(الوطن) تواصل تسليط الضوء على ظاهرة العبث بالممتلكات والمرافق
العامة
أيادي العبث تصل إلى المواقع الأثرية والتاريخية
أبراج طاقة التاريخية تواجه السقوط والعابثون يحطمون أبوابها
ونوافذها وأدواتها الكهربائية
من المسؤول عما يجري لهذه الكنوز التاريخية
؟
وقبل ذلك من المسؤول عن حمايتها وصيانتها ؟
تحقيق ـ عبدالله عبد الرزاق باحجاج : بات من
الضروري معرفة الحجم والمدى الذي انتشرت فيه ظاهرة التخريب والعبث
بالمرافق العامة، وكشفها من أجل مواجهتها وإيقاف إيادي العابثين
وردعها.. وقد كشفت (الوطن) من خلال حملتها الصحفية المتواصلة عن
وجود أيدي عابثة تقوم بهدم وتشويه ما تنجزه الدولة للمواطن من خدمات
عامة، وبالتالي، فقد وجدنا أنفسنا ننقل هذا التساؤل إلى محافظة ظفار
لنرى هل عملية التخريب والعبث تشكل ظاهرة عامة أم لا ؟ 
وقد جاءت الصدفة المحضة لصالح التعرف على نوعية مختلفة تماما عن
تلك التي كشفتها (الوطن) في متابعتها السابقة، فقد امتدت أيدي العابثين
في ولاية طاقة إلى معالم تاريخية بارزة تشكل ثروة وطنية، ألا وهى
الأبراج الأربعة، وهذه المسؤولية يشترك في تحملها إضافة إلى العابثين،
عامل الإهمال الذي اجتمع مع عامل العبث.. فكانت الصورة التي آلت
إليها هذه المعالم التاريخية ؟
طاقة.. في عمق التاريخ
يمكن للمرء مشاهدة أبراج ولاية طاقة التاريخية بمجرد أن يكون على
مشارف هذه الولاية الساحلية الجميلة المطلة على المحيط الهندي، حيث
تقع هذه الأبراج فوق الجبال الواقعة خلف مدينة طاقة القديمة ومن
جهتي الشرق والغرب، وتقف هذه المدينة مع حصنها الشهير كشاهد حي على
الرقي الحضاري الذي وصلت
إليه هذه المنطقة خلال مختلف العصور، والزائر لطاقة سيستنشق عبق
هذا التاريخ بمجرد أن تطأ قدماه هذا المدينة التي تتواجد فيها أيضا
مدينة سمهرم بمينائها الشهير التي هي من أقدم المدن الأثرية في الجزيرة
العربية حيث يعود تاريخها للألف الثالث قبل الميلاد، وكانت طاقة
مركزا إداريا في منطقة إنتاج اللبان الذي وصلت تجارته إلى مصر الفرعونية
خاصة في عصر حتشبسوت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
رؤية سائح.. لمعالم طاقة
الزائر والسائح عندما يزور طاقة، فإن أول ما يقصده، حصنها الشهير
المسمى باسمها ومن ثم أبراجها الأربعة وتحديدا الجيش وفارس حيث يمكن
الوصول إليها بسهولة رغم ترابية الطرق المؤدية إليهما على عكس الأخريين
اللذين تتراوح إمكانية الوصول إليهما بين الصعوبة والاستحالة، وهذه
قضية قديمة في حد ذاتها منذ ثلاث سنوات تقريبا، حيث كانت تحظي بعناية
واهتمام كبيرين، غير أنه كان ينقص هذه الجهود رصف هذه الطرق حتى
تظهر بمظهرها الحضاري .
وقد تتبعنا مسار رحلة السياح المعتادة لهذه المعالم السياحية لرصد
مدى وحجم ظاهرة الإهمال والعبث بالتدرج، فوجدنا حصن طاقة مغلقا،
غير أنه لفت انتباهنا منذ الوهلة الأولى تساقط أجزاء ترابية من واجهته
الأمامية مما تعرت على أثره الاحجار .
ومن ثم انتقلنا الى جهة الشرق حيث يتواجد في اعلى قمة الجبل (برج
فارس) ومن مظهره الخارجي يعكس واقعه الداخلي، وقد استقبلنا على مدخله
الرئيسي، أبوابه الملقاة على الممر، ونوافذه الداخلية والخارجية
المحطمة وتخريب مواده الكهربائية، والرسومات المنتشرة على جدرانه،
والأتربة والروائح الكريهة، وعندما صعدنا الى الدور الثاني تكررت
نفس هذه المشاهد، غير أننا وقفنا كثيرا وطويلا عند تساقط طبقة الأسطح.
وفي زيارتنا لبرج (الجيش) الذي يقع فوق جبل يطل على حصن طاقة، فإن
ظاهرة الإهمال والعبث بهذا المعلم تبدو واضحة، فلم نعد نفرق بين
أيهما يشكل إهمالا وأيهما ندخله في نطاق العبث والتخريب ما عدا تآكل
سطح بعض غرف وممرات البرج القابلة للسقوط مالم نتدارك الوضع سريعا.
ومن خلال ما تقدم، ينبغي أن نتوقف عند الأثر المترتب على الواقع
الحالي لهذه المعالم التاريخية على المواطن وعلى الانطباع الذي سيخرج
به السائح في ختام زيارته لهذه المواقع، فمن المؤكد أن للموروثات
الحضارية أثرا كبيرا على المواطن حيث يتمثل في إيقاظ وإذكاء الشعور
الوطني والشعور بالانتماء وتنمية مشاعر الاعتزاز بالتراث الحضاري،
وهذا مرتبط بطبيعة الحال بمدى اهتمامنا بهذه الموروثات أو العكس،
وقد نجده في حالة الأبراج الاستثنائية مجسدا في الممارسات اللامسؤولة
السالفة الذكر وفي صمت.. وأحيانا في تنازع الصلاحيات بين مجموعة
من الجهات، ولن نسترسل في توضيح مدى أهميتها السياحية خاصة في المرحلة
المقبلة التي سوف تشهد نقلة نوعية وكمية إلى درجة أن الطموحات والآمال
تذهب إلى حد جعل قطاع السياحة أحد المصادر المهمة لدخلنا القومي
والبديلة للنفط
والأهم هنا، أنه عندما يمتد التخريب والعبث بمعالم تاريخية بارزة
لها دلالات حضارية وتشكل جزءا من تراثنا الوطني، فإننا ينبغي أن
نتساءل عن الجهة المسؤولة التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية الحفاظ على
هذه الموروثات الحضارية التي هى ملك جميع الأجيال، قبل البحث عن
الأسباب التي تقود العابثين الى تلك السلوكيات، فلو علموا بان هناك
جهة تراقب ومن ثم تحاسب، فهل سيقدمون على فعلتهم ؟!! (وهذا ما أشرت
إليه في عمود العين الثالثة أمس الأول) نتمنى من قطاعات السياحة
والتراث والبلدية وتلك المعنية بالموضوع التدخل سريعا للحفاظ على
هذا الإرث الحضاري وتهيئته للسياحة الداخلية والخارجية عبر استكمال
البنية الأساسية كالطرق حتى نعطي هذه الولاية التاريخية العريقة
حقها من التنمية.
أعلى