الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 





حروب التراث

تطلق العولمة الثقافية حروب التراث. تسعى العولمة المتوحشة نحو إقصاء وتذويب كل الدفاعات الثقافية، وفي مقدمتها الموروث الثقافي للشعوب لتحل محله نمطها الأوحد بصبغته الاميركية غالبا.
لا يمكن للتراث ان يقوم بوظيفته الدفاعية والمساندة دون ان يجدد نفسه، ويقدم أفضل ما لديه في مواجهة السيل العولمي المتدفق.
يمكننا تعريف التراث الثقافي أنه (مجموعة النماذج الثقافية التي يتلقاها الفرد والجماعات المختلفة التي هي عضو فيها، ويتضمن هذا التراث العادات والتقاليد والقيم والعقائد الموروثة).
والتراث ليس شيئا بسيطا يتم إدراكه، ولكنه كيان ثقافي مركب تشكل تاريخيا في الماضي بفعل قوى مجتمعية ونفسية عديدة، ولا يزال حيا وفاعلا في الحاضر.
والتراث إذن هو الموروث الثقافي والفكري والديني والفني، وهو المضمون الذي تحمله هذه الكلمة داخل خطابنا المعاصر ملفوفا في غطاء وجداني أيديولوجي.
وتتمثل ضرورة التراث المشروطة في ان الثقافة القومية لا يجوز ان تستند الى فراغ لأنها تعبير عن استمرارية تاريخية، والفارق بين أي ثقافة تقليدية معاصرة والثقافة العربية ان الاخيرة لم تنقطع طوال مراحل التاريخ الانساني، وإحياء التراث ليس مجرد نشر النصوص الجامدة، إنها معاناة ومعايشة وتطعيم للخبرة بدم جديد ومنطق متجدد. ان وظيفة إحياء التراث في عالم العولمة المتوحشة هي البحث عن الذات القومية وتأسيس انطلاقة المستقبل حول الوظيفة التاريخية من خلال محاور ومستندات الماضي عبر الحاضر.
وهناك أشياء كثيرة في التراث تساقطت وأصبحت متحفية او إرثية، ليس من المعقول ان تكون العودة الى الاصالة مثلا لبس الخف، او اتخاذ البيعة بممارستها القديمة أساسا لشرعية الحكم، او في التداوي على ما خلفه لنا ابن النفيس والرازي وابن سينا، وغيرها. وهذه الامور كانت ابتداعات حضارية صنعها السلف، لمواجهة تحديات حاضرهم ورؤيتهم لمستقبلهم، لكنها لم تعد العناصر المؤثرة في حياتنا.
إن التراث يشبه (عصفور كانط)...
ففي كتابه الشهير (نقد العقل المجرد) وصف كانط عصفورا كان يضرب الهواء بجناحيه كي يطير، ويتصور أنه لو لم يكن هناك هواء لكان طيرانه أكثر يسرا وسهولة، ولا يعرف هذا العصفور الغر أنه لولا الهواء الذي يقاوم جناحيه ما استطاع ان يطير.
فلا ابداع ثقافي بمعزل عن الذاكرة التراثية الحية.
ان النص في عملية إحياء التراث يصير مبتكرا ومجددا وتعبيرا عن تطور قد انقضى وتمهيدا لتطور آخر، بل ان إحياء النص بهذا المعنى يصير عملية سياسية، فالتعامل مع التراث من منطلق الصراع المعنوي والتطويع التاريخي يجب ان ينطلق مع واقع عملي بمبرراته، والمثال الحي على ذلك إحياء أوروبا في نهضتها التراث اليوناني والروماني.
وسل نفسك كيف توظف التراث العربي في مواجهة الصراع الاجتماعي ضد كافة معوقات التطور في الوطن العربي ؟ وكيف نخرج الثقافة التراثية الحية والفاعلة من دائرة القداسة والتحنيط في الماضي الى دائرة المواجهة والصدام اليومي مع ثقافة الاستهلاك والتبعية التي ينشرها الاستعمار الثقافي ليخدر بها الاجيال العربية والمتعاقبة، وكيف تربط المواجهة بالتراث بالهوية مع المواجهة مع العلم والتكنولوجيا كشرط ضروري لنجاح أية مواجهة تتم في المرحلة الراهنة، بأسلحة هذه المرحلة.
ويرتبط التراث بما يسمى الخصوصية الثقافية، حيث تساعد على معرفة الانسان لنفسه معرفة موضوعية، لا يكتفي صاحبها بمجرد استبطان ذاته ليرى ما يحدث فيها من أفكار وفساد ودفعات وغرائز، ولكل إنسان كائنا من كان موطنه، وكائنا من كان عصره الذي يعيش فيه، تركيبة من معروفة ومن عقيدة، فيتجاوب فيها مع مكانه وزمانه ومع من يتعامل معهم من الناس، وتلك التركيبة الخاصة هي التي تحمل خصوصية موقعه، وهي التي تحدد رؤيته الى العالم الخارجي، في ماضيه وحاضره ومستقبله فالخصوصية الثقافية لشعب ما، ليست شيئا جامدا يتساوى فيه مع أمسه وغده، بل هي كيان تتسع فيه الدوائر، كلما اتسعت آفاق الحياة.
ويتصاعد الجدل حول الخصوصية الثقافية في مواجهة العولمة الثقافية وما تفرضه من (محو) لخصوصيات شعوب اللامركزية الغربية.
سل نفسك ما هي الدوائر الثقافية التي ينتسب إليها المواطن العربي في أي قطر عربي ؟ ويطلق على (الخصوصية الثقافية)، تعبير آخر هو (الذاتية الثقافية) وتعني احترام السمات المميزة لكل المجتمعات وتعرف القيم والتقاليد الثقافية لكل الشعوب وتقديرها حق قدرها. وهذا من شأنه ان يقاوم خطر (التقولب) أو (المطية) الذي يؤدي بنا الى فقدان الشخصية في ثقافة عالمية واحدة (كما هو حادث بالنسبة لهيمنة الثقافة الاميركية على بقية العالم) ويحتاج توظيف التراث وفهمه الى ممارسة العقلانية النقدية هي مكوناته، وبهذه الممارسة وحدها، يمكن ان نزرع في ثقافتنا الراهنة روحا نقدية جديدة وعقلانية مطابقة لها، هما الشرطان الضروريان لكل نهضة.
ان المأزق الحقيقي للثقافة العربية لا ينبع من الثنائيات المحفوظة (عقل ونقل، أصالة ومعاصرة، اتباع وإبداع.. الخ)، بل من عجز العناصر المكونة للثقافة العربية عن التفاعل الابداعي فيما بينها بحيث تساهم في تغيير البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة.
فمن مظاهر هذه الأزمة سيادة ثقافة التبرير والاستهلاك والتلقين على حساب ثقافة التغيير والانتاج والابداع، وهي مرتبطة بأزمة العقل العربي، وشيوع مناخ القهر والتشرذم القطري والتبعية. إنها ثقافة التخلف ويتساءل البعض: هل لنا اليوم ـ ونحن نستصرخ أصالتنا الحضارية ـ حضارتنا الذاتية الأصلية التي تمكننا من تمميز القريب الدخيل من الاصيل العريق ؟ وهل يصح ان نطلق اسم الحضارة الاصلية على ما تضمه البيئة العربية من شتات متنافر تقدمه إفرازات مجتمع الاستهلاك، ويقدمه غزو الكثير من مظاهر الحضارة الحديثة ؟ (وتأمل أسماء المحلات والشركات والسلع المختلفة، وراجع أسماء المنتجات التي تحملها الاعلانات في التلفاز والصحف لتتأكد من ذلك).
وهل كان في وسع الحضارة العربية ان تولد هذا الشتات لو كانت البنية الاصلية بنية متماسكة واعية لذاتها ؟ بل هل كان في وسعها ان تؤدي الى تمزيق كثير من أوصال الحياة العربية، لو أننا استوعبنا تلك الحضارة، وتمثلنا اتجاهاتها الأساسية الحية التي تحمل وراءها التجربة الانسانية وشاركنا بعد ذلك في صياغتها وتصحيح انحرافاتها ؟
مأزق الثقافة العربية يكمن في محاولتها تأكيد قوميتها بالرجوع الى الماضي المزدهر ومدنيته وترى المستقبل بعثا للتاريخ والتراث، مما أوقعها في فخ السلبية والاغتراب، بل يجب ان تواجه الثقافة العربية قضايا حديثة بوسائل حديثة يستلزم نقدا موضوعيا لفهم الذات والآخر.
وتعاني الثقافة العربية من خطرين: خطر اجتياح الثقافة الاستهلاكية الغربية المعولمة وخطر الدعوة الى الانكفاء على الذات بحجة الخصوصية الحضارية، فقد قادت مقولة الاصالة والانطواء على الذات، وتبرير ما هو قائم خوفا من التغيير الى ركود قاتل على مستوى الابداع الثقافي العربي، فالانطواء على الماضي خوفا من رياح التغيير التي تهب علينا من جميع الجهات لم يكن قادرا على حماية الحاضر من التبعية وبات يهدد بتحويل التراث والثقافة العربية الى مجرد تراث ثقافي للزينة في بعض الاعمال الفنية.
ويذهب عبدالله عبد الدايم الى ان مدى الغربة من الحضارة الحديثة يحددها مدى استيعابنا لها ولبواعثها ومدى تمثلنا الذاتي لما استوعبنا له، ومدى مشاركتنا بعد ذلك في تصحيح مسيرتها، اي ان الموقف الاصيل من الحضارة الحديثة هو ان نكون فيها وان نبنيها بناء ذاتيا خاصا. (تأمل الامثلة الحية الناجحة في هذه المشاركة في موقف اليابان والصين).
ثمة اتفاق بين اكثر المفكرين العرب على ان السبيل الى تحديث الثقافة العربية هو المعرفة، فيذهب زكي نجيب محمود الى ان السبيل لتحويل ثقافة معينة الى صورة اقدر واقوى واهدى سبيلا دون ان يمسخ ملمحا من جوهرها الاصيل، انها المعرفة ثم مزيد من المعرفة فهي الوسيلة التي لا تسبقها وسيلة اخرى يتحقق لأفراد الشعب اكتشاف الشخصية الجديدة التي تصمد فيها خصائص الهوية العربية، ويصاف اليها بالدمج العضوي خصائص تقتضيها الحياة الجديدة في عصر العلم، معرفة الانسان لدقائق الاشياء التي حوله مما يقع في مجال عمله، ومعرفة الاخر من مواطنيه ومعرفة من هم خارج حدود الوطن، انه طريق لابد منه لاقتراح المكونين: التراثي والمعاصر. واخيرا معرفة الفرد لنفسه على نحو موضوعي. نعم فهناك اتفاق على وجود اصالة ثقافية عربية، وان كان من الصعب الاتفاق حول طبيعتها ويترتب على ذلك عدم وجود اتفاق بشأن الدرجة من التغير الثقافي التي يمكن السماح بها. وان تظل مع ذلك صادقين مع اصالتنا الثقافية، وتنشأ المشكلة من الفكرة الغامضة التي تعتبر الثقافة العربية كما لو كانت كيانا كلي التجانس احادي الخواص ثابتا دائما بطبيعته نشأ معه مرة واحدة والى الابد.
تسعى مجتمعاتنا العربية الى تأمين ما يسمى (الاستقلال الثقافي) في مواجهة الاختراق الثقافي الاجنبي والهيمنة الثقافية، ويتحفظ البعض على امكانية تحقيق الاستقلال الثقافي (فؤاد زكريا) حيث يستند في هذا الموقف الى ان الاستقلال الثقافي الكامل مستحيل في عالم العولمة والفضاءات المفتوحة والاستقلال الثقافي عن ان ننسب الى الغرب اكثر مما انجزه فعلا فيه ظلم لنا ان اقصى ما يمكن ان يطلب في ظروف العالم المعاصر هو ان تكون لنا ثقافتنا التي يعترف بها عالميا، لا على انها الوحيدة ولا على انها هي التي قهرت الاخرين، لأن المسألة ليست مباراة في المصارعة وميدان الثقافة مختلف، فيكتفي ان نعترف بأن الثقافة هي رافد من الروافد التي ينهل منها الانسان المعاصر في عالمنا المعاصر.
ويقف في المقابل من يدافع عن امكانية تحقيق الاستقلال الثقافي في مواجهة (الاختراق الثقافي) للثقافة الاستهلاكية الاميركية التي تفرضها العولمة (محمد عابد الجابري) فيذهب الى ان الاصالة والمعاصرة لا ينفصلان فمن ينشد الاصالة بدون المعاصرة كمن ينشد المعاصرة بدون الاصالة: الاول مقلدة والثاني تابع بل كلاهما تابع ومقلد والشرط الضروري لتجديد العقل العربي وتحديث الفكر العربي وتغيير الوضع العربي هو كسر قيود التقليد وقطع خيوط التبعية، انه (الاستقلال التاريخي) الذي لا ينال الا بممارسة النقد المتواصل للذات والاخر ايا كان هذا الآخر والاستقلال الثقافي ليس مواجهة الاخر فحسب بل هو ايضا في مواجهة الآخر أنانيتها وأوهامها.
فالتحدي الرئيس للعرب هو ابداع معاصرتهم العربية الخالصة ولن يحل الازمة الثقافية العربية المتواصلة سوى الحرية المفرطة والجدل الساخن، ان يكون الابداع الثقافي جدلا موجبا ينشغل ويدخل كل بيت وسيظهر في النهاية تركيب تنصهر فيه العناصر الحية والموروث العربي الاسلامي مع العناصر المهمة في الثقافة المعاصرة بحيث ينتهي الامر الى ابداع معاصرة عربية متكاملة عضويا.
د. محسن خضر*:
*استاذ جامعي مصري


أعلى





الاستشراق ..
الاستجابة الثقافية الغربية للتاريخ العربي الإسلامي

عرض : عبدالسـتار خليف
مؤلف هذا الكتاب ، هو الباحث والأكاديمي العراقي الدكتور محمد عبدالحسين الدعمي ، الحاصل على دكتوراه الفلسفة في الأدب الانكليزي ، له مؤلفات عدة هي : (انتصار الزمن ): دراسة في اساليب معالجة الماضي في الفكر الإحيائي (1985) (صورة المرأة المباركة) : دراسة في قصائد تشيللي وتنيسون وروزتي ونزار قباني ( 1989 ) . (المتغير الغربي) : الشرق ، الاستشراق ، أدب الصحراء ( 1986 ) .
وكتاب :( Arabian Mirrors and Western Soothsayers) ( 2002 )
و(الإسلام والعولمة) : الاستجابة العربية / الإسلامية لمعطيات العولمة ( 2003 )
وفي هذا الكتاب الجديد ( الاستشراق ....) يتناول المؤلف ، التناقض بين الموقفين العربي / الإسلامي والغربي :الموقفان تفصلهما فجوة يصعب تجسيرها لأنهما يمثلان نظرتين مختلفتين وإرادتين متناقضتين تماما : فحيث إن الفكر الاستشراقي يحيل الماضي العربي الإسلامي إلى كينونة ميته يمكن للذهن الغربي الارتجاع إليها لاستخلاص الدروس والخبرات لصالح حضارتهم ، تعتمد أهم الإيديولوجيات العربية والإسلامية الفاعلة على استلهام هذا التاريخ منظورا لاستشراف المستقبل .. وعليه ، فإنه ليس من المبالغة الاعتقاد بأن مايحدث اليوم في الشرق الأوسط من مجابهات ساخنة إنما يرد إلى هذا التناقض بين الإرادتين ، وإلى هذا التنافر بين المنظورين اللذين يمكن تتبعهما إلى أفكار المستشرقين المبكرين .
القسم الأول يركز على أطر نظرية وتاريخية ، من تشكيل الصورة : المعوقات والإدراك مابين العصر الوسيط وعصر النهضة . إضافة إلى تبلور الاستشراق : بالحديث عن المؤرخين والمستشرقين وكتاب خياليين .
القسم الثاني ركز على التطبيقات وعلى آثار تلك الأطر القديمة التي بقي العقل الأوربي حبيسا لها . وأهم كتاب العصر الفيكتوري (الكاردينال نيومان) زعيم حركة أوكسفورد وواحدا من أهم منظري ( فكرة الجامعة ) وبسبب تجاوز غالبية دراسات نقد الاستشراق لواحد من أهم كتبه المنسية: ( تصويرات تاريخية : الترك وعلاقتهم بأوروبا ) على خلفية حرب القرم ودخول الدولة العثمانية أتونها .
ويشير الباحث إلى (الكاردينال نيومان) الذي يمثل الذهنية المتدين المشوبة بالكثير من براثين الإثنية والطائفية والفارق الكبير بينه وبين الكاتبة ( هاريت مارتنو) معاصرته التي اشتهرت بتحرّرها من كوابح الإلتزام الديني ، وبميلها القوي إلى الفلسفات الدنيوية الحديثة آنذاك ، زيادة على اهتمامها المبكر بالأنثوية وبقضية تحرير المرأة . ولم تعاين الشرق عبر التقارير التي كتبها المستشرقون ، وإنما شدت الرحال شخصيا في رحلة طويلة إلى مصر وفلسطين وسوريا لتكتب واحدا من أهم مؤلفات الاستشراق حقبة ذاك: ( الحياة الشرقية : حاضرا وماضيا ). إن مارتنو ارتكزت على تراث أوربي قديم مستقي من فكرة الإساءة المفترضة للمرأة في العالم الإسلامي كما هي مصورة في الثقافة الغربية ، باعتبارها مخلوقا حبيسا في البيت ..ويرصد الباحث هذه الأفكار الشائعة في الغرب حيال موقع المرأة في الإسلام وهي الإساءة المتبلورة في مفهوم (الحريم) الذي دخل اللغة الانكليزية لفظا مستعارا ليكتسب هالة واسعة من المعاني السلبية التي تحط من قدر المرأة المسلمة . وهذا يعكس جانبا أساسيا من النقد الاستشراقي للإسلام وللتنظيمات الإجتماعية في الأقطار العربية . وفي نهاية هذا القسم نجد رأى (ريتشارد بيرتون) والذي قضى أكثر من ربع قرن في ترجمة (ألف ليلة وليلة ) ، لذا يُعد مؤلفه المهم ( المقالة الختامية )التي أنهى به الليالي العربية مدخلا مهما آخر لتناول أوضاع المرأة في العالم الإسلامي ، باعتبارها أوضاعا أفضل بكثير من حال المرأة المتدينة في أوروبا ، حيث يعتبر عدم الاستحمام والرهبنة ـ كما يقول ـ من شروط التدين الحقيقي . إن الطريق التي سلكها ريتشارد بيرتون تختلف تماما عن الطريقين اللذين سلكهما كل من نيومان ومارتنو ، ذلك أنه قد استجاب للانبهار والعشق الأوروبي لكتاب ألف ليلة وليلة ، باعتباره( بانورما) متكاملة للحياة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي .
القسم الثالث من الكتاب يتناول : الاستشراق الأمريكي ، لأن الحديث عن الاستشراق الامريكي غالبا مايرادف الاستشراق الحديث ، ليس لأن الاستشراق الأوربي قد لفظ أنفاسه الأخيرة .. ولكن بسبب بروز وتفوق الإهتمام الأمريكي بالشرق بعامة ، وبالشرق العربي الإسلامي بخاصة ، ويمكن رد الاهتمام الأمريكي بالمشرق العربي الإسلامي إلى تحالف الولايات المتحدة مع اسرائيل وإلى بلورة الحاجة لمعرفة شعوب الشرق الأوسط المحيطة بها ، زيادة على الإهتمامات الاقتصادية التي تتمركز على البترول .وارتحال رجال الثقافة والأدب لإلى الشرق الأوسط حيث ظهرت بعض المؤثرات الاسلامية على كتاباتهم ، كما كانت عليه الحال مع ( ملفل ) و( توين ) . لقد كانت العناية الامريكية المبكرة بالعالم الاسلامي أشبه ماتكون بالعناية بكوكب آخر ،كوكب مختلف ، ناء ، غريب .
كما يرصد هذا القسم بالدراسة والتحليل كتاب (إرفنج محمد وخلفاؤه )، حيث يعد هذا الكتاب واحدا من أوائل التواريخ الغربية إنصافا للاسلام ومحاولا تحقيق قراءة أكثر حيادية لهذا التاريخ ، وبخاصة فيما يتعلق بشخصية الرسول الكريم ( ص ) . لقد ركز إرفنج على سجايا النبي الفردية ، محاولا إماطة اللثام عن تلك اللحظة التاريخية التي شهدت التئام سجايا البطولة الجماعية وانسجامها مع سجايا البطولة الفردية .كما يركز على نظرة إرفنج في الوجود العربي / الإسلامي في اسبانيا مركزا على بعض الشخصيات العسكرية معبرا عن شديد الإعجاب بفروسيتها واخلاقيتها كطارق بن زياد وعقبة بن نافع ، كما ركز بالدرجة نفسها على الشخصيات الإدارية التي تمكنت من ترسيخ الحكم العربي الاسلامي في الأندلس من خلال رعاية الصناعات والحرف والزراعة كشخصية أول والي للأندلس في العصر الأموي .
وفي نهاية هذا القسم من الكتاب فإنه يركز على أهم الطرائق التي تعامل بها المستشرق (رالف إمرسون ) مع الماضي العربي الاسلامي وخاصة الرسول الكريم والخلفاء الراشدين ، لقد كان هؤلاء ، حسب رأي إمرسون ، من بناة الأمم العظيمة الذين لايختلفون عن أعظم أباء الأمم والامبراطوريات التاريخية الكبيرة . كما خص إمرسون المرأة العربية المسلمة بالإهتمام ، حيث كان قد تأثر بكتاب ألف ليلة وليلة ، مقدما إيها كنوذج للحيلة والذكاء الفطري والقدرة على المناورة ، استنادا إلى شخصية شهرزاد .
القسم الرابع والأخير من هذا الكتاب ، يقع في فصلين : أولهما ، محاولة لجمع خيوط طرائق مباشرة الماضي العربي الإسلامي منذ العصر الوسيط حتى عصرنا ، مع إشارة خاصة إلى محاولات المستشرقين تعريف دورهم الإجتماعي من خلال توظيف تاريخنا بأساليب متنوعة . وثانيهما ، محاولة للمقارنة بين طرائقنا ، العربية الإسلامية ، في مباشرة هذا التاريخ من ناحية ، وبين طرائقهم ( الغربية / الاستشراقية) في مباشرته وتحليله . والخاتمة لهذا البحث الهام تلخص أهم نتائج هذه الدراسة القيمة ، كما تمهد الطريق للمزيد من الباحثين لدراسة هذا الموضوع الحساس واستقصائه على سبيل سبر أغوار وطبيعة التعامل الاستشراقي مع الشرق العربي الإسلامي ماضيا وحاضرا .
كتاب الاستشراق : الاستجابة الثقافية الغربية للتاريخ العربي الاسلامي . من إصدارات مركز دراسات الوحدة العربية ـ الطبعة الأولى ، بيروت 2006 م



أعلى





زوارق النبذ.. صمدية المعنى داخل الشتات (1)
نظرة انطباعية لمعرض الفوتوغرافي العراقي إحسان الجيزاني

عبداللطيف الحرز*
بداية نلقي نظرة انطباعية على هذه الزاوية في معرض الفوتوغرافي العراقي احسان الجيزاني، اعني تلك الزاوية الموظفة والمرهونة لحظتها الفنية بالعادية, حيث ان ماهو مأخوذ كنموذج هنا (في هذا القسم من المعرض فقط, اما في غيره فالجيزاني ينحى طرقا مختلفة), لايتعدى لقطات زورق مقلوب.. زورق مرمي خارج النهر.. قطع بدائية يصعد عليها بعض الفقراء كي يصطادوا في مياه عكره.. زوارق منتصبة وسط النهر في وضح النهار..الخ.
وهي لقطات جد مألوفة بامكان الكثيرين التقاطها, خصوصاً وان احسان الجيزاني, لايتدخل اي تدخل في هذه الصور, حالها حال قسم كبير من معرضه ومنجزه الفوتوغرافي, الشبيه بهذه الحالات المماثلة.
فاذا كانت العادية, هي السمة العامة والجلية في هذا القسم من الصور والنماذج, فاين الفنية والبعد الاستاتيكي الذي يفترض ان الفنان ملزم بتقديمه باعتباره يقدم احترافاً وليس هواية؟!
هو سؤال ينسحب على اعمال فنانين كثر بلا شك, وهو سؤال يعد احدى مشكلات تعاطي الفوتوغرافي كقسم من أقسام الفن بنظر الناس والمتلقين من اجل مقاربة القول الاكثر حظاً في الاجابة, علينا ان نعاود الى ذات المسألة واعتراضية المنع ومن ذات خبئية المسألة اعلاه, من: ان هذا القسم من معرض الجيزاني, هو مجموعة صور كان بالامكان للشخص العادي التقاطها وجلب الانتباه لها. وانه لاتوجد للجيزاني, اي تدخل صناعي في الصورة, حيث النموذج باق على ماهو عليه خارجاً, وبكامل تحققه الفعلي الاول. واذ ذاك فلنمط بالسؤال ذاته الى منتاهه:
لِمَ لا يلتقط الانسان العادي مثل هذه النماذج ويقدمها كسجالية ما, مادمت هي متاحة وسهلة كما هو مدعى؟!
اذن فهذه النماذج هي بحاجة الى نوع من حساسية خاصة تُثار في تخوم الشعور, كي تكون من ثم عنصراً مهماً يستحق عناية الرصد عليه فالنموذج الفني مُعطى يتحقق على ثلاثة أمور: الحدث الذي يشع اشتراطاً نفسياً, والحساسية الخاصة التي تتعاطى بهرمونية (اوهريونية), والمعنى الذي هو وليد هذه المعالجة. ومقدار هذا الوليد مرهون بعمق الحدث وكثافة اشعاعيته التأثيرية, وبعمق العقل والروح (الفنان) الذي يتلقاه, ومن ثم ان يخلق منه معنى مجسداً, ولهذا قال مايكل انجلو: (المصور يصور بعقله لا بيده).
في حين ماهو عادي محض خال من الرؤية الاستيتكية هي لقطة تصورها اليد والاصابع فقط, اذ هناك فارق كبير بين الصورة باعتبارها تنظيم معين للافكار, وبين الصورة باعتبارها مجموع اختيارات لونية وشكلية. اذن فليس هناك ثمة قاعدة بان ماهو عادي غير متاح له ان يكون فنيا. لذا في اغلب الاوقات يخرج الفنان عن خطوط اي قاعدة مسبقة, او بحسب تعبير غوته في كتابه آلام فرتر: (فإن القواعد تجني على الطبيعة).
الامر الذي يفسر لنا لماذا نحن نعود دوماً الى المناهج الاستنباطية وترك المناهج الوضعية والتجريبية, كلما وقفنا امام منجز الفن, بهذا لن يكون تنظير (كرتشفيلد) دقيقا, رغم ماسعى اليه شاكر عبدالحميد في بحثه المعنون: (في فن التصوير) لكن هل الامر عادي هنا فعلاً؟!
بشيء من الدقة يستوقفنا امر هذه الزوارق التي يعرضها الجيزاني هنا, اذ جميع الزوارق تقريباً موضوعة بشكل غير طبيعي, حيث يندر ان تجد زورقا يؤدي وظيفته المفترضة: زورق خارج الماء.. زورق مقلوب.. زورق مفكك بدائي.. زورق جامد وقت الزوال..الخ.
فاذا كانت وظيفة الزورق انه اداة وصول وايصال, فان زوارق الجيزاني بعيدة كل البعد عن مثل هذه الممارسة, انها ليست زوارق وصول وانما هي زوارق هجر ونبذ..
هي زوارق تشارك فئة انسانية مكشوط جلد انتمائها عن عظم ارضها واهلها, اذ غنى الزورق وفاعليته او بؤسه وعطالته, مقترن بصاحبه وبما به من خطب جليل اوجلل في الربح او الخسران. فهذه المنطقة التي تحتل قسما كبيرا من معرض الجيزاني, اعني منطقة الجنوب العراقي, يتلازم فيها الانسان والزوارق, في مظهر تعبيري موجع عما حدث هنا من فاجعة شمل خرابها كل شيء.
فاذا كان التصوير (هو الاسلوب الذي يعوض الانسان عن قصور ادواته وحواسه عن التذكير المستمر, والابقاء على الحدث او الغرض مدوناً بطريقة صادقة لاكذب فيها او التواء), كما يجتهد محمد نبهان سويلم من بحثه التصوير والحياة (وان كنا نتحفظ على مقولة الصدق والكذب بهذا التفسير السطحي) فان الجيزاني هنا لاشك يبتغي تخليد مشهد الفقد وماحققه الخراب, وكيف يمكن للانسان ان يهدم مقولة الانسان حتى لكان النسيان موضوعا مرضيا غير طبيعي, حيث تكون مقولة الشر الباترة لكل شيء مربض النية لكل فعل, وهذا يفسر لنا هذا الحضور الدائمي لعنصر الارض في جميع الصور التي يلتقطها الجيزاني, فلا يكاد مشهد يخلو منها وهذا بالذات مايفسر: ان معرض الجيزاني قائم على نقيض تنظير مدرسة الزن, حيث ان الجيزاني لايؤمن بان ثمة شيئا مألوفا ومبتذلا وعاديا, كل شيء فيه يمكن ان يتم عرضه كنموذج استيتكي، وان هذا يفسر عنصر إمكانية التداخل في مشغل الجيزاني ووظائفية عدسته, معاً, والابتعاد المرصود عن منهج العرض الارتقائي, نهائيا ودائماً.
بذلك لم تكن ثنائية الجيزاني هي النور والظلام, او النور والنور.. وانما: الضوء والارض, تحديداً. وعليه كانت كاميرا الجيزاني ثابتة الجهة وان بدت في بعض الاحيان متحركة. واذا كان اي فن هو في اساسه عملية تواصل (مهما كان وان حاول الفنان الانفلات الى داخل نفسه والى اللاوعي), وكما تبنى ذلك (غومبريتش) و(حوليان ليفي) و(كلكهون) وقسم مشابه من نقاد آخرين غير مرة, فان هذا يعني ثمة قراءة معينة للزمن, قهراً, وحينئذ نلج كيف ان الصورة الثابتة هنا زمانها ليس واقفا ايضاً, فهذا التنوع والتأشكل والتداخل, وتنوع الحلات البشرية وابراز اكبر قدر ممكن بما حل بالموجودات الاخرى المصاحبة للانسان (امر يفسر لنا توأمة الجيزاني للاشياء مع الانسان مثل تسميته لزورق بـ(الغريب), وآخر بـ(اليتيم..الخ), من تغير وعذاب, مكّن الجيزاني من يخلص صوره من براثن الازمنة الميتة (بخلاف لو جعل الجيزاني معرضه ارتقائيا كما هو دأب غالبية الفنانين, حيث يكون كل قسم ارقى من القسم الاخر في المعرض), انطلاقا من تعبيرية اختصر كيرجور, اجتهادها من: كل قطعة من الجمال ينبغي ان تقاس في انسجامها.
فبرغم كل هذا الخليط في لوحات الجيزاني, لا نشعر ثمة بينونة بين اللوحات والصور الملتقطة, رغم ان الجيزاني لم يسر بطريقة واحدة فيما بينها, فالمعرض يقدم معنى صمديا داخل شتات المواضيع والحالات, الامر الذي يجعل المعرض صورا تتدرج فيه المقاصد ويتسلل بعضها الى بعض, لبلوغ كثافة معنى متوحد وهذا التوحد يعد نموذجيا في موضوع الزوارق.؟!
فمادمنا قد ارتضينا ان اللوحة الفنية هي تجسيد لمعانقة العقل والروح, وليس شبك الاصابع على زر الكاميرا او فرشاة الرسم, فان هذا يعني ان الفنان يبحث دائما عن محاولة (تسوية).. تسوية بين ماهو خيال وحلم وامنية, وبين ماهو واقع وفاجعة فاذا كانت محاولة التسوية هي رهينة الوظيفة في الفوتوغرافيك, عندها يكون امراً لايحتاج الى كثير عناء لمعرفة ان المعنى المتوحد بنفسه في جميع الصور المنجزة للجيزاني هو: الفقد, وهو معني صمدي غير قابل للتثقيب, حتى كأن العودة ومعاودة اللقاء امور لاتنتمي لعالم الفنان وانما هي امر قد تتحق في عالم سيكون قد غادره ووقّع عليه امضاء الرحيل, او عالم جديد في النفي والهجران والقيامة الثانية للنبذ.. وهذا يحقق معنى متداخلا متسللا, وبعدا مختلفا لمعنى صمدي مغاير وشتات اكثر فتكاً وتصبراً!
اذا كان الجيزاني يقدم إزاحته نحو هذه الرؤية التي تفترض بان لا عادية هناك في الطبيعة وفي الحدث, فان هذا يقرر ان ما هو كائن أولي هو بريء دوماً. وهذه رؤية تعاكس تماما ذلك التشخيص الذي ينقله جيل دولز في كتابه (الصورة ـ الزمن), في عرضه نقد تحولات الصورة السينمائية, من ان: (كل شيء عادي, كل شيء يومي). اذ ان وظائفية الفوتوغرافيك هنا تقول:
كل شيء لوحة كامنة. وبذلك لاتكون الحياة اليومية في عدسة الفوتوغرافيك, عبارة عن (روابط حسية ـ محركة واهية) وانما هي تحديداً: مشاخص تستفز المخيلة الفنية على الدوام, كمثير للغواية المستمرة نحو خلق بالفكرة وتطوير بالاحساس. وهذا في انزياحه التفكيكي يفسر لنا امراً في غاية الاهمية بالنسبة لمعرض احسان الجيزاني: حيث ان هذه الاعمال تمتاز بالموقف الحاد الجارح والمؤنب جداً حد التقريع والتوبيخ, رغم ان هذه الصور تقوم بتوظيف الموقف الجد عادي, فكيف تم جمع هذا بذاك, وبأي وسيلة رابطية تمكن الفنان من انجاز ذلك؟!
وهذا ايضاً, هو الذي يجعل كل صورة ولوحة, تجمع بين المعاينة البصرية والاستيهام المفترس القاسي الادانة والمساءلة. لكن اليس بناء المعرض بطريقة صور متداخلة ومتنافذة بعضها على البعض الاخر, سيجعل الفوتوغرافيك عبارة عن (لغة)؟! اذن لِمَ لاتكون الصورة مقدمة هنا باعبتارها (نص) بحاجة الى مشترطات (القراءة) وليس الابصار فقط.
* شاعر عراقي مقيم في استراليا


أعلى





صــوت
محاكمة سينما الجسد!

المشهد لم يبرحني.. يسكنني عنوة بلا إيجار.. يجلدني حينا.. يضحكني أحيانا، يمطرني بألف علامة استفهام مع كل طلة لي على شاشة السينما.
تفاصيل المشهد، أحاول استدعاءها.. ملامح مكسرة، ضبابية الذاكرة تحجب الرؤية، أمسح مرآتي، مرة، اثنتين، عشرا، أخيرا.. أراني جالسا وسط مجموعة من الصحفيين والصحفيات نترقب دخول المخرج السويدي بو ويدريج لقاعة المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، دخل، ومعه منتج الفيلم وأبطاله.. صمت رهيب يلف القاعة، يقطعه صوت المخرج، لا أتذكر جيدا ما قاله، أحاول، أرهف السمع، ياااااااه، الصوت بعيد، بعيـ يـ يـ يد، أحاول ضبط هوائي ذاكرتي على موجة صوت ويدريج، أخيرا أسترد صوت المخرج بوضوح وهو يقول: الفيلم به مشاهد جنسية صريحة، لذلك أحضرت نسختين، نسخة الفيلم الأصلية كما تم تصويره وعرضه في السويد، ونسخة حذفت منها هذه المشاهد احتراما لتقاليدكم وعاداتكم، والرأي لكم، نعرض النسخة الأصلية بمشاهدها الجنسية أم ... وقبل أن يكمل ما بعد (أم) رأيت المشهد الذي يحتلني ويدهشني منذ أمد بعيد، رأيت الصحفيات يرفعن أيديهن الشمال واليمين، بينما جلسنا نحن الذكور يلفنا الخجل من فرع إلى قدم، المهم شاهدنا النسخة الأصلية للفيلم (كل شيء على ما يرام)، وخرجت بعد النهاية، لتبدأ أسئلة عديدة تعرض أحداثها على شاشة عقلي: هل لا بد عندما تجسد الممثلة مشهدا غراميا، أو مشهد اغتصاب، أو تجسد دور عاهرة هل لا بد أن تظهر شبه عارية لأن الدور يستلزم ذلك، وهل المشهد الجنسي لا بد أن يكون صريحا أم تكفي الرمزية لتصل الفكرة للمشاهد؟
عدت لصحيفتي حيث كنت أعمل وقتها محررا فنيا بها، وصعدت للطابق الثامن، لأجد نفسي دون قصد في مكتب مدير التحرير، الذي أعطاني ـ كعادته ـ مقالته لأقرأها ونتناقش فيها قبل الدفع بها للمطبعة، رغم أنه ناقد فني من طراز فريد وكاتب سيناريو لأكثر من 65 فيلما، منها أفلام تعد من كلاسيكيات السينما العربية، ولكن هكذا المبدعين (الكبار) لا يجدون حرجا في التعرف على رأي الآخرين فيما يبدعون، المهم مررت مرور الكرام على سطور المقالة، لكن استوقفني السطر الأخير الذي ينتقد فيه فيلم (جحيم تحت الماء) لأنه مليء بالمشاهد الساخنة!
دهشت لهذا الوصف، فقد شاهدت الفيلم مرات، ولم أجد فيه أي سخونة، وعندما قلت ذلك لمدير التحرير، ابتسم قائلا: ما انا عارف لكن منتج الفيلم وبطله طلب مني ألف مرة أن أكتب شيئا في صالح الفيلم المعروض حاليا على شاشة عدد من السينمات ولا يلاقي اقبالا، فكتبت ما كتبت مجاملة للمنتج، فالذي يهوى سينما الجسد سيذهب للسينما أملا في مشهد من إياهم، والذي يكره هذه المشاهد، سيذهب ليهاجم فور خروجه من السينما الفيلم ومنتجه!
طبعا لا يهمنا من القصة السابقة، إلا تأكيدها على أن بعض صناع السينما يعلمون جيدا أن هناك شبابا يذهبون إلى السينما لا ليشاهدوا فن (الممثلة) أي ممثلة، بل يدفعون بسخاء ليشاهدوا أشياء أخرى نعرفها جميعا؟ وشهد صناع السينما على ذلك، ففي فيلم (المنسي) يتساءل أحدهم قبل أن يدفع ليدخل إحدى دور السينما ليشاهد فيلما معينا، يتساءل (الفيلم قصة واللا مناظر)؟ .. بالطبع مقومات القصة الجيدة معروفة، ومعنى (المناظر) يعرفه جيدا صناع سينما الجسد؟
علامات الاستفهام عن سينما الجسد ما زالت تلاحقني، أفر منها إلى أحد بلاتوهات (مكان) تصوير فيلم ما، لعل وعسى تنساني، لكن قليل الحظ يلاقي سينما الجنس أمامه، فقد كان المشهد الذي يتم تصويره في البلاتوه مشهدا ساخنا، أرى البطلة واقفة بملابس تشعل رأس الرضيع شيبا، يقترب منها البطل، ليقبلها ـ كما يتطلب الدور ـ لكن تسود لحظة صمت غريبة، يقطعها صياح المخرج: يا ( ) بوسها بحرارة، أنا عاوز صدق مش تمثيل، يا أخي أنت مكسوف مني دي زي أختك!
نسيت أن أخبركم أن بطل الفيلم كان متوترا، لأنه شقيق المخرج، والبطلة هي زوجة أخيه المخرج، يعني الأخ يطلب من أخيه أن يبوس زوجته بعنف أمامه!
مشاهد الجسد إذن في السينما حقيقية حتى لو كانت البطلة هي زوجة مخرج العمل الفني!
مفيش فايدة .. ستجيب عن علامات الاستفهام إياها مهما هربت، هكذا حدثتني نفسي، وبالفعل هممت أجهز نفسي لرحلة صحفية بحثا عن إجابة ترحمني من مطاردة الأسئلة، لكني قبل أن أبدأ خطوتي الأولى، حضرت عرضا خاصا لفيلم (استاكوزا) بطولة الراحل العبقري أحمد زكي ورغدة وإخراج إيناس الدغيدي، وبعد الفيلم كانت هناك ندوة انتقدت خلالها إحدى الصحفيات الملابس الساخنة لبطلة الفيلم، وردت عليها إيناس الدغيدي بأن الفن لا يمكن أن يقيم بمعيار أخلاقي وإلا تحول إلى وعظ، فالأسرة الآن تريد ان تلقي بحمل تربية أبنائها علينا، فمن حق الأم ان ترفض ان يشاهد ابنها فيلما من إخراجي، ولكن عليها ألا تحملنا خطيئة ان ابنها شاهد الفيلم .. خرجت فرحا من ندوة (استاكوزا) التي أعقبت عرض الفيلم، فقد وضعت الدغيدي النقاط على حروف الأسئلة التي تطاردني: الفن لا يرتدي ثياب الفضيلة وإلا اختنق الابداع، فمشهد الاغتصاب لا بد أن يتم تجسيده على الشاشة كما حدث في الواقع.
لملمت أوراقي وطويت استفساراتي، لكن منه لله ذلك الذي قابلني وأنا في طريق عودتي للبيت، فقد فتح جرح علامات الاستفهام إياها، عندما قال: الفن لا بد أن يسمو بالمشاعر ويهذبها لا أن يهبط بها للدرك الأسفل من الحيوانية، فسينما الجسد تخاطب في الانسان أسوأ ما فيه: شهوته، كما أن سينما الجسد غزت الفن السابع العربي بعد نكسة 1967، أي أنها جاءت كرد فعل طبيعي لانتكاسة أمة عسكريا وسياسيا، وعندما تنتكس عقول الشعوب تستيقظ شهواتها، أي أن سينما الجنس ولدت في زمن الضعف العربي، ثم استمرت في السبعينيات والثمانينيات بعد أن ذاق المنتجون حلاوة الربح السريع، بعدما أدركوا أن (الجسد) هو أقصر الطرق لشباك التذاكر وجني الملايين، فشهدت السبعينيات الحضور الطاغي للجسد والأنوثة والإغواء، وكان ذلك مترافقًا مع تداعي النموذج الاشتراكي، وطغيان حال الانفتاح الاقتصادي في مصر، وانتشار سوق السينما الأميركية، سينما الجسد إذن هي نتاج لمرحلة سياسية، لكنها فشلت فشلا ذريعا في أن تجد لها مكانة محترمة في ذاكرة السينما العربية، فميلاد السينما المصرية جاء مع ميلاد السينما العالمية، وبالتالي هي الأكثر خبرة وانتاجا وتاريخا على المستوى العربي، ورغم ذلك فإنه لا يوجد فيلم ينتمي لسينما الجسد بين أهم 100 فيلم سينمائي مصري ـ عربي، وفي إحدى دورات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، اختيرت فاتن حمامة كأهم ممثلة في تاريخ السينما العربية، ومعروف عن سيدة الشاشة العربية أنها لا تنتمي لسينما الجسد، وربما لا نجد لها مشهدا واحدا ساخنا، الأمر يختلف بالطبع في السينما العالمية، لأن ما يلمع لديهم ليس شرطا أن يكون عندنا ذهبا!
رغم ضجيج ما سمعته من مؤيد ومعارض إلا أن صداع علامات الاستفهام ما زال يلف رأسي، فقلت، لأسأل أهل الذكر السينمائي، وقد كان، فضيوف مهرجان القاهرة السينمائي الدولي موجودون وبينهم مخرجون ونجوم، وصناع سينما عالميون، فلن أضيع الفرصة، وبدأت بالمخرج الألماني أندرياس كليرنت، فابتسم ضاحكا، ثم قال: الجنس كما هو شيء هام في الحياة الواقعية، فهو أيضا شيء هام في الحياة المتخيلة على الشاشة، والتي هي في أغلب الاحيان انعكاس لمواقف انسانية وحياة لها خصوصيتها، وقد تطرقت أفلامي الثلاثة الاولى لهذه المسألة لكن السينما الألمانية أصبحت تتطرق لهذه المشاهد بالرموز، فالجنس أصبح شأنه شأن السياسة والأفكار الاجتماعية الساخرة كل قضاياه تعالج بالرموز ..
الأمر لا يختلف كثيرا في رأي المخرج الأميركي ميشيل هيث حيث أكد لي أن الجنس الصريح يمثل نوعا ما من النرجسية، فيلجأ المخرجون وكتاب السيناريو إلى حبكته في صياغة تاريخية أو مغامرات وخلافه، كما أن الجنس أصبح صريحا أكثر في الحوار منه كمشاهد مصورة، أما الناقد والمنتج الأميركي جين بارليه فيرى أن السينما أساسا صناعة تجارية، والفيلم التجاري له جمهور عريض ينتظر من فيلمه الكثير .. ترفيه، تشويق، إثارة، ولهذا فمشاهد الجنس والاثارة تشكل جزءا كبيرا من هذه الصناعة.
واستمرت حواراتي مع عشرات المخرجين والنجوم عن سينما الجسد، ومرت السنوات، وجاء مهرجان (كان) في دورته التاسعة والخمسين، ليعطي السعفة الذهبية لفيلم (الرياح التي تهز الشعير). الذي لا ينتمي من قريب أو بعيد لسينما الجسد ـ اللذة .. فرفعت يدي للسماء ودعوت لـ(كان) فقد أنقذني من علامات استفهام طاردتني زمنا طويلا.

سالم الحافي



أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر فبراير 2006 م

الأحتفالات بالعيد الوطني الخامس والثلاثين المجيد




الهيئة العمانية للأعمال الخيرية تبلور خططها واستراتيجياتها
لبرامج ومشاريع





.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept