|
فتاوى وأحكام
لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي
العام للسلطنة
س: يقول بعض الناس أنه يجب لمن أراد الحج أن يمكث في المدينة المنورة
ثمانية أيام وصلاة خمسة وأربعين فرضاً فهل هذا من السنة؟
ج: هذا كله لا أساس له من الصحة إذ لم يأت بهذا دليل من السنة ولا
عرفه السلف والله أعلم.
س : عن الزائرين لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا بالمدينة
عدة أيام هل الأفضل لهم ان يصلوا جمعاً أم قصراً؟
ج: المسافر إلى مكة أو المدينة أو غيرهما مطالب بالقصر للصلوات الرباعية
مالم يصلّ خلف مقيم فإن صلى خلف مقيم أتم والقصر لا يقابله الجمع حتى
يقال أيهما أفضل وإنما يقابله الاتمام ويقابل الجمع الإفراد لأن القصر
هو قصر الرباعيات سواء كان مسافرا يجمع أو يفرد والإفراد هو أفضل للمقيم
في البلد ولو يوماً أو يومين والجمع هو أفضل للجاد في السير والله
أعلم.
س ـ رجل أراد السفر إلى الحج أو العمرة من عُمان إلى جدة ثم ذهب أيضاً
من جدة إلى المدينة المنورة بالطائرة لقضاء الزيارة ثم عاد إلى جدة
أيضاً بالطائرة ليذهب بعدها إلى مكة بالسيارة لأداء العمرة من أين
يحرم هذا الرجل؟
ج: يحُرم قبل ركوبه الطائرة ولا حرج إن لبى بعدما تسير به الطائرة
ولكنه يتجرد من ثيابه المعتادة في ثوبي إحرامه قبل ركوب الطائرة لئلا
تمر به الطائرة على الميقات وهو في غير حالة الإحرام والله تعالى أعلم.
س: ما قولكم في المتمتع إذا أراد أن يخرج إلى جدة هل يصح له ذلك وهل
جدة من الحل أم من الحرم فإذا كانت من الحل فماذا يفعل إذا أراد الرجوع
إلى مكة؟
ج: لا مانع من ذلك وليس عليه إحرام لدخوله مكة وإن كانت جدة من الحل
والله أعلم.
س ـ إذا سافر الرجل القاصد للحج أو العمرة من عُمان إلى جدة بالطائرة
ثم ذهب مباشرة من جدة إلى مكة المكرمة بالسيارة لأداء العمرة فمن أين
يحرم؟
ج: يحُرم من آخر مطار يطير منه فإن كان يطير في مسقط ولا ينزل في أي
مكان بعد ذلك إلا في جدة فليلبس ثوبي إحرامه في مسقط وليتجرد من ثيابه
المعتادة وإن كان يطير من الرياض كذلك وإن كان يطير من البحرين فكذلك
ولا يعني ذلك أنه يجب عليه أن يحرم قبل الميقات ولكن هذا من باب الاحتياط
لئلا يجاوز الميقات وهو على غير إحرام وإن كان يعرف مكان الميقات وهو
على ظهر الطائرة ويتمكن من التجرد من ثيابه المعتادة قبل أن يتجاوز
الميقات فلا حرج عليه في ذلك وعلى أي حال فإنه يلبي بالعمرة أو بالحج
قبل أن يتجاوز الميقات والله أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
أهمية يوم عرفة والعيد عند المسلمين
ـ سيف الهادي: أرى أن يستثمر يوم العيد بالإعلانات
الدعوية والبطاقات وتوزع لغير المسلمين ليعلموا أن في الاسلام فسحة
وتسامحا.
ـ يوم عرفة يوم يمثل مشهداً من مشاهد يوم القيامة فعلى غير الحاج أن
يصوم هذا اليوم.
ـ العيد مظهر من مظاهر الفرحة الاجتماعية في الإسلام لأنه يشترك فيه
الرجال والنساء والاطفال معاً.
حوار ـ أحمد الجرداني: العيد مناسبة سعيدة ترفرف معها القلوب في حدائق
البهجة والسرور، فهو رمز الفرح والحبور ويحلو فيه مالا يحلو في غيره
من فرحة النفس وترويح البدن، ولكل أمة أعيادها الخاصة بها، وليس في
الإسلام أعياد سوى عيد الأسبوع ـ يوم الجمعة ـ؛ لحديث النبي صلى الله
عليه وسلم: (إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل
وإن كان طيب فليمسّ منه، وعليكم بالسواك) (أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني)،
وعيدين في السنة الفطر والأضحى، عن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول
الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: (ما
هذان اليومان؟) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما، يوم الأضحى
ويوم الفطر) (أخرجه أبو داود وصححه الألباني).
فلا ينبغي للمسلمين البتة التشبه بغيرهم من أهل المِلَل الأخرى بالاحتفال
أو المشاركة في أعيادهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَن تشبَّه بقوم
فهو منهم) (أخرجه أبو داود وصححه الألباني). ولما كانت حياة المسلمين
كلها بأفراحها وأتراحها ينبغي أن تكون لله عز وجل وتُحقق دوماً معاني
العبودية الخالصة له جل وعلا في كل حال وزمان ومكان، فإنه يتأتى عليهم
في أعيادهم أن يستنيروا بمشكاة السنة؛ لينالوا رضا الباري جل وعلا.
وفي هذه العجالة ارتأت (الوطن) أن تجري حوارا حول العيد وعرفة مع الشيخ
سيف بن سالم الهادي
* أولاً قبل التكلم عن العيد ما أهمية يوم عرفة؟
** بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام وعلى آله وصحبه
ومن ولاه، يوم عرفة هو اليوم الذي يسبق العيد وهو اليوم الذي يستمتع
به حجاج بيت الله الحرام حيث يجتمعون في ذلك المكان الطاهر وذلك اليوم
يحمل عدداً كبيراً من الجماليات كما أنه يحمل العديد من المواقف والعبر
والجماليات في يوم عرفة تتمثل
في ذلك الاجتماع الضخم الذي تجتمع فيه جموع الحجاج، من رجال ونساء
في موقف واحد وفي مكان واحد لايتخلف منهم أحد لأن النبي يقول: (الحج
عرفة). الحج كله متوقف على الوقوف في عرفة فجميع الحجاج يأتون في ذلك
المكان بهيئة واحدة وبلباس واحد وكلهم على لباس الاحرام إذ لايعذر
في ذلك اليوم أحد عن لبس لباس الاحرام، ذلك اللباس الابيض التي تبدو
معه تلك الجموع كأنها سحابة بيضاء غطت مساحة بيض من أفق هذا الكون،
الذي ينظر إلى تلك المناظر البديعة التي يجتمع فيها عدد كبير من المسلمين
في ذلك المكان يجد أن الاسلام العظيم يحمل لهذه البشرية خيرا عظيما
عندما يقودها إلى الوحدة والاتحاد وإلى نبذ الفرقة والاختلاف والمساواة
بين يدي الله سبحانه وتعالى في صف واحد إلى أشياء كثيرة لو تدبر فيها
المسلم لوجد انه يمثل في ذلك اليوم عمق تعاليم الاسلام، وهناك جماليات
كثيرة تبدو في هذا اليوم من ضمنها:
ـ أن الجميع في ذلك اليوم متوجه إلى الله سبحانه وتعالى إذ لاتسمع
في ذلك اليوم هرجا ولا مرجا ولا صوتا صاخباً ولاتجد إزدحاماً، كل الحجاج
في ذلك اليوم يتوزعون في اماكنهم المُهيأة لهم من غير ازدحام ومن غير
تنافس على شيء دنيوي سوى التنافس في العبادة والتقرب إلى الله تجدُ
كل واحد منهم يرفع اكف الضراعة إلى المولى عز وجل وتنحدر من فوق خده
دموع تعلن امام الله تعالى انها نادمة على ما مضى مستعدة لاستقبال
مابقي بالصالحات، كما ان تلك الجموع ترجو من الله تعالى ان يغفر لها
ذنوبها وان يدخلها جنات نعيم فيستجيبُ الله لها كما ورد في الحديث
لتلك الدموع المنهمرة، والايادي المرتفعة، فيباهي بهم ملائكته الكرام
فيقول (انظروا يا ملائكتي لعبادي قد جاءوا شعثا غبرا اشهدكم يا ملائكتي
أني قد غفرت لهم).
ـ في يوم عرفة انه من شدته وتأثر الحاج تجده يعزف عن الطعام لأنه مشغول
بشيء أعظم لذة وأكثر روعة في نفسه من لذة الطعام وتتسارع الشمس حول
المغيب ويتسارع الحاج في الدعاء ويلح الحاحاً عجيباً كأنه يقول لربه
سبحانه وتعالى: يارب لا أريدُ الشمس ان تغرب إلا وقد غربت معها ذنوبي
ولا اريد ان ينتهي هذا اليوم إلا وتنتهي معها مكائد الشيطان ووساوسه،
ليطلع اليوم الثاني على صفحة جديدة من حياته.
العجيب أن الشمس في جميع الايام تسارع نحو الغروب في هدوءٍ تمام من
غير ضجة، لكن سرعتها نحو الغروب في يوم عرفة شيء غير مرغوب لدى الحجاج
الواقفين في ذلك اليوم، إذ يتمنون ان تبقى الشمس واقفةً في ذلك اليوم
لاتتحرك حتى تذوب تلك النفوس بين يدي ربها وحتى تأخذ قناعتها من الدعاء
والذكر والتسبيح لله تعالى، والخلائق كلها لو أفنت أعمارها وتقاطرت
في عبادة الله تعالى لما أدت شكر نعم الله تعالى عليها.
ـ ومن جماليات يوم عرفة انه بعد غروب الشمس تبدأ جموع الحجاج تتجه
إلى مزدلفة يتحركون بصوت يرتج فيه ذلكم المكان وتتجاوب معه أركان الكون
بقولهم (لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك
والملك).
ذلكم اليوم يمثل كل الحج تقريباً لأنه اليوم الوحيد الذي يشعر معه
الحاج بعمق التأثير الروحي الذي يحدثه الحج في نفسيته لان الجميع في
ذلكم اليوم يبتهل ويبكي امام عظمة الجبار جل جلاله الله سبحانه وتعالى
طامعاً في ثوابه راغباً في أجره.
لو تحدثنا عن جماليات يوم عرفة لطال بنا المقام.
وتطرق الشيخ عن المواقف والعبر في يوم عرفة فقال: إن هذا اليوم يمثل
مشهداً من مشاهد يوم القيامة، يمثل مراحل الوقوف بين يدي الله سبحانه
وتعالى يمثل جزءاً من أجزاء الحساب يوم القيامة لأنهم سواسية ولأنهم
ينتظرون من الله سبحانه وتعالى ان يمن عليهم بالرحمة والغفران ولأنهم
في ذلكم اليوم لا يشغلهم سوى أنفسهم، وكذلك يوم القيامة لاتشغلهم سوى
أنفسهم.
وقال: إن يوم عرفة هو يوم إعلان جماعي للتوبة امام الله سبحانه وتعالى.
ولا ننسى صوم يوم عرفة فقد وردت بعض الأحاديث التي ترّغب في صوم هذا
اليوم على انه يوم مبارك ويوم مشهود والايام العشرة الاول من ذي الحجة
كلها أحب إلى الله من العمل في غيرها لأن العمل الصالح مضاعف فيها
الاجر والثواب، كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (ما
من أيام العمل الصالح فيها اعظم عند الله سبحانه وتعالى من هذه العشر).
ويوم عرفة واحد من هذه العشر لكنه يتميز عليها بميزات كثيرة لأنه سيد
الايام وأفضلها على الاطلاق ويستحب لغير الحاج أن يصوم ذلك اليوم اما
الحاج فلا يصوم ذلك اليوم يكره في حقه على اعتبار انه لابد ان يأخذ
طاقة كافية من الدعاء والعبادة لله سبحانه وتعالى.
فيوم عرفة يوم مرغب في صيامه يكفر ذنوب السنة التي قبلها أي الذنوب
الصغيرة فالذنوب الكبيرة تكفرها التوبة والرجوع إلى الله بقلب نادم
على ما فرط في الايام الماضية والله اعلم.
* بماذا يستقبل المسلم العيد؟
** العيد فرحة جماعية يشترك فيها المسلمون جميعاً، فيعبرون فيها عما
في انفسهم من فرحة وسرور في طاعة الله سبحانه وتعالى.
والعيد جاء استجابة للطبيعة البشرية التي ترغب في ان تكون لها ايام
تفرح فيها وتنفس عن كروبها وتشترك معها في تلك الفرحة كل فئات المجتمع
وكل الطبقات
وكل الناس الذين يعيشون فيه، فالفرحة الجماعية عادةً مايكون لها وقع
خاص
في النفس فعندما نجد الناس يفرحون بفرحة ويشاركون الناس بالسرور فإن
ذلك ممتع ورائع بالنسبة لهذه الفرحة أي فرحة العيد.
والعيد في الاسلام هو دلالة واضحة على ان الاسلام جاء ليلبي فرحة النفس
وبما يوفر لها المساحة الكاملة لتعبير عما في نفسها وعما تجدهُ وعما
ترغبُ فيه
من متع الحياة الدنيا متعة الحلال المباحة لان يوم العيد عندما نجد
السيرة النبوية والنصوص نجد ان يوم العيد كان مظهرا من مظاهر الفرحة
الاجتماعية في الاسلام لانه يشتركُ فيه الرجال والنساء معاً يخرجون
من بيوتهم بأبهى ملابسهم الساترة وبأجملها ويتجهون في منظر جميل الى
مصلى العيد، النساء في مكان والرجال في مكان.
فتطرق الشيخ قائلاً: لقد زرت إحدى الدول فوجدت سنة خروج النساء إلى
مصلى العيد موجودةً في تلك البلدان ومضبوطةً بشكل جيد حتى لاتخرج عن
إطارها المرسوم والمحدد لها، فالجميع اذاً في يوم العيد يخرج ليعبر
عما في أنفسهم من فرحة فيستمع الجميع للخطاب السنوي الذي يلخص فيه
الخطيب احداث ذلك العام وحكم الاسلام في مجرياته ويوجه نصيحة سنوية
أي ان مفعولها لمدة سنة كاملة ويتحدث الخطيب ايضاً عن ظاهرة معينة
في المجتمع او عن مشكلة يساهم في حلها عن طريق توجيهات الاسلام الحنيف
فيستمع الجميع في ذلكم اليوم وبحضور الجميع لايتخلف منهم أحد من الاولاد
والرجال والنساء.
فالتقرير السنوي (الخطبة) في عيد الاضحى لابد من متخصصين فيتكلمون
بفهم عميق في تعاليم الاسلام الحنيف لكي يصلحوا بذلك المجتمع فينشروا
روح التعاون بين الناس فبعدها يعودون إلى البيوت يهللون ويكبرون ويذبحون
الاضاحي.
فالعيد جاء ليلبي رغبة النفس في ان تُنفس في يوم واحد من ايامها وان
تشترك في فرحة جماعية مع المجتمع.
فعندما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وجد أهلها يحتفلون
في يوم لهم فسألهم عن ذلك اليوم قالوا يوم نحتفل فيه قد سموه باسمه
لكن باسم معين
لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم ان الاسلام يلبي هذه الرغبة لا
يمنعها ولا يكبتها فقال الرسول عليه السلام ان الله ابدلنا بدل هذا
اليوم بيومين في الاسلام هما يوم الفطر والاضحى.
فنجد ان الممل الاخرى لها يوم واحد اما نحن المسلمين فيومان في السنة
وواحد في الاسبوع يوم الجمعة فهذه كرامة من الله تعالى لهذه الامة
فأعطى الله الامة الاسلامية مساحة واسعة لكي يحتفلوا بها إذاً فالإسلام
واسع وليس ضيقا ولكن بالامور التي اوجبها الله سبحانه وتعالى.
* هل من كلمة أخيرة حول هذا الموضوع؟
** أرى ان يستثمر يوم العيد بالإعلانات الدعوية او البطاقات لتوزع
لغير المسلمين ليعلموا ان في الاسلام فسحة وتسامحا وسلاما فنُعرفهم
بالاسلام وندعوهم اليه لكي تعلم الملل الاخرى ان الاسلام يحمل لهذه
البشرية كل الخير والاستقرار وكذلك على القنوات الفضائية ان تعلن للبشرية
ان الاسلام دين فيه فسحه وتُعرفهم عن حقيقة الاسلام المخفية فيعلن
للبشرية ان الاسلام ليس فيه تعقيد ولاتشديد فمن خلال هذه القنوات يتعرفوا
عن عيد الاضحى والفطر ونسأل الله تعالى أن يعم على هذه الامة أعيادها
بالخير والسرور هذا والله تعالى أعلم وأحكم وكل عام وجميع المسلمين
في بهجة وسرور.
أعلى
مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الدكتور الشيخ علاء الدين زعتري
لقد شبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع
بركاب سفينة واحدة؛ فلو فكر بعضهم بأن يتصرف بالسفينة منفرداً عن رأي
الجماعة الكبرى فسيحيق الغرق بالجميع، وكذا أصحاب السيئات والمنكرات
يوم يفعلون ما يفعلون بدوافع الحرية الشخصية، وادعاء الديمقراطية،
ولا أحد يُسأل عن أحد، فهم يخرقون في سفينة الحياة خرقاً؛ ولو كان
خرقهم في الجزء الذي يعيشون فيه؛ إلا أن آثاره ستعم كل الركاب، وآثار
المعاصي ستصيب كل المجتمع، قال الله تعالى: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً
لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً).
فالواجب على المسلم إذا رأى منكراً أن ينهى عنه، ويذكر فاعله، وينصح
مرتكبه؛ وإلا فالعاقبة وخيمة.
ففي الحديث: (مثل القائم في حدود الله ـ أي الذي يأمر وينهى ـ والواقع
فيها ـ غير مبال ولا مكترث ـ كمثل قوم إستهموا على سفينة فصار بعضهم
أعلاها وبعضهم أسفلها.. فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا
على من فوقهم.. فقالوا: لو أنّا خَرقنا في نصيبنا خَرقاً ولم نؤذ من
فوقنا.. ثم قال: فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً.. وإن أخذوا على
أيديهم نَجوا ونجوا جميعاً)
وها نحن اليوم تطالعنا فئة من الناس متأثرة بالمدنية الغربية، تتبنى
أفكاراً خاصة؛ فالحرية الشخصية المطلقة التي وصلت لدرجة الفوضى في
الأساليب، وأن من حق الإنسان أن يتصرف كما يحلو له، ويعمل ما يناسبه
دون تدخل من أحد، ودون رادع من ضمير، أو وازع من دين.
فبئس هذه الدعوات المنحلَّة وتعست هذه الحريات المنحطة، وبالفشل باءت
هذه الصيحات المقيتة.
عباد الله: إن للأمة الإسلامية خصائصها الذاتية، ولها مكوناتها الفطرية
والقيمة، وإن من أهم خصائص الأمة المحمدية: الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر.
فيا أمة الأمر بالمعروف، ويا أمة النهي عن المنكر: لا تتخلوا عن مهمتكم،
ولا تتولوا عن مسؤوليتكم، ولا تتنكروا لخصائص أمتكم؛ فإن الله توعد
المتخلفين بسوء العاقبة إذ قال: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ
قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).
لقد مر على الأمة زمان ضاعت فيه القيم السامية، وغابت فيه المُثُل
العليا، وانتشرت فيها أفكار ومبادئ هي في أحسن أحوالها تخدم الدنيا
الفانية، ولا ترتبط بالدين، ولا تربط الإنسان بخالقه، بل تجعله أسيراً
للشهوات، وعبداً للملذات، وكان المصلحون وما زالوا يقولون:
لعل الحوادث التي تُمتحَن بها الأمة تُوقظ القلوب فتعود إلى ربها،
ولعل المحن تدفع للانتباه فيتحول الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر وتحصل التوبة والصلح مع الله، ولعل الناس ـ عند البلايا
ـ يعبرون ما بأنفسهم فيغير الله من أحوالهم، ولكن للأسف لم يحصل من
هذا إلا القليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
واستعرض معكم بعض ما يجري في حياة المسلمين ليحاسب كل منا نفسه: إن
كان على طريق الهداية أم انحرف إلى الغواية دون أن يشعر؟.
اسألكم بالله عليكم هل انتبه المتخلفون عن أداء الصلاة ليؤدوها، هل
حركت المحن والفتن العاصفة بالأمة أقواماً ليهتموا لحضور الصلاة مع
الجماعة؟!.
أسألكم عن أولئك الذين كانت بيوتهم تعج بالمنكرات والملهيات، هل خرج
من بيوتهم شيء من هذه المنكرات، وهل انقصوا عن أنفسهم شيئاً من الملذات؟!.
أسألكم عن الذين يصبح أولادهم على الرسوم المتحركة، ويمسون على الأغاني
والأفلام والمسلسلات الرخيصة، والتمثيليات التي تدعو إلى الرذيلة،
هل غيَّروا برنامجهم أثناء المحن والشدائد، والمصاعب التي تمر بالأمة؟!.
لقد كان المثل الذي يُضرب بضياع الوقت أمام التلفار محدودا؛ بأن وقت
فلان من الناس ملئ بالنظر إلى التلفاز من العَلَم إلى العَلَم، وإذ
بالأمر ازداد سوءاً وأضحى الوقت متواصلاً ليلاً من النهار، 24/24؛
عبر شاشة تعرض أكثر مما تراه العينان، وأكبر مما يسعه العقل، وأوسع
مما يستوعبه الفكر.
وأخبث ما يُعرض هو هذا الذي أسموه بتليفزيون الواقع (real tv)، وعلى
الهواء مباشرة (life) تُصور فيه حياة عدد من الأشخاص (فتيات فقط أو
فتيات وفتيان) وهم يمارسون حياتهم العادية بشكل كامل تحت مراقبة العديد
من الكاميرات ومتابعة الجمهور، وعلى تعبير أحدهم (فئران في أقفاص ملونة).
فالمجتمع يمر بمرحلة صعبة تشهد انهيار المشاريع الكبرى مما أدى به
إلى حالة من الفراغ النفسي هيأته لاستبدال الاهتمام بالاهتمامات السطحية
التي لا تحتاج قدرا كبيرا من التفكير والتركيز وتقديمها على المواضيع
المصيرية.
برامج تليفزيون الواقع، تكشف حدة التناقض الذي يواجهه المجتمع، وتكشف
الإحساس بالعجز عن التغيير، الأمر الذي يخلق حاجة ماسة للهروب من الواقع.
والأمة نعيش في محنة، وأسألكم عن الذين أصبح الاختلاط ديدناً لهم في
كل مناسبة، وحتى بلا مناسبة، هل تركت هذه العادة القبيحة على الأقل
أثناء الفتن والحوادث، هل اعتبروا واتعظوا، هل تأملوا وتفكروا؟!.
تعيش الأمة في محنة، وأسألكم عن الأسواق، وما أدراك ما الأسواق؟، أسألكم
عن المتبرجات بالزينة فيها، وعن المنكرات التي تحويها، وقد أصبح التسوق
عادة وسلوكاً؛ لا شراء للأغراض، وقضاءً للحاجات، وأضحى (الشوبينغ)
لهو وتسلية، لا مكاناً لتبادل السلع والمنافع، ولن أزيد أن بعض الأسواق
أمست لعرض الأزياء أو الأجساد أو البحث عن العرسان، أسألكم عن الأسواق
وقد أقيمت فيها المتنزهات، وأنشأت فيها أماكن للمشروبات والمطعومات،
فأي اختلال في التوازن قد حصل، والإرشادات الإسلامية أن لا تكون أول
الداخلين إلى الأسواق، ولا آخر الخارجين منه، وعلمنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن يقول أحدنا وهو داخل على السوق: لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
أسألكم والأمة في محنة هل نقص عدد محلات عرض الأفلام أو بيعها، أم
زاد؟، فهو يحقق مزيداً من الأرباح في أحسن مبرراته، ويفسد الأخلاق
وينشر الرذيلة إذا كان متعمداً؛ فبئس تلكم الأرباح التي تُجنى بنشر
الفساد، وتُحصَّل بتعميم الرذيلة.
أسألكم هل سمعتم عن بائع تسجيلات أغاني مائعة قد أقفل محله متأثراً
بما يجري لإخوانه من قتل وتدمير وإبادة؟ أو على الأقل هل غيَّرها إلى
تسجيلات إسلامية نافعة؟!.
أسألكم هل زاد عدد الناس المتوجهين إلى المساجد بدل اتجاههم إلى المقاهي
والملاعب، هل رأيتم ازدحام الشباب على أبواب المساجد دخولاً كازدحامهم
على أبواب الملاعب؟!، والأمة تعيش في محنة.
أبالرياضة نبني مجد أمتنا
أم بالفنون وبالأفلام ننتصر
يا مسلمون، يا مؤمنون، يا عقلاء، يا حكماء، أخاطب فيكم: الإسلام والإيمان
والعقل والحكمة: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، مروا بالمعروف وليكن
أمركم بالحكمة والمعروف، وانهوا عن المنكر وليكن نهيكم بالحسنى والمعروف.
فاصدقوا في أقوالكم وأخلصوا لله في أعمالكم، واصحوا من سباتكم، واقتلوا
شهوات نفوسكم، وأفنوا منكرات أعمالكم.
اللهم الهمنا رشدنا، واجعلنا خَدَمة لدينك، وحراساً لشريعتك، واستعملنا
في صيانة كرامة الأمة.
أعلى
|