
أطياف
طرائف أوروبية
الطنطنة الأوروبية حول حريات التعبير وتقديسها
وعدم السماح بأي طريقة من الطرق التعرض لها أو مساسها ، يبدو أن
بها ازدواجية غريبة ، وإن كانت غير خفية على أي أحد يملك أدنى درجات
الفهم والانتباه لما يحدث حوله ..
أقول هذا بعد أن بالغت وتجبرت اوروبا كلها في مسألة الحريات حين
جاءت مسالة الرسوم الكاريكاتورية الرديئة ، أخزى الله راسمها وناشرها
، واستغربت من ردود أفعالنا تجاه الأمر ، وان ما تم هي حرية تعبير
ولا تتدخل حكوماتها أو أي جهة في تلك المسألة التي ربما تصل لمرتبة
القدسية ، لا ادري ربما !
لو افترضنا جدلاً صحة تلك المزاعم ، وتفهمنا مواقفهم ، فما بالهم
ينفرون خفافاً وثقالاً لو أن أحداً مس أو شك في المحرقة اليهودية
.، وليس فقط في الواقعة بل حتى في الأرقام! ولعلكم سمعتم وقرأتم
ما بثته الوكالات ما حدث بالنمسا ، حيث قضت محكمة نمساوية بحبس المؤرخ
البريطاني ديفد إيرفينغ ثلاث سنوات، بعد إدانته بالتشكيك في أرقام
من قتلوا في المحرقة النازية لليهود إبان الحرب العالمية الثانية.
قد أقر إيرفينغ بذنبه أمام المحكمة، لكنه وصف مثوله أمام القضاء
ليحاكم عن رأي أبداه قبل ستة عشر عاما، بأنه أمر سخيف.. خبر آخر
عن رابطة الأوروبيين العرب التي تتخذ من هولندا مقرا لها قامت مؤخراً
بالرد على الرسوم الدنماركية التي أساءت إلى النبي الأكرم صلى الله
عليه وسلم بسلسلة من الرسومات الكاريكاتيرية في صحيفة تابعة لها
تعرضت للمحرقة ، حيث أدركت جيدا نقطة الضعف الأوروبية فهاجمت موضوع
المحارق النازية في ألمانيا بأسلوب كاريكاتيري مثير.
وجاء الرد اليهودي سريعاً ، حيث أحيلت المنظمة قبل عدة أيام إلى
القضاء الهولندي بتهمة (معاداة السامية)، وانبرت الأقلام الأوروبية
من كل حدب وصوب تطعن بهذا الكاريكاتير المجحف الظالم المثير للكراهية
بين الشعوب الآمنة ولم تنشر أي صحيفة أوروبية تلك الرسومات مخافة
الاتهام بمعاداة اليهودية وخشية المساءلة القانونية .. وأحسب أنه
ليس من داع لشرح وخوض بقية التفاصيل أو تبيان ما عليه اوروبا من
ازدواجية واضحة فاضحة في التعامل مع الغير ..
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى

أصداف
ما بعد أوهام القوة
بدأت مقالي هذا، بجملة تقول، لو كنت
مواطناً أميركياً، لكن سرعان ما توقفت، وشعرت بأن هذا الافتراض،
بمثابة إهانة ، لا يمكن أن أقبلها ، ولا يمكن أن ارتضي لنفسي أن
أكون ضمن هذا الحشد البشري ، الذي تعمل حكومته ليلاً ونهاراً لخلق
المزيد من الكراهية ضده بين مختلف شعوب الأرض.
مناسبة هذا الافتراض، الذي أشرت إليه، هو لأتوجه بسؤال بسيط إلى
قادة البيت الأبيض، عن هذا الارتباك وتلك الفوضى، التي تسود دوائرهم
وتسيطر على قراراتهم، خاصةً ما يتعلق بالحرب في العراق، فمن جانب،
تقول المعلومات الدقيقة، إن تكاليف الحرب الأميركية في العراق، وصلت
إلى أرقام فلكية، وقبل أن تكتمل السنة الثالثة، تتراوح هذه التكاليف
بين 250-300 مليار دولار. وقبل بداية سنة الحرب الرابعة، يطلب الرئيس
الأميركي جورج دبليو بوش مبلغاً قدره (73) مليار دولار، لتغطية نفقات
الحرب خلال عام 2006.
من هذه النقطة، يبدأ السؤال، الذي يُفَترضْ أن يبادر إلى طرحه المواطنون
الأميركيون، ومعهم لفيف من الذين باركوا الحرب على العراق، ومازالوا
يرون أنها تمثل انتقاله كبيرة في تأريخ البشرية، ويرفض هؤلاء التدقيق
في جميع زوايا المشهد المأساوية التي حلت بالولايات المتحدة ابتداءً
من ساحة الحرب في العراق مروراً بالساحة الدولية وصولاً إلى البيت
الأبيض والبنتاغون. والسؤال المطروح، يبحث عن إجابة شافية، تبين
الجدوى من التمسك بمواصلة البقاء في العراق، رغم هذا السيل المتواصل
من الخسائر البشرية والعسكرية والمعنوية.
هذا الإصرار الأميركي على المكابرة، يكشف عن الوجه الحقيقي، لما
يسمى بالإدارة الحديثة للدولة، وما يتشعب منها، من طروحات وفلسفات
تحاول أن تجد لها مكانة متقدمة في الفقه السياسي، إلا أن الأسئلة
البسيطة، التي يمكن طرحها أمام صناع القرار في الدولة التي تريد
فرض هيمنة مطلقة على العالم، لا يتمكن هؤلاء من الإجابة عليها بوضوح
وصراحة وصدق، لأنهم انغمسوا في أوهام غريبة عجيبة، فرضتها عليهم
أوهام القوة، والاحتمالات التي رسموها لمستقبل العالم، من خلال زاوية
الوهم الأميركي، دون الأخذ بالاعتبار إرادة الشعوب وتاريخها وإصرارها
على الوقوف بوجه مثل هكذا مشاريع ومخططات.
أسئلة قد يطرحها الكثير من الأميركيين، وقد يتحدث عنها مسؤولون،
لكن الهوة بين الواقع اليومي للإمبراطورية الأولى في العالم، وسفوح
الخير، الذي يرقبه الآخرون، تزداد وتتسع في كل يوم، والخاسر هو الذي
بدأ يجني الكراهية والحقد من الآخرين، لأن أصحاب القرار في بلاده
لا يفكرون ملياً بجميع الأشياء.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

نافذة من موسكو
مستقبل الملف النووي الإيراني
على مدار يومين جرت مباحثات بين الروس والإيرانيين
في العاصمة الروسية حول الملف النووي الإيراني ، وتحديدا حول العرض
الروسي بإنشاء شركة مشتركة لتخصيب اليورانيوم الإيراني على الأراضي
الروسية . واستمرت هذه المباحثات في يومها الأول ( 20/2) حوالي خمس
ساعات دون نتائج ملموسة . وفي اليوم الثاني يقال إن الوفد الإيراني
قطع المفاوضات وغادر العاصمة الروسية بعد أقل من ساعتين من بداية
مباحثاته مع الروس في وزارة الخارجية الروسية . واعتبر البعض أن
هذا التطور يعني فشل هذه المفاوضات أو على أقل تقدير يعكس عدم التوصل
إلى اتفاق . ويرى البعض الآخر أن النتيجة الرئيسية لجولة موسكو بين
الروس والإيرانيين تكمن فقط في الاتفاق على مواصلة المباحثات مستقبلا
. وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف اعتبر من السابق لأوانه الحكم
على النتائج ، مفضلا عدم استخدام تعبير الفشل أثناء تعليقه على مغادرة
الوفد الإيراني لموسكو بشكل مفاجئ . غير أن روسيا أعلنت على الفور
عن زيارة سيقوم بها مدير الوكالة الفدرالية الروسية للطاقة الذرية
سيرغي كيريينكو في الثالث والعشرين من هذا الشهر إلى طهران ولمدة
ثلاثة أيام لاستكمال المباحثات . ويبدو أن الهوة كبيرة بين موسكو
وطهران في ما يتعلق بالمقترح الروسي حيث تشير بعض المصادر إلى أن
إيران تضع مجموعة من الشروط للقبول بهذا المقترح . ومن أهم هذه الشروط
مشاركة الخبراء الإيرانيين في عملية التخصيب على الأراضي الروسية
، وتحديد فترة زمنية معينة لعمل الشركة المشتركة بشكل يسمح بنقل
عمليات التخصيب فيما بعد إلى إيران . كما أن طهران ، يبدو ، أنها
تصر على حقها في تخصيب اليورانيوم ومواصلة الأبحاث النووية وذلك
في الوقت الذي تطالبها فيه موسكو بالعودة إلى تجميد التخصيب ووقف
هذه الأبحاث .
من النقاط الخلافية الأخرى التي برزت أثناء مباحثات موسكو ـ حسب
البعض ـ رفض طهران مطلب روسيا باستئناف التفاوض مع الترويكا الأوروبية
وتفضيلها التفاوض مع هذه الدول ( فرنسا وألمانيا وبريطانيا ) كل
على حده . لا يشك أحد الآن في أن مباحثات موسكو اتسمت بالصعوبة الكبيرة
، كما أنه أصبح واضحا تماما أن الملف النووي الإيراني دخل في مأزق
لا يعرف أحد كيفية الخروج منه . فقد عول الجميع على دور موسكو في
إخراج هذا الملف من المأزق غير أن المباحثات الأخيرة أوضحت أن "الشريكين"
الروسي والإيراني لم يتمكنا من التوصل إلى لغة مشتركة بشأن العرض
الروسي . ويبقى الأمل ـ وهو غير كبير في الواقع ـ معلقا على المباحثات
التي سيجريها الوفد الروسي في العاصمة الإيرانية حيث إن نتائج هذه
المباحثات ستحدد في الغالب توجهات الوكالة الدولية للطاقة الذرية
أثناء اجتماع محافظيها في السادس من مارس المقبل .
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى

أقول لكم
سيدة الفوضى الخلاقة
قال الرجل : لأنني انسان منضبط ، أتخوف
كثيرا من الزيارة الحالية التي تقوم بها وزيرة الخارجية الأميركية
للمنطقة العربية .. اندهشت وقلت : وما السبب ؟ قال : سعيها المستمر
إلى احداث ما تسميه فوضى خلاقة ، قد يمتد ويضرب انضباطي في مقتل
! قلت ضاحكا : الوزيرة تتحدث عن فوضى دول وشعوب وليس أفرادا مثلك
! قال : لا ضمانة تحول دون امتداد فوضى كوندوليزا لتشمل الجميع مثل
اعصار كاسح ، لهذا فقد اتخذت عدة اجراءات وقائية يمكن أن تحدث بعض
التعمية على انضباطي ، وربما تمنحني لقب انسان فوضوي !
قلت : مثل ماذا ؟ قال : هجرت ملابسي التقليدية وأحرص الآن على ارتداء
الكاجوال والجينز والتي شيرت والكوتشي .. أما شعري فانني أصففه (كانيش)
مثل الخنافس ! قلت : هناك قصور في فهمك لفوضى الوزيرة ، هو الذي
دفعك إلى هذا السلوك المجنون ! صاح قائلا : بل أزعم أن رؤيتي هي
الصواب بعينه ، لهذا ، وامعانا في التعمية ، اجريت انتخابات عائلية
فازت فيها زوجتي برئاسة مجلس ادارة الأسرة .. حتى لا تسعى كوندي
إلى دمقرطة شؤوني الخاصة ، ولو بالكروز !
قلت : يارجل صل على النبي ، الوزيرة أتت - فقط - للتباحث مع المسئولين
في القضايا ذات الاهتمام المشترك ، وبالتأكيد ليس من ضمنها ما يدور
في دماغك الضارب ! اهتاج الرجل وقال بصوت زاعق : أنت لا تفهم شيئا
والوقاية دائما خير من العلاج ، لهذا سوف أنشر اعلانا في الصحف يؤكد
عدم سعيي لتخصيب اليورانيوم أو تبني أي أفكار ارهابية لمقاطعة البورغر
والكولا ،وعليك أن تفعل مثلي ! ضحكت وقلت : إذا قابلت الوزيرة ،
فسوف أمتدح أسنانها البيضاء الناصعة .. وساقيها الجميلتين !
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى
كلمة ونصف
الشركات العائلية وتحديات المستقبل
الشركات العائلية تشكل جزءاً رئيسياً من الاقتصاديات
العربية والخليجية على وجه الخصوص ، ومع تنامي هذه الاقتصاديات ،
وزيادة حجمها تزايد نمو بعض هذه الشركات ، في حين بقي البعض يراوح
مكانه ، وخاصة أن عوامل الانفتاح والعولمة ، قوضت الكثير من الشركات
العائلية وانتهت صلاحياتها ، وأزالت الحواجز التي تحتمي بها هذه
الشركات ، وخاصة بعد السماح بتعدد ملكية الوكالات التجارية ، وإلغاء
الوكالة الحصرية للشركة دون الأخرى ، والى غير ذلك من عوامل أسهمت
إلى التراجع من بعض الشركات العائلية .
كما ان عوامل المنافسة الواسعة في أسواق العالم ، ونمو العديد من
البدائل التي أسهمت في إيجاد العديد من السلع والبضائع والخدمات
البديلة ، وذات الجودة العالية ، والقيمة المخفضة والتي سهلت بدروها
في الحصول على بعض المتطلبات والخدمات بسهولة كبيرة ، لم تكن متوافرة
من قبل الآخر مما أسهم في تقويض إمكانيات هذه الشركات .
وبما أن الشركات العائلية وارتباطاتها بالاقتصاديات العربية والخليجية
أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هذه الاقتصاديات ، أصبح بحث استمراريتها
والحفاظ على ثرواتها ليست مسألة تخص هذه العائلات فقط ، وإنما أصبحت
مسئولية الدولة ، على اعتبار أن هذه الشركة أو تلك تعكس صورة الاقتصاد
، تطورها ونموها يشكل علامة من علامات النجاح ، والعكس صحيح بالطبع
.
وتحتضن الشركات العائلية المئات إن لم يكن الآلاف ، من العاملين
سواء من الدول ذاتها أو من الخارج ، وتدهورها أو انهيارها سيؤدي
بلا شك إلى تسريح هذه القوى العاملة ، وتداعيات ذلك اقتصاديا ومادياً
واجتماعياً ، على عدة أوجه ، ناهيك عن ارتباطات هذه الشركات ، بمجالات
عديدة كالتامين والضمانات ، لفترات غير محدودة منحت للمستهلكين والزبائن
وتكون.. تأثيراتها سلباً وايجابا قد تمتد للعديد من الجهات والعملاء
.
وقد برزت في الاونة الأخيرة قضايا عديدة في أروقة المحاكم في السنوات
الماضية ، تشير بوضوح إلى تصّدَع بعض الشركات العائلية ، ومنها على
سبيل المثال سحب الوكالات العالمية ، عن هذه الشركات ونشوب نزاعات
بينهما تتعلق بنجاح منتجاتها في أسواقنا ، وعوامل المنافسة وظهور
البدائل ، وعدم تمثيل الشركات العائلية للعلامات التجارية العالمية
، حسبما اتفق عليه أو إخلال بالاتفاقيات ، والالتزامات بين كل منهما
إلى غير ذلك من خلافات ، ناهيك عن خلافات بين الشركات نفسها.
وكل ذلك يشير إلى إن هناك دواعي كبيرة إلى البدء في تنظيم الشركات
العائلية ، خاصة في دول المجلس ، مع ظهور هذه المشكلات وغيرها ،
تتعلق بمسائل الورثة ، وتوزيع الثروة بين الأبناء والأقارب ، وما
ينتج عن ذلك من خلافات تهدد كيانات هذه الشركات .
مما يستوجب إعادة هيكلة هذه الشركات أو على الأقل الفاشل منها ،
وإقناع ملاكها بضرورة إصلاحها وتغيير ملكيتها ، مع احتفاظ هذه العائلات
بالجزء الأكبر من هذه الشركات ، وتطوير إدارتها على نحو يضمن ، تحقق
الاستمرارية ، وعلى هذه العائلات تفهم دواعي التغير ، والتطوير آخذين
في الاعتبار عوامل الانفتاح والعولمة والمنافسة في الاعتبار .
وقد حان الوقت لهذه العائلات استثمار جزء من هذه الثروات في مجالات
استثمارية أخرى البلدان الخليجية في حاجة لها وذلك بهدف توسيع قاعدة
هذه الشركات من جانب ، ورفد الاستثمار في القطاعات الاقتصادية من
جانب آخر.
ونحن على يقين بأن ملاك الشركات العائلية ، يدركون حجم المخاطر التي
تحيق بمستقبل شركاتهم وضرورة إيجاد بدائل تسهم في الحد من انهيارها
وتدهورها .
علي بن راشد المطاعني
Ali.mantaani@omantel.co.om
أعلى

باختصار
المنطقة على إيقاعات متحركة
لا تتحرك وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس بمعزل عن وصول
وزير الخارجية البريطاني جاك سترو الى العراق ، لكن الوزيرين لا
يتحركان ايضا بمعزل عن تعيين اسماعيل هنية تأليف الوزارة الفلسطينية
المقبلة. صحيح ان هم رايس كما تقول هو الملف النووي الايراني لكنها
لا تنسى توقيع كلامها على الوضع اللبناني السوري وعلى تسلم حماس
السلطة وعلى قضية الاصلاح في مصر .... ليس من عادة الاميركيين الاهتمام
بالمفرد بل بالجملة ، والكلام القليل الذي يقال تتطاير جمله فوق
مساحة المنطقة. انها حزمة واحدة حسبما يرى الاميركيون والواجب ان
تصاب الاهداف بالجملة ايضا.
لم تجمع الصدفة وحدها جاك سترو برايس في هذا التوقيت الدقيق من عمر
العراق وفلسطين ولبنان وسوريا وايران ومصر وغيرها من الملفات الصامتة.
لا يغني كل على هواه وليلاه لان التنسيق الاميركي البريطاني في ذروته
وخصوصا في المسألة العراقية التي يراد لها ان تترجم وفق تصورات الاحداث
القادمة القائلة بان " لا احد يمكنه التدخل في الشؤون العراقية
" كما قال رئيس الجمهورية العراقية طالباني وكما اراد ان يسمعه
جاك سترو كي لا يعاتب طالباني مستقبلا على خطوات محايدة. لا حياد
في العراق خصوصا اذا ماعرفنا ان ما يجري هو تثمير لخطة انسحاب مزدوجة
من قبل الاميركيين والبريطانيين ولكن كيف؟
اما في فلسطين فلا تتنحى بريطانيا لكن التقليد الموسمي ان يكون لاميركا
حضورها الاساسي كي تنجلي بعدها مواقف اصدقائها. ويبدو ان هذا الكل
الذي يريد اعتماد اوراق فلسطينية يمارس ضغطه الاقصى على حماس كي
تصاب بالشلل قبل ان تبدأ خطواتها. فالجبهة الواحدة التي تضم اميركا
وبريطانيا واسرائيل بالدرجة الاولى وغيرها من دول مصابة بالصمت ذي
المعنى تريد الذهاب بعيدا في ممارسة "عدوانها" على حماس
كي تغير تلك الحركة من معتقداتها ومن برامجها واما ان يحصل ذلك عبر
الشارع الفلسطيني بعدما تكون النار قد كوته نتيجة ما سيلحق به من
مصائب اذا ما استمر في تأييد حركته المميزة حتى الآن في ادائها السياسي
وفي التعريف بنطاق عملها المقبل وبالاعتماد على قوتها الشعبية التي
مازالت تدين لها الولاء ، وقد تبقى كذلك في اصعب الظروف التي قد
تمر بها.
اما لبنان وسوريا فهي الشأن الذي له علاقة مباشرة بالوضعين الفلسطيني
والعراقي. لا يتكتم الاميركيون في هذه المسألة الحساسة لانها مصدر
اما انقضاض على سوريا واما ترتيب يفتح في المجال لتغيير الوضعين
اللبناني والسوري في آن معا. من لا يعرف تلك العلاقة بين الشأنين
العراقي والفلسطيني بالوضعين اللبناني والسوري لا يمكنه ان يقرأ
جيدا خلاصة ما قد تصل اليه المنطقة.
ليس صدفة اذن ان يلتقي كل من سترو ورايس في لحظة واحدة على اراض
ساخنة مترابطة المصير وان كان لكل منها ابجديته وخطابه . لقد اكثرت
رايس مثل سترو من التواجد في هذا الميدان المتحرك في كل مرة يتغير
فيه المشهد او تغير فيه قوى ذلك المشهد على اتلاف ما تم صنعه في
السابق . بقدر ما يتحرك الاميركيون والبريطانيون فانهم يريدون تصويب
حلفهم في مكانه المتحرك بعدما شهدت المنطقة حلفا آخر له معنوياته
واجندته ايضا . الواضح ان الصراع بين الحلفين مازال في بداياته لكنه
لن يتأخر ليكون عنوانا واضحا في اشتداده خلال الزمن المقبل.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

أرض ألف ليـلة وليـلة
غالباً ما تقرن مدن العراق وأرضه بحكايات (ألف
ليلة وليلة). ليس هذا بأمر غريب ، خاصة بالنسبة للعقل الغربي الذي
قرأ هذا الكنز من الأدب الفولكلوري بنهم منذ بدايات القرن الثامن
عشر، حيث اطلع لأول مرة على ألفاظ من نمط بغداد والبصرة، هارون الرشيد
والخليفة والأمير، الشاطر حسن وعلاء الدين، المصباح السحري وخاتم
سليمان. وقد ترسبت بقايا ذكريات كتاب (ألف ليلة وليلة)، المعروف
هناك باسم (الليالي العربية) The Arabian Nights، في قعر العقل الغربي،
كناية عن أرض يجوبها الجن "جنستان"، أرض يكون "كل
شيء فيها ممكناً". لذا تعامل العقل الغربي وهو يأتي إلى العراق
مع هذه الأرض ومع من يسكن عليها تحت أعباء انطباعات (الليالي العربية)،
حيث يتوقع الشاب الأميركي أو البريطاني القادم أن يلمح "بساط
الريح" في الجو بأية لحظة ، أو أن يقضي ليلة أسطورية على أكتاف
الجنائن المعلقة ، الأمر الذي جعل من "التطوع" للذهاب
إلى هذا الإقليم الزاخر بالغرائب والعجائب ظاهرة تستثير الملاحظة
في المجتمعات الغربية، خاصة بعد أن أتيحت مثل هذه الفرصة بعد دخول
القوات الأجنبية العراق عام 2003.
والحق، فإن الواقع العراقي لم يأت بغير المتوقع من "العجائبيات"
منذ الأيام الأولى عندما دخل الجنود الأميركان وسواهم من جنود وضباط
قوات التحالف القصور الرئاسية والبقاع التي كانت ممنوعة عن الشعب
العراقي، درجة أنك كنت تخشى أن تقود سيارتك على مقربة منها وتلقي
نظرة، من بعيد عليها ! الذي حدث هو شيء من هذا القبيل، حيث وجد الجنود
أنفسهم على حين غرة في قصور وبلاطات أسطورية وخرافية من ناحية ما
كان متاحا بدواخلها من أسباب اللهو والسعادة والحبور، من قاعات وشذروانات
وشلالات ومسابح وسواها مما لا يظفر به حتى أغنى أغنياء العالم، زيادة
على الدهاليز السرية والزنزانات التحت/أرضية والسراديب والممرات
الملتوية الزاخرة بالعجيب. وقد تكرس هذا الانطباع لدى الجنود الأوائل
الذين دخلوا مدناً مثل بغداد وقصوراً مثل "قصور الشعب"،
كما أسميت في حينها، بعدما وجدوا كنوزاً، بالمعنى الحرفي للكلمة،
مخبأة في مخازن وحاويات وسيارات وأقفاص ومرائب، من بين أماكن أخرى.
هذه كانت كنوزا من النوع "الملموس"، حيث وجدت عشرات الآلاف
من السبائك الذهبية المرتبة في صناديق، كما وجدت ملايين الرزم من
الدولارات المكدسة بعناية في حاويات لنقل المياه أو الوقود، ناهيك
عن المجوهرات واللقى والتحف التي جادت بها أنواع المتاحف، الخاصة
والعامة، التي أغرم ولاة الأمر بها وقتذاك.
هذا ما جعل هؤلاء الجنود الذين تطوعوا للذهاب إلى أرض ألف ليلة وليلة
يقولون إن "عصر المعجزات" لم ينته، وهم في غمرة الانتشاء
بعد أن كانوا لا يريدون أكثر من شيء من المال للزواج ولتأسيس عائلات
وبيوت لهم في المستقبل. وهكذا تم تمرير اللقى والنفائس عبر مختلف
القنوات كي تتكدس في المنازل والشقق التي تعود للثقاة من أقارب وأصدقاء
هؤلاء الجنود الذين، حسبما سمعنا، يقدمون الطلبات لتمديد مدد بقائهم
في هذا البلد، زيادة عما تناقلته الفضائيات عن جنود مصابين أو معاقين
يعودون بطلب الرجوع إلى العراق كدليل على "الوطنية"؛ بيد
أن حقيقة دافعية هؤلاء هو ليس الوطنية الخالصة، بقدر ما هو جزء من
حمى البحث عن المزيد من الكنوز والأموال التي كانت قد نُهبت من ثروات
الشعب العراقي طوال سنوات العهد السابق ثم خُبئت فيما ذكرنا من أماكن
قبل الحرب كي تقع بأيدي من لا يرحم ولا يخاف الله من الباحثين عن
الثروات وصيادي الكنوز.
ولأننا لا نريد أن نردد عبارة "عصر المعجزات" الذي لم
ينتهِ، كما يفضل هؤلاء تسمية هذا الزمان (بسبب دلالات لفظ المعجزة
الدينية)، إلاّ أن للمرء أن يدعي أن هذا هو فعلاً عصر العجائب، خاصة
في العراق بلاد ألف ليلة وليلة، حيث يكون كل شيء ممكناً.
وللمرء أن يسأل نفسه: ما الفرق بين الذي حدث في هذا البلد وبين حكايات
المصباح السحري أو الخاتم المسحور اللذين لا يتطلبان سوى الحك بأطراف
الأصابع كي يخرج "المارد" أو العفريت، ليعلن: " شبيك
لبيك، عبدك بين يديك" ! ليطلب بطل (ألف ليلة وليلة) الممالك
والإمبراطوريات والقصور المزدحمة بالحسان والمسابح المليئة بالعطور
والحليب ! وإذا كان هذا ضربا من الخيال الفولكلوري الشعبي، كما كنا
نعتقد عندما درسنا آثار (الليالي العربية) على الثقافة والعقل الغربي،
فإن الدلائل تشير إلى أن مثل هذه العجائب والغرائب ممكنة الحصول،
خاصة في موطنها الأصلي، بين البصرة والموصل، الكوفة وبغداد.
هذا ما أوحى لي به كتاب استذكارات السفير بول بريمر حول عمله في
العراق، حاكماً مطلقاً، عبر أربعة عشر شهراً. وللمرء أن يحاول، بشيء
من التخيل، أن يستحضر الحال: سفير أميركي يسكن واشنطن لا يتوقع أكثر
من تعيينه في سفارة لبلاده في باريس أو طوكيو، هذا الرجل يُستدعى
فجأة إلى البيت الأبيض لمقابلة الرئيس جورج بوش. ولكنه بعد هذه المقابلة
يخرج من البيت الأبيض حاملاً مفتاح دولة كبيرة كاملة بيده، كي يكون
فيها الإمبراطور المطلق الذي يفعل ما يشاء وما يتمنى، مع توفر الإمكانيات
والأدوات لتحقيق ذلك. هذا، بكل دقة، ما حدث لهذا الرجل الذي كان
مغموراً، بقدر تعلق الأمر بنا في العراق والشرق الأوسط: فمن الذي
سمع باسمه قبل ذلك ؟ بل إن اسمه بقي يتردد على شفاه العراقيين وأشقائهم
العرب بطرائق مختلفة وتلفظات خاطئة، كناية عن عدم المعرفة به: فتارة
كان يسمى "بريمار"، وتارة يسمى "برايمر"، وفي
حالة ثالثة ابتكر له فيها الظرفاء اسم "المستر قيمر"،
بمعنى قشطة الحليب، من باب الدعابة، وهكذا دواليك. هل كان يدور في
خلد هذا السفير الذي يصطف في طوابير الدبلوماسيين في وزارة الخارجية
الأميركية بانتظار صدور الأوامر بتعيينه في هذه العاصمة أو تلك،
أقول هل كان يدور في خلده إنه سيستلم دولة كبيرة، يخترقها نهران
عظيمان، ويقطنها خمسة وعشرون مليون إنسان، هم من أحفاد بابل وسومر
وآشور، ومن وارثي دولة الخلافة العلوية ثم العباسية، كي يكون حاكماً
مطلق اليدين عليها.
في معرض انطباعاته عن (ألف ليلة وليلة)، كتب واحد من اباء الأدب
الأميركي في القرن التاسع عشر، رالف والدو إمرسون Emerson، واصفاً
شرقنا العربي الإسلامي، يقول: "يغطس الغطاس في الماء، ليخرج
بثمن مملكة بيده"، كناية عن عجائبية هذا الشرق الذي لم يبارح
أجواء وعجائبيات ألف ليلة وليلة قط. لقد كان هذا هو الجذر الأساس
لطرائق تعامل الذهنية الغربية مع إقليمنا الذي يكون كل شيء فيه ممكناً.
لذا ليس من غير الممكن أن يأتي رجل أجنبي لم نسمع به سابقاً قط،
ليعلن أن ميزانية العراق كانت خاوية بمستوى الصفر، وإن الجيش العراقي
قد سُرح بالكامل أو إنه قد حل نفسه بنفسه، وإن لهذا الرجل أن يعين
من يراه مناسباً من المستشارين والأصدقاء من "ذوات الجنسيات
المتنوعة" على رؤوس الإدارة وتصريف الأمور. لذا فإن ذكرياته
المحبرة في الكتاب الجديد هي الدليل الإضافي على أن العراق لم يفارق
أجواء (ألف ليلة وليلة) وإن الخواتم السحرية والفوانيس المسكونة
بالعفاريت لم تزل دفينة في تراب هذه الأرض منذ أن أوحت ذات الأرض
بها لمؤلفي (الليالي العربية) المجهولين عبر القرون الوسطى.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
الخليج يَسأل .. ويُسأل
رياح العرب وسفن الهوّية .. والمصالح
تجري رياح العرب بما لا تشتهي سفن الأصول والهوية
والانتماء فالأجساد هنا ، والأرواح هناك ، وعلينا ألا نغتر أو نعتقد
في تلك الشعارات التي ترفع في المناسبات مؤكدة على مفهوم الأمة الواحدة
ذلك لأن كل المعطيات تؤكد على تنافر على المستوى الرسمي وصراع على
المستوى الشعبي ، رغم أن علاقات الشعوب أكبر وأهم من علاقات الحكام.
ولسنا هنا بصدد جلد الذات ، ولا تقييم الأفعال على الصعيد السياسي
، لأننا في الأولى مللنا ما قمنا به خلال السنوات الماضية وفي الحال
الثانية لم نقم بأفعال جامعة، وبالتالي لا يحق لنا تقييمها ، لذلك
سنركز على اتجاه رياح العرب، ما دامت تجري خارج الفضاء الإسلامي،
وإن تحركت في مجاله آملة في التغيير، ومراهنة على النتائج المتعلقة
بالغيب حينا وبالتسويف أحيانا أخرى, وهذه أصبحت أهم ملمح للذات العربية
في غدوها ورواحها بحثا عن سند أو معين، أو تعبيراً عن السخط، أو
تعويلا على الآخر لجهة إعادتها للمساهمة بما يتناسب مع مقدراتها.
رياح العرب ليست على اتجاه ٍ واحد، ومن الكثرة ما يجعلنا نعجز عن
متابعتها، وهي ذات صلة بالجغرافيا، أكثر من كونها ذات علاقة بالهوية،
فالريح في المشرق مختلفة عن تلك التي تهوي ببعض العلاقات البينية
في المغرب، وهذه أيضاً تختلف عن تلك الموجودة في الخليج، رغم الادعاء
من بعض الأطراف بالاتفاق على البدايات ، والتواصل إلى النهايات المشتركة
، فمثلاً تلك التي غدوها شهرا من طرف المشارقة باتجاه الغرب ، هي
ليست كذلك بالنسبة للمغاربة ، حيث قد يكون غدوها يوماً ، أما رواحها
فقد يكون عقودا على اعتبار أن التأثير الغربي واضح في عملية صنع
القرار.
وليست اتجاهات الرياح هي المختلفة فقط ، بل أيضاً سفن العرب بغض
النظر عن حمولتها إن كانت أصولا أو هوية ، أو بقايا شوق ٍ لأمة ٍ
، وحين تكون السفن مختلفة من حيث طبيعة الحمولة، وحتى لو كانت متفقة،
فإن النتيجة واحدة مادامت الرياح مضطربة.
والواقع أن هذا ليس شعورا فرديا ، تجلّت أهميته في التمييز بين الرياح
والسفن ، حيث زادت معاناة الأفراد ، رغم الخيرات التي تنتهي بنا
إلى اختيار نجد الشكر والإيمان عن أن نجد الجحود والكفر، ولكنه شعور
عام، بل إنه الحديث اليومي للشعوب، خصوصا بعد وضوح أهمية وجود الآخر
في حياتنا، انطلاقا من أن مقولة عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه
وسلم القائلة:" للبيت رب يحميه" لم تعد موجودة الآن، لأننا
في البداية تحمّلنا الأمانة، وادعينا الدّفاع عنها بعيدا عن دور
الرياح في حياتنا ، وما إن هبّت هذه الأخيرة ـ وكانت في البدء مجرد
نسمات ـ تراجعنا عن أدوارنا ، وانتهينا إلى تزيين أفعال الآخرين
، وتكبير وتهويل أعمال الشر عندنا محاولة من بعض أصحاب القرار لإحلال
النسيان والزيف، بدل التذكر والوعي.
للتدليل على قولي السابق، أسرد ما جاء على لسان سفير عربي ، حيث
قال لي في لحظة ودّ لم يراع فيها الجانب الرسمي : إن العلاقات بين
أي دولة عربية وأخرى غربية، أهم وأضمن من العلاقة بين تلك الدولة
العربية وأخرى من شقيقاتها، لأن المصالح مشتركة مع الغرب، وليست
مع الدول العربية، فلماذا إذن يكثر الحديث حول أهمية العلاقات البينية
العرببة ؟..واضح أن هذا بهدف الاستهلاك المحلي.
الطريق إلى القلوب إذن يمر عبر المصالح المشتركة، واتقاء شح الأنفس
يؤدي إلى الانتصار عليها، وما المصالح إلا قبول بالتعايش وتواضع
من أجل الحياة، وفي النهاية هي تثبيت للعلاقات من أجل أهداف مشتركة،
وكلما اقتربنا من أجل تحقيق تلك الأهداف نقص التوتر وقل الصراع،
وغاب الغل سواء ضد الذين يجاهدون من أجل أن تظل الأمة قائمة منتصرة،
أو نحو الذين سبقونا للإيمان.
لم يعد مطلوبا ـ كما هو في السابق ـ الترويج لمفهوم الأخوة خصوصا
بعد الردة عن مفهوم" القومية العربية"، كأننا بسبب الظروف
القاهرة لم نعد قوماً، إنما الأمر الأهم هو دعم القناعات القائلة
بضرورة التعاون من أجل أهداف مشتركة، وأتصور ـ مثل غيري ـ أن التعاون
الأهم في حياتنا يكون من أجل الدين، وهذا لم يعد ـ كما كان في الماضي
، القضية الجوهرية حيث انسحبنا إلى ظل ظليل، عندما أرقتنا شمس الآخرين،
وزلزلنا زلزالا شديدا، وتبعا لذلك وصل أعداؤنا إلى قناعة مفادها
: " إن هؤلاء يغدون إلى حرثهم ومزارعهم ومصانعهم وعقاراتهم،
وإلى تجارة لا يخشون كسادها" لكنهم لا يميلون ـ ميلاً فقط ـ
نحو فضاء الدين وجغرافية المقدس، وتاريخ الصالحين من أولي العزم.
قد يكون هذا الخطاب منا وإلينا لا يتجاوز الأعناق ولا يقطع الأرزاق،
ومع ذلك فهناك من يرفض سماعه، لما فيه ـ حسب قوله ـ من تعطيل للطاقات،
وسحبها إلى عالم الروحيات على حساب الماديات ، والمداخل هنا ما أكثرها
، من أهمها الرأي القائل أصحابه: لا يجوز تضييع وقتنا في الحديث
عن القيم ، في حين العالم الآخر يتقدم عبر الماديات للتحكم في القيم،
وعلى هذا النحو يبدو وعينا مزيفاً، ليس لكونه اختار مواجهة الرياح،
وإنما لأنه عند تلك المواجهة لم يقدر حدود القوة.
غير أن النظرة للمصالح مرتبطة بالإنجازات وبالحاجة إلى الآخرين،
لذلك يتساءل أهل الخليج : كيف لنا أن نغرق في التعاون مع الدول العربية
الأخرى وهي عاجزة عن تقديم شيء يذكر؟ وهل يمكن للمتخلف أن يساعد
متخلفاً مثله؟ وما هي الحدود الفاصلة بين التعاون والطمع؟ ولماذا
يعتبر التعاون مع الدول المتقدمة تبعية ؟ وهل في مقدورها أن تنكفئ
على نفسها؟ وماذا عن الدول التي عاشت العزلة لسنوات، واتخذت مواقف
ثورية، ثم تنازلت إلى مستوى الانبطاح؟
أسئلة الخليج تلك تعود بنا إلى فضاء المصالح الدولية الضيقة ، وكأنها
تؤكد على سياسة الابتعاد عن العرب بسبب الخوف منهم ، لذلك يتساءل
العرب بدورهم : أين تتجه رياح الدول العربية الغنية؟ وهل هي تدافع
عن مصيرها أم على ثرواتها ؟ وما هي آفاق التعاون المشترك بينها؟
وما هي حدود التعاون مع الآخر؟ وهل الأخوة مسألة مجردة أم لها تطبيقاتها
على أرض الواقع؟
جميع الأسئلة من الخليج وإليه لم تحدد اتجاه الرياح في المنطقة العربية،
ما لم يتم الحديث بصوت عال، وصادق، ومن منا اليوم على مستوى الدول
ظانا في أشقائه الخير؟ علينا الاعتراف بالخوف، لنتمكن من القضاء
عليه، وبذلك تعود الثقة عابرة طريقها المليء بالمتفجرات، لكن من
ينجو منا يكون على بينة ومن يهلك منا أثناء السير يكون أيضاً على
بيّنة ، وعندها لن تقلعنا الرياح، لأنها ليست عواصف، وهذا أمر, إن
أردنا الحسنى , يسيرٌ.
خالد عمر بن ققه
كاتب وصحفي جزائري
Benguega@hotmail.com
أعلى
"حماس" من حركة معارضة إلى حركة في قلب النظام السياسي
الفلسطيني
مع تكليف إسماعيل هنية، القيادي البارز في
حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بعد تسميته من قبل الحركة
، رئيساً لوزراء الحكومة الفلسطينية الجديدة ، تتحول "حماس"،
من حركة معارضة إلى حركة في قلب النظام السياسي الفلسطيني ، الأمر
الذي يترتب عليها متطلبات واستحقاقات جمة ، في مقدمتها التأقلم مع
البرامج السياسية لكل فصائل العمل الوطني الفلسطيني.
لذا يتوجب على "حماس" الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف واحترام
اتفاقيات السلام الموقعة مع الحكومة الإسرائيلية، وأن تعي أن انجازات
السلطة الوطنية والتزاماتها خلال الفترة الماضية ، هي مكاسب للشعب
الفلسطيني ولا ينبغي التفريط بها ، الأمر الذي يجعل موقفها في ضوء
هذا الوضع ، حرجاً وحساساً ، حيث يتوجب عليها أن تغير من مواقفها
وبرنامجها الانتخابي ، الذي أوصلها إلى السلطة وأن تأخذ منحى أكثر
واقعية في التعامل مع الأوضاع الإقليمية والدولية.
فمن المنطق أن "حماس" تواجه حالياً مشكلة كبرى ، ألا وهي
الاعتراف بإسرائيل ، فقد أمهلت اللجنة الرباعية الدولية ، "حماس"
مهلة من شهرين إلى ثلاثة أشهر لإعلان تخليها عن العنف والاعتراف
بإسرائيل ، إذا ما أرادت الإبقاء على المساعدات الدولية للسلطة الوطنية
والشعب الفلسطيني.
على الرغم من أهمية نجاح "حماس" في تشكيل الحكومة ، إلا
أن هذا النجاح يبقى ليس المهم، حيث إن الأهم هو نجاحها في تشكيل
حكومة موفقة في مهامها ، لا تقود الشعب الفلسطيني إلى طريق مسدود
، وذلك لن يتأتى إلا من خلال صياغة برنامج سياسي واجتماعي وأمني
ملموس ومتكامل وتفاوضي، يجب أن يؤدي إلى حلول سياسية، تعيد الحقوق
الوطنية للشعب الفلسطيني.
لذا فمن الطبيعي أن يتضمن برنامج "حماس" رؤية استراتيجية
وطنية تراعي الأوضاع الداخلية الفلسطينية والوضعين الإقليمي والدولي
، حتى يستطيع الشعب الفلسطيني الصمود أمام المخططات والمشاريع الإسرائيلية،
الهادفة إلى تكريس السيطرة على الأراضي الفلسطينية، من خلال الحلول
أحادية الجانب أو الانتقالية طويلة المدى ، والهادفة لشطب الحقوق
الوطنية الفلسطينية ، وعرقلة قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة
للحياة.
ولا شك أن "حماس" تعي أن حصولها على غالبية أعضاء المجلس
التشريعي ، ينبغي ألا يكون مبرراً لمزيد من العدوان ضد الشعب الفلسطيني
، ولا مادة لابتزازه ، ولذلك يتوقع من الحركة أن تشكل حكومة تواجه
التحديات ، وتؤدي مهامها بكل كفاءة واقتدار ، واحترام كافة الالتزامات
الموقعة مع إسرائيل، خاصةً وأن قادة "حماس" يدركون أن
تعامل الفلسطينيين مع إسرائيل ، لا غنى عنه بحكم أنها موجودة كأمر
واقع ، وأحياناً لا يستطيع أحد التصرف ولا الحراك من دون إذنها ،
مما يحتم على "حماس" إيجاد مخرج للعلاقة ، أو التفاوض
مع الإسرائيليين.
من المهم بمكان الإشارة ، إلى أنه في الوقت الذي يعتمد فيه النهج
التفاوضي كخيار سياسي ، فان ذلك سيفرض على الحكومة التي ستشكلها
"حماس" مواصلة تعزيز وتطوير أشكال المقاومة الشعبية ذات
الطابع السلمي ، والتمسك بالمبادرة العربية للسلام والاتفاقات والتفاهمات
الموقعة من أوسلو حتى خطة خارطة الطريق.
إلى جانب أن هناك ملفا شائكا ، يجب التعاطي معه بحذر شديد ، ألا
وهو الملف الأمني، حيث يتوجب على الحكومة الجديدة ، العمل بمقتضى
المصلحة الوطنية على إنهاء ظاهرة فوضى السلاح، فمن المعروف أن "حماس"
تتبنى بشان وقف العنف موقفاً براغماتيا، فهي تقترح من جهة هدنة طويلة
لمدة تراوح بين 10 و15 عاماً، ومن جهة أخرى، توحيد كافة فصائل المقاومة
والعمل الوطني الفلسطينية في كيان واحد، تحت مسمى جيش أو مسمى الفصائل
الموحدة للمقاومة.
كما يجب على الحكومة الجدية أن تدفع باتجاه أن يلتزم الجميع بحتمية
وجود سلاح واحد هو سلاح الشرعية ، والاستمرار في تفعيل وتقوية دور
منظمة التحرير الفلسطينية، كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني،
والتي تقود وتشرف على كل ما يتعلق بمصيره، بما في ذلك المفاوضات
مع الجانب الإسرائيلي.
إبراهيم عبد العزيز
كاتب وصحافي فلسطيني
أعلى

الزهو الإعلامي الفارغ
ماذا يمكن أن يحصل للمتلقي العربي لو أن وسائل
الإعلام وأخص هنا الفضائيات العربية المسيسه امتنعت عن استخدام مقبلات
الإثارة والتزم محررو أخبارها وبرامجها بما يمليه سطوة الواقع فحسب
بعيداً عن نزعة التهويل واستخدام (التوابل الإعلامية) المعروفة التي
أصبحت الوجبة الجاهزة للعديد من المحللين والمعلقين.
أغلب الاعتقاد أن قناعات الرأي العام ستتبدل وإن كانت بحاجة إلى
فترة نقاهة للوعي العام قد تطول تبعاً لطول عمليات الغسيل الإعلامي
الذي شهدته المنطقة العربية حتى تغيرت الصورة باتجاه جعل الإعلام
هو الصائغ الأساسي للأحداث وليس المتطلبات الأخرى التي يفرضها الواقع
بحكم التطورات التي تحصل، ولكن كيف لهذه الوسائل الإعلامية التي
أدمنت الإثارة أن تجد بدائل لها لإثبات قدرتها الاستباقية في أن
تكون شاهداً وناقلاً أميناً للأحداث، وكيف لها أن تتخلى عن نزعة
المنافسة التي أخذت تحكم توجهاتها على غرار المنافسة التجارية الخالصة.
إن ما يحكم الإعلام العربي في أغلبيته عدد من العقد الاعتبارية والمهنية،
وأول هذه العقد التي مازالت تشكل هاجساً لها هو اعتبارها الإعلام
الأميركي والغربي عموماً نموذجها الوحيد في قياس مدى تأثيرها واتساعها
، ويقيناً أن هذه العقد لا يمكن التخلص منها مهما ادعت تلك المؤسسات
الإعلامية العربية أنها صاحبة طريق خاص في التعامل مع الأحداث، ولا
أريد هنا أن أشير بعين التشخيص لبعض الفضائيات العربية ولكن تكفي
المقارنة مع فضائيات أميركية وأوروبية وكذلك مع إذاعات ووكالات الأنباء
لكي نتبين أنه لا توجد حتى الآن أية مؤسسات عربية ذات متنفسات عالمية
من دون أن تضع في اعتبارها مؤسسات إعلامية غربية للقياس بها.
إن هناك من يرد على هذا التشخيص بالقول إن للإعلام صفات مشتركة وحين
تكون هناك مؤسسة إعلامية معينة يمكن مقارنة توجهاتها بأخرى فإن ذلك
لا يعني التقليد أو (التناص) على وفق التشخيص الأدبي العام وهذا
الدفاع عن مواقفها لا يمثل في حقيقة الأمر واقعاً ينبغي الأخذ به
، ذلك لأن أي متتبع لما يحصل يستطيع أن يتلمس المزيد من عناوين التقليد
والتناص المتعمد.
وهناك من يدافع عن هذا الطرح بالقول إن التعامل مع المتلقي يتطلب
مثل هذا المنهج الإعلامي ذلك لأن الإنسان على كثرة ما يحاصر يومياً
بالمزيد من الأحداث والمتغيرات السريعة والمتلاحقة يظل بحاجة ماسة
إلى وجبة إعلامية لافته لتجديد وعيه بالمزيد من الأسئلة والإبقاء
على يقظته في هذا العالم الذي يحتاج إلى التعرية الذهنية اليومية
المتجددة لكي يكون قادراً على مواجهة الاستحقاقات الحياتية اليومية،
والحال أن هذا النوع من التبرير لا يستند على أية نظرية إعلامية
منطقية وإنما يستند على رؤية وكأن ما يجري لا يسوده المنطق، وعليه
لابد أن يتم التعامل معه بهذه الأدوات الإعلامية لكي يحصل الانتباه
اللازم إزاء ما يجري.
وأسوأ التبريرات في هذا الشأن ، القول إن ما تعيشه المنطقة من احتدامات
سياسية ومتغيرات ونزعة مفتوحة للعنف بالكثير من الأشكال المعهودة
وغير المعهودة يستدعي تعاملاً إعلامياً من هذا النوع القائم على
التواتر حيث لا يستقيم إيصال الأحداث إلا بذلك المنهج المتوتر عبر
الجملة الإعلامية المستخدمة خاصةً وأن الأحداث التي يعاني منها الإنسان
في البلاد العربية وصل تأثيرها إلى حد الطرق المفزع على الذهن، فكيف
ينجح إعلام يكون هادئاً يتوخى المنطق فحسب.
إن ضحايا الزهو الإعلامي الفاقع الذي تمارسه بعض الفضائيات العربية
هم في الغالب الأكثرية البشرية التي يدهشها كل جديد مع وجود عدم
قدرة مزمنة لديها في تصديق ما ينقل على أساس أن فضائيات بهذا القدر
من الإمكانيات الإعلامية لا يمكن أن تبتز الحقيقة والمتلقي على حد
سواء.
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى
تبني الصين لنظام السوق الحرة لا يثير الدهشة
قد يمثل التأييد السائد داخل الصين لنظام السوق
الحرة بشكل يفوق تأييد بعض الدول الأوروبية والآسيوية الأخرى لهذا
النظام بحسب المسح الذي أجرته مؤسسة غلوب سكان لاستطلاعات الرأي
مفاجأة لأي شخص زار الصين مؤخراً.
ويمثل التأييد السريع والحماسي للنظام الرأسمالي تناقضاً صارخاً
لمواقف الصين السابقة إبان فترة الحكم الشيوعي والذي كان يتميز بسلب
الثروات الطبيعية والعوائد الاقتصادية لمدينة شنغهاي الصناعية؛ حيث
كانت المدينة تنفق بسخاء على باقي المدن الصينية حتى عام 1949. وكانت
الكاتبة باميلا ياتسكو قد وصفت المدينة في كتابها الذي يحمل عنوان
" شنغهاي الجديدة .. النهضة الصعبة للمدينة الصينية الأسطورية"
بأنها "مدينة الأوائل في الصين" ، حيث شهدت المدينة أول
قطار كهربائي وأول بورصة للأوراق المالية وأول ملهى ليلي وأول استوديو
للإنتاج السينمائي. وذكرت ياتسكو في كتابها أن شنغهاي كانت أيضا
مدينة للتفوق والازدهار بمبانيها الشاهقة ومصارفها المتعددة ومصانعها
المنتشرة ومنتجاتها المتميزة وصحفها الحرة.
وقد انتهت كل هذه المظاهر عندما تسلم الشيوعيون السلطة، لأن أنظارهم
تحولت بسرعة الى مدنية شنغهاي وسعوا إلى إنهاء العمل بنظام السوق
الحرة واستخدموا موارد المدينة للمساعدة في تنمية المناطق الأخرى
في الصين.
ولهذا السبب، انتابت مشاعر الخوف والقلق عددا كبيرا من مواطني الصين
في عام 1997 عندما جاء موعد عودة هونغ كونغ للسيادة الصينية مرة
أخرى خوفاً من أن تتحول هونغ كونغ إلى نموذج مكرر من مدينة شنغهاي
إبان فترة الحكم الشيوعي. ومن حسن الحظ ، لم تتحقق هذه المخاوف،
وعاد عدد كبير من سكان هونغ كونغ الذين كانو قد تركوها وفروا بأموالهم
وأرصدتهم الى المقاطعة مرة أخرى.
وتبدو على مدينة شنغهاي في الوقت الحالي مظاهر التقدم الاقتصادي
والصناعي؛ حيث تفاخر المدينة بمكانتها ووضعيتها الاقتصادية الرائدة
ليس داخل الصين فحسب ولكن في قارة آسيا كلها. وقد أسهم التقدم الاقتصادي
والرخاء السريع الذي حققته المدنية في إذكاء روح المنافسة لدى بعض
المقاطعات والمدن الصينية الأخرى وخصوصا مقاطعة هونغ كونغ.
وكنت قد استمتعت بمحادثة مع تونغ تشي هوا الرئيس التنفيذي السابق
للمقاطعة منذ عدة سنوات وهو يصف شكل العلاقة بين هونغ كونغ وشنغهاي.
ووصف تونغ الذي ولد في شنغهاي الروابط القائمة بين المدينتين بأنها
تنافسية وتكميلية في مسيرة التقدم الاقتصادي. وقال إن الصين تحتاج
الى مزيد من المقاطعات والأقاليم المشابهة لشنغهاي وهونغ كونغ.
ويتعين على الصين التي لم تتبن النظام الرأسمالي كلية أن تدرك حجم
قوتها الاقتصادية الكاملة. وعندما يدار الاقتصاد الصيني في المستقبل
من خلال القطاع الخاص، سوف تتوسع وتبرز مكانة الصين العالمية بشكل
استثنائي. ومن المؤكد أن هذه الحقيقة باتت تسبب قلقاً للدول التي
تشعر بالخوف من المكانة المتنامية للصين في الأسواق العالمية. وقد
رأت هذه الدول كيف تمكنت الصين من التقدم والوصول إلى مرحلة لم تعد
تحتاج خلالها الى تنمية وتطوير بعض صناعاتها القديمة وذلك على الرغم
من تبنيها للإصلاحات الاقتصادية منذ فترة وجيزة جداً.
وقد برز الاقتصاد الصيني مؤخراً وتغلب على الضغوط المتزايدة التي
يتعرض لها من داخل وخارج الصين، والتي كان يمكن أن تسبب إرباكاً
كبيراً لو مورست على بعض الدول الأخرى. وأثبتت الصين كفاءتها في
التعامل مع عدد كبير من الكوارث والمشاكل الاقتصادية. وأتوقع أن
تتغلب الصين على المصاعب الاقتصادية المتوقعة في المستقبل وأن تستمر
معجزتها الاقتصادية في الظهور وأن يتغنى مزيد من الأصوات في الصين
بمزايا النظام الرأسمالي.
جون بيرشيا
كاتب أميركي حصل علي جائزة بوليتزر في مجال الكتابة الصحفية عام
2000 أثناء عمله بجريدة أورلاندو سينتينيل، أستاذ بجامعة سنترال
فلوريداً.
خدمة كيه. آر.تي خاص بـ(الوطن)
أعلى
هل سيتمكن وولفويتز من إصلاح البنك الدولي؟
بعد تسعة اشهر من توليه منصب رئيس البنك الدولي,
أثار بول وولفويتز زوبعة كبيرة بين فريق العمل. حيث انه من الواضح
ان المحافظين الجدد يسيطرون على الوضع داخل البنك والدليل على ذلك
ان وولفويتز لديه ضمن حاشيته أربعة من الجمهوريين المسيطرين بشكل
سافر على كل الأوضاع. ان جدول أعمال البنك الدولي يتم حاليا تشويهه
من قبل الرجل الذي اختاره بوش وهو وولفويتز. كان رئيس البنك الدولي
السابق جيمس ولفنسون قد صرح بنواياه انه سينظف تلك المؤسسة عندما
تولى المنصب عام 1995. لقد كان تولي وولفويتز للمنصب شيئا مجحفا
لأنه كما هو معلوم مهندس حرب العراق الأول.
وفي الوقت ذاته, خلال الأشهر الماضية كانت هناك بعض الإشارات إلى
الفساد. والآن بعدما بلغت الأمور منتهاها: فقد وجب التغيير وأصبح
لا مناص منه.
أولا لقد اعتاد البنك الدولي على أن يتجنب كل ذكر للفساد, معتقدا
انه يجب عليه الابتعاد عن السياسية. ولكن بكل أسف هذا درب من دروب
من العبث: لقد اخبر البنك المقترضين منذ زمن بعيد كيف يمكنهم هيكلة
ميزانيتهم , وهي مسألة سياسية بحتة والفساد لا يمكن فصله عن مهمة
تطوير البنك. ومع وصول ولفنسون بدأت الأمور تتغير. حيث رفض ولفنسون
"سرطان الفساد" الذي حدث عام 1996. وكبير الاقتصاديين
في البنك الحائز على جائزة نوبل جو ستيغليتز كان قد ألقى كلمات هاجم
فيها الفهم الاقتصادي الضيق للتنمية وأعلن مركزية السياسة.
لقد طور ولفنسون مؤشرات الفساد التي يشرف عليها البنك والتي تستخدمها
الحكومة الأميركية حاليا من اجل تحديد الدول التي تحتاج الى مساعدات
خارجية إضافية ولكنها للأسف استخدمت هذه المؤشرات في تدمير مشروعات
البنك. ولكن وحدة الفساد في البنك لم تكن فاعلة كما ان العاملين
بها لم يكونوا على قدر من الكفاءة. ولم ينتبه البنك لما قاله ولفنسون
عن السرطان المتفشي في البنك من حيث منع المنح عن المقترضين الفاسدين.
كما أن البنك قام بإقراض 800 مليون دولار للهند من اجل المشروعات
الصحية. وهذا يعد مبلغا ضخما والهند تعد واحدة من اكبر عملاء البنك.
حيث إنها تقترض كثيرا رغم سجلها الاقتصادي الجيد. ولكن السياسيين
الهنود يقال انهم يتحكمون في كل الأموال المخصصة لمشروعات الصحة
ولهذا أوقف وولفويتز القروض التي كانت تقدم لهم في الماضي.
على مدار التسعة أعوام المنصرمة، تمكن البنك الدولي من تسليط الضوء
على الفساد كاحدى قضايا التنمية، سواء داخل أو خارج البنك. وإبان
هذه الفترة، بات الفساد أحد الاعتبارات الحاسمة في عمل البنك الدولي
مع البلدان المتعاملة معه، وفي تحليله للقضايا الاقتصادية والاجتماعية،
وكذا في عملياته والمشروعات التي يدعمها. وانتقل البنك سريعاً من
تبني نهج متخصص وغير بارز تجاه حوادث الاحتيال والفساد في البلدان
الأعضاء ومشروعاته وبين العاملين فيه إلى لعب دور رائد بين بنوك
التنمية متعددة الأطراف في كافة المجالات الثلاثة.
يملك البنك الدولي استراتيجية شاملة ومتكاملة لمناهضة الفساد، كما
اتخذ خطوة علنيةً حيث يرى أن الفساد يعرقل تحقيق النمو وتخفيض أعداد
الفقراء. هذا وقد شكل البنك فريقاً من المحققين حقق في سرعة البرق
سجلاً متواصلاً من النجاح في كشف النقاب عن المتورطين في ممارسات
احتيال وفساد في مشروعات البنك.كما أن النهج الذي يتبناه البنك لمناهضة
الفساد يدعو إلى التحرك في أربع جبهات رئيسية هي تقديم المساعدة
للبلدان التي تطلب المساعدة في كبح الفساد؛واتخاذ مجهودات مناهضة
الفساد كبؤرة محورية في تحليلات البنك والقرارات التي يتخذها بشأن
إقراض بلد ما؛والإسهام في الجهود الدولية لمناهضة الفساد والكفاح
من أجل منع ارتكاب حوادث احتيال وفساد في المشروعات التي يمولها
البنك الدولي.
وعلى هذا النحو لابد من تنفيذ كل قرارات البنك
لكشف الفساد وإصلاح ما أفسده السابقون حتى تعود للبنك مصداقيته ودوره
كبنك دولي وليس كمؤسسة سياسية.
سباستيان مولابي
عضو صفحة الرأي بصحيفة واشنطن بوست
خدمة واشنطن بوست ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى