
باختصار
من أجل جملة!
لم تنتظر حركة حماس من اسرائيل سوى موقفها
المعلن بمحاصرتها خارجيا وداخليا. كلما همت قيادتها الى جولتها الدولية
والعربية يعلو صراخ اسرائيل على امل ان تصنع حول تحركها في الخارج
اطارا محددا كأن تتقول ان الحركة الفلسطينية تسعى لاثبات رؤيتها
السياسية للحكم لكنها عاجزة عن النطق بانهاء العداوة مع اسرائيل،
ثم على حد تعبير احدهم ان حماس سوف تدور على العديد من قيادات العالم
لكنها لن تقترب من (دولة) لاتفصلها عنها سوى امتار، ويظن الاسرائيليون
ان المسافة السياسية والتاريخية هي بالامتار وهم يعلمون كم هي بعيدة
المسافة بينهم وبين الفلسطينيين رغم المجاورة.
قررت قيادة حماس اذن جولتها لشرح موقفها وللتمني بتعديل المواقف
من المساعدات المادية. سوف تسأل تلك القيادة في الكثير من زياراتها:
وماذا عن العداوة مع اسرائيل؟ سيكون الاستعداد للرد المقنع بان العداوة
ثابتة في الادبيات وفي الواقع، حركة فتح ألغت من جانبها ماكان مطلوبا
منها لكنها استمرت تحت اسماء مختلفة بالعمل العسكري والصراع ضد اسرائيل.
صحيح ان الموقف يلزم اصحابه، لكن حماس تعرف انهم يريدون موقفا اشبه
باتفاق موقع على الورق كي يتم اشهاره في اللحظات الضرورة.. لكن حماس
تعرف ايضا ان السلطة لاتبقى لاحد ومن يتنازل من اجل الحكم يصبح تنازله
ساريا في كل الاوقات. حماس لن تعمل تحت ظروف الضغط من اجل سنوات
محدودة في مواقع السلطة بقدر ماتسعى لان يكون خطابها واضحا منذ لحظات
استلامها للسلطة، وتلك امانة تاريخية لايمكن التلاعب بها كما لايمكن
التنازل عنها تحت ظرف (الحكم) فاما تحكمون بعد تغيير الخطاب او لاتحكمون.
من هنا قدرة قيادة الحركة التي تتمتع بالاهلية العالية في ترتيب
بيتها الفلسطيني وما يحيط به من علاقات عربية ودولية دون الاهتمام
بالطروحات الاسرائيلية التي تسعى لكسر الهيكل العظمي للحركة. من
هنا نفهم الصوت الاسرائيلي العالي ضد مبادرة الرئيس الروسي بوتين
في دعوته لحماس بزيارة روسيا ومنطق العصي في الدواليب الذي بدأته
اسرائيل وتسعى لتوظيف قواعدها اليهودية في روسيا للضغط على بوتين
من اجل احراجه، رغم ان اوروبا تبدي مرونة ازاء موقف الرئيس الروسي
لعلمها ان منطقه يمهد لها السبيل في مرونة اكبر، وربما حسب دراستها
قد يصل الامر بالحوار الروسي الفلسطيني الى اخراج الفكرة المنتظرة
من قيادة حماس لتصبح عضوا متحركا في النادي العالمي قاطبة.
المطلوب اذن من حماس هي الجملة التي اساس معادلتها ان تتفوه اسرائيل
بالمقابل في الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. خطوة اسرائيلية من
هذا القبيل قد تفتح الباب امام مايقابلها من مطالب. المشكلة اذن
عند اسرائيل التي تتهرب من الحقائق لترمي على حماس ماليس بمقدورها
التفوه به قبل تحقيق المعادلة المطلوبة.
جولة حماس المقبلة ستسجل نجاحا مهما كانت النتائج. انها قبل كل شيء
اطلالة ذكية على المجتمع الدولي من اجل تكريس الاعتراف بها كمنظمة
منتخبة ديمقراطيا من قبل شعبها وثانيا وهو الاهم انها تستلم السلطة
من اجل التغيير الداخلي الذي اصابه الوهن والافلاس والفساد، وان
هويتها الاسلامية هي التي شكلت الالتفاف حولها.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

أصداف
ضد المواطنين
تكشف عملية التنصت على المكالمات الهاتفية
داخل الولايات المتحدة عن أكثر من حقيقة، لم تكن واضحة، بل قد تكون
غير معروفة على الإطلاق، وهذا ما يدفع بالبعض إلى طرح تساؤلات عن
الذي يختفي وراء الستار، ولا أحد يعرف عنه شيئاً.
من بين تلك الأمور، التي ظلت غائبة، ولا يفكر بها الكثيرون، ما يتعلق
باتخاذ القرارات الخطيرة ، فما هو سائد ان الرئيس الأميركي، لا يستطيع
أن يتصرف لوحده، في اتخاذ القرارات التي ترتبط بحرية المواطن الأميركي،
وأن مثل هكذا قرارات يجب أن تمر على الكونغرس ومؤسسات كبيرة أخرى،
قبل أن يوافق عليها الرئيس الذي يقود البيت الأبيض، ومن ثم تتحول
إلى ميدان التنفيذ، إلا أننا نتفاجأ بما يحصل، ونكتشف أن أهم القرارات
التي تتعلق بحرية الأميركي، والتي ترتبط بقوة بالمفهوم السائد للديمقراطية
يتم اتخاذها بسرية تامة وفي دائرة ضيقة جداً، دون أن تكون هناك أية
معرفة للمؤسسات التي تمثل المواطن الأميركي.
من هذه الزاوية، يجب أن يعيد الجميع تقييمهم لمفهوم الديمقراطية،
التي تتحدث عنها مؤسسات ومراكز بحوث، ويتحاور بشأنها الكثير من الكتاب
والمفكرين، ويحلم بها الملايين من الناس، الذين يجلسون في مختلف
بقاع الأرض، بانتظار وصول الديمقراطية الأميركية، التي تنقذهم، كما
يتصورون، من تسلط أجهزة الدولة عليهم، وتراقب تحركاتهم واتصالاتهم،
وتفرض هيمنة عليهم.
تتحدث أدبيات الأمم والشعوب، عن مطاردة السلطة لأحلامهم، لذلك يسارع
الناس لإخفائها تحت سترات مشاعرهم، عسى أن يحافظوا عليها بعيداً
عن رقابة الحكومات، وإذا ما شعر هؤلاء بلحظات حزن وأرادوا الترويح
عن ذاك الألم الذي يجول في نفوسهم، افردوا الساعات ليقضوا أجمل الأوقات
مع نافذة الديمقراطية الأميركية، إلا ان هذه النافذة سرعان ما جاء
ليغلقها نهائياً، بعد أن تبين الوجه الحقيقي للمراقبة الأميركية
الرسمية على مواطنيها. وما زاد في الصدمة، أنهم يكتشفون حقيقة تقول
إن جميع العواصم تتشابه في طريقة اتخاذ قراراتها ضد مواطنيها.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

كل يوم
ازدواجية غير مقبولة
لا يحب أحد في العالمين أن يساء إلى رموزه
المقدسة سواء أكانت رموزا بشرية أو دينية أو مادية وبالمقابل عليه
ألا يقبل أن يسيء هو إلى الآخرين أو أن يتعرض بسوء إلى رموزهم المقدسة
.
واذا أخذنا بهذه القاعدة وجدناها هي الأساس في التعامل بين الناس
: افرادا وجماعات ، دولا وأمما ، حكومات وشعوبا ، على السواء .
ومن هنا فان حرية التعبير متصلة بحرية الاعتقاد والتفكير ولا يمكن
فصلها عن بعضها بعضا إلا أن يكون ذلك اعتسافا وظلما ونفيا للعدالة
والمساواة .
وبقدر ما نؤمن بحقوق الانسان ، ونصر على كفالة حريته انطلاقا من
قيمنا ومثلنا العليا الدينية والوضعية بقدر ما ينبغي علينا أن نطبقها
تطبيقا عادلا ، ومتساويا ومتكافئا .
وعلى هذا فان ما نرضاه لأنفسنا ينبغى أن نؤديه لسوانا من الناس ،
كما أن مالا نرضاه لانفسنا لا يجوز أن نرضاه أو نقبل به لغيرنا .
وبقدر ما نؤمن بذلك ايمانا قاطعا داخليا لا ينفصم بقدر ما نراه شيئا
من البديهيات التي لا تحتاج إلى مناقشة ابتداء ، لأنها كما يقال
، ممالا ينتطح فيه كبشان أو عنزان ! اقول هذا وأنا أتابع حثيثا التعبير
الرافض بشدة للاساءة إلى الاسلام والمسلمين بتصوير رسولهم الكريم
برسوم كاريكاتورية مشوهة ومشينة ، وقد استمرت الاحتجاجات على تلك
الرسوم التي نشرتها صحيفة دانماركية وقلدتها صحف فرنسية وألمانية
وغيرها ، فازدادت بما يحمل معه بعض التجاوزات التي نرفضها من أنفسنا
' لأننا نرفضها من غيرنا تجاهنا .
فما الذي يجعلنا نحرق أعلام الدول التي نشرت فيها الرسوم ؟ وما الذي
يجعلنا نصنع من قادتها دمى ونحرقها ؟! وما الذي يدعونا إلى التهديدات
بالقتل والتدمير والحرق والاستنجاد بأسماء مكروهة في الغرب وعندنا
أيضا كالزرقاوي وعصابته طبعا ان هناك خلطا شديدا قد يقع ولكن مصلحة
القضية الاسلامية المتمثلة في نصرة الرسول الكريم صلى الله عليه
وسلم والدفاع عنه ورد الاساءة والاهانة يقتضى منا التعقل والحكمة
وعدم الجمع بين الصالح والطالح والمسيء وغير المسلم فلا تزر وازرة
وزر أخرى
ومن هنا فإن احراق الاعلام والرموز الوضعية والدينية للاخرين لا
يشكل ردا على الاساءة ولكنه إساءة مماثلة وبهذا نضع انفسنا في صف
المسيئين ونعطيهم صك البراءة باعتبار لا احد أحسن من احد ولعلنا
نذكر ان الاساءة إلى بعض دولنا ورموزنا في الخارج بمناسبة او اخرى
قد جعلتنا ننهض للمواجهة ونغضب لما حدث فلماذا نلجأ إلى أساليب مماثلة
مرفوضة ولماذا نكيل بمكيالين في حين نأخذ على الاخرين الاوروبين
والاميركيين وسواهم الازدواجية والانتقائية نفسها
اننا ندعو الى استمرار الحملة المضادة للرسوم المسيئة المهينة المرفوضة
على مستوى الشعوب والحكومات ونطالب بتعزيزها ودعمها لكننا ندعو بالمقابل
إلى ترشيد ردود افعالنا حتى تصبح أفعالا مؤثرة ومفيدة ولا تظل صرخاتنا
في أودية عميقة وقبضاتنا المشدودة المرفوعة بغضب ساطع تلوح في الفضاء
إلى ما شاء الله دون جدوى !!
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

اقول لكم
ما بين الحب والخوف
ما بين الحب والخوف مساحة شاسعة صهلت
فيها جياد القادة والزعماء بحثا عن صيغة مناسبة تحقق الانضباط للساحة
الداخلية ، وفي ذات الوقت تبقي على تلك الخيوط غير المرئية من المشاعر
والوجدانيات التي تربط القلب الكبير مع كل الأطراف ، ووحدها شخصية
جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - هي التي
قدمت هذا النموذج العماني في فن القيادة لعالمنا كله ، فحين يكرس
القائد عمره كله لرعاية وطنه ومواطنيه ، تتجسر على الفور علاقة المحبة
المتبادلة ، ومعها يسقط الخوف ليحل محله شعور متعاظم بالمسئولية
اسمه الانضباط في شكله السلوكي .
وحين يرتحل القلب الكبير إلى مواطنيه في كل بقعة من الوطن ليوفر
عليهم عناء طرق الأبواب ، وتتم المكاشفة والمصارحة والتوصل إلى رؤى
وقناعات مشتركة تضع أولويات للعمل الوطني وتحدد ملامحه ، فان هذا
يعتبر ترسيخا لمعاني الحب ونكران الذات والتضحية ، وهو أيضا عدل
ومساواة لا يفرقان بين منطقة وأخرى أو بين صغير وكبير وعندما يستشعر
الجميع معاني العدل والسواسية في هذه الصيغة العمانية الخالصة لفن
الحكم ، لا يحتاج الحاكم إلى اجراءات أمنية غير عادية لتحقيق أمنه
الشخصي ، ويطل برأسه قول من قال لعمر بن الخطاب : عدلت فأمنت فنمت
وعندما يفيض فلج الخير بعطاءاته ليروي الجميع دون إثرة، تخضوضر النفوس
وتورق حبا وتثمر تحملا للمسئولية ، ومن كان الحب أداته وهدفه ، تذبل
نباتات الخوف في بساتينه وتصبح هشيما تذروه الرياح ، ومكانها تحل
كل صباح نبتة أخرى للحب والمسئولية والانضباط ، ومع صون كرامة المواطن
أيا كان وفي كل موقف ، نجد أنفسنا قبالة بحيرة عذبة لاضفاف لها من
المحبة الصافية التي لا يكدرها نفاق .. كانت هذه بعض خواطري لدى
قراءة حديث جلالة السلطان المعظم - حفظه الله ورعاه - لجريدة السياسة
الكويتية ، وهي تتواصل معكم غدا باذن الله .
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

نافذة من موسكو
ماذا ينتظر حماس في موسكو؟
في نافذة سابقة تكهنا بمد جسور الحوار بين
روسيا وحركة حماس التي فازت بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني
في الخامس والعشرين من يناير الماضي. كما تكهنا أيضا برغبة موسكو
في القيام بدور الوسيط بين حماس من ناحية، والأطراف الأخرى بما فيها
إسرائيل من الناحية الأخرى. وجاءت دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
لقيادات حماس بزيارة العاصمة الروسية لتؤكد هذه التكهنات. غير أن
هذه الدعوة أثارت غضب إسرائيل الشديد والتي اعتبرتها طعنة من الخلف
من قبل بوتين، ووصل الأمر ببعض المسئولين الإسرائيليين إلى المطالبة
بطرد روسيا من الرباعي الدولي الذي يضم الولايات المتحدة والأمم
المتحدة والاتحاد الأوروبي بجانب الاتحاد الروسي. في نفس الوقت طلبت
واشنطن إيضاحات من موسكو بشأن هذه الدعوة، وطالبتها بالالتزام بنهج
الرباعي الدولي الذي يصر على قيام حماس قبل أي مفاوضات بالاعتراف
بإسرائيل والإقرار بخارطة الطريق وغيرها من الاتفاقيات السابقة والتخلي
عن السلاح والعنف. ونعتقد أن الغضب الإسرائيلي الشديد والامتعاض
الأميركي المتحفظ على دعوة بوتين لحماس بزيارة موسكو لا ينبع فقط
من كون حماس لا تعترف بإسرائيل بل أن الأمر يتعلق أيضا بمخاوف إسرائيلية
أميركية من سياسة روسية مستقلة نسبيا في المنطقة، ومن محاولات روسيا
لاستعادة بريقها السابق. ومن هنا، في رأينا، بدأت آلة الضغط الإسرائيلي
تحاصر الدعوة الرئاسية الروسية خارجيا وداخليا من أجل إفشال وصول
ممثلي قيادة حماس إلى موسكو. والسؤال الذي يبدو مشروعا الآن هو ماذا
ينتظر حماس في موسكو؟ في الحقيقة لا يجب توقع أي تحول روسي حاد في
الموقف المعلن من عملية التسوية في الشرق الأوسط. فمن غير المتوقع
أن تبارك روسيا العمليات التي تقوم بها حماس، وذلك رغم أن بوتين
أعلن أن بلاده لا تعتبر حماس منظمة إرهابية على خلاف إسرائيل والولايات
المتحدة. كما أنه من غير المتوقع أن تتبنى موسكو كل تصورات حماس
المتعلقة بحل المشكلة الفلسطينية وخاصة أن روسيا تدعم خارطة الطريق
وتدعو جميع الأطراف لتنفيذها. ولكن هنا يجب التنويه بأن روسيا دعمت
أيضا المبادرة العربية ( مبادرة الملك عبدالله) وتدعو إلى الالتزام
بقرارات الشرعية الدولية، وإن كانت تعلن أنها توافق على كل ما توافق
عليه أطراف النزاع. الكسندر كالوغين مبعوث وزير الخارجية الروسي
للسلام في الشرق الأوسط أوضح بعد دعوة بوتين لقيادات حماس لزيارة
العاصمة الروسية أن موسكو سوف تصر إبان المفاوضات القادمة على اعتراف
حماس بحق دولة إسرائيل في الوجود، ومراعاة كافة الاتفاقيات المعقودة
بين الفلسطينيين والإسرائيليين بما فيها خارطة الطريق. كما أكد الناطق
الرسمي للخارجية الروسية ميخائيل كامينين على التزام بلاده بمقررات
الرباعي الدولي التي أقرت الشهر الماضي في لندن. ومن كل هذا يمكن
التوقع أن الدور الروسي سيقتصر بشكل أساسي على إقناع حماس بتغيير
نهجها السابق ومواصلة العملية السلمية مع إسرائيل. في نفس الوقت
يجب أن تنتبه حماس إلى أهمية دعوتها إلى موسكو في ظل التشدد الإسرائيلي
والأميركي تجاهها، ويجب أيضا أن تستفيد من هذه الدعوة لطرح تصوراتها
المستقبلية لأنه وفقا لهذه التصورات يمكن أن يتحرك الروس مستقبلا.
وأخيرا وبالرغم من تأييد فرنسا لمبادرة الرئيس الروسي، إلا أننا
لم نسمع حتى اللحظة أي تأييد عربي علني لما أقدمت عليه موسكو بدعوة
حماس للتفاوض فيها معرضة نفسها للضغوط الداخلية والخارجية من قبل
اللوبي الإسرائيلي.
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى
مؤتمر هرتسيليا...مراوحة في نفس الدائرة
أحداث كثيرة طغت إعلامياً على واحد من اشهر
المؤتمرات السنوية الإسرائيلية، وهو (مؤتمر هرتسيليا السادس للدراسات
متعددة الاتجاهات)، الذي انعقد في النصف الأخير من شهر يناير الماضي،
في مركز هرتسيليا (بالقرب من تل أبيب) والذي تأسس في عام 1994، بهدف
رسم السياسات الاستراتجية الإسرائيلية: سياسياً وامنياً.
قيمة هذه المؤتمرات السنوية تتلخص في أن ما يجري الاتفاق عليه من
نقاشات فيه، يشكل خلفية لما تمارسه إسرائيل من سياسات، وفي المؤتمر
الرابع في عام 2004، أعلن شارون عن خطته للانسحاب أحادي الجانب من
قطاع غزة، وقد أثار ضجة كبيرة يومها، وبالفعل فقد قامت الحكومة الاسرائيلية
بتنفيذ هذه الخطوة.
في العادة سنويا يدعى إلى المؤتمر رئيس الحكومة الإسرائيلية والعديد
من الوزراء، أبرزهم وزير الدفاع ووزير الخارجية، ورؤساء الأحزاب
الأساسية، ورئيس هيئة الأركان، والعديد من الباحثين الاستراتيجيين،
الذين يقدمون أبحاثا مهمة في المجالات المختلفة، وغيرهم.
الجديد الشكلي الذي طرحه ايهود اولمرت (رئيس الوزراء الإسرائيلي
بالوكالة، بعد جلطة شارون) ان لدى إسرائيل الاستعداد لانسحاب أحادي
الجانب من مناطق في الضفة الغربية (على غرار ما جرى تنفيذه في غزة).
ورغم وصفه للانتخابات الفلسطينية (بالخطوة العملاقة) لكنه يرفض التعامل
مع نتائجها، من خلال الاشتراطات الكثيرة التي تضعها إسرائيل على
مشاركة حماس في السلطة.
لقد أعلن اولمرت أيضا المحددات الاستراتيجية لما ستقدم عليه إسرائيل
في أي عملية تسوية وهي: إقامة دولة فلسطينية، ومن اجل ذلك... على
الفلسطينيين التخلي عن جزء من طموحاتهم الوطنية، مثلما تخلت إسرائيل
عن طموحاتها الوطنية في إنشاء دولة إسرائيل الكبرى، أما الحقائق
الاستراتيجية التي لن تتخلى عنها إسرائيل فهي: القدس الموحدة وتحت
السيادة الإسرائيلية وهي عاصمة الدولة، لا لعودة اللاجئين، وعودة
بعضهم (ومن خلال التنسيق مع إسرائيل) ستكون إلى المناطق الفلسطينية،
ولا للانسحاب من التجمعات الاستيطانية الكبرى (والتي تقضم مع الجدار
60% من مساحة أراضي الضفة الغربية)، والاحتفاظ كذلك بالتواجد الإسرائيلي
في غور الأردن، باعتباره منطقة فائقة الأهمية للأمن الإسرائيلي،
ولا للانسحاب من كل مناطق العام 1967، التي احتلتها إسرائيل.
ما ذكره اولمرت من محددات تشكل قواسم مشتركة بين كل الأحزاب الإسرائيلية
يمينها ويسارها، من تلك التي تتناوب على السلطة، وكذلك فهي نسخة
(طبق الأصل) عن رؤية شارون للحل، والتي كان قد أعلنها مراراً قبل
مرضه.
ما يستحق الذكر، ما قاله زعيم حزب العمل، عمير بيرتس، في المؤتمر،
من انه يؤيد إعادة إسرائيل لإحياء القدس العربية إلى الفلسطينيين
لتكون عاصمة لدولتهم... مع انه يؤيد بقاء القدس موحدة وتحت السيادة
الإسرائيلية، لكن ومن اعتبارات ديموغرافية (لاحظ تفسيره وتبريره)
فلا مانع لديه من مشاركة فلسطينية في الإشراف على جزء من القدس.
علينا أن نتذكر ان ايهود باراك (رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق)
امتلك نفس الاستعداد (تقريباً) وذلك في مباحثات كامب ديفيد التي
جرت بينه وبين الرئيس الراحل عرفات وبين الرئيس كلينتون... بمعنى
فإن تياراً في حزب العمل (على عكس زعيم الحزب السابق والمغادر لأوساطه
ـ شيمون بيريز ـ وله رؤية مختلفة) مع تواجد فلسطيني في القدس الشرقية،
ومن خلال الإشراف على المواقع الدينية.
وزير الحرب الصهيوني شاؤول موفاز (والذي غادر حزب الليكود وانضم
إلى حزب كاديما بزعامة اولمرت بالوكالة) اتفق مع رئيسه في الطرح
وفي التصورات، أما رئيس الأركان، دان حالوتس، فقد دعا إلى ايجاد
ميزان ردع عسكري عنيف (وكأن إسرائيل لا تستعمل العنف حاليا!) للرد
على كل محاولة فلسطينية تستهدف الأمن الإسرائيلي.
باقي الاطروحات سواء من قبل زعيم الليكود (بنيامين نتنياهو) أو من
الأحزاب الأخرى فقد جاءت منسجمة مع المواقف المعلنة له، وخاصة زعماء
الأحزاب الدينية واليمينية واطروحاتهم المعروفة.
مجموعة الباحثين الاستراتيجيين، اشاروا في بحث لهم، قدم إلى المؤتمر
بإمكانية قيام إسرائيل بتبادل مناطق في منطقة الخط الأخضر، (ذات
الكثافة السكانية العربية) بمناطق في الضفة الغربية، وهذه أيضاً
معروفة.
كثيرة هي المواضيع التي جرى طرحها على جدول أعمال المؤتمر مثل، الموضوع
النووي الإيراني، علاقات إسرائيل بأوروبا وحلف شمال الأطلسي والولايات
المتحدة، الخيارات السياسية مع العرب، التسوية، التحديات والحصانة
الوطنية وغيرها من المواضيع.
جملة القول: أن الحلول التي طرحها مؤتمر هرتسيليا السادس للتسوية،
هي مراوحة إسرائيلية في نفس المكان.
د.فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى

في الكاريكاتورات الدنماركية.. فصل في صراع وغرب لن يتراجع
لم تعد الكاريكاتورات الدنماركية دنماركية،
بعد أن تلقفتها فأعادت نشرها متحدية، أو متضامنة، صحفاً أوروبية
عديدة ولا زالت إلى ازدياد. كما لم تعد أزمتها محصورة بين الدنمارك
والعالمين العربي والإسلامي، بعد مظاهر التضامن الأوروبي الرسمي
عبر اتحاده، ومن خارجه، مع كوبنهاغن. كما لم تعد بين الأوروبيين
والعرب والمسلمين فحسب، وإنما غدت مع الغرب بأجمعه، بعد أن تخلت
الولايات المتحدة عن حذرها في التعامل مع المسألة فأبرق الرئيس بوش
لرئيس الوزراء الدنماركي راسموسن شاداً أزره عبر إبداء التضامن معه
وفق ما أعلنه الأخير، وزادت الولايات المتحدة عبر رئيسها ووزيرة
خارجيتها فأدانت انتشار واتساع الاحتجاجات الإسلامية في طول العالم
وعرضه على الفعلة الدنماركية، محملة سوريا وإيران مسؤولية هذا الاتساع
وهذا الانتشار، مطالبة حكام العرب والمسلمين أن يهبوا لإطفاء هذه
الغضبة المدانة المستشرية! والآن، أما وقد تصاعدت هذه الاحتجاجات
بالتوازي مع تصاعد مظاهر الاستفزاز التضامني الغربي، فالغرب جميعه
يحرص على حصر المسألة أو تبسيطها وعلى الوجه التالي:
صحيفة دنماركية ارتكبت خطأً لا ضير إن كان مقصوداً في سياق ممارستها
لحقها في حرية النشر الذي تكفله لها حرية إبداء الرأي، وحتى لا بأس
إن كان وراء ما ارتكبت من إساءة لمشاعر الآخر المسلم دوافع عنصرية
أو نية تحقيرية ما دامت قد فعلت ما فعلت في سياق ممارستها لهذا الحق..
وما ارتكبته هذه الصحيفة من خطأ بقصد أو من دونه الحق أذى بمشاعر
المسلمين نتفهمه ويستحق منا الأسف لكن لا الاعتذار، أما ردود الفعل
الإسلامية عليه فمبالغ فيها وحتى تجاوزت الحدود، لدرجة خشية الرئيس
بوش على حياة الدبلوماسيين الأبرياء وليس الحرص على دماء الأفغان
المحتجين على الإساءة والتي سالت أمام قاعدة باغرام الأميركية..
وأن يهدد الرئيس شيراك باللجوء إلى مجلس الأمن إذا ما مُسّت سفارات
بلاده في دنيا الإسلام، وتحديداً دمشق...
إذن الغرب الذي لا يعرف المقدّس منذ أن انطلقت الحداثة الأوروبية
محمولة للعالم على سنان رسالته الاستعمارية، حيث تم ترجمتها بإبادات
للغير سطرها التاريخ عناوين طالت مصائر الهنود الحمر في الأميركتين
وأصليي أستراليا، وجنوب إفريقيا. ودون أن ننسى قوافل الزنج المستعبدين
الذين قضوا في أصفادهم وهم ينقلون في سفن القراصنة وتجار العبيد
العابرة بهم للأطلسي.. واستطراداً حربين كونيتين أبادتا خمسين مليوناً
في أوروبا نفسها. ويمكن إضافة ما عرف بالمحرقة التي ارتكبتها أوروبا
ضد يهودها ثم عوضتهم عنها، أو تخلصت منهم، على حسابنا في فلسطين..
والجزائر، والأمثلة لا تنضب.. هذا الغرب ينظر للمسألة على أنها بعض
غيرة إسلامية ربما مشروعة لكنها مبالغ فيها، وعليه فردود الأفعال
في دنيا الإسلام جراءها قد تجاوزت الحدود المقبولة عنده، ولذا لم
يجد في هذه الحالة مناصاً من أن يُخرِج من جعبته حجة حرية الرأي،
ولا بأس إن كانت انتقائية، أي يجوز أن تصل هذه الحرية حدود الشتيمة
والتحقير ضد الآخر، ولا تجوز في نفس الوقت في حالة أخرى هي مجرد
التشكيك في ما عرف بالمحرقة مثلاً.. بل أصبح معروفاً الآن أن صحيفة
(يولاندس بوستن) الدنماركية الرائدة في نشرها للصور المتمادية سبق
وأن رفضت نشر كاريكاتورات تعرضت للسيد المسيح رادة إياها لرسامها
عازية ذلك إلى حرصها على عدم إيذاء مشاعر قرائها، كما رفضت إعادة
نشر الكاريكاتورات الإيرانية المتحدية من يعيد نشرها حول تلك المحرقة..
بل استحق وزير خارجية الدنمارك الأسبق أوفي ايلمان، أن ينعت في بلاده
بالجنون لأنه تجرأ فطالب بإبعاد كارستن يوستن عن رئاسته تحرير الصحيفة
التي تسببت بما تسببت به من أضرار لحقت بمصالح بلاده في العالمين
العربي والإسلامي.
هذا ما يراه، أو ما يريد تصويره الغرب، فماذا عنا نحن العرب والمسلمين؟!
في لجة الجدل الدائر الآن بالتوازي مع تصاعد الغضبة في الشارع العربي
والإسلامي وخفوتها رسمياً بحيث لا تكاد تسمع، أو حيث تم نقل الراية
إلى الشارع بعد أن عجزت عن رفعها الحكومات، وتعدى الخطأ المقصود
حدود الدنمارك ليغدو أوروبيا فغربياً، تضيع جملة من الأبجديات التي
يصب ضياعها في صالح الغرب.. وهي أبجديات سوف نعرض لها لاحقاً.. لكن
لنتوقف أولاً أمام المشهد الدنماركي في ظل المسعى الغربي لرسم حدود
المسألة، كما سبق وأن بينا. أي تصويرها في أقصى حدودها، وهذا ما
وقع فيه البعض منا، كأنما لا تعدو فشلاً دنماركياً في احتواء الأزمة
المتصاعدة، كشف عن قلة خبرة في إدارة الأزمات لدى حكومة بلد الأجبان
والأبقار الحلوبة، التي ربما دفعها التعصب، ووباء الإحساس بالمركزية
الأوروبية، إلى انتهاج سياسة خرقاء زادت من تصاعدها، بحيث قد لا
تنتهي فصولها دونما اعتذار تصر كوبنهاغن على عدمه انتصاراً لما تعتبره
حرية الرأي، مستصرخة التضامن الأوروبي المتوفر، ودونما ملل من دعوات
تطلقها للحوار مع ذاك الآخر المهان المتعذر إدارته في مثل هذه الحالة
موضوعياً، أو الكلام المتواصل عن الاحترام المتبادل، الذي دللت الكاريكاتورات
وإعادة نشرها على عدم توفره.. وعليه، لا عجب أن نسمع راسموسن يدعو
مثلاً إلى (الهدوء والتعقل لأن الوضع خطير)، ملاحظاً أن بلاده تواجه
(أزمة عالمية متصاعدة لم تختبرها من قبل)، وهي بالتالي، ترغب في
التهدئة! ومن ثم يطالب بإيجاد (جو إيجابي)، داعياً المسلمين إلى
النظر أبعد من (العناوين والمبالغات)! وزاد وزير خارجيته فاستنكر
ما اعتبرها عملية (تخويف الدنمارك)، مهدداً بأن المسألة قد تعدت
حدود بلاده عبر تلويحه بكونها قد أصبحت قضية أوروبية أو غربية..
بالمناسبة، شعار وحرية رأياه، أصبح الصرخة المفضلة غربياً، لدرجة
أن صحيفة سويدية طرحت مسابقة لرسوم كاريكاتورات شبيهة بسيئة الصيت
لإثبات أن حرية الرأي أهم من الدين!!! أما هذه الأبجديات، التي يبدو
انها عرضة للضياع جراء محاولات توجيه الغضب الإسلامي ليقع في حبائل
المراد غربياً، فهي:
أولاً، إن ما ارتكب من خطأ مقصود ضد المقدس الإسلامي، وما يرمز له
النبي العربي (صلى الله عليه وسلم) بالنسبة لأمة فخورة بموروثها
القيمي والحضاري، وبما يعنيه لها هذا الرمز المحمدي لهويتها القومية،
ليس مجرد تطاول دنماركي مسّ معتقداتنا فاستوجب من المسيء اعتذاراً
يرفضه، وإنما لا بد من إدراك أن هذا التطاول المشين يأتي في سياق
حملة أوسع نطاقاً، أو هو مجرد فصل في صراع شامل، ومظهر من مظاهر
تداعيات عدوان قديم جديد، يشن في سياق خدمة مشروع غربي مرت عليه
في بلادنا القرون.. مشروع كان ويظل يستهدف أولاً وأخيراً إخضاعنا،
الأمر الذي لا يتم إلا بتهشيم قيمنا، وتحطيم معنوياتنا، وتشويه موروثنا
التاريخي والحضاري، وتمزيق هويتنا، وإذلالنا، وصولاً إلى اختراقنا
عبر المستلبين منا، ومن ثم تفتيتنا، ليسهُل بالتالي إنجاز هذا الاستهداف
الأساس، أي عملية إخضاعنا. وعليه، فإن تمزيق أعلام الدنمارك، أو
رشق سفاراتها المنتشرة في العالم الإسلامي بالحجارة أو حرقها.. وحتى
مقاطعة بضائعها وإلحاق الخسائر بشركاتها واقتصادها على أهمية ذلك..
ليس سوى تنفيس لغضبة مبررة على إهانة جارحة، لكنه لا يرتقي بحال
لمستوى الرد المطلوب على هجمة شرسة وأوسع نطاقاً تستهدف وجوداً وهوية
وحضارة.
لأنه لن يكون احتجاجاً حقيقياً، إلا إذا تجاوز الدنمارك باعتبارها
حلقة ثانوية في هجمة أشمل، لأن، وهذا على سبيل المثال، ما اقترفته
الصحيفة الدنماركية ليس سوى نقطة في بحر مما تقترفه هوليوود على
مر العقود، ثم، وبالعودة للشأن العراقي، لا بد وأن نطرح على أنفسنا
سؤالاً يقول: ما هو دور الدنمارك في السياسة الأميركية الخارجية
إجمالاً، أو في المشروع الأميركي الذي نواجهه في بلداننا تحديداً؟
أي، بلغة أخرى، أوليس على من يريد مقاطعة الدنمارك، وهذا واجب وحق
مبرر، عليه أيضاً مقاطعة من يناصرها، وكل من يلتحق بهذا الحلف الجهنمي
الاستعماري ضدنا؟ بمعنى، أوليس هو في موقع المطالب بأن لا يجتزأ
استسهالاً حلقة ثانوية من سياق أشمل وأخطر وأدهى تواجهه أمتنا العربية
والإسلامية بل وربما العالم بأسره؟!
وثانياً، إن مقدساتنا التي مست، وشخص نبينا الكريم خير ما يرمز لها،
لا تقتصر على معتقداتنا فحسب، وإنما الوطن والكرامة أيضاً هما جزء
لا يتجزأ منها.. الهوية والحضارة، والتاريخ.. يمسّ قيمة القيم جميعاً
في موروثنا، أي الإنسان، ذاك الذي أهين في أبو غريب، وغوانتنامو،
واستبيح في الفلّوجة، وكل المواضع في فلسطين المحتلة، بحيث جاز القول
بأنه لم يعد لدينا ما لم يهينوه بعد.. أي ما يعني أن على من ينتصر
إلى الإسلام بانتصاره لنبيّه الأكرم، محتجاً على الكاريكاتورات الدنماركية،
عليه أن يدافع عن هذا الإسلام وما يرمز له خاتم الرسل في فلسطين
والعراق ودارفور، وان يحول أيضاً دون نقل لبنان إلى الموقع الآخر..
وهنا علينا أن نولي كل الاحترام لرمزية ما تعنيه تظاهرة الأقباط
المصريين احتجاجاً على الفعلة الدنماركية.
.. علينا أن نضع الكاريكاتورات الدنماركية أو الخطأ المقصود، وعدم
الاعتذار عنه، في سياقه العام، وأن نتذكر أولاً وقبل كل شيء أن الغرب
لا يعادي إلا الإسلام المقاوم لهيمنته والعقائد الممانعة لإملاءاته..
وعلينا أن ننظر للمسألة الدنماركية وقد تحولت إلى صراع إرادات..
من تنكسر شكيمته أولاً؟!
عبد اللطيف مهنا
كاتب فلسطيني
أعلى
الانسحاب المتعجل من العراق سوف يعرض القوات الأميركية للخطر
بدون شك يتعين ان تبقى قوات الائتلاف في العراق
ريثما يتم انجاز المهمة. والانسحاب من خلال تحديد موعد اعتباطي امر
خطير لايمكن قبوله.
فقد حررت الولايات المتحدة العراق بغية منع دعم الرئيس السابق صدام
حسين للارهاب وتطويره اسلحة دمار شامل. ونحن نعرف من مصادر موثوقة
ان صدام نقل هذه الاسلحة الى سوريا قبيل الحرب. وتكشف وثائق جديدة
ان العراق درب 8 آلاف ارهابي في السنوات التي سبقت سقوط بغداد مباشرة.
ان عراقا حرا سوف يقوض احلام زعماء الارهاب في استعادة السلطة واقامة
خلافة اسلامية استبدادية جديدة كما يتصورون. وعلينا ان نذكر ان مستنقعات
الحكم المستبد هي المفرخة لدعاة الارهاب. والعجز عن تجفيف المستنقع
سوف يعطي زعماء الارهاب ما يريدونه ـ وهو ملاذ لهم في العراق تنطلق
منه الخطط والهجمات.
لقد قطع العراق شوطا كبيرا في طريق الديمقراطية. حيث انجز اول دستور
له ويعمل الان على تشكيل حكومة جامعة. وفي كل من العراق وافغانستان
لايوجد هناك اي برامج اسلحة نووية ولا معسكرات ارهاب يتم فيها التخطيط
لشن هجمات على الوطن الاميركي.
المستنقعات تجف وهو انجاز غير مسبوق ادى بالتبعية الى تخلي ليبيا
عن وسائلها الارهابية وبرنامجها النووي وغني عن البيان الاشارة الى
الانسحاب السوري من لبنان.
بالطبع فان القوات الاميركية سوف تنسحب لكن ذلك لن يكون الا عندما
يتم تشكيل قوات الامن العراقية وتوليها مسئوليتها. وفي كل يوم يصبح
كثير من العراقيين قادرين على العمل بانفسهم بشكل ناجح.
وفي الوقت الذي تبدو فيه وسائل الاعلام السائدة مكتظة بالهجمات الانتحارية
فان القصة الحقيقية تقع في مكان اخر. فقد قضت الكتيبة الاولى من
الفرقة السابعة مؤخرا على خلية ارهابية في الرمادي دون وقوع ضحية
واحدة. وفي الشهر الماضي اصطف عراقيون لتلقي تدريبات في اكاديمية
الشرطة حتى بعدما خلف هجوم انتحاري ما يقرب من 100 بين قتيل وجريح
في وسطها.
ان العراقيين يتحدون الموت من اجل اقامة عراق جديد ديمقراطي كل يوم.
ففي انحاء العراق يتم بناء مدارس ومستشفيات ومشاريع ري ومحطات تحلية
مياه. وتصل المياه الى القرى لاول مرة على الاطلاق. ولا يموت الاطفال
من الاوبئة والامراض الشائعة بل يحضرون الدراسة. وكل هذا يتحقق على
يد جنود الائتلاف ومواطنين من عشرات الدول جنبا الى جنب مع المواطنين
العراقيين. ويضرب المجتمع المدني بجذوره الان. ويمكن تعزيزه ولكن
لن يكون ذلك الا اذا استمرينا في هذا النهج.
ان الانسحاب بشكل كامل مع نهاية هذا العام هو بشكل واضح مقترح غير
جاد. فالمقترحات من اجل الانسحاب هي في الواقع ليست اكثر من كونها
غطاء سياسيا لاولئك الذين لا يستطيعون الصمود سياسيا امام الجماعات
المتشددة التي لايوجد شيء احب اليها من رؤية اميركا مهزومة.
فما هو التبرير او التفسير الاخر الذي يمكنك توضيحه لاولئك الذين
يعملون بلاهوادة من اجل تقويض الوجود الاميركي في العراق من خلال
عمليات التشهير والفضح المدمرة والروايات الاخبارية المشوهة تماما
وتمجيد اشخاص امثال سيندي شيهان ومايكل مور؟
ان الانسحاب من العراق الان يمكن ان يكرر الاخطاء التي ارتكبناها
في السنوات السابقة على هجمات 11 سبتمبر 2001. حيث كنا قبل فترة
طويلة منها ننظر للهجمات الارهابية على انها عمل لعصابة مبعثرة من
عناصر مخبولة تسكن الكهوف.
وبعد وقت قصير من الهجوم على مركز التجارة العالمي في 1993 الغت
ادارة كلينتون من قاموسها فكرة الارهاب الذي ترعاه دول. ومع هجمات
2001 على مركز التجارة العالمي بدأت الولايات المتحدة تستيقظ من
الحلم المروع بالتفكير باننا كنا نتفاوض بعيدا عن الشر الذي تمثله
مثل هذه القوى الوحشية.
وعندما استيقظنا تماما وجدنا ان الحل هو في القضاء على زعماء الارهاب
الذين تجسدوا في قلب الشر الذي رأيناه في 11 سبتمبر. انه المهمة
رقم واحد الان وينبغي ان يظل كذلك. فدعونا نثابر وننجزه كي يستطيع
العالم ان يعيش في حرية.
* باحث بارز في قضايا الدفاع في مركز جامعة الدفاع الوطني وعضو في
لجنة الخطر الحاضر
بيتر هويسي
خدمة كيه ار تي خاص بـ(الوطن).
أعلى
فلنحسن معالجة قضية الرسوم المقيتة
ما تزال الصور الكاريكاتورية البغيضة المسيئة
للإسلام والتي نشرتها الصحف الدنماركية لاول مرة في سبتمبر 2005
ثم أعادت بعض وسائل الإعلام نشرها في وقت لاحق تثير سلسلة واسعة
من ردود الأفعال المتباينة من مجرد احتجاجات سلمية الى مظاهر احتجاج
أخرى أخذت طابع العنف واجتاحت كثيرا من الدول الإسلامية.
وعلى المجتمع الدولي أن يوحد جهوده لإخماد جذوة تلك النيران المضرمة.
ولعل أفضل ما يمكن البدء به هو الكف عن تبرير تلك الرسوم على أنها
تقع تحت مسمى (حرية الصحافة) وهو ما تسبب في زيادة حدة رد الفعل
في أنحاء المجتمع المسلم.
وخطوة أخرى بالغة الاهمية تتمثل في التوقف عن إعادة نشر الرسوم التي
لا تؤدي إلا إثارة المزيد من الحنق والغضب. وبالنسبة لغير المسلمين
فإن الرسوم التي تشير الى الرسول صلى الله عليه وسلم ربما لا تمثل
سوى نوع من الإهتمام بيد أن الامر يختلف تماما عن ذلك بالنسبة للمسلمين
في شتى انحاء العالم حيث تطال مثل هذه الرسوم جانبا روحيا بالغ الاهمية.
فعلى امتداد الأربعة عشر قرنا الماضية التزم المسلمون بشكل صارم
بحظر أي تصوير بالرسم للرسول صلى الله عليه وسلم. وبعد أن نشرت الرسوم
الأخيرة لغرض التسلية شعر المسلمون بإهانة مباشرة بالغة ضد معتقداتهم.
ثم جاءت عملية إعادة نشر الرسوم من قبيل التأكيد على الحرية التي
تتمتع بها الصحافة لتزيد من تفاقم الموقف كما أنها أساءت الى معنى
الديمقراطية. وكانت النتيجة هي وصول رسالة تحد الى المجتمع المسلم
مفادها أنه تحت مظلة الديمقراطية يجوز إهانة الإسلام.
وقد الحقت تلك الرسالة ضررا فادحا بالجهود الرامية الى إثبات ان
الإسلام والديمقراطية يسيران في طريق واحد، فالمسلم العادي الذي
يؤدي خمس صلوات كل يوم وليلة بحاجة الى أن يقتنع بأن الديموقراطية
التي يؤمن بها والمتوقع منه أن يدافع عنها هي في الوقت نفسه توفر
الحماية للإسلام وتحترم رموزه المقدسة وإلا فلن تقوم للديموقراطية
قائمة عنده.
ومن الفوائد التي أسفرت عنها أزمة نشر تلك الرسوم أنها ذكرتنا جميعا
بأن أبواب الجحيم ربما تفتح على العالم قاطبة إذا ما تخلى عن قيم
التسامح وتفشى به الجهل. والمجتمع الدولي بحاجة ماسة الى ترسيخ ديموقراطية
الحرية والتسامح معا وليس ديموقراطية الحرية المخالفة للتسامح. فقيمة
التسامح هي التي تحمي الحرية وتستوعب التنوع وتقوي السلام وتقود
الى التقدم.
ومنذ هجمات 11 سبتمبر أظهر كثيرون في الغرب إهتماما متزايدا بالعالم
الإسلامي بيد ان هذا الإهتمام لم يصاحبه قدر جيد من المعرفة والفهم
للدين الاسلامي. وفي ديسمبر من العام الماضي خلصت قمة منظمة المؤتمر
الاسلامي المنعقدة في مكة الى القول بأن مشاعر القلق والهواجس التي
انتابت البعض إزاء ظاهرة انتشار الاسلام في أنحاء العالم تمثل أحد
صور العنصرية.
والغرب والإسلام بحاجة الى تفادي التصادم والإنزلاق الى صراع بين
الحضارت فكثير من المجتمعات الاسلامية تنهج بعض العادات الموجودة
لدى الغرب. وقد أصبح الاسلام أكثر الديانات انتشارا في بعض الأقطار
الغربية بما فيها الولايات المتحدة. وبإمكان العالمين الغربي والإسلامي
أن يوحدا من جهودهما وأن يبذلا تعاونا يفرز ثقافة عالمية تستوعب
قيم الاحترام والتسامح.
والمجتمع الدولي مطالب ألا يخرج من ازمة الرسوم الكاريكاتورية محطما
ومنقسما على نفسه، فنحن بحاجة لمد المزيد من الجسور بين الأديان
والحضارات والثقافات. وبإمكان زعماء الحكومات وعلماء الدين والمواطنين
العاديين ان يذهبوا الى ما هو أبعد من مجرد تأييد الحرية الدينية
وذلك بتضامنهم مع هؤلاء الذين يدافعون عن سلامة معتقداتهم.
ونحن بحاجة كذلك الى تقوية الحوار بين الأديان ومن ثم يمكننا أن
نزيل حواجز سوء الفهم وانعدام الثقة وتلك هي المهمة التي تدعو اندونيسيا
اليها.
وهناك مسؤوليات تقع على عاتق المسلمين في أنحاء العالم، ولكن لا
أحد ـ بالتأكيد من غير المسلمين ـ سوف يجني نتائج طيبة إذا ما تصاعدت
الازمة ووصلت الى نزاع مفتوح ومزيد من إراقة الدماء. والطريقة المثلى
للمسلمين هي محاربة عدم التسامح والجهل بالإسلام وعرض حقيقة الإسلام
وهو أنه دين السلام. كما أننا بحاجة ايضا الى الصفح عن هؤلاء الذين
قدموا اعتذارهم عن إساءتهم للإسلام.
والحقيقة أنه في مثل تلك اللحظات العصيبة حري بالمسلمين أن يسيروا
على نهج الأخلاق الفاضلة التي جسدها الرسول صلى الله عليه وسلم والتي
اشتهرت عنه في تعامله مع أعدائه: الحلم وتحري الحكم الصائب والشهامة
والعفو.
سوسيلو بامبانغ يودويونو
رئيس إندونيسيا
خدمة إنترناشونال هيرالد تربيون ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى
الزم الحذر.. هناك إرهابي في كل ركن
يصر الرئيس بوش ووزير العدل في إدارته ألبرتو
غونزاليس على أن عمليات التجسس والتسجيلات غير المرخصة التي تجريها
وكالة الأمن القومي على المواطنين الأميركيين هي عمليات مهمة في
برنامج التجسس على الارهابيين. وتظهر استطلاعات الرأي أن معظم الأميركيين
يؤيدون السماح للحكومة الفيدرالية بتسجيل المحادثات التليفونية ومراقبة
الرسائل الالكترونية للأشخاص الذين يدخلون في عداد الارهابيين المشتبه
بهم.
ولكن ما معنى هذه الاجراءات بالضبط؟
إن النظرة الفاحصة على هذه الإجراءات تظهر أن تعريف الحكومة الفيدرالية
للإرهابيين المشتبه بهم مثير للسخرية والضحك. ففي مسح جماعي أجري
على أكثر من 1200 شخص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بوقت قليل،
ذكر تقرير لوزارة العدل الأميركية نشر في عام 2003 أن المشاركين
في المسح أكدوا على تشككهم في نوايا المسلمين والمهاجرين غير الشرعيين
من العرب. ونظر المشاركون في المسح الى الطلبة العرب الذين يعملون
في محلات بيع البيتزا لتوفير نفقات الدراسة على أنهم إرهابيون بسبب
إنتهاكهم لتأشيرة الدخول التي منحت لهم. وسجن مهاجر باكستاني بتهمة
عدم تهذيب عشب منزله، وحكم بالسجن على مهاجرة باكستانية بسبب نشرها
لملابسها الداخلية كي تجف على جدار منزلها. واعتقل أحد المسلمين
بسبب إمتلاكة لأحد الأفلام السينمائية التي تتناول واقعة الإعتداء
على مبني مركز التجارة العالمي في أوكلاهوما. وتم توجيه تعليمات
الى موظفي مكتب التحقيقات الفيدرالي بالنظر في سجلات الهاتف والتركيز
على مراقبة الاتصالات الهاتفية التي يجريها المسلمون والعرب حسبما
ذكر الكاتب ستيفين بريل الصحفي بمجلة نيوز ويك الأميركية.
وحثت وزارة الأمن القومي الأميركية في شهر مايو من عام 2003 العاملين
في أكثر من 1800 قسم شرطة محلي بمعاملة منتقدي الحرب على الارهاب
على أنهم إرهابيين حقيقيين وذلك بحسب مذكرة سرية لوزارة الأمن القومي
كشف النقاب عنها في عام 2004.
ووضعت وزارة النقل الأميركية أيضا قوانين تحكمية واعتباطية بشأن
كيفية تحديد الأسماء الموضوعة على قائمة الممنوعين من السفر. وتم
وضع أكثر من 70 ألف اسم على هذه القائمة بطريقة اعتباطية مثيرة للسخرية
والضحك حتى أن الحكومة الفيدرالية لا يمكنها تبرير أسباب وضع هذه
الأسماء بالذات على تلك القائمة، فقد وضع اسم السيناتور إدوارد كينيدي
عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ولاية ماساشوستس وجون لويس عضو مجلس
النواب الديمقراطي عن ولاية جورجيا على هذه القائمة. وعومل أي شخص
يحمل اسم (ديفيد نيلسون) على أنه مفجر انتحاري محتمل، حتى أن هذا
الأمر حدث مع طفل عمره 4 سنوات.
وذكرت التقارير الصحفية أن موظفي وزارة النقل الأميركية كانوا يحرصون
على إجراء حوار مطول مع ركاب الطائرات منذ شهر ديسمبر لتحديد هويتهم
والكشف عن وجود أي ميول إرهابية لديهم عبر ملاحظة استجاباتهم النفسية
والجسدية وملاحظة وجود أي علامات للإرتباك والخوف على قسمات وجوههم.
وزاد عدد الأشخاص الذين أبدوا مشاعر الخوف على عدد أعضاء تنظيم القاعدة
بأكثر من 10 آلاف ضعف على الأقل، ولكن مسئولي وزارة النقل الأميركية
مازالوا يعتقدون أن مشاعر الخوف والقلق تكفي وحدها لتبرير إعتقال
الركاب وعزلهم من أجل إجراء مزيد من التحقيقات الموسعة معهم.
وتمتلك وزارة الدفاع الأميركية تعريفات خاصة بها للأشخاص المشتبه
بهم والسلوك الارهابي. ويعكف (برنامج الاستخبارات المضادة للأنشطة
الميدانية) والذي تم إنشاؤه لحماية القواعد العسكرية المحلية والجنود،
على جمع المعلومات عن المواطنين الأميركيين الذين لم يفعلوا أي شيء
يثير الشك فيما عدا الاحتجاج على حرب العراق. وقد أضيفت هذه الأسماء
التي جمعت بطريقة اعتباطية هزلية إلى قاعدة بيانات وزارة الدفاع
الأميركية والتي تتعامل مع التهديدات الارهابية حسبما ذكرت مجلة
النيوزويك.
وأرى أنه كلما كان التعريف الالزامي (للارهابيين المفترضين) واسعاً
وغير محدد، من الممكن أن يزيد حجم الانتهاكات التي نتعرض لها على
يد الحكومة الفيدرالية. إن استحضار كلمة الارهاب لا يجب أن يدمر
حدود صلاحيات الحكومة لاستهداف مواطنيها الذين لا يشكلون أي تهديد
على الأمن العام.
جيمس بوفارد
كاتب ومؤلف أميركي شهير
خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص بـ(الوطن)
أعلى
الانسحاب السريع من العراق سينزع فتيل الإرهاب وينقذ الأميركيين
(هذه حرب حقيقية يقتل فيها الناس.. إن الناس
يقتلون..) هذا ما أعلنه النائب الأميركي جون ميرثا وهو يدعو لانسحاب
القوات الأميركية من العراق في نوفمبر الماضي.
لقد احتاج ميرثا ـ وهو أول محارب قديم من محاربي حرب فيتنام ينتخب
في الكونغرس ومعروف عنه علاقاته الوثيقة مع البنتاغون ـ إلى قول
ذلك أكثر من مرة: إن أكثر من 90% من الأميركيين غير متأثرين حاليا
من الحرب.
ويبدو أن الأغلبية الغالبة تجد من السهل المضي قدما في حياتهم اليومية
كما لو لم تكن هناك حرب على الإطلاق. فهم حتى لم يسألوا أو يطلب
منهم أن يدفعوا أيا من المبلغ الهائل المقدر بـ251 مليار دولار الذي
تكلف حتى الآن. وعلى العكس, رأت الغالبية ضرائبها تخفض ـ إلى حد
بسيط فقط بالنسبة لمعظم الناس, ولكن إلى حد كبير حيث نمضي قدما في
زيادة الدخل.
وربما كان ذلك فقط بسبب هذا (العيش الجماعي في الإنكار) بشأن الحرب
بأن الاحتلال الدموي, الذي قتل حوالي 2260 جنديا أميركيا وعشرات
الآلاف غير المحسوبين من العراقيين , مازال مستمرا.
وبالنسبة لأولئك الذين لا تحركهم المعاناة الإنسانية, من المؤكد
أن التكاليف الاقتصادية سيتم ملاحظتها في خاتمة المطاف: فهناك دراسة
حديثة أجرتها ليندا بليمز وعالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل
جوزيف ستيغليتز تقدر الكلفة النهائية للحرب بأكثر من تريليون دولار,
وربما أقرب من 2 تريليون. وللمقارنة, فكروا في من ثلاث إلى ست سنوات
من الانفاق الحالي على الرعاية الصحية.
وقد خلص أكثر المراقبين علما إلى أن دعوة ميرثا للانسحاب مثلت رأي
كبار الضباط العسكريين الذين هو مقرب منهم. فعندما يريد الجنرالات
الخروج من حرب, فإن هذا سبب وجيه وكاف للتفكير في الخروج منها.
ولكن هناك كثيرا من الأسباب الوجيهة الأخرى أكثرها أهمية أن وجود
القوات الأميركية نفسه هو السبب رقم واحد في العنف والإرهاب وتدهور
ممكن إلى حرب أهلية شاملة.
إن المدافعين عن هذه الحرب يحبون أن يثيروا سيناريوهات كابوسية ممكنة
إذا رحلت قوى الاحتلال. ولكن لديهم دليلا واهيا على أن مغادرة العراق
ستجعل الأمور أسوأ من البقاء.
وفي الحقيقة يشير الدليل على نحو متزايد إلى الاتجاه العكسي: فأكثر
العناصر تشددا, مثل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين, والتي نفذت
تفجيراتها الانتحارية ضد المدنيين وتدفع الشيعة نحو حرب أهلية مفتوحة
ضد السنة, تستمد شرعيتها من حقيقة أنها تعارض القوات الأميركية.
وعندما تغادر القوات الأميركية العراق, فإن تلك الشرعية ستتلاشى
وستزداد فرص حل سلمي متفاوض عليه.
إن كون الاحتلال هو عقبة كبرى في إنهاء العنف في العراق تؤيده وتدعمه
أيضا تقارير المفاوضات بين الجماعات المسلحة السنية والولايات المتحدة.
وثمة نقطة صعبة وشائكة كبرى بالنسبة للسنة ـ وفقا لتقارير في صحيفة
(نيويورك تايمز) ـ هي أن الأميركيين لن يقدموا جدولا زمنيا لانسحابهم.
وهناك سلسلة من استطلاعات الرأي تظهر أن غالبية العراقيين 82% في
استطلاع رأي حديث أجرته وزارة الدفاع البريطانية تريد خروج القوات
الأميركية.
إن استخدام القوات والشرطة الشيعية لتأمين المناطق السنية, مع التجاوزات
والإساءات الناشئة عن ذلك وعمليات القتل خارج القانون, تزكي أيضا
لهيب الكراهية العرقية وتروج للحرب الأهلية.
ولكن حكومتنا ـ كما في حرب فيتنام ـ لا تريد أن تغادر العراق حتى
يمكنها أن تتأكد من أن حكومة عراقية يمكنها أن تتولى السيطرة. وهذا
كما في حرب فيتنام, لا يحدث.
لأكثر من نصف قرن الآن, قللت واشنطن بشكل مطرد من قدر القوى المحركة
للقومية. وعلى نحو يدعو للذهول, تستمر في خداع النفس حتى عندما تواجه
الناس الذين هم مستعدون لتفجير أنفسهم بدلا من العيش تحت الاحتلال
الأميركي.
إن القوات الأميركية ستغادر العراق عندما لا يمكن بعد للساسة هنا
في واشنطن أن يدعموا الاحتلال ويتوقعوا أن يتم إعادة انتخابهم ربما
ليس قبل ذلك.
مارك وايسبروت
نائب مدير مركز الأبحاث الاقتصادية والسياسية في واشنطن
خدمة كيه آر تي ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى