
باختصار
صيحات ضد الدنمارك
هذه الضجة ضد صحيفة دنماركية اشارة الى نظرة
اوروبية غير واقعية للعالم الاسلامي. بات معروفا لماذا يتحين بعض
الغرب الفرص لاطلاق هذا النوع من التحدي ضد المسلمين الذين تجاوزوا
خمس العالم وصار لهم حضور في شتى الميادين ابرزها نفطية ومن ثم اقتصادية
ومالية اضافة الى المكان والموقع وغيره.
هذا التحرش الدنماركي والنرويجي ليس له سوى تفسير واحد هو التعدي
على قيم اسلامية كبرى بغية اثارة المسلمين وتأليب نزعاتهم. لايرد
المسلمون عادة بشكل فوضوي لان مفاهيمهم السمحاء ترفض العين بالعين
والسن بالسن،بل هي تذهب للضغط على تلك الدول وتحديها في عصبها الحساس
الذي هو الاقتصاد. وقد لايكفي الاعتذار لان المسألة تتجدد دوما دون
مناسبة وفي وقت تختاره تلك الدول او مؤسساتها الاعلامية لسبب او
لآخر.
للمسملين الحق في افتراض سوء النوايا لدى الدولتين الدنمارك والنرويج
اللتين اعتذرتا عن الصحيفة،لكن حرية التعاطي مع قيم المسلمين تفترض
الاسهام بضبط قواعد الاعلام واحترام المثل العليا لهم والتنبه الى
ان تكرار تلك الحادثة لايعني عفويتها ومجرد مزاج لرئيس التحرير او
المحررين. ان عشر صور لعينة منشورة في صحيفة دانماركية عمل مقصود
ومبرمج في وقت يتحاشى فيه المسلمون التعدي على قيم الآخرين ايا كانت
، بل لدى المسلمين ايمان قوي بأن الاديان الاخرى هي تراث انساني
له قيمه ومحفوظ في الذاكرة البشرية ومقروء بعناية من قبلهم وان ذكره
ايضا جاء في القرآن الكريم.
ينبغي اذن ان تعاقب الدولتان على سكوتهما ازاء إعلامهما وخاصة الدنماركية.
ان قيامة العالم الاسلامي على هذا النوع من الاساءة والتحريض لم
يمر بسلام ولم يكن حادثة عادية. ويجب ان يعلم الاوروبيون ان الاسلام
الذي كان يوما حضارة عظيمة تمكنت من الوصول الى معظم اركان الارض
، كان دينا سمحا ومسامحا وكان رواده واهله على علم مسبق بانهم يقيمون
العدل في الارض وقبلها لايكنون اي عتداء على اديان موجودة قبلهم
وإنما تعاملوا معها بروح صافية بعدما اغنوا التراث الانساني بما
هي افكار دينهم الحنيف.
لن نقول اننا في عصر الحروب الدينية ولا هو مطروح ذلك الشعار وان
كان البعض عبر عنه بطرق تتلاءم مع ميوله الاستعمارية. ان تلك الميول
لاتقوم على الاطاحة بالاسلام وانما سعيها مقرون بحرصها على مصالحها
والتفتيش عن المواقع التي تتيح لها السيطرة من اجل تلك المصالح.
ربما غزت الولايات المتحدة العراق وافغانستان لاسباب سياسية لكن
الكود السوري في هذا الغزو هو ديني ايضا وليسمحوا لنا بان يقولوا
العكس،ومع ذلك لم يرفع السلمون شعارا عنصريا بل قرروا الرد مقاومة
ضد الاحتلال وكل صفاته البغيضة.
سيظل الاسلام بريئا من كل محاولة استفزازية كما سيظل المسلمون اكثر
واقعية في هضم اللعبة السياسية العالمية من باب المصالح كما ذكرنا..
ان المسملين يحترمون المسيح احترامهم ومحبتهم وتقديرهم لرسولهم الاكرم.
ولن يستطيع متعصبون ان يثيروا في المسملين غريزة الانتقام لاسباب
دينية. لقد مرت الحروب الصليبية على بلادنا مئات السنين ثم اندثرت
بفعل المقاومة وقبلها بالتمسك الخلاق بقيم الدين الاسلامي وروعة
مآلاته.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

أصداف
صواريخ العائلة السعيدة
بين الصواريخ المدمرة،والعائلة الآمنة
، والسعادة التي يبحث عنها الجميع ، لا تستطيع أن تتعرف على ملامح
هذا العنوان، إلا عندما تقرأ قصائد شعرية بموضوع سياسي ملتهب، كتبها
الشاعر العراقي المبدع علي حبش، وضمها ديوانها الذي صدر مؤخراً،
وفيه قال كلمته عن هذا الجحيم والخراب،الذي يعيشه بلده العراق.
قالوا كثيراً وكتبوا كثيراً، وتحدث أدباء ومثقفون عراقيون،خلال ما
يقرب من ثلاث سنوات ، منذ أن وطأت الدبابات الأميركية ارض الرافدين،وأحكمت
سيطرتها على بغداد الثقافة والحضارة والتأريخ.لا أريد هنا، الحديث
عن الذين اندهشوا وعبروا عن دهشتهم بالإعجاب بالبالون الأميركيون
الفارغ الفضفاض، لأن كلمة المبدع، الذي يقترب من هذه الصفة، أو يريد
الالتصاق بها، لا يمكن تجاهلها، والوقوف عندها، وإعطاء كل كلمة ما
تستحق من تقييم، في هذا الظرف الصعب والحرج والمؤلم الذي يعيشه البلد
الجريح.إلا إن الذي نلمسه،إن الصوت المبدع،الذي خرج مجلجلاً، فاضحاً،صارخاً،محتجاً
على كل ما جرى لبلاد الرافدين، لم يسمح له بالارتقاء على العوالي،
ليصدح في جميع السفوح،بل أن الإبداع المغاير لبقية الحناجر، ظل محصوراً
في زوايا ودهاليز الظلمة، فطغى اللون الآخر من الهذيان ، الذي يتوزع
ما بين مرسوم بدقة، وهذيان الانفعال ،الذي يسحب المبدع ويجرجره إلى
ثنايا لا يدرك ما بداخلها، ولا يعلم إلى أين تقود.خلاف كل ذلك، خرج
صوت الشاعر العراقي علي حبش في ديوانه السياسي الشعري(صواريخ العائلة
السعيدة)، ليكتب قصائد تزخر بالشاعرية، وتفيض بالمعنى،وتتماسك فيها
لغة الشعر، مع الالتقاطة الوطنية المعبرة،عن كل هذا الحزن والأسى
والمسارب الخفية في لحظات الوهج والصعاب والغموض العراقي.رغم إن
الصعاب والمعوقات اليومية، تمنع شيطان الشعر من زيارة المبدعين،
إلا إن علي حبش تمكن من اختراق الأسوار، ليصوغ عباراته ويرسم صورة
الوطن المقاوم ضد هيمنة القوة العظمى،ويجسد ذلك بلغة شعرية جميلة،
تصل إلى المتلقي دون عناء، لدرجة أنك تشعر بحلاوة القصائد وجماليتها،
وكأن الشاعر يجلس على بعد آلاف الكيلومترات عن هذا الجو الساخن اليومي
الذي يعيشه العراقيون،كما إن وهج القصائد يقول، إن الشاعر علي حبش
يتوهج داخل هذا الألم فيرسم سعادة العائلة التي تلتصق بالصواريخ،
لأنها الجزء الأكثر حيوية في حياة العائلة العراقية، التي ترى في
سعادتها الإشارة الأهم لتفاؤل الشاعر بوطن آمن، يرفض الصواريخ ومن
معها.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

في الموضوع
من أجل التعايش بين البشر
ما هو الفرق بين ضرورة احترام العقائد الدينية
والثقافية للبشر، وبين الحفاظ على حرية التعبير والنقد لديهم يفرض
هذا السؤال نفسه هذه الايام، بسبب الحاجة الى حماية المسلمين الذي
يمثلون أقلية الدول الاوروبية، وكذلك غيرهم من الاقليات الاخرى،
وردع أي محاولة لاضطهادهم أو التحريض عليهم وضدهم، اعتمادا على لونهم
واصولهم العرقية، او على عقيدتهم الدينية وتراثهم الثقافي، وهي امور
تختلف عن الطابع العام السائد في الدول الغربية. لكن في الوقت الذي
يحتدم فيه الجدل حول هذه القضية في الدول الغربية، وتظهر فيه نقاط
معبرة عن التطرف والاعتدال في آن واحد، طرأت واقعة نشر صحيفة (بيلاندس
بوستين) الدنماركية صورا تسييء الى رسول الله محمد ـ صلى الله عليه
وسلم ـ تركت آثارا واسعة الاصداء في العالمين العربي والاسلامي.
ما نقلته الصحيفة الدنماركية يخرج عن حدود الحوار والجدل بشأن وضع
الاقلية المسلمة في الدنمارك واوروبا، ويمثل محاولة للفصل بين المسلمين
والاسلام، عن طريق السخرية من نبي الاسلام، والزعم بأن ذلك لا يعتبر
تحريضا ضد المسلمين. لكنه ـ في الوقت نفسه ـ يأتي في وقت يتعرض فيه
المسلمون لهجوم في الغرب والتضييق عليهم في الحياة بدرجات مختلفة
من دولة الى اخرى، في سياق مبررات توفير الامن ومكافحة الارهاب.
ومن ثم فإن نشر هذه الصور السيئة، ينطلق من نية سيئة، تختلف عن العذر
الذي يقدمونه، بشأن انهم حاولوا اختبار (الحساسية الثقافية) لدى
المسلمين في هذا الشأن، وكأنهم لم يشهدوا الموقف الذي حدث في ظروف
نشر رواية الكاتب البريطاني ـ ذي الاصل الهندي ـ سلمان رشدي.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هو: لماذا تجاهلت الصحيفة
الدنماركية هذه الحساسية لدى المسلمين، رغم حذرها الشديد من نشر
أي موضوع يتعلق بانتقاد تاريخ محرقة اليهود على أيدي النظام النازي
في فترة الحرب العالمية الثانية؟ وتكمن الاجابة عن هذا السؤال في
التخوف من المواجهة مع الصهاينة، بسبب حالة الاستقواء التي يحظون
بها في الوقت الحاضر، بينما رأى القائمون على ادارة الصحيفة الدنماركية
ان المسلمين في حالة ضعف، ولذلك يمكن الضغط عليهم لاختبار مدى رد
فعلهم على ما يمكن عمله تجاههم. وربما كان وراء قرار الصحيفة الدنماركية
في هذا الموقف، ان حال المسلمين الآن يختلف عما كان عليه وقت صدور
رواية سلمان رشدي. فقد صدرت تلك الرواية في وقت المد الاسلامي عندما
كانت الثورة الايرانية في أقصى عنفوانها واندفاعها، اما الحال الآن
فإنه يشهد تراجعا، بسبب توجيه الاهانات الى الاسلام في اعقاب احداث
11 سبتمبر عام 2001، والربط بين الارهاب والاسلام.
وربما ساعد في ذلك ايضا، ان الدول الاسلامية ـ والعربية منها ـ تتعرض
الآن لضغوط اميركية خاصة وغربية عموما، تطالبها فيها بانفتاح ديمقراطي،
وتعديل في أنظمة الحكم ببلادها، وان كان الهدف الحقيقي من ذلك هو
تطويع الحكم في البلاد العربية ـ بصورة متزايدة ـ بما يتماشى مع
المصالح الاميركية في عصر العولمة، الذي تهيمن فيه الولايات المتحدة
الاميركية ـ بصفتها الدولة العظمى الوحيدة والقطب الواحد ـ على الشؤون
العالمية خلال هذه الفترة. وفي ضوء وجود الدنمارك ضمن التحالف الغربي
ـ بما في ذلك وجود وحدة عسكرية من جنودها في العراق، يبلغ عددها
500 جندي ـ اختارت القوى الصهيونية في الغرب هذه الصحيفة الدنماركية
لاقتراف هذه الجريمة، والزعم بأنها مجرد اختبار لحرية الرأي، ومدى
قبوله من جانب الآخرين، لجس النبض لدى المسلمين.
ولا يخفى على أحد، انه بينما تعمد الكثير من الدول الغربية الى كبح
جماح الحركات والتنظيمات العنصرية في بلادها، على النحو الذي يحدث
في محاكمة زعيم الحزب القومي البريطاني في بريطانيا، وكذلك حظر بث
محطة اذاعة (اذاعة راديو هولجر) في الدنمارك، فان كثيرا من الدول
الغربية تشهد تحذيرات من تزايد التواجد الاسلامي في المجتمعات الغربية،
ابتداء من حديث بعض الاساقفة الكاثوليك الايطاليين، عن خطر الزواج
المختلط مع المسلمين، وكذلك ما تضمنه كتاب صدر باسم ملكة الدنمارك
نفسها، يدعو الاوروبيين الى الحرص في التعامل مع المسلمين المتواجدين
في بلادهم، ليس فقط لاسباب أمنية، وانما لاسباب تنطلق من الاثر الاجتماعي
والانساني للتواجد الاسلامي على هوية المجتمع الاوروبي المسيحي،
وكذلك فان هناك كثيرا من الانتقادات الى مفهوم (التعددية الثقافية)،
من انه يستخدم لتطويع الاقلية المسلمة لقبول التقاليد والعادات السائدة
في المجتمعات الغربية، وتطويعها على طريق فقدان هويتها، في الوقت
الذي لا يوجه الى ابناء البلاد الاصليين ويدعوهم الى الانفتاح على
ابناء الاقليات الاخرى، وتقبلهم كمواطنين على قدم المساواة، اعتمادا
على مبادئ مواثيق حقوق الانسان المعترف بها من الجميع.
القضية هنا، هي ان مشكلة الدنماركيين ـ وغيرهم من الغربيين ـ انهم
لا يفهمون الحساسيات والخطوط الحمراء التي تحظى باهتمام كبير لدى
المسلمين، ويجب عدم تخطيها بأي شكل، رغم حالة الضعف التي يعاني منها
المسلمون في الوقت الحاضر، واصابهم الذهول عندما سحبت كل من ليبيا
والمملكة العربية السعودية سفيرها لدى الدنمارك احتجاجا على ما جرى،
وكذلك استدعاء السفير الدنماركي لدى الاردن من الخارجية في عمّان
وابلاغه احتجاج الحكومة الاردنية، وخروج مظاهرات شعبية ضد الدنمارك
في فلسطين والاردن والكويت ودول عربية اخرى عديدة، ومطالبة نواب
في البرلمان الكويتي والمصري باتخاذ اجراءات ضد المصالح الدنماركية
ومقاطعة منتجات تلك البلاد التي يستوردها العرب، وتصل قيمتها الى
ما يقارب ـ مليار دولار.
لا يكفي ان تصاب الدنمارك بالدهشة والذهول، ولا يكفي ايضا ان يتحول
ذلك الى احساس بالخطر الاقتصادي بسبب احتمال خسارة كبيرة من مقاطعة
المنتجات الدنماركية في الاسواق العربية. وانما من الضروري العمل
من اجل وقف تجدد المناوشات الغربية للدول العربية والاسلامية، ويحتاج
ذلك الى امرين اساسيين، الاول: هو توفر أسباب القوة للدول العربية
ـ رغم الضغوط التي تتعرض لها وتعاني منها ـ حتى يكون ذلك رادعا،
تماما هو حال الردع من جانب القوى الصهيونية،لأي مراجعة لتاريخ محرقة
اليهود. اما الآمر الثاني: فهو ذلك المرتبط ببدء حوار متكافئ مع
الدوائر الغربية المؤثرة في صنع القرار السياسي، للتوصل الى تفاهم
يتخطى الحواجز الثقافية والعقائدية، لتحقيق مصالح كافة الاطراف،
وتحقيق أسباب التعايش السلمي بين البشر.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى

إعصار (حماس).. وتحديات الواقع الفلسطيني الجديد
تشكل الانتخابات التشريعية الفلسطينية الاخيرة
التي جرت يوم 25 يناير 2006 منعطفا تاريخيا في مسيرة نضال الشعب
الفلسطيني ونقطة تحول حاسمة سيكون لها دلالات ونتائج مؤثرة فلسطينيا
واقليميا ودوليا.
فقد قادت هذه الانتخابات الى فوز حركة المقاومة الاسلامية حماس وهي
حركة المعارضة الرئيسية في المنظمات الفلسطينية باغلبية ساحقة مثلت
نسبة 57% من اعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع
غزة بعد ان حصلت حركة حماس على 76 مقعدا من اصل 128 في حين حصلت
حركة فتح التي قادت النضال الفلسطيني على مدى اربعة عقود على 43
مقعدا بما يشكل نحو 32% من مقاعد (البرلمان).
وشكل فوز حماس بهذه الغالبية الساحقة مفاجأة مدوية وصفت بانها تشبه
إعصار (سونامي) سياسي فقد اطاح هذا الفوز بحركة فتح خارج السلطة
لتصبح قطب المعارضة الرئيسي كما هو مرشح حتى الآن اذا لم تشارك في
حكومة وحدة وطنية كما دعت الى ذلك حركة حماس كما أن نقل السلطة الى
حركة حماس الاسلامية التي تعتبرها اسرائيل واميركا والدوائر الاوروبية
حركة ارهابية.
وينبغي قبل قراءة تداعيات هذا الحدث السياسي الكبير الذي وصف بانه
زلزال سياسي هز المنطقة والعالم ان نؤكد على عدد من المسائل المبدأية.
اولا: انه ينبغي الاشادة بالاداء الرفيع للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال
في الممارسة الديمقراطية بحيث قدم تجربة مشرفة للعرب في تنظيم الانتخابات
وتأمين صناديق الاقتراع وكفالة التصويت الحر للناخبين دون أية ضغوط
ودون اي شبهة تزوير ودون اي حوادث عنف رغم شدة المنافسة وبالذات
بين حركتي فتح وحماس ورغم التوتر واجواء الفوضى الامنية التي كانت
سائدة لبعض الوقت في مناطق من غزة والضفة قبيل اجراء الانتخابات.
ثانيا: لا بد من الاشادة بالطريقة الحضارية التي تعاملت بها السلطة
الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة المستقيلة احمد
قريع (ابو العلاء) وحركة فتح حزب السلطة الحاكم عبر القبول بنتائج
العملية الديمقراطية والتي تقضي بتسليم السلطة للحزب الفائز حتى
ولو كان حزب المعارضة والاستعداد لنقل السلطة اليه عملا بقواعد التداول
السلمي للسلطة وهي سابقة حميدة في التاريخ الفلسطيني والممارسات
الديمقراطية العربية فلم يسبق ان تركت سلطة الحكم للمعارضة عبر صناديق
الاقتراع في الوطن العربي في تاريخنا المعاصر باستثناء تجربة فريدة
لها ظروفها الخاصة في المغرب.
ثالثا: لا بد ايضا من الاشادة بنزاهة نتيجة الانتخابات فقد جاءت
ذات مصداقية جلية ولم يشكو احد من تزوير في الانتخابات او تلاعب
في النتائج رغم انها ادت الى سقوط حزب السلطة الحاكم (حركة فتح)
وهذه سابقة يستحق الشعب الفلسطيني التحية عليها لانها اعطت مثالا
للعالم بان العرب قادرون على تنظيم انتخابات نزيهة اذا صدقت النوايا
وتم الاحتكام حقا الى ارادة الناخبين الفعلية.
ولعل من النتائج ذات الدلالة ان نتيجة الانتخابات جاءت على غير هوى
اطراف اقليمية ودولية عديدة وخاصة اسرائيل واميركا والدول الاوروبية
التي مارست جميعها ابتزازا صريحا لارادة الشعب الفلسطيني عندما هددت
بقطع المعونات عن الشعب الفلسطيني اذا انتخب حماس وجعلها تفوز في
الانتخابات وتشارك حتى مجرد المشاركة في السلطة مع حركة فتح بحجة
ان حماس منظمة ارهابية ولا تعترف بوجود اسرائيل وما زالت تمسك بالسلاح
(سلاح المقاومة) وهو ما لا يستقيم في نظرهم مع الخيار الديمقراطي.
وجاء رد الشعب الفلسطيني بمثابة صفعة مدوية لكل هذا الابتزاز وانتخب
حركة حماس بأغلبية ساحقة ليمنحها فرصة تشكيل الحكومة بمفردها بأغلبية
57% فيما لو ارادت ذلك متحديا سياسات الارهاب والتهديد بالتجويع
والابتزاز التي مارسها الغرب واسرائيل واميركا ضد ارادة الشعب الفلسطيني
وليس خافيا ان تهديدات الابتزاز هذه قد اعطت حركة حماس مزيدا من
الشعبية ورغبة جماهيرية في انتخابها نكاية في القوى الدولية التي
مارست طويلا الظلم التاريخي ضد الشعب الفلسطيني وكانت السبب الاساسي
في محنته ومعاناته باصرارها على زرع اسرائيل في ارض فلسطين وتشريد
سكانها الاصليين ليصبحوا لاجئين في الشتات منذ اكثر من نصف قرن.
ولكن بعد استيعاب لحظة المفاجأة ونشوة الانتصار فلا بد من التساؤل
كيف ستواجه حماس هذا الواقع الجديد وخاصة ان هذا الفوز الساحق كان
بمثابة مفاجأة ليس فقط لحركة فتح والسلطة الفلسطينية واسرائيل والقوى
الغربية ولكن ايضا لحركة حماس ذاتها، التي كان طموحها ان تصبح القوى
الثانية في المجلس التشريعي بعد فتح، ولم تكن تتوقع على الأقل في
غالبية قياداتها امكانية تسلم السلطة وخاصة بمفردها.
وهناك كثيرون يعتبرون ان هذا الفوز جاء بمثابة (ورطة) لجميع الأطراف،
بما فيها (حماس) التي وجدت ان عليها ان تتسلم السلطة وسط محيط اقليمي
ودولي معارض ومعترض عليها ووسط واقع اجتماعي وسياسي فلسطيني بالغ
التعقيد ويعاني بشدة تحت وطأة الحصار الاسرائيلي وقيود الاحتلال.
كما شكل وصول حماس الى السلطة ورطة لاسرائيل التي وجدت ان عليها
ان تتعامل مع واقع فلسطيني جديد تقوده حركة سياسية ترفض الاعتراف
بوجود اسرائيل، كما ان اميركا واوروبا لم تتأهب أبدا لوجود سلطة
فلسطينية تقودها حركة اسلامية مقاومة ترفض الاعتراف بما ترتب على
ما يسمى (عملية السلام) بدءا من مسيرة اتفاق أوسلو، وخاصة بعد ان
أفصح هؤلاء بطريقة فجة عن معارضتهم لتسلم او مشاركة حماس في السلطة
الفلسطينية.
ومثل فوز حماس ورطة لحركة فتح التي قادت النضال الفلسطيني على مدى
أربعة عقود، لأنها ستجد نفسها خارج السلطة وأمام مخاطر الانقسام
الداخلي وتفجر الصراعات بين الحرس القديم والجيل الثوري الجديد،
وهناك خشية اذا لم تتدارك اوضاعها ان تنقسم الى عدة تيارات وتتحول
الى مجموعات من الاحزاب والحركات الصغيرة، وسط اتهامات بالفساد والترهل
واستغلال النفوذ والتهميش والاقصاء وتصفية الحسابات والصراعات الشخصية..
الخ.
في كل الاحوال لقد استفادت حماس من أخطاء حركة فتح في ادارة السلطة،
وفي حين كان ينظر لحركة فتح انها تحمي بارونات الفساد الذين أثروا
على حساب قضية الشعب، قدمت حماس نفسها باعتبارها حركة تمثل بديلا
نزيها يتمتع بطهارة الكف ونظافة الايدي، وبانحيازها عبر مؤسساتها
الخيرية ومساعداتها الاجتماعية لجموع الشعب الفقيرة والمسحوقة، كما
استفادت (حماس) ايضا من اخفاق حركة فتح في ادارة التفاوض مع اسرائيل،
والفشل في الوصول الى تسوية نهائية بعد اكثر من 13 عاما على توقيع
اتفاق اوسلو 1993م.
يضاف الى ذلك ان التطرف الاسرائيلي والسياسات العدوانية الاسرائيلية
التي انتهكت الاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، وسعت لتصفية
رموز المقاومة الفلسطينية في كافة حركات المقاومة، وسياسات الحصار
والاذلال التي مارستها قوات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، كلها،
أظهرت عجز السلطة الفلسطينية عن حماية الشعب الفلسطيني، وفي ذات
الوقت فشل مشروع السلام الذي سعت إليه حركة فتح، وسط تواطؤ اميركي
وانحياز فاضح لاسرائيل عمل على تأييد السياسات الارهابية لاسرائيل
ضد الشعب الفلسطيني دون حماية لحقوق هذا الشعب او إنصاف له مع انتقاد
مستمر للشعب الفلسطيني وقيادته وتبرير كل اعمال اسرائيل العدوانية،
بحجة مكافحة الارهاب، وعدم الاعتراف بالحق الفلسطيني المشروع في
مقاومة الاحتلال.
ولكن، في كل الاحوال، يبرز السؤال: ماذا بعد الانتصار ؟ وما الذي
يمكن ان تفعله (حماس) امام تحديات الواقع الجديد ؟ يتفق الكثيرون
على ان موافقة حماس على المشاركة في الانتخابات التشريعية، بعد ان
كانت قد امتنعت عن المشاركة في الانتخابات السابقة، كان بمثابة نقطة
تحول في التوجه السياسي والاستراتيجي للحركة.
فحماس تعلم ان العملية الديمقراطية والانتخابات في التجربة الفلسطينية
تحت الاحتلال، انما تمت بموجب ترتيبات اتفاقيات اوسلو، رغم اعلان
حماس ان اوسلو قد سقطت وفشلت، وان اسرائيل هي من قام بالاجهاز عليها.
ولهذا، فقد خرجت عدة تصريحات قبيل اجراء الانتخابات من عدد من أبرز
قادة (حماس) وبعضها كان لصحف اسرائيلية، تبدي الاستعداد للتفاوض
مع اسرائيل، يضاف الى ذلك اعلان قبول حماس اقامة دولة فلسطينية على
حدود 1967م، وهو التصريح الذي أدلى به الدكتور محمود الزهار القيادي
البارز في حماس قبل الانتخابات، واعاد تأكيده بعد الفوز في الانتخابات
الناطق باسم حركة (حماس) سامي ابوزهري.
واعتبرت حماس ان القبول بدولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967م،
وهو الهدف الذي سعت إليه حركة فتح ومنظمة التحرير من خلال اتفاقيات
اوسلو، بمثابة قبول (بالحل المرحلي) الذي يتعامل مع الواقع، لكنه
لن يغير في الموقف المبدأي لحركة حماس المطالبة بتحرير كل فلسطين
التاريخية من البحر الى النهر واعتبار اراضي فلسطين كلها أراضي وقف
شرعي للمسلمين لانها تحيط بالمسجد الاقصى اولى القبلتين وثالث الحرمين
الشريفين، وان أحدا في كل العالم العربي والاسلامي لا يمكنه التفريط
في شبر واحد من اراضي فلسطين التاريخية، وهذا الموقف هو ما تضمنه
ميثاق حركة حماس.
والآن بعد ان أصبحت حماس في سدة السلطة، هل ستغير حماس موقفها من
اسرائيل باتجاه الاعتراف بوجودها واقامة دولتين على حدود 1967 ؟.
هذا ما يتوقعة الكثيرون لكن من الواضح أن (حماس) لن تتبنى هذا الموقف
صراحة وبسهولة إلا في إطار مساومات سياسية بحيث تستطيع من خلالها
تحقيق مكاسب سياسية للشعب الفلسطيني، ومما يساعد على امكانية حدوث
ذلك، التحولات الجارية في الموقف الاسرائيلي ذاته، حيث تؤيد أغلبية
اسرائيلية حسب آخر استطلاعات الرأي بنسبة 67% التفاوض مع (حماس)
على العكس من الموقف الرسمي للقوى السياسية في اسرائيل التي ترفض
حتى التفاوض مع (حماس).
والمرجح أن تستمر هذه اللغة سائدة في الخطاب السياسي للأحزاب الاسرائيلية،
وخاصة خلال المرحلة القادمة حتى اجراء الانتخابات الاسرائيلية في
28 مارس القادم 2006م، خاصة ان اليمين الصهيوني المتطرف بزعامة حزب
الليكود الذي أصبح يقوده الآن نتنياهو يهاجم حكومة شارون ـ أولمرت
ويعتبرها مسئولة عن وصول حماس الى السلطة بموافقتها على اجراء الانتخابات،
وفي ذات الوقت يعتبر نتنياهو أن أخطاء سياسة حكومة شارون ـ أولمرت
قادت إلى انشاء دولة متطرفة على بعد ألف كيلومتر من اسرائيل هي دولة
(حماستان) حسب تعبير نتنياهو الذي يطرح نفسه كبديل لحزب (كاديما)
لمواجهة وصول (حماس) الى السلطة في الضفة وغزة.
كما يرجع فوز (حماس) ميل حزب (كاديما) بزعامة أولمرت في حال فوزه
في الانتخابات الاسرائيلية حسبما هو متوقع (حيث ترشحه استطلاعات
الرأي) لنيل نحو 40 مقعدا (أي ثلث مقاعد الكنيست القادمة) مما يؤهله
لتزعم الحكومة الاسرائيلية الآتية بعد الانتخابات، الى اتباع خط
نهج فرض التسوية بحسب الرؤية الاسرائيلية عبر الانسحاب الاحادي من
جانب واحد من مناطق في الضفة الغربية كما حدث في غزة ووضع خطوط نهائية
لحدود اسرائيل مع الفلسطينيين، والادعاء بعدم وجود (شريك فلسطيني)
للتفاوض لإبرام اتفاقيات تسوية.
وفي ذات الوقت يتوقع أن تمارس اسرائيل والدول الأوروبية وأميركا
نوعا من الحصار السياسي والمقاطعة لحركة حماس بهدف إحراجها وفرض
العزلة السياسية عليها، ومحاولة ممارسة الضغوط عليها، لكن حماس لا
تبدو مستعدة للرضوخ لهذه الضغوط، ولهذا يتوقع ان تمر عملية السلام
بمرحلة من الجمود السياسي لفترة قادمة ما لم يحدث تقارب سياسي نتيجة
وساطات دولية وعربية تقود إلى إجراء محادثات سياسية تؤدي إلى تسوية
نهائية.
ويظل التحدي البارز هو كيف ستنجح حماس في المزج بين أسلوب الواقعية
السياسية أو البراغماتية الخاصة بالتعامل كسلطة تحكم وبين التمسك
بحق المقاومة، ورفض نزع سلاح المقاتلين أو المقاومين الذي يعد جزءا
من (خارطة الطريق)؟ ومقاومة الضغوط الدولية المطالبة بنزع سلاح مقاتلي
حماس وحركات المقاومة فضلا عن اشتراط الاعتراف باسرائيل كشرط مسبق
لاستئناف مفاوضات التسوية.
أما على الصعيد الداخلي، فان (حماس) أمام مجموعة من التحديات المتشابكة
التي تشكل اختبارات جدية لمدى قدرتها على ممارسة مسئوليات إدارة
الدولة والمجتمع وقيادة مسيرته بسلاسة وسلام، ولعل في طليعتها الآتي:
أولا: تحدي الحفاظ على الوحدة الوطنية، وتحاشي السيناريو الأسوأ
الذي طالما تطلعت إليه اسرائيل وهو اندلاع حرب أهلية بين الفصائل
الفلسطينية، وهذا يتطلب ان تتحلى (حماس) بروح تواضع المنتصرين فتستوعب
بعض الانفعالات التي يمكن ان تبديها تيارات سياسية أخرى، مثل حركة
فتح، جراء الهزيمة السياسية في الانتخابات.
وللحقيقة، فقد أبدت حماس من اللحظة الأولى لانتصارها هذه الروح الايجابية،
حيث دعت إلى (شراكة سياسية) مع كافة القوى السياسية الفائزة في الانتخابات،
وفي طليعتها حركة فتح، وأكدت حرصها على حماية الوحدة الوطنية ورفض
تضخيم أي خلافات فلسطينية وتأكيد نهج الحفاظ على حرمة الدماء الفلسطينية،
ويتوقع أن تنجح حماس في استيعاب التوتر من جانب القوى السياسية الأخرى
في أعقاب الانتخابات.
ثانيا: تحدي الحفاظ على الأمن، وايجاد تناغم، وفض أي صراعات أو نزاعات
بين الأجهزة الأمنية، وخاصة أن بعض هذه الأجهزة الأمنية تخضع لسلطة
رئيس الحكومة الذي سيكون من حماس أو موال لها، واجهزة أخرى تخضع
لسلطة الرئيس الفلسطيني ذاته، أبومازن، وسوف يتوقف ذلك على مدى التناغم
والتنسيق بين حركة حماس ورئاسة أبو مازن.
ومن الواضح أن هناك أجواء تفاهم كبيرة بين الطرفين، حيث تقدر حماس
لعباس إصراره على إجراء الانتخابات في موعدها رغم الضغوط الداخلية
والخارجية، التي طالبت بتأجيلها، وحرص عباس على نزاهة الانتخابات
وعدم تزويرها، الأمر الذي أدى إلى فوز حماس وسقوط حزب الرئيس أي
حركة فتح، فضلا عن استعداده لتسليم السلطة إلى حماس لتشكل الحكومة
الجديدة.
ومن هنا، يتوقع أن يحدث نوع من التنسيق والتفاهم بين الجانبين، خاصة
ان (حماس) لا تريد أن تظهر بمظهر من فشل في ادارة الدولة.
ثالثا: تحدي تحسين مستوى معيشة المواطن ، في ظل الظروف الصعبة التي
يحياها الفلسطينيون تحت الاحتلال ، وفي ظل استمرار سياسات الحصار
الاقتصادي الاسرائيلية ضد الضفة والقطاع ، وتوقع ازدياد حدة هذا
الحصار بسبب اعتراض اسرائيل واوروبا واميركا على تولي حماس رئاسة
الحكومة الفلسطينية الجديدة ، وتوقع وقف المساعدات وخاصة من الاتحاد
الاوروبي اكبر مانح للمساعدات للسلطة الفلسطينية.
ولكن حماس وعدت بحسن ادارة الموارد المالية الفلسطينية بطريقة رشيدة
وعادلة ، مهما كانت محدودة ، على نحو يساعد على تحسين الظروف المعيشية
للمواطنين الذين صوتوا لحماس طلبا للاصلاح والتغيير والقضاء على
مظاهر الفساد.
رابعا: تحدي طمأنة كافة قطاعات الشعب الفلسطيني بشأن السياسات الاجتماعية
لحركة حماس وخاصة بشأن كفالة وحماية (الحريات الشخصية) حيث ابدت
القوى السياسية الفلسطينية قبل الانتخابات خشيتها من تداعيات التصريح
الذي ادلى به د. محمود الزهار ، الذي اكد فيه ان حماس سوف تعمل في
حال انتصارها على اعادة صياغة المجتمع الفلسطيني وفق القيم الاسلامية
حيث ذهب البعض الى امكانية تبني حماس لسياسات محافظة اجتماعيا ودينيا
تحاصر هامش الحريات والانفتاح الاجتماعي الذي عرف به المجتمع الفلسطيني،
حتى ان البعض توقع نشوء حقبة طالبانية وخاصة في غزة تحت قيادة حماس
وحظر الاستماع الى الموسيقى والاغاني والتدخل في انماط الملابس للرجال
والنساء وتشجيع النقاب والحجاب وعدم الاختلاط والحشمة ومراقبة السلوك
الشخصي..الخ.
لكن من المستبعد ان تنحو حماس مثل هذا المنحى وهي تعرف جيدا طبائع
المجتمع الفلسطيني الذي به قطاعات علمانية ومسيحية كبيرة ليس سهلا
الاصطدام معها في مسائل السلوكيات والعادات الاجتماعية.
ولهذا ، فان التخويف من اسلمة المجتمع على نحو متطرف ، هو امر مستبعد
ولكن من المتوقع زيادة الانشطة التي تحض على السلوكيات الاخلاقية
الفاضلة دون قمع او زجر.
خامسا: تحدي مواجهة مشكلات او ملفات الفساد ، وهل ستعمد حكومة حماس
الى ملاحقات قانونية وقضائية للمتهمين بالفساد ، مما قد يدخلها في
مواجهات مع اصحاب النفوذ في اركان السلطة السابقة واقطاب في حركة
فتح ، ام انها سوف تتبع سياسات هادئة لمعالجة هذه الملفات بلا ازمات
تقود الى اوضاع متفجرة واندلاع اضطرابات.
ويبقى التحدي الكبير هو كيفية الحفاظ على نهج المقاومة والصمود الذي
حقق لحماس هذه الشعبية الكبيرة وعدم الدخول في مساومات سياسية تقود
الى تكرار اخطاء نهج مسيرة اوسلو، بما يمكن الشعب الفلسطيني من احقاق
حقوقه المشروعة رغم ضراوة الضغوط الدولية والانحياز الاميركي الغربي
لاسرائيل.
وسيتوقف ذلك ايضا على مدى نجاح حماس في ازالة شكوك المحيط العربي
تجاه حكم حركة اسلامية في فلسطين ، بحيث يقف العرب داعمين مؤازرين
لحكومة حركة حماس ، سياسيا وماليا ومعنويا..وهو ما يؤكد عظم التحديات
التي يواجهها الواقع الفلسطيني بعد الانتخابات ووصول حركة حماس الاسلامية
الى سدة الحكم.
عبدالمالك سالمان
كاتب وباحث في العلوم السياسية
abdeImaIiksaIman@hotmaiI.com
أعلى
العقاب الجماعي للفلسطينيين
وكأنما العالم كله اصبح معنيا بأوضاع الشعب
الفلسطيني ومستقبله السياسي والامني والاقتصادي والقيمي،بمجرد فوز
حركة المقاومة الاسلامية (حماس) في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني.
ولا يمكن للمرء تحمل كم النفاق والمزايدة اللااخلاقية التي تسم السياسة
الدولية منذ مطلع القرن في تجليها المثير للقئ والغثيان هذا.
فحتى الدول التي تحكمها ديكتاتوريات عسكرية اصبحت تطالب حماس بكذا
وتحذرها من كذا. ولم يعد هناك في فلسطين سوى ان الشعب الفلسطيني
اختار نفر من ابنائه في عملية انتخابات ديموقراطية،وكأنما الاحتلال
زال والقدس تحررت وتوقفت الة العدوان الصهيونية عن اغتيال الاطفال
والنساء وحرمان الأسر من لقمة العيش وتجريف الاراضي وضمها لبناء
المساكن لرعاع المستوطنين القادمين من حواري نيويورك وبارات موسكو.
وباتت حماس مطالبة بما لا يسمح للشعوب في الدول الراسخة الحرة المستقلة
بمسائلة حكامها عنه: ماذا ستفعل في الاقتصاد وماذا ستفعل في النساء
وماذا ستفعل في اوسلو وبرشلونة وكوبنهاغن! ولربما ايضا في العراق
وإيران وسوريا ولبنان ،وان لم يشر لحماس بعد في قضية اغتيال الحريري!
اما المطلب الاسرائيلي الأميركي (ويالتالي الأوروبي والعربي والإسلامي)
بان تلقي حماس السلاح ، فليس هناك ما يمكن تفسيره به اللهم ان يطالبك
الناس بالتخلي عن يدك التي ترد بها بطش من احتل بيتك ويستبيح دمك
ليل نهار دونما أي مقابل غير ان تلك اليد تضايق عدوك هذا وبدون قطعها
لن يفاوضك على اعطائك مساحة من بيتك تستتر فيها أنت واسرتك.
نعم،وصل الهوان والضعف العربي والاسلامي الى حد ان أيا من يريد بطولة
اعلامية او لجوءا سياسيا ومرتبا شهريا من منظمات أوروبية ليس اسهل
عليه من التطاول على العرب أو المسملين حتى يصبح مبدعا حرا يستحق
الحماية حتى لو كان اميا جاهلا ككثير ممن ينشرون غث الأمور وتوصف
بالإبداع!!
وصحيح ان العرب قرروا منذ فترة ترك الفلسطينيين وشأنهم الى حد كبير،
وكأنما كانوا من قبل يذودون عن ديارهم في وجه عدوان اسرائيل من أجل
سواد عيون الفلسطينيين. واصبح المحيط العربي مختزلا في وساطة مصرية
ورعاية أردنية لمفاوضات لا تؤدي إلا الى مزيد من التنازلات الفلسطينية
بلا مقابل.
فهل نستكثر أن قام من بيننا من ما زال به رمق من مقاومة للانكسار
والهوان ولو بمحاولة التشدد في مفاوضات أو تسوية.
الحقيقة أن فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية وكأنه جاء طوق نجاة
للجميع ، فاسرائيل اعتبرت الشعب الفلسطيني كله إرهابيا لا يريد السلام
لأنه انتخب "حماس" والعرب تبرأوا من تلك التطورات لأنها
تعقد عليهم إرضاء أميركا عبر بوابة اسرائيل ،والاوروبيون تبعوا الاميركيين
في تحميل الشعب الفلسطيني مسؤولية ذنبهم التاريخي ـ كما يتظاهرون
في نفاقهم الأخلاقي ـ تجاه اليهود المضطهدين.
وقررت الدول المانحة السير على خطى إدارة بوش في وقف المعونات للفلسطينيين
في عقاب جماعي لا يختلف عن الاغلاق والقصف العشوائي والتطهير العرقي.
اما العرب، فيكفي التذكير بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس جاب دول
الخليج مؤخرا مطالبا ببعض الملايين وعاد ليصاب بالاكتئاب.
اما الكارثة الكبرى التي لم يهتم بها احد، ربما لانها تأتي في سياق
العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني من جانب الاحتلال (وهو أمر اصبح
طبيعيا لا يعنينا ولا حتى من قبيل التضامن مع المنتهكة حقوقهم الانسانية،كما
نفعل مع اوكرانيا تيمنا بالأميركان)، لا من عرب ولا من عجم فهي تجميد
إسرائيل لاموال الفلسطينيين بسبب فوز حماس.
ولمن لا يدري تلك اموال فلسطينية هي عائدات صادرات ورسوم عليها لمرورها
من اسرائيل ورسوم وضرائب تحصلها اسرائيل من الفلسطينيين وتصل الى
40 مليون دولار. وتلك الاموال الفلسطينية تدفع للشركات الاسرائيلية
التي تمد الضفة وغزة بالماء والكهرباء والغاز والاتصالات.
وتخيلوا حالة الفلسطينيين البائسة معيشيا اصلا مع توقف الماء والغاز،وهل
سينتفض الشعب الفلسطيني المحتل ضد حماس التي اختارها ام ضد المحتل
حتى لو وصم عربيا وعالميا بتهمة الانتحارية وما شابه من مصطلحات
قنواتنا الفضائية التي تترجم عن الانكليزية.
وفي رأيي المتواضع ان الفلسطينيين يستحقون العقاب الجماعي، وسيدفعون
ثمن انتخاب حماس، ولم يكن عليهم الا انتخاب وليد جنبلاط او يوتشنكو
او ايمن نور حتى ترضى عنهم واشنطن وباريس ولندن وتغدق عليهم تعويضات
كالتي دفعتها المانيا وسويسرا للاحتلال الاسرائيلي.
ولن يعني ذلك اننا لا ننتظر فجاجة مستطردة ممن سيحذرون وينددون بتحالف
حماس مع ايران وحزب الله ومقتدى الصدر وهوغو شافيز وروبرت موغابي
لتزعج الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل وتزيد الضغوط على العواصم
العربية "المعتدلة" التي لا تفيق من ضغط الا وتتعرض لاخر،
ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
د. احمد مصطفى
كاتب وصحفي عربي مقيم ببريطانيا
أعلى
تكاليف الحرب لا تنتهي بنهاية الحرب
عندما تذهب الدول إلى الحرب,يرتفع الإنفاق
الحكومي.أولا للقتال,ثم لعميلة الرخاء الاجتماعي .
ولذا فإن كل الأحلام الجميلة عن تخفيض حجم وتكاليف الحكومة في السنوات
القادمة هي مجرد أحلام جميلة ولا شيء آخر. وإذا دعا بلد ما شبابه
إلى الانضمام إلى صفوف القوات المسلحة,فمن الأفضل أن يكون مستعدا
للدفع لهم مقابل خدمتهم, في المدى القصير وكذلك في المدى الطويل
أيضا.أما أن يفعل غير ذلك فإنه يخاطر بكارثة على الجبهة الداخلية
وكذلك على جبهة الحرب .
هناك كلمات منقوشة على واجهة مبنى وزارة شئون المحاربين القدامى
في واشنطن مأخوذة من خطاب تنصيب ابراهام لينكولن الثاني في عام1865,أعلن
فيه الرئيس الأميركي السادس عشر مهمة رئيسة لأميركا الموحدة عما
قريب(وقتها),وهي:" لنرعاه ذلك الذي تحمَل المعركة ونرعى أرملته
وطفله اليتيم " .
ولذا , ففي الوقت الذي تراجعت فيه الحكومة الفيدرالية وقتها عن نفقاتها
القصوى وقت الحرب , ظهر تأثير تدريجي لما بعد الحرب الأهلية : فبلاد
العم سام لم تقلص النفقات على الدوام.فقد كان الإنفاق الفيدرالي
الأميركي 63 مليون دولار في السنة المالية 1861 ؛ ثم تضخم وارتفع
إلى 1.3 مليار دولار بعدها بأربع سنوات . وبعد نهاية الحرب ألاهلية
الأميركية , لم تنخفض النفقات تحت مبلغ 242 مليون دولار أي أربعة
أمثال مستوى ما قبل الحرب . وخلال العقود الخمسة التالية , كانت
رؤية دولة الرفاه مقدسة بين معظم الدول الصناعية . ويقف رجل الدولة
الألماني في القرن التاسع عشر أوتو فون بسمارك كرائد في الدفع بأن
لا بلد يمكن أن يكون قويا إذا لم يكن لديه نظام حماية لمواطنيه من
المهد إلى اللحد . وهذه المسألة في عقل بسمارك لم تكن مجرد تصريحات
تطلق ؛ ولكنها كانت تأكيدا على أنه لا المانيا مخلصا سيترك محروما
. وقد أثبتت الحرب العالمية الأولى رؤية بسمارك وأيدتها : فالدول
ذات شبكات الأمان الاجتماعي الضعيفة ,مثل روسيا,حاربت بضعف,بينما
الدول ذات شبكات الأمان الاجتماعي القوية,مثل المانيا,حاربت جيدا
.والسبب بسيط : فقد كان الرجال على الجبهة يريدون أن يتأكدوا ويطمئنوا
من أن البلد الوطن كان موحدا وراء المجهود الحربي ومستعدا لوضع ماله
حيث الحاجة إلى ذلك في المكان المناسب . إن شعار دولة الحرب والرخاء
عبر عنه وأعلنه بوضوح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد ليود جورج في
الثالث والعشرين من نوفمبر عام 1918 - أي بعد أقل من أسبوعين من
الهدنة التي أنهت الحرب العالمية الأولى قائلا : " ما هي مهمتنا
؟ " . أن نجعل بريطانيا بلدا مناسبا للأبطال ليعيشوا فيه .
كان ليود جورج وطنيا ممتنا شاكرا . ولكنه كان مدركا وواعيا , أيضا
, بالحاجة إلى اتخاذ إجراء استباقي ضد " البلشيفية " وتحصين
وتقوية جيل جديد للحرب القادمة . غير أنه بحلول التسعينيات وبعد
سقوط الاتحاد السوفيتي,توصل بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن العالم
قد توحد حول رؤية جديدة ,وهي الرأسمالية الديمقراطية خفيضة الضرائب
. لقد كان رئيسا ديمقراطيا , وهو بيل كلينتون , هو الذي قال من 10
سنين مضت , في خطابه " حالة الاتحاد " لعام 1996 , "إن
حقبة الحكومة الكبيرة قد ولت " . ولكن جاءت أحداث 11 سبتمبر
- وعادت الحكومة الكبيرة . وبالإضافة إلى النفقات المتزايدة بدرجة
كبيرة على الدفاع والأمن الداخلي , حشدت واشنطن وراكمت إنفاقا داخليا
زائدا . ثم مرة أخرى في عام 2003 ,كان مفترضا أن برنامج العقاقير
الموصوفة للمواطنين من كبار السن يتكلف 400 مليار دولار على مدى
عقد.والآن ,وصلت تقديرات التكلفة إلى أكثر من تيريليون دولار ومازالت
في تصاعد . لكن في زمن التضامن في الحرب هذا , ليس كبار السن وحدهم
هم الذين يحصلون على إعانات حكومية , بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر
. فقد فرضت ولاية ميريلاند ضريبة خاصة على سلسة محال " وال-مارت
" الكبرى لدفع أموال تأمين صحي لأصحاب الدخل المنخفض . كما
أجازت ولاية نيو جيرسي قانونا يأمر المؤمنين صحيا بمد تغطية الأسرة
للأولاد حتى سن 30 سنة . فأين ينتهي ذلك ؟ ربما لا ينتهي . فقد أخبر
الجنرال بالجيش الأميركي هذا الأسبوع ريموند أوديرنو وكالة أنباء
البنتاغون بالقول ," إن جيل أفراد الخدمة العسكرية هذا سيكون
في ما نسميه الحرب الطويلة " .فإذا كان أوديرنو محقا , ولابد
أنه يعلم , فإن ملايين الأبطال الأميركيين سيأتون في نهاية المطاف
إلى الوطن ( أميركا ) من العراق وأفغانستان وربما قريبا , من إيران
. وهم يريدون أن يعيشوا في بلد يحترم تضحيتهم .وسينالون رغبتهم .
جيمس بينكرتون
كاتب عمود صحفي بصحيفة " نيوزداي " الأميركية
خدمة " لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست " - خاص ب "
الوطن "
أعلى

أعراف الإصلاح الضائعة
أي مراقب موضوعي يتابع الشأن العراقي هذه الأيام
لا بد أن يشعر بغصة من جراء المساعي المبذولة لتكريس حالة الانقسام
الطائفي والعرقي من خلال أيجاد أعراف لهذا الانقسام امتداداً لما
تأسس لمجلس الحكم والمجلس الرئاسي والحكومتين اللتين تشكلتا، الحكومة
التي جاءت برئاسة الدكتور أياد علاوي والحكومة الحالية برئاسة الدكتور
إبراهيم الجعفري.وطبقا" للمعلومات الموثوقة فإن المشاورات الجارية
الآن بين الكتل السياسية التي فازت بالانتخابات لا تقوم على الدعوة
لإطار عمل سياسي على أساس تأليف سلطة ضمن مبدأ الكفاءة فحسب، وإنما
على أساس التوزيع الطائفي والعرقي في إطار ما تأسس من تقاليد لإرضاء
هذه الكتل بمبررات الاستحقاق الانتخابي على الرغم من تعرض الانتخابات
إلى اتهامات بالتزوير والخرق والتأثير غير المشروع على قناعات الناخبين،
وعلى أساس (الاستحقاق الوطني) الذي يرضي أغلب الأطراف مع هامش ضعيف
في الحديث عن ضرورات الكفاءة.وهكذا تكون فرصة التكهن بإقامة سلطة
لا تأخذ بنظر الاعتبار هذا التقسيم أمراً مستبعداً في كل الأحوال
خاصة وأن هناك تجاذبا سياسياً قد حصل في الإطار الشخصي في تنظيمات
معينة لصالح هذا الطرف أو ذاك تبعاً لموقع تأثيره في الحركة وليس
في إطار انه يمكن أن يكون شخصية ذات فائدة كبرى للعراق، وعلى نفس
المنوال والأسبق منه كان صوت الناخب العراقي الذي أندفع إلى صناديق
الاقتراع في الخامس عشر من ديسمبر الماضي وبذلك يكون قد ساهم مقدماً
في تكريس هذا الانقسام.والحال أن بعض القوى السياسية التي خاضت الانتخابات
قد دفعت الناخب العراقي إلى هذا الموقف وهي الآن تحصد نتائج ما حققته
في سياق ذرائع من أنها تعرضت للغبن والتهميش منذ قيام الدولة العراقية
بينما لم يحصل ذلك أصلاً ألا في مجالات ضيقة وغير مرئية وقد تم غض
النظر عنها وطنياً لأنها لم تكن مؤثرة أصلاً.إن الخطر الكامن في
التجربة السياسية العراقية الحالية هو أنها وضعت البلاد في هذا النوع
من المفاهيم الحصصية التي لا بد أن تتربى عليها الأجيال السياسية
الحالية بامتدادات مستقبلية كأمر واقع علماً أنه لا يتوفر في الأفق
ما يلغي ذلك لا للنسبة للكيانات القائمة ولا بالنسبة للرأي العام
العراقي بأغلبيته العظمى وهو محاصر ليل نهار بهذه الطروحات.ولا شك
فإن التأثير ذلك الخطر سيكون كبيراً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنه
لم تجرأ حركة واحدة من هذه الحركات على تسمية بدائل تأخذ بنظر الاعتبار
الوحدة السياسية للعراق مع العلم أن هناك شعوراً واضحاً لدى الجميع
فأن الفرصة قد لا تتكرر لها في الحصول على مكاسب مثلما هي الآن،
ولذلك أصيبت بما يمكن الاصطلاح عليه حمى الكسب السريع للجاه السياسي
مع ملاحظة أخرى أن جميع قضايا الفساد الإداري والمالي التي عان منها
العراق خلال السنتين الأخيرتين جاءت بأغطية سياسية.وحسب المعلومات
المفوضية العليا بالنزاهة أن أكثر من (500) قضية فساد تم حصرها حتى
الآن واعدت ملفات قضائية وبعضها في إطار منظور العزة بالإثم لأشخاص
مرتبطين بصورة من الصور مع هذه الكيانات والمكونات ولم تجرأ حتى
الآن على تطهير تنظيماتها منهم لأسباب بعضها تتعلق بالواجهة التي
تكونت لهذه العناصر رغم فسادها.والمفارقة المحزنة أن ما يحصل من
تكريس لهذا الظاهرة يتم بذراع الديمقراطية والإصلاح السياسي وتعدد
المنابر والتداول السلمي للسلطة في حين أن الديمقراطية لا يمكن لها
أن تسود في مناخ يقوم على هذا الفيتو الطائفي والعرقي، فالديمقراطية
إذا أريد لها حقاً أن تسود فأنها ينبغي أن تكون بعيدة عن نزعة المحاصصة
وأن تعتمد مبدأ الفرد المناسب في المكان المناسب وليس الفرد ضمن
الطائفة المعينة في المكان المناسب، ولذلك لا أمل في الفكاك من هذا
الانعطاف المؤلم في الحياة السياسية العراقية على الأقل في المدى
المنظور.كما أن هذا التوجه الذي يسود العراق حالياً جعل للرأي الشخصي
دوره في إملاء الحالة التي يريدها على حساب دور المؤسسة.
وتدخل ضمن هذا الوضع النسبة الحصصية التي خصصت للمرأة العراقية بالمعدل
الذي ورد في الدستور الدائم بينما كان المطلوب السعي إلى إيجاد معرفة
اجتماعية وثقافة تقوم على الاستعداد الاجتماعي المتطور لدور المرأة
بينما الذي حصل أن هناك الآن أكثر من 2000 منظمة نسائية عراقية بدون
أن يحصل تغيير جذري في نوعية التطبيق اللازم لحقوق المرأة.الخلاصة
مما يأتي أن النموذج العراقي في الإصلاح على وفق ما يروج له الآن
هو توجه ضد العلمانية والديمقراطية اللتين تمثلان الطريقة الناجحة
للإصلاح السياسي.
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى
ما اسم ساحة دمشق؟ اسمها تشرين سيدي
يوم التاسع من أبريل 2003 هو اليوم الشهير
المشهود الذي دخل فيه الأميركان بغداد وكانت الصور التي بثتها الفضائيات
تنقل ما يحدث في ساحة الفردوس مما شاهده الناس في كل أصقاع الدنيا
حين حاول بعض العراقيين الإطاحة بتمثال صدام حسين و لم ينجحوا سوى
بمساعدة الدبابة الأميركية في رمز ذي معان من رموز التاريخ الحديث.
لا شك في أن القراء الأعزاء العرب يتذكرون تلك المشاهد في لحظة من
لحظات المفارقات العجيبة للسياسة والحضارة تعيد للأذهان ما وقع لآخر
الخلفاء العباسيين في نفس بغداد عاصمة العالم الإسلامي يوم العاشر
من فبراير من عام 1258 على يد المغول حيث نقل لنا الطقطقي أقرب المؤرخين
إلى عصره في كتابه الفخري في الآداب السلطانية كيف انغمس المستعصم
بالله في الملذات والصراعات الطائفية وأهمل شؤون الدولة وضاعت حقوق
الأمة إلى أن وصلت قوات هولاكو حفيد جنكيز خان إلى أبواب بغداد ثم
إلى أبواب قصره واغتالته واغتالت ولديه الاثنين ، وصار ما صار من
مجازر وحرق كنوز مكتبة بغداد إلى أن احمرت مياه دجلة بالدماء واسودت
بحبر الكتب الملقاة فيها. وظلت منطقة الأعظمية إلى زمن قريب تحمل
أثار تلك الهمجية وكانت من قبل متنزه العباسيين ومرتع العلماء وجنة
الشعراء وقبلة الفقهاء و ديوان الترجمة والتأليف.إنها المصائر العربية
المتقاربة في أحداثها والمتشابهة في تداعياتها من فبراير 1258 إلى
أبريل 2003 ونحن مطالبون بأن نتجاوز البكائيات إلى الاعتبار لأن
الله سبحانه في كتابه العزيز لم يترك مناسبة تاريخية ذكرها إلا وأمرنا
بالاعتبار مناديا إيانا بأولي الألباب أي ذوي العقول ونصحنا جل من
ناصح بأن لا نترك على قلوب أقفالها. واليوم و نحن نقف على أعتاب
عصر رهيب لم نعد ندرك فيه من هو العدو ومن هو الحبيب، كما لم نعد
نعرف فيه ما هو الحق وما هو الباطل و أين موقع الخطأ من موقع الصواب،من
واجبنا أن نقرأ الأحداث بعيون أخرى حفاظا على ما تبقى من عروبتنا.
وأتذكر حين أرى الضغوط على دمشق بعد زلزال عبد الحليم خدام رسما
كاريكاتوريا على صفحات المجلة الأميركية" انتليجنس ريفيو"
صدر في أبريل 2003 نرى فيه جنديين أميركيين يقفان في ساحة الفردوس
ببغداد و يسأل الأول زميله :"هذه ساحة الفردوس ببغداد وما اسم
الساحة الرئيسية في دمشق؟ و يجيبه الثاني:" اسمها سا حة تشرين
سيدي". و كما أدرك القارئ الكريم فان القصد من ذلك الرسم المعبر
هو أن الرسام الأميركي الذكي يريد أن يقول لنا بكل وضوح ومنذ التاسع
من أبريل2003 بأن ساحة الفردوس هي الحلقة الأولى من مسلسل قادم ،
قد تدور حلقاته في ساحات عواصم عربية وإسلامية أخرى. وبالرغم من
سيل المواد الإعلامية الغزير الذي امتلأت به وسائل الاتصال في العالم
بعد شن الحرب على العراق فأنا لم أنس ذلك الرسم وظل الجنديان اللذان
يتحاوران حول الساحات يرتع في ذاكرتي إلى اليوم. هذا هو المشهد الشامي
كما يظهر للعالم: دمشق تبدو مثل عين الإعصار وقلبه الحي وحوالي دمشق
نجد بيروت لم تزل تبكي شخصياتها المغتالة من رفيق الحريري إلى جبران
تويني مرورا بسمير قصير، و في ضواحي بيروت ما تزال جراح الخيام الفلسطينية
تنزف تحت ألوية وكالة الغوث الأممية ، وفي كل لبنان
وخاصة في جنوبه ما يزال حزب الله يوقد لهب الكفاح المشروع ضد العدوان
والاحتلال، وعلى مسافة قريبة من مدينة صور الأثرية ينتصب الجيش الإسرائيلي
في المنطقة ويواصل بناء جدار الميز و ينتهك الأرض ويغتال الشباب
الفلسطيني ويفرض شروط المنتصرين على الجميع بما في ذلك مرتفعات الجولان،في
أمان دائم وفره له الغطاء الغربي الكامل ،حين اصطفت أغلب الدول الأوروبية
وراء الرؤية الأميركية،ونحن حين نلتقي ببعض أصحاب القرار الأوروبيين
ممن تربطنا بهم صداقات قديمة نلومهم على هذا الاصطفاف غير الطبيعي
والذي يحدث شرخا في عالم متعدد الأقطاب ما لبثت تنادي به أوروبا،
نجدهم يردون علينا بأدب بأن مأساة العرب هي عربية ـ عربية،وبأن منطق
الدول لا يقف أمام الترددات والتظلمات والتشكيات ، بل هو منطق المصالح
و سبق الزمن في زمن لم يجد فيه العرب بعد طريق التأثير على مجرى
الأحداث الدولية. وقد يجاملني بعض هؤلاء بالقول بأننا أمة لها حضارة
ولا بد لها من يقظة بعد غفوة ومن صحوة بعد كبوة. وهو كلام لطيف لا
يغني ولا يسمن من جوع.لأن الحقيقة المرة التي نهرب من مواجهتها هي
أننا عجزنا عن إصلاح أنظمتنا السياسية بما يتلاءم مع التحولات العالمية
من حولنا ثم عجزنا جميعا عن تنسيق مواقفنا وتوحيد سياساتنا إزاء
الأحداث التي تهز منطقتنا. وظلت طبيعة النظام السوري هي عينها التي
يستهدفها المستهدفون اعتمادا على نفس نقط الهشاشة والضعف، بعد أن
تأملنا الإصلاح العميق من الرئيس الشاب المثقف بشار الأسد. فالإصلاح
من الصلاح ومنه أيضا المصالحة بين شرائح الشعب إذا ما ارتاح كل طرف
إلى التوجهات الجديدة العادلة ووجد نفسه في حمى القانون العادل من
ظلم طائفة و قمع عشيرة وجور حزب.إننا نفهم أن يلتفت السوريون إلى
الجار الإيراني ولكن نأمل أن لا يكون هذا الالتفات بديلا عن ضرورة
الالتحام بالواقع العربي وضرورة التعاطي مع الغرب من منظور المصالح
السورية العليا !
د.أحمد القديدي
كاتب وسياسي عربي ـ باريس
alqadidi@hotmail.com
أعلى