|
فتاوى وأحكام
* ما قولكم في القارن
بالحج والعمرة هل عليه هدي وهل من حرج على من اناب غيره في الهدي وما
قولكم ايضا في الرمي من بطن الوادي؟ اختلف في القارن هل عليه هدي او
لا؟
** الراجح انه لا يلزمه ولا حرج على من اناب غيره في الهدي والرمي
من بطن الوادي مأمور به فليحتل الإنسان جهده حتى ينفذ هذا الامر. والله
اعلم.
* فيمن تمتع بالحج وليس معه هدي قيل يحرم بالحج في اليوم السادس ويصوم
فهل يكون هذا الصوم في نفس اليوم ام في اليوم السابع من ذي الحجة؟
** نعم يصوم المتمتع الذي لم يجد الهدي السادس والسابع والثامن من
ذي الحجة وسبعة ايام بعد الفراغ من اعمال الحج. والله اعلم.
* ما قولكم فيمن نفر لطواف الوداع من منى إلى مكة قبل الزوال؟
** عليه دم لنفره من منى قبل الزوال. والله أعلم.
* ذهب رجل لتأدية فريضة الحج وكان مفردا بالحج حيث ذهب مباشرة إلى
منى في اليوم الثامن ووقف عرفات ورمى جمرة العقبة وحلق وطاف طواف الإفاضة
لكنه لم يسع بين الصفا والمروة حيث رجع إلى منى ورمى الجمرات في اليوم
الحادي عشر والثاني عشر ولم يطف طواف الوداع فماذا عليه؟
** عليه دمان دم لتركه السعي ودم لتركه طواف الوداع، وإن من الله عليه
بالحج في القابل فليجعله احتياطا والله أعلم.
* ما حكم من أخر الرمي في اليوم الثاني عشر إلى بعد غروب الشمس ولم
يبت بمنى؟
** عليه دم لتركه المبيت بمنى مع غروب الشمس عليه بها. والله أعلم.
* ماذا على من خرج من منى قبل الزوال في اليوم الثالث من أيام التشريق؟
** من أفاض من منى قبل الزوال في النفر الأول أو الثاني لزمه دم. والله
أعلم.
* هل يجوز للحاج أن يعتمر قبل ان يحج من تاريخ الأول إلى اليوم السابع
من ذي الحجة؟
** نعم إن كانت هي عمرة التمتع أو عمرة القران، وأما أن يعتمر في أثناء
التمتع فلا يجوز ذلك. والله أعلم.
* هل يجوز للحاج الاعتمار في اليوم الثالث عشر صباحا؟
** لا يعتمر في أيام التشريق وإنما تبدأ العمرة من ليلة الرابع عشر.
والله أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
في حديث له حول حرية
الرأي في الإسلام
سماحة المفتي:
الحرية كلمة مطاطة يمكن لكل أحد أن يسخرها لقضاياه
ـ رفع الإسلام من شأن الإنسان وبوّأه مبوأ الكرامة
ـ لابد للحرية من ضوابط فكرية وشرعية وأخلاقية
ـ الإنسان عندما يتحرر من قيد الدين لا يكون له نظام
ـ النبي المصطفى هو أعظم من قدم الخير للإنسانية
الحرية مفهوم تختلف الثقافات في تعريفه وفي ضوابطه،
فتارة يُعبّر عنه بأنه ما ينتهي عند حرية الآخر، وتارة يطلق أكثر من
ذلك، وتارة يقيد دون ذلك .
واتخذ البعض الحرية ومنطلقاتها مطية للإساءة إلى رموز الإسلام أو إلى
أناس آخرين .
وقريباً ظهر في بعض الصحف إساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعند
مناقشة هذه الصحيفة كان ردها أن الحرية مجال واسع، وحركتها كانت في
هذا النطاق.
وحول مفهوم الحرية في الإسلام، ورأي سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة في هذه المطية التي تمتطيها بعض الصحف للإساءة
الى الإسلام بين الفينة والأخرى قال سماحته:
إن كلمة الحرية كلمة مطاطة يمكن لكل أحد أن يسخرها لقضاياه التي يخدمها
بها، وبجانب ذلك هي كلمة جذابة، فهي تأخذ بمجامع الألباب وتغزو النفوس،
وقد تحوّل المفاهيم عند كثير من الضعاف .
والله سبحانه وتعالى بفضله خلق الناس أحرارا، ولكن هذه الحرية لا تعني
بحال من الأحوال أن يخرج الإنسان من قيود الأخلاق ومن قيود الدين،
وأن ينطلق في حياته كما تشتهي نفسه، وكما يريد شيطانه، وكما تدعوه
إليه شهواته فإن ذلك مما يؤدي إلى الدمار، ويؤدي إلى عدوان الناس بعضهم
على بعض .
لا ريب أن الإسلام هو الذي كفل الحريات وقد جاء بالحرية، وقد قال عمر
رضي الله تعالى عنه في مشهد من الناس كلمته المشهورة (متى استعبدتم
الناس وقد ولدتهم أماتهم أحرارا)، وهي كلمة ذات مغزى بعيد، فإنها تدل
على أن الإسلام جاء ليحرر الرقاب، وجاء ليخلص هذه النفوس من أسر بعضها
لبعض، وجاء الإسلام ليرفع من شأن هذا الإنسان وليبوئه مبوأ الكرامة
كما يقول سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ
عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء 70) ويبين سبحانه
أن منافع الكون مخلوقة لهذا الإنسان، فهو تعالى يقول (هُوَ الَّذِي
خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة من الآية29)، ويقول
(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً
مِنْهُ) (الجاثـية من الآية 13)، فيد الإنسان يد حرة في الانتفاع بهذه
المنافع التي لا تكون على حساب الآخر، ولا تكون على حساب الفضيلة،
ولا تكون على حساب العقيدة والأخلاق .
نعم إن الإسلام جاء ليرفع من قدر هذا الإنسان، ولكن لا تعني حرية الإنسان
أن يعيش عيشة البهائم العجماء أو أن يعيش عيشة السبع الفتاك الذي لا
يبالي بالآخرين، فعندما تطلق الحرية بدون ضوابط تؤدي هذه الحرية إلى
عدوان الناس بعضهم على بعض، وانتهاك بعضهم لحرم بعض، وهذا الذي وقع
فعلاً بسبب خروج الإنسان من قيود الشريعة الربانية التي تبوء كل شيء
مبوأه، وتنزل كل شيء منزله. فنحن نرى كيف هذه الحروب التي تشن باسم
الحرية ومن خلالها توأد الحرية وتصادر، ومن خلالها يضطهد الناس، تقتّل
الأنفس ويشردون، ويُقضى على كرامتهم ويعود الناس لا قيمة لهم في موازيين
هذه الأمم المتغلبة .
فعندما تكون الحرية حرية مطلقة هكذا تكون الفوضى في حياة الناس، ولكن
الحرية لا بد لها من ضوابط، لا بد لها من ضوابط فكرية، ولا بد لها
من ضوابط شرعية، ولا بد لها من ضوابط أخلاقية .
الله سبحانه وتعالى تعبد البشر، فالإنسان مهما كان ولو أوتي ما أوتي
وكرم كيفما كما كرم هو عبد من عباد الله (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ
عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) (مريم 93-95)
هذا الإنسان لا يمكن أبداً أن يسعد في حياته هذه فضلاً عن الحياة الأخرى
التي ينقلب إليها إلا عندما يكون موصولاً بربه متقيداً بما شرع، ملتزماً
بدينه الحنيف .
الإنسان عندما يتحرر من قيد الدين لا يكون له نظام، ولا تكون له سعادة
فالدين ضروري للنظام والسعادة كما ذكر ذلك بعض فلاسفة الإسلام، لا
بد من الدين إذ الناس يرون كيف حياتهم في أوضاعهم السياسية والاجتماعية
لا بد لها من قيود، فالحاكم الذي يحكم بلداً ما لا بد من أن يضع نظاماً
لأهل بلده ولا يترك الناس فوضى هكذا بدون نظام، ولئن كان ذلك بالنظر
إلى حكم الحاكم فكيف بحكم الله سبحانه وتعالى الذي هو رب العالمين
الذي خلق فسوى وقدر فهدى، وكل ما في هذا الكون إنما هو ملكه (لِلَّهِ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (البقرة من الآية 284)،
فكل ما في السموات وما في الأرض إنما هو ملك لله سبحانه وتعالى، والأرض
التي هي مستقر الإنسان هي جزء من مملكته سبحانه وتعالى الواسعة، هذا
الجزء لا يمكن أن يسعد ولا يمكن أن يستقر إلا عندما يكون الإنسان المستخلف
فيه موصولاً بالله سبحانه لتنتظم حركة هذا الجزء مع حركة سائر الكائنات
الأخرى .
ونحن إن كنا نرى أن الأرض في دورانها المستمر ترتبط ببقية الأجرام
ارتباطاً وثيقاً فإنها أيضاً من حيث الخضوع خضوع من فيها لأمر الله
سبحانه وتعالى وانقياده لحكمه لا بد من أن ترتبط بجميع الكائنات الأخرى
التي يخبرنا سبحانه وتعالى أنها جميعاً تسبح بحمد الله، يقول سبحانه
(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (الإسراء 44)
ويبين سبحانه وتعالى أن الكون بأسره يسجد لجلاله إلا من شذ من جنس
الإنسان وهو الكافر الذي يأبى أن يسجد لله يقول سبحانه (أَلَمْ تَرَ
أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) (الحج
من الآية 18)، فالكون كله يسبّح بحمد الله ويسجد خاضعاً لجلال الله
وإن لم ندرك نحن بسبب قصر عقولنا وضيق مداركنا هذا السجود وهذا التسبيح،
ولئن كان الكون كذلك فهذا الإنسان عندما يكون متقيداً بقيود الحكم
الرباني ساجداً لله خاضعاً له منقاداً لحكمه مذعناً لطاعته يكون منتظماً
مع حركة هذا الكون، فتتجاوب حركته مع حركة هذا الكون، وعندما يكون
بخلاف ذلك يكون الأمر بعكس ذلك، ولذلك يشعر بالنفرة بينه وبين الكون،
ويشعر بعداوة الكون له، ولذلك يعبّر هؤلاء الذين شذوا عن هذا النظام
الرباني الذي يوحد هذه الكائنات يعبرون دائماًً تعبيرات تدل دائماً
على عداوتهم للكون وعلى عداوة الكون لهم فيقولون قهر الطبيعة، فلان
استطاع أن يقهر الطبيعة، ويعبرون بغزو الفضاء وغير ذلك مما يدل على
العداوة ويدل على المغالبة، وهذا شأن الذين عميت بصائرهم عن الحقيقة
.
والمؤمنون بخلاف ذلك فإنهم يشعرون بانسجامهم مع نظام الكون، بل الإنسان
يصبح عندما يتحلل من هذه القيود الربانية يصبح يشعر بنشاز بينه وبين
نفسه لأنه يشعر بأن حركته الاختيارية الكسبية لا تنسجم مع حركته الفطرية
الاضطرارية وهذا مما يؤدي إلى التناقض في فكر الإنسان وتصوراته وفي
سلوكه وأخلاقه، وهذا الذي وقع فيه هذا العالم .
فإذن حرية الإنسان لا بد من أن تكون مقيدة ومضبوطة بضوابط، فلو كانت
للإنسان الحرية المطلقة فإن شهوة الإنسان تقوده إلى فضائع الأمور،
شهوته الجنسية تقوده إلى الزنا والعياذ بالله، وتقوده إلى الشذوذ الجنسي
أحياناًً والعياذ بالله، وبهذا يصبح هذا الإنسان شراًً من البهيمة
العجماء لأن تصرفه هذا إنما يكون على حساب الأخلاق وعلى حساب الصلات
الحسنة بينه وبين مجتمعه، وشهوته المالية تقوده إلى العدوان على الآخرين
فيؤدي به الأمر إلى أن يحرص كل الحرص على ابتزاز أموال الآخرين، فلو
أعطي الحرية في ذلك لكان كل واحد يريد أن يبتز مال الآخر ولو بالعدوان
على حياته، شهوته الانتقامية تؤدي به أيضاً إلى حب الانتقام من أي
أحد كرهه ولو لم يكن هنالك سبب لكرهه إياه وهذا مما يؤدي إلى التطاحن
بين الناس، فالحريات لو أطلقت لعادت حياة الناس حياة فوضى لا يحكمها
شيء .
والله سبحانه وتعالى هو العليم بمصالح البشر، وهو الخبير بما تنطوي
عليه فطرهم وكيف تنسجم حياتهم مع نظام هذا الكون فلذلك شرع من الأحكام
ما يكفل هذا الانسجام بين الإنسان نفسه، بين حركته الاختيارية وحركته
الاضطرارية، وما يؤدي أيضاًً إلى الانسجام بين جوانب هذه النفس البشرية،
إذ الإنسان ليس جسماً فحسب ولا روحاًً فحسب ولا قلباً فحسب ولا عقلاً
فحسب، بل الإنسان مخلوق عجيب يجمع في خلقه بين الروح والجسم والعقل
والقلب والضمير والغرائز، ولكل واحد من هذه الأشياء مطالب، وعندما
يرخى العنان ولا يكون هنالك تنسيق ما بين الجوانب المختلفة هذه فإن
ذلك مما يؤدي إلى النشاز والاضطراب، بل يؤدي إلى التجاذب والتدافع،
فلا بد من أن يكون هنالك نظام يوحد بين مطالب هذه الأشياء جميعاًً
حتى لا يكون هنالك أي اضطراب في حياة هذا الإنسان نفسه .
ثم كذلك هذا التشريع يؤدي إلى انسجام الإنسان مع نظام هذا الوجود،
والله سبحانه وتعالى العليم بمصالح الإنسان هو الذي كفل للإنسان سلامته
من خلال ما شرع من أحكام، ومن خلال ما سن من الأخلاق، ومن خلال ما
بين أصول الاعتقاد الحق .
ثم بجانب هذا أيضاً نرى أن البشر بطبيعة الحال إن لم يدركوا حق الله
سبحانه وتعالى فهم أحرى أن لا يدركوا حق أحد من الناس، كيف تكون حياة
هذا الإنسان الذي نسي خالقه الذي خلقه من عدم وأسبغ عليه صنوف النعم،
وبوّأه مبوأ الكرم، رفع من قدره، وأعلى من شأنه، وسخر له منافع الوجود
بأسرها (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
* مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
* ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ *
كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) (عبس 17-23) هذا الإنسان الذي خلق
من نطفة وهي خلية لا تكاد تبصر حتى بأشعة المجهر من حقارتها ودقتها
وطوّره الله سبحانه وتعالى طوراً بعد طور حتى تكونت الملايين الملايين
من الخلايا المختلفة، وتكون الإنسان بطبيعته فصار سميعاً بصيرا حياً
مريداًً متكلماً عارفاً بما حوله يستطيع أن يعبر عن مشاعره ويستطيع
أن يعبر عن حاجته ويستطيع أن يعبر عن دخائل نفسه، ويستطيع أن يفهم
تعبير غيره أيضاً، ويستطيع أن يتأمل هذه الكائنات .
هذا الإنسان الذي خلق هذا الخلق العجيب أليس جديراً به أن يعرف حق
خالقه تبارك وتعالى، وأن لا ينسى هذا الحق .
ثم مع ذلك هيأ الله سبحانه وتعالى هذا الخير العظيم، هيأ له أسباب
رزقه، وربط هذه الأسباب بعضها ببعض حتى كانت كلها حلقات متسلسلة في
سلسة واحدة كل منها آخذ بحجزة الآخر، فجدير بهذا الإنسان أن يعرف هذا
الحق للمنعم العظيم، ومن نسي هذا الحق وجحده فكفره فإنه جدير أن يكفر
نعمة الناس أيضا، وأن لا يبالي بمن أحسن إليه، وهل تكون هنالك إنسانية
عندما يكون هذا الإنسان وحشاً ضارياً، فالإنسان بطبيعته هو بحاجة إلى
الدين وبحاجة إلى الأخلاق وبحاجة إلى العقيدة، الإنسان لا يمكن أن
يعيش هكذا لأن عيشته تكون شراً من عيشة الوحوش، فالوحوش لها طبائع
تقيدها وتسير بها على منهج معين، بينما الإنسان طبيعته في الأصل هي
الفطرة التي فطره التي الله تعالى عليها، والفطرة هي التي تتجاوب مع
دين الله سبحانه وتعالى، أما عندما يكون الإنسان بخلاف ذلك يكون شاذاً
عن فطرته التي فطره الله تعالى عليها، فكيف مع هذا يمكن لهذا الإنسان
أن يعيش مع بني جنسه، على أن الإنسان هو كائن اجتماعي لا يمكن أن يستقل
أي فرد من أفراد جنسه بمصالحه بنفسه، بل هو بحاجة إلى مصالح الآخرين
كيفما أوتي في هذه الدنيا، ولو كان ملكاً حاكماً، ولو حكم الأرض كلها،
هو أحوج ما يكون إلى الآخرين، هو بحاجة إلى جميع طبقات الناس، هو بحاجة
إلى الخدم، هو بحاجة إلى الطباخين، هو بحاجة إلى النساجين، هو بحاجة
إلى الخياطين هو بحاجة إلى السباكين، هو بحاجة إلى البنائين، هو بحاجة
إلى الجند، هو بحاجة إلى العسكر، هو بحاجة إلى الوزراء، هو بحاجة إلى
جميع طبقات الناس، فلئن كان الملك الذي يحكم أكبر مجتمع بشري هو بحاجة
إلى هذه الأجناس جميعاً فكيف بسائر الناس، كيف يستقل الإنسان عن بني
جنسه، لا يمكن للإنسان أن يستقل عن بني جنسه بأي حال من الأحوال، ومع
ما جُبل عليه الإنسان من حبه للمال وحبه للاستئثار وحبه للظهور والبروز
وحبه للغلبة والقهر، مع هذا يكون هنالك تدافع وتجاذب بين الناس فيؤدي
ذلك بالبشر إلى الفتن الطاحنة التي لا تبقي ولا تذر، أما إذا كان الإنسان
معتصماًً بحبل ربه مستمسكاً بدينه سائراً في نهجه الصحيح فذلك هو الذي
يؤدي به إلى السلامة في الدنيا والسعادة في العقبى .
ثم مع هذا أيضا نحن نرى أن البشر بطبيعة الحال
يدركون أن خير الناس للناس من قدم الخير لهم، وهل هناك من أحد قدم
خيراً للإنسانية أكثر من النبي صلى الله عليه وسلّم الذي نطقت ألسن
الناس جميعاًً معبرة عن عظمه وشأنه، حتى أعداؤه عليه أفضل الصلاة والسلام
كانوا يتحدثون عن محاسنه، كان في المجتمع القرشي مع عداوة قريش للنبي
صلى الله عليه وسلّم يُعرف النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بالأمين
عندهم، فقد كانوا لا يطمئنون على ودائعهم بتركها عند أي أحد غيره حتى
مع عداوتهم له صلى الله عليه وسلّم، وكان عليه الصلاة والسلام في هذا
المستوى الذي كانوا ينزلونه إياه وهو فوق هذا المستوى صلى الله عليه
وسلّم، كان حريصاً على أداء هذه الأمانات حتى مع ما كان بينه وبينهم
من العداوات كان حريصاًً على أن يؤدي هذه الأمانات إلى أصحابها، ولذلك
عندما تآمروا على قتله وهاجر عليه أفضل الصلاة والسلام ترك وراءه علياً
كرم الله وجهه ليرد الأمانات إلى الناس، فأي أمانة هذه، إنها أمانة
نادرة لا تكاد توجد في البشر .
وكانوا يعترفون بصدقه، وكانوا يعترفون بعظمته، وكانوا يعترفون بمحاسنه
مع ما جبلوا عليه من عداوته إلا أنهم عندما يُمتحنون يتحدثون عن ذلك،
والدليل على هذا ما كان أبي سفيان صخر بن حرب عندما لقي هرقل، وسأله
هرقل عن صفات النبي صلى الله عليه وسلّم بعدما وصل إليه كتاب النبي
صلى الله عليه وسلّم فإنه كان يجيبه عن النبي صلى الله عليه وسلّم
بصدق وأمانة ويصف له محاسن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة
والسلام، فمن جملة ما سأله إياه قال: هل كنتم تتهمونه بكذب قط؟ قال:
لا. قال له: وهل كان يغدر؟ قال: لا. قال له من أي طبقات الناس هو؟
فبين أنه من أكرمهم أرومة. وهذا مما يدل على أنهم كانوا معجبين بشخصه
عليه أفضل الصلاة والسلام .
ونجد الآخرين أيضاً كانوا يتحدثون عن عظم شأن الرسول صلى الله عليه
وسلّم بإعجاب حتى الملاحدة، كان من ضمن الملاحدة الذين نشروا الإلحاد
في البلاد العربية (شبلي شميل)، وكان قبل إلحاده نصرانياًً كاثوليكياً
ثم تحول بعد ذلك إلى الإلحاد والكفر بكل ما لم تبصر عيناه ولم تسمع
أذناه، ومع ذلك كيف وصف النبي صلى الله عليه وسلّم عندما كتب كتاباً
إلى رشيد رضا صاحب جريدة المنار يقول في رسالته إليه :
إلى غزالي عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار :
أنت تنظر إلى محمد كنبي وتجعله عظيما، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله
أعظم .
ونحن وإن كان في الاعتقاد الديني أو المبدأ الديني على طرفي نقيض فإننا
يجمع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول وذلك أوثق لعرى المودة
بيننا .
ثم قال (الحق أولى أن يقال) ، وكتب تحت هذا العنوان هذه الأبيات :
دع من محمد في سدى قرآنه
ما قد نحاه للحمة الغايات
إني وإن أك قد كفرت بدينه
هل أكفرن بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من
حكم روادع للهوى وعظات
وشرائع لو أنهم عقلوا بها
ما قيّدوا العمران بالعادات
نعم المدبر والحكيم وإنه
رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحجا رجل السياسة والدها
بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد غلب النهى
وبسيفه أنحى على الهامات
من دونه الأبطال في كل الورى
من سابق أو حاضر أو آتي
هكذا يصف هذا الملحد الرسول صلى الله عليه وسلّم
.
وقبل ما يقرب من ثلاثين عاماً كتب الشاعر القروي وهو شاعر نصراني وصية
بعدما بلغ تسعين عاماً، وتضمنت هذه الوصية تعبيره عن صدق النبي صلى
الله عليه وصدق رسالته التي هي الإسلام وصدق معجزته التي هي القرآن
فقد كتب يقول: (... لقد أثبتت المصادر التاريخية أن يسوع المسيح عليه
السلام كان يعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد
ولم يكن له كفواً أحد، وظل على ذلك أتباعه إلى القرن الثالث الميلادي
عندما تنصر قسطنطين عاهل الروم فأدخل في النصرانية بدعة التثليث، وتبعه
في ذلك بعض الأسقافة وعلى رأسهم مكاريوس الذي لقب نفسه (أرثوذكس) أي
مستقيم الرأي، وعارضه آخرون وعلى رأسهم آريوس، وعقدت بين الطائفتين
مجامع للحوار فاز فيها آريوس بالحجة القاطعة والحق اليقين، ولكن السلطة
التي هي مصدر البلاء وضعت ثقلها في الميزان فأسكتت صوت الحق، وظل الحق
يتململ في قيده منتظراً آريوساً جديداً.. ثم يقول: وكم أتمنى وأنا
الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الآريوس بطريركاً بطلاً ينفي عن ديننا
وسمة ألحقها به غرباء غربيون، وكثيراً ما كان الغرب مصدر بلائنا الديني
والسياسي معا .
ثم قال: وإيماناً مني بصدق نبوة نبينا العربي، وإعجاباً مني بمعجزته
القرآن أردت أن أكون قدوة لإخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله،
ولكنني رأيت إصلاح ديننا الأول خيراً من الانتقال عنه إلى دين جديد،
وكخطوة أولى في هذا السبيل أعلن عن عزوفي عن أرثوذكسيتي المكاريوسية
إلى أرثوذكسيتي الآريوسية..) إلى آخر ما قاله، فتجد هؤلاء يعترفون
بعظم النبي صلى الله عليه وسلّم وعظم شأنه .
ويأتي سفيه متطرف في فساده وإلحاده وكفره ويتجرأ على هذا المقام العظيم،
ثم يُقال يطلق العنان، يطلق له الحبل على الغارب بدعوى الحرية!! أي
حرية هذه التي تؤدي بالناس إلى ذلك!
وإنما هذا كله إنما هو معاكسة للحرية، والله تعالى المستعان .
أعلى
كيف تستفيد من قراءتك ؟
كلنا يقرأ... أن لم نكن نقرأ الكتب فعلى الأقل
نقرأ المجلات والصحف اليومية، وكل هذه يجب ألا يخلو من الفائدة، ولكي
لا تذهب قراءتنا هباء ولا يضيع وقتنا سدى، فعلينا أن نحاول قدر الإمكان
الاستفادة مما نقرأ، وهذه بعض النصائح أو بعض الوسائل للاستفادة مما
نقرأ أسجلها من خلال التجربة:
أ - نوعية الكتب
لابد أولا من الدقة في اختيار الكتب لتتحقق الفائدة
بالفعل.
عليك اختيار الكتب النافعة التي تـفيدك في دينك
ودنياك ،وعلى رأسها علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وسيرة، ثم كتب
اللغة والتاريخ، ثم غيرها من العلوم ، وكذلك بالنسبة للمجلات.فلا بد
من الابتعاد عن المجلات الهابطة أو حتى ذات المستوى الذي يقل عن المتوسط
مما ليس فيها علم ولا فائدة ، فاحرص أخي المسلم على قراءة المجلات
الدينية والسياسية ذوات الكلمة الصادقة الصريحة ولا تقرأ من المجلات
الأخرى إلا المقالات النافعة إن وجدت.
عليك أيضا التعرف على أسماء المؤلفين ذوي الأمانة والثقة والكلمة الصادقة
الهادفة البعيدين عن الإسفاف وعن الفساد والإفساد لتقرأ لهم ، ولا
تقرأ لغيرهم من ذوي الأهداف السيئة والأغراض الدنيئة كالكتاب المأجورين
وأمثالهم ، إلا إذا كانت قراءتك لهدف معين معرفي أو تخصصي ، أو لتحذير
الناس من آرائهم ، وهذه الرخصة ليست للجميع بل لمن عنده من العلم نصيب
يستطيع به التعرف على الحق وتمييز الصواب من الخطأ بأرضية صلبة من
معارف الدين. أما المبتدئون فقد يتأثرون بما يقرؤون إذا لم تكن معرفتهم
بالدين عميقة.
إذا كنت مبتدئا فاقرأ أولا الكتب الواضحة التي لا يشوب أسلوبها غموض
أو تعقيد لئلا تسأم أو تمل عندما تشعر أنك لا تفهم جيدا كل ما تقرأ
، ولا شك أن الأسلوب السهل السلس والمشرق المثير في الوقت نفسه له
دور كبير في حب القراءة.
ومن الأفضل أن تكون الكتب محققة تحقيقا علميا فهي أكثر فائدة بما تضيفه
من تعليقات وبما تعرفنا به من تخريج الأحاديث ونسبة الآراء والأقوال
لأصحابها ومصادرها بدقة ونظام وترتيب.
نوع قراءاتك في مختلف فروع العلم والمعرفة لتلم بأساسيات كل علم والأمور
الهامة فيه ، ولكي لا تكره علما لأنك تجهله ، والإنسان عدو ما جهل
كما قال الشاعر:
تـفـنـن و خذ من كل علم ، فإنما * * * يـفـوق امرؤ في كل فـن له علم
فأنـت عـدو للـذي أـنت جاهـل * * * به ، ولعلم أنت تـتــقـنـه سلم
ثم ركز على تخصص معين تميل إليه أكثر لتتزود
منه بعلم أكبر،فتكون ثقافتك أوسع بالاطلاع على مختلف العلوم ويكون
تخصصك في علم بعينه أكثر من غيره سبيلا إلى الإحاطة بمعظم جوانب هذا
العلم دون أن تترك مطالعاتك للعلوم الأخرى و الأخذ من كل منها بطرف.
ولا تترك أمهات الكتب من الكتب التراثية القديمة
ذات الفائدة العظمى ، ولا تصغ لادعاءات صعوبة الأسلوب أو عدم تشويقه
ولا لدعوات التجديد لتلك الكتب وصياغتها بأسلوب جديد مختصر ومشوق كما
يقولون ، لأن هذه الدعوات ليس لها هدف سوى إبعادنا عن ديننا ولغتنا
ببعدنا عن أمهات الكتب العظيمة التي تحوي الفوائد الجليلة في كل العلوم
وهم يهدفون أيضا إلى 'إضعاف لغة القرآن وإلى بخس علماء المسلمين السابقين
حقوقهم وأقدارهم. ومن يقرأ فيها يجد العلم مع الأسلوب المنوع والمشوق
لا سيما لطلاب العلم ممن قطعوا فيه شوطا.
ب - طريقة القراءة
لا بد أيضا أن تكون طريقة قراءتك مناسبة من حيث
المكان الذي تقرأ فيه وكيفية الجلوس وكيفية القراءة ونحوها من أمور.
لا بد أن يكون المكان الذي تجلس فيه للقراءة مناسبا لها بألا يوجد
فيه ما يشغل الفكر ويعطل الذهن ويشتت التركيز.
لا تقرأ وأنت مستلق لأن ذلك أدعى إلى جلب النوم والكسل.
ولتكن جلستك جلسة مريحة بحيث تتجنب ظهور متاعب صحية في المستقبل كآلام
الظهر.
لا بد أن تكون الإضاءة جيدة فحاول أن تتجنب الضوء الأصفر (اللمبات)
فالضوء الأبيض (الفلورسنت) أفضل وأكثر حماية للعينين، والأفضل أن تكون
القراءة في ضوء النهار الطبيعي في مكان مناسب جيد الحرارة.
أبعد الكتاب عن عينيك لئلا تتضررا وإن كنت تعاني من مشاكل في النظر
فلا تقرأ بكثرة حتى تراجع طبيب العيون.
ركـز جيدا أثناء القراءة فيما تقرأ، وأعط كل انتباهك له، وحاول أن
تتفاعل معه كأن تتذكر معلومات سابقة حول ما تقرأ،أو أن تبكي إذا مر
بك ما يدعو لذلك من ذكر الله والتحذير من الذنوب والأخطاء ووصف النار...
الخ.
اقرأ ببطء إن كان الكتاب هاما جدا أو صعب الأسلوب نوعا ما أو يحتاج
إلى التعمق في الفهم أو ترغب أنت في حفظ بعض ما تقرأ ، أما إن كان
عاديا فاقرأ قراءة متوسطة ليست بالبطيئة المتأملة المتفحصة كثيرا ولا
بالسريعة المضيعة لمعاني ما تقرأ.
القراءة الصامتة أفضل فهي أسرع وأقل إجهادا لأنها لا تشرك الكثير من
أعضاء الحس فيها فتساعد بذلك على زيادة التركيز.
ج - كيفية الاستفادة
الهدف من القراءة حصول الفائدة وجني ثمار التعب
والوقت بقطف أجمل ولأفضل زهور العلم،وذلك باتباع الآتي:
ضع في بالك أولا أن تقرأ قدرا معينا من
الكتاب أو تخصص وقتا معينا لا بد أن تقرأ فيه.
اقرأ مقدمة الكتاب أولا.وإن شعرت ببعض الملل من مقدمات بعض الكتب،
لأن قراءتها ستفيدك غالبا في معرفة هدف الكاتب من تصنيف كتابه ولتتعرف
على موضوع الكتاب بصورة بينة واضحة.
إذا لم تفهم نقطة معينة أو استعصى عليك فهم فكرة ما أو خطر على بالك
سؤال لم تجد له إجابة فضع علامة على ما لم تفهم أو دوّن ما يطرأ على
ذهنك من أسئلة ثم حاول أن تسأل عنها من هو أكثر منك علما في هذا الموضوع.
دع القلم معك أو في متناول يدك عندما تقرأ،وحاول أن تضع جوار كل فقرة
الفكرة العامة التي تناولتها في المكان الخالي قربها( الحاشية أو الهامش)
وحاول أن تدون بعض الملاحات الهامة إذا طرأت على ذهنك أو أن تلخص بعض
الفقرات أو تسجل بعض النقاط الهامة.
حاول أن تستعين بوسائل أخرى تدعم معلوماتك حول ما تقرأ كالأشرطة السمعية
أو المرئية أو المجلات الأخرى والصحف إذا وجد منها ما يتعلق بموضوع
كتابك.
بعد أن تنتهي من القراءة أغلق الكتاب وحاول أن تستعيد في ذهنك أهم
الأفكار التي قرأتها.
ثم أعد تقريرا حول موضوع الكتاب تذكر فيه اسم الكتاب ومؤلفه ودار نشره
ثم تلخص موضوعه فيما لا يتجاوز صفحة واحدة من الحجم المتوسط مع ذكر
الثمرة التي حصلت عليها واكتسبتها من الكتاب ، وحاول أيضا أن تذكر
رأيك في أسلوب الكاتب من جميع النواحي : من حيث السلاسة أو الصعوبة
والتعقيد واستيفاء الشواهد المناسبة، والحيادية والموضوعية في الكتابة
وغير ذلك من أمور ، ولا بد أن تكون قراءتك قراءة ناقد خبير فتميز الصحيح
من الفاسد من الكتب والأقوال الواردة وحبذا لو استطعت جمع ما كتب في
الموضوع الواحد من مصادر متعددة.
حاول أن تتحدث مع الآخرين حول مضمون ما قرأت وعلمت فيستفيد الناس وتثبت
أنت معلوماتك.
حاول حفظ بعض العبارات الجميلة ذات المعاني الرائعة ليقوى أسلوبك ويزداد
ثراؤك اللغوي ويمكن أن يأتي ذلك اكتسابا عفويا من مداومة القراءة.
المصدر : تطوير الذات . بوابة العرب
أعلى
الاهتداء إلى الخالق فطرة في النفس
عبد الرحيم محمد جاد الرب
الإنسان مخلوق كريم على الله ، خلقه في أحسن تقويم ومنحه العز والتكريم
، صوره فأحسن صورته ، وخلقه بيديه فأحسن خلقته ، وأسجد له ملائكته
، وميزه بالعقل والإرادة والعلم والإفادة ، وجعله خليفته في الأرض
ومحور النشاط في الكون ، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ
عليه نعمه ظاهرة وباطنة قال تعالى : (( وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير
)) سورة التغابن آية 3 وقال تعالى : (( هو الذي يصوركم في الأرحام
كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم )) سورة آل عمران آية 6 القارئ
الكريم : ـ أوجد الله الإنسان من عدم وعلمه مالم يعلم ، وزينه بالعقل
والتدبير ، والمنطق والتفكير ، أكرمه بالعينين واللسان والشفتين ثم
هداه النجدين قال الله تعالى : (( ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين
وهديناه النجدين )) سورة البلد الآيتان 8 ،10 فهو نوع منفرد من مخلوقات
الله ، ليس بجماد ولا نبات ولا بحيوان ولا كائن من الكائنات التي خلقها
الله في الأرض أوفي السماوات . القارئ الكريم : ـ يولد الإنسان في
هذه الحياة طفلا رضيعا ، ثم وليدا صغيرا وبعدها صبيا يافعا لا يدرك
شيئا من معالم الحياة يغدو ويروح ، إن جاع أو عطش بكى ، وإن تألم لمرض
عبر عنه بانقباضات الوجه وحركات الرجلين وإن اشتد عليه عبر بحركات
اليدين ، يبتسم إذا رأى شيئا يفرحه ، ويبكي إذا رأى شيئا يحزنه ، يلهو
ويلعب ، يرى الحياة نورا وجمالا وكمالا وبهاء ، يسمع نغم الدنيا في
كلام أمه ومتعة الحياة في صوت والده يقول الله تعالى (( والله أخرجكم
من بطون أمهاتك لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم
تشكرون )) سورة النحل آية رقم78 حتى إذا ما استوى عوده وبلغ أشده ،
وعرف غايته ، وأيقن نهايته صقلته الحياة بحوادثها ومن خلال التجارب
أدرك قيمتها ، فالدنيا أفراح وأتراح رخاء وشدة ، فاعتقد اعتقادا جازما
، وأيقن يقينا منقطعا ، أنه إنسان حقيقة له ذات معنوية ، لها إرادة
وتمييز واختيار مستمدة من الواحد القهار ، لها صفحة من الوجدان والتفكير
، والعقل والتدبير ، يستطيع خياله أن يسبح في جميع العوالم المحيطة
به ، فيجد أن المعنويات تشع في باطنه ، فيعجز تفكيره عن فهم حقيقة
نفسه ، ولكنه يشعر شعورا عميقا بالفطرة التي فطر عليها ، تفيض على
باطنه ووجدانه ، قال تعالى : (( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم
حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد )) سورة
فصلت آية 53 ويقول الحق سبحانه : (( وفي أنفسكم أفلا تبصرون )) سورة
الذاريات آية 21
إن لهذا الإنسان في الوجود رسالة ، وإن وراء هذه الحياة حياة أخرى
هي الغاية ، إليها المنتهى والمرجع والعقبى ، يجازى فيها المحسن بإحسانه
والمسئ بإساءته حتى لا يستوي الخبيث والطيب والبر والفاجر ، وهذا ما
تقتضيه الحكمة الإلهية ، والعدالة الربانية يقول الله سبحانه : ((
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل
للذين كفروا من النار ، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين
في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار )) سورة ص آية
28،27 إن الفطرة البشرية الأصيلة التي لا تجد سكينتها ولا تروي ظمأها
، إلا في الاهتداء إلى الله والإيمان به ، والإقبال عليه والالتجاء
إليه ، إنها الفطرة التي لم يملك مشركوا العرب في جاهليتهم أن ينكروها
رغم عبادتهم للأوثان والأصنام أن ينكروها مكابرة وعنادا يقول الله
سبحانه : (( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر
ليقولن الله )) سورة العنكبوت آية 61 القارئ الكريم : ـ قد يتراكم
على الفطرة صدأ الشبهات ، أو غبار الشهوات والنزوات ، وقد تنحرف وتتدنس
، وتلتوي وتتلوث ، بإتباع الظن أو اتباع الهوى ، أو التقليد الجاهل
أو الطاعة العمياء ، وقد يصاب الإنسان بداء الغرور والعجب أو التعالي
والكبر ، فيظن نفسه شيئا وليس له في الحياة ندا ، يقوم وحده ، ويستغني
عن الله ، بيد أن الفطرة الأصيلة تذبل ولا تموت وتكمن ولا تزول ، فإذا
أصاب الإنسان من شدائد الحياة وكوارثها ما لاقبل له بها ، ولا يد له
في دفعها فسرعان ما تزول القشرة السطحية ، وتبرز الفطرة العميقة الكامنة
، داعيا ربه منيبا إليه مقبلا عليه يقول الله تعالى : (( وإذا مسكم
الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه )) سورة الإسراء آية 67 . .
لقد أعلن القرآن الكريم ، أن هذا الدين هو الفطرة ألأصيلة والحنيفية
الواضحة المستقيمة (( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس
عليها )) سورة الروم آية 30 إن الفطرة والعقل لا يختلفان كما أنهما
لا يفترقان ، يقولان إن الناس لم يخلقوا من غير شئ ، ولم يخلقوا هم
أنفسهم ، ولم يخلقوا مما حولهم ، ذرة في الأرض أو في السماء يقول الله
تعالى : (( أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض
بل لا يوقنون )) سورة الطور الآيتان 63،35 من خالق لهذا الإنسان العجيب
، ولهذا الكون العريض ، إنه الخالق واسع العلم بالغ الحكمة ، نافذ
المشيئة عظيم القدرة يقول القرآن الكريم : (( ذلكم الله ربكم خالق
كل شئ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله
يجحدون ، الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن
صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ))
سورة غافر الآيتان2 63،6 إن الفطرة تقبل على الحق ، فإذا ما أقبلت
على الحق استراحت من تعبها ، وارتوت من ظمأها ، وأمنت من خوفها هناك
تحس بالهداية بعد الحيرة ، والاستقرار بعد التخبط ، والاطمئنان بعد
القلق ، ووجدان المنزل والأهل بعد طول الغربة والضرب في أرض التيه
قال تعالى (( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء
الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون * أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر
ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون
)) سورة النمل الآيتان 63،62 عن التفكر في آلاء الله له آثاره العظيمة
، ونتائجه الكريمة يرفع صاحبه إلى مقام أمين ، ويرد الضالين إلى سبيل
الهدى ويفتح لهم آفاق المعرفة بدين الحق ، يزيد المؤمنين إيمانا ثابتا
، ويقينا راسخا ، فهو يوقظ الفطرة في الإنسان ، فطرة الله التي فطر
الناس عليها وهداهم بقدرته إليها ، سئل أعرابي : كيف عرفت الله ؟ فقال
بفطرته : البعرة تدل على البعير ، وأثر السير يدل على المسير ، فكيف
بسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج أفلا يدل ذلك على
ألعلي الكبير ؟ . . . فمن أوجد الإنسان من عدم محض ، وخلقه من نطفة
وزينه بالعقل والتفكير ، وميزه عن سائر المخلوقات بحسن التدبير ، وخلقه
في أحسن تقويم ، ولولا مشيئته لبقي في ظلمة العدم ، ولم يكن شيئا مذكورا
: قال تعالى (( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا
* إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * ))
سورة الإنسان الآيتان 2،1 . . ومن خلق السماء وجعل فيها بروجا وزينها
للناظرين ، وأرسل الرياح لواقح فأنشأ منها السحب وأنزل منها الماء
وما أنتم له بخازنين : يقول الله تعالى : (( ولقد جعلنا في السماء
بروجا وزيناها للناظرين )) سورة الحجر الآية16 وقال تعالى : (( وأرسلنا
الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين
)) سورة الحجر آية 22 . ومن الذي جعل الأرض قرارا وفجرها عيونا وأنهارا
، وجعل لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين فتبارك الله رب العالمين
القارئ الكريم : ـ إن في أعماق كل إنسان أصواتا خفية ، ونداء آت إلهية
سرمدية وإيحاءات ربانية وأسئلة تلح عليه ، منتظرة الجواب ، الذي يذهب
به القلق وتطمئن به النفس ويأتي الجواب يدخل على النفس السكينة والقلب
الطمأنينة يقول الله سبحانه وتعالى : (( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا
وأنكم إلينا لا ترجعون )) سورة المؤمنون الآية 115 لقد خلق الله بني
آدم وفطرهم على معرفته وتوحيده ، وطبعهم على الاستعداد للإيمان والهدى
، فسجدت لهيبته الجبال ، واطمأنت بذكره القلوب ، وسبحت بحمده الأفواه
، ألا إنما هو الله الذي رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال وأجرى
المياه ، فالق الحب والنوى ، كاشف الضر والبلوى ، مخرج الحي من الميت
ومخرج الميت من الحي ومحيي الأرض بعد موتها : (( أمن خلق السماوات
والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان
لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون )) سورة النمل
الآية 60 لقد أخذ الله الإقراروالاعتراف من بني آدم وهم في أصلاب آباءهم
، بما أظهره سبحانه من آياته البينات وبما أبدعه في خلقه من دلائل
قدرته وعظم ربو بيته وتفرد وحدانيته ، .. أكد هذا العهد والميثاق إيقاظا
وتذكيرا ، فأشهد الخلائق على أنفسهم جملة وتفصيلا ، جاء هذا على لسان
الأنبياء والمرسلين وأفضل الخلق أجمعين حتى لا يكون حجة بالغفلة يقول
سبحانه : (( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على
أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا
عن هذا غافلين *، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من
بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون * وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون
)) سورة الأعراف الآيتان 174،172 إن الفطرة التي فطر الله الناس عليها
وهداهم بقدرته إليها ، هي ذلك الشعور الذاتي والفيض الرباني الذي ينبع
من أعماق النفس بان لهذا الوجود المحدود إلاها واحدا يدبر بمشيئته
، ويقدر فيه الأمور بحكمته . سئل رجل عن الله فقال لسائله : ـ ألم
تركب البحر ؟ فقال : نعم . قال : فهل حدث لك مرة أن هاجت بكم الريح
عاصفة ؟ قال : نعم قال : وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة ؟
قال : نعم : قال فهل خطر ببالك ، وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع
أن ينجيك قال : نعم قال الرجل فذلك هو الله ويشير إلى هذا المعنى قوله
تعالى : (( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين
بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان
وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه
لنكونن من الشاكرين )) سورة يونس آية 22 إن المحاورة العقلية تستنطق
الفطرة وتستلهم الفكرة وقد تكون سببا في طريق الهداية وسبيلا إلى النجاة
من شك الغواية جاء نفر إلى الأمام أبي حنيفة يناظرونه . قائلا لهم
؟ { أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم ؟ فقالوا له هات فقال : ما
تقولون في رجل يقول لكم : إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملؤة من
الأثقال وقد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة ، ورياح مختلفة ،
وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ، ولا متعهد يدفعها
. هل يجوز ذلك في العقل ؟ قالوا : هذا شئ لا يقبله العقل ، فقال أبو
حنيفة يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية
من غير متعهد ولا مجر فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها
وسعة أطرافها وتباين أ كنافها من غير صانع وحافظ ، فبكوا جميعا وقالوا
: صدقت } وسئل رجل عن معرفة الله فقال : { ورقة الفرصاد ( التوت )
طعمها * ولونها * وريحها * وطبعها * واحد عندكم ؟ قالوا نعم : قال
فتأكلها دودة القز فيخرج منها الإبر يسم * ويأكلها النحل فيخرج منها
العسل * والشاه فيخرج منها البعر * وتأكلها الظباء فينعقد في نوا فجها
المسك * فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد } فكل هذه
الأشياء تنبه الفطرة في الإنسان وتوقظ الشعور في الجنان لتعترف بمبدع
هذا الوجود إنه الله الواحد المعبود القارئ الكريم : ـ إن لكل صنعة
صانعا ، ولكل شئ في الوجود سببا ، ولكل أثر مؤثرا ، إنها الفطرة البشرية
الأصيلة التي لا تجد سكينتها إلا في الاهتداء إلى الله والإيمان به
، والالتجاء إليه
أعلى
وداع العام الهجرى
(وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن
أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) الفرقان آية 62 ، سبحانه وتعالى جعل
الشمس ضياء وجعل القمر نورا ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، تعالى
الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا . تمر الشهور بعد الشهور والأعوام
بعد الأعوام ونحن فى سبات غافلون ومهما عشنا فإلى الثمانين أو التسعين
، هب أن أحدنا عاش المائة أو المائتين فما أقصرها من مدة وما أقله
من عمر ، قيل لنوح عليه السلام وقد لبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين
عاما يدعوهم إلى الإيمان كيف رأيت هذه الدنيا قال : كبيت له بابان
دخلت من أحدهما وخرجت من الأخر ، فعلينا أن نتق الله تعالى ونعتبر
بما نرى ونسمع فإن الدنيا مرحلة نقطعها إلى الدار الآخرة وكل يوم يمر
بنا فإنه يبعدنا عن الدنيا ويقربنا من الآخرة فطوبى لعبد اغتنم أيامه
بما يقربه إلى الله تعالى وطوبى لعبد شغل لياليه بالطاعات واتعظ بمن
فات .
بعد أيام قليلة سيطوى سجل هذا العام ويختم عمله فهنيئا لمن أحسن فيه
واستقام وويل لمن أساء وارتكب الإجرام ، فهلم نتساءل عن هذا العام
كيف قضيناه ولنبحث فى كتاب أعمالنا كيف أمليناه فإن كان خيرا حمدنا
الله وشكرناه وإن كان شرا تبنا إلى الله واستغفرناه ، كم من شخص يتمنى
تمام شهره وهو يعلم أن ذلك ينقص من عمره ، وأنها مراحل يقطعها من سفره
، وصفحات يطويها من دفتره ، وخطوات يمشيها إلى قبره ، فهل يفرح بذلك
إلا من استعد للقدوم على ربه بامتثال أمره
القارئ الكريم: ألم تر هذه الشمس كل يوم تطلع وتغرب ففى طلوعها ثم
غروبها إيذان بأن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما هى طلوع ثم غروب
ألم تر هذه الأعوام تتجدد عاما بعد عام فنحن نودع عاما شهيدا علينا
ونستقبل عاما جديدا مقبلا إلينا فبماذا نودع العام الماضى ونستقبل
العام الجديد.
فليقف كل منا مع نفسه محاسبا ماذا أسلفت فى العام الماضى فإن كان خيرا
ازداد وإن كان غير ذلك أقلع وأناب فإنما تمحى السيئة بالحسنة قال صلى
الله تعالى عليه وسلم ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها ) ليحاسب كل منا
نفسه عن فرائض الإسلام وأدائها ، وعن حقوق العباد والتخلص منها ، وعن
أمواله التى جمعها من أين جاءت وكيف أنفقها.
أيها القراء الكرام ، كبارا وصغارا شيوخا وشبابا رجالا ونساءً ، حاسبوا
أنفسكم فأنتم اليوم أقدر على العلاج منكم غدا فإنكم لا تدرون ما
يأتى به الغد ، حاسبوها فى ختام عامكم وفى جميع أيامكم ، فإنها خزائنكم
التى تحفظ لكم أعمالكم وعما قريب تفتح لكم فترون ما أوتم فيها ، روى
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال ( أيها الناس إن لكم معالم
فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم إن المؤمن
بين مخافتين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع فيه وأجل قد بقى لا يدرى
ما الله قاض فيه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لأخرته ومن
الشبيبة قبل الهرم ومن الحياة قبل الموت ) وقال أبو بكر الصديق رضى
الله عنه فى خطبته ( إنكم تغدون وتروحون إلى أجل قد غاب عنكم علمه
فإن استطعتم أن لا يمضى هذا الأجل إلا وأنتم فى عمل صالح فافعلوا )
وقال عمرو بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فى خطبته ( أيها الناس حاسبوا
أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم وتأهبوا للعرض
الأكبر على الله تعالى ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) سورة الحاقة
آية 18
لنتذكر أيها القارئ الكريم بانقضاء العام انقضاء العمر ، وبسرعة مرور
الأيام قرب الموت ، وبتغير الأحوال زوال الدنيا وحلول الآخرة ، فكم
مولود ولد فى هذا العام ، وكم من حى مات فيه ، وكم استغنى فيه من فقير
، وافتقر فيه من عنى ، وكم عز فيه من ذليل ، وذل فيه من غنى ( قل اللهم
مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء
وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير * تولج الليل فى النهار
وتولج النهار فى الليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى وتزرق
من تشاء بغير حساب ) آل عمران 26 / 27
على كل مسلم أن يراجع نفسه على أى شيء يطوى صحائف هذا العام فلعله
لم يبقى من عمره إلا ساعات أو أيام فالموت يأتى فجأة لا يقف أمامه
شاب صحيح البدن معافى من الأمراض والهموم ولا ولد صغير ولا عروس يوم
عرسها ولا شيخ كبير ، فكم من صحيح مات لا من علة وكم من عليل عاش حينا
من الدهر وكم من عروس زينوها لزوجها وقد قُبضت روحهما ليلة القدر .
يقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ( اغتنم خمسا قبل خمس ، شبابك
قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك
قبل موتك ) هكذا أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم باغتنام هذه
الخمس قبل حلول أضدادها ، ففى الشباب قوة وعزيمة ، فإذا هرم الإنسان
وشاب ، ضعفت قوته وفترت عزيمته ، وفى الصحة نشاط ، فإذا مرض الإنسان
، قل نشاطه وضاقت نفسه وثقلت عليه الأعمال ، وفى الغنى راحة وفراغ
، فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب العيش لنفسه وعياله ، وفى الحياة
ميدان فسيح لصالح الأعمال ، فإذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث
صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له
فعلى المسلم أن يستقبل ما فات بالتوبة والاستغفار والإنابة ويستقبل
ما بقى بالعمل الصالح فإن الإقامة فى هذه الدنيا محدودة والأيام معدودة
والأعمال مشهودة
هذا والله أعلى وأعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
المهاجر الأمين صلى الله عليه وسلم
في ذكرى الهجرة النبوية : يضرب لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم أعظم الأمثلة في الأمانة في أبهى صورها . ومن أعظم
الصفات التي يتصف بها الأنبياء هي صفة الأمانة ,ولقد كان أهل مكة قبل
البعثة يصفون محمد بن عبد الله بالأمين وبالصادق , ومع هذا عندما أرسل
الله تعالى إليه جبريل بالرسالة , ونادى : يا أهل مكة إني رسول الله
إليكم , كان ردهم مخيباً للآمال فلقد رجعوا على أعقابهم ولم يصدًق
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فئة قليلة من الناس وكان أكثرهم
من الفقراء , واشتد إيذاء الكفار لمن آمن مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم , ومن هنا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى
الحبشة , ومن بعدها كانت الهجرة إلى المدينة المنورة , ولم يهاجر رسول
الله إلا بعد أن اشتد إيذاء الكفار له ولأصحابه , لقد بلغت عداوة أهل
مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغاً عظيماً جعله مكرهاً على
الهجرة من مكة في ظروف بالغة الصعوبة وكان لأهل مكة عنده يومها أمانات
, وقد يكون رد هذه الأمانات في هذه اللحظة فاضحاً لسره الذي أراد أن
يخرج للهجرة بدون أن يعلم بهذا أحدا من أهل مكة فيمنعوه , والحكمة
أن لا يشعر به أحداً : فماذا يصنع الهادي الأمين صلى الله عليه وسلم
في مثل هذه اللحظات العصيبة ؟ إذن هذه الأمانات لا ينبغي ردها في تلك
الظروف , ولكن كيف يترك مكة مهاجراً وعنده أمانات الناس وفي ردها خطر
, وفي تركها دون رد خيانة , ماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
لحل هذه المشكلة ؟ ولماذا هذا العناء وهو يتعامل مع أعداء لا مع أصدقاء
؟ هل يستحق الأمر كل هذا العناء ؟ نعم لأن الأمين لا يخون . يستوي
في ذلك أن تكون الأمانة لصديق أو عدو , هكذا الإسلام الذي جاء به رسول
الله صلى الله عليه وسلم . وبفضل الله تعالى , قد وجد رسول الله صلى
الله عليه وسلم للمشكلة الحل الأمثل , ألا وهو : أن يبقى علي بن أبي
طالب كرًم الله وجهه ليرد الأمانات لأصحابها مع أن أصحاب هذه الأمانات
هم أعداؤه الذين يمكرون به ويريدون قتله ويبيتون ليلتهم يحاصرون داره
بسيوفهم , وينتظرون خروجه في الصباح ليقتلوه ويفرقوا دمه في القبائل
, على نحو ما وسوس به الشيطان لهم , فسبحان الله العلي العظيم , هم
يريدون قتله , وهو صلى الله عليه وسلم , يفكر كيف يرد لهم أموالهم
فهل عرفت الدنيا شيئاً كهذا ؟ والمعروف أن الناس قد تعارفوا على أن
يستحلوا كل ما تصل إليه أيديهم مما يملكه أعدائهم , وهذا العرف أصبح
سائدا في تعامل الناس فيما بينهم , لكن يأتي رسول الله . الرحمة المرسلة
من الله رب العالمين كي يغرس في قلوبنا أن نحب الأمانة , ونؤديها لكل
من يأتمننا عليها , وإذا أردنا النجاة من عذاب الله يوم القيامة ,
فعلينا بأداء الأمانات لأصحابها مقتدين في ذلك برسول الله صلى الله
عليه وسلم , ونذكر هنا موقف الإمام علي كرم الله وجهه الذي يقدًم نفسه
ويضحًي بها , وهو في أشد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدم
على النوم في فراش الرسول ولم يخاف من الموت , ولم يهابه ولم يتراجع
كل هذا , حباً في رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأين نحن من هذه
الدروس المستفادة من الهجرة النبوية , إذا أردنا أن نحتفل بذكرى الهجرة
, فيجب أن يكون احتفالنا بقراءة السيرة النبوية , والحمد لله كتب السيرة
ما أكثرها , ولكننا أهملناها فعلينا بالرجوع إلى كتب السيرة , ونقرأ
عن أخلاق رسول الله , وعن الصحابة الكرام , وكيف أنهم تحملوا من أنواع
العذاب الكثير , ومع هذا لم يضعفوا أمام قوة المشركين , بل صبروا وصابروا
وتركوا الأهل والبلد والولد , وكل هذا في سبيل طاعة الله تعالى , وفي
سبيل نصر دين الله , إن من يتذكر موقف الصحابي الجليل أبو بكر الصدًيق
رضي الله عنه , عندما نتذكر مواقفه العظيمة من إنفاق المال وتسخير
كل أهل بيته في إنجاح مهمة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقف
الإنسان عاجزاً عن الكلام عن هذا الصحابي الكريم , فرضي الله عنه وأرضاه
وجزاه عن الإسلام خير الجزاء , ثم نتذكر موقف الصحابي الجليل الذي
ترك كل ما يملك من مال وتجارة وهاجر , إنه صهيب الرومي رضي الله تعالى
عنه , عندما وقف له أهل مكة قائلين له : لقد جئت إلى بلدنا صعلوكاً
لا تملك شيئاً وتريد أن تخرج ومعك كل هذا المال فترك لهم المال ولم
يفكر إلا في مصاحبة رسول الله أينما كان , فيقول له الرسول صلى الله
عليه وسلم ( ربح البيع يا صهيب ) إن الصحابة الكرام عرفوا قيمة الجنة
, فضحًوا من أجلها بالغالي والنفيس , فنجحوا ووصلوا إلى جنة الخلد
. ونحن في هذه الذكرى العطرة ذكرى الهجرة النبوية علينا أن نرجع لسيرة
المصطفى صلى الله عليه وسلم ونعيش معها ونحاول أن نعرض أنفسنا على
كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن وجدنا خيراً فلنحمد الله
تعالى على ذلك , وإن وجدنا غير ذلك , فلنرجع إلى الله تعالى وهو يتوب
على من تاب , ويغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم . نسأل الله
تعالى : أن يرزقنا قبل الموت توبة , وعند الموت شهادة إنه على كل شيء
قدير .
إبراهيم السيد العربي
أعلى
|