
أصداف
نافذة على المشهد العراقي
استقبل العراقيون العام الجديد وبرودة
الشتاء القارصة تندفع بقوة نحوهم وتحاصرهم من كل جانب، وسخونة الأوضاع
تجعلهم يتأرجحون بين أكثر من قوة، ولا يرون في الأفق القريب نافذة
واضحة، عسى أن يلقوا نظرة من بين ثناياها.
هذا التأرجح يفتك بساعاتهم، فالذين اعتقدوا أن الانتخابات التي جرت
منتصف الشهر الماضي، ستفتح أبواب الأمن والرخاء، وتدفع بمستوى الخدمات
إلى درجات أفضل، سرعان ما أصيبوا بالخيبة، لأن المؤشرات اليومية،
تتحدث بالوقائع والحقائق بكل ما يخالف ذلك.
فقد هبت عاصفة الوقود وسط عواصف العراق الكثيرة، لتضيف هموماً وأحزاناً
أخرى، في متوالية الآلام التي تهيمن على حياة العراقيين، فجاء رفع
أسعار الوقود، ليسهم في رفع تكاليف الحياة الصعبة، وليشمل ارتفاع
الأسعار جميع مناحي الحياة، فالوقود العصب النابض، الذي يتحكم بمسارات
الحياة اليومية، وانكشف الغبار عن وجه جديد في المشهد العراقي اليومي،
ليعلن أن المصاعب الحياتية تزداد في وسائط النقل، التي تتجلل بالمشاكل
والمتاعب، وترتفع أسعار الفواكه والخضار وجميع الفقرات التي تحتاج
إليها العائلة العراقية لتديم صلتها مع الحياة، في ظرف صعب وقاس
، وتتجدد في قائمته أشكال التعب والإنهاك في كل يوم.
الناس في المشهد العراقي، يقفون اليوم عند مفترقات طرق، بعضها يفضي
إلى أودية سحيقة، وأخرى تنتهي عند بداية النفق المظلم، وثالثة تذهب
إلى التيه، ورابعة تقود الناس إلى المجهول وعاشرة تجبر الكثيرين
على السير فيها رغم أنها تدور في حلقة مفرغة، فلا جديد إلا هذا التلاطم
في أمواج الحياة اليومية.
استمع الكثيرون إلى الدوافع، التي تقف وراء اتخاذ قرار زيادة أسعار
الوقود في بلد النفط، وربما اقتنع البعض، فهم لا حول ولا قوة لهم،
والقبول بذلك، هو جزء من واقع الحال، الذي يهوي على رؤوس الناس،
وقال هؤلاء، إذا كان الهدف من ذلك، هو منع تهريب الوقود فإن الذي
يجنيه الناس، سيكون بمثابة القائمة الطويلة من الفوائد، إذ سيحصل
المواطنون على الوقود بسهولة وبأسعار معقولة، وبعد أن يفشل المهربون
في مواصلة طريقهم، فإن الرخاء سيعم البلاد ويخيم بظلاله الوارفة
على جميع العباد إلا أن الذي حصل، ما هو مخالف لذلك تماماً، فالوقود
اختفى، والأسعار تصاعدت بشكل جنوني، وهناك بعض المحافظات التي رفضت
القبول بالقرار، ولم تطبقه، ورغم ذلك، فإن الحكومة تصر على تطبيقه
والمشهد العراقي في قطاع الخدمات، يشهد ذلك الفوران ويزداد الاحتقان،
ومازال المواطن يريد أن يلمس شيئاً إيجابياً يخص حياته، بعد إجراء
الانتخابات دون أن يتمكن من تحقيق ذلك .
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

3 أبعاد
الجواسيس أبطال
في أي حرب، التجسس على العدو مهم للغاية
ولكن التجسس اليوم أصبح في نظر الأميركيين هو العدو لم يكن هذا هو
الحال دائما ففي الحرب العالمية الثانية كان بعض أبطال تلك الحرب
هم الجواسيس وليس الجنود الجواسيس الذين تصنتوا على 230 ترددا لاسلكيا
ألمانيا، وفكوا شفرة الرسائل النازية وكشفوا عن خطط نازية لغزو لندن
فمن هم رجال التجسس في الولايات المتحدة اليوم ؟ إنهم موظفو وكالة
الأمن القومي التي لم يكن أحد يعلم بوجودها إلى عهد قريب لكن هؤلاء
يراهم الأميركيون ليسوا كأبطال، بل كأعداء، بعد أن كشف النقاب عن
أنهم يتجسسون على آلاف الناس داخل الولايات المتحدة بأوامر من الرئيس
بوش هذه الوكالة تتنصت على 650 مليون إشارة او مكالمة او اتصال إلكتروني
كل يوم، من الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية والسفن والطائرات
والغواصات في أنحاء العالم. والوكالة تتصيد من وراء هذا العدد الهائل
من الرسائل أنماطا من الألفاظ او العبارات أو الرسائل التي قد تنفع
في تعقب الإرهابيين وبينما يشتد الجدل في الولايات المتحدة بشأن
مشروعية التجسس الداخلي الذي أمر به الرئيس بوش، وهناك شكوك خطيرة
في مشروعيته، فإن السؤال المهم هو ما إذا كانت أعمال التجسس هذه
مفيدة بالفعل في تعقب وتصيد الإرهاب المشكلة الأولى والكبرى هي الفارق
بين النازية والإرهاب الحديث كعدو في حالة النازية كان الهدف واضحا
ومحددا وهو القيادة الألمانية العليا والمخابرات الألمانية وكان
جواسيس الأمس يركزون على اتصالات معينة ويفكون شفرة هذه الاتصالات
ولكن جواسيس اليوم في وكالة الأمن القومي يتنصتون على ملايين الاتصالات
التي لم يعد الإرهابيون يستخدمونها فلم يعد هؤلاء الذين تتعقبهم
الوكالة يستخدمون الهاتف الجوال او الخلوي لتبادل الأحاديث والمعلومات
والخطط بل ولا يستخدمون حتى خطوط التليفون الأرضية وإذا استخدم احدهم
وسائل الاتصالات هذه فهو يستخدمها بهدف تضليل المخابرات الأميركية
بمعلومات خاطئة ووكالة الأمن القومي صممت لكي تتنصت على شبكات اتصالات
حكومية محددة على سبيل المثال، البث على شبكة ميكروويف من موسكو
الى قاعدة صواريخ عابرة للقارات في سيبيريا ولكن رجال أسامة بن لادن
وغيرهم الذين تتعقبهم الولايات المتحدة اليوم يستخدمون البعير والدواب
والأشخاص في توصيل الرسائل والأهم هو أنهم يستخدون الانترنت بعد
القبض على محمد نعيم نور خان ، وهو احد رجال القاعدة، في يوليو عام
2004، عثر معه على كومبيوتر محمول يحتوي على خطط لمهاجمة لندن ونيويورك
في آن واحد وكانت هذه الخطط سوف تبث عن طريق الانترنت إلى أشخاص
آخرين هؤلاء الأشخاص لديهم كلمة السر لدخول موقع خاص على الانترنت
للاطلاع على هذه الخطط وغيرها من الرسائل والتعليمات أي أنه بينما
تقوم وكالة الأمن القومي بالتنصت على ملايين الرسائل على أمل العثور
على شئ مهم، يجري هؤلاء الأشخاص اتصالاتهم على مواقع الانترنت التي
لا يمكن لأحد تعقبها وهناك اليوم اقتراح بأن تلجأ الحكومة الأميركية
الى توظيف الاشخاص المتخصصين في مهاجمة واقتحام مواقع الانترنت هؤلاء
تعتبرهم الحكومة اليوم مجرمين تزج بهم في السجون، ولكنهم في الغد
قد يصبحون أبطال الحرب ضد الإرهاب.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

باختصار
البرلماني الفلسطيني
هي العودة الواجبة الى فضاءات الراحل
ياسر عرفات الذي وضع انموذجا قويما لطبيعة التمثيل الفلسطيني في
البرلمان الذي يريد الإخلاص للرجل في مماته كما في حياته ولا يعني
وجود برلماني فلسطيني في غياب عرفات انه تراجع عن مبادئه وقيمه التي
زرعها او هي مرحلة انتقالية بالكامل من الثورة الى الدولة ومن الانتفاضة
الى النعيم الفلسطيني بقدر ماهي دوران حول الأهداف التي زرعها عرفات
وأسس لها منطقا ثابتا لا يتزعزع .
بدأت هيصة الانتخابات الفلسطينية وسط تباري المرشحين للبرلمان وسط
دعوات قوية للمغالبة في هذه اللعبة الديمقراطية التي ينتظرها الفلسطينيون
وربما العالم بأسره نظرا لحساسيتها ولما قد تفرزه من نتائج ويستدل
حتى الآن من خلال أرقام الإحصاءات أن البرلماني الفلسطيني المقبل
عليه أصعب المهمات وأكثرها حيوية. فهو الذي سيدعم مفهوم السلطة بالتغلب
على كل ماهو خارج القانون ، وهو الذي سيحقق نوعية الرئيس المقبل
للسلطة ، بل هو الذي ستكون في يده الحل والربط في مسائل معقدة تقوم
على حد الشعرة بين الدولة التي لم تقم وبين ان تقوم على اسس واضحة
ومعالم لاغبار عليها مع الكيفية التي يجب ان تقوم عليه ويقينا فان
البرلماني الفلسطيني مهما كان نوع انتمائه فانه يتحضر لحكمة قبول
الآخر في مرحلة التقارب بين وجهات النظر المختلفة.
قد تكون حركة حماس الابرز في الخيارات المقبلة ، وتظل حماس في هذه
الحالة الابنة الشرعية الناهضة من وسط ركام المعضلة الفسطينية ومن
خياراتها التاريخية وهي التي دفعت أثمانا باهظة من كوادرها وقيادييها
على مذبح القضية وحماس في هذا الحال جزء لايتجزأ من النضال الفلسطيني
ومن مواهب ديمومة الصراع القائم بكل أشكاله ومع الافتراض القائل
بإمكانية سيادتها على البرلمان الفلسطيني وتلك الإمكانية بكل مؤشراتها
إلا أنها لاتشكل فزاعة ويحاول الاسرائيليون وبعض الخائفين على مواقعهم
وكذك بعض العرب والعالم ان يسلطوا الضوء على تلك الامكانية قبل الوصول
الى يوم الانتخابات المهددة بالتوقف لاسباب هي غير المعلن عنها.
سيكون على البرلماني الفلسطيني الذي باشر بالتحضير لليوم الانتخابي
ان يمسح من ذاكرته الصراع على المراكز والصراع من اجل المراكز ان
الخائفين على المواقع هم غير الخائفين من وقوعها في ايد لاتخصهم
بمعنى ان المتخوفين من تيار حركة حماس الذي تحكمه ارادة العمل الديمقراطي
لاول مرة يتوهمون السيطرة الاحادية على مشروع الدولة الفلسطينية
المقبل الذي مازال في الغيب وقد لايصبح حقيقة واقعة غدا ستفتح صناديق
الاقتراع ومن خلاله سيرسم برلمانيون خارجون من رحم المعاناة ايا
كان انتماؤهم الواحد من اجل فلسطين والكل من اجلها وقد يكفي هذا
الشعار ليكون مقدمة في معنى المرحلة المقبلة.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

كل يوم
لا .. لتعطيل الانتخابات الفلسطينية !!
هل ستجرى الانتخابات الفلسطينية في موعدها،
أم أنها ستؤجل إلى اشعار آخر؟
سؤال تحاول السلطة الوطنية الفلسطينية الاجابة عنه بالايجاب، وتسعى
جهدها لاجراء الانتخابات التشريعية في وقتها وهو الخامس والعشرون
من الشهر الحالي.
لكن الذي يعرقل ذلك هو عدة جهات، أولاها الاحتلال الذي يتخذ اجراءات
مشددة لمنع الحملات الانتخابية في القدس المحتلة (الشرقية) باعتبار
ان القدس الموحّدة هي (العاصمة الابدية لاسرائيل)! كما أنه يعارض
السماح للفلسطينيين في المدينة المقدسة بالمشاركة في الانتخابات،
وهذه المعارضة حدثت في الانتخابات السابقة لكن سلطات الاحتلال تراجعت
عنها بتدخل اميركي.
ويبدو أن الجهة الثانية التي تعارض الانتخابات او تحاول تعطيلها
هي جهة أو جهات فلسطينية تتمثل في بعض الفصائل التي ترفض اجراء انتخابات
تحت الاحتلال .. وهي مقولة خالية من المعنى لأن الانتخابات السابقة
شهدت مشاركة هذه الفصائل نفسها، وجرت في ظل الاحتلال. وقد لا يكون
النموذج العراقي حاضرا هنا، لاختلاف الحالتين.
كما أن الاعتراض على الانتخابات يأتي من جانب بعض الفصائل على بعضها
الآخر، تماما مثلما يعترض الاحتلال على مشاركة حماس فيها!
إن القراءة العميقة للواقع الفلسطيني والعربي تجعلنا ندعو الى اجراء
الانتخابات في وقتها دون تأجيل، وبمشاركة جميع الفصائل، لكن عدم
مشاركة بعضها لا يجوز أن يعطل المسيرة كما أن اصرار الاحتلال على
رفض الحملات الانتخابية في القدس يجب الا يكون سببا للتأجيل او التعطيل،
لأن الحملات الانتخابية ليست امرا اساسيا خصوصا ازاء مرشحين معروفين
جيدا للشعب الفلسطيني بمختلف فئاته وأطيافه السياسية، وبخاصة لأهل
القدس المحتلة.
ولا شك ان التحرك الاميركي الجديد باتجاه دعم اجراء الانتخابات الفلسطينية
سيعطي السلطة الفلسطينية فرصة أفضل لاجرائها في موعدها، خصوصا وان
الرئيس الاميركي نفسه بات يرغب في ان (يرى الانتخابات تجري في موعدها
قدما كما هو مقرر لها) ويضيف انه (ينبغي السماح للفلسطينيين في القدس
الشرقية بالتصويت في الانتخابات). والجملة الاخيرةH[ (مواربة) فهي
تتحدث عن الاقتراع ولا تطالب بفتح الباب امام الحملات الانتخابية.
وستكون هذه التصريحات الاميركية موضع اختبار حقيقي اذا تمسكت السلطة
الفلسطينية بالموعد المقرر للانتخابات، واذا ما أفسحت الفصائل المعارضة
وفي مقدمتها حماس المجال أمام اجرائها دون أية عراقيل. ومع ان موقف
حماس واضح، وهي مصّرة على المشاركة فيها، الا ان الاعتراض عليها
من الجانب الاسرائيلي، لا يزال قائما وان كان يتراجع. كما ان الفيتوالاميركي
على مشاركة حماس، قد انتهى هو الآخر.
ويبقى أن نذكر الفصائل الفلسطينية بأن من حقها أن تقاوم الاحتلال،
لكن المشاركة في هذه الانتخابات ضرورة وهي تصب في اطار المقاومة
الفعلية وغير المسلّحة للاحتلال الذي يريد أن يبتلع الارض ويلغي
حقوق الانسان الفلسطيني وهويته العربية.
ولا نجادل كثيرا هنا في ان الانتخابات ستكون أكثر حرية ونزاهة وتمثيلا
اذا جرت في غياب الاحتلال .. الا ان انتظار رحيل الاحتلال لاجرائها
في الاجواء الصحية الخالصة لا يشكل بديلا، لأن الواقع ضاغط بأكثر
مما يتوقع الحالمون .. ولأن السلطة الفلسطينية بحاجة الى رأي شعبي
تعبر عنه مؤسسات تشريعية محددة، وتساهم في تحقيق طموحاته، مما يدعم
سلطة الشعب الفلسطيني وسيادته على أرضه المحررة من الاحتلال أو التي
لا تزال ترزح تحته. ولا يخفى على الاشقاء أن هذا مفصل مهم في هذه
المرحلة..
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

أقول لكم
تمثال الحرية
تمثال الحرية الشهير في مدخل ميناء نيويورك
قد يصبح أحد عجائب الدنيا، فخلال العام الحالي من المقرر اجراء أضخم
استفتاء عالمي لاختيار 21 اثرا انسانيا كعجائب جديدة للدنيا خلال
القرن الحادي والعشرين، لا تضم من العجائب القديمة سوى أهرامات الجيزة
في مصر، بينما يتمتع تمثال الحرية بنصيب وافر للتواجد ضمن هذه القائمة،
لقيمته الفنية العالية، وربما نتيجة ضغوط الثقل الهائل الذي تتمتع
به الولايات المتحدة كقطب أوحد في عالمنا اليوم، ونستبعد ما يردده
خبثاء من أن ترشيح التمثال مسنود بالكروز والتوماهوك وعضلات دونالد
رامسفيلد!
التمثال الذي وضع تصميمه النحات الفرنسي العبقري فريدريك أوغست بارتولدي،
كان مقررا أن يتم وضعه في مدخل قناة السويس عند افتتاحها، لكن حاكم
مصر وقتها الخديوي اسماعيل استكثر تكاليفه، فقررت فرنسا منحه هدية
للولايات المتحدة، التي خاضت حرب استقلال عن بريطانيا العدو اللدود
للفرنسيين وقتها، فتم تثبيت تمثال المرأة الحاملة لشعلة الحرية في
مدخل ميناء نيويورك، وقد يكون هذا أحد الأسباب الأساسية التي تجعل
الأميركيين يظنون أنهم حملة لواء الحرية ومشعلها في العالم كله!
واذا تم اختيار هذا التمثال ضمن عجائب العالم، فانه سيكون اختيارا
حرا ديموقراطيا من خلال استفتاء دولي لا علاقة له بأساليب (الكوسة)
.. لكن مناهضين لسياسات العولمة ـ أو الأمركة ـ يقولون إن واشنطن
اعتقلت معنى الحرية في تمثال ولم تحوله إلى سياسة داخلية وخارجية
تكفل للجميع الحق في الحرية والعدل والمساواة، ويضربون مثالا لذلك
بقانون الارهاب الأميركي وتعديلاته الذي ينسف الحريات الشخصية والعامة
للأميركيين، وبحروب الولايات المتحدة وسياستها الخارجية التي تفتقد
للمصداقية والعدل، ويطالبون بنقل الأمم المتحدة وتمثال الحرية من
نيويورك .. إلى بوركينا فاسو!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

في الموضوع
إرادة تكسر الاعاقة
تثير الانتخابات البرلمانية الفلسطينية المرتقبة
في النفس احساسا كبيرا بالفخر ، لانها تعبر عن ارادة لدى الشعب الفلسطيني
لتجديد بنية مؤسساته، رغم الاعاقة التي تمارسها اسرائيل لتعطيل هذا
الهدف الاساسي النبيل. فرغم حديث الصهاينة عن تأييدهم للسياسات الاميركية
المعلنة ـ والتي لا تطبق على ارض الواقع ـ بشأن الترويج للديمقراطية
في المنطقة العربية ، الا انهم يعرقلون ذلك عمليا في فلسطين. فمن
ناحية هم يقاومون اي خطوة تسهم في بلورة إبادة الشعب الفلسطيني ،
التي تهدف الى تحقيق الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ولا
يريدون لهذه الارادة ان تظهر بوضوح امام العالم. كما انهم يحاربون
مشاركة كافة الفصائل السياسية في هذه العملية ، وعلى رأسها حركة
المقاومة الاسلامية (حماس) في تجاهل كامل لحقيقة ان المهمة الاساسية
للحركة الوطنية الفلسطينية كلها الآن ، هو مقاومة مخطط طمس الهوية
الوطنية الفلسطينية.
القضية هنا ، هي ان الشعب الفلسطيني ـ من خلال الانتخابات ـ يمارس
المقاومة ايضا ، وحتى في ظروف الجدل حول اجراءاتها في الموعد المحدد
او تأجيلها الى مابعد 25 يناير الجاري ، يمارس التعددية السياسية
والفكرية ، فبينما يدرس الرئيس محمود عباس ـ رئيس منظمة التحرير
الفلسطينية ، وزعيم حركة فتح تأجيل هذه الانتخابات اذا اعاقت اسرائيل
عملية الاقتراع في القدس ، وتحميل حكومة الصهاينة مسؤولية ذلك ،
تدعو حركة (حماس) الى اجراء هذه الانتخابات في موعدها ، وبحث اسلوب
آخر لتمثيل القدس في المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد ، من اجل
اعادة بناء المؤسسة التشريعية ، ومواصلة العمل نحو مشروع الدولة.
وربما يقول البعض ان حركة (حماس) تدعو الى عدم تأجيل الانتخابات
لانها تشعر الان باحتمالات اكبر لفوزها بمقاعد في البرلمان الفلسطيني
، بعد النجاحات التي حققتها في انتخابات البلديات ، خاصة بعد المرونة
التي ابدتها في تشكيل بلدية رام الله ، عندما دعم ممثلوها في هذه
البلدية ترشيح امرأة مسيحية رئيسا هناك ، في موقف كان كثيرون يرونه
مستبعدا من وجهة نظر (حماس) ومن نتائج ذلك تهدئة مخاوف كثيرين في
الضفة الغربية بشأن طموحات (حماس) لأسلمة النظام السياسي الفلسطيني
مما يزيد شعبيتها في الضفة ، ويمثل ردا واضحا على المطلب الاميركي
الداعي الى استبعاد الحركة من الانتخابات البرلمانية ، رغم الفشل
في استبعادها من انتخابات البلديات الاخيرة.
لكن الموقف الاسرائيلي من الانتخابات الفلسطينية ، ينبع من موقف
مستمر لتعقيد حياة السلطة الوطنية وشعبها ، كما انه يرتبط برغبة
مستمرة في تهويد القدس تماما ، ورفض اعادتها الى الشعب الفلسطيني
لتكون عاصمة دولته ، في اي تسوية سلمية يتم الاتفاق عليها مستقبلا
، ويشير ذلك الى التوجه الصهيوني لفرض اجراءات احادية بدلا من الاتفاق
مع السلطة الفلسطينية على اجراءات مشتركة.
ويثير ذلك مخاوف بشأن ان التوجهات السياسية الاسرائيلية في عهد الرئيس
الجديد محمود عباس (ابومازن) لا تختلف كثيرا عما كانت عليه في عهد
سلفه الزعيم التاريخي ياسر عرفات (أبوعمار) وان ماكانت تتعلل به
في حياة عرفات من انه لا يعتبر شريكا في السلام ، لم يكن سوى تكتيك
للإعاقة مرتبط بمرحلة معينة. ومن ثم فانه ليس مستبعدا ان تعمد الى
الحديث بنفس اللهجة عن (ابومازن) في فترة لاحقة ، عندما تؤدي تصرفاتها
الى تعقيد الامور بطريقة كافية لذلك.
وكأنه لم يكن كافيا اعاقة الانتخابات عن طريق اجراءات عملية ، مثل
استخدام نقاط التفتيش في عرقلة حركة الناس من منطقة لأخرى بالضفة
الغربية ، وكذلك القصف المستمر لمناطق مختلفة في قطاع غزة ، سواء
كان ذلك بالدبابات والمدافع أو صواريخ الطائرات ، فقد عمدت الى حظر
عقد مؤتمر صحفي لحركة (الطريق الثالث)، الذي تبرز بين قياداته الوزيرة
السابقة حنان عشراوي في القدس ، في اطار الايحاء بان القدس ليست
جزءا من الارض الفلسطينية ، رغم ان تلك الحركة ـ وهي تنظيم سياسي
جديد ـ نشأت لتمثل منطقة الوسط في الساحة السياسية الفلسطينية بين
حركة (فتح) وحركة (حماس) ـ وتضم قيادات وطنية ليست لها ارتباطات
تنظيمية واضحة ـ وتنشط في مجال العمل العام من خلال منظمات اهلية
اجتماعية في الاساس.
مايجب الاشارة اليه ، هو ان مايجري على صعيد المجتمع الفلسطيني يتخطى
ذلك الى الوضع السياسي الفلسطيني ، لان هدف اي تحرك سياسي في فلسطين
، يؤكد وجود المجتمع في ذلك البلد العربي ، واي تحرك من جانب سلطات
الكيان الصهيوني ـ يستهدف إلغاء هذا الوجود. وقد وجدت مبررا لإلغاء
المؤتمر الصحفي الذي كان مقررا ، اعتمادا على ان القيادات التي كانت
ستشارك فيه تنتمي الى مدن ومناطق في الضفة الغربية ، ويريد الاسرائيليون
فصم اي علاقة بين القدس والضفة ، على نحو يتفق مع مخططهم في الابقاء
على احتلال المدينة ، والاحتفاظ بها عاصمة موحدة لاسرائيل واستبعاد
اي وجود فلسطيني فيها.
تحدث كثيرون عن الانتخابات تحت الاحتلال في بلد عربي اخر مثل العراق
وما اذا كانت تلك الانتخابات خطوة على طريق تحرير ارادة الشعب العراقي
، وليس هناك من شك في ان الانتخابات الفلسطينية تكتسب اهمية كبيرة
، باعتبارها خطوة على طريق بلورة نواة الدولة الفلسطينية.
وفي هذا الاطار يجب النظر الى الحملة الانتخابية في القدس ، رغم
اعتقال جنود الاحتلال الدكتور مصطفى البرغوثي هناك ـ على انها جزء
من تأكيد الهوية الفلسطينية للمدينة ، وردا شعبيا وطنيا فلسطينيا
على الموقف الاسرائيلي العدواني على جزء من الارض الفلسطينية.
اذا كانت هذه هي ملامح الموقف الاساسي للشعب الفلسطيني ، يصبح الامر
متعلقا بالتكتيك في التعبير عنه ، وفي ضوء توازن القوى المختل لصالح
الاحتلال الصهيوني ، تصبح هناك ضرورة لموقف دولي ، من جانب الاطراف
التي تعارض ضم القدس لاسرائيل ، للتمكين من اجراء الانتخابات هناك
، بينما يستعد الفلسطينيون ليوم الاقتراع رغم الجدل الدائر بينهم
حاليا.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى
صراع إسرائيل مع الزمن لاستغلال فترة رئاسة بوش الباقية
خطة أريئيل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي،
السياسية الجديدة التي كشفت عنها صحيفة معاريف الإسرائيلية، والتي
تقضي بتقويض خطة خارطة الطريق ورفض حل أحادي الجانب على الضفة الغربية
والاستيلاء على القدس ومنع حق العودة، تؤكد أن شارون ذهب مكرهاً
إلى خطة خارطة الطريق .
فمن الواضح أن خطة شارون الجديدة تعتمد على أساسين، الأول انهيار
السلطة الوطنية الفلسطينية، والثاني انتشار الفوضى في الساحة الفلسطينية،
مما يستوجب على الشعب الفلسطيني أن يثبت للعالم ولنفسه أن هذه الخطة
لن تنجح وأن هذه الأفكار الخبيثة ستفشل فالخطة التي تهيأت في الأشهر
الأخيرة، استعدادا للولاية القادمة لحكومة شارون، حسب زعم معاريف
ستركز على موضوع القدس، وتراهن على أن خطة خارطة الطريق، التي يعلن
اريئيل شارون مرارا وتكرارا أنه يستمسك بها وسيتصرف بحسبها في ولايته
القادمة، تجبر السلطة الفلسطينية على حل ما تسميه البنى الأساسية
للإرهاب، وأن تجمع السلاح وأن تقيم سلطة جديدة داخل حدودها، حيث
يحاول شارون أن يثبت للمجتمع الدولي أن الحديث في الحقيقة يدور عن
سخرية كبيرة.
يحاول شارون أن يوهم العالم، بأنه لا يوجد أي احتمال عملي لأي إنجاز
في التفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين، وأن الرئيس محمود عباس، لن
يستطيع إقامة سلطة تهيئ أدنى شروط خارطة الطريق ، وأنها ستبدو مثل
طريق مسدود، حيث سيستعملها شارون في الأساس كورقة تين، تغطي على
خارطة الطريق السياسية الجديدة التي يخططها لتهويد مدينة القدس .
فالتقدير المؤكد أنه بعد أن يقنع شارون المجتمع الدولي بأن خارطة
الطريق هي انعدام بداية تقليدية، عندها سيحدث ما سيعرف بالانفجار
الكبير في السياسة الإسرائيلية، حيث سيجتمع شارون مع الرئيس الأميركي
جورج بوش، في مباحثات سرية محمومة للاتفاق على الحدود الشرقية لإسرائيل
.
والمتوقع أن حدود الاختلاف في الرأي بين القدس وواشنطن في هذا الجانب،
لن تكون كبيرة جدا، حيث سيدور الحديث عن فرق يراوح بين 8 إلى 12
في المائة من مساحة الضفة الغربية، والتي ستضمها إسرائيل إليها.
من المؤكد أن إسرائيل ستعمد إلى استغلال فرصة السنتين القادمتين،
وهما الأخيرتان لإدارة بوش شديدة التعاطف معها، بهدف الحصول على
اتفاق موقع مع واشنطن يحدد حدود إسرائيل الشرقية، وهو اتفاق ستكون
له أهمية دولية كبيرة، حيث سيتيح للإدارة الأميركية التلويح بإنجاز
تاريخي وحيد، بأنها نجحت في التسبب بإعلان موقع ورسمي عن انسحاب
إسرائيلي كبير من أكثر مناطق الضفة الغربية، وعن إخلاء كبير لعشرات
المستعمرات وعشرات الآلاف من المستعمرين، من أجل تحقيق رؤية الرئيس
بوش، بإقامة دولة فلسطينية ذات امتداد جغرافي في الضفة الغربية.
في المقابل ستحصل إسرائيل على توقيع أميركي على رفض تام لحق العودة،
وهو من المؤكد سيعتبر إنجازا لم نحصل عليه بعد من إدارة بوش، بالرغم
من أنه في جهود الحيل الإعلامية لمقربي شارون عُرضت رسالة الرئيس
بوش من السنة الماضية كضامنة ذلك.
ومن الجائز التقدير، بأن الاتفاق الإسرائيلي - الأميركي، سيشتمل
أيضاً على استكمال سريع لبناء جدار الفصل العنصري، الذي تقيمه إسرائيل
في عمق الأراضي الفلسطينية، وعلى إخلاء تدريجي للمستعمرات، وعلى
مساعدة مالية سخية من واشنطن في النفقات الكبيرة على اقتلاع المستعمرين
وتوطينهم من جديد داخل حدود الجدار، الذي سيصبح جداراً حدودياً حقيقياً
.
صحيح أن شارون أعلن بحزم عن أنه لن تكون هناك انسحابات أحادية الجانب
أخرى، إلا أنه يسعى من وراء خطته هذه لاعتبار ذلك على أنه انسحاب
متفق عليه، على الأقل إذا لم يكن مع السلطة الفلسطينية، فإنه مع
الولايات المتحدة، كوكيل فرض نفسه على الفلسطينيين، لاسيما وأنه
يحاول دوماً إيهام المجتمع الدولي بأنه التزم السلوك بحسب خارطة
الطريق، وأنه مضى فيها إلى اللحظة التي وصلت إلى طريق مسدود .
من المهم بمكان التذكير بأن كثيرين اعتقدوا في وقت سابق بأن خارطة
الطريق تمثل طوق النجاة والأمل الأخير لإنهاء الصراع الفلسطيني ـ
الإسرائيلي، إذ من المقرر أن يؤدي تنفيذ بنودها إلى إقامة دولة فلسطينية
قابلة للحياة في عام 2005.
ورغم كل المؤشرات السلبية على الأرض، والتي لا تبشر بخير بأن إسرائيل
لم تكن جادة في تنفيذ بنود الخارطة،إلا أنه يمكن أن تكون هناك فرصة
وإن كانت ضئيلة للخروج من دوامة العنف والعنف المضاد، شريطة أن يكون
هناك موقف دولي واضح وصريح، يلزم حكومة إسرائيل بالكف عن فرض سياسات
أمر واقع على الأرض، من خلال مواصلة الاستعمار وإقامة الجدار .
فمن المعروف أن إسرائيل تهدف من وراء إقامة الجدار رسم حدود سياسية
لإعاقة إقامة الدولة الفلسطينية، وهي تستبق بذلك مفاوضات الوضع النهائي،
الأمر الذي يستوجب على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي أن يدركوا
أن مواصلة سياسة إسرائيل يهدد بنسف عملية السلام في المنطقة برمتها،
ويضع الإدارة الأميركية في موقف حرج ، خاصةً وأن مصداقية الولايات
المتحدة أصبحت على المحك ، واستعادتها تعتمد على مدى قدرتها على
التأثير على حكومة شارون وإرغامها على الانسحاب إلى حدود 4 يونيو
67.
فالإدارة الأميركية إن أرادت فعلاً أن تكون راعيا نزيها لعملية السلام
وأن تثبت للعالم أجمع أنها تعني ما تقول، يجب أن تتخطى حاجز الخوف
والرهبة في التعامل مع إسرائيل وأن توقف ضخ التبرعات والأموال في
شريان إسرائيل التي تستغلها في تسمين المستعمرات وتمويل إقامة الجدار
وأن تسارع في إرسال قوات فصل دولية لتحل محل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
إبراهيم عبد العزيز
كاتب وصحافي فلسطيني
أعلى

القتل يدفع إلى مسار التهدئة في العراق
في أول إحصائية رسمية تصدر عن وزارة الدفاع
العراقية عن محصلة القتل في العراق قيل: إن مايزيد عن أربعة آلاف
من المدنيين العراقيين سقطوا قتلى في خلال العام 2005، أضافت الإحصائية
، أن قرابة ألف وسبعمائة من العناصر الأمنية قتلوا أيضاً ، بالإضافة
إلى ألف وسبعمائة من المتمردين سقطوا في أحداث العام الماضي، وبهذا
تصبح المحصلة الإجمالية لما أصاب العراقيين من قتل أكثر من سبعة
آلاف قتيل.
ورغم أن الرقم مقارنة بما يشاهده متابعو الوضع في العراق عبر وسائل
الإعلام، يبدو صغيراً فلاشك أنه كبير، ويعكس مدى المأساة التي يعيش
العراقيون في ظلها من خلال افتقادهم للأمن والسلام الذين ينبغي أن
يظللا حياتهم بعد كل الذي عانوه في ظل النظام الدكتاتوري البائد
وما تبعه من معاناة أصابتهم في ظل الاحتلال الأميركي - البريطاني
لبلدهم والجاثم منذ أبريل عام 2003.
غير أن العراق في العام 2005 لم يكن ميداناً لقتل العراقيين فقط،
بل تجاوز ذلك ليكون مسرحاً لقتل غير العراقيين إذ قتل في العراق
خلال العام الماضي جنود من القوات الأجنبية الموجودة في العراق وخاصة
من قوات الاحتلال الأميركي - البريطاني كما قتل مدنيون من الأجانب
الذين وجدوا في العراق لسبب أو لآخر، كما قتل عدد من العرب المقيمين
أو ممن هم في عداد زوار العراق ورغم أنه لم تتوفر إحصائيات عن عدد
الأجانب والعرب الذين قتلوا في العراق العام الماضي، فإن عددهم وفق
التقديرات ليس كبيراً مقارنة بما هو عليه عدد العراقيين الذين قتلوا
في الفترة ذاتها.
وإضافة إلى أعداد الذين سقطوا قتلى، فإن أعداداً أكبر تعرضوا للإصابة
بجروح - وبعضها أدى إلى إعاقات وعاهات دائمة ، وفي عداد من أصيب
عراقيون وأجانب وعرب، وحسب التقديرات، فإن عشرات الآلاف من القتلى
والجرحى، كانوا ضحايا التفجيرات والاشتباكات والمداهمات وعمليات
الخطف والقتل في عراق العام 2005
وإضافة لتلك المحصلة إلى ما يماثلها من حصيلة ضحايا العنف والعنف
المضاد في عراق السنوات الماضية، يجعل الأرقام الإجمالية كبيرة ومخيفة،
بما تمثله من خسائر بشرية، لايمكن أن يبررها أي هدف يعلنه الضالعون
في الصراع على العراق وفيه باستثناء العراقيين الراغبين بالفعل أن
يكون بلدهم حراً، وأن يكونوا سادة أنفسهم فحسب.
ويبدو، أن تلك المحصلة من الخسائر البشرية بما رافقها من دمار مادي
وخسائر اقتصادية واجتماعية أحاطت بالحياة العراقية ومايتصل بها من
حيوات، أفرزت تأثيراتها على الأطراف المتصارعة في العراق، فقادت
إلى ظهور تحولات ـ مازالت جنينية ـ تؤشر باتجاه حدوث تغييرات في
مواقف مختلف القوى المتصارعة على العراق وفيه، وتبين اللوحة العامة
اليوم، أن الدول الأجنبية التي لها قوات عسكرية في العراق تتجه نحو
سحب قواتها من هناك، وهذا التوجه لاينطبق على الدول ذات الوجود الهامشي،
بل أيضاً على دول لها وجود قوي بما فيها بريطانيا والولايات المتحدة،
وقد تصاعدت في كل منها الدعوات إلى سحب قواتها العسكرية من العراق
كما تبين لوحة العراق اليوم أن العراقيين سائرون نحو نمط جديد من
العلاقات أساسه إقامة تآلفات جديدة، تتجاوز ما ظهر من علاقات جاءت
أو ولدت مع الاحتلال الأميركي - البريطاني للعراق، حيث ينضم العرب
السنة إلى مساعي العرب الشيعة والأكراد العراقيين باتجاه إقامة حكومة
توافقية، تأخذ بعين الاعتبار مجمل الحقائق التي أفرزتها أكثر من
ثلاث سنوات ونصف مضت، خيضت فيها صراعات سياسية وعسكرية، ورافقتها
ظروف أمنية صعبة، صار لابد من تجاوزها وصولاً إلى أوضاع أفضل للعراق
والعراقيين .
ويترافق مع لوحة العراق العامة، موقف عربي متصاعد باتجاه تدخل إيجابي
في الموضوع العراقي، يعمل باتجاه التقريب بين المكونات العراقية،
وتهدئة حدة الصراعات الجارية فيما بينها وحولها، وهو ما تكرس على
نحو واضح في تدخلات جامعة الدول العربية وفي المؤتمر العراقي الذي
انعقد في القاهرة مؤخراً وفي الدعم الذي وفرته دول عربية وبعض دول
أجنبية للانتخابات البرلمانية العراقية، التي تمت الشهر الماضي .
إن خلفية ما يجري في العراق وحوله من تطورات ، إنما يعود في أحد
جوانبه إلى تعب الأطراف من مسلسل القتل والدمار الذي صار العراق
مسرحاً له ، وأن عكس ذلك رغبة للأطراف المختلفة في الخروج من هذا
المسلسل، فإن المرحلة المقبلة، هي التي سوف تثبت مدى جدية كل واحد
من هذه الأطراف ورغبته في الخروج من حمام الدم، ووضع العراق والعراقيين
أمام مسار جديد في حياتهم وفي علاقاتهم بالآخرين من الدول والشعوب.
فايز سارة
كاتب سوري
sara@scs-net.org
أعلى

الذهنيـة الغنـائمية
لن يخالج المرء الاستغراب إذا ما سمع بعد أيام
قلائل أن المعارك من أجل الكراسي والمناصب في الحكومة العراقية القادمة
ستتصاعد حد تبادل اللكمات والركلات والضرب بما لا يليق من الأشياء
ليست هذه بظاهرة غريبة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، حيث سادت
ذهنية الغنائمية عبر تاريخها، فصارت الوظيفة تشريف ينطوي على فرصة
الهيمنة والنهب والسيطرة على ما للآخرين من حقوق وثروات وقد كان
هذا هو أهم أسباب انهيار هذه الدولة بالسهولة والسرعة التي شهدناها
بوضوح عام 2003 إذ كان الجمهور يعي هذه الحقيقة المريرة درجة أن
الفقراء منه عدّوا هذه المناسبة فرصة للقيام بأعمال النهب الانتقامية،
مقابل ما كان يقوم به المهيمنون على السلطة من استحواذ واحتكار على
نحو منظم وللمرء أن يتوقع تواصل الذهنية التي تخلص إلى أن الوظيفة
العامة إنما هي غنيمة للاستفادة الفردية ولإفادة الأقارب والأصدقاء
وأبناء المنطقة على نحو ما كان يحدث عبر سنوات الأنظمة السابقة،
خاصة بعد عام 1963 هذه هي تراجيديا العراق التي تحدثنا عنها في وقت
سابق على صفحات (الوطن) الغراء، وهي نوع من اللعنة التي، كما يبدو،
لن يبرأ منها هذا المجتمع الآن وإلى الأبد!
قبل حوالي شهرين فاجأني رجل على معرفة سطحية بي ، قائلاً بأني مطلوب
في مجلس الوزراء : فخالجني القلق وشيء من التوقعات والتكهنات ولكن
بعد إلحاحي عليه كي يعطيني فكرة عن موضوع الاستدعاء، قال: إن الموضوع
(خير) حيث تبين فيما بعد أن أحد الساسة يريد ترشيحي في قائمته للانتخابات
التشريعية التي أجريت قبل أيام اعتذرت مباشرة وبلا تردد عن قبول
هذا (التشريف) منحياً باللائمة على أني قد أتعرض للاغتيال أو للإيذاء
لي ولأسرتي من قبل المضادين للانتخابات، خاصة وأني أسكن في منطقة
ساخنة وزاخرة بمثل هذه الأفعال ألح الرجل على قبولي بالفكرة، مستعرضاً
الـ(ميزات) التي سأحصل عليها حال فوزي بما يكفي من الأصوات: المرتب
الكبير والايفادات المتكررة والسكن الراقي وسواها مما يظفر به الراسخون
بالعلم الغريب في الأمر هنا، هو أن هذا الرجل لم يكلف نفسه عناء
الحديث عن البرنامج الوطني لهذه القائمة أو عن الأهداف الفكرية والمنطلقات
الآيديولوجية الفاعلة بها، أو عن خطط هذه القائمة الانتخابية لخدمة
المجتمع إذا ما فازت كان هذا هو الدليل الساطع على الدافعية المصلحية
أو الأنانية الكامنة وراء الكثير من هذه الأنشطة، الأمر الذي سيبرر
الصراع على الحقائب الوزارية، ثم حقائب وكلاء الوزارات، ثم رئاسات
المؤسسات الكبرى، ثم المديريات العامة، نزولاً إلى أدنى الوظائف
في هذه الدولة ـ الغنيمة، البارحة واليوم لا يجد المرء أحداً يتكلم
عن الطرق والابتكارات التي تساعد في التخفيف من آلام ومعاناة المجتمع
الحديث كله يدور عن أرقام المرتبات والمزايا الأخرى، زيادة على الوسائل
غير المرئية للظفر بالمزيد من الأموال لهذا السبب بقي العراق طوال
السنوات الثلاث الأخيرة بلا أمن ولا ماء ولا كهرباء ولا خدمات بكل
أنواعها، بالرغم من الأرقام الخيالية للأموال المخصصة لـ(إعادة البنى
الأساسية) التي تحولت إلى أموال أساسية نسمع أخبارها بمليارات الدولارات
التي اتهم وزراء ومسؤولون كبار بالاستحواذ عليها أو اختلاسها أو
إخفائها دون أن تطالهم يد العدالة أو أنظار ما تسمى بـ(هيئة النزاهة)
التي بقي رئيسها المسكين يعلن ويشخص مواطن الخلل والفساد المستشريين
بلا جدوى، وكأنه ينشد في جزيرة خالية لم يكتشفها أحد.
لقد تبلورت هذه الحال عبر سنوات النظام السابق ثم تجسدت على نحو
صارخ عبر الحكومتين المؤقتتين السابقتين، نظراً لشعور المسؤولين
المعنيين أنهم غير باقين في هذه الوظائف لمدد طويلة وأن عليهم حصد
أكبر ما يمكن من الأرباح والفوائد خلال أشهر قليلة على طريقة سباقات
ألعاب (تيلي ماتش) Telematch التليفزيونية الألمانية الشهيرة فعلى
سبيل المثال لا الحصر، ولأن الوظائف في سلك الخدمة الدبلوماسية تعني
أعلى الرواتب والعمل خارج البلاد بعيداً عن الضوضاء، بقيت هذه الوظائف
حكراً لنخية المحظيين من الأقارب والجيران عبر حقبة النظام السابق،
أما اليوم فلم يتغير الشيء الكثير مع الإبقاء على نفس المبدأ وتنطبق
ذات الحال على أهم الوظائف في الوزارات والمؤسسات الكبيرة، حيث يعين
المسؤول كي يأتي معه أقاربه من الإخوان والأخوات، وحتى الزوجة والأولاد،
كمدراء مكاتب وسكرتارية ومستشارين وسواق ومساعدين ورجال حماية !
الأمر الذي أحال الوزارات إلى إقطاعيات مسجلة باسم المسؤول الأول
، ثم المسؤولين الأدنى مرتبة. أما النتيجة النهائية فهي تلاشي روح
(الخدمة العامة) وما ينبغي أن تقدمه هذه الدوائر المهمة للمجتمع
: فالمسؤولون الكبار ينزلون من طائرة ويصعدون في الأخرى، على حساب
الأموال الممنوحة للعراق، عبر إيفادات تكلف عشرات الآلاف من الدولارات
التي ينبغي أن تذهب للشعب العراقي.
هذه الذهنية الغنائمية التي يكون المجتمع ضحيتها النهائية هي التي
تفسر احتدام الصراعات والجدل حول حصول أعضاء البرلمان على مساكن
لائقة وعلى مرتبات تقاعدية مدى الحياة تضمن لهم العيش الرغيد، في
الوقت الذي بقي فيه الجمهور لايجد سوى ساعتين أو ثلاث من الكهرباء
والماء يومياً أما الأنباء الأخيرة حول مطالبة إحدى القوائم الانتخابية
التي لم تحقق ما كانت ترنو إليه من أصوات بمنحها عشرة مقاعد برلمانية،
كهبة من قائمة الإئتلاف العراقي الموحد، فهي الدليل الواضح على أن
الأمر لا يتعلق بالخدمة العامة ولا يتصل بالتمثيل العادل لفئات المجتمع
المسكين، بقدر ما يتعلق بالمرتبات العالية والوظائف المدرّة التي
عوملت كغنائم طوال تاريخنا المأساوي الحديث لاحظ أن هذه القائمة
الانتخابية قدمت هذا المطلب في مقابل الكف عن تعبئة (الجماهير) الضحية
نحو حرب أهلية ومعارك شوارع، مشترطة المقاعد العشرة مقابل التخلي
عن فكرة العصيان المدني الذي يمكن أن يجر البلاد والعباد إلى ما
لا تحمد عقباه !
ويبقى السؤال قائماً: متى سيحكم العراق أناس مستعدون للتضحية بأنفسهم
وبمصالحهم وبولاءاتهم الضيقة من أجل الصالح العام ؟ إنه استفهام
صعب، لا ترجى الإجابة عليه الآن ولا في المستقبل المنظور.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
الخليج يَسأل ..ويُسأل
اختيار الصقر .. وعودة الوعي السياسي العربي !
ما هو الدور والنفوذ الذي سيكون لجامعة الدول
العربية وأمينها العام على البرلمان العربي؟ هكذا سأل الصحفي (حمد
الجاسر) رئيس البرلمان العربي الانتقالي محمد الصقر، الذي أجاب :
قرار إنشاء البرلمان العربي جاء من القمة العربية التي عقدت في الجزائر،
والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ينفذ هذا القرار،
وهو مشكور لاستضافته لنا في جامعة الدول العربية، ولكن لا هو يقبل
ولا نحن نقبل أن تكون له هيمنته على البرلمان العربي ، هو سيساعد
إلى أن يقف البرلمان على رجليه وأعتقد بأننا جميعاً متفقون على ذلك
.
إن سلمنا بالقول السابق ندخل ـ دون خضوع أو خوف من وضعنا الراهن
ـ مرحلة جديدة من التاريخ العربي تبدو أحسن من الماضي القريب حين
وقع الخلاف بين الأمين العام للجامعة العربية، ودول عربية أخرى،
دون أن يعترف أي من الطرفين بوجود خلافات ـ صراحة ـ ودون أن يتدخل
طرف ثالث لحل الخلاف أو الخصومات التي لم ـ ولن ـ تكون لصالح العرب.
ومع ذلك فالمسألة الآن لم تعد تتعلق بمن يحكم حتى في المؤسسات العربية
المشتركة، ولكن كيف يحكم ؟ هذا أولا ً، وثانياً: مدى توظيف التراث
السياسي الخليجي في الحكم لتغيير المنطقة ؟ والسؤلان قد تختلف إجابتهما
, وقد لا يعترف العرب الآخرون بالتراث السياسي الخليجي لأنطمة الحكم
، لكن لا أحد في مقدوره إلغاء هذه الوجوه ـ المعترف به دوليا على
ما فيه ، ويبدو أن الأشقاء في الخليج يحتاجون لرجال منهم يعلنون
عن مواقفهم السياسية علانية، مع مراعاة الصالح العربي العام ، والأمن
القومي العربي، دون نسيان الخصوصية، أو التخلي عن الدولة القطرية
التي أصبحت حامية للشعوب عند غياب الحضن العربي الجماعي، وهو وضع
نشترك جميعاً في ظهوره وفي تداعياته في الحاضر، وفي انتهاء دورنا
في المستقبل المتطور .
وبالعودة إلى تصريحات محمد الصقرـ رئيس البرلمان العربي الانتقالي
ـ تتأكد لنا الصورة المستقبلية ، حين رفض الادعاءات القائلة: لقد
اختير الرجل ، لأن البرلمان الانتقالي يسعى لدعم مادي كويتي وخليجي
لكون الأعباء المالية على الدول العربية ستكون متساوية ، ما يعني
انتهاء مرحلة شراء إثبات الوجود الخليجي في العمل العربي بالمال،
وأتصور أن هذا هو الاسلوب الأنجع لتحقيق الديموقراطية بين الدول
العربية ، خصوصا إذا نظرنا إلى ذلك من زاوية الميراث الديمقراطي
في الخليج، وبالذات الكويت ، التي بدأت الممارسة الديموقراطية مبكرا
مقارنة بباقي الدول العربية الأخرى ، بل إنها وحسب الوثائق التاريخية
كانت الجمهورية العربية الأولى في تاريخنا.
اختيار الصقر، بداية لإعادة النظر في الهيمنة العربية حيث المركز
أو الأطراف، دون الاعتراف بالدول الخليجية، مع أن الظاهر أمامنا
هو مشاركة تلك الدول في صناعة القرار السياسي العربي العام، إذ في
كل المراحل ـ منذ ظهور النفط ـ تعاملت كمجتمعات غربية عن العرب،
نجد ذلك حتى في شعور الوافدين عند حديثهم عن الغربة والمعاناة داخل
تلك الدول ، أحيانا تكون شهادات حق ، ولا أحد ينفي وجودها غير أن
خطورتها تكمن في النظر إليها بعيدا ًعن السياق العام ، وكأن أهل
الخليج ليسوا عرباً ، بل ليسوا بشراً وبالتالي ليست لهم معاناتهم
الخاصة ، والتي هي جزء من المعاناة العربية ، أما إذا كان البعض
ينطلق من مسألة الفقر والغنى فهذه يمكن أن تحدث داخل الأسرة الواحدة
، بل بين الشقيقين من عائلة واحدة.
وبغض النظر عن لغة التحدي عند الصقر لجهة التعويل على إنجاز في المستقبل،
فإن اختياره مكسب للعرب جميعا، لأنه يأتي ضمن التغييرات الحاصلة
في المنطقة، وقد يكون هذا محاولة جادة وواعدة لاستباق الطعن في شرعية
المؤسسات العربية ذات الطابع الوحدوي، غير أن ذلك لن يكون بعيدا
ً عن التوقعات القائلة بتأييد الغرب في كل ما يذهب إليه ما دام الذي
يقود البرلمان الانتقالي كويتيا، وهي توقعات ظالمة لأسباب عديدة،
منها: أن البرلمان وجه ديموقراطي وبداية موفقة علينا ألا نفسدها
بالتكهنات السيئة، أو التي تضمر شراً لهذه الأمة ومنها ايضا ً: أن
رئيس البرلمان قد يكون له تأثير في صناعة القرارات لكن ليس هو البرلمان
، فإذا اتخذ قرارا ً لصالح الغرب مثلاً فإن ذلك يعني موافقة أعضاء
البرلمان، وبالتالي دورهم.
من ناحية أخرى أثبتت التجارب أن كثيراً من الدول العربية، ذهبت في
المزايدة عن العلاقات الخليجية مع الآخرين لدرجة تجريد تلك الدول
من أسلحتها، والعبث بمواقفها وقراراتها السابقة، ما يعني أن هناك
شراكة عربية مع الآخر، سببها في الغالب غياب الثقة بين العرب أنفسهم
أولاً، والخوف من الاشقاء ثانيا وزيادة التكالب الخارجي ثالثا ,ً
والحاجة الماسة إلى الحماية رابعا لذلك قد يساعد هذا الاختيار المسؤول
الخليجي على إزالة الأسباب المذكورة سابقاً.
الملاحظ أن كلامنا لم تؤكده بعد أساليب التعامل أو الدفاع عن الشعوب
رغم تصريح محمد الصقر، بأنه لن يتردد في انتقاد الحكومات العربية
بخصوص مجالات حقوق الإنسان، ناهيك عن اختيار أربعة أعضاء من كل دولة
يمثل وصاية جديدة من الحكومات على الشعوب، وسيظل حكمنا ناقصا ً إلى
أن نعرف المقاييس التي يتم على أساسها اختيار ممثلي كل دولة، ولاشك
أن المنبع هو االقضية ، فالدولة الأقرب إلى الديمقراطية ستختار ممثليها
على هذا الأساس، فالأخرى الغارقة في الديكتاتورية ستأتي على نفس
الشكل.
مهما يكن فإن العرب يحاولون ـ إن صدقوا وعزموا ـ إعادة ترتيب العلاقة
بينهم، وتلك خطوة تستحق الاهتمام، لأن المشكلة ـ كما أرى ـ ليست
في علاقتنا فرادى مع الآخر، ولكن في علاقتنا مع بعضنا أولاً ثم مع
الآخرين فيما يخدم الصالح العربي العام..يتعدى هذا القول الأماني
إلى الوقائع، فالمنطقة شهدت خلال السنة الماضية تغيرات واسعة لا
تتعلق فقط بصناعة القرارات السياسية،ولكن بثقافة السياسة وروحها،حيث
سرت ـ إن فعلاً أو قولاً ـ روح التغيير لدى قطاع واسع من الشعوب
العربية، التي كبلتها فيما سبق الحاجة والانشغال وتردي الأوضاع الاقتصادية،
والخوف المتراكم من أشباح صُنعت عبر عقود فتحولت إلى نوع من الصنمية.
هكذا يدخل الخليج من منطلق ثقافته السياسية إلى المنطقة العربية
عبر مؤسسة الجامعة،وضمن اعتراف بها يحرك علاقات الود أو بالأحرى
يعيدها بعدما انقطعت اواصر القرابة أو جمدتها الحدود الجغرافية،
والحال تلك إن ثبتت رؤية ً وعملاً تقودنا إلى محطات كبرى في الحضارة
الإنسانية تسترجع الموروث وتثوره بهدف الانبعاث والتعلق بأفق رحب
رغم ما يظهر على السطخ من زبد سيذهب مع الأيام جفاء ً.
لذلك كله يتساءل أهل الخليج : لماذا تأخر إخواننا العرب في الاستعانة
بموروثنا السياسي؟ ، وهل مد الجسورالراهنة عبر مؤسسة جامعة الدول
العربية عودة للوعي أم عودة لبعض الضالين أو المضللين من مسؤولين
عرب اتهموا أهل الخليج بما ليس فيهم، ثم تحولت تلك التهم إلى فعل
منهم يحاول استرضاء الآخر؟ كيف تتم عملية المساواة في الحقوق والواجبات
لجهة الدعم أو الشراكة بين العرب ؟ وإلى متى الاستعلاء عن التجارب
السياسية لدول الخليج مع أنها أثبتت جدواها وفاعليتها ؟ ثم أليست
السياسة مرتبطة بالوعي وهذا الأخير مرتبط بالعلم والتعليم.. فمن
الأكثر تعلماً في المنطقة ؟ ومن الأكثر استيعابا لوسائل التقنية،
ولوسائل المدنية الحديثة بشكل عام؟
بالمقابل، يسأل العرب : لماذا يرتبط التقييم السياسي بالمال قبل
اتخاذ القرار؟ ومن المسؤول ـ بصدق ـ عن تراجع العلاقات العربية في
شقها الإيجابي؟، ثم رغم المساعدات أليست الدول الخليجية تقيم تكتلا
ً بعيدا ً عن العالم العربي، إما خوفاً من ثقل همومه، أو اعتقادا
بإمكانية التطور بعيداً عنه؟ ولماذا يرتبط العرب ـ في كل دولنا ـ
بالجغرافيا أكثر من الهوية والتاريخ ؟، ومن الذي أبعد الخليجيين
عن المساهمة في المؤسسات العربية ؟ وهل فرضت عنهم فيما سبق النظرة
المادية بعلاقاتهم بإخوانهم أم هم الذين فرضوها ؟
الأسئلة السابقة من الطرفين تمثل لغة الصراحة المطلوبة بين العرب،
فقد انتهى التمييز القائم على أساس الكثافة السكانية أو حتى التاريخ،
ذلك لأن العرب ـ إن وعوا ـ بأهمية وجودهم ورسالتهم سيدركون أن لكل
دولة منهم أو شعبا قوة ً يتميز بها ويمكن أن تكون سنداً للآخرين..
لذلك فاختيار محمد الصقر رئيسا ً للبرلمان العربي الانتقالي ليس
خيارا ً خليجيا ً، بل هو عربياً، فيالها من أمة كلما أبعدوها عادت
وتجمعت ولم يؤثر فيها نباح الكلاب ولا عواء الذئاب!
خالد عمر بن ققه
كاتب وصحفي جزائري
Benguega@hotmail.com
أعلى