جلالة السلطان في حديث شامل لجريدة (السياسة) الكويتية :
متعتي هى أن أرى بلدي وأرى شعبي بالصورة التي
تخيلتها من أول يوم تسلمت فيه السلطة
أعمل لعمان أرضا وشعبا بل إن كل عملي لها ولشعبها
ولعل اختلاطي الدائم بهذا الشعب وفر له قناعة
بأن عملي محبب إليه ومحل رضاهم
أنا من أشد المؤمنين بالضبط والربط لكني أؤمن
بما يمكث
في الأرض أي بما ينفع الناس
لا يوجد عندنا ما يعكر صفو أمن بلدنا وأمننا
الوطني وحتى أمننا الشخصي..
وأحمد الله أنه سبحانه يعلم ما في الصدور وما في النفوس
أسمع إلى بعض الأخبار قبل النوم وأقرأ بعض
المواضيع
ثم أقرأ ما تيسر من كتاب الله العظيم وأخلد إلى النوم
أتمتع كثيرا بالرحلات الداخلية التي أقوم فيها
بطول البلاد وعرضها..
في هذه الرحلات ألتقى بالناس مواجهة وأسمع إلى مطالبهم
وهم يسمعون وجهات نظري .. إننى أشعر بالألفة هنا وهم كذلك
هناك مواطنون قد لا تسمح لهم ظروفهم بأن يطرقوا
أبوابا معينة
فآتي أنا إليهم بشكل مباشر
الشأن العماني هو هاجسي بلا شك ومعايشتي اليومية
وهو فكري وعملي وكل شيء حولي وحواليّ
هناك من يتحدثون عن شؤون لا تخصهم نحن لا نستخدم
هذا الأسلوب
في الشأن العماني فلدينا الكثير الذي يستوعب وقتنا وعملنا
أحلامنا لأجل عمان كثيرة وكبيرة وشعبنا حملنا
مسؤولية نحملها بأمانة وجد
أرفض أن تطغى العصرنة على الموروث
فموروثنا جميل ولا يحتاج إلا إلى بعض التطوير وإلحاقه بالعصرنة بشكل
متوازن لا يطغى فيه هذا على ذاك
بدأت أشعر انه يجب أن نبدأ بزيادة الجرعة الانفتاحية
على أن تتم المحافظة على التراث العمانى والثقافة العمانية
علينا الآن أن نعمل لأن أمامنا الكثير حاليا
عن نفسي
وبمتابعة مني أركز على تدريب الناس وإعدادهم لدخول سوق العمل
لا نريد للشركات والمصانع أن توظف أحدا لا
تأخذ حقها منه
ولا يعطي مردودا لها.. أنا أتابع هذه التفاصيل لأنها مربحة لنا ولاقتصادنا
الأسرة الحاكمة في عمان يسجل لها أنها انتخبت سلطانا ذا ميول حيادية..
ومن يومها اتسم الحكم بأنه للكل وحول الكل.. هذه هي المعادلة التي
أعمل بها
نحافظ على وجاهة الكل الاجتماعية ونتعامل مع
الجميع بتكريم وتقدير
ونستمع إلى مطالبهم ويستمعون هم إلى مرئياتنا ولا توجد بيننا أي
منغصات
مجلس التعاون تجذر في المنطقة وأصبح له نمط
وجود ومرئيات واتفاقات
الكويت ـ العمانية: أدلى حضرة صاحب الجلالة
السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بحديث لأحمد الجار
الله رئيس تحرير جريدة (السياسة) الكويتية في عددها الصادر صباح
أمس وفيما يلي نص الحديث:
هناك تحتار ماذا ترى .. المكان مفتوح على أربع جهات العرب وأربع
بوابات الأرض. في الشرق بحر العرب ،في الغرب جزيرة العرب، في الجنوب
بداية البوابات نحو المفتوح الأكثر من الأرض واتجاهاتها.
ومن يقرأ سلطنة عمان بهذا الموقع الجغرافي لا يستغرب الهدوء الذي
يغرق هذا البلد العربي بسكينته ولا يستغرب الصرامة الساكنة في وجه
حاكم هذا البلد جلالة السلطان قابوس بن سعيد. فالأمان النفسي يأتي
من الجوار والجوار كله عربي. والسكينة تأتي من النفس والنفس كلها
عمانية. وحين دخلت مع جلالة السلطان في الحوار وجدتني ابتعد عن مألوف
السؤال والجواب وهو مألوف سياسي وأدخل في حوار متصل بالوجود نفسه
وبفلسفة هذا الوجود وفي كينونة الحاكم داخل هذه المعادلة الدقيقة
التي في أحيان كثيرة تقضي على المشتهى الخاص قضاء مبرما.. هنا وجدتني
في حوار متبادل يخلو من السؤال ومن الجواب ويدخل في تقديم التجربة
من باب توحد الراعي بالرعية ومن باب وحدة الحلم الذي إذا راود الحاكم
يأتي في وقت مراودة المحكوم وكأن النفوس هنا تراها منعقدة في موعد
واحد إما للمخاطبة أو الاجتماع على الكلام الواحد. واللافت في الأمر
هنا هو أنك لا تستطيع الدخول في عوالم جلالة السلطان إلا إذا قاربته
مع العوامل الإنسانية الصرفة. فهنا تأتيك الصورة من مكان واحد مكان
المسؤول ومكان الآخرين المشمولين بالمسؤولية ولايبدو بعدها أن ما
هو سائد في أماكن كثيرة حيث الحدود مرسومة بدقة بين منطقة الحكم
ومنطقة المحكومين سائد هنا في عمان.
خيل إليّ وأنا في حصن الشموخ حيث ألاقي جلالة السلطان وأتحاور معه
أنه حتى المسافة الفاصلة بيننا وبينه وهي مسافة معنوية قد تلاشت
لصالح فهم المقصود من الكلام وهو مقصود شبه روحي جعل صورة الحاكم
تبدو أمامنا متركزة على الهداية والعرفانية وربما على وحدة الوجود.
ودائما كان يصدمنا صاحب الجلالة بهذه الحقيقة العليائية إذ بين كل
محطة كلام وأخرى كان يذكر بأن عوائد عمله ليست له بل لعمان وأهلها
وأنه لا يبغي شيئا لنفسه مما يعمل ولا يتعب للعثور على أسباب الولاء
إذ يراها نابعة من النفس ذاتها المختلطة دائما بالناس والحديث إليهم
من موقع انه واحد منهم.
وكون الوقت وهو الحياة مكرسا كله لعمان وأهلها لا يبقى الحكم في
معناه الأعلى إلا رسالة والحاكم هنا يصبح صاحب رسالة كما هو في الوقت
نفسه صاحب سلطة من أجل احكام الضبط والربط ومتابعة الشأن العماني
بشكل حثيث ... هنا نص الحوار في حصن الشموخ مع جلالة سلطان يتحاور
مع نفسه متوحد ببلده وقادر في نفس الوقت أن يقدم للتجربة الإنسانية
حدودا في الحكم ونوعية في الحكام تصرف النظر إلى الذات بعمق وتبتعد
عن السياسة متى استطاعت لكنها قادرة على الأداء في كل أنواع الظروف
وتحديد الأولويات وقادرة على التكيف مع كل متغيرات الأحوال التي
تضرب هذا العالم وظروفه... سألته..
ـ جلالة السلطان.. دعني أبدأ معك من السؤال عن سر هذا الولاء الذي
تحظى به في عمان من يوم أن توليتم الحكم حتى الآن فنحن كرجال إعلام
لم نسمع في يوم خبرا يتصل بأمنك الشخصي وسلامتك الفردية ؟
في مقدمة الإجابة أطلق السلطان قابوس ابتسامة ناطقة مغلفة بالمعاني
وقال: ماذا أقول لك في هذا الجانب وبماذا أجيبك لعل الله هو الذي
يحميني. إني هنا أعمل لعمان أرضا وشعبا بل إن كل عملي لها ولشعبها.
ولعل اختلاطي الدائم بهذا الشعب وفر له قناعة بأن عملى محبب إليه
ومحل رضاهم... وفي الواقع فأنا لا أعمل لشيء لي بل لهم. إن متعتي
هي أن أرى بلدي وأرى شعبي بالصورة التي تخيلتها من أول يوم تسلمت
فيه السلطة... أنني أشعر بأني صاحب رسالة ولست صاحب سلطة،لذلك ترى
وقتي مكرسا من أجل عمان وأهلها ولعل سر الولاء يكمن هنا في هذه الناحية
وتحديدا ناحية تماثلك بأهلك وتفرغك للعمل من أجلهم. إني دائم الاختلاط
بالناس كما تعلم وأتحدث معهم كواحد منهم. نعم.. أنا من أشد المؤمنين
بالضبط والربط لكني أؤمن بما يمكث في الأرض أي بما ينفع الناس .
إنى أتابع الشأن العماني بشكل حثيث.
ـ جلالة السلطان،حفظك الله ورعاك .. لماذا لم تحدث لك منغصات أمنية
تستهدف شخصك بالذات طوال الخمس والثلاثين سنة الماضية علما أن زعامات
كثيرة واجهت مشكلات ودولا كثيرة واجهت متغيرات؟
الأمن في عمان مستتب وأنت كإعلامي تعرف عمان،ليس عندنا وعلى مستويات
كثيرة ما ينغص أمن البلاد الوطني،وأحمد الله إنه سبحانه يعلم ما
في الصدور وما في النفوس،ومن يدر لعل ما في صدري يحظ برضى الله،الأمر
الذي يجعل العناية تواكبنا في كل ما نعمل. وعلى كل حال فإن عملنا
كله شفاف ومبذول كله لبلدي ولشعبي. وكما ترى فحتى أنا لا أحيط نفسي
بأي إجراءات أمنية فوق العادة وربما كانت هذه الإجراءات بالنفس لكن
نحن نقول ادفع بالتي هي أحسن. لا يوجد عندنا ما يعكر صفو أمن بلدنا
وأمننا الوطني وحتى أمننا الشخصي.
ـ جلالة السلطان ..ألا يوجد ما يقلقك وأنت ذاهب إلى مخدعك ؟
أبدا. أبدا. أبدا .. وكل ما يحصل أني أسمع إلى بعض الأخبار قبل النوم
وأقرأ بعض المواضيع ثم أقرأ ما تيسر من كتاب الله العظيم وأخلد إلى
النوم. في العادة أنام بعد قضاء يوم حافل بالأعمال الكثيرة ما يقلقني
منها أنهيه وأبت فيه في ساعات النهار والباقي أقضيه في التفكير بتجاوز
الحاضر إلى ما هو أفضل منه أو في اتخاذ قرار حول هذا الأمر أو ذاك
.. إذا كان هناك ما يتعلق من ملفات فإني أنهيها بعد التفكير في الأمر
مع جهات الاختصاص. وفي هذا المجال أعترف بأني أتمتع كثيرا بهذه الرحلات
الداخلية التي أقوم فيها بطول البلاد وعرضها.. في هذه الرحلات التقي
بالناس مواجهة وأسمع إلى مطالبهم وهم يسمعون وجهات نظري.. إننى أشعر
بالألفة هنا وهم كذلك. إن تفقد أحوال الرعية شأن موجود في تاريخ
الإسلام ويعد من واجبات القائد. هناك مواطنون قد لا تسمح لهم ظروفهم
بأن يطرقوا أبوابا معينة فآتي أنا إليهم بشكل مباشر،إنى مرتاح وأجد
متعة نفسية بهذه الرحلات الداخلية، أجتمع فيها بأهلي وأختلط بأنفس
كثيرة أسمع منها وتسمع مني ونعطي جميعنا الثمار المطلوبة،إني أتمتع
وأنا أرى أهلي يستمعون إلى توجيهات ولي الأمر ويعملون بها من هنا
تخلق ثقافة الضبط والربط والتي هي سر تفاعل الرعية براعيها هذا التفاعل
الذى يخلق بدوره الولاء المتبادل بين الطرفين.
ـ جلالة السلطان .. في هذا الجو المرتبط بالعلاقة المتبادلة أسألك
هل يفترض في أي بلد وفي أي زمان ومكان أن يكون القائد محبوبا أو
مخيفا أو محترما ؟
يا أخ احمد.. عندما يجعل القائد من نفسه شخصية يخافها الناس وتهاب
الحوار معها فإن هذا القائد سيرى نفسه محاطا بالمنافقين وأصحاب المصالح
الذين يزينون له سوء عمله أو يدفعون به إلى هواه ورغباته التي قد
لا تكون سوية.. إنه لن يكون محاطا بالمصلحين والناصحين.. إن هذا
النوع من القيادات لا يتطلع إلى محاكاته أي قائد سوي وحكيم. نعم
يجب أن يكون هناك ضبط وربط لكن ليس إلى الدرجة التي يصبح فيها الحاكم
شخصية مخيفة ومحيطه يتحول إلى مرتع للمنافقين. الولاء والاحترام
هما الصفة التي يجب أن يتحلى بها القائد السوي وصاحب السلطة. وفي
البداية سبق لي وقلت لك إني لست سلطة إلا لزوم الضبط والربط وفي
عملي أشعر بأني صاحب رسالة أؤديها بكل صدق ونقاء لأرض عمان وشعبها
الوفي.
ـ جلالة السلطان.. نرى في هذه الأجواء أن الشأن العماني يأخذ معظم
وقتك ولا يتبقى لك منه ما يكفي للاهتمام بالشؤون الإقليمية والعربية
والعالمية.
الشأن العماني هو هاجسي بلا شك ومعايشتي اليومية
وهو فكري وعملي وكل شيء حولي وحواليّ ماعدا ذلك هناك تطورات تحدث
في المجال الإقليمي والعربي والدولي نتأثر بها ونؤثر عليها وتأخذ
منا بعض الوقت للتعرف على كيفيات التعامل معها ومع هواجسها وهذا
أمر طبيعي لكننا نؤمن بالقول المأثور (رحم الله من عرف حده فوقف
عنده) هناك من يتحدثون عن شؤون لا تخصهم نحن لا نستخدم هذا الأسلوب
في الشأن العماني،فلدينا الكثير الذي يستوعب وقتنا وعملنا،فعمان
الأمس ليست عمان اليوم وأحلامنا لأجل عمان كثيرة وكبيرة وشعبنا حملنا
مسؤولية نحملها بأمانة وجد. إنني لا أرتاح لمن يتنطح بشأن ليس شأنه
لا هو متأثر منه أو مؤثر فيه. نسمعه يصرخ لن نسمح. لن نوافق ولن
ولن ولن ولكن في واد لا يعنيه ولا يمتلكه أي يصرخ في واد غير واديه.
ـ جلالة السلطان .. أراك مقلا في الأحاديث الإعلامية بل إن جلالتكم
يتحاشاها ويبتعد عنها ؟
ابتسم جلالة السلطان ثانية الابتسامة المثقلة بالمعاني وقال : إني
أكره المبالغة وحتى تعليماتي لأجهزة الإعلام تتضمن توجيهات بعدم
اللجوء إلى المبالغة وأن يتم الحديث عن المنجزات وفق ما هو عليه
حجمها لا أكثر ولا أقل أي أن يتم الحديث ببساطة. ثم أنا من الذين
يحبون أن تتحدث الأشياء عن نفسها وأن يراها الناس كما هي من دون
بهارات . أما أن نردد (سنعمل) و(سنفعل) فهذا أمر ليس من شيمنا وأنا
لا أحب الادعاء والحكومة هنا تعمل ضمن هذا المنظور.
ـ جلالة السلطان..وأنت تتحدث عن البساطة كنت قد دخلت الكثير من المنشآت
العمانية وزرت مدينة مسقط والقرى المجاورة لها فلم أر إلا البساطة
فعلا وجمالا لافتا .
سر الجمال يكمن دائما في البساطة. إن كل ما في هذا البلد بسيط حتى
ألوان المدينة ومبانيها الخارجية محكومة بألوان مختارة ومحددة أعتقد
أنها سبعة ألوان أنيقة فقط. نريد دائما أن يكون هناك دمج بين الموروث
والعصرنة وأعتقد أن السياسة العمانية قد نجحت في تحقيق هذا الدمج..
أن لنا خصوصية نعتز بها.
ـ جلالة السلطان.. وأنت تتحدث عن الموروث والعصرنة كانت لهجتك توحي
بأنك قاتلت معركة كبيرة حتى تحقق الدمج بينهما ومن أجل بناء نهضة
عمان الحديثة.. والسؤال الآن هل حان الوقت لتحقيق انفتاح اجتماعي
أكثر وأوسع في البلد؟
نعم .. إن هذه النقطة كنت أتداولها مع نفسي وأعايشها كثيرا ورأيت
اني أرفض أن تطغى العصرنة على الموروث فموروثنا جميل ولا يحتاج إلا
إلى بعض التطوير وإلحاقه بالعصرنة بشكل متوازن لا يطغى فيه هذا على
ذاك. لقد وصلت عمان في نظري إلى مراحل متقدمة في هذا المضمار وأعتقد
أنه أصبح علينا أن نزيد من جرعة الانفتاح خصوصا أن البنية التحتية
اكتملت والمدينة جميلة وعلينا أن نزيدها جمالا فهي مهيأة وفيها الأمن
والأمان اللذان يتطلبهما الانفتاح إضافة إلى أننا جملنا التراث وقاربناه
مع العصرنة.
ـ جلالة السلطان.. ماذا تقصد بعبارة زيادة جرعة العصرنة وزيادة الانفتاح
بشكل أعلى هل تعني زيادة الانفتاح السياحي وزيادة استقطاب الاستثمارات
الدولية ؟ .
فيما يتعلق بالاستثمار فلدينا الآن استثمارات مجزية من اليابان وأميركا
وكوريا الجنوبية وألمانيا ودول خليجية عدة. في السابق عندما كنا
نتحدث عن مشاريع استثمارية بـ100 مليون دولار أميركي كنا ننبهر من
ضخامة الرقم واليوم نتحدث عن مشاريع بالبلايين ولا ننبهر وهذه المشاريع
كثيرة وموجودة على مستويات عدة ومعلنة وأعتقد أن أمامنا استثمارات
كبيرة مقبلة سواء كانت خليجية أم أجنبية. ما يتعلق بالسياحة نعم..
فقد بدأت أشعر انه يجب أن نبدأ بزيادة الجرعة الانفتاحية على أن
تتم المحافظة على التراث العماني والثقافة العمانية. لقد مارسنا
الانفتاح بالتدرج وماضون فيه على المستوى السياحي ولا ننسى أن ما
يأتي سهلا يذهب سهلا ولا أريد أن يأتي الانفتاح سهلا حتى لا يذهب
سهلا.
لقد وضعت عمان على الخارطة السياحية وستتعزز مكانتها وستنجح مثلما
تقدمت حركة الاستثمارات.. جغرافية البلد جميلة وشعبها طيب ومضياف.
ـ صاحب الجلالة .. بماذا كنت تحلم في بداية حكمك وأنت تتسلم هذا
الإرث .. جغرافية شاسعة وشعب كان يعيش على مسافات متفاوتة من المعاصرة
؟
في ذلك الوقت كانت تشغلنا عملية الدمج بين الموروث والعصرنة وكيف
أحبك خيوط الشمس في نسيج تلك المرحلة المظلمة وأذكر اننا بدأنا بتعليم
المرأة وبناء المدارس ودخلنا برفق على المجتمع وقلنا من يرد أن يعلم
ابنته فأهلا وسهلا به ومن يرد التمسك بالتقليد فهو حر. قضية تطوير
مجتمعنا هي التي كانت تشغلنا وكذلك دفع هذا المجتمع إلى رحاب النور
يومها لم يكن الوضع الاقتصادي مريحا لتحقيق هذه الأهداف لكننا اعتمدنا
على الله وعلى الامكانات الموجودة ولم تكن واضحة للعين كان أمامنا
ثروات قليلة وكنا نتحدث عن الزراعة والثروة السمكية. المهم أننا
اجتزنا هذه المرحلة الآن والمجتمع العماني أصبح غير الأمس. لقد طور
العمانيون موروثهم وتعاملوا مع العصرنة وفق الجرعات المقررة لهم
من قبل القيادة وأني أرى مجتمعا نفخر به ويحترمه كل من يزوره.
ـ صاحب الجلالة.. لو سألتك ماذا تحلم للأعوام
الخمسة عشر المقبلة وماذا تريد أن تصنع لعمان ؟
لو سألتني هذا السؤال قبل خمسة عشر عاما لكنت أجبتك بأني أتحسس من
الناحية الاقتصادية وتوفير الأموال للصرف منها على الأحلام. الآن
الوضع مختلف من جهة المداخيل.. البنية التحتية شبه كاملة،الدمج بين
الموروث والعصرنة شبه مكتمل وأنا مرتاح له. المهم أنه علينا الآن
أن نعمل لأن أمامنا الكثير حاليا عن نفسي وبمتابعة مني أركز على
تدريب الناس وإعدادهم لدخول سوق العمل ولا أريد أن يتأفف أحد من
أي مهنة إلا تلك التي تخدش الحياء والأخلاق .. وحتى المخيمات السلطانية
فإننا ندرب الرجال والنساء على العمل فيها وإعدادها وترتيبها في
فترة غيابنا عنها،وكل سنة ندرب أعدادا مهمة على هذه الصنعة بإشرافنا
.. الكثير من مواطن التدريب ومنها هذه هي رديف لإعداد المواطن إعدادا
مهنيا نعطيه فيه السنارة لتعلم صيد السمك بدل أن نعطيه سمكا يعيش
منه ليوم واحد.. إننا هنا نعطيه مهنة يعيش منها أبدا وطول العمر.
في السابق كنا اذا استعرضنا الأرقام والعمالة والمهن ووجدنا أن القطاع
الخاص قد استوعب منها عشرة آلاف شخص نقول إنه رقم مهم وكبير ومفرح
.. اليوم القطاع الخاص يستوعب ما يزيد على مائة ألف شخص من المدربين
على مهن متعددة. وعندما يستوعب القطاع هذا العدد فإنه لا يستوعبه
مجاملة للقرارات الحكومية بل لأن الناس مدربون على مهنهم وعليهم
أن يعطوها حقها. لا أريد أن يتأفف أحد من المهن الموجودة في سوق
العمل.. هذا النوع من التأفف لا أحبه ولا أريده نعم أن موضوع التأفف
هذا نجده في مجتمعات خليجية كثيرة لكن عندنا لا نريد للشركات والمصانع
أن توظف أحدا لا تأخذ حقها منه ولا يعطي مردودا لها.. أنا أتابع
هذه التفاصيل لأنها مربحة لنا ولاقتصادنا.
ـ جلالة السلطان.. في متابعاتي الاقتصادية لمسار الموازنة العمانية
نلاحظ عجزا .. هل هذا العجز مستمر وما أوضاع المداخيل المتوفرة من
الثروات الوطنية ؟
عند وضع الموازنة العامة يوضع سعر للنفط أقل من السعر السوقي ولذا
تجد أن هناك عجزا في الموازنة. إلى جانب آخر فان هذه الموازنة توضع
في العادة لتغطية إنجاز مشاريع في سنة قادمة وعلى كل حال فإن ما
يستنفد من الموازنة ليس دائما كلها إذ يرحل ما لم يستنفد منها إلى
السنة القادمة. أما فيما يتعلق بمداخيل النفط وفق الأسعار السوقية
فإن فارق السعر بين ما وضعناه في الموازنة وما هو عليه في السوق
وهو أعلى بالطبع فيذهب إلى صندوق الاحتياطي ليستثمره بشكل جيد وتحفظي
ومربح وليس فيه مخاطرة.
لقد تحدث معنا كثيرون حول استثمار أموال صندوق الاحتياط بشكل أوسع
لكننا لم نرغب بأي مخاطرة لأموال الصندوق وفضلنا أن تكون الاستثمارات
مدروسة وليس فيها مخاطر. وتسألني عن الموارد في المستقبل فأقول لك
إن هناك نفوطا عمانية ثقيلة باحتياطيات كبيرة كانت بأسعارها القديمة
السابقة غير مجدية اقتصاديا لجهة الإنتاج لكن الآن وبالأسعار السائدة
للنفط التي لا أظن أنها ستتراجع بحكم مرئيات النمو في العالم.. أسعار
إنتاج هذه النفوط الثقيلة أصبحت مجدية ومربحة إضافة إلى أن النفوط
الثقيلة أصبحت مطلوبة من الأسواق الدولية ثم لدينا الغاز الذي نصدره
باتفاقات مريحة وطويلة كما لدينا ثروات أخرى كالجبس والكروم والأسمنت
والثروة الزراعية والسمكية إلى جانب الانفتاح الذي قررنا الدخول
فيه بجرعات أعلى على جبهتي الاستثمار والسياحة. أعتقد أننا نسير
بشكل مستقيم وموثوق.
ـ جلالة السلطان .. ونحن نتحدث عن الثروة الغذائية هل تصدر عمان
منها شيئا للخارج وهل عمان مكتفية ذاتيا ولا تستورد غذاءها من الخارج
؟
لا يوجد بلد في العالم نستطيع أن نقول عنه إنه مكتف ذاتيا،إن لجهة
الغذاء أو الاحتياجات الأخرى. تبادل السلع والمعرفة موجودة منذ الأزل
في نطاق الحركة البشرية ، والله تعالى يقول في محكم كتابه ( فامشوا
في مناكبها وكلوا من رزقه) وهذه هي العولمة التي وردت في كتابنا
العزيز قبل أن ترد في كتب العالم الموضوعة.. لا توجد دولة لديها
اكتفاء سواء على مستوى الغذاء أو على مستوى توفر حاجات إنتاج الغذاء
كالطاقة. تبادل السلع شأن إنساني نحن نرسل للآخرين السمك والنفط
وهم يرسلون لنا التفاح والموز والمهم هنا أن تكون لدينا القدرة على
التصدير والاستيراد وتبادل السلع بشكل عادل مع مصالحنا ومصالح الآخرين.
ـ جلالة السلطان.. في كل هذه وتلك من القضايا وفي كل الصور المشرقة
التي رسمتها لشعبك ولوطنك هل تعتقد أن هذا الشعب قريب من طموحك ومتفاعل
معك؟.
أعتقد ذلك نعم.. الأكثرية لديها نفس الرؤية وحتى بعض أصحاب العواطف
غير الواضحة لي من أجيال كثيرة. فهؤلاء عندما أجلس معهم وأناقشهم
أجد لديهم نفس المطامح ونفس الرغبات ونفس الصورة التي يرونها لبلدهم
ولشعبهم وهذا التلاقي يدفعني إلى العمل أكثر وأن أجيء على نفسى أكثر.
نعم.. أنا أعيش في بوتقة واحدة والمخيمات السلطانية تضعني في معاني
تفقد الراعي لرعيته والاستعلام عن مطالبها وفي هذه الطموحات تجد
أن كل شيء يصب في مصلحة الرعية ولا هدف لي منها بل كلها للناس الذين
أعطوني ثقتهم لأمارس عليهم دور من يعطي الرسالة قبل أن يمارس السلطة
فيهم.
ـ جلالة السلطان.. عجبي كبير وأنا أرى المجتمع العماني يماثل المجتمعات
الخليجية الأخرى في تعدد النسيج القبلي لكن جلالتكم خلقتم موازنة
بين هذه القبائل بينما الخليجيون الآخرون مازالوا يعانون الإرهاق
من التعامل مع الخصوصيات القبلية وتراهم الآن بصدد العمل لاكتشاف
المعادلة الطبيعية لهذا التعامل. في عمان أجد أن مسألة القبائل محلولة..
ما سر معادلتكم هذه ؟
ابتسم السلطان الابتسامة المفعمة بالمعاني والإشارات وقال : تاريخ
الأسرة الحاكمة في عمان يسجل لها أنها انتخبت سلطانا ذا ميول حيادية،ومن
يومها اتسم الحكم بأنه للكل وحول الكل. هذه هي المعادلة التي أعمل
بها.في رحلاتي الداخلية أسمع من الصغير والكبير وليست لدينا أي تعقيدات
في هذا الأمر.نحافظ على وجاهة الكل الاجتماعية ونتعامل مع الجميع
بتكريم وتقدير ونستمع إلى مطالبهم ويستمعون هم إلى مرئياتنا ولا
توجد بيننا أي منغصات .. هذا هو سر المعادلة حفظ كرامة كل شخص كما
يجب إعطاء كل ذي حق حقه لجهة التقدير. نحن نحافظ على كرامة الجميع
وعلى وجاهاتهم الاجتماعية والتي هي جزء من خصوصيتنا.
ـ جلالة السلطان.. في الثامن عشر من شهر نوفمبر سنة 1994 ألقيت خطابا
يعيش العالم الآن أبعاده ويعاني الآن من ثقل معانيه هل فيك شيء لله
يا صاحب الجلالة ؟
ابتسم جلالته هذه المرة ابتسامة حزينة،وقال تقصد ذاك الخطاب الذي
حذرت فيه شعبنا من الإرهاب ومن استخدام نصوص الدين في غير معانيها،إذا
كان الأمر كذلك فدعني أصف لك ما استجد منذ سنة 1994 ،العالم يعاني
الآن وبوضع مكشوف من الإرهاب،ونحمد الله أن تلك النباتات الكريهة
والسامة رفضتها التربة العمانية الطيبة والتي لا تنبت إلا طيبا ونحمد
الله أن شعبنا تجاوب مع ما جاء في ذلك الخطاب وربما كان صاحب رؤية
مستقبلية فوقاه ووقانا معه من تلك النباتات السامة والكريهة. عمان
كما قلت لك مقدما ليس فيها منغصات أمنية شعبها يؤمن بالضبط والربط
ويؤمن بدينه دين اليسر لا دين العسر، بعض دول المنطقة تعرضت لهذا
المرض وبمشيئة الله ستنتصر عليه بدين اليسر والمجادلة بالحسنى. الارهاب
في انحسار طالما عرفنا كيف نحاربه وفهمنا طرق محاربته ومتى نحاربه.
ـ جلالة السلطان.. فقد مجلس التعاون الخليجي أربعة من قادته المهمين
الذين عايشوا مرحلة تأسيسه الملك فهد رحمه الله ،الشيخ جابر رحمه
الله ،الشيخ عيسى رحمه الله ، الشيخ زايد رحمه الله.. هل سيؤثر رحيل
هؤلاء القادة على مسيرة المجلس ؟
مجلس التعاون تجذر في المنطقة وفي نظري فإن لديه خير خلف لخير سلف
إلى جانب أن المجلس أصبح له نمط وجود ومرئيات واتفاقات وكل ما هنالك
على كل بلد عضو أن يحافظ على خصوصياته تحت جناحه وعلى سيادته حتى
يحقق ربطا مشتركا لمصالح المنطقة. هذا التجمع معول عليه الكثير كالتكامل
الاقتصادي والصناعي وأعتقد أنه مستمر في أداء هذا الدور. ومع تجذر
ثقافة التعاون سيزداد المجلس أهمية.
ولا يمكن ألا يكتمل هذا العقد في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن
العولمة مع كل أصقاع الدنيا. هذه دول ست متجانسة ومتآلفة ولديها
ثروات مجزية ولا أعتقد أنها ستتباعد عن بعضها في وقت تجتاح فيه العولمة
كل العالم.
ـ جلالة السلطان.. كلما التقيت بأميرنا الشيخ صباح أجد أنه يكن لجلالتكم
كل المودة والتقدير؟
أشعر والله أنني كلما اقتربت من هذا الرجل الودود يزداد تقديري الزائد
له ولشخصيته المحببة.. وفقه الله في منصبه لخدمة شعبه ووطنه.. إنه
رجل مريح يفرض الاحترام..إنه محل تقدير وإعزاز من قبلي شخصيا.. أدعو
له الله بالتوفيق والصحة والعافية.
أعلى