كانت تتكور حيث برودة الحمام ..تغسل وتغسل حتى
أحمرت أطرافها من برودة الماء ومن شدة الفرك ..وعقلها يدور ويدور
كيف تبرر هذا البلل كله ..وأين تخفي هذه الرائحة التي تثير فزعها
بجنون ..
لم تدرك أن ثمة عينا ترقبها ، وثمة عينا تذبحها الحسرة والشفقة
...عينا بلون الدم ..
* * *
أمام صورتها وقفت ، رسمت بسمة ، لم تكتمل ، لم تكن كالبسمة التي
ترسمها المرجوحة ، حاولت أن تخفي توترها ..ستخرج بعد قليل ،
وستكذب بدم بارد ..وأخذت تردد بهدوء مفتعل ..
- بعدهم ما عطونا النتايج ، الأبلة ما صححت الامتحان بعدها..
تردد جملتها ويخونها الرعب ..وتتأكد للمرة المليون إنها وضعت
تلك الورقة الملطخة بالأحمر في مكان لا تجده عين ..
* * *
بعد الطابور ..وقفت تنظر لها بعين معجبة ، كم تحبها وكم تعتقد
إنها والخيال واحد ..جميلة ..أنيقة ..قوية ...وسعيدة دوما ،
تجتاز الممرات بوجه مبتسم ابتسامه حنون ...وجه يداعب ذاكرتها
علا صراخ تعلمت كيف تتعايش معه
* * *
بعد أن صفق الباب ..خرجت من حيث كانت تخفي وجودها ..كانت ترتعش
ولم تفهم سبب ارتعاشتها ..كانت تفقه فقط خوفها الذي يكاد يبتلعها
..جرتها الخطوات الخائفة ..وقفت أمام بابها تراها عبر مرآة لم
تستطع أن تخفي الزوايا القرمزية ..ولم تستطع أن ترسم تلك البسمة
دون ظلال الحزن ، تتلاقى عيناها بالعيون المبللة وترى ظهرها
عبر المرآة ...حتى هي تحبها ولكنها مشعثة ..متعبة ..تمتد لها
يد تلمح فيها الرعشة ..يد تناديها ..
- تعالي ..تعالي عن تخافي ..أنا الغلطانة ..هو معصب شوية بس
..
تقترب ..تتعثر خطواتها يحيطها القلق ..تتقدم إلى حضنها تجد فيه
كل شيء إلا الحنان في تلك اللحظة ..ورائحة تتسلل إليها ..رائحة
تشبه رائحة الصباح المفزعة ..رائحة تشتت ذهنها حتى ما عادت تسمع
الصوت الذي يهدهد قلقها ..
* * *
هدير سيارته ..أخبرها إنها لن تجد عينيه في مواجهتها ..خرجت
فرحة ..تخبر نفسها إنها ستلعب ولن يمنعها شيء ..ستلعب حيث تريد
..
استوقفها وجه حزين الملامح ..تمنت لو تهرب ..لو تقول إنها لم
تر ، لو إنها فقط تتجاوزها ..وكادت تخرج ..فتحت الباب وعادت
وأغلقته ..تجر الخطوات ..وقفت بقربها لمست يديها ..أخذتها تلك
اليد ، وكعادتها تحاول أن تلبس قناع لم يحدث وان صدقته ..تضمها
وتهدهدها..ولكنها كانت تحلم بالطيران والتأرجح ..وشعرت للحظة
أن الصوت يخنق فرحته المترقبة...لا تدري لماذا عاودتها صورتها
وهي سعيدة ..وتقطف لها الزهرات الصغيرة ..كانت تحبها بتلك الصورة
أكثر ..كانت بسمتها أكثر حنانا من دفء صدر يبتلع الدموع ..ولكن
كم كانت تلك الصورة بعيدة بعيدة تماما .. .
* * *
..مازال الأبيض عشقها الأول ، ومازالت
تلك التي تطير بها تأسرها ..حد أن تسرق الجلوس عليها حين تغفل
عنها العيون ..
ومازالت تتابع بنظراتها ذلك الذي لا يمل من مسك تلك اليدين ليجول
بها بحثا عن الكثير الذي تحبه..ذلك الذي لم يعر اهتماما أن اليدين
كبرت وأن العود نضج ، وان الحلم صار له جناحان ..
مازالت ..مازالت تسترق النظر ..من شرفتها التي دخلت في قائمة
الممنوعات ..مازالت عيناها تبحث ..عن بريق بلون الدفء
وعن لحظة فرح لا يشوبها شيء..
) ان تتعلق بلون وتطبعه على كل أشيائك الخاصة فهذا لا يعني أبدا
إنه اللون الذي سيداهم حياتك في كل منعطف وممر ..ثمة ألوان تجبرك
أن تتقبلها !!)
عبير العموري
أعلى