برعاية (الوطن)
افتتاح معرض (عمان الأصالة) للتشكيلي بدر العتبي
بدبد ـ الوطن:افتتح صباح امس معرض (عمان
الأصالة) للفنان التشكيلي بدر العتبي وذلك بمقر نادي فنجاء بولاية
بدبد وافتتح المعرض الذي ترعاه (الوطن) يوسف بن علي الحوسني
مدير عام المديرية العامة للتربية والتعليم بالمنطقة الداخلية.
في بداية الحفل قام راعي المناسبة بقص شريط افتتاح المعرض تجول
بعدها والحضور في اروقة المعرض مستمعين لشرح مفصل من الفنان
بدر العتبي حول لوحاته التي حملت في مجملها بصمة المدرسة الواقعية
وتناولت العديد من المعالم التراثية والسياحية في السلطنة موثقةً
بالريشة.
المعرض اشتمل على 37 لوحة نفذت بأساليب وخامات مختلفة مثل الالوان
الزيتية والوان الفحم والحرق على الخشب والتشكيل بخامات البيئة
اضافة الى الكولاج.
من جهته يوضح بدر العتبي ان اختيار (عمان الأصالة) اسماً لمعرضه
جاء من منطلق اهتمامه بتوثيق الجمال البيئي العماني الذي تزخر
به السلطنة كما ان المعرض جاء كمشاركة من بدر في فعاليات مسقط
عاصمة للثقافة العربية.
واضاف: حاولت في المعرض ان تظهر فرشاتي والواني بعضا من جمال
السلطنة ولقد جاءت كل اللوحات فكرتها من البيئة العمانية ولكن
بأساليب وخامات مختلفة في تقديم العمل حيث جسدت في لوحاتي القرى
القديمة والقلاع التي تظهر براعة الهندسة المعمارية العمانية
في ذلك الوقت كما تتحدث بعض اللوحات عن التاريخ البحري العماني.
والفنان بدر العتبي لديه العديد من المشاركات منها مشاركته في
المعرض التاسع للفن التشكيلي (ابداع واعد) ومعرض مهرجان خريف
صلالة ومعرض مسابقة المعلمين بالمنطقة الداخلية اضافة الى المشاركة
في جميع معارض مسابقة معلمي الفنون التشكيلية بالمنطقة الداخلية.
وبدر العتبي حاصل على مجموعة من الجوائز منها المركز الاول في
التصوير الزيتي لعام 2004/2005 والمركز الثالث في اعداد الوسائل
التعليمية والمركز الثاني للتصوير المائي لعام 200/2001.
أعلى
(صورة المسلم في ثقافة الغرب) ندوة بالرياض
الرياض ـ أ.ش.أ:
ينظم المكتب الثقافي بالسفارة المصرية لدى المملكة العربية السعودية
مساء غد الثلاثاء ندوة حول (صورة المسلم في الثقافات الغربية)
تتناول سبل تصحيح صورة الاسلام في الخارج وبناء جسور الثقة مع
الغرب على ضوء تداعيات نشر صور مسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام
في الصحف الأوروبية مؤخرا، وصرح الدكتور عاصم بركات المستشار
الثقافي بالسفارة المصرية بالسعودية بأن الندوة التي تعقد تحت
رعاية سفير مصر لدى المملكة العربية السعودية السفير محمد عبدالحميد
قاسم ستتناول الحقائق التاريخية المشوهة الخاصة بالاسلام وبالرسول
عليه الصلاة والسلام وسبل التصدي لها ونشر الصورة الحقيقية للاسلام
الداعية للتسامح ونبذ العنف والتعايش مع الاخرين واحترام المقدسات
والايمان بالرسل.
وقال الدكتور بركات انه سيتم عقب الندوة التي ستعقد بمقر المكتب
الثقافي المصري عقد لقاء بين ممثلي الجالية المصرية بالرياض
وأعضاء الوفد المصري المشارك في مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة
السعودي المنعقد حاليا، ويتحدث خلال الندوة الأستاذ الدكتور
محمد أبو ليلة رئيس قسم الدراسات الاسلامية والأدب الانكليزي
بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر.
يذكر أن الدكتور أبو ليلة ضمن الوفد المصري المشارك في الجنادرية
والذي يضم أساتذة جامعات ومفكرين وشعراء منهم محمد التهامي،
ويعتبر الدكتور أبو ليلة واحدا من أهم أساتذة الدعوة والخبراء
بمستقبل الاسلام في الخارج حيث رشحته وزارة الأوقاف المصرية
والأزهر الشريف للسفر لانكلترا ضمن قافلة لتصحيح صورة الاسلام
الخاطئة في الخارج فيما أثارت ردوده على المستشرقين كثيرا من
ردود الفعل حول القرآن الكريم والدفاع عن النبي عليه الصلاة
والسلام وله مؤلفات في هذا الصدد.
أعلى
بــغــداد ..
يوم بكت عين الرشيد ثانية (3 ـ 6)
وحدها الدموع تتواءم مع الكلمات.. وتهطل
كما المطر وهي تعرج على وصف المدينة.. وتأتي على بقايا شواهد
مازالت ماثلة في الذاكرة.. رغم محاولات محو الصورة وطمس ملامحها..
اكتب عن بغداد.. وما أدراني ما آلت إليه بعدي.. انا الذي حملت
حقيبتي ورحلت مع انبعاث الشرارة الاولى لحرب مستعرة.. تبتغي
انهاك الجسد الشامخ.. والصورة المتأنقة.. وشموخ الكبرياء وعنفوان
الرجال.. اكتب والقلب ينحت الكلمات ويضج بالسقم كما هي المآقي
تسح الوجع وتبكي عاصمة الرشيد وانهار الدم تنساب مع مياه دجلة
والفرات.
لم يكن ثمة شئ اصعب على المرء.. من ان يبلغ واقعا يفوق مستوى
تفكيره ويتجاوز الخيالات والظنون التي يحيكهما حوله.. كانت الطريق
بكل ما تحمله من مشاق ومتاعب.. لا تقارن باللحظة التي توقفت
السيارة فيها.. ورفضت كل محاولات التشغيل وادارة المحرك.. كانت
رائحة الاحتراق تنبعث لتجبرنا على رفع راية الاستسلام.. والخضوع
لمشيئتها وارادتها.. هذه الآلة التي غدت تتحكم فينا وتسيرنا
كيفما تشاء..
كنت في تلك اللحظة ارقب علامات الغضب والاستياء الكبيرين على
وجه صاحبي السائق.. كان ومايزال يقذف اللعنات والشتائم ويصب
جمّ غضبه في كل جهة تصادفه..
كنت صامتا.. ارثي لنفسي هذا المآل.. وانظر للساعة التي بدت تعلن
انتصاف النهار.. والشمس ترسل اشعتها الحارقة.. فاكتوي بلظاها
بعدما لفحتني برودة الليل.. كنت اذن اعايش تقلبات الطقس.. وتعاقب
برودة الليل وحرارة النهار.. وهذا الانتظار القاتل الذي يأكلني
ولا يبقي مني شيئا.. ما نفعني لو نطق هذا الرجل الاخرس إلا من
لعنات وشتائم.. انا الذي ركنت للصمت واعلنت استسلامي من البوح
والكلام..
كانت رائحة الاحتراق تختلط بأنفاس العرق ورائحة العتم الذي فاحت
به مقاعد السيارة.. والرجل يفتح غطاء المحرك.. ثم يعود الى مقعده
محاولا تشغيله.. يأتي ويروح.. يجلس ويقف.. ينظر للسماء.. يقلب
بصره في كل الجهات.. تمر سيارة.. فأخرى.. دون ان يشير إليها
طالبا المساعدة.. يجلس بقربي.. ولا يتكلم.. يستسلم للصمت.. ويقبع
في وحدته، مع وجودي بقربه.. ثم فجأة ينهض بعدما لمح سيارة اجرة
قادمة على ذات الطريق.. يشير إليها.. تقف غير بعيد.. يجري هرعا
نحوها.. يخاطب سائقها الذي ينزل بدوره.. يتبادلان الحديث.. يخرج
من جيبه ورقة صغيرة.. يعطيها للرجل.. المح في عينيه توصية عن
شئ ما.. قبل ان يأتي إلي.. وبصمته المألوف.. يفتح السيارة..
يحمل حقيبتي رافضا المساعدة.. يطلب مني ان اذهب في السيارة الثانية..
حيث سائقها يعرف الى اين سيوصلني.. ويعي ما عليه ان يفعل..
كنت ألمح الدمعة في عينيه على وداعي.. واقرأ الحزن على مفارقتي..
هذا الذي لم يعرفني برغم وجودنا معا لساعات طويلة.. وعزّ علي
فراقه.. طلبت منه مرافقتنا.. فقال انه سيذهب الى اقرب مدينة
يطلب ميكانيكي لمساعدته.. وقال: انه ربما يعود الى عمّان، حيث
يلتقي بمسافر آخر يقله الى بغداد.. ربما تكون الظروف التي ستجمعه
بهذا المسافر افضل من الذي سبقه..
كنت ألمس معاني العلاقة الانسانية التي يضج بها الرجل.. كان
من الصنف الذي يختلج المشاعر في ذاته.. ويكِن الاحاسيس في قلبه..
لم يكن يرفض الكلام.. لكن الألم في داخله كان اقوى من ان يباح
في مشاعر هكذا.. او ان يقال في مواضيع قد تلهيه عن امله.. كان
الرجل وهو ينفث قشر البذر.. انما ينفث النار المستعرة في قلبه..
تأكل احشاءه.. وتحطم كيانه.. يرتكن الى جبل من الاوجاع والاسقام..
وهي ليست بذي علاج مداوي يشفي جراحها.. هي مآسي متجددة يعيشها
ويناظرها كل يوم وكل ليلة.. مكتوب عليه ان يحمل وزر السياسة
واخطاءها وان يدفع ثمنها دون غيره من الناس..
كان يريد ان يقول عن حياته.. وعن مشاعره.. الشئ الكثير.. كان
يريد ان يتكلم.. ولكن في ماذا سيتكلم.. وعن ماذا يحكي.. ومن
ان يبدأ اوجاعه واسقامه..
كنت اناظره والسيارة تتحرك بي.. وهو في مكانه.. يتلقى حظه العاثر
الذي اوقعه في هذا المكان.. هذا الذي لم يبتسم له قط.. كان امتداد
الشارع.. وكأنما يوحي له بامتداد الحياة.. يظل المرء يسير ويمضي
ولا يدري اين يقوده هذه المسير.. وما النهاية المخبأة له.. والمصير
الذي يترقبه في نهاية الطريق..
في مكانه ذلك.. خيل لي ان يترصد قدرا ينتشله مما هو فيه.. اتراه
يسافر بفكره وخيالاته الى عائلته حيث اطفاله يترقبون عودته الليلة..
محملا بالابتسامة والدموع.. والحنين الى حضن الاب الدافئ.. والى
الامان بين ذراعيه.. بعيدا عن شبح المدافع واصوات الحرب.. والى
زوجته.. وهي تلقي خلفها اوجاع الحياة ومعاناتها.. تخفي الحزن..
لتبدو لزوجها ضاحكة مستبشرة.. تكتم مكابدات الحياة وتخبئ الكدر
والعذاب بين نبضات فؤادها..
كانت الدنانير القليلة التي سيحصل عليها.. والتي خالها الفرحة
المرتجاة.. والامل الموعود.. تطير هباء منثورا.. في اصلاح شيء
لم يخطر على باله.. ولم يعمل له حسبان.. كان الامل يخالجه في
شراء بسمة يرسمها على عائلته.. وهاهو يشتري دون ذلك مزيدا من
الحزن والعذاب..
كانت صورته البعيدة.. تتوارى شيئا فشيئا.. يتلاشى في دواليب
الحياة.. ويتماهى وكأنه كائنا لم يكن.. نفثـته الحياة كما نفث
هو قشر بذرة صغيرة لا يدري موضعها.. لكن القدر لن ينساه.. والحياة
بما ستحمله من آلام وافراح قادمة لن تغض الطرف عنه.. سيكون في
دوامتها.. ويجري معها كما الرياح تقذفه حيثما تشاء وساعة ما
تشاء..
- صبحت.
يأتيني الصوت الاجش للصاحب الجديد الذي سأحمل جسدي المتعب معه
الى بغداد.. هذه المرة كانت السيارة تمشي بسرعة اكبر.. ومقاعدها
تبدو احدث واجمل.. والذي بقربي مستعد لأي حديث.. انه ينتظر..
الومضة كيما يشتعل نطقا.. ويجول في مواطن الكلم..
نظرت إليه والصمت يغمرني.. وفمي لا يقوى على الحديث.. والكلمات
في جوفي بلا حروف.. كان يتكلم ويتحدث في كل شئ.. قال عن الحصار
وعن الذين كانوا سببا فيه الشئ الكثير.. وقال عن مأساته الشئ
الاكثر.. وراح يعدد معاناته ومكابداته في سبيل العيش.. كان يتحدث
والفخر يعتريه كلما ذكر مركبته هذه التي نحن عليها سائرون..
ورجوته في اعماقي ان يصمت.. ان يدعني لحالي.. فما شاهدته اكبر
من احتمالاتي.. كانت طريق بغداد بداية الصورة لرحلة لا اخال
انها ككل الرحلات وكل المشاهدات التي طافت والتي ستطوف بي..
كل الدروب تحمل اسقاما واوجاعا.. وتحفل بالمآسي والمصائب.. لكنها
لا ترتقي الى مصائب طريق بغداد.. واحزانها.. ولا يدرك المرء
حجم كل مصيبة الا اذا تعايش معها.. واقترب اكثر منها.. وكان
جزءا من تفاصيلها.. كان العراقيون يدفنون مصائبهم وآلامهم في
صدورهم.. ووحدهم يقاسون ضنكة العيش.. وقساوة الحياة.. تنظر في
وجوههم البشر والسعد.. قلوبهم تختزن الألم والبكاء.. وتخبئ المرارة
والعذاب..
واقتربنا من بغداد.. لاحت لي مزارعها وبساتينها من البعيد..
واكتحلت ابصاري بشواهدها.. وفي فؤادي طار قلبي المذبوح شوقا
ووجدا نحوها.. وهممت ان اقوم من موضعي.. او اطلب من سائقي ان
يقف بي.. كيما اقبل ثراها.. واسجد على ترابها.. كانت برغم الدمعة
المنساحة على جبينها.. تضج بالحسن والجمال.. وتحفل بالبهاء الذي
يطوقها من كل جهة..
كانت لبغداد ثيمة خاصة.. ومكانة روحية يستشعرها كل من ولج إليها
وعبر اسوارها.. ودلف بواباتها.. وجدتني استشعر كل ذلك.. واغوص
في بحر لا ساحل له.. اغرف من الحب الذي يكتنزني في تلك اللحظة..
وامضي في دروب العشق والهيام لمدينة صنعت التاريخ.. ودخلته من
اوسع ابوابه.. كانت حاضرة في كل صفحاته تكتب بدماء ابنائها سيرة
امة وتاريخ بطولات وامجادا خالدة.. وتصنع للاجيال القادمة نماذج
شخصيات فرضت ذاتها.. كلما اعاد التاريخ تقليب صفحاته ونبش سطورها..
كانت بغداد.. مدينة التاريخ.. والعلوم.. والاداب.. وكل الفنون
وثيمات التقدم والحضارة.. في بغداد انتفضت العلوم العربية والاسلامية..
وسطع نجم الادباء والشعراء والمكتشفين العرب.. وفي بغداد تلألأت
الحضارة العربية والاسلامية بانجازات ومكتشفات لا حصر لها..
وكانت حتى يومنا ذاك الذي دلفته متقدا بالحب ومشتعلا بالحنين
الذي يجرني إليها.. منارة عز ومجد يتشكل ويتضح جليا في كل ذرة
تراب تتطاير في سمائها او تسكن ارجاءها..
هي بغداد اذا.. الحنين الذي يقودني الى زمن الرشيد.. حينما كانت
الفتوحات والانتصارات العظيمة تتشكل لتبزغ ارض جديدة تشع بنور
الاسلام.. وضياء الدين الحنيف.. وكانت بغداد هي العاصمة والمركز
والمرجع لكل المدن والعواصم وحتى الامبراطوريات التي نكست اعلامها
امام شمس الاسلام ورايته الخفاقة.. وجدت قبلها وانقادت خاضعة
لمدينة الرشيد تأتمر بأمرها وتسير على خطاها وتتبع نهجها..
وادخل بغداد.. ليس كما يدخلها الفاتحون.. فانا اسير هواها..
ورهن عشقها.. ادخلها بدمعة تنحدر على عيني من هذه القطيعة التي
تحيطها.. والتناسي لدورها ومجدها.. من الموت المتربص بها من
كل جانب.. ومن الرصاصة التي تأهبت للاجهاز عليها.. واسدال ستارة
المنون عليها.. كانت مثلي تبكي دما مثخنا.. يلون مياه دجلة والفرات..
دما قانيا.. كما انساح ذات مرة واغرق عاصمة الرشيد من اقصاها
الى اقصاها تحت رحمة المغول وسيف هولاكو الذي لم يبق فيها روح
تبكي ارواحا مسفوحة.. ولم يذر عليها بقية حياة..
في فندق فلسطين.. وجدتني اضع حقائبي في غرفة صغيرة مشتركة..
يطل جزء منها على مياه دجلة وما خلفه من المزارع والحقول الخضراء..
ومراكب الصيد تبحث عن سمك النهر كيما يأكل الجائع وتنقضي حاجة
السائل..
لم اكن اعرف وانا احط رحلي في هذا الفندق ان ثمة تاريخ سأستعيده
فيه.. واجدني احن الى الحياة التي كان عليها.. لا ادري لماذا
فندق فلسطين من بين جميع الفنادق التي تحويها العاصمة بغداد
يدخل هذا الفندق التاريخ من اوسع ابوابه.. ليس باعتبار ما سيواجهه
من ضربات وهجمات على اصحاب الكلمة الحرة فحسب.. بل لما سيشهده
من تدنيس لاقدام المحتل ووطأة الغاصب الثقيلة على كاهله..
كان فندق فلسطين يرتفع عاليا ليناظر ساحة الفردوس من جهة وجسر
الجمهورية على نهر دجلة من الجهة الاخرى.. وعلى غير ذي بعيد
يتراءى جسر التحرير.. ليكون همزة وصل بين شرق بغداد وغربها..
وبين هذا الجسر وذاك.. بدت (العبارات النهرية) المتآكلة وهي
تجثم باكية على ضفاف دجلة.. تحكي قصة حزينة عن حالها ومآلها..
تتأهب لنقل المسافرين والعابرين من الكرخ الى الرصافة والعكس
بدنانير معدودة.. تمخر وهي تسح العبرات.. وتشق النهر بتثاقل
ما قست الايام.. وتعاقبت صروف الدهر وتقلباته عليها..
كان شارع السعدون ينتهي عند بداية الانعطاف نحو فندق فلسطين
وفي المنطقة ذاتها كان شارع ابو النواس حافلا بالمقاهي والاكشاك
الصغيرة.. ومن شارع الى شارع.. ومن منطقة الى اخرى.. تبرز اسماء
تعيدنا بزهو الى تاريخ تنتشئ ذاكرتنا فيه بالذين بلغوا عنان
السماء بادابهم وابداعاتهم.. وحفروا اسماءهم في جبين الامة فخرا
وعزا..
كانت بغداد مستيقظة ذلك اليوم كعادتها من الايام التي تلت الحصار..
واعقبت الموت البطئ.. كانت المركبات وهي تقطعها لاهثة نحو رزق
مكتوب لا تدري كينونته ومحله.. تطلق الروح وتعلن الاصرار على
الحياة مهما صعبت وقست.. ومهما تعذرت السبل وانقطعت الطرق..
يتجه الانسان العراقي الى سبيل آخر.. والى طريق اخرى كيما يحصل
قوته وقوت اسرته..
لم استغرب كثيرا حينما وجدت ان جميع المركبات التي تمر في الشارع
تصلح لأن تكون مركبات اجرة تقف للراكب دون ان يبحث عن اشارة
او علامة لها.. كان الاتفاق على الرسوم يتم سلفا.. ولا يتجاوز
في اقصى حدود العاصمة الثلاثة آلاف دينار عراقي.. ولتقريب المبلغ
اكثر.. فقد كان سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار في تلك
الفترة يساوي دولاراً واحداً لكل الفين وثمانمائة دينار.. بينما
كان سعر الصرف قبل الحصار وتبعات الغزو.. يصل الى ثلاثة دولارات
مقابل الدينار الواحد.. ولا يحتاج الامر الى حسابات ليتبين له
كيف انهار الاقتصاد العراقي.. وتأثر المواطن بتبعات الحصار..
وكيف انعكست نتائج هذا الانهيار الاقتصادي على معيشته.. بحيث
اصبح راتب الاستاذ الجامعي لا يكفي لسد احتياجات المعيشة الاساسية..
فكيف الحال بأولئك الذين لفهم الفقر.. واقعدتهم الحاجة حتى في
ايام العز والرخاء الاقتصادي؟؟..
في شارع السعدون مشيت حتى مبنى هيئة الرياضة والشباب.. حيث تلتقي
بعدئذ مجموعة من الطرق والشوارع في دائرة يرتفع وسطها صورة كبيرة
لبطل ام المعارك وصانع الامجاد.. كانت الصورة ذاتها تتكرر في
كل ركن وفي كل شارع امرق إليه.. اجدني فجأة دون موعد سابق مع
(السيد الرئيس القائد المجاهد).. بوضعيات وكيفيات مختلفة.. بذات
الاسماء والصفات.. وبنفس النعوت والنياشين.. هنا القائد الشجاع
يلوح باشارة النصر للجماهير الغفيرة التي تحيط به.. وهناك كان
الاب الرحيم يربت على رؤوس الاطفال.. ويرسم ابتساماته على الاجيال
الواعدة..
وفي هذه الصورة عربي يعتمر الغترة ويتوشح بندقيته.. متأهبا للدفاع
عن شرف الامة ومجدها.. يصون عزها وفخرها.. وفي كل هذا وذاك كانت
ايادي القائد الكريمة ترتفع وتحييّ كل من يمر عليه ويرمقه بنظرة
لا تعدو اكثر من تحية فخر وولاء.. والابتسامة قاسم مشترك في
كل الصور..
لم يكن الشارع في حاجة الى انتشار امني.. والى حماية من احد..
طالما اعين القائد المجاهد تحرسه.. ويرعاه مجسما ومصورا ليل
نهار دون ان يرفل له جفن او ينقاد الى غفوة وراحة يستكين إليها..
ورغم انني ابتعدت كثيرا عن ساحة الفردوس التي اعرف بها مكان
فندقي.. الا ان السيد الرئيس الذي وقف على اسطوانة خرسانية عالية..
كان يناظرني ويرعاني ويحرسني.. لم يغب عن عيني بتاتا.. ولذلك
كان امر الرجوع الى الساحة يسيرا..
في وسط الشارع كان ثمة تمثال صغير مغاير لتماثيل وصور القائد
المجاهد.. كان ينتصب على حياء في شارع السعدون.. كان التمثال
يصور رئيس الوزراء العراقي الاسبق عبد المحسن السعدون واقفا
بملابسه الكاملة معتمرا سدارته، يحمل بيده اليسرى مجموعة من
الاوراق، ويشير بيده اليمنى الى صدره.. وهو مصنوع من النحاس..
عبدالمحسن السعدون هذا هو احد شخصيات العراق.. الكريمة في حسبها
وكبريائها.. قائد سياسي ابدى براعة في الحكم وقدرة على المناورة..
تجسدت فيه المواقف الوطنية الشريفة حيث فضل الانتحار على المس
بكرامته الوطنية وهو على رأس قمة السلطة وفي منصب رفيع لا يضحي
به الا من كان بمواصفات وخلق السعدون..
كانت دلالة التمثال تشئ في وقوفه بالشموخ والاعتداد بالنفس..
فيما تدل الاوراق التي يحملها على صفحة اعماله وخطاباته.. وما
اليد اليمنى التي تمتد لتلامس صدره الا اشارة الى ما اكده في
رسالته الاخيرة لأبنه علي.. (انا الفدائي لوطني)..
وكشارع المتنبي كان السعدون رمزا لمعاني الثقافة والادب.. ففيه
تجتمع الكثير من المكتبات والمقاهي الادبية التي يرتادها كبار
الادباء والكتاب.. ويؤمها المثقفون والمبدعون.. ويجعلونها ملتقيات
وصالونات ادبية لمناقشة افكارهم وانتاجاتهم.. وطرح همومهم ومشاكلهم..
كان السعدون رمزا للحياة العراقية.. تجد على قارعته كل ما تتخيله
وتحتاجه من محلات ومتاجر.. كان من بدايته وحتى نهايته محاطا
بهذه المحلات من كل جانب.. على الشارع تشرف ثلاث دور للسينما..
وهناك العديد من محلات الصرافة.. والمطاعم والمحلات التي تبيع
كل شئ.. ومحلات الملابس والاثاث والكماليات والاجهزة الكهربائية
والالكترونية.. ومنافذ الاتصالات.. وبين كل خطوة واخرى تجد طفلا
او عجوزا يفترش الارض ليعرض بضاعته من المشروبات الغازية او
السكاكر والحلويات والسجائر والجوارب عله ينال دنانير معدودة
يعود بها فرحا الى اهله.. يسعفهم من فيق الحاجة والفقر المدقع
بهم..
لمحت عجوزا طاعنة في السن تعرض سكاكر وحلويات، كانت في مكانها
من الصباح حتى المساء.. لم تبارحه.. اقتربت منها وسألتها عن
حالها.. اجابتني بالحمد والشكر لله على ما اعطاها وابقاه لها..
حدثتني عن ابنائها.. وعن حياتهم.. كانت برغم ضنك العيش وقسوة
الحياة.. صامدة.. صابرة.. متـقدة بالايمان والعزم.. لم تشأ ان
تخرج الى الناس لتمد اياديها طلبا للعون والمساعدة.. كانت شامخة
العزيمة لا ترضى ان تحط من مقامها وكرامتها كيما ترتد ذليلة
خائبة.. اعطاها الناس او منعوها..
في جلوسها هذا كانت سيدة ذاتها ونفسها.. حتى وان رجعت دون ان
تبيع شيئا.. او تحصل على ما تطمح إليه من نقود يكفيها واولادها..
كانت هامتها عالية وكرامتها مصونة.. ونفسها شامخة لا ترتضي الهون
والخضوع..
على مقربة منها كان بضعة صبية لا يتجاوز اعمارهم العاشرة.. يبعون
كل شئ.. لكنهم ورغم حداثة سنهم لا تمتد اياديهم لطلب المساعدة
والعون واسترجاء المارة.. حتى لو كان ذلك باسم الدين والحالة
المأسوية التي يعيشونها.. لم ألحظ احدهم يتقدم نحوي ليروي لي
حياته الصعبة بعد موت معيلهم او مرض رب اسرتهم.. او حاجتهم للدواء
والعلاج.. ولم يقترب احد ليسألني لاسعفه للحصول على دواء او
غذاء.. هو في امس الحاجة إليه مني..
دخلت الى احد المصارف كيما استبدل العملة التي احملها بالعملة
العراقية.. اخرجت ورقة من فئة العشرين دولار.. اعطيتها للمصرفي..
تأملها تحت اشعة جهاز صغير.. ثم وضعها في درجه.. وراح يعد لي
من فئة الـ 250 دينارا عراقيا.. واحد.. اثنان.. عشرة.. مائة..
مائتان.. واعطاني رزمة كبيرة من الاوراق المالية.. عددتها فكانت
54 ألف دينار عراقي.. وضعها لي في كيس.. ثم خرجت من المصرف..
فيما كانت العيون تترصدني.. والكل يحيط بي..
للرحلة بقية الاسبوع القادم
جــال معالمها : خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com