
أقول لكم
كافيار
ضمن فوائده الصحية وقيمته الغذائية العالية،
يقال إن الكافيار له تأثير ايجابي يدعم جدران الأوعية الدموية، ويضبط
نسبة البروثرومبين الذي يتحكم في سرعة ترسيب ونزف وتجلط الدم، ويحمي
الخلايا من التآكل والتأكسد، وربما لو كانت مائدة ايرييل شارون عامرة
دائما بالكافيار، لحماه ذلك ووفر له وقاية من ضربة الدم التي لحقت
بدماغه .. ولأن المنظمة الدولية المعنية بضبط تصدير الكافيار قد
أصدرت حظرا على صيد أسماك ستورغون ـ او الحفش ـ حتى لا ينقرض، فان
النقص الحاد لبيض هذه الأسماك (الكافيار) قد يكون من الأسباب الهامة
لنزيف المخ الذي أصاب إيريك!
واذا عرفنا أن ايران وروسيا هما أكبر منتجين للكافيار في العالم،
فقد يتطور الأمر إلى الظن بأن طهران وموسكو وراء صدور القرار الدولي
بحظر صيد سمك الحفش، ردا على تهديدات اسرائيل المتكررة بضرب المفاعل
النووي الايراني، واحباط برنامجها النووي الذي يتم بدعم تقني من
روسيا، وهكذا قد يتطور الأمر إلى فتح ملف جديد اسمه (ملف الكافيار
الايراني) .. قد تتدخل فيه قوى كبرى لاحتلال السواحل الايرانية المطلة
على بحر قزوين، ضمانا لتدفق كميات مناسبة من الكافيار، تكون عاملا
مساعدا لضبط سرعة تجلط ونزف الدم في دماغ ايرييل.
ومن المقطوع به أيضا أن الكافيار بروتين فسفوري عالي القيمة له تأثير
قوي كمحفز ومنشط جنسي مأمون أحسن من الفياغرا، وهذا بدوره قد يمثل
سببا اضافيا يحث بعض ساسة عالمنا من الكبار على احتلال ساحل الكافيار
الايراني وتخليصه من الاستخدام السياسي بواسطة آيات الله .. واذا
حدث هذا ستكون حرب الكافيار حلقة من سلسلة حروب العم سام ضد الارهاب
العالمي ومحاور الشر والنفط والكافيار، توطئة لفرض أجندة أميركية
لتأكيد وعولمة محور الكولا والبورغر!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

3 أبعاد
احترس من السادسة
في الزواج يقولون احترس من السنة السابعة وفي
الرئاسة الأميركية من السنة السادسة في الزواج لست أعلم ما إذا كانت
هناك إحصاءات وملابسات يستندون إليها في هذا التحذير ولكن لابد أنهم
لاحظوا بدء المشاكل الخطيرة أو كثرة الطلاق في السنة السابعة في
الرئاسة الأميركية هناك سجل وسوابق وأدلة تاريخية وفي الرئاسة الأميركية
لا يمكن أن تكون هناك مشاكل في السنة السادسة إلا إذا كان الرئيس
الأميركي في فترة رئاسته الثانية، لأن فترة الرئاسة هي أربع سنوات
فقط بالنسبة للرئيس بوش كان العام 2005 عام التذمر الشعبي من الحرب
على العراق، ومن أسعار البنزين والوقود المرتفع ومن الدمار الهائل
جراء الإعصار كاترينا، ومن انهيار خطة إصلاح نظام الضمان الاجتماعي،
ثم أخيرا قرار الرئيس التجسس على الناس داخل أميركا بدون إذن من
المحكمة.
ولكن الرئيس يواجه الآن في السنة الجديدة وهي السنة السادسة له في
البيت الأبيض، التحدي نفسه الذي واجهه من سبقوه في الرئاسة.
في السنة السادسة حوكم الرئيس السابق بيل كلينتون أمام الكونغرس
بسبب اتهامه بالكذب على أميركا فيما يتعلق بعلاقته بمونيكا لوينسكي
وفي السنة السادسة من وجوده في البيت الأبيض أرغم الرئيس الأسبق
ريتشارد نيكسون على الاستقالة بسبب فضيحة ووترغيت وتجسسه على الحزب
الديموقراطي المعارض ليس هناك رئيس في التاريخ الأميركي الحديث نجا
من لعنة السنة السادسة ولكن البعض تمكن من التغلب على اللعنة، والبعض
الآخر جرفته لعنة السنة السادسة إلى قمامة التاريخ والبعض كان أقل
نجاحا في التغلب على هذه اللعنة أكثر الرؤساء نجاحا في التعامل مع
لعنة السنة السادسة هو فرانكلين روزفلت الذي اتخذ قرار الدخول في
الحرب العالمية الثانية ونجح في الحرب بإنقاذه أوروبا من النازية
، ولكن بثمن باهظ في أرواح الأميركيين رونالد ريغان في السنة السادسة
واجه فضيحة إيران- كونترا (بيع أسلحة لإيران واستخدام الأموال الإيرانية
في تمويل حركة كونترا المناهضة للشيوعية في أميركا الوسطى والجنوبية)
بسرعة قام ريغان بإقالة جميع مساعديه الذين انخرطوا في الفضيحة ،
وبعضهم حوكم وأدين، ثم تحرك بسرعة نحو التفاوض مع الرئيس السوفيتي
غورباتشوف على معاهدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية والرئيس أيزنهاور،
في الخمسينات، واجه فضيحة في السنة السادسة بسبب اتهام مدير مكتبه
بالفساد.
لكن الرئيس بوش يواجه مشكلتين إضافيتين، الأولى هي أن شعبيته مع
بداية السنة السادسة تبلغ واحدا وأربعين في المائة فقط، وهي الأدنى
من كل هؤلاء الرؤساء باستثناء نيكسون .
خلاص الرئيس بوش من هذه اللعنة سوف يعتمد على ثلاثة أمور: الحد من
الخسائر في أرواح الأميركيين في العراق، والبدء في سحب تدريجي لهذه
القوات من هناك، ثم الاقتصاد، الاقتصاد.
والمشكلة الثانية التي يواجهها بوش في السنة السادسة هي أن انتخابات
الكونغرس النصفية هذا العام قد تؤدي إلى خسارة في الأغلبية التي
يتمتع بها حزبه الجمهوري التاريح يقول:إن حزب الرئيس يعاني عادة
من خسائر في سنته السادسة ولأن هذه الانتخابات ستجري في نوفمبر ونتائجها
ستسري في يناير المقبل فإن اللعنة سوف تمتد إلى السنة السابعة ،
وفي هذا سوف تتساوى رئاسة بوش مع الزواج .
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

أصداف
معالم الانتصار الأميركي
سنأتي على آخر انتصار كبير تتحدث عنه الإدارة
الأميركية في العراق، بعد سرد لانتصارات أخرى، تقول إنها حققتها،
وكانت قد تفاخرت بها، على لسان كبار قادتها ومسؤوليها، الذين، يرون
أن الانتصار الأميركي له خاصيته وطعمه، الذي يختلف بجميع تفاصيله
عن الانتصارات الأخرى .
عندما احتلوا بغداد في الثامن والتاسع من أبريل عام 2003، بعد ثلاثة
أسابيع من الحرب والقتال الشرس، ابتهجت نفوس الأميركيين ومن يفرح
لأفراحهم ويحزن لأتراحهم، وقالوا كلاماً كثيراً، وكتبوا المقالات
وأطلقوا التصريحات، التي تتحدث وبما لا يقبل الشك، عن انتصار خارق
تحقق في الأزمنة الحديثة .
اعتقدوا أن صفحة العراق قد انطوت بكل ما تنطوي عليه من مخابئ ومفاجآت
واحتمالات، وسارعوا إلى طي هذه الصفحة من محاضر اجتماعاتهم ومن مناقشاتهم،
وظنوا أن صفحة العراق الأميركي قد ابتدأت بقوة وعنفوان، وأنها ستطول
إلى آخر الدهر والزمان، ومن هذا الإحساس أو الشعور بالطمأنينة المطلقة،
وصل الجنرال المتقاعد جي جارنر ومن معه من المسؤولين الأميركيين
وأكثر من مائة وخمسين عراقياً تم تدريبهم وتأهيلهم في براغ بدورات
خاصة، ليدير هؤلاء الحكم في عراق ما بعد الانتصار الأميركي.
استمتع جي جارنر في تلك الأيام بالجو الربيعي الذي يحل في ذلك الوقت
في العراق، واستنشق معه الآخرون هواء العراق العليل، رغم أن دماء
القتلى من العراقيين، لم تجف بعد، والدمار يتناثر في كل مكان .
تجول وتحدث جي جارنر، وأطلق نكاته الساخرة من العراقيين، وفي كل
ذلك كان يشير بقوة إلى انتصار أميركا في حربها الجديدة ضد الجميع
.
ذهب جارنر قبل أن يمضي شهراً واحداً في العراق، ليأتي بول بريمر،
الذي بدأ أيامه الأولى مطمئناً إلى كل شيء، فذهب لزيارة بعض أحياء
العاصمة العراقية، خاصةً منطقة الكرادة القريبة من القصر الجمهوري
أو المنطقة الخضراء، ووعد الناس بالأمن والرفاهية والكهرباء، ونظر
إليهم بعين المنتصر الذي يتحدث بكبرياء شديد اللهجة.
لكنه اضطر بعد ذلك لأن يلزم فراشه في المكان المحصن، ولا يخرج إلا
نادراً، وعندما غادر في الثامن والعشرين من يوليو 2004، كان مذعوراً
وهرب خلسة واقتصر توديعه على عدة أشخاص، فأعطى بذلك الصورة الحقيقية،
لما بدأ به وكيف انتهى إلى ذلك .
أما الرئيس جورج دبليو بوش، فقد اضطر مرغماً إلى الحديث عن الانتصار
في العراق وهو يرزح تحت أثقال الجراح التي يعيشها، والذي يقارن بين
ما يتحدث به اليوم وهو المكلوم، وما تحدث به في الأول من مايو عام
2003، عندما أعلن انتهاء العمليات العسكرية في العراق، يكتشف نوع
الانتصار الذي حققه أعداء بوش وأميركا.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

أطيـاف
جدل وشجاعة بالنرويج
في الأخبار جاء يوم أمس أن وزيرة الاقتصاد
والمال النرويجية كريستين هالفرشن ، دعت بشكل مفاجئ وبقوة وشجاعة
نادرة في مثل هذه الأيام ، دعت النرويجيين إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية
، الأمر الذي أثار جدلاً إعلامياً وسياسياً كبيراً في النرويج فقد
جاءت دعوة الوزيرة ،التي تترأس حزب اليسار الاشتراكي إلى المقاطعة
احتجاجاً على سياسة إسرائيل غير العادلة ضد الشعب الفلسطيني.
وأعلنت الوزيرة ، التي تعتبر أحد أعمدة الحكومة الائتلافية الحالية
أن هدفنا الذي نسعى إليه في الحزب هو حض المستهلكين النرويجيين على
عدم شراء البضائع والخدمات الإسرائيلية، واختيار البضائع والخدمات
من دول أخرى وأضافت أن حزبها سينظم بالتعاون مع بعض المؤسسات والمنظمات
الداعمة للفلسطينيين حملة للتضامن مع الشعب الفلسطيني في نهاية الشهر
الجاري تهدف إلى إظهار إسرائيل على حقيقتها ، مؤكدة أنها ستقوم بدعم
تلك الحملة شخصياً وبكل ثقل وقوة.
أحسب أن ما دعت إليه الوزيرة النرويجية شجاعة نادر حدوثها في مثل
هذه الأيام كما أسلفت ، في ظل هيمنة أميركية وإسرائيلية على كثير
من المنابر السياسية والإعلامية في العالم ، والمحاولات الجادة لإظهار
الدولة الاسرائيلية أنها دولة البراءة والرحمة ، الراغبة في السلام
والأمن ، فيما الواقع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عكس ذلك .
أضف إلى أن شجاعة الوزيرة النرويجية واضحة وتبرز بشكل لافت للنظر
، في ظل صمت عربي ، على وجه التحديد ، على الممارسات التي تقوم بها
الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينين بشكل يومي مما نعرفها عبر وسائل
الإعلام ، والكثير المخفي الذي لا ندري عنه شيئاً .. ولعل مبادرة
الوزيرة تلك تدعونا خصوصاً إلى الاقتداء بها بصورة وأخرى ، فالأمر
بلغ درجة من الحرج لا يمكن وصفها .. يدافع عن قضيتك آخرون من غير
بني جنسك وملتك ، فيما نحن ندعو بلا كلل أو ملل إلى التعايش مع دولة
، لا تجدك أهلاً لذلك التعايش معها ، بل وتحتقرك يوماً بعد يوم ..
أليس هذا هو العجب ذاته ؟!
عبدالله العمادي
emadi@atyaf.org
www.atyaf.org
أعلى

باختصار
موت شارون
إذا لم تعلن وفاة ارييل شارون مساء أمس أو
اليوم أو حتى غدا فإن الوفاة حاصلة كما نعلم جميعا بوفاة هذا ( الأسطورة)
كما يرضى الإسرائيليون أو (البلدوزر) كما يحبون تسميته ، فإن الجيل
الذي أشرف على قيام إسرائيل يفترض أنه في الطريق إلى الانقراض وأن
حرسا جديدا من الإسرائيليين ستكون إسرائيل في عهدته ولسنا هنا للكلام
عن حياة شارون الزاخرة بأفعال الشر وبتلك الطاقة على القتل والسحل
ولعل بعض ذكرياته في لبنان تعطي الدليل وهو الذي وصل مع جيشه في
العام 1982 إلى مشارف القصر الجمهوري اللبناني وقصد المطاعم الفخمة
التي تقدم الطعام الشهي والتقى بـ(قادة) لبنانيين لينفذ بعدها المجزرة
المشهورة بمذبحة صبرا وشاتيلا دون أن ينسى المصريون أيضا كيف تمكن
الجيش الذي قاده أثناء حرب أكتوبر عام 1973 في إحداث الثغرة التي
باتت تعرف بالدفرسوار والتي على أساسها تم التوصل إلى انفكاك الحرب
بين إسرائيل ومصر عبر فك الاشتباك بين الطرفين إن حروب إسرائيل جميعها
تكاد تكون محطة حراك لشارن باعتباره صاحب المهمات الصعبة فيها .
اليوم تنطوي صفحة من التاريخ الإسرائيلي ولعلها على المستوى الشعبي
من أقسى الصفحات وأكثرها تأثيرا بل أشدها خطورة وإفرازات أن شيئا
من العتم يتسلل إلى قلب كل إسرائيلي آمن بما حققه شارون له ، وان
كثيرا من الإحباط سوف يصيب المجتمع الإسرائيلي وربما في العنفوان
الذي زرعه ذلك الرجل وخاصة خلال رئاسته للوزارة.
بعد شارون مسلسل من الفراغ الشعوري يحكم الإسرائيليين الذين اعتقدوا
ان تاريخا من التطوير البنيوي لأحزابهم سوف يظهر مع بروز حزبه الذي
أسسه (كديما) ، وأن هذا الحزب الثالث مرشح لأن يكون البديل لزمن
طويل .. إلا أنه مثل كل الأحزاب الفاشية التي بلا مضمون فإن الجمهور
يكون عادة مولعا بالرأس المدبر وعندما يموت يصاب الحزب بالانهيار
وتتفكك اواصره وفي النهاية يصاب بالاضمحلال حزب شارون من هذا النوع
الذي لن يجد بديلا لمؤسسه ، وعليه بالتالي أن يتحمل تبعات غيابه
المفاجيء .
ثمة فرضية تحاول التأكيد على أن حدوث أي تململ شعبي او اضطراب داخلي
بعد غياب شارون سيؤدي إلى تسلم العسكر للسلطة على الفور ، وربما
لأسباب إعادة اللحمة في الداخل أن يقوم العسكريون بعمل خارجي مثل
الهجوم المفترض على لبنان وسوريا باعتبارهما من الجبهات التي مازالت
على حدود التعارض مع الدولة العبرية .
هذا الصمت الذي يسكن إسرائيل المنتظرة لحالة شارون عليها أن تتعايش
مع بيانات الأطباء الذين يذكرونا الآن بما آلت إليه حالة ياسر عرفات
أثناء غيابه في المستشفى الفرنسي لاشك أن الرجل مات في كل الأحوال
، هنالك فرق بين حالته الراكدة الشبيهة بالموت وبين التمهيد للإعلان
عن موته حفاظا على ردود الفعل الشعبية التي شلها الخبر وأذاها في
الصميم .
لاشك أنه بعد شارون لن يكون ماهو قبله .. ثمة متغيرات في الأداء
السياسي لكن مواهب قادة إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب باقية بقاء
ذلك الكيان الإسرائيلي
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

في الموضوع
ماذا بعد شارون؟
يشير مرض رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون
الى انتهاء حياته السياسية عمليا، وان كانت حياته الطبيعية التي
تمر بمرحلة حرجة ـ ما زالت في الميزان بين يدي الله. وفي الوقت الذي
تعتبر فيه حياة كل شخص فترة مؤقتة تنتهي في وقت ما، فإن ما فعله
شارون على مدى سنوات طويلة، من المقرر ان يترك اثرا كبيرا على طبيعة
الكيان الصهيوني من ناحية، وعلى عملية السلام في منطقة الشرق الاوسط
من ناحية اخرى.
وقد كانت حياة شارون مثيرة للجدل الى حد كبير، ابتداء من دوره العسكري
في الحروب ضد الدول العربية، خاصة في واقعة (الثغرة) ـ غرب قناة
السويس ـ في أواخر حرب اكتوبر عام 1973، وانتهاء بغزو لبنان عام
1982، وجريمة مجزرة صبرا وشاتيلا، وتشجيع الاستيطان الصهيوني في
الاراضي الفلسطينية المحتلة، ثم جرائم الاغتيال الانتقائي لقادة
فصائل المقاومة الفلسطينية، وبناء الجدار الفاصل بين الاراضي المحتلة
عام 1948 والكتل الاستيطانية الاساسية وبقية اراضي الضفة الغربية،
ومحاولة رسم حدود بين ما يريد ان يكون اسرائيل، وبين الاراضي التي
كان يرغب التخلي عنها لتكون وطنا للدولة الفلسطينية المرتقبة.
غير أن اكثر تصرفات شارون اثارة للجدل، جاء في آخر حياته، عندما
انشق عن تحالف الليكود الذي كان يتزعمه، وشكل حزبا جديدا باسم (كاديما)،
كان يعتزم خوض الانتخابات القادمة على رأسه، واشارت الاحتمالات الى
فوزه المرتقب بفرصته تشكيل حكومة اسرائيلية جديدة، لكن مرضه الخطير
المفاجئ، واحتمالات وفاته او اعتزاله السياسة في هذه الظروف، تثير
احتمالات اخرى عديدة بشأن مستقبل الخريطة السياسية في اسرائيل، في
ظروف لم يتمكن فيها حزبه الجديد ـ الذي أدى اعلان تشكيله الى اضعاف
الاحزاب الرئيسية الاخرى ـ من خوض غمار معركة انتخابية، ويترك ذلك
الساحة السياسية الاسرائيلية في حالة من الغموض.
فوجئ المراقبون بتصريحات التعاطف الشديد من جانب الرئيس الاميركي
جورج بوش، الذي اعرب عن تمنياته لشارون بالشفاء، لكنه ذهب الى اكثر
من ذلك ووصفه بأنه (رجل سلام) في حين ان شارون كان اكثر من حارب
السلام، واجتهد لفرض الوجود الاسرائيلي بالقوة على الاراضي الفلسطينية
المحتلة، وعمل على استفزاز المقاومة الفلسطينية للقضاء على أية فرصة
لتهدئة الاوضاع، او التمهيد لمفاوضات سلام حقيقية، يمكن ان تؤدي
الى تسوية مقبولة. وكذلك اعرب قادة اوروبيون آخرون ـ بدرجات متفاوتة
ـ عن مشاعر المواساة، ويشير ذلك كله الى مدى الخلط في تصوير دور
شارون، لكن ما يمكن الاتفاق عليه، هو ان الرجل ـ الذي لا يمكن وصفه
الا بكلمة (الجزار) ـ كان شديد الاخلاص للمخطط الصهيوني الاستيطاني،
على حساب أية مصالح للتعايش السلمي في منطقة الشرق الاوسط، او تفهم
لضرورات الاستقرار، التي تتمثل في التجاوب مع المطالب المشروعة للشعب
الفلسطيني.
المشكلة هنا، هي ان تفهم الغربيين لما يجري في فلسطين والمنطقة العربية،
في ضوء موقفهم من مرض شارون، يعتمد على التصور الذي يقدمه فهم الصهاينة
في اجهزة الاعلام، ولا يقوم على حقيقة الاوضاع على الارض. وكذلك
فان حجم التأييد الذي حصل عليه (الجزار) المريض في الاوساط الاسرائيلية،
وساعده ذلك على طرح اخطر تغيير في الخريطة السياسية هناك، بإضعاف
الاحزاب التقليدية الكبرى، وتأسيس حزب جديد بدا قويا بمجرد اعلان
اسمه. ومن ثم فان غياب دور شارون وان لم يغب هو تماما من الساحة،
يلقي ظلا من الغموض على مستقبل التصور الاسرائيلي لعملية السلام،
وعلى الموقف من القضية الفلسطينية بوجه عام. فرغم العداء الشديد
من جانب شارون للشعب الفلسطيني، الا أنه كان قيادة اسرائيلية قوية،
تستطيع ضبط الامور على الجانب الذي تقوده، ويمكن ان يؤدي غياب قيادة
من هذا النوع، الى اثارة ظروف عدم الاطمئنان في الاوساط الصهيونية،
والقيادات الضعيفة لا تستطيع توفير الاستقرار، او تكون لديها رؤية
واضحة لما يمكن ان يكون عليه المستقبل.
ما كان شارون يحاول ان يفعله خلال الفترة الاخيرة، هو الاستفادة
من الجدار الفاصل، في رسم حدود يراها مقبولة للدولة الصهيونية، وكأنه
كان يريد قبل ان يغادر الساحة، ان يوفر ما يسميه (حدودا آمنة) لدولة
اسرائيل، لكن معارضيه المتطرفين ـ الذين يرفضون الانسحاب من أي جزء
من الضفة الغربية ـ رفضوا ذلك تماما، في الوقت الذي رفض فيه الفلسطينيون
أيضا، ورأوا فيه جزءا من مخطط فرض السلام الصهيوني التوسعي، وخطوة
على طريق السيطرة على كافة اراضي فلسطين، اللهم الا قطاع غزة الذي
انسحبت منه قوات الاحتلال والمستعمرات الصهيونية، بناء على قرار
من شارون، بعد التأكد من عدم جدوى التواجد هناك، بسبب الكثافة السكانية
وضيق المساحة، والعبء الأمني الكبير واحتمالات الخسائر المتجددة.
تؤكد المصادر الطبية في الوقت الحاضر، ان احتمالات عودة شارون الى
منصبه تبدو مستبعدة، ولذلك فإنه يمكن القول ان مرحلة من تنفيذ المخطط
الصهيوني قد انقضت، ويتعين الآن على الشعب الفلسطيني التكيف مع احتمالات
مرحلة اخرى جديدة، لكن التشفي في مرض شارون ليس من الشيم الانسانية
الراقية، وان كان سيدخل التاريخ من باب المجرمين، لأنه مسؤول عن
جريمتي صبرا وشاتيلا في لبنان وجنين في فلسطين، اضافة الى الاغتيالات
الانتقائية. وما يمكن قوله هو ان الشبهات تحوم حول دوره ايضا، في
وفاة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات العام الماضي، لأن الصهاينة
كانوا يرون في (ابو عمار) عقبة امام السلام، لكنه لم يفعل شيئا لتحقيق
تقدم بعد رحيله، وكأن الخطة الصهيونية هي التخلص مما يمكن التخلص
منهم من الفلسطينيين، وهذا هو التقدم الذي يريدونه ولا يعرف احد
ما الذي يمكن ان يحدث على الساحة الاسرائيلية بعد شارون، ولذلك فان
التكهنات تظل صعبة بشأن المستقبل.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى

عجـائب الدنيا السبع الجديدة
إنه لمن المفرح أن يلاحظ المتابع أن الإنسانية
لم تزل تتشبث بحقيقة أن الإنسان إنما هو مخلوق بانِ ، بمعنى أنه
قادر على البناء والإعمار والعناية بفنون السلام هذا التشبث بالإنسان
الباني يأتي مخالفاً ومعاكساً لما نشهده في عصرنا من تعابير التخريب
والهدم والعناية بفنون الحرب والقتل لا يختلف اثنان اليوم في أن
عالمنا قد تحول إلى كينونة مضطربة، ليس فقط بسبب الإنسان كعنصر تخريب
مباشر (كما هو عليه الحال في حالات الحروب والأمراض والفساد والإساءة
وسواها من انعكاسات حضارة آدمية مشوبة بالكثير من الاختلالات)، بل
كذلك بسبب الإنسان كعنصر مستنير يرنو إلى التقدم وتيسير الحياة ممتطياً
ماكينة الصناعة ذات الآثار الضارة على المدى البعيد وقد كان ثنائي
العلم والتكنولوجيا من أهم أسباب الإساءة إلى الأرض الأم التي غالباً
ما انتفضت ضد التجاوز عليها وإساءة التعامل معها، كما حدث في موجات
تسونامي وفي الكوارث الطبيعية الأخرى، زيادة على ما تضمره لنا ظاهرة
الاحتباس الحراري من مصائب ومصاعب قد يصعب الإلمام بها أو مواجهتها
اليوم وفي المستقبل .
يتبلور التشبث الإنساني بالبناء في فكرة جديدة طرحها أحد المواقع
الإلكترونية لتأخذ بها العديد من وسائل الإعلام، نقاشاً وجدلاً وتسميات
ومزيداً من الأفكار الإثرائية هذه الفكرة تنطلق من أنه قد حان الوقت
للإنسانية أن تختار سبع عجائب جديدة بديلاً، أو زيادة على (عجائب
الدنيا السبع) وبغض النظر عن الفكرة مجردة، وعما ستتمخض عنه النقاشات
التالية، فإن مجرد طرح الفكرة ينطوي على شيء من الأمل بالتمسك بالإنسانية
البناءة، وليس بالإنسانية المضطربة التي تقتل بعضها البعض بطرق مباشرة
وغير مباشرة الفكرة، في جوهرها، هي احتفاء بالمنجز السلمي للإنسان،
وليس بالمنجز أو اللامنجز المترجم إلى أحقاد وضغائن، صواريخ وقنابل
.
ويبقى الاستفهام الأكبر قائماً : ماهي العجائب التي تستحق أن ترتقي
من بين العجائب الأخرى في هذا العالم المشحون بالغرائب والعجائب
كي تحظى بالتتويج لمثل هذا اللقب عجائب هذا العصر والعصور الماضية
كثيرة للغاية، خاصة بعد بداية عصر العلم الذي نقل الإنسانية من ظلمات
العصر الوسيط وماتلاه إلى عصر الأنوار والاستنارة والنهضة، حيث اكتشف
الإنسان باب العقل الذي كان موصداً لدهور، وكأنه ينطق بالكلمة السحرية
: افتح يا سمسم، لتتفتح أمامه العجائب والعوالم والقارات والأسرار
التي (في حقيقتها) لم تكن غائبة عن أعينه بقدر ما إنها كانت كامنة
في عقله في انتظار أساليب التفكير العلمي والمنطقي المتفلسف، القادر
على المقارنات والاستنتاج والتراكم العلمي.
يبدو أن هناك طائفة من البشرية لم تزل متمسكة بتقاليد العصور المظلمة
وبطرائق تفكيرها وقد تجسدت هذه الذهنية في التسميات التي أطلقها
البعض لترشيح عجائب الدنيا السبع الجديدة : فقد ذهب البعض إلى اجترار
تسمية آثار مصر القديمة، بينما ذهب البعض الآخر إلى تسمية مواقع
معمارية أثرية أخرى. هنا يقع العقل الذكي في حيرة : هل هذه هي العجائب
الجديدة ؟ لقد كانت المنجزات المعمارية المهولة، من نوع جنائن بابل
المعلقة والأهرامات وسور الصين العظيم، هي من العجائب القديمة ومرد
ذلك هو أن تلك العصور لم تشهد منجزات إنسانية من أنماط وأنواع أخرى
غير المنجزات المعمارية بل إن حتى هذه المنجزات القديمة لم تكن من
إبداع الإنسان الحر المطلق نحو أجواء وآفاق الفكر العلمي المتقد
بومضات العبقرية لقد بنيت هذه الصروح القديمة على معاناة وآهات وأرواح
مئات الآلاف من الكادحين والمضطهدين وأسرى الحروب هكذا صعدت الأهرامات
إلى عنان السماء على أكتاف الأسرى الذين كانوا يكدحون سنوات لإقامة
مقابر للفراعنة ! ثم أقيمت الجنائن المعلقة (التي لم يتبق منها سوى
آثار مندرسة بالقرب من مدينة الحلة جنوب بغداد) على معاناة آلاف
البنائين المجهولين كي تكتمل لتكون فضاءً فردوسياً لقضاء ملكة بابل،
زوجة نبوخذ نصر، بعض الوقت كي لا تشعر بالاغتراب لبعد أهلها الذين
كانوا يعيشون في مناطق جبلية غنّاء حتى سور الصين العظيم، فإنه قد
بني، ليس لتمجيد الإنسان، ذلك الباني العظيم، وإنما كإجراء عسكري
لحماية مملكة قديمة !
لهذا السبب لا يمكن اليوم أن نتشبث ببنايات وصروح معمارية (كعجائب)
بعد أن أبدع الإنسان الحر عجائب من أنواع وأنماط غير عمرانية صحيح
أن العمارة هي من أعظم إنجازات الإنسان، خاصة عندما تتوافق ذهنية
العقل المهندس المبتكر مع ذهنية وعبقرية أصابع وسواعد الفعلة والمنفذين
والفنانين، بيد أن العلم الحديث قد تجاوز هذا النمط من العجائب لينطلق
ويطلق الإنسانية نحو آفاق لم تكن أذكى العقول البشرية لتحلم بها
لهذا السبب لا يمكن للمرء أن يقارن برج إيفل أو ناطحات السحاب بمنجزات
أخرى قد تكون أفكاراً مجردة أو شذرات عبقرية أو ومضات خارقة فإذا
ما أراد الإنسان الحديث تسمية العجائب السبع الجديدة، فإن عليه الارتجاع
إلى إنجازات لا تحصى بسبب عددها المهول، ولكنها تبقى حجر الزاوية
في بناء الحضارة فهل يمكن أن ننسى اكتشاف الكهرباء وتسخيرها، وهل
يمكن أن نتجاوز ابتكار الطباعة التي أشاعت الاستنارة والمعرفة عبر
البشرية ؟ القائمة طويلة وتطول، ابتداءً من طرائق التفكير العلمية
المبتناة على الشك والتجريب، مروراً بالثورة الصناعية واختراع الماكينة
العاملة بقوة البخار، وانتهاءً بالشبكات الرقمية ومنجزات النقل والاتصالات
والبريد الإلكتروني والهاتف الجوال وتواصل الإنسان بأخيه الإنسان،
عبر المحيطات والقارات، صورة وصوت .
لقد كانت البشرية في العصور الغابرة حبيسة فن العمارة المهول والضخم،
حيث كان هذا الفن في تلك العصور هو (برلمان) للفنون والعلوم القديمة،
إذ أنه كان يجمع المهندسين والعلماء والبناة والمزججين وأهل الصنائع
والحرف وبقية أصحاب الفنون سوية في عمل معماري واحد لهذا السبب كانت
العجائب السبع القديمة مرتهنة بتاريخ السلطة، بتاريخ الأباطرة والقادة
العسكريين، أي بتاريخ البلاط والمعسكر، الأمر الذي يفسر القدرة على
الحشد باستخدام طريقة العمل بالسخرة، حيث يكون الإنجاز النهائي مهول
الكتلة والحجم والشكل لأنه، في جوهره، عبارة عن تراكم لمواد البناء
المأخوذة من الأرض، بمساعدة أهم الابتكارات المعمارية البابلية،
القوس أو أقواس البناء.
أما الآن فإن أهم العجائب هي من اكتشاف أو اختراع عقول متحررة من
العمل بالسخرة والقسر: هي إنجازات رجال ونساء عملوا في مختبرات ومشاغل
ومستشفيات ومكتبات وغرف صغيرة في مساكن منسية ولكن الإنجاز يرد إلى
الحرية وإلى الاستنارة وآليات التفكير غير المكبوتة أو المضبوطة
عن بعد.
ثمة عجائب أخرى يشهدها عصرنا، ولكنها ربما لا ترقى للاستلال لتحظى
بلقب العجائب السبع: أليست الأمراض الفتاكة التي لم تكن معروفة عبر
تاريخ البشرية من هذه العجائب (الإيدز، أنفلونزا الطيور من بين أمراض
أخرى)؛ أليست المجاعات من عجائب هذا العصر الذي تقدم فيه الإنسان
بسرعة فائقة لزيادة إنتاج الغلال والمواد الزراعية ؟ أليس عصرنا
هو عصر العجائب التي حولت العالم، بفضل العولمة، إلى قرية صغيرة
تمخرها تيارات الهجرات من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية إلى الدول
الغربية ؟ بل إن عالمنا العربي هو الآخر مشحون بالعجائب: واحدة من
هذه العجائب تتجسد في أن يغيب شعب بأكمله ليبقى بلا دولة كي تبنى
دولة أخرى بديلة عن دولته وكينونته؛ هي تتجسد اليوم في العراق حيث
يُحتل بعد ثمانين سنة من الاستقلال السياسي، وحيث يتوسط الأكراد
للمصالحة بين فريقين عربيين كي يسود الوئام والسلام في دولة عربية
! ثمة عجائب أخرى لا يمكن حصرها أو الإلمام بها في مجال محدود.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
(اعترافات) خدام .. إلي أين تقود سوريا؟
ركزت أغلب التعليقات التي تناولت اعترافات
عبد الحليم خدام النائب السابق للرئيس السوري، علي كونه قد يصبح
(الشاهد الرئيسي) في قضية التحقيق في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق
الحريري، وهو من شأنه أن يسرع بمسألة استجواب شخصيات سورية أخرى
من بينها الرئيس السوري بشار الأسد.
بيد أن للمسألة بعدا آخر، وهو أن خدام نفسه ليس فوق مستوى الشبهات،
بل ويتحمل، بشكل غير مباشر، المسئولية عما حدث في لبنان طيلة الشهور
القليلة الماضية وهو ما يمكن استقراؤه من خلال أمرين : الأول أن
خدام قد خدم الوجود السوري في لبنان، وعمل علي إذكائه منذ أن أسند
إليه الملف اللبناني طيلة ربع قرن ، مارس خلالها دور الموجه لكثير
من سياسات النظام السوري في لبنان ، وبه يتحمل تبعات الكثير من أخطاء
ما قبل الانسحاب السوري من لبنان.
ولا يعفيه من ذلك ، كون منصبه ، كنائب للرئيس الراحل حافظ الأسد
، توقف عند مجرد النصح وكتم الأسرار، وهذا أنكى، ولكن أيضا لكونه
شهد كثيراً من ممارسات الوصاية السورية على لبنان طيلة الفترة التي
قضاها في منصبه، دون أن ينبث ببنت شفة، لإدانة الكثير من تجاوزات
هذا الوضع .
أما الأمر الثاني فيتعلق بالدور الذي لعبه خدام في مأسسة الكثير
من الممارسات التي اتبعتها سوريا في لبنان، وعلى رأسها التمدد القوي
للأجهزة الأمنية السورية في الحياة اللبنانية، وما ترتب عليها من
عمليات فساد وتجارة بالعلاقة بين البلدين الشقيقين، وصولاً إلى ما
حدث في 14 فبراير 2005.
كذلك فإن صمت خدام طيلة الفترة اللاحقة على استقالة الحريري من رئاسة
الوزارة وحتى اغتياله، يدفع به كي يصبح متواطئاً بشكل غير مباشر
في مسألة الاغتيال، ووفقاً لروايته التي يدعي فيها علمه بوجود تهديدات
جدية للرئيس الحريري، فإنه لم يفعل شيئاً لتحذيره، أو تحذير المتربصين
به من مغبة القيام بأي عمل من شأنه أن يخرب العلاقات السورية - اللبنانية.
الآن وبعد تفريغ خدام لجزء من حمولة الخدمة التي قضاها في كنف النظام
السوري، لا يعقل أن ينظر إليه البعض بصفته شاهد ملك، أو بكونه الورقة
الرابحة في خنق النظام السوري، في حين أن مساهمته القوية في تحجير
هذا النظام، وتصليب مواقفه باتجاه لبنان وغيره من القضايا العربية
والدولية، يجب التوقف عندها ومساءلته عليها.
وبعيداً عن التاريخ الطويل للرجل، والذي لا يصب بحال في التعويل
عليه كشاهد إثبات ذي مصداقية عالية، فمن الواضح أن شهادته الفضائية
لا تخرج عن كونها مجرد محاولة مكشوفة هدفها إحراج النظام السوري،
وإبراء الذمة من تركته الثقيلة، أكثر منها محاولة لكشف الحقيقة في
قضية اغتيال الحريري .
بالفعل، قد يصبح خدام شاهداً، ولكن شهادته هذه تنصرف على حقبة طويلة
من الاستخفاف السوري بتطورات الأوضاع في لبنان، وعدم اكتراثه بتصحيح
مسارات العلاقة بين البلدين فضلاً عن كونه مساهماً رئيسياً في رسم
الخطوط العريضة للسياسة السورية في لبنان منذ أن تولي الملف الخاص
به عام 1974
وإذا كان من حق السوريين أن يحاسبوا خدام على فترة خدمته التي اكتنز
فيها الكثير من الأسرار، فإن من حق اللبنانيين أن يحاسبوه أيضا على
صمته طيلة الشهور الماضية، وعدم اكتراثه بخطورة الأوضاع في لبنان
منذ اغتيال الحريري وحتى الآن.
اعترافات خدام يجب أن تؤخذ على محمل الجد لخدمة التحقيق في اغتيال
الحريري، بيد أن الاهتمام لابد وأن ينصرف من الآن ولاحقاً إلى ما
لم يقله خدام في اعترافاته، وهو من شأنه أن يكشف الكثير من خبايا
الوجود السوري في لبنان.
ولعل السؤال الأكثر حيوية الآن هو: ماذا بعد اعترافات خدام ؟ وهل
ستكون هذه الاعترافات بداية النهاية للأزمة السورية ؟ أم أن هذه
الاعترافات سوف تزيد المسألة تعقيداً؟
في تصورنا أن أهم ما يمكن أن تفضي إليه اعترافات خدام هو ما يتعلق
بموقف الرئيس السوري بشار الأسد، ذلك أن هذه الاعترافات تدفع باحتمالات
مثول الأسد أمام لجنة التحقيق الدولية، وهو ما يمثل مشكلة حقيقية
بالنسبة للسيادة السورية، وستكون هذه هي المرة الأولي التي يتعرض
فيها رئيس عربي للمساءلة القانونية لذا لم يكن غريباً أن يبادر الرئيس
المصري حسني مبارك بالقيام بجولات مكوكية بين الرياض وباريس من أجل
احتواء الموقف ومحاولة الخروج بأفضل نتائج ممكنة فيما يخص التحقيقات
.
باختصار، فقد دخلت الأزمة السورية منعطفاً جديداً، يجب أن تدرك القيادة
السورية تبعاته ولا شك، ممايفرض عليها تغييراً في التكتيكات ورد
الفعل، حتى يمكن أن تضع حداً لهذا التدخل الفج في شئونها الداخلية.
خليل العناني
كاتب مصري.
kalanany@yahoo.com
أعلى
الديمقراطية .. بضاعة أميركية راكدة في أميركا اللاتينية
هل نفقد الديمقراطية في أميركا اللاتينية ؟
في الوقت الذي كان اهتمام الولايات المتحدة منصرفا فيه إلى الشرق
الأوسط لسنوات , تساءل كثيرون إذا كنا قد فقدنا اهتمامنا بجيراننا
في الجنوب ؟ لقد كان اهتمامنا يثيره - على الأفضل - ردة الفعل إزاء
المسائل التي تتطلب اهتماما مباشرا أو تتطلب استجابة أخرى .
والثمن ؟ أن ما يقرب من 300 مليون شخص من بين 365 مليون شخص في أميركا
اللاتينية يعيشون الآن في ظل حكومات يسارية وعلاوة على ذلك , ومن
نوفمبر 2005 إلى نهاية 2006 ستجري 12 دولة في تلك المنطقة انتخابات
- ومن كل الظواهر البادية ستستمر الحظوة والمزايا في الذهاب إلى
المرشحين الميالين إلى اليسار والمعادين للتجارة الحرة .
إن أجندتنا يجب أن تبقى تسعى إلى الحرية والديمقراطية وعلى أية حال
, فإن تلك البقعة من الأرض متلامسة ومتجاورة على امتداد الأميركتين
يجب ألا يكون من الصعب فهم أن الولايات المتحدة يجب أن تبني جسور
الديمقراطية التي تربط بين أولئك الذين يرغبون في أن يكونوا أحرارا
من القمع اليساري إن حوائط الجنوب تقسم وتربك أولئك الذين يقبلون
تلك المثل كطريقة حياة , كما أن عينا تغض الطرف وأذنا صماء يمكن
بسهولة أن تخل بالتوازن أمام أصحاب الأيديولوجيات المعاكسة .
لقد أخذ الرئيس بوش وقتا في نوفمبر ليحضر شخصيا لقمة الأميركتين
في الأرجنتين , حيث تحدث عن القيمة الكبيرة للديمقراطية الدستورية
غير أن هوغو شافيز , رئيس فنزويلا وأحد اليساريين والذي يزعم أن
الشيوعي فيدل كاسترو معلمه ومرشده , قابل بوش بصلابة ورباطة جأش
ومعارضة مباشرة . فعل ذلك شافيز الذي تميز حكمه بالاضطراب وعدم النظر
إلى العمليات الديمقراطية .
إن إيديولوجية شافيز الاشتراكية البوليفارية تجسد شكلا كاذبا من
أشكال الديمقراطية حيلة أو ذريعة - مع وجود أحزاب وانتخابات ومحاكم
وكونغرس - تضعف بل تقضي فعليا على الإرادة والعزيمة السياسية فالسلطة
متجمعة في أيدي زعيم قومي واحد يزعم أنه يعرف ما الذي يحتاجه الشعب
ويتصرف للصالح العام .
وفي الماضي اعتمد شافيز على (المجلس الانتخابي القومي) للتلاعب في
عملية التصويت , وهو الأمر الذي يلقي بغمامة على مصداقية أي نتيجة
لذا وفي هذا العام , وخلال انتخابات الكونغرس في الرابع من ديسمبر
الماضي , ذهب 25% فقط من الناخبين الذين يحق لهم التصويت إلى صناديق
الاقتراع وقد قاطعت أحزاب المعارضة الرئيسة الانتخابات , قائلة:
إنها لا يمكن أن تثق في النتائج إن المقاطعة نظمت تحديا ولعدم إعطاء
الانتخابات الفنزويلية أي ظلال من الشرعية .
وهناك يساري آخر - فاز بالانتخابات الرئاسية في ديسمبر في بوليفيا
- وهو إيفو موراليس ولقد شن موراليس حملة انتخابية معلنا انه كابوس
واشنطن . وقد تقلد موراليس أيضا - بوصفه رئيسا لـ (الحركة نحو الاشتراكية)
دورا فعالا في المظاهرات المعادية لأميركا في الأرجنتين خلال قمة
الأميركتين مع شافيز , وهو يتحدث غالبا بروح عالية ورقي عن فيدل
كاسترو .
إن التحولات العديدة إلى اليسار لايمكن تجاهلها , كما لا يمكن تجاهل
إمكانية تصاعد العداء من الجنوب وهناك حكومات منتخبة أخرى بها قادة
معادون للولايات المتحدة وهي حكومات الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي
وفي الوقت الذي تظهر فيه البرازيل والحكومة الشيلية تعاونا مع الولايات
المتحدة , فإن الانتخابات القادمة قريبا في بيرو والمكسيك ونيكاراغوا
تتطلب يقظة كبيرة فالأهمية الاقتصادية للمكسيك بالنسبة للولايات
المتحدة , والتي تصنف ثانية فقط في الترتيب بعد كندا كشريك تجاري
( وقبل اليابان والصين ) , يجب ألا يتم تجاهلها ويجب ألا ننسى كذلك
الدعم القوي للرئيس المكسيكي فيسنت فوكس , في الوقت الذي وقف فيه
رأسا برأس أمام شافيز في الأرجنتين دعما وتأييدا للمبادرات الأميركية
.
إن أميركا اللاتينية في حاجة إلى اهتمام الولايات المتحدة ويجب دعم
وتعزيز الديمقراطية كذلك , والاستقرار الإقليمي مطلوب , والتنمية
الاقتصادية يجب أن تتقدم ومن خلال هذه المبادرات , سيشرق رخاء ورفاة
المواطنين ورضاء الحكومة في سماء أميركا اللاتينية اللامعة وهذا
فقط يمكن أن يتم تحقيقه من خلال الدبلوماسية والحوار الفعال وروح
الوحدة .
جيري بريوير
كاتب عمود صحفي في الموقع الصحفي الإليكتروني ( ميكسي داتا دوت إنفو
)
خدمة ( كيه آر تي ) - خاص ب ( الوطن )
أعلى

التقاطع بين الوفاق والمحاصصة
بين موضوعي الوفاق الوطني العام والمحاصصة
الطائفية، تتأرجح في الوقت الحاضر الاستحقاقات السياسية التي جاء
بعضها على هامش نتائج الانتخابات بكل ما تحمل فيه من شكوك التزوير
والخروقات الأخرى مثل التأثير على قناعات الناخبين العراقيين وبعضها
الآخر جاء في إطار ما يُعرف حالياً بالاستحقاق الوطني العام الذي
ينشده الكثير من العراقيين من دون أن يتأسس له منظور واقعي ، إذ
مازال عند سقف الأماني المجردة، وما أكثر الأماني العراقية العامة
في وسط لا يعرف غير المتغيرات السريعة المتلاحقة بالمزيد من الاضطراب
والضغوط الأمنية الغامضة والنتائج اليومية التي تفرزها وقائع الاحتلال
وطروحات القوى السياسية التي يتغير أغلبها بعد قراءات آنية لما تريده
قوى مؤثرة أو يأتي آخر في إطار التحصن ضد هذه القوى .
ولك أن تعرف بالمزيد من الدراسة التحليلية كيف أن أغلب الكتل السياسية
لا تفرق بين مفهوم الوفاق السياسي الوطني العام ومفهوم المحاصصة،
فهي تطرح مطالبها الحصصية على أساس أنها تنطلق من اعتبارات الوفاق
الوطني الذي ينبغي أن يكون لها مكانة معينة فيه في ضوء وزنها الانتخابي
أو وزنها التنظيمي العام، أو هناك من يتجاهل هذا الفرق فيخلط بين
الاثنين متسلحاً بمفهوم الوفاق الوطني وهو في الحقيقة لا يدعو إلا
بالحصول على مقعد له في التوزيعات الحصصية، وإذا أردت الذهاب أبعد
في معرفة المزيد من هذه الاختلاطات السياسية فلك أن تتوقف عند موضوع
تقاسم المقاعد الرئاسية والمقاعد الوزارية والتفريق بين وزارة ووزارة
بتقسيمها على أساس أن هناك وزارات سيادية وغير سيادية في الوقت الذي
مازال الاحتلال قائماً في العراق.
وهكذا وسواء أشارت اللجنة الدولية المكلفة بالتحقيق بنتائج الانتخابات
إلى شفافية ونزاهة نسبية أو أشارت إلى عكس ذلك بتثبيت حصول تزوير
وخروقات فيها فإن كلا النتيجتين لن تؤسسا لعمل سياسي عراقي قائم
على الشراكة الحقيقية إلا بعد أن تكون المكونات العراقية الرئيسية
قد فضت الاشتباكات القائمة في الوقت الحاضر وهي وإن كانت محسوبة
على أساس ما جرى في الانتخابات فإنها في واقع الأمر تمتد إلى ما
هو أبعد في الرؤية السياسية والتصنيف المعتمد لما يجري في الوقت
الحاضر الذي يحكمه التباين حصراً في النظرة إلى الواقع الحالي والمستقبل
في إطار المنهج السياسي المطلوب لإدارة العراق،في حين أن هناك العديد
من المطالب ذات البعد الحصصي المجرد استناداً إلى ما ورد في الدستور
الدائم مع العمل أن هذا الدستور يحمل العديد من المواد المتكررة
فيه، إذ أنه جاء في بنوده التأكيد على الحقوق الإنسانية والسياسية
لجميع العراقيين بدون استثناء في حين أعاد ذلك ضمن خصوصية ما يُعرف
بالفيدرالية، وكأن ما ورد من بنود تحض على تلك الحقوق لا يكفي، وعند
التدقيق في الأمر تجد أن الأفضلية الواضحة أعطيت للخصوصيات العرقية
والطائفية، ومن شأن ذلك في النتيجة النهائية أن يؤدي إلى تقاطعات
في الإجراءات إن لم نقل إلى تقسيمات جغرافية (مناطقية) لابد أن تكون
وبالاً على وحدة العراق مع الاستمرار في تكريس تلك التقسيمات، لأن
من يجني فوائد معينة منها على حساب الفوائد الأخرى التي ربما تبقى
مؤجلة يكون قد سيّج أوضاعه فيها وتلك لابد أن تكون على خط مناقض
لمفهوم الوفاق الوطني العام علماً بأن المطالب الحصصية في ضوء تجربة
السنتين الأخيرتين إذ في كل مرة يلجأ طرف من الأطراف إلى تصعيد رؤيته
للمطالب الفيدرالية المناطقية من دون أن يضع في الاعتبار أن المظلومية
السابقة التي يتعكز عليها لم تتكلس في منطقة معينة بل كانت قد شملت
كل العراق بسبب الحروب والعقوبات الاقتصادية والشد السياسي على مدار
العديد من السنوات، وإذا كان من فارق في حجم المظلومية في منطقة
من المناطق فإن ذلك لا يجوز أن يكون سبباً لصياغة مظلوميات جديدة
في مناطق أخرى من العراق إن لم نقل أنها تكونت بالفعل .
وبالعودة إلى ما بدأنا به فإن الدعوة إلى المفاهيم السياسية القائمة
على موضوع الوفاق الوطني العام لا تستقيم أصلاً إلا بإعادة الاعتبار
للتوجه الذي يحافظ على وحدة العراق وهويته فهذا هو المحك المركزي
للمستقبل العراقي برمته .
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى

لماذا تراجعت عمليات التغيير في العالم العربي؟
كان عام 2005 عاما مفصليا في تحديد اتجاهات
التغيير والإصلاح في العالم العربي، فرغم السياسات المعلنة من جانب
كثير من الحكومات العربية بأنها تتبنى نهجا إصلاحيا، ودشنت ذلك على
المستوى العربي اقرار وثيقة (التحديث والتطوير) التي سبق أن تبنتها
القمة العربية في تونس 2003م، فإن الواقع الفعلي يشير إلى أن وتيرة
التغيير والإصلاح تسير بمعدلات بطيئة وضعيفة لا تتناسب مع الحاجة
الملحة لإصلاحات جذرية في عموم المجتمعات العربية، التي تفرضها حالة
التردي والتراجع الانمائي ومعدلات الانتاج والتطور الضئيلة التي
تعيشها المجتمعات العربية، والتي تتأكد عاما بعد عام، وهو ما تكشفه
باستمرار تقارير التنمية الانسانية والبشرية الدولية، حيث تظهر المجتمعات
العربية في أخر ترتيب دول العالم من حيث معدلات التطور والإصلاح
والإنتاج والأداء التنموي.
ولعل السؤال الكبير المطروح هو: لماذا استمرار حالة التباطؤ في معدلات
التغيير والتحديث في معظم المجتمعات العربية، رغم أن أمالا عريضة
كانت أطلقت في مطلع الألفية الثالثة، واكبتها مطالبات وضغوط دولية
قادتها الولايات المتحدة الأميركية للإسراع بوتيرة الاصلاح والتغيير
الذي بات ينظر إليه في الغرب على أنه يمثل حاجة ملحة لمواجهة ظاهرة
التطرف والإرهاب في العالم الإسلامي التي اصبحت تهدد أمن ومصالح
الغرب؟
والواقع أن هناك عاملين أساسيين برزا خلال عام 2005 يفسران الأسباب
الكامنة وراء تراجع وتيرة الإصلاح والتغيير في النظم العربية، وهو
ما يمكن مناقشته على النحو التالي:
أولا: إن النظم العربية ذاتها في معظمها، ليست جادة في تبني فكر
الإصلاح والتغيير، بل انه بحكم وضعيتها الراهنة تتبنى دوما الاتجاه
الى تثبيت الأوضاع القائمة التي تجلب لها الاستقرار، وتخشى من أي
توجه لإحداث تغييرات جذرية أو راديكالية لأنها تتخوف من أن تقود
هذه التغييرات الكبيرة إلى احداث خلل في منظومة الأمن والاستقرار
السائدة والتي نجحت في تثبيتها على مدى عقود.
ويواكب ذلك الخوف من أن اطلاق معدلات التغيير والاصلاح بوتائر متسارعة
قد يقود في نظرها نتائج عكسية لا تروق لها، وقد تفتح الباب لإطلاق
قوى التغيير على نحو يقود إلى المطالب بتغيير النخبة الحاكمة ذاتها،
وتحميلها مسئولية الفشل في سياسات التنمية والاصلاح الاقتصادي والتطور
السياسي طوال السنوات الماضية فتكون بذلك هي ذاتها ضحية لسياسات
الاصلاح وهو ما لا تقبله إطلاقا!
وفي ظل استمرار إيمان معظم النخب السياسية الحاكمة برفض فكرة (تداول
السلطة) وإمكانية ان ينتقل الحكم الى قوى وأحزاب المعارضة، فإن إجراء
الانتخابات وهي الوسيلة المعتادة لتغيير الحكومات في كل أنحاء العالم،
لا يحقق هذه الغاية في المجتمعات العربية، وربما باستثناء الحالة
اللبنانية التي قاد فيها إجراء الانتخابات عام 2005 إلى تولي قوى
رئيسية في المعارضة رئاسة الحكومة وخاصة في أعقاب تداعيات اغتيال
رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، حيث ان التركيبة السياسية والطائفية
في لبنان تسمح بمثل هذا النوع من الحرك السياسي، فإن كل التجارب
العربية لا تقود فيها الانتخابات إلى تغيير جوهري في الخريطة السياسية
أو امكانية تداول السلطة وانتقال السلطة من الحكومة إلى المعارضة
مثلا، كما يحدث في كل التجارب الديمقراطية في العالم.
فلم يحدث أن قادت انتخابات عربية إلى تولي المعارضة زمام السلطة،
وانتقال النخبة الحاكمة إلى صفوف المعارضة، ربما باستثناء تجربة
يتيمة في المغرب عندما كلف العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني
عبدالرحمن اليوسفي زعيم المعارضة الاشتراكية بتشكيل الحكومة ليضع
المعارضة أمام اختبار حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة
في المغرب بدلا من استمرار المزايدة على الحكومة، وكانت تجربة استثنائية
وتمت بإرادة ملكية وفق رؤية خاصة.
لكن النظرة السائدة إلى الانتخابات في العالم العربي، مازالت هي
في اعتبارها وسيلة لتثبيت الأمر الواقع واضفاء مشروعية سياسية وقانونية
عليه عبر انتخاب مجلس تشريعي موال للحكومة ليضفي الشرعية على سياساتها،
ويعطي واجهة ديمقراطية ديكورية أمام العالم الخارجي لتخفيف حدة الضغوط
الخارجية فيما يتعلق بمطالب التطور السياسي والتحول الديمقراطي الذي
أصبح سمة النظم السياسية في عالم اليوم، وهناك مطالب متعاظمة دوليا
بضرورة مواكبة النمط الديمقراطي في الحكم، وإلا اعتبر النظام السياسي
منبوذا وخارج المنظومة الحضارية العالمية السائدة القائمة على فكرة
الديمقراطية والسيادة للشعب والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، والابتعاد
عن نهج النظم الديكتاتورية والاستبدادية التي تمارس الحكم الفردي
وتتنكر لمبادئ الديمقراطية.
وثبت أن جماعات الرقابة الدولية على الانتخابات المطالبة بالشفافية
والنزاهة في إجراء الانتخابات ذات تأثير ضعيف رغم تسليط الأضواء
العالمية على الانتخابات، والسماح لمراقبين دوليين بمتابعة مسار
هذه الانتخابات، وطالما أن المجتمع الدولي لا يعتد بتقارير اللجان
الدولية المحايدة التي تكشف تزوير الانتخابات ولا يتخذ إجراءات رادعة
تجاه الدول والحكومات التي تقوم بتزوير الانتخابات، ولا يعترف بنتائجها
كما حدث في أوكرانيا من قبل، مما قاد في النهاية إلى تولى المعارضة
التي قادت ما سمي (الثورة البرتقالية) مقاليد الحكم في أوكرانيا،
فان الانتخابات التي تنتهي بالتزوير، ثبت انها لا يمكن أن تكون أداة
لإحداث التغيير السياسي ودعم اتجاهات الاصلاح في المجتمعات العربية،
مما يضاعف من أزمة مصداقية التحولات الديمقراطية في النظم العربية،
ويزيد من حدة فقدان ثقة الناخبين في امكانية إحداث التغيير عبر الاحتكام
الى صناديق الاقتراع.
ثانيا: تراجع الضغوط الأميركية المطالبة بالإصلاح
فبعد أن تبنت إدارة بوش المطالبة بالاصلاح في النظم العربية في كافة
المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، واعتبرت هذا الاصلاح في
أعقاب هجمات 11 سبتمبر بمثابة ضرورة تمس الأمن القومي الأميركي،
لأنها رأت أن غياب الاصلاح في العالم العربي يقود إلى بروز التيارات
المتطرفة والارهابية، التي تتجه الى مهاجمة الاهداف الأميركية والغربية،
ولهذا ضغطت واشنطن على قمة الدول الصناعية الغربية الثماني لتبني
الخطة الأميركية المطالبة بالاصلاح في العالم العربي، باعتباره ضرورة
للانتصار في الحرب على الارهاب، وهو ما تحقق لإدارة بوش بالفعل في
قمة سي أيلاند بولاية فرجينيا عام 2004م.
إلا أن عام 2005 قد شهد تراجعا مثيرا في الضغوط الأميركية على النظم
العربية من اجل تبني سياسات وبرامج إصلاحية عاجلة وسريعة وجذرية
وباتت واشنطن أقرب إلى التكيف والتواؤم مع وجهات نظر الحكومات العربية
القائلة بأن الإصلاح يجب أن يسير بمعدلات بطيئة ومتدرجة، وبما يناسب
ظروف كل بلد من الداخل، أو بالأحرى بما يناسب رؤية كل نظام سياسي
لأفاق وطرائق ومتطلبات الاصلاح داخل مجتمعه.
ويمكن تفسير أسباب تراجع الضغوط الأميركية على النظم العربية بشأن
الاصلاح والتغيير الى عاملين رئيسيين هما:
الأول: يتعلق بتعثر واخفاق المشروع الأميركي للتغيير في العراق،
وتبخر أحلام دعايات الإدارة الأميركية بإمكانية (اقامة نموذج للديمقراطية)
في العراق يكون نموذجا يحتذى في عموم المنطقة العربية.
فبعد أن شنت واشنطن حربا ضروسا في العراق انتهت الى نتائج كارثية
على المستوى السياسي، وأصبحت الشكوك تحيط بمصير التحول الديمقراطي
في العراق الذي اشرفت عليه قوات الاحتلال الأميركي، فقد سادت اتهامات
بالتزوير سواء في إجراء الاستفتاء على الدستور الذي تم انقاذ الموافقة
عليه بمعجزة، وقيل انه قد تم تزوير نتائج التصويت في محافظة نينوى
بحيث لا تتحقق نسبة الرفض التي يمكن أن تسقط الدستور وهي الثلثان،
فظهر أن 55% فقط رفضوا الدستور في نينوي، وهي نسبة لم تكن تكفي لاسقاط
الدستور، بعد أن رفضته بأغلبية ساحقة محافظتان أخريان يشكل السنة
العرب غالبية سكانهما وهما محافظتا الانبار وصلاح الدين بنسبة فاقت
90% و81% على التوالي.
وهكذا تمت الموافقة على الدستور العراقي الجديد وسط شبهة الطعن فيه
بتزوير ارادة الناخبين، واستمرار غالبية السنة العرب في رفضه والمطالبة
بتعديله. وإذا لم يتم تعديله مستقبلا فقد يكون ذلك بوابة لتفجير
حرب أهلية طائفية في العراق.
ثم جاءت الانتخابات النيابية الأخيرة في العراق (15 ديسمبر 2005)،
وانتهت محصلتها إلى رفض السنة العرب وعدد من القوى السياسية العلمانية
العراقية للنتائج الأولية التي أعلنت عنها المفوضية العليا للانتخابات
والتي أعطت القوى الشيعية والكردية الحاكمة حاليا الغالبية مجددا
في مقاعد الجمعية الوطنية القادمة (البرلمان)، مما اثار احتجاج القوى
السنية والعلمانية ووجهت الاتهام بالتزوير في الانتخابات، الأمر
الذي أفضى إلى التشكيك في سلامة ونزاهة العملية السياسية والديمقراطية
في العراق التي أشرف عليها وأدارها الأميركان، بحيث انتهت إلى ذات
النمط من الانتخابات المنتهية بالتزوير وعدم المصداقية وغياب الشفافية
التي تتكرر في كثير من الانظمة العربية وانظمة العالم الثالث.
وبذلك لم ينجح الأميركان في تقديم (النموذج الديمقراطي) المشع في
العراق، الذي طالما بشرت به إدارة بوش وبررت به شن الحرب على العراق
واحتلال أراضيه.
يضاف إلى ذلك اكتشاف إدارة بوش بعد الورطة العسكرية الأميركية في
المستنقع العراقي، ان خطط تغيير الانظمة العربية بالقوة العسكرية
التي كان يبشر بها (المحافظون الجدد) المهيمنون على إدارة بوش، واقامة
نظم ديمقراطية بديلة، هي خطط غير واقعية وتنطوي على كثير من المخاطر
والخسائر والاحتمالات المجهولة، كما ان احتمالات الفشل والاخفاق
فيها أكبر من احتمالات النجاح وذلك في ضوء الدروس المريرة لتجربة
الانتخابات وبناء الديمقراطية في العراق.
ولهذا ، باتت ادارة بوش اقرب الى تفضيل التعامل مع انظمة الحكم القائمة
في العواصم العربية ، بدلا من التفكير في تغييرها بالقوة العسكرية
كما حدث في العراق ، وبات الاتجاه السائد في السياسة الاميركية هو
ممارسة الضغط السياسي من اجل التغيير والاصلاح فقط دون اقران ذلك
بالتهديدات العسكرية كما كان ذلك سائدا في خطاب إدارة بوش عام 2003م
إبان غزو واحتلال العراق.
فادارة بوش باتت تدرك ان اي خطط للتحرك العسكري ضد اي بلد عربي آخر
، بما في ذلك سوريا رغم تداعيات التحقيق في جريمة اغتيال الحريري
، هي خطط لا تحظى بتأييد الرأي العام الاميركي بعد ورطة العراق ،
وليس مضمونا الحصول على موافقة الكونغرس على تخصيص اعتمادات مالية
جديدة لشن حروب جديدة ، وخاصة بعد تراجع شعبية بوش في استفتاءات
الرأي العام الاميركي وتزايد المطالبات بالاهتمام بالداخل في ضوء
تداعيات كارثة إعصار كاترينا.
والعامل الثاني: يتعلق بالمخاوف المتعاظمة التي نجحت النظم العربية
في اقناع ادارة بوش بها ، وهي ان السماح بإجراء انتخابات نزيهة تماما
سوف يقود الى صعود قوى التيار السياسي الاسلامي ، ووصول الاسلاميين
الى السلطة باعتبارهم يشكلون القوة الاساسية في المعارضة والبديل
المحتمل للحكومات العربية الراهنة.
وساد مجددا الخوف من تكرار النموذج الجزائري عندما ادت الانتخاب
الى اكتساح الاسلاميين لنتائج الانتخابات ، وكادوا ان يتولوا السلطة
لولا إلغاء الانتخابات والانتكاس في العملية الديمقراطية عام 1991.
وهذا السيناريو تجددت احتمالاته في الانتخابات النيابية المصرية
الاخيرة ، حيث ظهر صعود قوة (الاخوان المسلمين) باعتبارهم القوة
الرئيسية في المعارضة ، ونجحوا في الحصول على 88 مقعدا في انتخابات
شابتها اتهامات للحزب الوطني الحاكم بالتزوير ، رغم ان (الاخوان
المسلمين) لم يكونوا مرشحين لتولي السلطة عبر هذه الانتخابات لانهم
لم يترشحوا في كل الدوائر الانتخابية واكتفوا بالمشاركة في ثلث الدوائر
تقريبا بهدف دخول البرلمان والمشاركة بفعالية في الحياة السياسية
بالنظر الى كونهم قانونيا مازالوا يشكلون (جماعة سياسية محظورة).
وذات السيناريو تكرر بشأن الانتخابات الفلسطينية حيث تزايدت احتمالات
تفوق (حركة حماس) الاسلامية على حركة فتح التي تمثل حزب السلطة الاساسي
الذي وقع في اتفاقيات السلام مع اسرائيل ، وهو الامر الذي أثار مخاوف
كل من اسرائيل واميركا من وصول (حماس) الى سدة السلطة في حين ينظر
اليها على انها (حركة إرهابية) لا تعترف بشرعية عملية السلام بين
الفلسطينيين واسرائيل.
ومن هنا ، فان المخاوف من صعود الاسلاميين الى السلطة في المجتمعات
العربية عبر صناديق الاقتراع وهم يتبنون سياسات مناهضة للسياسات
الاميركية في المنطقة ، قد ادى الى تراجع واشنطن عن الضغط على الحكومات
العربية لاجراء تغييرات واصلاحات سياسية سريعة وجذرية ، وباتت واشنطن
تفضل التعامل مع انظمة الحكم الراهنة على المغامرة باجراء انتخابات
نزيهة قد تقود الاسلاميين الى مقاعد الحكم.
ومن هنا ، اكتفت واشنطن بتوجيه انتقادات خفيفة لعمليات تزوير الانتخابات
، بل اصبحت تقبل بالتزوير اذا كان يخدم المصالح الاميركية في الابقاء
على الاوضاع الراهنة الانسب لتحقيق المصالح الاميركية في المنطقة.
ومن هنا ، نجد ان الأمال العريضة التي تصاعدت في السنوات الاخيرة
، بامكانية حدوث نقلة نوعية في الاصلاحات والتغيير في المجتمعات
العربية ، قد اصيبت بانتكاسة حقيقية ، في ضوء عدم حماس الداخل للإصلاح
والتغيير من جانب الحكومات ، وضعف حركات التغيير الشعبية وتضاؤل
قدرتها على التأثير في مسار الاصلاح من جانب ، وتراجع حدة الضغوط
الخارجية المطالبة بالاصلاح والتغيير التي كانت تقودها واشنطن من
جانب آخر ، في ضوء تعذر المشروع الاميركي في العراق والخوف من صعود
الاسلاميين الى السلطة عبر صناديق الاقتراع في المجتمعات العربية
، وهو ما لاتريده واشنطن.
وبات السيناريو المتوقع لآفاق الاصلاح والتغيير في العالم العربي
خلال السنوات القادمة هو توقع اجراء اصلاحات محدودة وجزئية لن تكون
كافية ، مع استمرار مناخ الأزمة السياسية والاحتقان الداخلي الذي
قد يقود في لحظات مفاجئة الى تطورات دراماتيكية يصعب التكهن بنتائجها
وتداعياتها.
عبد المالك سالمان
كاتب وباحث في العلوم السياسية
abdelmaliksalman@hotmail.com
أعلى
أفغانستان ..الفتيل الذي أشعل العالم
قد لا تختلف أفغانستان كثيرا عن سواها من الدول
النامية والفقيرة في عالمنا الثالث من حيث البناء السياسي المؤسس
للدولة , فاغلب تلك الدول قد بدأت تاريخها السياسي بصفحات سوداء
دامية , ولا زالت تناضل حتى يومنا هذا من اجل الاستقرار والإحساس
بالسيادة,رغم تكرار تلك الصفحات بين حين وآخر , ولكن على الأقل وجدت
في بعض الأحيان متنفسا لها للخروج من تلك الحالة من التمزق والتشرذم
ـ باستثناء - بعض الدول التي نجحت في التخلص من براثن الاحتلال والاستعمار
لتضع لها مسلكا سياسيا تستطيع من خلاله البناء والاستقرار وتأسيس
المجتمع المدني , والدولة المستقرة , ولكن أفغانستان حالة استثنائية
في تاريخ الصراع السياسي الحديث من بين جل تلك الدول , حيث لم يقتصر
تأثير الصراع الداخلي في هذه البلد عليها فقط بل امتد بعيدا , فهي
ان صدق التعبير كانت ذلك الفتيل الذي أشعل العالم بأسره , بل وغير
من مجرى التاريخ السياسي للخارطة السياسية الدولية , فهذه الدولة
منذ نهاية القرن التاسع عشر على وجه الخصوص وهي تعاني من حالة غريبة
من المعاناة والتدخلات الخارجية والمؤامرات الدولية التي لم تنتهي
حتى يومنا هذا. فقد وقعت أفغانستان ضحية عدة تدخلات مأساوية قامت
بها قوى العالم العظمى بدءا من الإمبراطورية الانكليزية مرورا بالاتحاد
السوفيتي, وانتهاء بالولايات المتحدة الاميركية مع نهاية القرن العشرين
, كما أن حالة الفوضى السياسية والصراعات الداخلية المستمرة للأحزاب
والتنظيمات السياسية والتي تؤججها الخلافات المبنية على المصالح
بدعم من تلك القوى التي لا ترغب في استقرار هذه الدولة الفقيرة ,
لم يشابهها مثيل من حيث الدموية والشراسة التي شكلت المسمار الذي
دق في نعش استقرارها وبنائها المدني , رغم تشابه حالتها مع الحالة
السياسية في جنوب السودان على سبيل المثال من حيث الصورة الظاهرة
وبعض الدول الإفريقية فيما عدا أن هذه الأخيرة استطاع اغلبها أن
تضع إقدامها على أول خطوات صناعة الاستقرار السياسي لها , وبناء
الدولة الحديثة ولو بشكل متأخر. ولكن " أفغانستان المجزئة بفعل
الاحتلال السوفيتي , والاستعمار الاميركي , وحرب العصابات الطويلة
التي شنت ضدها لا تملك من مقومات الدولة الوطنية سوى الاسم , فقد
انقسم سكانها البالغ عددهم 22 مليون نسمة تقريبا انقسامات حادة تبعا
للانتماءات العرقية ما بين الباشتون والطاجيك والهازار , وفي الوقت
نفسه جعل الجهاد ضد المحتلين الروس البعد المهيمن على حياة أفغانستان
الاقتصادية مضيقا الحماس الدوغماتي على الخلافات السياسية الحادة
, ولهذا ينبغي النظر إلى أفغانستان ليس بصفتها جزء من المشكلة المحيرة
في أسيا الوسطى فحسب بل كجزء من البلقان الأسيوية أيضا من وجهة نظر
سياسية " . ومن هذه الصورة المأسوية والدامية لبلد مسلم وجدنا
أحقية تقصي هذه الظاهرة الاستثنائية في تاريخ الصراع السياسي الحديث
, ودراسة بعض أهم نقاط ذلك الصراع الدموي والذي ما زالت هذه الدولة
تعاني منه حتى يومنا هذا , بكل إشكاله التي وجدنا أنها تستحق التقصي
والبحث عن الحقيقة من خلالها وخصوصا تاريخ أهم دولتين استعمرتا هذا
البلد في وقتنا الراهن ، ونقصد الإمبراطورية السوفيتية والإمبراطورية
الاميركية , وذاك من حيث تأثيرهما السياسي والاقتصادي على الحالة
الأفغانية وانعكاسات تلك السياسة الامبريالية على واقع الحياة الاجتماعية
في أفغانستان , وكيف أن صراع المصالح والإطماع الذي قادته الولايات
المتحدة الاميركية والاتحاد السوفيتي كان سببا وراء تدهور حال الوضع
الاقتصادي والاجتماعي الأفغاني , وكيف حول الانتقام أفغانستان إلى
جسد هزيل وضعيف , معرجين على أهم الخفايا السياسية التي قادت الدب
السوفيتي إلى فيتنامه التي حولته إلى ألعوبة في يد الولايات المتحدة
الاميركية , والتي كان لها الدور الأهم في رسم وإخراج السيناريو
الذي اسقط ابرز الإمبراطوريات في القرن العشرين , وكيف قامت بعد
ذلك بالتعاون مع العدو نفسه ـ أي الاتحاد السوفيتي ـ الذي أسقطته
للإطاحة بتنظيم طالبان بعد أن أحست بعدم جدواه في تحقيق مصالحها
الإستراتجية في تلك المنطقة ؟ . كما إننا ومن خلال هذا الطرح سنحاول
التطرق الى دور السياسة الدولية في صناعة المأساة الأفغانية , وكيف
أن السياسة اللااخلاقية واللاانسانية حولت بلدا بأكمله إلى أنقاض
تحت ذريعة محاربة الإرهاب ؟! متناولين المثال الاميركي على وجه الخصوص
كون هذه الإمبراطورية كان لها التأثير الأكبر على تاريخ هذه الدولة
الفقيرة من حيث التأثير السياسي والاجتماعي والاقتصادي , وكيف حولتها
سياستها " التوسعية الاستعمارية " إلى بلد يرزح تحت ويلات
الفقر والجوع والموت الجماعي بعد انقلاب السحر الاميركي الذي قضى
على الاتحاد السوفيتي - حركة الطالبان والأحزاب الدينية - على صاحبه
الساحر الاميركي فتحول إلى عدو لدود له , بل ومن اشد أعداءه التي
دفعت الولايات المتحدة الاميركية بعد ذلك إلى إعادة صياغة سياسة
جديدة في محاولة منها لتفادي هذا الخطأ الجسيم في سياستها المصطنعة
في أفغانستان , وتفادي ما يمكن أن ينتج من خسائر اقتصادية وسياسية
ممكنة تجاه مصالحها الإستراتيجية في هذه البقعة من العالم , جراء
ذلك الانقلاب المفاجئ وغير المتوقع بعد تخلي الولايات المتحدة الاميركية
عن الطالبان بسبب الاتفاق الذي توصل إليه الاتحاد السوفيتي المنهار
والقيادة الاميركية , يمتنع بموجبه الطرفان عن دعم أي من الأحزاب
المناضلة التي مولتها اميركا, وكيف أن اللعبة السياسية والإطماع
الاميركية إعادة الشعب الأفغاني برمته إلى الوراء مئات السنين ,
مختصرين في هذه الدراسة على الفترة من العام 1979 وحتى العام 2000
وهي الفترة التي كان لها الفضل في ذلك التحول الدرامي في مجرى التاريخ
السياسي الحديث للعالم بأسره انطلاقا من هذه الدولة الفقيرة , حيث
إننا نعتبر تلك الفترة من التاريخ بمثابة الأعوام التي حركت تلك
التحولات السياسية التي شهدها العالم بعد ذلك , بداية من إحداث الحادي
عشر من سبتمبر ومرورا بالمأساة العراقية وما يحدث اليوم على صعيد
الملف السياسي الإيراني والإحداث في سوريا ولبنان .
أفغانستان .. الطريق الى السيادة العالمية
تمثل الخارطة الأفغانية بشكل عام استثناء غير متوقع بالنسبة للخارطة
الدولية , فرغم وعورة الأرض الأفغانية وتمكن الجبال من جل محيطها
الطبيعي , إلا أن الحقيقة التي يطالعنا بها اغلب أصحاب الاختصاص
من الناحيتين الجيواستراتيجية والجيوبوليتيكية تختلف اختلافا كليا
عما نراه على ارض الواقع , فأفغانستان منذ القديم وهي تمثل مركز
حركي للتحولات الاقتصادية والتجارية من وإلى جميع دول تلك المنطقة
على وجه الخصوص , والى دول العالم من خلال وقوعها بين مركزية الطرق
الرئيسية للتجارة الدولية وخصوصا البرية , كما يشير إلى ذلك المسؤول
السابق في وزارة الدفاع الاميركية أيلي كراكوسكي في دراسة تحت عنوان
الدوامة الأفغانية الصادرة عن معهد "IASPS " للأبحاث الاستراتيجية
, والذي عمل على المسألة الأفغانية في ثمانينيات القرن العشرين فيقول
عن أفغانستان
(بأنها مفترق طرق بين ما يسميه هالفورد ماكيندر قلب العالم وشبه
القارة الهندية,وتعود أهميتها إلى موقعها الذي هو نقطة التقاء الطرق
الرئيسية,وهي تشكل نقطة التقاء فيما بين قوى متصارعة واسعة النطاق
, ومر بها الكسندر الكبير كطريق للفتح الذي قام به , وكذلك فعل المغول
, وخلال القرن التاسع عشر تنافس عليها كل من الإمبراطورية الانكليزية
والروسية , أما في القرن العشرين , فقد أصبحت مصدر خلاف بين القوتين
العظيمتين أي اميركا والاتحاد السوفيتي , ومع انهيار الاتحاد السوفيتي
شكلت نافذة مهمة للدول الجديدة المحوطة بالأرض في أسيا الوسطى ,
وقد جذب التراكم الطبيعي للنفط والغاز في هذه المنطقة البلدان والشركات
المتعددة الجنسية , ... وكل ما يجري في أفغانستان يؤثر على باقي
العالم لأنها تعتبر محورا استراتجيا أساسيا ) . ومن هذا المنطلق
ظلت أفغانستان تحت أنظار العديد من القوى الكبرى كونها جزء لا يتجزأ
من سلم السيطرة والسيادة على العالم بما تشكله من أهمية بارزة من
الناحيتين السابقتين , ولذلك وقعت تحت العديد من قوى الاستعمار كما
سبق وذكرنا كانكلترا والاتحاد السوفيتي وأخيرا الولايات المتحدة
الاميركية , هذا على خلاف الصراعات الداخلية التي ما فتئت تزعزع
الاستقرار والأمن لهذه الدولة الفقيرة من اجل السيادة والسيطرة الإقليمية
على ما تبقى من الثروات والخيرات التي تطولها أيدي تلك القوى الداخلية
, وكانت الولايات المتحدة الاميركية من أهم تلك الدول الاستعمارية
التي وضعت أفغانستان على لائحة أولوياتها الاستراتيجية في خططها
الاقتصادية والسياسية المستقبلية , فالولايات المتحدة الاميركية
رأت في أفغانستان المكان المناسب لتحقيق رهاناتها السياسية - الطبيعية
, كما وبدت أفغانستان في مخططات الولايات المتحدة الاميركية المكان
الملائم الذي تمر عبره مسالك خطوط الأنابيب والطرقات التي تفتح الدول
السوفيتية السابقة على الحدود الجنوبية لروسيا نحو الأسواق العالمية.
وكغيرها من قوى الاستعمار كانت خطوط النفط والغاز التي تعبر هذه
الدولة , باعتبارها معبرا هاما ومركزا رئيسيا للتصدير الهدف الرئيسي
من وراء وضع أفغانستان على أولويات خططها الإستراتيجية كما سبق واشرنا
, ووقوعها كضحية لإطماع الدول الامبريالية والاستعمارية منذ القديم
, وفي هذا السياق تعلق صحيفة "وول ستريت" في عددها الصادر
بتاريخ 23/ 5 / 1997 قائلتا من أن اهتمام اميركا والحلفاء الغربيين
الآخرين - بأفغانستان - كون هذه الأخيرة " طريق نقل رئيسية
لتصدير النفط والغاز والمصادر الطبيعية الأخرى الغزيرة , وذلك بغية
تصديره إلى أسيا الوسطى .
كما أن للولايات المتحدة الاميركية على وجه الخصوص من وراء سيطرتها
على أفغانستان أهداف مستقبلية اشد جرأة وخطورة , أهمها على الإطلاق
رغبتها في بناء قواعد عسكرية تكون لها بمثابة الورقة الرابحة في
هذه المنطقة في بعض الأوقات الحرجة , كما أن تواجدا قويا من هذا
النوع وفي هذا المكان الحساس على الخارطة الدولية يعني حصارا قويا
على أهم الدول التي تحيط بأفغانستان ولدى الولايات المتحدة الاميركية
خلافات إيديولوجية سياسية معها كروسيا والصين مثلا وبحسب مصادر البنتاغون
كما أشارت لذلك صحيفة "لوس انجلوس تايمز" بتاريخ 6 يناير
2001 من أن " الولايات المتحدة الاميركية ترسم من وراء ستار
الاتفاقيات السرية حلقة قواعد عسكرية منتشرة وجديدة تطوق أفغانستان
وتعزز قدرة القوات المسلحة لضرب الأهداف في العالم الإسلامي اجمع
...." وبحسب نفس المصدر- فانه منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر
نشأت مخيمات عسكرية في ثلاثة عشر موقعا في تسعة بلدان محاذية لأفغانستان
, تمتد فيها شبكة القواعد في المنطقة ويعيش فيها الآن أكثر من ستين
ألف موظف عسكري اميركي من بلغاريا واوزبكستان حتى تركيا وأكثر. وهكذا
فان أفغانستان ستظل أحد مراكز الصراع العالمي من اجل السيطرة على
العالم اقتصاديا وسياسيا , ووجبة دسمة لإطماع الدول الكبرى من اجل
الوصول الى منفذ السيطرة على أهم خطوط النفط والغاز في العالم ,
ومن هذا المنطلق كانت البداية التي دفعت بإحدى أهم الدول الكبرى
إلى استعمار أفغانستان وهو الاتحاد السوفيتي , وقد سهل له ذلك التدخل
في تلك الأرض الحالة المتردية والصراعات المستمرة للتنظيمات والأحزاب
الأفغانية المتناحرة على كيفية الوصول الى خيرات ذلك البلد, وكانت
السنوات الثلاث التي سبقت التدخل السوفيتي بتاريخ 27 ديسمبر 1979
أهم الأعوام التي نستطيع ان نختصر من خلالها تلك الحالة المزرية
لأفغانستان والتي مهدت لذلك الاستعمار الطويل. حيث أن الحكومة السوفيتية
وجدت في عدم اكتراث الحكومة الأفغانية بشكل مرضي برغبتها في الحصول
على الحصص الأكبر من الاعتماد الأفغاني على الموارد السوفيتية ,
وتعاطيها معها بشكل موازي مع الولايات المتحدة الاميركية , إنقاصا
لقوتها وهيمنتها العالمية , وخروجا عن السيطرة و الانصياع السياسي
لأكبر الإمبراطوريات في حينه , وخوفا من اللجوء إلى أهم منافسيها
السياسيين والاقتصاديين وهي الولايات المتحدة الاميركية في ذلك الوقت
وبشكل يضعف قوتها الجيوبوليتيكية والجيواستراتيجية,وبالتالي دفعها
ذلك الخوف إلى التفكير في تغيير الحكومة القائمة إلى أخرى تكون أكثر
انقيادا لها. فأطلق ( سراح قائد الحزب الشعبي الديموقراطي نور محمد
طراقي في انقلاب على يد قوات تنتمي إلى ادني صفوف الجيش , وخلال
يوم واحد تمت الإطاحة بحكومة داود الذي قتل إثناء العملية , وكان
معظم قادة الحزب الشعبي الديموقراطي قد تلقى الدروس والتدريبات العسكرية
في الاتحاد السوفيتي , إضافة إلى ذلك ضغط الاتحاد السوفيتي على الحزب
الشعبي الديموقراطي الذي انقسم في عام 1976 إلى حزبين ليتحد من جديد
في عام 1977 ويشكل ابرز منظمة شيوعية في أفغانستان يوجهها الاتحاد
السوفيتي ) . وبنجاح الاتحاد السوفيتي من خلال الدعم والتخطيط للانقلاب
الذي حدث في عام 1978 , واستولى من خلاله الحزب الشعبي الديموقراطي
على حكم افغانستان , استطاع أن يضمن علاقة حميمة وقوية مع الحكومة
التي والته في كل شي , وأصبحت أفغانستان فيما بعد ذلك الدعم تعتمد
فقط على مساعدات الاتحاد السوفيتي في كل شي , على عكس الحكومة الأفغانية
السابقة التي استطاعت أن تجد توازنا في علاقاتها مع طرفي القوة في
ذلك الوقت وهما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الاميركية ,
والتي وجدت هي الأخرى من خـلال هـذا
الانقلاب
انقلابا عليها , وتحولا كليا إلى طرف منافس
يشكل تهديدا لمصالحها الإستراتيجية , وخرقا لقوتها السياسية والعسكرية
.
المهم في الموضوع انه بالرغم من السعي الجاد للحكومة القائمة لرفع
مستوى المعيشة للشعب الأفغاني وذلك من خلال إزالة الفوائد والتفاوت
الحاصل في ملكية الأراضي والتي فرضت في عهد حكومة داود , ومحاولة
إلغاء الرهن في الديون لدى العمال في الزراعة وغيرها , والسعي لوضع
برامج عدة على الصعيد الاجتماعي والثقافي في محاولة أخرى لمواكبة
التحضر من خلال تعليم المرأة وطباعة الكتب ونشر الثقافة وإنشاء المراكز
التعليمية , وبكل تأكيد أن كل ذلك بمساعدات من الاتحاد السوفيتي
, إلا أن نظرة الشعب الأفغاني لهذه الحكومة ظلت نظرة تفتقر إلى الجدية
والشرعية , وبالتالي ظلت الحكومة غير قادرة على كسب تأييد الشعب
لها . كما أن هذه الحكومة وفي خط مساير للبرامج التنموية السابقة
تحولت إلى القمع والاضطهاد السياسي في محاولة منها لتأكيد تلك الشرعية
بالقوة فكانت بذلك مسئولة عن ( أول تدفق كبير من اللاجئين إلـى البلـد
المجاور باكستان , وقد أدت هذه السياسة التي تعتمد أسلوبي القمع
والاضطهاد بحق ألاف الأشخاص , وتفرض بالقوة برنامجا شيوعيا ثوريا
لا يبالي بمشاعر أغلبية الشعب الأفغاني , إلى نشوء ثورات شعبية يرأسها
قادة اجتماعيون ودينيون محليون ليس لهم علاقة إجمالا بالجماعات الوطنية
السياسية, وبرزت هذه الثورات في مختلف إنحاء افغانستان نتيجة إعمال
الحكومة الفضيعة). فكانت تلك الإعمال وغيرها السبب الرئيسي الذي
استغلته الولايات المتحدة الاميركية للانتقام من الحكومة السوفيتية
التي كانت السبب وراء إزاحتها من الطريق المؤدي إلى أفغانستان قبل
ذلك , وبطريقة أسقطت هيبتها ونفوذها على تلك الأرض , فاتخذت منه
ذريعة لمساعدة الشعب الأفغاني للتخلص من الحكومة القائمة والتي تسير
وفق معايير سوفيتية ووسيلة لتحقيق مصالحها الإستراتيجية على تلك
البؤرة من العالم , وقد لا يكون مصطلح المساعدة هو الأنسب لوصف تلك
الكوارث اللاحقة التي كانت الولايات المتحدة الاميركية وصراعها مع
الاتحاد السوفيتي السبب المباشر لها , ولكن الحقيقة هي أن مساعدة
الولايات المتحدة الاميركية للشعب الأفغاني للتخلص من ويلات الشيوعية
السوفيتية وحكومة الحزب الشعبي الديموقراطي والتحول إلى الديمقراطية
العالمية التي تقودها اميركا هو للانتقام من الاتحاد السوفيتي التي
عملت بعد ذلك وبشكل رسمي على إسقاطه لا أكثر , وبذلك تحولت أفغانستان
إلى مركز صراع عالمي تتجاذبه أهم إمبراطوريتين في القرن العشرين
, فحولتاه إلى بركان خامد انفجر بعد ذلك ليغير وجه التاريخ السياسي
الحديث,وليكتب من تلك الأرض الجبلية سطور وصية انتحار الدب السوفيتي
على جبالها الشامخة والعصية ,وليخط بأقلام الطالبان بعد ذلك أهم
سطور الانقلاب الزمني الحديث والخارطة العالمية للقرن الحادي والعشرين
.
الأقدام الأولى للإمبراطورية الاميركية
كثيرة هي الدراسات التي تطرقت إلى تاريخ الصراع السياسي في أفغانستان
ما بين الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفيتي وتأثير ذلك
الصراع على الحياة بشتى إشكالها في ذلك البلد الفقير , وكيف أن الولايات
المتحدة الاميركية كانت السبب وراء انهيار الإمبراطورية الشيوعية
والقضاء عليها من خلال انتقامها من هذه الأخيرة بنفس الخنجر الذي
ذاقته هي قبل ذلك , فدعمت الانقلاب الذي حدث في 1978 والذي اسقط
حكومة طراقي ـ الحزب الشعبي الديموقراطي الشيوعي ـ الموالية للاتحاد
السوفيتي وبطريقة مشابهة للانقلاب الذي دعمه هذا الأخير لإسقاط حكومة
داود التي كان لها بعض الروابط مع الولايات المتحدة الاميركية والتي
تم إزاحتها كما بينا سابقا قبل ذلك بدعم من الشيوعية السوفيتية وبانقلاب
مشابه , قاد أفغانستان إلى أحضان الاتحاد السوفيتي بشكل أحادي ومتفرد
, ومن خلال دعمها للأحزاب الدينية وبشكل خاص تنظيم الطلبة الدينين
والذي تسموا فيما بعد بتنظيم الطالبان في الحرب الأفغانية التي انهار
على أثرها الاتحاد السوفيتي في عام 1992.
ولكن الغريب أن العديد من تلك الدراسات لم تتطرق إلى نقطة هامة في
تاريخ ذلك الصراع السياسي الدامي بين الإمبراطوريتين , وهي هل أن
دعم الولايات المتحدة الاميركية لحركة طالبان والحركات المناهضة
للشيوعية كان قبل دخول الاتحاد السوفيتي إلى أفغانستان أم بعد ذلك
؟ والصحيح انه بالرغم من أسبقية التواجد السوفيتي في الأراضي الأفغانية
( إلا انه تجدر الإشارة إلى إن الولايات المتحدة الاميركية بدأت
العمليات - التواجد ألاستخباراتي - في أفغانستان قبل الغزو السوفيتي
التام بخلاف الاعتقاد السائد , وقد اعترف مستشار الأمن القومي السابق
في عهد الرئيس كارتر , زبيغنيو بريجنسكي أن الاميركيين قاموا بعملية
من اجل التسلل إلى أفغانستان قبل أن ترسل روسيا جنودها في 27 ديسمبر
1979 , ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية انه بحسب مسؤول اميركي سابق
رفيع المستوى , نفذت الولايات المتحدة الاميركية عملية سرية في أفغانستان
تدعم " العصابات " المناهضة للشيوعية قبل ستة أشهر على
الأقل من غزو الاتحاد السوفيتي ). وبذلك تتهاوى النظرية القائمة
على أن دعم الولايات المتحدة الاميركية لأفغانستان كان بعد دخول
الاتحاد السوفيتي وليس قبل ذلك , وهو مرتبط بإستراتيجية المساعدة
وليس المؤامرة لإسقاط الشيوعية , والحقيقة هي أن للولايات المتحدة
الاميركية كان لها اليد الطويلة في ذلك الانهيار المدوي من خلال
التأمر والتخطيط ألاستخباراتي وخلافه وليس من خلال المساعدة القائمة
على دعم عمليات الطالبان والأحزاب الأخرى المناهضة بالدعم اللوجيستي
والعسكري فقط كما أشارت العديد من الدراسات حول ذلك , وكذلك من خلال
زرع حالة الفوضى والاضطراب السياسي بين صفوف الأحزاب الأفغانية نفسها
, وتجميع وتشكيل قيادات داخلية ثورية موالية لها مبدئيا باستطاعتها
إعلان الحرب على الحكومة المدعومة من الاتحاد السوفيتي ( ويؤكد ذلك
رئيس وكالة الاستخبارات الاميركية CIA السابق روبرت غايتس في مذكراته
" من بين الظلال " أن الاستخبارات الاميركية بداءت بمؤازرة
الثوار في أفغانستان قبل ستة أشهر من تدخل الاتحاد السوفيتي. ولم
تقتصر المساعدات الاستخباراتية الاميركية على العمليات الاستخباراتية
المباشرة كما اشرنا سابقا , بل تعدتها إلى زرع بعض المفاهيم والمصطلحات
الدينية الروحية والثقافية الاجتماعية , وبث نزعة الثورة وروح الانقلاب
على الظلم والاضطهاد الذي رسمته في الصورة الفولاذية للشيوعية المتوحشة
والبعيدة عن الحرية والعدالة والديمقراطية والمعادية لإحكام الدين
الإسلامي , فوفرت ( وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية بالتحالف
مع الاستخبارات العسكرية الأفغانية مساعدة عسكرية سرية وتدريب وتوجيه
للثوار الأفغان , وشملت العملية التي رعتها الولايات المتحدة الاميريكية
إرساء أسس عقيدة متطرفة مشتقة من الدين الإسلامي , إلا أنها تحرف
تعاليمه الأصلية ). وهكذا تم قيادة الاتحاد السوفيتي إلى حتفه بطريقة
مبدعة وغير مباشرة كفلت القضاء عليه وإغراقه في بحر من الظلمات والدماء
والخسائر الاقتصادية التي تفاخر بها بريجنسكي بعد ذلك, فعندما سئل
بريجينيسكي عما إذا كان نادما على فعله أجاب : - اندم على ماذا؟
على فكرة رائعة كفلت استجلاب الدب الروسي إلى المستنقع الأفغاني
, وتريدني إن اندم ؟! ففي اليوم الذي اجتاح فيه الجيش السوفيتي الحدود
الأفغانية أبرقت إلى الرئيس كارتر قائلا : - ألان لدينا فرصة إهداء
الاتحاد السوفيتي فيتنامه الخاصة , وبالفعل فقد تكبدت موسكو طوال
عشر سنوات عناء حرب لا طاقة لها على احتمالها , فتداعيت معنويات
جيشها في البدء , ثم انهارت الإمبـراطورية السـوفيتية بـرمتها ).وبذلك
تكون أفغانستان المحطة الحقيقية وان لم تكن الأخيرة التي توقف عندها
القطار السوفيتي في عام 1979 توقفا شكل رصاصة الرحمة في نعش الإمبراطورية
الحمراء والمستنقع الذي سقط فيه حتى غرق كما وصفه العديد من المحللين
, برغم مرور ذلك القطار بالعديد من المحطات الهامة والخطيرة بعد
ذلك والتي كان لها الأثر البالغ في توالي الضربات على جسد الاتحاد
السوفيتي وتسبب في القضاء عليه بشكل بطئ , كإسقاط الطائرة المدنية
الكورية إثناء تحليقها فوق مناطق حساسة وعسكرية والتي اتهمت فيها
موسكو الولايات المتحدة الاميركية بمحاولة تغطية نشاطات تجسس لطائرة
استطلاع اميريكية , وتوتر العلاقات بين الدولتين , وانفجار مفاعل
تشرنوبيل - المحطة النووية في أوكرانيا - والتي شكلت ضربة قاصمة
للاقتصاد السوفيتي وهزة للجبروت الشيوعي , وتوالي الصراعات داخل
الجمهوريات السوفيتية وخصوصا في أذربيجان ودول البلطيق لرغبتها بالانفصال
, وتهاوي الأنظمة الشيوعية واحدا تلو الأخر وإعادة توحيد ألمانيا
, وأخيرا استلام غورباتشوف للسلطة الروسية وإعلانه لسياسة التعايش
الدولية , واعترافه باستقلال أول الجمهوريات المنشقة , واستقالته
بعد ذلك , وتصفية الاتحاد السوفيتي سياسيا مع نهاية عام 1991 وانهياره
عمليا في 31 ديسمبر من نفس العام .فتوجه العالم بأسره بعد ذلك الحدث
غير المتوقع إلى عصر جديد تقوده الولايات المتحدة الاميركية وحدها
بل وتتسيده بشكل شبه كلي , ومن أفغانستان بدا ذلك الانقلاب في المفاهيم
السياسية المعاصرة التي أثرت بعد ذلك على الخارطة السياسية للعالم
بدون استثناء , فما صنعته هذه الأخيرة في ذلك البلد من تحولات براغماتية
لعبت من خلالها على جميع الأوراق السياسية الممكنة والغير ممكنة
التي كفلت لها الدخول من أوسع أبواب السيادة والسيطرة على العالم
, بداية من دفع الدب السوفيتي إلى الدخول في السديم الأفغاني والتغرير
به من اجل إسقاطه للتفرد هي بتلك الزعامة العالمية , ومرورا بأبرز
مآثرها السياسية اللااخلاقية على ذلك البلد بخداع التنظيمات التي
ساعدتها على إسقاط الاتحاد السوفيتي والانقلاب عليها والتخلي عنها
بعد ذلك كما سنرى ذلك في الأوراق القادمة بل ومحاربتها بجميع الطرق
السياسية الممكنة. فكما هو معلوم بان الولايات المتحدة الاميركية
وبعد خروج آخر الجنود السوفيت لم يعد إمامها سوى التعاون مع المالكين
الجدد للأراضي الأفغانية وذلك من اجل تحقيق أهدافها الإستراتيجية
الخفية المتمثلة في السيطرة على خطوط النفط والغاز وغيرها من الأهداف
الإستراتيجية السرية ، ولم يكن ذلك ممكنا في ظل وجود متنافسين كثر
على سدة الحكم في أفغانستان , فهي تعلم بان ذلك لن يوفر لسياساتها
الامبريالية التوسعية الأمان المطلوب , وبذلك لم يكن إمامها سوى
دعم التنظيم الأقوى والمتمثل في الحركة التي كان لها دور رئيسي في
خروج السوفييت وهي حركة الطالبان,وبالفعل قد قامت بتثبيت هذا التنظيم
بكل الطرق الممكنة على الأراضي الأفغانية والتعاون معها من جديد
ولكن هذه المرة من نواح جديدة كان على قمتها التعاون الاقتصادي والتجاري
المتمثل في بناء خطوط للنفط والغاز على تلك الأراضي التي تشرف عليها
في الوقت الراهن تلك الحركة , كما وتقوم بحماية تلك الخطوط بالإضافة
لمصالح الولايات المتحدة الأميركية على تلك الأراضي وتمكينها منها
بشكل كلي مقابل الدعم السياسي والعسكري لإعمال الحركة. وقد علقت
صحيفة الهيرالد تريبيون الدولية في مقال للكاتب فيتشت جوزيف بعنوان
القلق المتصاعد من أن يزرع الطالبان الاضطراب خارجا بتاريخ 26 سبتمبر
1998 حول هذا الموضوع قائلة انه : في صيف عام 1998 كانت ادراة كلينتون
تتناقش والطالبان حول إمكانية بناء خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز
الطبيعي من تركمانستان إلى المحيط الهندي مرورا بأفغانستان وباكستان
. وفي هذا السياق كذلك يعلق دانا رورباشر عضو الكونغرس الاميركي
إمام اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية لأسيا الجنوبية بتاريخ 14
/ 4 / 1999 منتقدا السياسة الاميركية السرية للتعاون مع الطالبان
من اجل تحقيق أهدافها السابقة , وهو عضو في الكونغرس الاميركي وعضو
رفيع المستوى في المجلس الاميركي للجنة العلاقات الدولية , وقد عني
بالسياسة الاميركية في أفغانستان لمدة 20 سنة كما قد سافر عدة مرات
إلى الأراضي الأفغانية فيقول : ( أصّّّّّّّرح بان هذه الادراة قامت
بتنفيذ سياسة سرية في الماضي وحتى اليوم تقضي بدعم حركة طالبان في
سعيها للسيطرة على أفغانستان ..... وترتكز هذه السياسة اللااخلاقية
على الاعتقاد بان الطالبان كفيل بتامين الاستقرار لأفغانستان وبالسماح
ببناء خطوط أنابيب لنقل النفط في أسيا الوسطى عبر أفغانستان و الباكستان
)
كما أن الولايات المتحدة الاميركية ومن اجل تحقيق مصالحها وإطماعها
الشخصية لم تكتفي بالتعاون مع الطالبان على المستوى العسكري و اللوجيستي
أو بالدعم المادي والاستخباراتي في ذلك الوقت, بل تعدت ذلك إلى الدعم
السياسي من خلال حلفائها في المنطقة , رغم تحذير العديد من الباحثين
والمخططين السياسيين للولايات المتحدة الاميركية من خطورة هذا الدعم
وخطر هذه الظاهرة , وفي هذا السياق يقول احد الذين تنبؤا بخطورة
هذا القزم السياسي والعسكري الذي ربما تحول إلى مارد يصعب السيطرة
عليه بعد ذلك وهو الأخصائي في شؤون أسيا الوسطى من مركز ودرو ويلسون
الدولي للعلماء سيلغ هاريسون فيقول : ( حذرتهم من أننا ننفث الروح
في وحش , وجاء ردهم - أي القيادة في اميركا - بان هؤلاء الأشخاص
متطرفون وكلما كانوا عنيفين كلما حاربوا السوفييت بشكل اعنف ) ,
وهكذا قادت السياسة الأميركية شعب بأكمله إلى حتفه دون أي اعتبارات
أخلاقية أو إنسانية لما قد يعانيه ذلك الشعب من جراء هذه السياسة
التي لم تراعي غير اعتباراتها ومصالحها وإطماعها الفردية .
الطالبان .. والورقة الخاسرة
لم تكن الولايات المتحدة الاميركية لتهتم بخطورة مستقبلها في أفغانستان
أو خطر وحش صنعته أو ساعدته ربما يتحول عليها بعد ذلك بقدر اهتمامها
بمصالحها الشخصية والإستراتيجية والمتمثلة في ذلك الوقت بإسقاط الاتحاد
السوفيتي والسيطرة على أفغانستان , و تمكنها من إقامة مراكز اقتصادية
وقوة تجارية متمثلة في خطوط النفط والغاز ولا شي غير ذلك , فعندما
قامت بالتعاون مع حركة طالبان كانت تقودها المصالح والإطماع الاستعمارية
, كما أنها وعندما قامت بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي نفسه - أي
عدوها القديم - من جديد بعد اكتفائها من خدمات تلك الحركة , لم تكن
لتهتم بازدواجية معايرها السياسية في ذلك أو خطورتها المستقبلية
على سياستها الخارجية في المنطقة , فكما هو معروف بان التاريخ السياسي
لهذه الإمبراطورية ليؤكد لنا بان السياسة الخارجية الاميركية لا
تؤمن سوى تؤمن بالتحالفات القائمة إلا على المصالح فقط , وكل ما
دون ذلك لا يعتبر سوى نزوات تقودها المصالح الآنية للإمبراطورية
. فبمجرد أن أحست الولايات المتحدة الاميركية بأنها لم تعد بحاجة
إلى حركة الطالبان وخصوصا بعد تأكدها بان هذه الحركة لن تتمكن من
تثبيت الأقدام الاميركية على هذه الأرض التي غطتها الحرب بطبقة من
العازل المناعي تجاه استقرار أي من القوى العظمى أو الإقليمية لفترة
طويلة , وانه بات من المستحيل أن تقوم هذه الحركة على تامين الاستقرار
للإدارة القائمة على بناء خطوط النفط والغاز فما من جو يسود فيه
الأمان يخولهم لذلك , بالإضافة إلى ذلك فلم تعد الأحزاب تخدم المصالح
الاميركية والأهداف التي كانت تسعى إليها , وبدأت كذلك فكرة مناهضة
الولايات المتحدة الاميريكية والعداء لها تسيطر على الإيديولوجية
الفكرية للحركة و بالتالي ففي عام 1999 بدأت الولايات المتحدة تنظر
إلى الطالبان كعائق أساسي أمام مصالحها مما أفضي إلى تغيير السياسة
التي كانت تنتهجها الولايات المتحدة الاميركية تجاه طالبان .وفي
هذا السياق يقول الباحثان بريسار جان وشارل وداسكييه في دراسة أعداها
حول هذا الموضوع تحت عنوان " بن لادن الحقيقة المحظورة "
الصادرة بباريس في عام 2001 بان الحكومة الاميركية قد أملت حتى أغسطس
من عام 2001 في أن يشكل الطالبان مصدر استقرار في آسيا الوسطى يسمح
ببناء خط أنابيب عبر أسيا الوسطى من حقول البترول الكثيفة في تركمانستان
و أوزباكستان و كزخستان عبر أفغانستان وباكستان إلى المحيط الهندي
, ويبرز جليا أن من العام 1999 حتى 2001 بدأت الشكوك تساور الولايات
المتحدة شيئا فشيئا فيما يخص الآمال التي علقت على هذه الناحية .وهكذا
كان لابد من التخلص من هذه العقبة التي شكلتها و " صنعتها "
من قبل , فبدأت بوضع خططها الإستراتيجية لذلك وعادة من جديد لبناء
علاقة تعاون من اجل المصالح مع عدوها الذي كانت السبب في انهياره
من قبل - ونقصد الاتحاد السوفيتي - فقامت بإبرام اتفاق يقضي بامتناع
الطرفين عن دعم أي من الأحزاب المناضلة في الحرب الأفغانية والتي
كانت الولايات المتحدة الاميركية الداعم الرسمي والممول الأكبر لها
, وعلى رأسها تنظيم طالبان , وفي نهاية المطاف لم تكتفي بالاتفاق
بل تعدته إلى قيام تحالف عسكري مشترك بينها بين عدو يختلف معها في
المفاهيم والإيديولوجيات الفكرية وكل ذلك من اجل عدو مشترك جمعهما
إلا وهو تنظيم الطالبان. هذا التنظيم الذي كان مجرد تجمعات مستقزمة
قد تمردت على عدو ساعدها من اجل مصالحه وانقلب عليها بعد ذلك , بل
وقام بحربها ومحاولة تدميرها , ولكن ما لم تكن تحسب له الولايات
المتحدة حسبان بان هذا التنظيم قد تحول إلى مارد يصعب تحطيمه بسهولة.
فكان ما لم تتوقعه الولايات المتحدة الاميركية حيث أن هذه الحركة
قد تحولت تحولا سياسيا قامت من خلاله باعتلاء سدة القيادة والسيادة
في الدولة الأفغانية , وبطبيعة كون التنظيم هو الأقوى فقد سيطر سيطرة
كلية على مختلف إشكال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ,
بل وتعداه إلى نقل جل المفاهيم الفكرية الأصولية للحركة إلى واقع
الشارع الأفغاني , فكانت اغلب تلك الأفكار بطبيعة الحال تتضارب مع
المصالح والأهداف الاميركية في تلك المنطقة , بل وتتعداها إلى مفهوم
العدو الذي لابد من القضاء عليه بعد الشيوعية , وكذلك كان واقع لسان
الإمبراطورية الاميركية , حيث وجدت الولايات المتحدة الاميركية ذلك
تمردا عليها وخروجا على مصالحها السياسية التي تكبدت الكثير من اجلها
, وبالتالي تحولت الحركة نفسها التي مولتها سابقا وساعدتها إلى عدو
جديد لا يختلف عن الاتحاد السوفيتي الذي أخرجته من أفغانستان قبل
ذلك بأيدي تلك الأحزاب , و عدوا متوحشا ربما يكون الأخطر وبالتالي
فلا بد من القضاء عليه وتدميره قبل أن يستفحل شره وينتشر. وفي هذا
السياق الذي لم تكتفي فيه الولايات المتحدة الاميركية بالاتفاق السابق
مع الاتحاد السوفيتي بل تعداه إلى القيام بتعاون عسكري , حيث تحالفت
فيه الولايات المتحدة الاميركية مع الاتحاد السوفيتي من اجل القضاء
على تنظيم طالبان يقول فريدريك ستار وهو رئيس معهد آسيا الوسطى والقوقاز
من جامعة جون هوبكنز في مقال له بصحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 13
ديسمبر 2000 تحت عنوان " أفغانستان ارض مزروعة ألغام "
بأنه قد ( التقى كل من الولايات المتحدة وأعضاء في الحكومة الروسية
حول القيام بعمل عسكري يستهدف أفغانستان كما وبدأت تساور الولايات
المتحدة فكرة توجيه ضربة جديدة تهدف إلى إزالة أسامة بن لادن , وذهبت
إلى حد التساؤل عما إذا ستسمح لها دول أسيا الوسطى باستخدام أراضيها
من اجل نيل مآربها إلا أنها عدلت عن هذه الفكرة تحت وطأة الضغوطات
الدولية . واثر اجتماع عقد في موسكو في بداية يونيو لمح الرئيس الروسي
فلاديمير بوتين لدول الكومنولث المستقلة عن الإعمال العسكرية الموجهة
ضد الطالبان , وبحسب الدبلوماسيين , جاء تشكيل الجبهة المناهضة للطالبان
بعد اجتماع ضم وزير الخارجية الاميركي كولن باول ونظيره الروسي ايغورايفانوف
, فقامت كل من الدولتين بدعم الأحزاب والجماعات المناهضة للطالبان
, وأعيد سيناريو الصراعات الداخلية من اجل المصالح وفلسفة الانتقام
والانقلابات من جديد , وظلت الولايات المتحدة الاميريكية والروس
في موقف المتفرج أمام موجات القتل والتعذيب والتشريد الجماعي والانتهاكات
لحقوق الإنسان , وفي نهاية المطاف لا نستطيع أن نقول سوى أن أفغانستان
لم تكن سوى قطعة من قطع الشطرنج العالمية التي تديرها السياسة الخارجية
الاميركية و تحرك أحجارها في طريق إستراتيجيتها للسيطرة والسيادة
على العالم .فأعيدت أفغانستان من جديد إلى جسد مريض ومنهك والفضل
كله يعود للسياسة الاميركية التي ما فتئت تفرق وتشتت لتسد وتسيطر,
تزرع الفتن والخلافات لتنال اكبر قدر ممكن من الضحية التي تتناهشها
أنياب الفتنة والانتقام من كل مكان , نعم .. بسبب السياسة الاميركية
التي زودت هذا البلد بقذائف عنيفة ومدتها بالمال بغية دعم المعارضة
والأحزاب لتحطيم الاحتلال الشيوعي والانقلاب عليها بعد ذلك , كان
الخاسر الأول والأخير هو الشعب الأفغاني الفقير وكانت الضريبة في
نهاية المطاف هم الأبرياء من الأطفال والنساء والعجائز.
المسؤولية الدولية عن المأساة الأفغانية
عاش الشعب الأفغاني خلال الفترة من عام 1994 حتى ما قبل إحداث الحادي
عشر من سبتمبر , أي خلال الفترة التي أصبحت فيها الولايات المتحدة
الاميركية القيم على أفغانستان أن صح التعبير , حياة سوداء قاتمة
تتجاذبها صراعات المصالح من خلال الأحزاب التي دعمتها هذه الأخيرة
بشكل عام ووكالة الاستخبارات الاميركية بشكل خاص والتي انقلبت عليها
فيما بعد وبطريقة متوقعة لسياسة استعمارية متناقضة لا هم لها سوى
المصالح والإطماع , وكانت مساوئ تلك الفترة وبال على الشعب الأفغاني
الضحية الأولى والأخيرة لكل تلك التجاذبات والصراعات الداخلية ,
وخلال تلك الفترة لم تستجب كل تلك الإطراف للاتصالات الملحة التي
قامت بها منظمات حقوق الإنسان العالمية من اجل إيقاف تلك المجازر,
كما لم تتمكن تلك المنظمات من الحصول على تدخل فعال للهيئة الدولية
للقيام بواجبها لإنقاذ الشعب الأفغاني من ويلات تلك الحروب الطاحنة
.ورغم مسؤولية الولايات المتحدة الاميركية وروسيا بشكل خاص والمجتمع
الدولي بشكل عام عما يكابده الشعب الأفغاني من جوع وفقر وقمع , إلا
أن تلك الدول لم تحرك ساكنا تجاه تحقيق ولو جزء بسيط من مسؤوليتها
الإنسانية تجاه ما ارتكبته في حق ذلك الشعب الأعزل من انتهاكات لحقوق
الإنسان , وفي سياق هذه السياسة الدولية تشير منظمة العفو الدولية
بتاريخ 8 / نوفمبر / 1999 إلى : ( انه خلال عقدين من الزمن لم يبال
المجتمع الدولي تقريبا بالكارثة التي لحقت بحقوق الإنسان في أفغانستان
..... وفشلت كل من الولايات المتحدة الاميركية وحلفاؤها الأوروبيين
الغربيين والاتحاد السوفيتي السابق من وضع حد لازمة حقوق الإنسان
التي ساهموا في نشوئها.
كما يؤكد تناقض سياسة الولايات المتحدة الاميركية التي ادعت قبل
ذلك من أن ما تقوم به في أفغانستان هو لأجل مصلحة هذا الشعب , فهي
تسعى إلى تحويل أفغانستان إلى بلد ديمقراطي مستقر وصاحب سيادة ,
وتولية حكومة عادلة تحقق له الاستقرار والأمان والرعاية والخدمات
الإنسانية , ولكن هذه التكهنات والسياسة المتناقضة أثبتت فشلها الذر
يع في ذلك البلد فلم تتحول أفغانستان إلى ما كانت " تدعي "
الإمبراطورية الأميركية رغبتها في تحقيقه والدليل على ذلك ما أمست
عليه أفغانستان من شتات وفقر وجوع وموت , حيث " لم تنشا أي
حكومة وطنية أفغانية , كما أن البلد مجزأ وحريته مسلوبة ومصيره في
يد قوى أجنبية , وقد تم إلغاء كل الخدمات الاجتماعية والسياسية والإدارية
, وهيمنت الأحزاب المتحاربة , وطغت الروح الحزبية والتي ساهمت الإدارة
الاميركية في زرعها والأمم المتحدة في صونها كما يوضح ذلك الباحث
نور علي في كتابه مؤامرة حاكتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة
ضد الشعب في أفغانستان , عن معهد الدراسات الأفغانية بتاريخ 21 /
فبراير / 1998 . وختاما فان سياسة الولايات المتحدة الاميركية لم
تكتفي بكل ما فعلته تجاه الشعب الافغاني , بل ختمت ماثرها بحقيقة
مرة انهت من خلالها مالا يمكن ان يبرر من خلاله ادعاءتها ومبرراتها
الرامية لنشر الديموقراطية ورعاية حقوق الانسان في العالم بشكل عام
و في هذا البلد بشكل خاص , جيث ان حقيقة التخطيط لضرب أفغانستان
بمعزل عن إحداث 11 / 9 / 2001 وبمعنى آخر كانت تلك الإحداث بمثابة
" القشة " التي تعلقت بها الولايات المتحدة الاميركية
لتحقيق أهدافها وباقي إطماعها في المنطقة الأسيوية , لتنهي كل تلك
الادعاءات وبالتالي فانه لا يمكن لهذه الإمبراطورية أن تدعي تلك
المفاخر التي جاءت من اجل تحقيقها , بل أن ذلك يجعل من هذه الإمبراطورية
دولة استعمارية لا هم لها سوى إطماعها الخارجية وحماية مصالحه دون
أي اعتبارات إنسانية أو قانونية لباقي الأمم والشعوب , وهناك أدلة
كثيرة تشير إلى ذلك , وبالتالي فإننا لا يمكن أن نبرر للولايات المتحدة
الاميركية حربها على الإرهاب انطلاقا من الحدث السابق , بل أنها
مدانة بالتأمر على المجتمع الدولي بأكمله والتخطيط لاجتياح أفغانستان
واستعمار خيراته التي سبق وبيناها,وفي مسعى منها كي تكون لها أفغانستان
أول أحجار النرد التي ستسقطها ليتوالى بعدها سقوط باقي الأحجار على
رقعة الشطرنج الأسيوية ومن ثم الدولية . ففي مقال للكاتب ستيل جونثان
بصحيفة "ذي غار ديان" بتاريخ 22سبتمبر 2001 جاء ما مفاده
أن الولايات المتحدة الاميركية قد وجهت لأسامة بن لادن تهديدات حول
إمكانية توجيه ضربات عسكرية اميركية ضدهم وذلك قبل شهرين من الاعتداءات
على نيويورك وواشنطن ....
كما نقل الباحث نفيز مصدق احمد في كتابه - الحرب على الحرية - من
معهد الأبحاث والتطوير السياسي ما مفاده ان ( الحرب التي شنتها الولايات
المتحدة الاميركية على أفغانستان في أكتوبر كان قد خطط لها بمعزل
عن اعتداءات 11 سبتمبر , فبدلا من ان تشكل الحرب ردا على هذه الاعتداءات
إنما يبدو ان هذه الاعتداءات شكلت ذريعة تتسلح بها الولايات المتحدة
لتبرر تنفيذ الخطط المعدة سابقا للقيام بتدخل عسكري , بالإضافة الى
ذلك فقد تم وضع تلك المخططات المحددة بسبب عجز الطالبان عن تنفيذ
شروط الولايات المتحدة المتعلقة بالأهداف الاستراتيجية والاقتصادية
الإقليمية والتي كان من المقرر تنفيذها في أكتوبر من عام 2001 )
.
وفي نفس السياق نقلت مجلة نيوزويك (Newsweek ) في مقالة عنونتها
بـ " عملية درع السهب " ان الجيش الأميركي كان يحضر للقيام
بعملية في كازاخستان,وتم التخطيط للعملية على غرار عملية درع الصحراء
في الكويت والعراق التي أدت بنجاح الى إنشاء شبكة قاعدة عسكرية دائمة
في المنطقة تابعة للولايات المتحدة , ويعود بالتحديد مرد وضع خطة
الحرب الاميركية التي رأت النور منذ عام 1989 وهدفت الى غزو أفغانستان
الى اهتمامات إستراتيجية واقتصادية في أسيا الوسطى , ويعتبر المسئولون
الأميركيون أفغانستان نافذة مفتوحة على أسيا الوسطى وبحر قزوين وبالتالي
منفذ يؤدي الى سيطرة شاملة على القارة الأسيوية ككل , ومنها السيطرة
على أهم خطوط النفط والغاز في العالم . والمخزي في الأمر إن الأمم
المتحدة وهي الجهة الدولية الراعية لحقوق الإنسان والمسئولة عن إنصاف
الضعفاء ونشر الديمقراطية والعدالة في العالم , والضرب على يد الظالم
, لم تكتفي بالتملص من واجباتها تجاه ما ارتكبته تلك الدول والقوى
العظمى سابقا في حق الشعب الأفغاني , فاكتفت بالصمت وإهمال وتجاهل
كل مجازر والموت والانتهاكات لحقوق الإنسان , بل كان لها دور في
زيادة المأساة الأفغانية من خلال العقوبات التي فرضتها على الشعب
الأفغاني عندما رفضت الطالبان تسليم أسامة بن لادن الذي أصبح مطلوبا
للعالم باجمعه بتهمة ارتكاب مجازر حرب ودعم الإرهاب والوقوف في وجه
المجتمع الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الاميركية باسم الأمم
المتحدة , وفي هذا السياق ذكرت صحيفة تورينتو صن في ديسمبر من العام
2000 بان " الولايات المتحدة الاميركية قد خططت لفرض حصار على
أفغانستان مشابه للعقوبات المفروضة على العراق في وقت يتضور قسم
كبير من الـ 18 مليون نسمة من الجوع ويعيشون دون مأوى , كما قد نقلت
صحيفة "لندن جار ديان" قبل شهر من هذا التاريخ ما مفاده
أن الأمم المتحدة وسياستها المتساهلة مع التعنت الاميركي في أفغانستان
قد ساهمت في مزيد من المعاناة والظلم على شعب لم يكن دوره في هذا
كله سوى انه الضحية التي تتقاذفها رياح المصالح الأجنبية من فج إلى
أخر , وبالفعل " ازداد عذاب الشعب الأفغاني - كما تذكر الصحيفة
في عددها الصادر بتاريخ 24/ نوفمبر 2000 - عندما فرضت الأمم المتحدة
عقوبات على الطالبان بسبب رفضهم تسليم ابن لادن , ولكن هذه الخطوة
لم تؤذي طالبان لأنهم يملكون الأموال إنما أثرت على الشعب الأفغاني
العادي ... وبالفعل إن فرض العقوبات وسط المجاعة التي يعاني منها
أفغانستان أدى كما كان متوقعا إلى تفاقم الأزمة البشرية. وهكذا خرج
الشعب الأفغاني من جراء صراع القوى العظمى كالاتحاد السوفيتي والولايات
المتحدة الاميركية على رقعة الشطرنج الأفغانية الخاسر الوحيد , وساهم
في توسيع رقعة المعاناة اضمحلال دور الأمم المتحدة التي كان ممن
المفترض أن تكون اليد التي تمتد إلى ذلك الشعب بالمساعدة فإذا بها
تزيد من تعاسته ومرارة العيش التي يعاني منها كل لحظة , كما ساهمت
الجماعات الأفغانية المتصارعة والمدعومة من تلك القوى العظمى والتي
لم يكن همها سوى المحافظة على مصالحها من زيادة تلك المعاناة , وهكذا
ظل الشعب الأفغاني خلال تلك السنوات ينتظر من يمد له يد العون والمساعدة
, ولكن ما كان ينتظره في المستقبل القريب كان افضع من ما مضى , حيث
أعلنت الولايات المتحدة الاميريكية والعالم بأسره تحت ذريعة مكافحة
الإرهاب , بسبب التفجيرات التي حصلت بالولايات المتحدة الاميركية
في 11 /9 /2001 الحرب على الطالبان بزعامة أسامة بن لادن , وعاد
سيناريو المعاناة والموت من جديد على أبناء تلك الدولة الفقيرة التي
لم تكن تخرج من أزمة وفاجعة حتى تحيق بها أخرى تكون اشد من سابقتها
, وهكذا دقت طبول الحرب على الإرهاب وكانت أفغانستان أول المآثر
التي تستأثر بها سياسة الإطماع واللامبالاة تحت قيادة الإمبراطورية
الاميركية.
محمد بن سعيد الفطيسي
كاتب وباحث عماني
أعلى