رسالة
حد الرؤيا:
عن مجموعة (حد الشوف) القصصية لسالم آل تويّه (1من 2)
في 1999 صدرت عن دار الانتشار العربي في
بيروت المجموعة القصصية الثانية للقاص العماني سالم آل تويّه
المعنونة (حد الشوف) حيث يحيل العنوان إلى أقصى ما يمكن أن يُرى،
وهو كذلك اسم مكان في قرية الدريز الواقعة في شمال الشرقية.
وكانت المجموعة القصصية الأولى لسالم آل تويّه، والموسومة (المطر
قبيل الشتاء)، قد صدرت في مسقط في 1994.
ولا يختلف اثنان من الكتّاب العمانيين وغير العمانيين الذين
أتيح لهم أن يقرأوا المجموعة على أن (حد الشوف) تشكل علامة متميزة
في مسار القصة العمانية القصيرة. غير أن هذه المجموعة لم يتم
التعرض النقدي لها شأنها في ذلك شأن مجموعات عمانية أخرى باستثناء
تغطيات إعلامية وخبرية محدودة داخل السلطنة وخارجها مثل التغطية
الإعلامية التي نشرت يوم السبت 6 يوليو 2001 لأمسية سالم آل
تويّه القصصية التي أقيمت في النادي الثقافي. وقد أسهمت في هذا
الغبن عوامل عدة منها أن دار النشر، التي كانت في بدايات عهدها،
لم توزع الكتاب بالصورة المطلوبة، ومنها أن الكتاب شابته أخطاء
طباعية وإخراجية غير قليلة أسهمت في قلة التوزيع.
ولدى صدور المجموعة أرسل سالم آل تويّه نسخة منها إلى عبدالله
حبيب الذي كان موجوداً حينها في الولايات المتحدة، فأرسل الثاني
إلى الأول رسالة تتعلق بهموم الكتابة عموماً وببعض النقاط الجوهرية
المتعلقة بالمجموعة خصوصاً، وقد ظلت تلك الرسالة شأناً شخصياً
طوال أكثر من ست سنوات.
غير أن ملحق (أشرعة) وبموافقة الكاتبين، قد ارتأى نشر تلك الرسالة
إسهاماً في رد الاعتبار لمجموعة قصصية عمانية هامة أُغمِط حقها،
واحتفاء بالحوار الثقافي الذي يقيمه الكتّاب العمانيون فيما
بينهم حول نتاجاتهم سواء في كتاباتهم المنشورة أو في وثائقهم
الشخصية. علماً بأن الكاتبين قد قاما بإجراء تعديلات تحريرية
طفيفة وحذوفات كثيرة لما ارتأيا أنه لا يعني القارئ في النسخة
المنشورة تالياً من الرسالة. وينشر (أشرعة) بقية الرسالة غداً.
أوستن، تكساس، في 9/6/1999م
يا سالم
ها أنا ـ من آخر الأرض أو من أول الهيولى ـ أرد على ندائك الذي
جاء ذات مرة مكسوراً مثل جبل جليد في يد عزرائيل من لندن الصمّاء
والبكماء لأقول لك ( يا سالم، أنا أناديك، فهل تسمعني؟)، ذلك
أني الليلة، في اللقاء الأكثر صدقاً، التلاقي الأكثر إيغالاً
في الصداقة، ذاك الذي أتاحته كتابتك، سمعتك واستمعت إليك بكل
جوارحي ومجروحاتي، وبكل خناجري المصوبة نحو قلبي، وقلوب من أحب،
وقلوب أعدائي، وكأن صوتك الأشبه بالاختلاجة الأخيرة لقتيل لا
يريد أحد أن يدعي مسؤولية قتله أو شرف حضور جنازته كان يتعتق
كل هذه المدة، من فترة كتابة رسالتك تلك حتى وصول مجموعتك القصصية
هذي. لقد كان صوتك يتعتق بالفعل؛ يصير قديماً إلى الحد الذي
لا يمكن معه إدراك عنصره، ويصير قديماً إلى الحد الذي تصبح فيه
قراءته شبيهة بمغامرة شرب قنينة قديمة هي كل ما أمكن إنقاذه
من مكابرات جبل منهار، مثل أية كتابة مسكرة، ومثل أية جنازة
باتجاه الشمس (لا تدفنوني في الظل، ادفنوني في الشمس).. هكذا
يقول أكتوني في أول أفلام بازوليني. لقد كان صوتك يذهب إلى مَبَالِغه
مثل أية رؤية نافذة، ومثل أية لعنة تحاول أن تبارك الملائكة.
لقد سمعتك، إذن، واستمعت إليك من أعلى هضبة في الأناضول إلى
أسفل (سْفْالة) في بلادنا التي نعيد خلقها بهكذا نصوص. ليس أمامنا
سوى كتابة النصوص، ونِعْمَ بها من وسيلة وغاية معاً، فلا تخفقنّ
يا عزيزي في تذكر رغد العبور على هذا الكوكب حين يحيق الإحباط
بك من كل ناحية، فأنت تكتب، وكثير غيرك لا يكتب، وكثير غيرك
يكتب من دون أن يكتب، وذلك لسبب بسيط هو أنه يكذب!
في هذه الليلة، وبسبب من قراءتي الأولى (والأولية) لمجموعتك
الجريحة الجارحة أجدني بلا حول ولا قوة أمام نواح الحنين ليس
(إلى) ولكن (من) و(لأجل) إقليم الشقاء الخصب، وأراني أنوّع على
فلاديمير نابوكوف في شيء مما كتبه في مرحلته الأميركية هكذا:
(ولكن في آخر الليل هناك دوماً سرير يطير إلى عُمان). أجدني
هائماً، أنا الواقع على نقطة الغروب في الأرض والظل والشمس،
بأقصى ما يمكن أن يطاله البصر، وتنكل به البصيرة، في المنطقة
الشرقية من عُماننا، تلك التي جعلتها أكثر إشراقاً. ومن هناك
أنهال مثل أثر أقدام البدو في ذاكرتك عبر تلال الرمال، وملاحات
الهجرة، وكذلك عبر رؤية المهاجر الذي سكب ما يكفي من دمع على
صحراء لا يغرق أوجاعها حتى الطوفان. إن الحنين الذي تتشظى به
نصوصك (والحنين هو أصل الأدب كله) كما يرى جان جينيه، هو ما
يدفعنا أيها العزيز إلى المغامرة حتى النهاية في الحياة، والحب،
والقراءة، والعناد، واللغة؛ وليس الحنين هو ما يعيدنا قسراً
إلى الفناء العامر الذي عنه ومنه نصدر، إذ انه ما دامت حياتنا
كلها قد حدثت بالمقلوب، وبالمقلوب تسير حكايتنا، فليس أقل من
أن تكون القلوب حنيننا المشرئب المنطلق مثل رصاصة ملعونة باتجاه
أحشاء آخر نجمة نائمة. هكذا نُسكت الهدأة ونهدأ معنا وعندها:
هكذا نبدأ في الحتف مثل خفقات قلب الزمن: تك، تك، تك، تــ...
إنني أشكر مجموعتك التي تجعلني أعتقد مجدداً أنه لا مهد ووهاد
لنا سوى الحنين العنيف هذا؛ الحنين الذي يتكسر في اللغة، وينكسر
بها؛ أعني تحقيق ذلك الحنين ـ بتكسيراته وانكساراته ـ في الكتابة
ما دامت عظامنا أكثر حناناً من ثدي حواء، وما دامت كل المؤشرات
والاحتمالات لا تفضي إلا إلى مزيد من الانفصال الملتصق بالأرض
وبالأرضيين، نحن الأرضيين الذين (يمدون قبورهم في السماء) حسب
باول سيلان. ها أنا أتكلم عن السماء لأتذكر أن إنجاز سقراط الأهم،
حسب أحد محاوريه، هو أنه (جلب الفلسفة من غيوم السماء إلى بيوت
الناس). ومع ذلك فإن بين ظهرانينا من لا يزال يدعو إلى فصل الأدب
عن الأرض وأعشابها وروائحها وحشراتها، وعن الأرضي فينا، نحن
أبناء هذا التراب المجيد ـ عن أعشابنا وروائحنا وحشراتنا؛ عن
الحياة واللهفة والعرق والجوع والشوق والمرض والموت وذلك من
أجل سموٍّ مُدّعى ودَعِي، كأولئك الذين حولوا السماء إلى بهيمة
في زرائبهم، أما نحن فليس لنا سوى البكاء في المأتم الأبدي،
وكأن السمو، كما هو حال كل من يريد أن يصعد، لا جذور له في الأرض،
وفي طاقة الأرض المخيفة. ألا تسقط الأشياء وتتهاوى من علٍ إن
لم تكن جذورها راسخة الأساس في الأرض؟ أليس هذا هو حال ملاحم
الإغريق والبابليين وأهرام المصريين وروايات الروس وفلسفة الألمان
وجبال العمانيين؟
أحب مجموعتك بصورة شخصية للغاية، وأحب كلامها، وأحب الكلام لها،
لكني ـ لو كان الأمر في مقدوري ـ لا أحب الكلام عنها. كنت أتمنى
لو كان في وسعي أن أرسل لك برقية تقول شيئاً من قبيل (وصلتني
مجموعتك. أحببتها كثيراً. شكراً)، إذ ثمة في حب النصوص ما لا
يطاله الانطباع، وثمة في حب النصوص ما لا يُقال.
مجموعتك تجعلني أتشبث مجدداً بالقسوة حين تثبت لي تلك القسوة
وجود حنان مستحيل في مكان ما، في قلب ما، في أرض ما، غائباً
مثل لؤلؤة لا تقدر بثمن، مؤمناً ـ أنا ـ بالعذاب، نافراً من
التعذيب: بمعنى أن كتابك لا يقدم وصفة فكرية يمكن للقارئ أن
يصرفها من عيادة الأفكار النقدية كي يزول عذاب الصداع والبحث.
العكس تماماً هو الصحيح، إذ أني أعتقد أن الصداع يبدأ من بداية
فكرة التخلي عن المجموعة والانكفاء إلى المسلخ العظيم إياه،
ذلك أن مرجعية كتابك لا توجد خارجه بل تكمن فيه ـ مرجعيته، وليس
طفولته أو ذاكرته. بيد أن هذه المرجعية، في الوقت نفسه، ليست
مقصورة إلا على من يقصر عن واجبات القراءة وحساسيتها. لا أريد
أن أسرف في هذه الثنائيات والمتقابلات من أجل قول كلام (جميل)
لكن لا معنى له. الأمر على العكس من ذلك تماماً، فمؤخراً صرت
أتشبث أكثر وأكثر بالمعنى. بلى، (المعنى)، هذه المفردة الكئيبة
التي ألحقت بها حركة الحداثة العربية ما ألحقت حتى أصبح من المخجل
لدينا أن يتحدث المرء عن (المعنى)، أليس كذلك؟!، ولهذا صار الكثيرون
يكتبون أشياء لا معنى لها، وأصبح الحديث يدور حول (الصورة الشعرية
المذهلة، الصادمة) إلخ مما شئت من صفات إنشائية مثل حديث الدراويش
وأهل الطريقة عن السماء! أشخاص لا يعرفون أصلاً شيئاً عن معنى
(المعنى) في الفلسفة، واللغة، والنقد، والحياة. وفي الملاحق
الثقافية مما أرسلت لي مشكوراً كثير مما يثبت ذلك، والحقيقة
أنني ألاحظ هذه الظاهرة لدينا ليس الآن فقط، بل منذ بداية الثمانينيات،
كأنه لم تحصل حروب وحروب منذ الحربين (العالميتين) وظهور الدادائية
والسوريالية! لا أدري لماذا اشمأزت الثقافة العربية، في تجلياتها
الأدبية تحديداً، من كلمة (معنى) إلى هذا الحد. أستطيع أن أفهم،
بل أتضامن مع ذلك بشدة ضمن ظرف إبداعي وتاريخي ومعين كما في
المعارك المبكرة التي خاضتها الحداثة، أما الآن، وبعد تغير وتطور
أشياء كثيرة على صعيد الفكر والحياة واللغة...؟!
لكن ثمة (معنى) أيها العزيز، وحين تكون الأشياء بلا معنى فليس
أقل من خلق معنى (من) و(لتلك) الفوضى. ألم يواجه المبدع اللامعنى
منذ بداية الخلق وبداية ملاحظة الخلل الفادح, ألا تلاحظ أن الموضة
الثقافية، التي هي اعتناق اللامعنى، مريحة أكثر من البحث عن
أي معنى، أو خلق معنى. إنه لأمْرٌ لا يتطلب كبير جهد. إنه لا
يتطلب أكثر من بضعة كؤوس وعلبة سجائر في شقة فارهة (طبعاً)،
حيث يستطيع أي ابن آدم من المتثاقفين أن يتحدث بوسع شدقيه عن
(اللامعنى) في كل شيء بعد أن تكون معدته قد هضمت (أو لم تهضم)
ما شاءت من اللحم والأرز وبضع عبارات جاهزة سمعها في مكان ما،
في سهرة باذخة أخرى على الأرجح؟ ليس ما يكشف عن المعنى سوى الحياة
نفسها التي انبثقت منها مجموعتك القصصية التي لها (معنى). إنه
المعنى القادم من طين الذاكرة؛ الطين الذي هو مادة الخلق فيما
يخص البشر، وفيما يخص النصوص أيضاً. ينبغي ـ حقاً ـ الكف عن
الصراخ البائس هذا، هذا الاجتراح الاغتصابي لـ(الغموض) بالشكل
الذي أصبح سائداً فيه أكثر من التوافر الفلكلوري للحلوى العمانية.
ها هو أحدهم يحاول اصطياد نبوءة صغيرة في بركة صغيرة، من باب
الهواية، ويفاخر في الصباح بأنه عثر على نوح وسفينته!. لهذا
ومثله سعادة الاكتشاف، ولنا البحر الهائج والسفن الغارقة والشاطئ
الغائب أبداً. إنني، إذن، أحب المعنى الذي تمنحنيه والعالم مجموعتُك.
من أسباب أخرى لمحبتي مجموعتك أنها تتيح لي قدراً كبيراً من
الغضب المؤسِّس (فأنا، شخصياً، أغضب كثيراً كما تعلم، لكن لأسباب
وجيهة فقط!)؛ إنه غضب ضد المقولات الجاهزة، أي المقولات التي
أصبحت، للأسف، أكثر جاهزية مما قبلها، ومما ادعت أنها جاءت لتنسفه
(والوقوف ضد المقولات الجاهزة) هو أول تعبير تبجحي ينطلي على
عقول وألسنة من أسميهم (تقليديي الحداثة)، حتى أصبح هذا (الوقوف)
نفسه مقولة جاهزة بدوره، وكأنما كان الأمر استبدال صنم بدِين،
أي الكف عن عبادة النخلة من أجل أكل التمثال التمري لدى الحاجة
المعديّة. إنني أغضب على نحو عميق للغاية لدى قراءة مجموعتك
ليس لأن الغضب هو ما تريد المجموعة أن تدفعني إليه دفعاً، ولكن
لأن الغضب هو ما خلقها، وبالتالي فإني ـ وأنا في فورة الغضب
ـ لا أستطيع سوى أن أبتسم سعيداً بحنق شديد على مجموعات أخرى.
مجموعتك غضب مفتوح ليس على الغضب لأجل ذاته، ولكن على من يريد
أن يغضب، إن كان فيه قدرة على الغضب، وإن كان قادراً على التماس
مع تاريخ الغضب، كي يحرق السهول والهضاب ضمن التضاريس التي ترسمها
المجموعة في رؤيا الغضب، فغضبك غضبٌ في النص، وليس غضباً مسقطاً
على النص. مرة أخرى، ليس القصد هنا إجراء مقابلات بلاغية مريحة،
بل التيقن، بالإشارة، من أن النص قد تعب من أجل تحقيقها. إنه
التعب الذي تشي به نصوصك، والمكابدة التي تفصح عنها، حتى يكاد
المرء أن يراك شفيفاً، شفيفاً، في كلماتك وأنت تقشّر الجدران
في لندن، أو تمشي حزيناً في جنازة في عُمان، أو تعاني مغبّة
حُبٍّ راح في كل الأرض، لكن صدى فقدانه لا يعود إلا ليسميك ويسمّمك
وحدك.
ما سيلي، إذن، هو مقاربة شخصية أو بعض انطباعات عن مجموعتك التي
تستحق بالتأكيد أكثر من قراءة، لكن عليك أن تعذرني (فأنا قد
صفحت عن نفسي وأرحت نفسي من الباقي مقدَماً!) لأني، في الوقت
الراهن، لا أتمكن مما هو أبعد من قراءة واحدة (بالمعنى الحرفي
للكلمة)، ذلك أنني صرت مثل نصل في قعر التشفي نظراً لابتعادي
الإجباري عن القراءات الأدبية بسبب متطلبات الدراسة. وقد صرت
ـ حرفياً، أقسم لك بكل عزيز ومقدس لديك ـ أشعر بحكّة كتل الصدأ
حين تتساقط على جدران الروح، وأقسم لك أيضاً أنني اسمعها بأذنيّ
هاتين اللتين أصبحتا أطول من أذني أفخم حمار في الباطنة، وأنا
أتوسل إليك أن تصدقني حين أقول لك إنني في هذه اللحظة قررت،
وبنزق شديد، أن أكمل بقية الرسالة حديثاً مريراً حول مغبّات
التجهيل الأدبي الذي يقترفه ظرفي الدراسي ضدي، غير أني تراجعت
عن القرار بُعيْد ارتكابه لأن الوقت لا يتسع لمزيد من الجرائم.
أريد، لذلك، أن أقرأ أدباً ما استطعت إلى ذلك سبيلا قبل مغادرتي
الوشيكة لهذه المدينة فقد أنجزت أطروحتي الدراسية للتو واللحظة.
لقد صار الكم يهمني في هذا الظرف العسير، إذ لم يعد مهمّاً لدي
أن أقرأ النصوص الأدبية بالتأني الذي تستحقه، بل باللهفة الدافقة
من عظامي للنصوص التي أحبها فيما أقرأ، وأكتفي بتبادل قبلات
دافئة وحنوناً معها، ثم أهرول بأقصى ما استطيع من سرعة من خيانة
إلى غيرها، لأنه لا وقت للنوم، ولا للوفاء، ولأن الحياة قصيرة
جداً، ومصادَرة جداً، ولأن الكتب الجيدة، ومنها كتابك، كثيرة
جداً أيضاً. ولست ناقداً أدبياً متخصصاً كما تعلم، بل قارئ يحاول
أن يكون شغوفاً في الوقت المتاح من الشغف من أجل المحافظة على
شيء من توازنه الداخلي، ولذلك فإني أبحث عما أستطيع من الشغف
كي لا تهدر بقية شغافي. هذا الكلام ينطوي على مفارقات لا أود
الالتفات لها كثيراً لأن مرارتها أقل من مرارة الصدأ. أطمح،
إذن، أن تشكل الملاحظات التالية مداخل لحوار قادم تواكبه قراءة
جديدة للمجموعة، فما أنا بصدده الآن هو إيراد بعض ما أعتقد،
وفقاً لحساسيتي الشخصية، أنه يشكل عناصر فرادة لمجموعتك في سياق
إنتاجنا الأدبي في عُمان، والتي أعتقد أن الذهاب في تطويرها
وتعقيدها في أعمالك القادمة سيسهم في تجذير فرادة صوتك. لذلك
فإني، كما أسلفت، لن أبخل على كلينا بالمزاجية والتفضيل الذاتي
للأشياء.
إني أرى إلى مجموعتك باعتبارها أول مجموعة قصصية تنتمي إلى الكتابة
الثانوية في الأدب العماني المعاصر. و(الأدب الثانوي Minor Literature)
أو (الأقلياتي)، ليس علينا أن نختلف كثيراً حول الترجمة الآن
هو المصطلح الذي قدمه الفيلسوفان الفرنسيان جيل دولوز وفليكس
غواتاري في كتابهما القيّم حول أعمال كافكا والمعنون (كافكا:
نحو نظرية للأدب الثانوي)، والكتاب هذا من أهم الدراسات التي
ترى في كافكا ـ من خلال عمله الأدبي ـ ناشطاً سياساً بعد أن
خلعت عليه القراءات الرومانسية، والوجودية، والعبثية، والعدمية،
إلخ ما خلعت (هو يظل كذلك وأكثر بالتأكيد ما دام ناشطاً سياسياً
في العمق الأعمق من كتابته)، ذلك أن دولوز وغواتاري يلتقطان
مسألة أن كافكا يهودي الديانة (أما صهيونيته فهي محل جدل كبير
كما تعلم، وليس ماكس برود هو المرجع النهائي في الموضوع)، ولغته
الأم هي اللغة الييدية التي هي من تنويعات اللغة العبرية، لكنه،
مع ذلك كان يكتب إبداعه الفذ باللغة الألمانية في تشيكوسلوفاكيا
السابقة (في براغ تحديداً) ذات الأكثرية الدينية المسيحية. ويأتي
تعريف دولوز وغواتاري للأدب الثانوي، من خلال قراءتهما الجديدة
لأعمال كافكا، منطبقاً على عملك، بمعنى أن كتابك يمثّل بشارة
أدب تركّبه مجموعة ثقافية معينة في جسد اللغة الرئيسة، أي العربية،
في المحيط الثقافي للكاتب والكتابة. إنك بذلك إنما تقتفي، بطريقة
ما، أثر السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان التي أتحفت العالم بالنص
النسوي العربي المبكر (مذكرات أميرة عربية) (آه لو يتم تحويل
تلك المذكرات إلى فيلم سينمائي!). أعتقد أنه آن الأوان أن نبدأ
في عُمان حواراً حول مثل هذه النقاط، ذلك أنه ما من مجتمع بشري
تتناغم هويتُه الثقافية بصورة كاملة ومطلقة، وها هي الدراسات
النقدية في غرب نهاية القرن العشرين تحفل بسؤال الهوية أيما
حفل، أما في أوطاننا فإننا نعيد في الثقافة انتاج إخفاقات الخطاب
القومي الستيني (يا عزيزي، حتى لو كان جمال عبدالناصر وميشيل
عفلق وغيرهما أحياء يرزقون اليوم لما وافقوا على ذلك!). وهكذا
فإن صدور مجموعتك في هذا السياق النظري الذي أقترحُ لَشجاعةٌ
لا بد من الانحناء أمامها، وخصوصية ينبغي عدم التواني في تطويرها.
حقاً، إن كل ما في كتابك يتصف بالشجاعة، وهي صفة لا يأبه لها
النقد الأدبي العربي المعاصر كثيراً للأسف الشديد!. إنه لمن
الغريب أن بعض زملاء الكتابة في عُمان لا يحملون (بل أكاد أقول
يخجلون من) خلفيتهم وذاكرتهم إلى (وفي) الكتابة الإبداعية. إنني
أعني هنا الذاكرة الشخصية، والمكانية، والثقافية، واللغوية،
والروحية، والحنينية، هذا في الوقت الذي أصبحت فيه الكتابة المغايرة
في مختلف أصقاع الأرض تتجه بالضبط إلى استكشاف الآبار المطمورة،
والأنهار المدفونة، بحثاً عن الأنساغ القديمة والجمرات الأولى.
أظن عموماً أن هذا الأمر لم يتم الانتباه إليه والتفكر بخصوصه
لدينا ربما بسبب من طغيان مقولات لا (معنى) لها، وحساسيات (إبداعية)
تستجيب بسذاجة لنعرات ومتطلبات الخطاب الثقافي السائد ليس فقط
في سائد سائده، بل حتى في تمرئياته التي تدعي أنها بديلة. إنه
الخطاب الذي يؤسس حضوره على وهم التجانس أكثر مما ترتهن تلك
الحساسية الإبداعية إلى مقتضيات البحث عن أقاليم التغاير والخصوصية
في التعبير والبوح والذاكرة والخلق. بهذا تنحاز الكتابة الإبداعية
لدينا ـ حتى في مناوشاتها الجريئة هنا وهناك ـ إلى ما (يمكن)
الكتابة عنه، وما هو مطروح بوصفه ملكية عامة، موليّة ظهرها لـ(المسكوت
عنه) بالمعنى الأعمق للتعبير الشائع، أي في الملكية الخاصة المصادَرة،
وفي الأمشاج والألوان المختلفة للناس، وحياتهم، وأشواقهم، وذاكرتهم،
وكأنما لم يخلق الله الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا وليكتبوا
نصوصاً يعبرون فيها عن ذاكرتهم. وبهذا فإني أرى إلى الحساسية
التي يقدمها كتابك ـ خاصة في نصوص مثل (رسالة من Pemba) و(أيام
حسينة الواقفة) والحضور الثانوي القوي في نصوص المجموعة التي
كتبتها أثناء وجودك في بريطانيا ـ باعتبارها مصدراً خصباً لإبداع
خاص، وإنني أثق في أن تجذرك في ذلك الاتجاه سيرفدك بمعين حيوي
لا يتوافر عليه غيرك. أود، إذاً، أن أهنئك وأن أشد على يديك
وذاكرتك وقلبك باتجاه تلك الأرض ـ باتجاه رماناتها اللائي لن
تكفيك واحدة منها فحسب.
*عبدالله حبيب
أعلى
(الخفقة التي
تخطاها قلبي) يحصد جوائز سيزار
باريس ـ رويترز: اكتسح فيلم الخفقة
التي تخطاها قلبي لجاك اوديار جوائز سيزار التي تعد ارفع جوائز
سينمائية في فرنسا فنال ثمانية جوائز من بينها افضل فيلم وافضل
مخرج، وواجه الفيلم الذي يدعو للتفكير تحديا من افلام مثل فيلم
المخرج النمساوي مايكل هانيكه الخبيئة وهو باللغة الفرنسية وعيد
ميلاد سعيد الذي يدور حول هدنة خاصة في عيد الميلاد خلال الحرب
العالمية الاولى بين الالمان والقوات الفرنسية، وقال اوديار
وهو يتلقى جائزة افضل فيلم ليكمل الفيلم اكتساحه لنحو نصف الجوائز
البالغ عددها 19 جائزة في حفل مبهر في باريس نقله التليفزيون
ان الامر يصير مربكا، ويتحدث الفيلم عن قصة محتال شاب يريد ان
يهرب من مصيره بأن يصبح عازف بيانو في الحفلات الموسيقية وان
يجد خلاصه في الموسيقى، وكان الفيلم الذي يعيد تقديم فيلم اصابع
للمخرج الاميركي جيمس توباك عام 1978 فاز بسلسلة من الجوائز
منها اختياره افضل فيلم لعام 2005 من قبل رابطة النقاد الفرنسيين
وافضل فيلم بلغة غير الانكليزية في جوائز الاكاديمية البريطانية
السينمائية، كما نال جائزة سيزار لافضل ممثلة جديدة وافضل مونتاج
وافضل قصة مقتبسة، ولم يرشح الفيلم لجائزة افضل فيلم بلغة اجنبية
هذا العام في جوائز الاكاديمية الاميركية، لكن فيلم عيد ميلاد
سعيد للمخرج كريستيان كارون رغم ذلك من بين المتنافسين على جوائز
الاوسكار، وفازت تانالي باي بجائزة افضل ممثلة لتجسيدها دور
شرطية مدمنة للكحول في فيلم الشابة الملازم اول، للمخرج شافيه
بيفوا، واختير ميشيل بوكيه افضل ممثل لتجسيده شخصية فرانسوا
ميتران في فيلم ميتران الاخير الذي يتناول السنوات الاخيرة للرئيس
الفرنسي الراحل، واختير فيلم المخرج كلينت ايستوود فتاة بمليون
دولار افضل فيلم اجنبي ونال الممثل البريطاني هوف جرانت جائزة
تقديرا للمشواره السينمائي.
أعلى
بغداد..
يوم بكت عين الرشيد ثانية (4 ـ 6)
وحدها الدموع تتواءم مع الكلمات.. وتهطل
كما المطر وهي تعرج على وصف المدينة.. وتأتي على بقايا شواهد
مازالت ماثلة في الذاكرة.. رغم محاولات محو الصورة وطمس ملامحها.
اكتب عن بغداد.. وما ادراني ما آلت إليه بعدي.. انا الذي حملت
حقيبتي ورحلت مع انبعاث الشرارة الاولى لحرب مستعرة.. تبتغي
انهاك الجسد الشامخ.. والصورة المتأنقة.. وشموخ الكبرياء وعنفوان
الرجال.. اكتب والقلب ينحت الكلمات ويضج بالسقم كما هي المآقي
تسح الوجع وتبكي عاصمة الرشيد وانهار الدم تنساب مع مياه دجلة
والفرات.
ومع الخوف الذي انتابني في تلك اللحظة.. حيث كانت العيون تترصدني..
وتحيط بي الجموع من كل مكان.. انا الذي يحمل في كيسه آلاف الدنانير
العراقية.. هذه التي يكدح المواطن هناك اياما حتى ينال بعضا
منها.. ويشقى ليله بنهاره كيما يوفر الجزء اليسير من النقود..
يعود بها لاسرته محملا بالابتسامة والرضا.. والامتثال لمشيئة
الخالق عز وجل حتى تنجلي الغمة وتزول الكربة.. مع كل ذلك.. إلا
ان اي شيء من الظنون التي ساورتني لم تحدث.. ووجدت الترحاب والبشاشة
من الجميع.. بل ان بعضهم تقدم إلي عارضا المساعدة دون ان يكون
له مقاصد ومآرب مادية.. كانت صورة العربي ذي الاخلاق الرفيعة
السامية.. مضرب الجود والكرم.. تتأتى في صورة العراقي.. ويجد
الجميع انفسهم رهن خدمة الضيف والقيام بواجباته.. كان العراقيون
في زمن الحصار يؤثرون الاخرين على انفسهم ولو كان بهم خصاصة..
يقدم الواحد منهم ضيفه على نفسه وابنائه.
ومن شارع السعدون الى شارع الرشيد.. كانت بغداد تضج بالحركة..
وتمارس طقوسها الاعتيادية.. تتغلب على الحصار وعلى الألم.. والعزلة..
بالصبر والعزيمة.. وبالقوة والارادة.. في مقهى صغير حمل اسم
كوكب الشرق ام كلثوم.. جلست وحيدا اتأمل المشهد العراقي.. واعاين
الحياة المصاحبة للاجساد الجالسة محاذاتي في المقهى.. والمارقة
سريعا.. وتلك المثقلة بتعب الايام.. كان شارع الرشيد مزدانا
بالاعمدة المبنية من الحجر الايطالي.. وفي الشارع ثمة حركة ونشاط..
كل يقوده رزقه الى حيث يدري ولا يدري.. وحدها كوكب الشرق من
يحرك الشجن في هذا المقهى.. ووحدها من تلهم الشعراء والادباء
الذين حلقوا مع الكلمات.. ينتشون باحلام ربما ستطول قبل ان تلامس
واقعهم.. كنت أخال والمقهى يحمل هذا الاسم.. والارتباط الوثيق
الذي كان بين كوكب الشرق وبغداد ان استمع الى رائعة بغداد يا
قلعة الأسود.. يا كعبة المجد والخلود.. يا جبهة الشمس للوجود..
واستمع الى بكائية الست وهي تصيح بغداد.. بغداد.. بغداد.. لكن
آمالي تلك لم تبارح بكائية الاطلال.. كان الجميع يترنم مع صوت
المذياع القديم المركون على طاولة يجلس خلفها صاحب المقهى..
وهو ذاته يشدو معهم.. يا فؤادي لا تسل أين الهوى.. كان صرحاً
من خيالٍ فهوى.. اسقني واشرب على أطلاله.. وارو عني طالما الدمع
روى.. كيف ذاك الحب أمسى خبراً.. وحديثاً من أحاديث الجوى..
اي حب هذا الذي غاب عن بغداد.. واندثر صرحه.. وما عاد غير خيال
وحديث من أحاديث الجوى.. ففي اللحظة التي تتولد فيها الروح يأتي
من يخنقها ويرسل الموت إليها.. كانت شوارع بغداد.. كما هي المدينة
تعكس صورة الناس.. وترسم غدا ربما يأتي بالاحلام التي توسدتها
المدينة هنا ذات ليلة..
شارع الرشيد وهو يعج بالمقاهي وجلسات الادباء والمثقفين.. وهو
ينبض بالحياة المتدفقة.. في الارواح المثخنة بالحصار.. وفي الافئدة
التي تنبض بالعزيمة والاصرار والتحدي.. وفي المآقي التي تغالب
دموعها لئلا تسقط فتظهر جراحها.. كان الرشيد كما هي شوارع بغداد
تشكل جزءا من الذاكرة التاريخية العراقية.. عايش الهم العراقي
ووجع الانسان منذ ازمنة بعيدة.. تغيرت الاسماء.. وتبدلت الصور..
لكن المعنى ظل على حاله.. والتطواف يقود الى ذات المنتهى.
جررت قدمي الى الشارع لاتبين بعض الملامح التي ما زالت تواصل
النبض.. قرأت لافتات تدل على معالم تسكنها في ذات المكان.. من
سوق الصفارين والشورجة الى مكتبة مكنزي والاورزدي باك وسينما
ريكس ومقهى المربعة ومصور بابل.. كانت الابنية تقاوم السقوط..
او انها تراقب الموت القادم إليها.. دون ان يدري من حولها..
ان ثمة حياة ستزهق في هذا المكان بعد سنوات لن يطول مداها..
وما عرفته اكثر عن شارع الرشيد.. كان كفيلا ليقدم لي صورة عن
الثقافة والآداب العراقية على مر العصور.. كانت قراءة وجيزة
للشارع تعطي خلاصة شاملة لدلالة الاهمية والقيمة التي يمثلها
ولا زال حتى ذاك اليوم الذي خطت قدماي في ارصفته.. حيث انطلقت
النهضة العراقية الثقافية من هذا الشارع.. وتفرعت منه الى الشوارع
القريبة ومنها الى المدينة والى ارجاء العراق قاطبة.. كيف لا
يكون ذلك.. وهو من ضم بين جنباته مقرات الصحف ومطابعها..
هذا الشارع جابه قبلي معظم شعراء العراق امثال بدر شاكر السياب
وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري ومحمد مهدي الجواهري، وكانوا
روادا دائمين لمقهى حسن عجمي الشهير الذي ظل هو الآخر محتفظا
بصفة مقهى الآداب حتى زمن قريب.
كانت رؤية مقهى حسن عجمي بحد ذاتها حياة لا يعادلها وصف.. ولا
تسرد الكلمات مشاعر القلب وهي تعانق تاريخ المقهى وحضوره في
المشهد العراقي لعقود طويلة.. كان قبلة الأدباء والمثقفين وملاذهم
لاطلاق روح القصيدة تحلق في سماوات الوطن.. تستنهض الهمم.. وتجدد
التذكار لحب منسي.. او شخوص كانت هنا ورحلت الى حياة اخرى.
امرق محاذاة المقهى.. وتتجدد في ذاتي قصيدة ابي فرات محمد مهدي
الجواهري الرائعة (اخي جعفر).. استعيد الكلمات وكأني ألمح الجماهير
الحاشدة وهي تندفع في سيل عرم مأخوذة بسحر القصيدة وبلاغتها
وتأثيرها.. تخرج من جامع الحيدرخانة لتطوف في شارع الرشيد غاضبة
منددة بالاحتلال.. أتعلم أم أنت لا تعلم.. بان جراح الضحايا
فمُ.. فم ليس كالمدعي قولةً.. وليس كآخر يسترحم.. يصيح على المدقعين
الجياع.. اريقوا دماءكم تُطعموا.. ويهتف بالنفر المهطعين.. أهينوا
لئامكم تُكرموا.. أتعلم أن جراح الشهيد.. تظل عن الثأر تستفهم..
أتعلم أن جراح الشهيد.. من الجوع تهضم ما تلهم.. تمص دماً ثم
تبغي دماً.. وتبقى تلح وتستطعم..
كان طيف القصيدة يحوم في المكان.. ولا يبارحها.. كان كل شخص
يسير على هذا الشارع يجد ذاته مدفوعا بقوة الكلمات.. ينتظر اللحظة
التي يصرخ فيها.. أتعلم أم أنت لا تعلم.. كان المكان يضج بالألم..
ولا يقوى على مقارعة جراح اخرى.. وهو من يبكي كل صباح ومساء
رحيل صوت او همس ابداعي انبثق بين جدران المقاهي المتراصة على
طول الشارع.. ويحن لنبضات حوار يحلق في سماوات الفكر.. ويكون
شاهدا على تعانق حبر الكلمات بسطور الصفحات.. ودماء القصيدة.
افقت على ذاتي.. حينما وجدت الشارع يغص بالحركة ويعج بالمارة..
يملأون تفاصيل الصورة.. ويرسمون افقا لحياة تتداخل فيها المعاني..
ويمتزج الواقع بمرارته.. والماضي بآلامه ومآسيه.. وترنو الافئدة
لمستقبل ينتشلها من ذلك كله..
كنت اجد الحزن والألم مكنونا في الصدور.. لا يبارحانها.. يمشون
على الارض ينثرون بسماتهم والجراح تثخن اجسادهم.. والعيون تنطق
ما تعجز عنه الالسن والاحاديث..
في سينما ريكس.. كان البعض يقف متأملا ما تعرضه من افلام سينمائية..
يتحسس الواحد منهم جيبه.. ثم يعيد حساباته.. وبعد برهة اجد بعضهم
يدلف الى الداخل.. فيما يواصل الاخرون طريقهم..
ودخلت السينما.. وفي قرارة ذاتي هدف تبيان كيف هي الحياة داخل
قاعة مسقوفة؟.. كانت العروض تتراوح بين فيلم تركي وآخر اسباني
وفيلم اميركي يعود الى حقبة الثمانينات.. عرفت ان الفيلم يصل
بغداد بعد سنوات من عرضه في دور السينما العالمية.. وغالبا ما
تكون النسخة المعروضة مقلدة.. او انها مهربة.. لكن ذلك لا يمنع
مراقبة وزارة الاعلام والثقافة الصارمة والحصول على موافقتها
كشرط لعرض الفيلم..
الجميل الذي وجدته في دور السينما هناك ان المتفرج يقطع تذكرة
واحدة.. يواصل من خلالها مشاهدة جميع الافلام المعروضة.. شرط
ان لا يخرج من دار العرض.. واذا ما فعل ذلك، فإن عليه قطع تذكرة
اخرى وهكذا.. كانت تذكرة دخول السينما لا تتجاوز المائتي والخمسين
دينارا اي ما يقارب الخمسين بيسة.. لكنها مع ذلك كانت غالية
بعض الشيء على شعب تنازل عن الكثير من الكماليات والجزئيات ومجالات
الترفيه.. واتجه الى تأمين غذائه وكسائه..
خرجت من سينما ريكس.. اوقفت احدى السيارات وطلبت من سائقها ان
يوصلني الى شارع المتنبي.. عرجت بنا السيارة من شارع الرشيد
الى ساحة حافظ القاضي مرورا بالبنك المركزي العراقي ووزارة المالية
مرورا بساحة معروف الرصافي.
استوقفني اسم الساحة.. فكم جميل ان يكون لرموز الأدب والثقافة
مكان في الذاكرة.. ويكونوا في موضع الاحتفاء المستحق.. وليس
كثيرا على احدهم ان يحمل اسم شارع او ساحة.. وهم من اناروا الدنيا
واضاءوا بفكرهم صفحات مشرقة لامد بعيد.
ولمن لا يعرف الرصافي، ولا أخال ذلك، فهو شاعر عراقي من أب كردي
وأم تركمانية من عشائر القرغول التي يرجع أصولها إلى قبيلة الشاة
السوداء التركمانية التي حكمت العراق وقسماً من إيران زمناً
ما قبل العثمانيين, عاش في مدينة بغداد ودرس فيها ثم سافر إلى
القسطنطينية حيث أكمل دراسته هناك.. يتسم شعره بالرصانة والجيدة
والمتانة.. كتب نثرا وقال شعرا, له ديوان اسمه الرصافي..
تأملت المنظر المحيط بي من كل صوب.. كان كل شيء ينبئ بثقافة
الشعب.. وكينونة المدينة.. وكل شبر هنا يكتنز بالتاريخ والثقافة
والادب والفنون.. ودون ان تغيب حياة الاسواق.. كان سوق السراي
قبالة جسر الاحرار ممتدا بامتداد ما يحويه من محلات متنوعة تبيع
كل شيء.. من الفضيات واللوحات والتحف التذكارية والتوابل والاقمشة
والقرطاسية وحتى المواد الغذائية والخضار والفواكه.. كان الباعة
كثر لكن المشترين قلة.. يعد احدهم دنانيره ويحسب ألف حساب لكل
بضاعة يشتريها..
من خلف السوق.. او بمحاذاته لاحت لي المدرسة المستنصرية.. دونت
اسمها في ورقة صغيرة كيما اعود إليها ثانية.. بمعية مرافقي من
وزارة الاعلام والثقافة العراقية.. الذي سأكون على موعد معه
صباح اليوم التالي لاخذ جولة مقررة بين معالم المدينة..
في شارع المتنبي اندسست بين المارة.. وشكلت معهم صورة تأتي وتروح
على عشق الشارع.. واصوات باعة الرصيف يعرضون اصداراتهم من كتب
شتى تغطي جوانب عديدة من المعرفة والعلوم الفكرية والادبية.
كان شارع المتنبي صورة اخرى للوجه المشرق للانسان العراقي..
فهو معروف بكمّ المكتبات المتناثرة على ارجائه.. وباعة الرصيف
الذين تتكدس امامهم امهات الكتب والاصدارات الادبية المختلفة..
كان حال السوق يقول ان الجميع هنا يبيع.. لكن من يشتري؟.
بدا لي المتنبي حزينا كسيرا في ذلك اليوم.. يرصد صباحات الذين
يأتون إليه يفترشون الرصيف.. يذرون عليه ما تبقى لديهم.. ينادون
على اعز جليس.. يفترسون الوجوه بحثا عمن يحسن المحافظة على اعزائهم..
وكأني بهم يبيعون أبناءهم.. ويقايضونهم بالطعام والكساء.. وهم
يستبشرون ان باعوا.. ويضجون بالفرح اكثر إن عادوا بكتبهم واحتضنوها
من جديد..
هو صراع القلب والعقل اذن يعيشه المتنبي يوميا.. وهو الذي لم
يعرف الشارع اسمه قبل عقود من الزمن.. حينما كان يعرف باسم (اكمك
خانه) اي شارع المخبز.. وكان يعايش صورا عديدة.. تارة يصبح ملتقى
للتجار والرأسماليين القريبين من الحكومة.. وتارة يصبح ملتقى
للمحامين والقضاة لوجود مجمع المحاكم المدنية.. كان المتنبي
يناظر الشارع ويتوق للاستقرار في مرابعه ويكون عنوانا دائما
لاهل الفكر والثقافة.. يحتضن المكتبات العلمية والمعنية بالنشر
والترجمة.. وتدور رحى المطابع لتقذف إليه المطبوعات المختلفة..
وكان له ذلك حينما اطلقت لجنة خاصة لتسمية شوارع ومحلات بغداد
في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي اسم المتنبي على هذا الشارع.
في ممر ضيق ومحدود تحيطه بساطات الكتب من كل جهة.. كنت امشي
تقذفني الخطوات المتسارعة التي تبحث عن ضالتها بين هذه المكتبة
وتلك.. يتساءلون عن عنوان لكتاب ما.. اجدني انشد نحوه حينما
استمع الى سعره الرمزي.. وهنا كانت امهات الكتب والمؤلفات تباع
باثمان زهيدة.. تحفز المرء لاحتضان الكتاب تلو الاخر..
كانت كتب الترجمة ترقد جنبا الى جنب مع كتب الفلسفة والسياسة
والفكر والملخصات الأكاديمية والبحوث الجامعية.. حتى الكتب المدرسية
وجدت مكانا لها.. وتنافست في عرض كنوزها ودفائنها الثمينة..
كانت تشكل بالنسبة لي تاريخا ينطق بحال العلوم والمعرفة العراقية..
وبالاصرار لدى المثقف على النشر حتى لو كان ذلك لا يؤكل العيش
ولا يسمن او يغني من جوع..
روايات وقصص واشعار بديعة لاسماء ربما تكون بالنسبة لي غير معروفة..
لكن كتاباتها كانت قريبة من نفسي.. قريبة الى الحد الذي حملت
منها الكثير.. وخرجت من المتنبي باكوام كتب.. قذفتها في اقرب
سيارة مرت بي.. وقذفت معها جسدي المنهك من المشي وعيني المتعبة
من القراءة.. كان مقهى الشابندر الثقافي في بداية الشارع يعج
بعشرات المرتادين.. ولا اخالهم غير المثقفين والأدباء والصحفيين
والسياسيين الذين يجدون في المتنبي ضالتهم.. وفي مكتباته مآربهم..
يبحثون بين اكوام الكتب وصفحاتها عن مقاصدهم.
في فندق فلسطين.. ابحت لممثل وزارة الاعلام والثقافة العراقية
عن الكنز الذي عثرت عليه في شارع المتنبي.. وكيف انني وجدت سعر
الكتاب لا يتجاوز الربع دولار.. مما دفعني لشراء الكثير من الكتب
والمؤلفات..
وكم احزنني حينما قال لي: انها للعراقيين البسطاء يا سيدي..
هي للذين ينامون والحصار يطوقهم من كل جانب.. إن عثروا على الربع
دولار ذاك.. فلن يتجهوا لشراء الكتاب رغم نهمهم الشديد للقراءة،
بل سيتجهون لشراء رغيف خبز يلوكونه قبل ان يغشاهم النعاس.. ويسرحوا
بخيالاتهم واحلامهم الى عالم لا حصار فيه..
يا سيدي لن تتمكن من اخراج تلك الكتب، فهي من الاشياء التي يشملها
الحصار، وعليك ان تقنع بالقليل منها، وتحصل على ترخيص اخراجه
من العراق قبل كل شيء، وساساعدك في ذلك.
وكان علي ان اختار من تلك الاكوام بضع روايات عراقية ومجموعة
من المؤلفات التي تتناول الصمود العراقي والتحدي في مواجهة الموت،
والعمل على بناء الذات وتحقيق الاكتفاء بدلا عن الخضوع والانذلال
للهيمنة الغالبة..
كان العراق يضج بالحضارة والتاريخ اينما يممت شطرك.. في كل مكان
تجد مسمى او معلما لارث حضاري او شاهدا ثقافيا، يخبرك عن هذا
الشعب العظيم، عن الذين مروا هنا وتركوا ارثهم شاهدا على عظمتهم..
من عصور سحيقة كانت بلاد الرافدين منبع حضارات عريقة أغنت تاريخ
البشرية, بما خلفته من تراث ثقافي وقانوني ومعماري تأثرت به
الحضارات والثقافات في باقي مناطق العالم.
وكانت الشواهد تنطق أن بلاد مابين النهرين هي أقدم مركز للتراث
الثقافي الإنساني وللحضارة الناضجة, ومنها انبثقت أسس مختلف
المعارف والآداب والفنون وتأثيراتها في أنحاء العالم القديم.
في المتحف العراقي تجلت لنا صورة هذه الحضارة.. عبر الصور والشواهد
والاثار وكنوز الحضارات الانسانية التي تعاقبت على بلاد ما بين
النهرين منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد..
كانت الحضارات السومرية والبابلية والأشورية والحضارة العربية
الإسلامية تسجل تواجدها وتواليها على التراب العراقي.. عبر الاكتشافات
التي تم العثور عليها في مناطق ومدن عراقية مختلفة.
كان المتحف العراقي في منطقة الصالحية من جانب الكوخ يحكي لنا
قصة الحضارة وينبئ عن التاريخ العريق لهذه الارض التي بدت منسية
من ذاكرتنا وغير متداولة الا في اخبار الحروب والقتل والتدمير..
كان المتحف يشمخ عاليا ليقول ان ابجديات القراءة بدأت من هنا..
وان شعب العراق العظيم مرتكز على جذور متينة تضرب بعمقها كيما
تنتصب شامخة كما هذا الشعب الذي يرفض الخنوع والاستسلام..
ومع المتحف العراقي كان المتحف الوطني للفن الحديث الواقع ضمن
مركز الفنون في شارع حيفا ببغداد، يحكي هو ايضا عن اصرار الفنان
العراقي على مقاومة الحصار ومقارعته بالفرشاة والالوان.. يرسمها
كما احلامه تنسكب على لوحة بيضاء فتخرج زاهية بديعة.. كما هي
قلوب العراقين وافئدتهم..
تذكرت في تلك اللحظة وانا اطوف حضارات العراق العظيمة المدرسة
المستنصرية التي استوقفتني وانا امرق الى شارع المتنبي.. وكانت
الفرصة مواتية لزيارتها في ذلك اليوم.. الذي استشعرت عظمة التاريخ
وعمق الحضارة.. وكانت المستنصرية كما بدت لي بالامس القريب..
عظيمة عظم الذين اسسوا بنيانها وشيدوا هندستها وزخارفها البديعة..
كان بناؤها وزخارفها يدل مدى التطور المعماري الذي وصل إليه
كمال البناء في الزمن العباسي وخاصة الرسوم الزخرفية الموجودة
على جدران وأروقة المدرسة وخاصة في سقف المسجد الذي بني على
شكل قبة من دون إدخال حديد التسليح في عمله..
وتعد المدرسة المستنصرية التي أنشئت سنة 625 هجرية، على يد الخليفة
العباسي المستنصر بالله من أقدم الجامعات العربية الإسلامية
والآثار العلمية المهمة التي قامت بتدريس الفقه الإسلامي حسب
المذاهب الأربعة وخرجت الكثير من فطاحل العلماء في مختلف المجالات
منذ إنشائها، وقد تغيَّر اسمها من المدرسة المستنصرية إلى الجامعة
المستنصرية كيما تمارس دورها بصورة اكبر وتعم فائدتها ونفعها
كافة الاقطار العربية..
وعلى مدخلها كانت آثار الساعة العجيبة باقية.. تحاول ان تجاري
الزمن.. وترشد الناس الى اوقات الصلاة ـ كما كانت تفعل من قبل
ـ، حينما كانت تعمل ليلاً ونهاراً بأسلوب علمي متطور مما يدل
على مدى ما وصل إليه العلماء العرب من تطور في ذلك الزمان.
طفت ارجاء واقسام المستنصرية بدمعة سائحة على الحال والمآل الذي
بدت عليه.. وآثار الدمار الذي لحق بها جراء القصف الذي اصابها
ابان الحرب.. ولم ادر ان ثمة بكائية اكبر تنتظرني في برنامجي
التالي في العاصمة الحزينة بغداد.
جال معالمها: خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com
للرحلة بقية الاسبوع القادم